← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

١٩٠٠ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٠٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ» ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: يَغْرِزُ " غَرْسًا " بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَيُكْسَرُ " أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا " أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ وَنَصْبُهُمَا عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ أَوْ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ " فَيَأْكُلُ مِنْهُ " أَيْ: مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الْمَغْرُوسِ أَوِ الْمَزْرُوعِ " إِنْسَانٌ " وَلَوْ بِالتَّعَدِّي " أَوْ طَيْرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ " أَيْ: وَلَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ " إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ " قَالَ الطِّيبِيُّ: الرِّوَايَةُ بِرَفْعِ الصَّدَقَةِ عَلَى أَنَّ كَانَتْ تَامَّةٌ اهـ. وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَأْكُولِ وَأُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ.

стр. 2732

١٩٠١ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ " «وَمَا سُرِقَ لَهُ صَدَقَةٌ» ". ــ ١٩٠١ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ " «وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ» ") أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ مِثْلُ ثَوَابِ تَصَدُّقِ الْمَسْرُوقِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ بِأَيِّ سَبَبٍ يُؤْكَلُ مَالُ الْمُسْلِمِ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى نُقْصَانِ الْمَالِ فَإِنَّ أَجْرَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

стр. 2733

١٩٠٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ الْمَاءِ فَغُفِرَ لَهَا " بِذَلِكَ قِيلَ: إِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: " فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٠٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ» ) بِكَسْرِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ وَفَتْحِهَا أَيِ: الْفَاجِرَةُ مِنَ الْوَمْسِ وَهُوَ الْحِكَاكُ " مَرَّتْ بِكَلْبٍ " أَيْ: عَلَى كَلْبٍ كَائِنٍ " عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ " أَيْ: بِئْرٌ وَقِيلَ: بِئْرٌ لَمْ تُطْوَ " يَلْهَثُ " يُقَالُ: لَهَثَ الْكَلْبُ إِذَا خَرَجَ لِسَانُهُ مِنَ الْعَطَشِ وَالتَّعَبِ " كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ " أَيْ: قَارَبَ أَنْ يُهْلِكَهُ " فَنَزَعَتْ خُفَّهَا " أَيْ: خَلَعَتْهُ " فَأَوْثَقَتْهُ " أَيْ: شَدَّتْهُ " بِخِمَارِهَا " بَدَلًا مِنَ الْحَبْلِ وَالدَّلْوِ " فَنَزَعَتْ " أَيْ: جَذَبَتْ بِهِمَا " لَهُ " أَيْ: لِلْكَلْبِ " مِنَ الْمَاءِ " أَيْ: مَاءِ الْبِئْرِ " فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ " تَأْكِيدٌ لِلْخَبَرِ " قِيلَ: إِنَّ " أَيْ: أَئِنَّ " لَنَا فِي الْبَهَائِمِ " أَيْ: فِي إِحْسَانِهَا " أَجْرًا، قَالَ: فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ " أَيْ: حَيَوَانٍ " أَجْرٌ " قِيلَ إِنَّ الْكَبِدَ إِذَا ظَمِئَتْ تَرَطَّبَتْ وَكَذَا إِذَا أُلْقِيَتْ عَلَى النَّارِ، وَقِيلَ هُوَ مِنْ بَابِ وَصْفِ الشَّيْءِ بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ، أَيْ: كَبِدٍ يُرَطِّبُهَا السَّقْيُ وَيُصَيِّرُهَا رَطْبَةً، وَقَدْ وَرَدَ: " كَبِدٍ حَرَّى " تَأْنِيثُ حَرَّانَ، قَالَ الْمُظْهِرُ: فِي إِطْعَامِ كُلِّ حَيَوَانٍ وَسَقْيِهِ أَجْرٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِقَتْلِهِ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى غُفْرَانِ الْكَبِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، قِيلَ: وَفِي الْحَدِيثِ تَمْهِيدُ فَائِدَةِ الْخَيْرِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2734

١٩٠٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ أَمْسَكَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ مِنَ الْجُوعِ، فَلَمْ تَكُنْ تُطْعِمُهَا وَلَا تُرْسِلُهَا فَتَأْكُلَ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٠٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ» ") أَيْ: فِي شَأْنِهَا وَبِسَبَبِهَا وَلِأَجْلِهَا فَفِي تَعْلِيلِيَّةٌ سَبَبِيَّةٌ " أَمْسَكَتْهَا " أَيْ: رَبَطَتْهَا الْمَرْأَةُ وَمَنَعَتْهَا مِنَ الصَّيْدِ " حَتَّى مَاتَتْ " أَيِ: الْهِرَّةُ " مِنَ الْجُوعِ " قِيلَ: هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ صَغِيرَةٌ وَإِنَّمَا صَارَتْ كَبِيرَةً بِإِصْرَارِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى إِصْرَارِهَا وَيَجُوزُ التَّعْذِيبُ عَلَى الصَّغِيرَةِ كَمَا فِي الْعَقَائِدِ سَوَاءٌ اجْتَنَبَ مُرْتَكِبُهَا الْكَبِيرَةَ أَمْ لَا لِدُخُولِهَا تَحْتَ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونُ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ فِيمَا إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبِيرَةُ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ

стр. 2735

تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وَعَنْهُ أَجْوِبَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَيْسَ هُنَا مَحَلُّهَا " «فَلَمْ تَكُنْ تُطْعِمُهَا وَلَا تُرْسِلُهَا فَتَأْكُلَ» " بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ النَّفْيِ " «مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» " بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَضَمُّهَا أَيْ: هَوَامِّهَا وَحَشَرَاتِهَا وَفِيهِ تَفْخِيمُ أَمْرِ الذَّنْبِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2736

١٩٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ: لِأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ فَأُدْخِلَ بِهِ الْجَنَّةَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٠٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ» ") أَيْ: ظَاهِرِهِ لَا فِي جَنْبَيْهِ " فَقَالَ: لِأُنَحِّيَنَّ " بِتَشْدِيدِ الْحَاءِ أَيْ: لَأُبْعِدَنَّ " هَذَا عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ " بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ أَيْ: لِكَيْلَا يُؤْذِيَهُمْ " فَأُدْخِلَ " مَاضٍ مَجْهُولٌ " الْجَنَّةَ " بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ أَيْ: فَنَحَّاهُ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ كَذَا قَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُمْكِنُ أَنَّ إِدْخَالَهُ الْجَنَّةَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ وَإِنْ لَمْ يُنَحِّهِ وَأَنْ يَكُونَ قَدْ نَحَّاهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2737

١٩٠٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٩٠٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ» ") أَيْ: يَمْشِي وَيَتَبَخْتَرُ أَيْ يَتَرَدَّدُ وَيَتَنَعَّمُ " «فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ» " فِي تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ لِأَجْلِهَا وَبِسَبَبِهَا " «كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ» " أَيْ يَتَأَذَّوْنَ بِهَا وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ عَلَى قَتْلِ الْمُؤْذِي وَإِزَالَتِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 2738

١٩٠٦ - وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قُلْتُ: «يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعْ بِهِ، قَالَ: اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ «اتَّقُوا النَّارَ» فِي بَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. ــ ١٩٠٦ - (وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: «قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعْ بِهِ» ) رُوِيَ مَجْزُومًا جَوَابًا لِلْأَمْرِ وَمَرْفُوعًا صِفَةً لِشَيْءٍ أَيْ: أَنْتَفِعْ بِعَمَلِهِ (قَالَ: " «اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ» ") قِيلَ: هُوَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ فَنَبَّهَ بِأَدْنَى شُعَبِ الْإِيمَانِ عَلَى أَعْلَاهَا أَيْ: لَا تَتْرُكْ بَابًا مِنَ الْخَيْرِ، قُلْتُ: هُوَ فِي الْمَعْنَى كَحَدِيثِ " «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» " وَكَحَدِيثِ " «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» "، وَلِذَا قِيلَ: أَيْ: أَذَى نَفْسِكَ أَوِ الْأَذَى هُوَ هَوَى النَّفْسِ فَإِنَّهَا مَعْدِنُهُ وَمَنْبَعُهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وُجُودُكَ ذَنْبٌ لَا يُقَاسِ بِهِ ذَنْبٌ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الِاحْتِمَاءَ أَوْلَى مِنِ اسْتِعْمَالِ الدَّوَاءِ، وَالتَّخْلِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ، بَلْ مُقَدِّمَةٌ لِلتَّحْلِيَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ اتَّقُوا النَّارَ) تَمَامُهُ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ أَيْ: بِنِصْفِهَا، وَالْمَعْنَى ادْفَعُوهَا عَنْ أَنْفُسِكُمْ بِالْخَيْرَاتِ وَلَوْ كَانَ الِاتِّقَاءُ بِتَصَدُّقِ بَعْضِ تَمْرَةٍ يَعْنِي لَا تَسْتَقِلُّوا شَيْئًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ أَيْ: يَطِيبُ بِهَا قَلْبُ الْمُسْلِمِ أَوْ بِكَلِمَةٍ مِنْ كَلِمَاتِ الْأَذْكَارِ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَدَقَةِ الْفَقِيرِ (فِي بَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -) أَيْ: فِي ضِمْنِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ لِعَدِيٍّ مَذْكُورٍ فِي الْبَابِ لَكِنَّ لَفْظَهُ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَكَانَ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ أَتَى بِبَعْضِ الْحَدِيثِ أَوْ بِحَدِيثٍ مُسْتَقِلٍّ هُنَا مُنَاسَبَةً لِهَذَا الْبَابِ فَعَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ بَابِ التَّكْرَارِ فَأَسْقَطَهُ وَاكْتَفَى بِذِكْرِهِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 2739

الْفَصْلُ الثَّانِي ١٩٠٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ جِئْتُ فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ فَكَانَ أَوَّلُ مَا قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ١٩٠٧ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ جِئْتُ» ) أَيْ: إِلَيْهِ لِأَطَّلِعَ عَلَيْهِ وَأُسْلِمَ لَدَيْهِ " «فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ» ) أَيْ: أَبْصَرْتُ وَجْهَهُ ظَاهِرًا وَقِيلَ: تَأَمَّلْتُ وَتَفَرَّسْتُ بِأَمَارَاتٍ لَائِحَةٍ فِي سِيمَاهُ، وَأَصْلُ مَعْنَاهُ تَكَلَّفْتُ فِي الْبَيَانِ ( «عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ» ) بِالْإِضَافَةِ وَيُنَوَّنُ أَيْ: بِوَجْهٍ ذِي كَذِبٍ فَإِنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ (فَكَانَ أَوَّلُ مَا قَالَ) بِالرَّفْعِ وَيُنْصَبُ " يَا أَيُّهَا النَّاسُ " خِطَابٌ عَامٌّ بِكَلِمَاتٍ جَامِعَةٍ لِلْمُعَامَلَةِ مَعَ

стр. 2740

الْخَلْقِ وَالْحَقِّ " «أَفْشُوا السَّلَامَ» " أَيْ: أَظْهِرُوهُ وَأَكْثِرُوهُ عَلَى مَنْ تَعْرِفُونَهُ وَمَنْ لَا تَعْرِفُونَهُ " «وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ» " أَيْ: لِنَحْوِ الْمَسَاكِينِ وَالْأَيْتَامِ " «وَصِلُوا الْأَرْحَامَ» " أَيْ: وَلَوْ بِالسَّلَامِ " «وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ» " أَيْ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ " وَالنَّاسُ نِيَامٌ " لِأَنَّهُ وَقْتُ الْغَفْلَةِ، فَلِأَرْبَابِ الْحُضُورِ مَزِيدُ الْمَثُوبَةِ أَوْ لِبُعْدِهِ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ ( «تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» ) أَيْ مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنْ مَلَائِكَتِهِ مِنْ مَكْرُوهٍ أَوْ تَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 2741

١٩٠٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اعْبُدُوا الرَّحْمَنَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ١٩٠٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اعْبُدُوا الرَّحْمَنَ» ") أَيِ الَّذِي عَلَّمَكُمُ الْقُرْآنَ ( «وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ» ) أَيْ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ ( «وَأَفْشُوا السَّلَامَ» ) أَيْ لِلْأَنَامِ ( «تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» ) أَيْ فِي خَيْرِ مَقَامٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 2742

١٩٠٩ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السَّوْءِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ١٩٠٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السَّوْءِ» ) أَيْ لَتَمْنَعُ مَوْتَةَ فَقُلِبَتْ وَاوُهَا يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَهِيَ الْحَالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ فِي الْمَوْتِ، وَالسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ وَيُضَمُّ، وَالْمُرَادُ مَا لَا تُؤْمَنُ غَائِلَتُهُ وَلَا تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ كَالْفَقْرِ الْمُدْقِعِ وَالْوَصَبِ الْمُوجِعِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي تُفْضِي بِهِ إِلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ وَنِسْيَانِ الذِّكْرِ، وَقِيلَ: مَوْتُ الْفَجْأَةِ وَالْحَرْقِ وَالْغَرَقِ وَالتَّرَدِّي وَالْهَدْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفِي حَاشِيَةِ مِيرَكَ قَالَ الشَّارِحُ الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ بِالْمِيتَةِ السَّوْءِ الْحَالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْمَوْتِ كَالْفَقْرِ الْمُدْقِعِ وَالْوَصَبِ الْمُوجِعِ وَالْأَلَمِ - الْمُرَادُ الْمُفْلِقُ - وَالْأَغْلَالِ الَّتِي تُفْضِي إِلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ وَالْأَهْوَالِ الَّتِي تَشْغَلُهُ عَمَّا لَهُ وَعَلَيْهِ، وَمَوْتِ الْفَجْأَةِ الَّتِي هُوَ أَخْذَةُ الْآسِفِ وَنَحْوِهَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ نَقْلًا عَنِ الْمُظْهِرِ: أَرَادَ بِهِ مَا تَعَوَّذَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي دُعَائِهِ " «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَدْمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي وَمِنَ الْغَرَقِ وَالْحَرْقِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا» " ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ إِطْفَاءُ الْغَضَبِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ إِنْزَالِ الْمَكْرُوهِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا وَرَدَ: لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الصَّدَقَةُ، وَمَوْتُ السَّوْءِ عَلَى سُوءِ الْخَاتِمَةِ وَوَخَامَةِ الْعَاقِبَةِ مِنَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا وَرَدَ: الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ نَفْيَ الْمَكْرُوهِ لِإِثْبَاتِ ضِدِّهِ أَبْلَغُ مِنَ الْعَكْسِ، فَكَأَنَّهُ نَفَى الْغَضَبَ وَأَرَادَ الرِّضَا وَنَفَى الْمِيتَةَ السَّوْءَ وَأَرَادَ الْحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْجَزَاءَ الْحَسَنَ فِي الْعُقْبَى، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 2743

١٩١٠ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ أَخِيكَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ١٩١٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ» ") أَيِ الْمُسْلِمَ (بِوَجْهٍ) بِالتَّنْوِينِ (طَلْقٍ) بِفَتْحِ الْأَوَّلِ وَسُكُونِ الثَّانِي، وَقِيلَ: بِتَثْلِيثِ الْأَوَّلِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَبِفَتْحٍ وَكَسْرٍ، وَيُقَالُ: طَلِيقٌ أَيْ ضَاحِكٌ مُسْتَبْشِرٌ (وَأَنْ تُفْرِغَ) مِنَ الْإِفْرَاغِ أَيْ تَصُبَّ (مِنْ دَلْوِكَ) أَيْ عِنْدَ اسْتِقَائِكَ (فِي إِنَاءِ أَخِيكَ) لِئَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى الِاسْتِقَاءِ أَوْ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى الدَّلْوِ وَالدِّلَاءِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) أَيْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، كَذَا نَقَلَهُ الْجَزَرِيُّ، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ حَسَنٌ فَقَطْ وَلَيْسَ فِي سَنَدِهِ غَيْرُ الْمُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: فِيهِ لِينٌ، وَقَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ.

стр. 2744

١٩١١ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَنَصْرُكَ الرَّجُلَ الرَّدِيءَ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَ وَالْعَظْمَ فِي الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ١٩١١ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ» ) أَيْ عَلَى وَجْهِ الِانْبِسَاطِ (صَدَقَةٌ) أَيْ إِحْسَانٌ إِلَيْهِ أَوْ لَكَ فِيهِ ثَوَابُ صَدَقَةٍ ( «وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ» ) وَالصَّدَقَاتُ مُخْتَلِفَةُ الْمَرَاتِبِ

стр. 2745

( «وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ» ) أُضِيفَتْ إِلَى الضَّلَالِ كَأَنَّهَا خُلِقَتْ لَهُ، وَهِيَ الَّتِي لَا عَلَامَةَ فِيهَا لِلطَّرِيقِ فَيَضِلُّ فِيهَا الرَّجُلُ (لَكَ صَدَقَةٌ) زِيدَ لَكَ فِي هَذِهِ الْقَرْنِيَّةِ وَالَّتِي بَعْدَهَا لِمَزِيدِ الِاخْتِصَاصِ (وَنَصْرُكَ) أَيْ إِعَانَتُكَ ( «الرَّجُلَ الرَّدِيءَ الْبَصَرِ» ) بِالْهَمْزِ وَيُدْغَمُ أَيِ الَّذِي لَا يُبْصِرُ أَصْلًا أَوْ يُبْصِرُ قَلِيلًا (لَكَ صَدَقَةٌ) وَضَعَ النَّصْرَ مَوْضِعَ الْقِيَادِ مُبَالَغَةً فِي الْإِعَانَةِ كَأَنَّهُ يَنْصُرُهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيهِ (وَإِمَاطَتُكَ) أَيْ إِزَالَتُكَ ( «الْحَجَرَ وَالشَّوْكَ وَالْعَظْمَ» ) أَيْ وَنَحْوَهَا (عَنِ الطَّرِيقِ) أَيْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ( «لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ» ) أَيْ صَبُّكَ ( «مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ» ) أَيْ بَعْضَ الْمَاءِ (لَكَ صَدَقَةٌ) فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِأَخِيكَ دَلْوٌ أَوْ أَعْطَيْتَهُ مَاءً مِنْ دَلْوِكَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 2746

١٩١٢ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " الْمَاءُ " فَحَفَرَ بِئْرًا وَقَالَ: هَذِهِ لِأُمِّ سَعْدٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ١٩١٢ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ) أَرَادَ بِهِ نَفْسَهُ ( «مَاتَتْ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ» ؟) أَيْ لِرُوحِهَا (قَالَ: الْمَاءُ) إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ أَفْضَلَ لِأَنَّهُ أَعَمُّ نَفْعًا فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ خُصُوصًا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ، وَلِذَلِكَ مَنَّ اللَّهُ - تَعَالَى - بِقَوْلِهِ ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْأَزْهَارِ: الْأَفْضَلِيَّةُ مِنَ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ، وَكَانَ هُنَاكَ أَفْضَلَ لِشِدَّةِ الْحَرِّ وَالْحَاجَةِ وَقِلَّةِ الْمَاءِ (فَحَفَرَ) أَيْ سَعْدٌ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ قَالَ - أَيِ الرَّاوِي -: عَنْ سَعْدٍ، فَحَفَرَ (بِئْرًا) بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ (وَقَالَ) أَيْ سَعْدٌ (هَذِهِ) أَيْ هَذِهِ الْبِئْرُ صَدَقَةٌ (لِأُمِّ سَعْدٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَفِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وَرَوَى هُوَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: «إِنَّ سَعْدًا وَهُوَ ابْنُ عُبَادَةَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: " الْمَاءُ» "، وَمِنْ هَذَا الطَّرِيقِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ، ثُمَّ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ نَحْوَهُ، وَهَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ، فَإِنَّ سَعِيدًا وَالْحَسَنَ لَمْ يُدْرِكَا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ.

стр. 2747

١٩١٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَأٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ١٩١٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا مُسْلِمٍ» ) مَا زَائِدَةٌ وَأَيُّ مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ (كَسَا) أَيْ أَلْبَسَ (مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ عَلَى حَالَةِ عُرْيٍ أَوْ لِأَجْلِ عُرْيٍ أَوْ لِدَفْعِ عُرْيٍ وَهُوَ يَشْمَلُ عُرْيَ الْعَوْرَةِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ ( «كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ» ) أَيْ مِنْ ثِيَابِهَا، الْخُضْرُ جَمْعُ أَخْضَرَ مِنْ بَابِ إِقَامَةِ الصِّفَةِ مَقَامَ الْمَوْصُوفِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - " ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ [الكهف: ٣١] " وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ " «مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ» " بِذِكْرِهِ الْمُنْذِرِيَّ وَلَا مُنَافَاةَ ( «وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ» ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَثْمَارَهَا أَفْضَلُ أَطْعِمَتِهَا ( «وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَأٍ» ) بِفَتْحَتَيْنِ مَقْصُورًا وَقَدْ يُمَدُّ أَيْ عَطَشٍ ( «سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ» ) أَيْ مِنْ خَمْرِ الْجَنَّةِ أَوْ شَرَابِهَا. وَالرَّحِيقُ صَفْوَةُ الْخَمْرِ وَالشَّرَابُ الْخَالِصُ الَّذِي لَا غِشَّ فِيهِ، وَالْمَخْتُومُ هُوَ الْمَصُونُ الَّذِي لَمْ يُبْتَذَلْ لِأَجْلِ خِتَامِهِ وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ غَيْرُ أَصْحَابِهِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ نَفَاسَتِهِ، وَقِيلَ: الَّذِي يُخْتَمُ بِالْمِسْكِ مَكَانَ الطِّينِ وَالشَّمْعِ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ الَّذِي يَخْتِمُ أَوَانِيَهُ لِنَفَاسَتِهِ وَكَرَامَتِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ آخِرُ مَا يَجِدُونَ مِنْهُ فِي الطَّعْمِ رَائِحَةُ الْمِسْكِ مِنْ قَوْلِهِمْ خَتَمْتُ الْكِتَابَ أَيِ: انْتَهَيْتُ إِلَى آخِرِهِ اهـ. وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ - خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٦] وَالْمَعْنَى الْأَخِيرُ هُوَ الَّذِي عِنْدَ أَرْبَابِ الذَّوْقِ فَإِنَّ خَتْمَ الْأَوَانِي بِمَعْنَى مَنْعِهَا لَا يُلَائِمُ مَقَامَ الْجَنَّةِ الَّتِي لَا مَقْطُوعَةٌ وَلَا مَمْنُوعَةٌ، وَفِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) .

стр. 2748

١٩١٤ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ " ثُمَّ تَلَا ﴿لَيْسَ الْبَرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الْآيَةَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. ــ ١٩١٤ - (وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ» ") وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ لَا يَحْرِمَ السَّائِلَ وَالْمُسْتَقْرِضَ وَأَنْ لَا يَمْنَعَ مَتَاعَ بَيْتِهِ مِنَ الْمُسْتَعِيرِ كَالْقِدْرِ وَالْقَصْعَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا يَمْنَعَ أَحَدًا الْمَاءَ وَالْمِلْحَ وَالنَّارَ؛ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْآيَةِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا غَيْرُ الزَّكَاةِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ وَالْمُسَافِرِ وَالسَّائِلِ وَتَخْلِيصِ رِقَابِ الْمَمْلُوكِ بِالْعِتْقِ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ تَلَا) أَيْ: قَرَأَ اعْتِضَادًا أَوِ اسْتِشْهَادًا ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ ﴿أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧]- الْآيَةَ) أَيْ: ﴿وَلَكِنَّ الْبَرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّاَئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧] قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَبِهِ الِاسْتِشْهَادُ أَنَّهُ - تَعَالَى - ذَكَرَ إِيتَاءَ الْمَالِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ ثُمَّ قَفَّاهُ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ، قِيلَ: الْحَقُّ حَقَّانِ حَقٌّ يُوجِبُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى عِبَادِهِ وَحَقٌّ يَلْتَزِمُهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ الْمُوَقَّاةِ مِنَ الشُّحِّ الْمَجْبُولِ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ اهـ. وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] يَعْنِي: إِذَا عَاهَدُوا اللَّهَ بِطْرِيقِ النَّذْرِ الْمُوجِبِ لِلْوَفَاءِ بِهِ شَرْعًا وَبِالِالْتِزَامِ الْعُرْفِيِّ السُّلُوكِيِّ الْمُقْتَضِي وَفَاءَهُ مُرُوءَةً وَعُرْفًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ بِقَطْعِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ.

стр. 2749

١٩١٥ - «وَعَنْ بُهَيْسَةَ عَنْ أَبِيهَا قَالَتْ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: " الْمَاءُ "، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: " الْمِلْحُ "، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: " أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٩١٥ - (وَعَنْ بُهَيْسَةَ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، لَهَا صُحْبَةٌ؛ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (عَنْ أَبِيهَا قَالَتْ: قَالَ) أَيْ: أَبُوهَا ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: " الْمَاءُ» ") أَيْ: عِنْدَ عَدَمِ احْتِيَاجِ صَاحِبِ الْمَاءِ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ بِنَاءً عَلَى وُسْعِهِ عَادَةً (قَالَ: " يَا نَبِيَّ اللَّهِ ") تَفَنُّنٌ فِي الْعِبَارَةِ (مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟) أَيْ: بَعْدَ الْمَاءِ (قَالَ: " الْمِلْحُ ") لِكَثْرَةِ احْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَيْهِ وَبَذْلِهِ عُرْفًا (قَالَ: " يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ ") أَيْ: بَعْدَهُ (قَالَ: أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ) مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ: فِعْلُ الْخَيْرِ جَمِيعِهِ " خَيْرٌ لَكَ " لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] وَالْخَيْرُ لَا يَحِلُّ لَكَ مَنْعُهُ، فَهَذَا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ " لَا يَحِلُّ " بِمَعْنَى لَا يَنْبَغِي (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَأَقَرَّهُ الْمُنْذِرِيُّ، فَالْحَدِيثُ حَسَنٌ صَالِحٌ عِنْدَهُ.

стр. 2750

١٩١٦ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ، وَمَا أَكَلَتِ الْعَافِيَةُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدِّرَامِيُّ. ــ ١٩١٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً» ) أَيْ: زَرَعَ أَرْضًا يَابِسَةً " فَلَهُ فِيهَا " أَيْ: فِي نَفْسِ إِحْيَائِهَا " أَجْرٌ، وَمَا أَكَلَتِ الْعَافِيَةُ " وَهِيَ كُلُّ طَالِبِ رِزْقٍ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ أَوْ طَائِرٍ مِنْ عَفَوْتُهُ أَيْ: أَتَيْتُهُ أَطْلُبُ مَعْرُوفَهُ، وَعَافِيَةُ الْمَاءِ وَارِدَتُهُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: الْعَوَافِي أَيْ: طَوَالِبُ الرِّزْقِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ حَاصِلِ الْأَرْضِ وَرِيعِهَا أَوْ مِنَ الْمَأْكُولِ أَوْ مِنَ النَّبَاتِ (فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ) أَيْ: إِذَا كَانَ لَهُ رَاضِيًا وَشَاكِرًا أَوْ مُحْتَمِلًا صَابِرًا (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) وَفِي نُسْخَةٍ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِ مِيرَكَ: كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ.

стр. 2751

١٩١٧ - وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ مَنَحَ مِنْحَةَ لَبَنٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ هَدَى زُقَاقًا كَانَ لَهُ مِثْلَ عِتْقِ رَقَبَةٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ١٩١٧ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ مَنَحَ ") أَيْ: أَعْطَى " مِنْحَةَ لَبَنٍ " تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا وَالْإِضَافَةُ فِيهَا بَيَانِيَّةٌ؛ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فِي الْمِنْحَةِ تَجْرِيدًا بِمَعْنَى مُطْلَقِ الْعَطِيَّةِ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ بِقَوْلِهِ " أَوْ وَرِقٍ " بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا وَهِيَ قَرْضُ الدَّرَاهِمِ لِأَنَّ الْمِنْحَةَ مَرْدُودَةٌ، وَقِيلَ: الصِّلَةُ أَيْ: مَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً، وَلَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ ذِكْرِ الذَّهَبِ أَنَّهُ ذَهَبُ أَهْلِ الْكَرَمِ فَكَأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ أَوْ يُعْلَمُ حُكْمُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى سَبِيلِ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى " أَوْ هَدَى " بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ دَلَّ السَّائِلَةَ (زُقَاقًا) بِضَمِّ الزَّايِ أَيْ سِكَّةً وَطَرِيقًا أَيْ: عَرَّفَ ضَالًّا أَوْ ضَرِيرًا طَرِيقًا، وَقِيلَ: إِلَى سَكَنِهِ أَوْ بَيْتِهِ بِنَاءً عَلَى أَنْ هَدَى مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ أَوْ إِلَى مَفْعُولٍ، وَيُرْوَى بِتَشْدِيدِ الدَّالِ إِمَّا مُبَالَغَةً فِي الْهِدَايَةِ أَوْ مِنَ الْهَدِيَّةِ أَيْ: تَصَدَّقَ بِزُقَاقٍ مِنَ النَّخْلِ وَهُوَ السِّكَّةُ وَالصَّفُّ مِنْ أَشْجَارِهِ أَوْ جَعَلَهُ وَقْفًا " كَانَ لَهُ " أَيْ: ثَبَتَ لَهُ " مِثْلَ عِتْقِ رَقَبَةٍ " أَيْ: كَانَ مَا ذُكِرَ لَهُ مِثْلَ إِعْتَاقِ رَقَبَةٍ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ نَفْعُ الْخَلْقِ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمْ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: كَعَدْلِ رَقَبَةٍ أَوْ نَسَمَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ لَهُ مِثْلَ عِتْقِ رَقَبَةٍ» ، قَالَ الشَّارِحُ: أَيْ: كَمِثْلِ عَبْدٍ وَأَمَةٍ، وَأَوْ لِلشَّكِّ، وَالنَّسَمَةُ الْإِنْسَانُ، أَوْ عَدْلُ رَقَبَةٍ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَالنَّسَمَةُ أَنْ يُعِينَ فِي فَكَاكِهَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَقَالَ: صَحِيحٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

стр. 2752

١٩١٨ - «وَعَنْ أَبِي جُرَيٍّ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ، قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَرَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ، لَا يَقُولُ شَيْئًا إِلَّا صَدَرُوا عَنْهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَرَّتَيْنِ: قَالَ: " لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ، عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ، قُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ " قُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " أَنَا رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي إِنْ أَصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ، وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ، وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ أَوْ فَلَاةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ " قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ، قَالَ: " لَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا "، قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا وَلَا عَبْدًا وَلَا بَعِيرًا وَلَا شَاةً. قَالَ: " وَلَا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ ; إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ. وَارْفَعْ إِزَاَرَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا فِيهِ، فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْهُ حَدِيثَ السَّلَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ " «فَيَكُونَ لَكَ أَجْرُ ذَلِكَ وَوَبَالُهُ عَلَيْهِ» ". ــ ١٩١٨ - (وَعَنْ أَبِي جُرَيٍّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ (جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ) بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَرَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ) أَيْ: يَرْجِعُونَ (عَنْ رَأْيِهِ) وَيَعْمَلُونَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَيَجْتَنِبُونَ عَمَّا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: يَنْصَرِفُونَ عَمَّا رَآهُ وَيَسْتَصْوِبُونَهُ، شَبَّهَ الْمُنْصَرِفِينَ عَنْهُ بَعْدَ تَوَجُّهِهِمْ إِلَيْهِ لِسُؤَالِ مَصَالِحِهِمْ وَمَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ بِالْوَارِدَةِ إِذَا صَدَرُوا عَنِ الْمَنْهَلِ بَعْدَ الرِّيِّ (لَا يَقُولُ شَيْئًا إِلَّا صَدَرُوا عَنْهُ) : أَيْ: عَمِلُوا بِهِ، صِفَةٌ كَاشِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِلْمَقْصُودِ (قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ. قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَرَّتَيْنِ) إِمَّا لِعَدَمِ سَمَاعِهِ أَوْ لِعَدَمِ جَوَابِهِ تَأْدِيبًا لَهُ (قَالَ: لَا تَقُلْ) نَهْيُ تَنْزِيهٍ (عَلَيْكَ السَّلَامُ) أَيِ: ابْتِدَاءً (عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ) أَيْ: فِي زَمَانِ الْجَاهِلِيَّةِ حَيْثُ لَا شُعُورَ لَهُمْ بِالْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُحَيَّا بِهِ الْأَحْيَاءُ لِأَنَّهُ شُرِعَ لَهُ أَنْ يُحَيِّيَ صَاحِبَهُ، وَشُرِعَ لَهُ أَنْ يُجِيبَهُ فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُوضَعَ مَا وُضِعَ لِلْجَوَابِ مَوْضِعَ التَّحِيَّةِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يُحَيَّوْا بِتَقْدِيمِ السَّلَامِ كَقَوْلِهِ ﵇: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» اهـ. وَيُوَضِّحُهُ كَلَامُ بَعْضِ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّهُ يُحَيَّا الْمَيِّتُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ، إِذْ قَدْ سَلَّمَ ﷺ عَلَى الْأَمْوَاتِ بِقَوْلِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّ هَذِهِ تَحِيَّةٌ تَصْلُحُ أَنْ يُحَيَّا بِهَا الْمَيِّتُ لَا الْحَيُّ، وَذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّ تِلْكَ الْكَلِمَةَ شُرِعَتْ لِجَوَابِ التَّحِيَّةِ، وَمِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ أَنْ يُحَيِّيَ صَاحِبَهُ بِمَا شُرِعَ لَهُ مِنَ التَّحِيَّةِ فَيُجِيبَ صَاحِبُهُ بِمَا شُرِعَ لَهُ مِنَ الْجَوَابِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْجَوَابَ مَكَانَ التَّحِيَّةِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْمَيِّتِ فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنَ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِ أَنْ تَشْمَلَهُ بَرَكَةُ السَّلَامِ، وَالْجَوَابُ غَيْرُ مُنْتَظَرٍ هُنَالِكَ، فَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ بِكِلْتَا الصِّيغَتَيْنِ، وَالْآخَرُ أَنَّ إِحْدَى فَوَائِدِ السَّلَامِ أَنْ يُسْمِعَ الْمُسَلِّمُ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً لَفْظَ السَّلَامِ لِيَحْصُلَ الْأَمْنُ مِنْ قِبَلِ قَلْبِهِ، فَإِذَا بَدَأَ بِعَلَيْكَ لَمْ يَأْمَنْ حَتَّى يُلْحِقَ بِهِ السَّلَامَ بَلْ يَسْتَوْحِشُ وَيَتَوَهَّمُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِ، فَأُمِرَ بِالْمُسَارَعَةِ إِلَى إِينَاسِ الْأَخِ الْمُسْلِمِ بِتَقْدِيمِ السَّلَامِ، وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَطْلُوبٍ فِي الْمَيِّتِ فَسَاغَ لِلْمُسَلِّمِ أَنْ يَفْتَتِحَ بِالْكَلِمَتَيْنِ بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ، وَقِيلَ: إِنَّ عُرْفَ الْعَرَبِ إِذَا سَلَّمُوا عَلَى قَبْرٍ أَنْ قَالُوا: عَلَيْكَ السَّلَامُ، فَقَالَ ﵊: " «عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ» " عَلَى وَفْقِ عُرْفِهِمْ وَعَادَاتِهِمْ ; لَا لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ عَلَى الْأَمْوَاتِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ اهـ. فَعَلَى الْأَخِيرِ يُحْمَلُ عَلَى عُرْفٍ خَاصٍّ أَوْ عَلَى جَهْلِ الرَّجُلِ بِالْعُرْفِ، وَالْجَاهِلُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ، فَمَا أَحْسَنَ مَوْقِعَ كَلَامِهِ - عَلَيْهِ

стр. 2753

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " «عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ» " وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ السَّلَامُ جَوَابًا لَهُ، وَتَحِيَّةُ الْمَيِّتِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ) أَيْ: إِذَا سَلَّمْتَ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ (قُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ هُوَ: هُوَ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الِاحْتِمَالَيْنِ الْآتِيَيْنِ، أَوْ صِفَةٌ لِلَّهِ أَوْ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَى نُسْخَةِ الضَّمِّ بِنَاءً عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ فِي " دَعَوْتَهُ " فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ الْآتِيَةِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ " أَنَا رَسُولُ اللَّهِ " مَقْرُونًا بِدَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ وَإِنْ كَانَتْ رِسَالَتُهُ مَعْلُومَةً عِنْدَهُمْ بِالتَّوَاتُرِ وَظُهُورِ أَنْوَاعِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَأَصْنَافِ شَمَائِلِ الرِّسَالَةِ، أَوْ لِكَوْنِ الْمُرَادِ مِنْ سُؤَالِهِ مَعْرِفَةَ الشَّخْصِ الْمُسَمَّى بِوَصْفِ الرِّسَالَةِ الْمَوْصُوفِ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ لَا إِثْبَاتَهَا بِالْمُعْجِزَةِ، وَهَذَا مَحْمَلُ فَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ " بِي " بَعْدَ " دَعَوْتَهُ " أَيْ: بِالتَّوَسُّلِ إِلَيَّ أَوْ بَعْدَ كَشْفِهِ أَيْ: بِسَبَبِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( «إِنْ أَصَابَكَ ضُرٌّ» ) بِضَمِّ الضَّادِ وَيُفْتَحُ " فَدَعَوْتَهُ " أَيْ: أَنْتَ بِوَسِيلَتِي أَوْ أَنَا " كَشَفَهُ " أَيْ: أَزَالَ اللَّهُ ذَلِكَ الضُّرَّ " عَنْكَ، وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ " أَيْ: سَنَةُ قَحْطٍ لَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا " فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ " أَيْ: صَيَّرَهَا ذَاتَ نَبَاتٍ لَكَ " وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ " وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ أَيْ: فَلَاةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الْمَاءِ وَالشَّجَرِ فَهِيَ الْمَفَازَةُ الْمُهْلِكَةُ " أَوْ فَلَاةٍ " أَيْ: مَفَازَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْعُمْرَانِ فَهِيَ الْمَفَازَةُ الْخَطِرَةُ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلشَّكِّ " فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ " أَيْ: فَحَادَتْ وَمَالَتْ عَنِ الطَّرِيقِ أَوْ غَابَتْ عَنْكَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ " فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ، قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ " أَيْ: أَوْصِنِي، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] " قَالَ: «لَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا» " أَيْ: لَا تَشْتُمْهُ، وَإِنَّمَا عَهِدَ ﵊ عَدَمَ السَّبِّ، بِعِلْمِهِ أَنَّهُ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى حَالِهِ ذَلِكَ فَنَهَاهُ عَنْهُ " فَقَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ " أَيْ: بَعْدَ عَهْدِهِ أَحَدًا " حُرًّا وَلَا عَبْدًا وَلَا بَعِيرًا وَلَا شَاةً " أَيْ: لَا إِنْسَانًا وَلَا حَيَوَانًا سَدًّا لِلْبَابِ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ سَبُّ إِنْسَانٍ مَخْصُوصٍ عُلِمَ مَوْتُهُ بِالْكُفْرِ فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي عَدَمِ سَبِّهِ، وَالْأَفْضَلُ الِانْشِغَالُ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ حَتَّى عَنْ لَعْنِ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ خُطُورَ مَا سِوَى اللَّهِ فِي الْخَاطِرِ نُقْصَانٌ " قَالَ " أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ " «وَلَا تَحْقِرَنَّ شِيئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ» " أَيْ: مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَوْ مِنْ أَفْعَالِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا أَوْ صَغِيرًا ( «وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ» ) قِيلَ أَيْ: وَكَلِّمْ أَخَاكَ تَكْلِيمًا فَحُذِفَ الْفِعْلُ الْعَامِلُ وَأُضِيفَ الْمَصْدَرُ إِلَى الْفَاعِلِ أَيْ: تَكْلِيمُكَ أَخَاكَ، ثُمَّ وُضِعَ الْفِعْلُ مَعَ أَنْ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى النَّهْيِ، كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَهُوَ تَكَلُّفٌ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: قَوْلُهُ: وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ إِمَّا عَطْفٌ عَلَى شَيْءٍ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ مُسْتَأْنَفٌ عِلَّةٌ لَهُ أَوْ مُبْتَدَأٌ وَإِنَّ ذَلِكَ خَبَرُهُ " وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ " أَيْ: بَشَّاشٌ " إِلَيْهِ وَجْهُكَ " بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ " مُنْبَسِطٌ " وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّكَ تَتَوَاضَعُ لَهُ وَتَطْلُبُ الْكَلَامَ حَتَّى يَفْرَحَ قَلْبُهُ بِحُسْنِ خُلُقِكَ " إِنَّ ذَلِكَ " بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ التَّغْلِيبِيِّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا لِلْعِلَّةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّكْلِيمِ مَعَ انْبِسَاطِ الْوَجْهِ مِنْ جُمْلَةِ " الْمَعْرُوفِ " «الَّذِي لَا يُنْكَرُ وَلَا يُحَقَّرُ فَلَا يُتْرَكُ» " وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ " أَيْ: لِيَكُنْ سِرْوَالُكَ وَقَمِيصُكَ قَصِيرَيْنِ " فَإِنْ أَبَيْتَ " رَفْعَ إِزَارِكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ فَارْفَعْهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَتَجَاوَزْ عَنْهُمَا " وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ " أَيِ: اجْتَنِبْهُ " فَإِنَّهَا " أَيْ: هَذِهِ الْفَعْلَةُ أَوِ الْخَصْلَةُ الَّتِي هِيَ الْإِسْبَالُ مِنْ إِرْسَالِ الثَّوْبِ وَإِرْخَائِهِ " مِنَ الْمَخِيلَةِ " بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْخَاءِ أَيِ: الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ " «وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ» " أَيْ: سَبَّكَ وَلَعَنَكَ " وَعَيَّرَكَ " أَيْ: لَامَكَ وَعَيَّرَكَ " بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ " أَيْ: مِنْ

стр. 2754

عَيْبِكَ سَوَاءٌ يَكُونُ فِيكَ أَمْ لَا " فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ " أَيْ: فَضْلًا عَمَّا لَا تَعْلَمُ فِيهِ " فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ " أَيْ: إِثْمُ مَا ذُكِرَ مِنَ الشَّتْمِ وَالتَّعْيِيرِ " عَلَيْهِ " أَيْ: عَلَى ذَلِكَ الْمَرْءِ وَلَا يَضُرُّكَ شَيْءٌ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ الْجِذْرِيُّ وَالْمُنْذِرِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْحَدِيثِ (حَدِيثَ السَّلَامِ) أَيْ: صَدْرَ الْحَدِيثِ وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّلَامِ، قَالَ مِيرَكُ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ وَالشَّيْخِ الْجِذْرِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا لَكِنَّ اللَّفْظَ لِأَبِي دَاوُدَ (وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لِلتِّرْمِذِيِّ " «فَيَكُونَ لَكَ أَجْرُ ذَلِكَ وَوَبَالُهُ عَلَيْهِ» " قَالَ مِيرَكُ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ لِلتِّرْمِذِيِّ أَيْضًا، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الْمُؤَلِّفُ: وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، قُلْتُ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي التِّرْمِذِيِّ بِكَمَالِهِ.

стр. 2755

١٩١٩ - «وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا بَقِيَ مِنْهَا؟ " قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا، قَالَ: " بَقِيَتْ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. ــ ١٩١٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً) أَيْ: أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ أَهْلُ الْبَيْتِ ﵃ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا بَقِيَ مِنْهَا؟ ") عَلَى الِاسْتِفْهَامِ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ مِنَ الشَّاةِ " قَالَتْ: مَا بَقِيَ " أَيْ: مِنْهَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ " إِلَّا كَتِفُهَا " أَيِ: الَّتِي لَمْ يُتَصَدَّقْ بِهَا " قَالَ: بَقِيَتْ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا " بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ أَيْ: مَا تَصَدَّقْتِ بِهِ فَهُوَ بَاقٍ، وَمَا بَقِيَ عِنْدَكِ فَهُوَ غَيْرُ بَاقٍ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .

стр. 2756

١٩٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا، إِلَّا كَانَ فِي حِفْظٍ مِنَ اللَّهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ خِرْقَةٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ١٩٢٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا» ) أَيْ: إِزَارًا أَوْ رِدَاءًا أَوْ غَيْرَهَا " إِلَّا كَانَ فِي حِفْظٍ " قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: فِي حِفْظٍ أَيِّ حِفْظٍ " مِنَ اللَّهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ " أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِ " مِنْهُ " أَيْ: مِنَ الثَّوْبِ " خِرْقَةٌ " أَيْ: قِطْعَةٌ يَسِيرَةٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ فِي حِفْظِ اللَّهِ لِيَدُلَّ التَّنْكِيرُ عَلَى نَوْعِ تَفْخِيمٍ وَشُيُوعٍ، وَهَذَا فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَا حَصْرَ وَلَا عَدْلَ لِثَوَابِهِ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْحِفْظِ مَعْنَى السِّتْرِ فَيُوَافِقَ مَا وَرَدَ " «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» " وَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى وَفْقِ الثَّوْبِ وَقَدْرِهِ وَحَالِ مُعْطِيهِ وَآخِذِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) أَيْ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ اهـ. كَلَامُهُ وَحُصَيْنُ بْنُ مَالِكٍ هُوَ الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.

стр. 2757

١٩٢١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، يَرْفَعُهُ، قَالَ: " «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ " رَجُلٌ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ، وَرَجُلٌ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا " أُرَاهُ قَالَ: " مِنْ شِمَالِهِ، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، فَاسْتَقْبَلَ الْعَدُوَّ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، أَحَدُ رُوَاتِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، كَثِيرُ الْغَلَطِ. ــ ١٩٢١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، يَرْفَعُهُ) أَيْ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَنْسِبْهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (يُحِبُّهُمُ اللَّهُ) فَإِنْ ظَهَرَ عَلَامَةُ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ أَوْ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ أَنْتَجَتْ لَهُمُ التَّوْفِيقَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ (رَجُلٌ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) أَيْ وَالنَّاسُ نَائِمُونَ (يَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ) فَكَأَنَّهُ يُكَلِّمُ اللَّهَ وَيُكَلِّمُهُ فِي خَلْوَةٍ وَهَذَا عَلَامَةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ (وَرَجُلٌ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ) أَيْ صَدَقَةِ نَفْلٍ (بِيَمِينِهِ) وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى الْأَدَبِ فِي الْعَطَاءِ بِأَنْ يَكُونَ بِالْيَمِينِ رِعَايَةً لِلْأَدَبِ وَتَفَاؤُلًا بِالْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ أَوْ بِمَنْ يَكُونُ عَلَى يَمِينِهِ (يُخْفِيهَا) أَيْ يُخْفِي تِلْكَ الصَّدَقَةَ غَايَةَ الْإِخْفَاءِ خَوْفًا مِنَ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ مُبَالَغَةً فِي قَصْدِ ابْتِغَاءِ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا (أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مِنَ الْإِرَاءَةِ أَيْ أَظُنُّهُ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ أَوِ ابْنُ مَسْعُودٍ (مِنْ شِمَالِهِ) أَيْ يُخْفِيهَا مِنْ

стр. 2758

شِمَالِهِ أُرِيدَ بِهِ كَمَالُ الْمُبَالَغَةِ أَوْ مِمَّنْ فِي جِهَةِ شِمَالِهِ (وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ) أَيْ فِي جَيْشٍ صَغِيرٍ (فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فَاسْتَقْبَلَ الْعَدُوَّ) أَيْ وَقَاتَلَهُمْ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَمُنَاسَبَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُمْ مُجَاهِدُونَ، فَالْأَوَّلُ يُجَاهِدُ فِي نَفْسِهِ وَيَمْنَعُهَا عَنِ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ وَالرَّاحَةِ وَيُخَالِفُ أَقْرَانَهُ بِالسَّهَرِ وَالتِّلَاوَةِ، وَالثَّانِي يُجَاهِدُ فِي مَالِهِ وَيُخْرِجُهُ وَيُعْطِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ إِخْوَانُهُ وَيُخَالِفُ غَالِبَ أَهْلِ زَمَانِهِ فِي أَنَّهُمْ لَا يُعْطُونَ، وَالثَّالِثُ يُجَاهِدُ فِي بَذْلِ رُوحِهِ حَيْثُ لَا طَمَعَ لِلنَّفْسِ فِي الْغَنِيمَةِ وَمَدْحِ النَّاسِ لَهُ بِالشَّجَاعَةِ وَيُخَالِفُ أَصْحَابَهُ فِي الِانْهِزَامِ، وَالْمُنَاسَبَةُ الثَّابِتَةُ أَيْضًا بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ تُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ ﷺ «ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ بِمَنْزِلَةِ الصَّابِرِ فِي الْغَازِينَ» ، وَالثَّانِي دَخِيلٌ بَيْنَهُمَا يَلْحَقُ بِهِمَا؛ حَيْثُ يَفْعَلُ الْخَيْرَ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ وَعَنْ طَرِيقِهِ عَادِلُونَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ ضَعِيفٌ (أَحَدُ رُوَاتِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ كَثِيرُ الْغَلَطِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ مَعَ كَوْنِهِ إِمَامًا فِي رِوَايَةِ الْمِقْرَاءَةِ، قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقٍ مَحْفُوظٍ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ظَبْيَانَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ كَثِيرُ الْغَلَطِ، هَكَذَا عِبَارَةُ التِّرْمِذِيِّ فِي جَامِعِهِ، وَتَطْبِيقُ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْمُؤَلِّفُ لَا تَخْلُو عَنْ تَكَلُّفِ تَأَمُّلٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَقْصُودَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2759

١٩٢٢ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ، وَثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ لِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْيَانِهِمْ، فَأَعْطَاهُ سِرًّا لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللَّهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقِيَ الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا، فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ١٩٢٢ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ، وَثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ فَرَجُلٌ» ) أَيْ مُعْطِي رَجُلٍ (أَتَى قَوْمًا) وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ صَاحِبُ قَوْمٍ (فَسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ) أَيْ مُسْتَعْطِفًا بِاللَّهِ قَائِلًا: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَعْطُونِي (وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ لِقَرَابَةٍ) أَيْ وَلَمْ يَقُلْ أَعْطُونِي بِحَقِّ قَرَابَةٍ (بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَمَنَعُوهُ) أَيِ الرَّجُلَ الْعَطَاءَ (فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْيَانِهِمْ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ بِأَشْخَاصِهِمْ وَتَقَدَّمَ (فَأَعْطَاهُ سِرًّا) وَقِيلَ: أَيْ تَأَخَّرَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِهِمْ إِلَى جَانِبٍ حَتَّى لَا يَرَوْهُ الْأَعْيَانُ الْأَشْخَاصُ أَيْ سَبَقَهُمْ بِهَذَا الْخَيْرِ فَجَعَلَهُمْ خَلْفَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ " فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ عَنْ أَعْيَانِهِمْ " وَهَذَا أَشَدُّ مَعْنًى وَالْأَوَّلُ أَوْثَقُ سَنَدًا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى خَلَا بِالسَّائِلِ فَأَعْطَاهُ سِرًّا، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِأَعْيَانِهِمْ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ أَيْ تَخَلَّفَ عَنْهُمْ مُسْتَتِرًا بِظِلَالِهِمْ، وَأَعْيَانِهِمْ أَيْ أَشْخَاصِهِمْ، قَالَ الْمُظْهِرُ: إِنَّمَا أَحَبَّهُ اللَّهُ لِتَعْظِيمِ اسْمِهِ وَتَصَدُّقِهِ حِينَ خَالَفَهُ الْقَوْمُ فِي ذَلِكَ اهـ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ سَبَبَ زِيَادَةِ الْمَحَبَّةِ لَهُ وَلِصَاحِبَيْهِ الْآتِيَيْنِ مُخَالَفَةُ الْخَلْقِ وَمُوَافَقَةُ الْحَقِّ مَعَ الْإِخْلَاصِ وَالصِّدْقِ " لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللَّهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ) تَقْرِيرٌ لِمَعْنَى السِّرِّ (وَقَوْمٌ) أَيْ وَقَائِمُ قَوْمٍ (سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ " أَيْ أَطْيَبَ وَأَلَذَّ (مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ) أَيْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُقَابَلُ وَيُسَاوَى بِالنَّوْمِ (فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ) أَيْ فَنَامُوا (فَقَامَ) أَيْ مِنَ النَّوْمِ أَوْ عَنْهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ (يَتَمَلَّقُنِي) أَيْ يَتَوَاضَعُ لَدَيَّ وَيَتَضَرَّعُ إِلَيَّ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْمَلَقُ بِالتَّحْرِيكِ زِيَادَةٌ فِي التَّوَدُّدِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، قِيلَ: دَلَّ أَوَّلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ وَآخِرُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ - تَعَالَى - وَوُجِّهَ بِأَنَّ مَقَامَ الْمُنَاجَاةِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَسْرَارٍ وَمُنَاجَاةٍ بَيْنَ الْمُحِبِّ وَالْمَحْبُوبِ، فَحَكَى اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ، فَحَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لَا بِمَعْنَاهُ إِذْ لَا يُقَالُ يَتَمَلَّقُ اللَّهَ وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الِالْتِفَاتِ فِي شَيْءٍ (وَيَتْلُو آيَاتِي) أَيْ يَقْرَأُ أَلْفَاظَهَا وَيُتْبِعُهَا بِالتَّأَمُّلِ فِي مَعَانِيهَا (وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ) أَيْ جَيْشٍ (فَلَقِيَ الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا) أَيْ أَصْحَابُهُ (فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ) أَيْ خِلَافَ مَنْ وَلَّى دُبُرَهُ بِتَوَلِّيهِ ظَهْرَهُ (حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ) أَيْ حَتَّى يَفُوزَ بِإِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ (وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ الشَّيْخُ الزَّانِي) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالشَّيْخِ الشَّيْبَةُ ضِدُّ الشَّابِّ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُحْصَنُ ضِدُّ الْبِكْرِ كَمَا فِي الْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ " الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " (وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ) أَيِ الْمُتَكَبِّرُ فَإِنَّهُ صَدَقَةٌ (وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ) أَيْ كَثِيرُ الظُّلْمِ فِي الْمَطْلِ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الشَّيْخَ وَأَخَوَيْهِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ فِيهِمْ أَشَدُّ مَذَمَّةً وَأَكْثَرُ نُكْرَةً (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 2760

١٩٢٣ - وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ، فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَقَالَ: بِهَا عَلَيْهَا، فَاسْتَقَرَّتْ فَعَجِبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ شِدَّةِ الْجِبَالِ، فَقَالُوا: يَا رَبِّ! هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنِ الْجِبَالِ؟ قَالَ: نَعَمِ، الْحَدِيدُ. فَقَالُوا: يَا رَبِّ! هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمِ، النَّارُ. فَقَالُوا: يَا رَبِّ! هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمِ، الْمَاءُ. فَقَالُوا: يَا رَبِّ! هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمِ، الرِّيحُ. فَقَالُوا: يَا رَبِّ! هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ: نَعَمِ، ابْنُ آدَمَ تَصَدَّقَ صَدَقَةً بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا عَنْ شِمَالِهِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاذٍ " «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ» " فِي كِتَابِ " الْإِيمَانِ ". ــ ١٩٢٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ) أَيْ أَرْضَ الْكَعْبَةِ وَدُحِيَتْ وَبُسِطَتْ مِنْ جَوَانِبِهَا وَبَقِيَتْ كَلَوْحَةٍ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ (جَعَلَتْ) أَيْ شَرَعَتْ (تَمِيدُ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تَمِيلُ وَتَتَحَرَّكُ وَتَضْطَرِبُ شَدِيدَةً وَلَا تَسْتَقِرُّ حَتَّى قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: لَا يَنْتَفِعُ الْإِنْسُ بِهَا (فَخَلَقَ الْجِبَالَ) وَقِيلَ: أَوَّلُهَا أَبُو قَيْسٍ (فَقَالَ: بِهَا عَلَيْهَا) أَيْ أَمَرَ وَأَشَارَ بِكَوْنِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا عَلَيْهَا (اسْتَقَرَّتْ) أَيِ: الْجِبَالُ عَلَيْهَا فَثَبَتَتِ الْأَرْضُ فِي مَكَانِهَا أَوْ مَا مَادَتْ عَنْ حَالِهَا وَمَحَلِّهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ وَالْأَمْرُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظَةِ كُنْ فَيَكُونُ، وَهَذَا الْمَسْلَكُ عِنْدِي دَقِيقٌ وَبِالْقَبُولِ حَقِيقٌ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الشُّرَّاحُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ مَرَّ مِرَارًا أَنَّ الْقَوْلَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ، وَقَرِينَةُ اخْتِصَاصِهِ اقْتِضَاءُ الْمَقَامِ، فَالتَّقْدِيرُ أَلْقَى بِالْجِبَالِ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْمَفْعُولِ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَإِيثَارُ الْقَوْلِ عَلَى الْإِلْقَاءِ وَالْإِرْسَالِ لِبَيَانِ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ يَتَأَتَّى مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، وَقِيلَ: ضُمِّنَ الْقَوْلُ مَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ أَمَرَ الْجِبَالَ قَائِلًا: ارْسِي عَلَيْهَا، وَقِيلَ: أَيْ ضَرَبَ بِالْجِبَالِ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، وَقِيلَ: الْقَوْلُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أَيْ أَمَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْمَلَائِكَةَ بِوَضْعِ الْجِبَالِ عَلَى الْأَرْضِ اهـ وَالْأَخِيرُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْمَنْقُولِ حَيْثُ وَرَدَ " فَأَصْبَحَتِ الْمَلَائِكَةُ فَرَأَوُا الْجِبَالَ عَلَيْهَا " يَرُدُّهُ قَوْلُهُ ( «فَعَجِبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ شِدَّةِ الْجِبَالِ فَقَالُوا: يَا رَبِّ! هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنِ الْجِبَالِ؟ قَالَ: نَعَمِ، الْحَدِيدُ» ) فَإِنَّهُ يَكْسَرُ الْحَجَرَ وَيُقْلَعُ بِهِ الْجِبَالُ ( «فَقَالُوا: يَا رَبِّ! هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمِ، النَّارُ» ) فَإِنَّهَا تُلَيِّنُ الْحَدِيدَ وَتُذِيبُهُ ( «فَقَالُوا: يَا رَبِّ! هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمِ، الْمَاءُ» ) لِأَنَّهُ يُطْفِئُهَا ( «فَقَالُوا: يَا رَبِّ! هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمِ، الرِّيحُ» ) مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تُفَرِّقُ الْمَاءَ وَتُنَشِّفُهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنَّ الرِّيحَ تَسُوقُ السَّحَابَ الْحَامِلَ لِلْمَاءِ ( «فَقَالُوا: يَا رَبِّ! هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ: نَعَمِ، ابْنُ آدَمَ تَصَدَّقَ صَدَقَةً بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ» ) قِيلَ: أَشَدِّيَّتُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ سَخَّرَ نَفْسَهُ الَّتِي جُبِلَتْ عَلَى غَرَائِزَ لَا تَدْفَعُهَا النَّارُ وَالْمَاءُ وَالرِّيحُ وَلَا تُحْمَلُ عَلَى مَا تَأْبَاهُ بِالتَّشَدُّدِ وَلَا تَنْقَلِبُ عَمَّا تَرُومُهُ بِالِاحْتِيَالِ، فَهِيَ أَشَدُّ مِنْ كُلِّ شَدِيدٍ، وَمَعَ ذَلِكَ قَدْ سَخَّرَهَا حَيْثُ مَنَعَهَا مِنْ إِظْهَارِ الصَّدَقَةِ إِيثَارًا لِلسُّمْعَةِ وَحُبًّا لِلثَّنَاءِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَدْ قَهَرَ الشَّيْطَانَ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ حَصَّلَ رِضَا الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَتِ الصَّدَقَةُ أَشَدَّ مِنَ الرِّيحِ الْأَشَدِّ مِمَّا قَبْلَهَا لِأَنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ الَّذِي لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ فِي الصُّعُوبَةِ وَالشِّدَّةِ، فَإِذَا عَمِلَ الْإِنْسَانُ عَمَلًا تَوَسَّلَ إِلَى إِطْفَائِهِ كَانَ أَشَدَّ وَأَقْوَى مِنْ هَذِهِ الْأَجْرَامِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنَّ مِنْ جِبِلَّةِ ابْنِ آدَمَ الْقَبْضَ وَالْبُخْلَ الَّذِي هُوَ مِنْ طَبِيعَةِ الْأَرْضِ، وَمِنْ جِبِلَّتِهِ الِاسْتِعْلَاءَ وَطَلَبَ انْتِشَارَ الصِّيتِ وَهُمَا مِنْ طَبِيعَتَيِ النَّارِ وَالرِّيحِ، فَإِذَا رَغَمَ بِالْإِعْطَاءِ جِبِلَّتَهُ الْأَرْضِيَّةَ أَوْ بِالْإِخْفَاءِ جِبِلَّتَهُ النَّارِيَّةَ وَالرِّيحِيَّةَ كَانَ أَشَدَّ الْكُلِّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاذٍ «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ» ) أَيْ تُزِيلُ الذُّنُوبَ وَتَمْحُوهَا كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] (فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ) أَيْ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ هُنَاكَ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إِسْقَاطِ الْمُكَرَّرِ.

стр. 2761

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١٩٢٤ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُنْفِقُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا اسْتَقْبَلَتْهُ حَجَبَةُ الْجَنَّةِ، كُلُّهُمْ يَدْعُوهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ " قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: " إِنْ كَانَتْ إِبِلًا فَبَعِيرَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً فَبَقَرَتَيْنِ» ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. ــ (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ١٩٢٤ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُنْفِقُ» ) أَيْ يَتَصَدَّقُ (مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ) أَيْ مِنْ كُلِّ مَالِهِ (زَوْجَيْنِ) أَيِ اثْنَيْنِ أَوْ صِنْفَيْنِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ فِي ابْتِغَاءِ وَجْهِهِ وَمَرْضَاةِ رَبِّهِ أَوْ يُنْفِقُ فِي سَبِيلِ طَاعَتِهِ مِنَ الْحَجِّ وَالْغَزْوِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهَا (إِلَّا اسْتَقْبَلَتْهُ حَجَبَةُ الْجَنَّةِ) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ حَاجِبٍ أَيْ بَوَّابُو أَبْوَابِهَا (كُلُّهُمْ يَدْعُوهُ) أَفْرَدَ الضَّمِيرَ لِلَفْظِ كُلِّ أَوِ الْمَعْنَى: كُلٌّ مِنْهُمْ يَدْعُوهُ (إِلَى مَا عِنْدَهُ) أَيْ مِنَ النِّعَمِ الْعِظَامِ وَالْمِنَحِ الْفِخَامِ أَوْ إِلَى بَابٍ هُوَ وَاقِفٌ عِنْدَهُ بِالِاسْتِدْعَاءِ وَالْعَرْضِ، وَالْغَرَضُ أَنْ يَتَشَرَّفَ بِدُخُولِهِ مِنْهُ (قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟) أَيْ كَيْفَ يُنْفِقُ زَوْجَيْنِ مِمَّا يَتَمَلَّكُهُ بِالْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ (قَالَ: إِنْ كَانَتْ إِبِلًا) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى كُلِّ مَالٍ بِاعْتِبَارِ الْجَمَاعَةِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ فَإِنَّ الْإِبِلَ مُؤَنَّثٌ (فَبَعِيرَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً) أَيْ بَقَرًا (فَبَقَرَتَيْنِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .

стр. 2762

١٩٢٥ - وَعَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ ظِلَّ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَدَقَتُهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ١٩٢٥ - (وَعَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَبُو الْخَيْرِ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ الْمِصْرِيُّ سَمِعَ ابْنَ عَامِرٍ وَأَبَا أَيُّوبَ وَابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ " إِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الصَّدَقَةَ كَالظِّلِّ فِي أَنَّهَا تَحْمِيهِ عَنْ أَذَى الْحَرِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ ظِلُّ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَدَقَتُهُ أَيْ: إِحْسَانُهُ إِلَى النَّاسِ، وَهُوَ إِمَّا هُوَ أَنْ تُجَسَّدَ صَدَقَتُهُ أَوْ يُجَسَّمَ ثَوَابُهَا وَقَدْ تُخَصَّصُ الصَّدَقَةُ بِمَا لَهَا ظِلٌّ حَقِيقِيٌّ كَثَوْبِ الْخَيْمَةِ كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 2763

١٩٢٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ فِي النَّفَقَةِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ» " قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّا قَدْ جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ. رَوَاهُ رَزِينٌ. ــ ١٩٢٦ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ فِي النَّفَقَةِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ» ) أَيْ بَاقِيَهَا أَوْ جَمِيعَهَا (قَالَ سُفْيَانُ) أَيِ الثَّوْرِيُّ فَإِنَّهُ الْمُرَادُ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ (إِنَّا) أَيْ نَحْنُ وَأَصْحَابُنَا (قَدْ جَرَّبْنَاهُ) أَيِ الْحَدِيثَ لِنَعْلَمَ صِحَّتَهُ أَوْ جَرَّبْنَاهُ الْوُسْعَ (فَوَجَدْنَاهُ) أَيْ جَزَاءَهُ (كَذَلِكَ) أَيْ عَلَى تَوْسِيعِ الْعَامِ (رَوَاهُ رَزِينٌ) أَيْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحْدَهُ.

стр. 2764

١٩٢٧ - (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ وَضَعَّفَهُ) . ــ ١٩٢٧ - (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ) أَيْ عَنِ الْأَرْبَعَةِ كُلِّهِمْ، وَأَعَادَ لَفَظَ عَنْ لِئَلَّا يَعْطِفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْجَارِّ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْصَحُ (وَضَعَّفَهُ) أَيِ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَهُ، وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ الْمُنْذِرِيِّ فِي التَّرْغِيبِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: هَذِهِ الْأَسَانِيدُ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً فَهِيَ إِذَا ضُمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ أَحْدَثَتْ قُوَّةً اهـ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَهُ طُرُقٌ صُحِّحَ بَعْضُهَا وَبَعْضُهَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ الِاكْتِحَالِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَشْيَاءِ الْعَشَرَةِ مَا عَدَا الصَّوْمَ وَالتَّوْسِيعَ.

стр. 2765

١٩٢٨ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ: الصَّدَقَةُ مَاذَا هِيَ؟ قَالَ: أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ، وَعِنْدَ اللَّهِ الْمَزِيدُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ١٩٢٨ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (الصَّدَقَةُ) بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ جُمْلَةُ (مَاذَا هِيَ؟) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ ثَوَابُهَا؟ (قَالَ: أَضْعَافٌ) أَيْ هِيَ يَعْنِي ثَوَابَهَا أَضْعَافٌ مِنْ عَشَرَةٍ (مُضَاعَفَةٌ) أَيْ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ (وَعِنْدَ اللَّهِ الْمَزِيدُ) أَيِ الزِّيَادَةُ تَفَضُّلًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: " ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] " قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ خَبَرٌ بِالتَّأْوِيلِ أَيِ الصَّدَقَةُ أَقُولُ فِيهَا مَاذَا هِيَ، وَالسُّؤَالُ عَنْ حَقِيقَةِ الصَّدَقَةِ لَا يُطَابِقُ الْجَوَابَ بِقَوْلِ: أَضْعَافٌ، لَكِنَّهُ وَارِدٌ عَلَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ أَيْ: لَا تَسْأَلْ عَنْ حَقِيقَتِهَا فَإِنَّهَا مَعْلُومَةٌ وَاسْأَلْ عَنْ ثَوَابِهَا لِيُرَغِّبَكَ فِيهَا اهـ. وَفِيهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَكَلُّفِهِ أَنَّ الْمَعْلُومَ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى يُنْهَى عَنْ سُؤَالِهِ وَيُعْدَلَ عَنْ جَوَابٍ آخَرَ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُمْ أَرَأَيْتَ زَيْدًا مَاذَا صَنَعَ بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ بَلْ يَجِبُ نَصْبُ زَيْدٍ، وَمَعْنَى أَرَأَيْتَ أَخْبِرْ وَهُوَ مَنْقُولٌ مَنْ رَأَيْتَ بِمَعْنَى أَبْصَرْتَ أَوْ عَرَفْتَ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَبْصَرْتَهُ، وَشَاهَدْتَ الْعَجِيبَةَ أَوْ عَرَفْتَهَا أَخْبِرْنِي عَنْهَا، وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الِاسْتِخْبَارِ عَنْ حَالَةٍ عَجِيبَةٍ وَقَدْ يُؤْتَى بَعْدَهُ بِالْمَنْصُوبِ الَّذِي كَانَ مَفْعُولًا بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا وَقَدْ يُحْذَفُ نَحْوُ: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ﴾ [الأنعام: ٤٧] ، وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِفْهَامٍ ظَاهِرٍ أَوْ مُقَدَّرٍ وَلَيْسَ لِجُمْلَةِ مَا صَنَعَ مَحَلٌّ مِنَ الْإِعْرَابِ كَمَا تُوُهِّمَ أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ، بَلْ هِيَ لِبَيَانِ الْحَالِ الْمُسْتَخْبَرِ عَنْهَا لِمَا قَالَ: رَأَيْتَ زَيْدًا؟ قَالَ الْمُخَاطَبُ: عَنْ أَيِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ تَسْأَلُ؟ فَقَالَ: مَا صَنَعَ، كَمَا فِي الرِّضَى فَعَلَى هَذَا يَجِبُ نَصْبُ الصَّدَقَةِ فِي قَوْلِهِ أَرَأَيْتَ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِرَفْعِهَا يَتَعَيَّنُ تَوْجِيهُهَا بِأَنْ يُقَالَ: هِيَ وَمَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولَيْنِ، قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] : فَإِنْ قُلْتَ مَا مُتَعَلِّقُ أَرَأَيْتَ؟ قُلْتُ: " الَّذِي يَنْهَى " مَعَ الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ وَهُمَا فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولَيْنِ، قَالَ أَبُو حِبَّانَ: وَمَا قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ هَاهُنَا لَيْسَ بِجَارٍ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ أَيْ فِي الْأَنْعَامِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ ادَّعَى أَنْ جُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الْوَاحِدِ، وَالْمَوْصُولُ هُوَ الْآخَرُ، وَعِنْدَنَا أَنَّ الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ لَا يَكُونُ إِلَّا جُمْلَةً اسْتِفْهَامِيَّةً كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - " ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى - وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى - أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ [النجم: ٣٣ - ٣٥] " وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، فَتَخْرُجُ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى ذَلِكَ الْقَانُونِ إِلَخْ، وَقَالَ فِي الْإِعْلَانِ: أَرَأَيْتَ بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي لَا يُعَلَّقُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَثِيرًا مَا يُعَلَّقُ، اهـ. فَكَلَامُ الرَّضِيِّ بِمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ثُبُوتِ نَصْبِ زَيْدٍ، وَلِذَا قَالَ فِي الْإِعْلَانِ: اخْتَلَفُوا فِي الْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ الْمَنْصُوبِ بِأَرَأَيْتَكَ نَحْوَ أَرَأَيْتَكَ زَيْدًا مَا صَنَعَ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ زَيْدًا مَفْعُولٌ أَوَّلٌ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ سَادَّةٌ مَسَدَّ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَلَا يَجُورُ التَّعْلِيقُ فِي هَذِهِ وَإِنْ جَازَ فِي غَيْرِهَا مِنْ أَخَوَاتِهَا نَحْوَ عَلِمْتَ زَيْدًا مَنْ هُوَ، وَقَالَ السَّفَاقِسِيُّ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] هَنَا وُجُوهٌ أَحَدُهَا لِلزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّ الَّتِي بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى جُمْلَةٍ ابْتِدَائِيَّةٍ يَكُونُ الْخَبَرُ فِيهَا اسْتِفْهَامًا، فَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ فَمُقَدَّرٌ، اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ كَمَا لَا يَخْفَى (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 2766

[بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ] (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ١٩٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَكِيمٍ وَحْدَهُ. ــ (بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ) (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ١٩٢٩ - (عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ بَعْدَهُ زَايٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» ") قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ كَانَتْ عَفْوًا قَدْ فَضَلَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى كَانَ صَدَقَتُهُ مُسْتَنَدَهُ إِلَى ظَهْرٍ قَوِيٍّ مِنَ الْمَالِ، أَوْ أَرَادَ غِنًى يُعْتَمَدُ وَيُسْتَظْهَرُ بِهِ عَلَى النَّوَائِبِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الظَّهْرُ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: ظَهْرُ غِنًى عِبَارَةٌ عَنْ تَمَكُّنِ الْمُتَصَدِّقِ عَنْ غِنًى مَا، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هُوَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، أَيْ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ، وَتَنْكِيرُ غِنًى لِيُفِيدَ أَنْ لَا بُدَّ لِلْمُتَصَدِّقِ مِنْ غِنًى مَا، إِمَّا غِنَى النَّفْسِ وَهُوَ الِاسْتِغْنَاءُ عَمَّا بُذِلَ بِسَخَاوَةِ النَّفْسِ ثِقَةً بِاللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ وَإِمَّا غِنَى الْمَالِ الْحَاصِلِ فِي يَدِهِ، وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ الْيَسَارَيْنِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : " «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» "، وَإِلَّا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَيَتْرُكَ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ فِي الْجُوعِ وَالشِّدَّةِ، وَلِذَا خَتَمَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ ( «وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» ) أَيْ بِمَنْ تَلْزَمُكَ نَفَقَتُهُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أَيْ عَنْهُمَا (وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَكِيمٍ وَحْدَهُ) فَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 2767

١٩٣٠ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٣٠ - (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ» ) أَيِ الزَّوْجَةِ وَالْأَقَارِبِ (وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا) أَيْ يَعْتَدُّهَا مِمَّا يَدَّخِرُ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ يَطْلُبُ الْحِسْبَةَ وَهِيَ الثَّوَابُ (كَانَتْ لَهُ) أَيْ نَفَقَتُهُ (صَدَقَةً) أَيْ عَظِيمَةً أَوْ مَقْبُولَةً أَوْ نَوْعًا مِنَ الصَّدَقَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2768

١٩٣١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ. أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٩٣١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دِينَارٌ) مُبْتَدَأٌ صِفَتُهُ (أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ فِي الْجِهَادِ، أَوْ فِي الْحَجِّ أَوْ طَلَبِ الْعِلْمِ (وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ) أَيْ فِي فَكِّهَا أَوْ إِعْتَاقِهَا " «وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» " قَالَ الطِّيبِيُّ: دِينَارٌ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ الْجُمْلَةُ الَّتِي هِيَ ( «أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» ) قِيلَ: لِأَنَّهُ فَرْضٌ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 2769

١٩٣٢ - وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٩٣٢ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَفْضَلُ دِينَارٍ ") يُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ (" «يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ» ") أَيْ دَابَّةٍ مَرْبُوطَةٍ (" فِي سَبِيلِ اللَّهِ ") مِنْ نَحْوِ الْجِهَادِ (" وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ ") أَيْ حَالَ كَوْنِهِمْ مُجَاهِدِينَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يَعْنِي: الْإِنْفَاقُ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ أَفْضَلُ مِنِ الْإِنْفَاقِ عَلَى غَيْرِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّرْتِيبِ، لِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: التَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ الصَّادِرُ مِنَ الْحَكِيمِ لَا يَخْلُو عَنْ حُكْمِهِ، فَالْأَفْضَلُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مُخَصِّصٌ، وَلِذَا قَالَ ﷺ : «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِهِ، ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] » (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 2770

١٩٣٣ - «وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أَنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ، إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ فَقَالَ: " أَنَفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٣٣ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِيَ أَجْرٌ) بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا (أَنْ أَنْفِقَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ فِي إِنْفَاقِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِإِنِ الشَّرْطِيَّةِ (عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَبُو سَلَمَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَهَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ أَوْلَادٌ: عُمَرُ وَمُحَمَّدٌ وَزَيْنَبُ وَدُرَّةُ (إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا (فَقَالَ: " «أَنَفِقِي عَلَيْهِمْ فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
следующие страницы →