← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

[بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ] (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ١٩٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَكِيمٍ وَحْدَهُ. ــ (بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ) (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ١٩٢٩ - (عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ بَعْدَهُ زَايٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» ") قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ كَانَتْ عَفْوًا قَدْ فَضَلَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى كَانَ صَدَقَتُهُ مُسْتَنَدَهُ إِلَى ظَهْرٍ قَوِيٍّ مِنَ الْمَالِ، أَوْ أَرَادَ غِنًى يُعْتَمَدُ وَيُسْتَظْهَرُ بِهِ عَلَى النَّوَائِبِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الظَّهْرُ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: ظَهْرُ غِنًى عِبَارَةٌ عَنْ تَمَكُّنِ الْمُتَصَدِّقِ عَنْ غِنًى مَا، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هُوَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، أَيْ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ، وَتَنْكِيرُ غِنًى لِيُفِيدَ أَنْ لَا بُدَّ لِلْمُتَصَدِّقِ مِنْ غِنًى مَا، إِمَّا غِنَى النَّفْسِ وَهُوَ الِاسْتِغْنَاءُ عَمَّا بُذِلَ بِسَخَاوَةِ النَّفْسِ ثِقَةً بِاللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ وَإِمَّا غِنَى الْمَالِ الْحَاصِلِ فِي يَدِهِ، وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ الْيَسَارَيْنِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : " «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» "، وَإِلَّا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَيَتْرُكَ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ فِي الْجُوعِ وَالشِّدَّةِ، وَلِذَا خَتَمَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ ( «وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» ) أَيْ بِمَنْ تَلْزَمُكَ نَفَقَتُهُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أَيْ عَنْهُمَا (وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَكِيمٍ وَحْدَهُ) فَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 2767

١٩٣٠ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٣٠ - (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ» ) أَيِ الزَّوْجَةِ وَالْأَقَارِبِ (وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا) أَيْ يَعْتَدُّهَا مِمَّا يَدَّخِرُ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ يَطْلُبُ الْحِسْبَةَ وَهِيَ الثَّوَابُ (كَانَتْ لَهُ) أَيْ نَفَقَتُهُ (صَدَقَةً) أَيْ عَظِيمَةً أَوْ مَقْبُولَةً أَوْ نَوْعًا مِنَ الصَّدَقَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2768

١٩٣١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ. أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٩٣١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دِينَارٌ) مُبْتَدَأٌ صِفَتُهُ (أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ فِي الْجِهَادِ، أَوْ فِي الْحَجِّ أَوْ طَلَبِ الْعِلْمِ (وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ) أَيْ فِي فَكِّهَا أَوْ إِعْتَاقِهَا " «وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» " قَالَ الطِّيبِيُّ: دِينَارٌ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ الْجُمْلَةُ الَّتِي هِيَ ( «أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» ) قِيلَ: لِأَنَّهُ فَرْضٌ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 2769

١٩٣٢ - وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٩٣٢ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَفْضَلُ دِينَارٍ ") يُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ (" «يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ» ") أَيْ دَابَّةٍ مَرْبُوطَةٍ (" فِي سَبِيلِ اللَّهِ ") مِنْ نَحْوِ الْجِهَادِ (" وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ ") أَيْ حَالَ كَوْنِهِمْ مُجَاهِدِينَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يَعْنِي: الْإِنْفَاقُ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ أَفْضَلُ مِنِ الْإِنْفَاقِ عَلَى غَيْرِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّرْتِيبِ، لِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: التَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ الصَّادِرُ مِنَ الْحَكِيمِ لَا يَخْلُو عَنْ حُكْمِهِ، فَالْأَفْضَلُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مُخَصِّصٌ، وَلِذَا قَالَ ﷺ : «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِهِ، ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] » (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 2770

١٩٣٣ - «وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أَنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ، إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ فَقَالَ: " أَنَفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٣٣ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِيَ أَجْرٌ) بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا (أَنْ أَنْفِقَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ فِي إِنْفَاقِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِإِنِ الشَّرْطِيَّةِ (عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَبُو سَلَمَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَهَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ أَوْلَادٌ: عُمَرُ وَمُحَمَّدٌ وَزَيْنَبُ وَدُرَّةُ (إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا (فَقَالَ: " «أَنَفِقِي عَلَيْهِمْ فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2771

١٩٣٤ - «وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ "، قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنِّي وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ. قَالَتْ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاجَتِي وَحَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ تَسْأَلَانِكَ: أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَنْ أَزْوَاجِهِمَا وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا؟ وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ هُمَا؟ " ; قَالَ: امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ " قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَهُمَا "، " أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ "، " وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. ــ ١٩٣٤ - (وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ") أَيْ جَمَاعَتَهُنَّ (" وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ ") بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ جَمْعُ الْحَلْيِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ، كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَهُوَ مَا يُزَيَّنُ بِهِ مِنْ مَصُوغِ الْمَعْدِنِيَّاتِ، أَوِ الْحِجَارَةِ (قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ) أَيْ قَلِيلُهَا (وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ) أَيْ بِإِعْطَائِهَا أَوْ بِالتَّصَدُّقِ (فَأْتِهِ) أَيْ فَاحْضُرْهُ (فَاسْأَلْهُ) وَفِي نُسْخَةٍ فَسَلْهُ أَيْ هَلْ يُجْزِئُنِي أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَوْلَادِكَ أَمْ لَا؟ (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ) أَيِ التَّصَدُّقُ عَلَيْكَ (يُجْزِئُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ: أَيْ يُغْنِي وَيَقْضِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَالْهَمْزَةِ فِي آخِرِهَا أَيْ يَكْفِي (عَنِّي) أَيْ تَصَدَّقْتُ عَلَيْكُمْ وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْكُمْ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُجْزِئْنِي (صَرَفْتُهَا) أَيْ عَنْكُمْ (إِلَى غَيْرِكُمْ) أَيْ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ

стр. 2772

(قَالَتْ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ) وَلَعَلَّ امْتِنَاعَهُ لِأَنَّ سُؤْلَهُ يُنْبِئُ عَنِ الطَّمَعِ (قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ) أَيْ فَذَهَبُتُ (فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) أَيْ وَاقِفَةٌ أَوْ حَاضِرَةٌ (بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) الْمَفْهُومُ مِنْ حَدِيثِ الْبَزَّارِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَابِ بَابُ الْمَسْجِدِ (حَاجَتِي وَحَاجَتُهَا) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ عَيْنُهَا، أَوْ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ (قَالَتْ) أَيْ زَيْنَبُ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ أَعْطَى اللَّهُ رَسُولَهُ هَيْبَةً وَعَظَمَةً يَهَابُهُ النَّاسُ، وَيُعَظِّمُونَهُ، وَلِذَا مَا كَانَ أَحَدٌ يَجْتَرِئُ عَلَى الدُّخُولِ عَلَيْهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ دَلَّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ أَصْحَابُهُ فِي مَجْلِسِهِ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرَ، وَذَلِكَ عِزَّةٌ مِنْهُ ﷺ لَا كِبْرٌ وَسُوءُ خُلُقٍ، وَإِنَّ تِلْكَ الْعِزَّةَ أَلْبَسَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - إِيَّاهُ ﷺ لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ (قَالَتْ) أَيْ زَيْنَبُ ( «فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ تَسْأَلَانِكَ: أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَنْ أَزْوَاجِهِمَا وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا» ) بِضَمِّ الْحَاءِ جَمْعُ حَجْرٍ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، يُقَالُ: فُلَانٌ فِي حَجْرِ فُلَانٍ أَيْ فِي كَنَفِهِ وَمَنْعِهِ وَالْمَعْنَى فِي تَرْبِيَتِهِمَا (وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ) إِرَادَةَ الْإِخْفَاءِ مُبَالَغَةً فِي نَفْيِ الرِّيَاءِ، أَوْ رِعَايَةً لِلْأَفْضَلِ، وَهَذَا أَيْضًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ وَجْهًا لِعَدَمِ دُخُولِهَا (قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ هُمَا؟ " ; قَالَ: امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَيُّ الزَّيَانِبِ ") قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ أَيَّةُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] اهـ بَلْ قِيلَ: التَّأْنِيثُ أَفْصَحُ (قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ) هَذَا يُؤَيِّدُ اصْطِلَاحَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللَّهِ فَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، لَا ابْنُ عُمَرَ، وَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَلَا ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، مَعَ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ أَجِلَّاءُ، لَكِنَّهُ أَجَلُّ فَالْمُطْلَقُ يَصْرِفُ الْأَكْمَلَ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّهُ أَفْقَهُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، قِيلَ: وَإِنَّمَا أَخْبَرَهُ بِلَالٌ عَنْهُمَا مَعَ أَنَّهُمَا نَهَيَا عَنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ بَعْدَ اسْتِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ إِجَابَتَهُ فَرْضٌ دُونَ غَيْرِهِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَهُمَا ") أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (" أَجْرَانِ أَجْرٌ الْقَرَابَةِ ") أَيِ الصِّلَةِ (" وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) قَالَ الشُّمُنِّيُّ: رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ. اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الرَّجُلُ زَكَاتَهُ إِلَى امْرَأَتِهِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا تَدْفَعُ الْمَرْأَةُ زَكَاتَهَا إِلَى زَوْجِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَنَافِعِ عَادَةً، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تَدْفَعُ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَهُمَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَالنَّسَائِيِّ عَنْ زَيْنَبَ الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مَسْنَدِهِ فَقَالَ فِيهِ: فَلَمَّا انْصَرَفَ وَجَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ «جَاءَتْهُ زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَنَا الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَعِنْدِي حَلْيٌ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ» "، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا مُعَارَضَةَ لَازِمَةٌ بَيْنَ هَذِهِ وَالْأُولَى فِي شَيْءٍ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَقَوْلُهُ " وَلَدُكِ " يَجُوزُ كَوْنُهُ مَجَازًا عَنِ الرَّبَائِبِ وَهُمُ الْأَيْتَامُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَكَوْنُهُ حَقِيقَةً فَالْمَعْنَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ إِذَا تَمَلَّكَهَا أَنْفَقَهَا عَلَيْهِمْ، وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صَدَقَةِ نَافِلَةٍ ; لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَ ﵊ يَتَخَوَّلُ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْحَثِّ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ: وَهَلْ يُجْزِئُ ; وَإِنْ كَانَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ الْحَادِثِ لَا يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا إِلَّا فِي الْوَاجِبِ ; لَكِنْ كَانَ فِي أَلْفَاظِهِمْ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ النَّقْلِ لِأَنَّهُ لُغَةً الْكِفَايَةُ، فَالْمَعْنَى: هَلْ يَكْفِي التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ فِي تَحْقِيقِ مُسَمَّى الصَّدَقَةِ وَتَحْقِيقِ مَقْصُودِهَا مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -؟ .

стр. 2773

١٩٣٥ - «وَعَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٣٥ - (وَعَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً) أَيْ جَارِيَةً مَوْلُودَةً فِي مِلْكِهَا مَمْلُوكَةً (فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ مِنْ غَيْرِ إِعْلَامِهِ (فَذَكَرَتْ ذَلِكَ) أَيِ الْإِعْتَاقَ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَوْ أَعْطَيْتِهَا) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ " أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا " بِكَسْرِ التَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِإِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ حَتَّى تَوَلَّدَتْ يَاءٌ " أَخْوَالَكِ " جَمْعُ الْخَالِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى خَادِمٍ مِنْ ضِيقِ الْحَالِ " كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ " لِأَنَّهُ كَانَ صَدَقَةً وَصِلَةً، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2774

١٩٣٦ - «وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: " إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ١٩٣٦ - ( «وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي» ) أَيْ أَوَّلًا أَوْ زِيَادَةً " قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا " أَيْ لَا جِدَارًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ أَكْثَرُ اخْتِلَاطًا وَأَظْهَرُ اطِّلَاعًا فَيَكُونُ بِحُسْنِ الْعِشْرَةِ وَظُهُورِ الْمَوَدَّةِ أَوْلَى، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَارَ الْأَقْرَبَ بِمَزِيدِ الْإِحْسَانِ أَنْسَبُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ انْحِصَارَ الْإِهْدَاءِ إِلَى الْأَقْرَبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ لِمَا فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ :

стр. 2775

١٩٣٧ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٩٣٧ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً» ") أَيْ فِيهَا لَحْمٌ أَوْ لَا " فَأَكْثِرْ مَاءَهَا " أَيْ عَلَى الْمُعْتَادِ لِنَفْسِكَ " وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ " جَمْعُ الْجَارِ يَعْنِي تَفَقَّدْهُمْ بِزِيَادَةِ طَعَامِكَ وَتَجَدُّدِ عَهْدِكَ بِذَلِكَ تَحْفَظْ بِهِ حَقَّ الْجِوَارِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنَّمَا أَمَرَهُ بِإِكْثَارِ الْمَاءِ فِي مَرَقَةِ الطَّعَامِ حِرْصًا عَلَى إِيصَالِ نَصِيبٍ مِنْهُ إِلَى الْجَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَذِيذًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 2776

الْفَصْلُ الثَّانِي ١٩٣٨ - «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ١٩٣٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " جُهْدُ الْمُقِلِّ ") بِضَمِّ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُهْدُ بِالضَّمِّ الْوُسْعُ وَالطَّاقَةُ وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ، وَقِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ، أَيْ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا يَحْتَمِلُهُ حَالُ الْقَلِيلِ الْمَالِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَضِيلَةَ تَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ الْأَشْخَاصِ وَقُوَّةِ التَّوَكُّلِ وَضَعْفِ الْيَقِينِ اهـ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمُقِلِّ الْغَنِيُّ الْقَلْبِ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ " «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» "، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ الْفَقِيرُ الصَّابِرُ عَلَى الْجُوعِ أَنْ يُعْطِيَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْغِنَى فِي قَوْلِهِ " «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» " مَنْ لَا يَصْبِرُ عَلَى الْجُوعِ وَالشِّدَّةِ، تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا، فَمَنْ يَصْبِرُ فَالْإِعْطَاءُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَمَنْ لَا يَصْبِرُ فَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ أَنْ يُمْسِكَ قُوتَهُ ثُمَّ يَتَصَدَّقَ بِمَا فَضَلَ اهـ وَحَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ تَصَدُّقَ الْفَقِيرِ الْغَنِيِّ الْقَلْبِ وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا أَفْضَلُ مِنْ تَصَدُّقِ الْغَنِيِّ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا، فَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ أَفْضَلِيَّةِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ عَلَى الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، وَأَنَّ عِبَادَةَ الْأَوَّلِ مَعَ قِلَّتِهَا أَفْضَلُ مِنَ الثَّانِي مَعَ كَثْرَتِهَا، فَكَيْفَ بِتَسَاوِيهِمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعًا: " «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، رَجُلٌ لَهُ دِرْهَمَانِ أَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَرَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَأَخَذَ مِنْ عُرْضِهِ مِائَةَ أَلْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا» "، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ " وَابْدَأْ " أَيْ أَيُّهَا الْمُتَصَدِّقُ أَوِ الْمُقِلُّ " بِمَنْ تَعُولُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

стр. 2777

١٩٣٩ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. ــ ١٩٣٩ - (وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ) وَكَذَا فِي النُّسَخِ مُصَغَّرًا، وَقَالَ مِيرَكُ: صَوَابُهُ سَلْمَانُ مُكَبَّرًا بِلَا يَاءٍ، وَسُلَيْمَانُ سَهْوٌ مِنَ الْكِتَابِ، أَوْ مِنْ صَاحِبِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. انْتَهَى، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ: هُوَ سَلْمَانُ بْنُ عَامِرٍ الضَّبِّيُّ، عِدَادُهُ فِي الْبَصْرِيِّينَ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ مِنَ الرُّوَاةِ ضَبِّيٌّ غَيْرُهُ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَدْ ذُكِرَ بَعْدَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّهْوَ مِنِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ صَاحِبِ الْكِتَابِ لَذَكَرَهُ فِي عِدَادِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ» ") أَيْ وَاحِدَةٌ " وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ " أَيْ مُتَعَدِّدٌ " صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ " يَعْنِي أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَقَارِبِ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ خَيْرَانِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْ وَاحِدٍ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 2778

١٩٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: عِنْدِي دِينَارٌ، قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ "، قَالَ عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ "، قَالَ عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ "، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ "، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْتَ أَعْلَمُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ١٩٤٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: عِنْدِي دِينَارٌ) أَيْ وَأُرِيدُ أَنْ أُنْفِقَهُ (قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ " قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ "، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ " قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا قَدَّمَ الْوَلَدَ عَلَى الزَّوْجَةِ لِشِدَّةِ افْتِقَارِهِ إِلَى النَّفَقَةِ بِخِلَافِهَا فَإِنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا لَأَمْكَنَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِآخَرَ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ تَقْبَلُ الِانْفِكَاكَ عَنِ اللُّزُومِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ صَغِيرًا فَقِيرًا ( «قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ "، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْتَ أَعْلَمُ» ") بِحَالِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ مِنْ أَقَارِبِكَ وَجِيرَانِكَ وَأَصْحَابِكَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 2779

١٩٤١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ ; رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَتْلُوهُ ; رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ فِيهَا، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ ; رَجُلٌ يُسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. ــ ١٩٤١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَلَا أُخْبِرُكُمْ ") يَحْتَمِلُ الِاسْتِفْهَامَ وَالتَّنْبِيهَ فِي الْإِعْلَامِ " بِخَيْرِ النَّاسِ " أَيْ بِمَنْ هُوَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ، إِذْ لَيْسَ الْغَازِي أَفْضَلَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ، مُطْلَقًا، وَكَذَلِكَ بِشَرِّ النَّاسِ إِذِ الْكَافِرُ شَرٌّ مِنْهُ؛ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّهُمُ الْمَقْصُودُونَ مِنْهُمْ، وَمَعَ هَذَا فَلَا شَكَّ أَنَّ قَاتِلَ النَّاسِ شَرٌّ مِنْهُ، وَلَعَلَّ نُكْتَةَ الْإِطْلَاقِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْحَثِّ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالتَّحْذِيرُ عَنِ الثَّانِي " رَجُلٌ " بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ هُوَ، وَبِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ " مُمْسِكٌ " صِفَةُ رَجُلٍ أَيْ آخِذٌ " بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " أَيْ مُتَهَيِّئٌ لِلْقِتَالِ مَعَ أَعْدَاءِ اللَّهِ " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَتْلُوهُ " أَيْ يَتْبَعُهُ وَيَقْرُبُهُ فِي الْخَيْرِيَّةِ " رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ " بِالْوَجْهَيْنِ، أَيْ مُتَبَاعِدٌ عَنِ النَّاسِ مُنْفَرِدٌ عَنْهُمْ، إِلَى مَوْضِعٍ خَالٍ مِنَ الْبَوَادِي أَوِ الصَّحَارِي " فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ " أَيْ مَثَلًا، وَهُوَ تَصْغِيرُ غَنَمٍ بِمَعْنَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ " «يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ فِيهَا، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ ; رَجُلٌ يُسْأَلُ» " مِنْهُ، عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ يُطْلَبُ " بِاللَّهِ " أَيْ بِالْقَسَمِ بِهِ بِأَنْ يَقُولَ الْفَقِيرُ لِشَخْصٍ: أَعْطِنِي بِاللَّهِ " وَلَا يُعْطِي " عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيِ الرَّجُلُ الْمَسْئُولُ مِنْهُ " بِهِ " أَيْ بِاللَّهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَسْأَلُ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ وَلَا يُعْطَى بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ يَسْأَلُ مَالَكَ لِنَفْسِهِ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطَى بِاللَّهِ إِذَا سَأَلَ بِهِ اهـ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ فَتَأَمَّلْ. نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلَانِ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ وَيُقَدَّرُ الْمَوْصُولُ فِي الثَّانِي، فَيَكُونُ الْمَعْنَى شَرُّ النَّاسِ مَنْ يَسْأَلُ بِاللَّهِ أَيْ بِالْيَمِينِ وَالْإِلْحَاحِ لِأَنَّهُ إِيقَاعٌ لِلنَّاسِ فِي الْحَرَجِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يُعْطَى بِسَبَبِ الْحَيَاءِ فَيَكُونُ أَخْذُهُ حَرَامًا، وَمَنْ لَا يُعْطِي بِاللَّهِ أَيْ بِالْقَسَمِ وَالْحَلِفِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَسْئُولِ، حَيْثُ تَرَكَ تَعْظِيمَ اللَّهِ - تَعَالَى، وَعَدَلَ عَنِ التَّرَحُّمِ عَلَى الْفَقِيرِ الظَّاهِرِ مِنْ حَالِهِ الِاضْطِرَارُ وَالِافْتِقَارُ الْمُلْجِئُ إِلَى الْيَمِينِ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمَسْئُولُ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ (وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 2780

١٩٤٢ - وَعَنْ أُمِّ بُجَيْدٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : " «رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مَعْنَاهُ. ــ ١٩٤٢ - (وَعَنْ أُمِّ بُجَيْدٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ؛ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْقَامُوسُ وَالْعَسْقَلَانِيُّ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بِالنُّونِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، ثُمَّ هِيَ حَوَّاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ السَّكَنِ الْأَنْصَارِيَّةُ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ بِكُنْيَتِهَا، كَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رُدُّوا السَّائِلَ» ") قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " «لَا تَرُدُّوا السَّائِلَ» "، أَيْ لَا تَجْعَلُوهُ مَحْرُومًا، بَلْ أَعْطُوهُ شَيْئًا " وَلَوْ بِظِلْفٍ " بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ لِلْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِمَنْزِلَةِ الْحَافِرِ لِلْفَرَسِ " مُحْرَقٍ " مِنِ الْإِحْرَاقِ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي رَدِّ السَّائِلِ بِأَدْنَى مَا يَتَيَسَّرُ، وَلَمْ يُرِدْ صُدُورَ هَذَا الْفِعْلِ مِنَ الْمَسْئُولِ مِنْهُ، فَإِنَّ الظِّلْفَ الْمُحْرَقَ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ الْوَقْتُ زَمَنَ الْقَحْطِ (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ) أَيْ بِهَذَا اللَّفْظِ وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ، عَنِ الْحَوَّاءِ بِنْتِ السَّكَنِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مَعْنَاهُ.

стр. 2781

١٩٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنِ اسْتَعَاذَ مِنْكُمْ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ فَادْعُوا لَهُ، حَتَّى تُرَوْا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ١٩٤٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنِ اسْتَعَاذَ ") أَيْ مَنْ سَأَلَ مِنْكُمُ الْإِعَاذَةَ مُسْتَغِيثًا " بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ " قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَنِ اسْتَعَاذَ بِكُمْ وَطَلَبَ مِنْكُمْ دَفْعَ شَرِّكُمْ أَوْ شَرِّ غَيْرِكُمْ عَنْهُ، قَائِلًا: بِاللَّهِ عَلَيْكَ أَنْ تَدْفَعَ عَنِّي شَرَّكَ، فَأَجِيبُوهُ وَادْفَعُوا عَنْهُ الشَّرَّ، تَعْظِيمًا لِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَالتَّقْدِيرُ مَنِ اسْتَعَاذَ مِنْكُمْ مُتَوَسِّلًا بِاللَّهِ مُسْتَعْطِفًا بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ صِلَةَ اسْتَعَاذَ، أَيْ مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهُ، بَلْ أَعِيذُوهُ وَادْفَعُوا عَنْهُ، فَوُضِعَ أَعِيذُوا مَوْضِعَ ادْفَعُوا وَلَا تَتَعَرَّضُوا مُبَالَغَةً " «وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ» " أَيْ تَعْظِيمٌ لِاسْمِ اللَّهِ وَشَفَقَةٌ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ " وَمَنْ دَعَاكُمْ " أَيْ إِلَى دَعْوَةٍ " فَأَجِيبُوهُ " أَيْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ " «وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا» " أَيْ أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ إِحْسَانًا قَوْلِيًّا أَوْ فِعْلِيًّا " فَكَافِئُوهُ " مِنَ الْمُكَافَأَةِ أَيْ أَحْسِنُوا إِلَيْهِ مِثْلَ مَا أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ - وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٦٠ - ٧٧] " فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ " أَيْ بِالْمَالِ، وَالْأَصْلُ تُكَافِئُونَ فَسَقَطَ النُّونُ بِلَا نَاصِبٍ وَجَازِمٍ إِمَّا تَخْفِيفًا أَوْ سَهْوًا مِنَ النَّاسِخِينَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى الْحِفْظِ مُعَوَّلٌ، وَنَظِيرُهُ: كَمَا تَكُونُو يُوَلَّ عَلَيْكُمْ، عَلَى مَا رَوَاهُ الدَّيْلَمَيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ أَبِي بَكَرَةَ " فَادْعُوا لَهُ " أَيْ لِلْمُحْسِنِ يَعْنِي فَكَافِئُوهُ بِالدُّعَاءِ لَهُ " حَتَّى تُرَوْا " بِضَمِّ التَّاءِ أَيْ تَظُنُّوا وَبِفَتْحِهَا أَيْ تَعْلَمُوا أَوْ تَحْسَبُوا " أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ " أَيْ كَرِّرُوا الدُّعَاءَ حَتَّى تَظُنُّوا قَدْ أَدَّيْتُمْ حَقَّهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ " «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» "، قُلْتُ: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أُسَامَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِأَحَدٍ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَدْ أَدَّى الْعِوَضَ، وَإِنْ كَانَ حَقُّهُ كَثِيرًا، وَكَانَتْ عَادَةُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ إِذَا دَعَا لَهَا السَّائِلُ تُجِيبُهُ بِمِثْلِ مَا يَدْعُو لَهَا ثُمَّ تُعْطِيهِ مِنَ الْمَالِ، فَقِيلَ لَهَا: تُعْطِينَ السَّائِلَ الْمَالَ وَتَدْعِينَ بِمِثْلِ مَا يَدْعُو لَكِ، فَقَالَتْ: لَوْ لَمْ أَدْعُ لَهُ لَكَانَ حَقُّهُ بِالدُّعَاءِ لِي عَلَى أَكْثَرَ مِنْ حَقِّي عَلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ، فَأَدْعُو لَهُ بِمِثْلِ مَا يَدْعُو لِي حَتَّى أُكَافِئَ دُعَاءَهُ لِتَخْلُصَ لِيَ الصَّدَقَةُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 2782

١٩٤٤ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إِلَّا الْجَنَّةُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٩٤٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ» ") أَيْ بِذَاتِهِ " إِلَّا الْجَنَّةُ " بِالرَّفْعِ أَيْ لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ شَيْءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ، مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ أَنْ تُدْخِلَنَا جَنَّةَ النَّعِيمِ، وَلَا يُسْأَلُ رُوِيَ غَائِبًا نَفْيًا وَنَهْيًا وَمَجْهُولًا، وَرَفْعَ الْجَنَّةِ، وَنَهْيًا مُخَاطِبًا مَعْلُومًا مُفْرَدًا، وَنَصْبَ الْجَنَّةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَا تَسْأَلُوا مِنَ النَّاسِ شَيْئًا بِوَجْهِ اللَّهِ، مِثْلَ أَنْ تَقُولُوا: أَعْطِنِي شَيْئًا بِوَجْهِ اللَّهِ أَوْ بِاللَّهِ، فَإِنَّ اسْمَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُسْئَلَ بِهِ مَتَاعُ الدُّنْيَا، بَلِ اسْأَلُوا بِهِ الْجَنَّةَ، أَوْ لَا تَسْأَلُوا اللَّهَ مَتَاعَ الدُّنْيَا بَلْ رِضَاهُ وَالْجَنَّةَ، وَالْوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الذَّاتِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 2783

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١٩٤٥ - عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا، مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبَرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبَرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءُ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بَخٍ بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنَّى أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ " فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ، وَبَنِي عَمِّهِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١٩٤٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) أَيْ زَوْجُ أُمِّهِ (أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا) تَمْيِيزٌ (مِنْ نَخْلٍ) بَيَانٌ (وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ) بِالرَّفْعِ (إِلَيْهِ بَيْرَحَاءَ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، كَذَا ضَبَطَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَجَاءَ فِي ضَبْطِهِ أَوْجُهٌ كَثِيرَةٌ جَمَعَهَا ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ، فَقَالَ: يُرْوَى بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا، وَبِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، فَهَذِهِ ثَمَانِ لُغَاتٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: بَرِيحَا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَتَقْدِيمِهَا عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: بَارِيحَا مِثْلَهُ، لَكِنْ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ اهـ وَفِي الْمُغْرِبِ: الْبَرَاحُ الْمَكَانُ الَّذِي لَا سُتْرَةَ فِيهِ، مِنْ شَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ كَأَنَّهَا زَالَتْ، وَبَيْرَحَا فَيْعَلَى مِنْهُ، وَهِيَ بُسْتَانٌ لِأَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ بِالْمَدِينَةِ، وَعَنْ شَيْخِنَا أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ مُحَدِّثِي مَكَّةَ يَرْوُونَهَا بَيْرَحَا، وَحَاءُ اسْمُ رَجُلٍ أُضِيفَ إِلَيْهِ الْبِئْرُ، وَالصَّوَابُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى، وَفَى الْمُقَدِّمَةِ اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ فَيُقَالُ بِلَفْظِ الْبِئْرِ وَالْإِضَافَةِ لِمِثْلِ حَرْفِ الْهِجَاءِ، فَعَلَى هَذَا فَحَرَكَاتُ الْإِعْرَابِ فِي الرَّاءِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو ذَرٍّ، وَإِنَّمَا هِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَقَالَ الصُّورِيُّ: هِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْيَاءِ فِي كُلِّ حَالٍ: فَخَلَصْنَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، وَحُكِيَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ فِيهَا فَتَصِيرُ ثَمَانِيَةً، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: بَيْرَحَا وَبَيْرَحَاءُ، بِالْمَدِّ فِيهِمَا وَبَيْرَحَا بِالْقَصْرِ، قِيلَ: فَيْعَلَا مِنَ الْبَرَاحِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الظَّاهِرَةُ اهـ فَتَحَصَّلَ مِنْ مَجْمُوعِ الْمَنْقُولِ أَنَّ الْوَجْهَ الْمُعْتَمَدَ مَا ضَبَطْنَاهُ أَوَّلًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ، ثُمَّ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِرَفْعِ أَحَبَّ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ كَانَ، وَالْخَبَرُ بَيْرَحَاءَ، وَنَصْبُهُ لَفْظِيٌّ أَوْ تَقْدِيرِيٌّ، وَفِي بَعْضِهَا بِنَصْبِ أَحَبَّ عَلَى أَنَّهُ الْخَبَرُ وَبِئْرُحَاءُ اسْمٌ مُؤَخَّرٌ (وَكَانَتْ) أَيِ الْبُقْعَةُ أَوِ الْبِئْرُ (مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ) أَيْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا) أَيِ الْبُقْعَةَ الَّتِي هِيَ الْبُسْتَانُ أَوْ بُسْتَانُ الْبِئْرِ (وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا) أَيْ فِي الْبُقْعَةِ أَوْ فِي الْبِئْرِ (طَيِّبٍ) أَيْ حُلْوٌ الْمَاءُ أَوْ حَلَالٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ (قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] أَيِ الْجَنَّةَ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقِيلَ: التَّقْوَى، وَقِيلَ: الطَّاعَةُ، وَقِيلَ: الْخَيْرُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَنْ تَكُونُوا أَبْرَارًا ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] أَيْ مِنْ أَحَبِّ أَمْوَالِكُمْ إِلَيْكُمْ ( «قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءُ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - أَرْجُو بِرَّهَا» ) أَيْ خَيْرَهَا (وَذُخْرَهَا) أَيْ نَتِيجَتَهَا الْمُدَّخَرَةَ، وَفَائِدَتَهَا الْمُدَّخَرَةَ، يَعْنِي لَا أُرِيدُ ثَمَرَتَهَا الْعَاجِلَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ الْفَانِيَةَ، بَلْ أَطْلُبُ مَثُوبَتَهَا الْآجِلَةَ الْأُخْرَوِيَّةَ الْبَاقِيَةَ (عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا) أَيِ اصْرِفْهَا (يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ) أَيْ فِي مَصْرِفٍ عَلَّمَكَ اللَّهُ إِيَّاهُ، وَفِي الْمَعَالِمِ بِلَفْظِ حَيْثُ شِئْتَ ( «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بَخٍ بَخٍ» ") بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا مَعَ التَّنْوِينِ، وَكَرَّرَ لِلْمُبَالَغَةِ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: هِيَ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُتَعَجِّبُ مِنَ الشَّيْءِ، وَتُقَالُ عِنْدَ الْمَدْحِ وَالرِّضَا بِالشَّيْءِ، فَإِنْ وُصِلَتْ خُفِضَتْ وَنُوِّنَتْ، وَفِي الْمُقَدِّمَةِ فِيهَا لُغَاتٌ: إِسْكَانُ الْخَاءِ وَكَسْرُهَا مُنَوَّنًا وَبِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَبِضَمِّهَا مُنَوَّنًا، وَبِتَشْدِيدِهَا مَضْمُومًا، وَمُنَوَّنًا، وَاخْتَارَ الْخَطَّابِيُّ إِذَا كُرِّرَ تَنْوِينَ الْأُولَى وَتَسْكِينَ الثَّانِيَةِ " ذَلِكَ " أَيْ مَا ذَكَرْتُهُ أَوِ التَّذْكِيرُ لِأَجْلِ الْخَبَرِ وَهُوَ قَوْلٌ، " مَالٌ رَابِحٌ " بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْ ذِي رِبْحٍ كَلَابِنٍ وَتَامِرٍ، وَقِيلَ: فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَرْبُوحٌ، وَيُرْوَى بِالْيَاءِ أَيْ رَائِحٌ عَلَيْكَ نَفْعُهُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَوْلُهُ بِالْيَاءِ يَعْنِي بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَإِلَّا فَلَا يُقْرَأُ إِلَّا بِالْهَمْزَةِ الْمُبْدَلِ عَنْهَا، كَقَائِلٍ وَبَائِعٍ، وَعَائِشَةَ، وَفِي الْمَعَالِمِ: «بَخٍ ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ» " وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا " أَيْ صَدَقَةً " فِي الْأَقْرَبِينَ " أَيْ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ (قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ) أَيْ أَنَا بِأَمْرِكَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) يُحْتَمَلُ التَّخْصِيصُ وَالتَّفْسِيرُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ عَطِيَّةُ أَنْزَلَهُ اللَّهُ الدَّرَجَةَ الْعَلِيَّةَ: حَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَسَّمَهُ بَيْنَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ " «يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أُسِرَّهُ لَمْ أُعْلِنْهُ» ".

стр. 2784

١٩٤٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تُشْبِعَ كَبِدًا جَائِعًا» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ ١٩٤٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تُشْبِعَ كَبِدًا جَائِعًا» ") قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعُمُّ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، وَالنَّاطِقَ وَغَيْرَهُ اهـ وَتَقَدَّمَ الْمُسْتَثْنَى (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 2785

[بَابُ صَدَقَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ] (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ١٩٤٧ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (بَابٌ) بِالسُّكُونِ وَالتَّنْوِينِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَابُ النَّفَقَةِ، وَفَى بَعْضِهَا بَابُ مَا تُنْفِقُهُ الْمَرْأَةُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا. (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ١٩٤٧ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ» ") أَيْ تَصَدَّقَتْ " مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ " نُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَيْ غَيْرَ مُسْرِفَةٍ فِي التَّصَدُّقِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى إِذْنِ الزَّوْجِ لَهَا بِذَلِكَ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً، وَقِيلَ: هَذَا جَارٍ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، فَإِنَّ عَادَاتِهِمْ أَنْ يَأْذَنُوا لِزَوْجَاتِهِمْ وَخَدَمِهِمْ بِأَنْ يُضَيِّفُوا الْأَضْيَافَ، وَيُطْعِمُوا السَّائِلَ وَالْمِسْكِينَ وَالْجِيرَانَ، فَحَرَّضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ عَلَى هَذِهِ الْعَادَةِ الْحَسَنَةِ، وَالْخَصْلَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ " «كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ» " أَيْ بِسَبَبِ إِنْفَاقِهَا. " وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ " أَيْ بِكَسْبِهِ وَتَحْصِيلِهِ " وَلِلْخَازِنِ " أَيِ الَّذِي كَانَتِ النَّفَقَةُ فِي يَدِهِ " مِثْلُ ذَلِكَ " أَيِ الْأَجْرِ " وَلَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا " أَيْ مِنَ النَّقْصِ أَوْ مِنَ الْأَجْرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مِنْ طَعَامٍ أُعِدَّ لِلْأَكْلِ وَجُعِلَتْ مُتَصَرِّفَةً وَجُعِلَتْ لَهُ خَازِنًا، فَإِذَا أَنْفَقَتْ مِنْهُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ يَعُولُهُ مِنْ غَيْرِ تَبْذِيرٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَأَمَّا جَوَازُ التَّصَدُّقِ مِنْهُ فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ صَرِيحًا، نَعَمِ، الْحَدِيثُ الْآتِي دَلَّ عَلَى جَوَازِ التَّصَدُّقِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا التَّصَدُّقُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَكَذَا الْخَادِمُ، وَالْحَدِيثُ الدَّالُّ عَلَى الْجَوَازِ خَرَجَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، يُطْلِقُونَ الْأَمْرَ لِلْأَهْلِ وَالْخَادِمِ فِي التَّصَدُّقِ وَالْإِنْفَاقِ عِنْدَ حُضُورِ السَّائِلِ، وَنُزُولِ الضَّيْفِ، كَمَا قَالَ ﵊: " «لَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ» " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2786

١٩٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٤٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ» ") أَيْ تَصَدَّقَتْ " مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا " أَيْ مِنْ مَالِهِ " مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ " أَيْ مَعَ عِلْمِهَا بِرِضَى الزَّوْجِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى النَّوْعِ الَّذِي سُومِحَتْ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ " فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ " قِيلَ: هَذَا مُفَسَّرٌ بِمَا إِذَا أَخَذَتْ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَتِهَا، وَتَصَدَّقَتْ بِهِ، فَعَلَيْهَا غُرْمُ مَا أَخَذَتْ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَإِذَا عَلِمَ الزَّوْجُ وَرَضِيَ بِذَلِكَ فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ بِمَا تَصَدَّقَتْ مِنْ نَفَقَتِهَا، وَنِصْفُ أَجْرِهِ لَهُ بِمَا تَصَدَّقَتْ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَتِهَا ; لِأَنَّ الْأَكْثَرَ حَقُّ الزَّوْجِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2787

١٩٤٩ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٤٩ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الْأَمِينُ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ» ) أَيْ مِنَ الصَّدَقَةِ وَنَحْوِهَا " كَامِلًا " حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ أَوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ " مُوَفَّرًا " بِفَتْحِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ تَامًّا، فَهُوَ تَأْكِيدٌ، وَبِكَسْرِهَا حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَيْ مُكَمِّلًا عَطَاءَهُ " طَيِّبَةً " أَيْ رَاضِيَةً غَيْرَ شَحِيحَةٍ " بِهِ " أَيْ بِالْعَطَاءِ " نَفْسُهُ فَيَدْفَعُهُ " عَطْفٌ عَلَى يُعْطِي " إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ " فِيهِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ: شَرْطُ الْإِذْنِ لِقَوْلِهِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَعَدَمُ نُقْصَانِ مَا أُمِرَ بِهِ، لِقَوْلِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا، وَطِيبُ النَّفْسِ بِالتَّصَدُّقِ إِذْ بَعْضُ الْخُزَّانِ وَالْخُدَّامِ لَا يَرْضَوْنَ بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّصَدُّقِ، وَإِعْطَاءُ مَنْ أُمِرَ لَهُ بِهِ إِلَى مِسْكِينٍ آخَرَ، فَالْخَازِنُ مُبْتَدَأٌ، وَمَا بَعْدَهُ صِفَاتٌ لَهُ، وَخَبَرُهُ " أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ " بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ أَيِ الْمَالِكُ وَالْخَازِنُ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَقَدْ صَحَّ رِوَايَةُ الْجَمْعِ أَيْضًا كَمَا فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ ﵀: ضُبِطَ فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الصَّحِيحَيْنِ بِفَتْحِ الْقَافِ عَلَى التَّثْنِيَةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيَجُوزُ الْكَسْرُ عَلَى الْجَمْعِ أَيْ هُوَ مُتَصَدِّقٌ مِنَ الْمُتَصَدِّقِينَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2788

١٩٥٠ - «وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسَهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٥٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَجُلًا) قِيلَ: هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ (قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي) قَالَ مِيرَكُ: هِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ مَسْعُودِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ، تُوُفِّيَتْ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ (افْتُلِتَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الِافْتِلَاتِ وَقَوْلُهُ (نَفْسَهَا) بِالنَّصْبِ فِي الْأَكْثَرِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى نِيَابَةِ الْفِعْلِ، وَالْفَلْتَةُ: الْبَغْتَةُ، وَالْأَصْلُ أَفْلَتَهَا اللَّهُ نَفْسَهَا أَيِ اخْتَلَسَهَا نَفْسَهَا، مُعَدًّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، ثُمَّ تُرِكَ ذِكْرُ الْفَاعِلِ وَبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، كَمَا تَقُولُ: اخْتَلَسْتُ الشَّيْءَ وَاسْتَلَبْتُهُ، وَقِيلَ: أُخِذَتْ نَفْسُهَا فَلْتَةً أَيْ مَاتَتْ فَجْأَةً، وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى الْكَلَامِ (وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ) أَيْ لَوْ قَدَرَتْ عَلَى الْكَلَامِ (تَصَدَّقَتْ) أَيْ مِنْ مَالِهَا بِشَيْءٍ أَوْ أَوْصَتْ بِتَصَدُّقِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا (فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ ") قِيلَ: لَا يَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ إِلَّا الصَّدَقَةُ وَالدُّعَاءُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2789

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ١٩٥١ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حُجَّةِ الْوَدَاعِ: " «لَا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا طَعَامٌ؟ ، قَالَ: " ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ (الْفَصْلُ الثَّانِي) ١٩٥١ - (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَةِ عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتُكْسَرُ " لَا تُنْفِقُ " نَفْيٌ وَقِيلَ: نَهْيٌ، فِي الْمَصَابِيحِ: أَلَا لَا تُنْفِقُ " امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا " أَيْ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الطَّعَامَ؟ قَالَ: " ذَلِكَ ") أَيِ الطَّعَامُ " أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا " أَيْ أَنْفُسِنَا، وَفِي نُسْخَةٍ أَمْوَالِ النَّاسِ، يَعْنِي فَإِذَا لَمْ تَجُزِ الصَّدَقَةُ بِمَا هُوَ أَقَلُّ قَدْرًا مِنَ الطَّعَامِ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ، فَكَيْفَ تَجُوزُ بِالطَّعَامِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 2790

١٩٥٢ - وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: «لَمَّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ النِّسَاءُ، قَامَتِ امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وَأَزْوَاجِنَا فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟ قَالَ: " الرَّطْبُ تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٩٥٢ - (وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ النِّسَاءُ قَامَتِ امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ) أَيْ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ أَوْ طَوِيلَةُ الْقَامَةِ (كَأَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ) وَهِيَ قَبِيلَةٌ (فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا كَلٌّ) بِفَتْحِ الْكَافِ أَيْ ثِقَلٌ وَعِيَالٌ (عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وَأَزْوَاجِنَا فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) أَيْ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِمْ (قَالَ: " الرَّطْبُ ") بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ، مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ مِنَ الْمَرَقِ وَاللَّبَنِ وَالْفَاكِهَةِ وَالْبُقُولِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَعَ فِيهَا الْمُسَامَحَةُ بِتَرْكِ الِاسْتِئْذَانِ جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ، بِخِلَافِ الْيَابِسِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ " تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ " أَيْ تُرْسِلْنَهُ هَدِيَّةً (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 2791

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ١٩٥٣ - عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ: «أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا، فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: " لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ " فَقَالَ: يُعْطِي طَعَامِي بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ، فَقَالَ: " الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا "، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَالِيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: " نَعَمْ وَالْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ١٩٥٣ - (عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ) أَيْ مَمْلُوكِهِ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ، وَقِيلَ: كَانَ لَا يَأْكُلُ مَا ذُبِحَ عَلَى الْأَصْنَامِ، وَكَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ وَجْهَ تَسْمِيَتِهِ أَنَّهُ آبِي اللَّحْمِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَوْلَاهُ إِلَى الْمِسْكِينِ كَمَا يَدُلُّ قَوْلُهُ (قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنَ الْقَدِّ وَهُوَ الشَّقُّ طُولًا ( «فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَدَعَاهُ، فَقَالَ: " لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ " قَالَ: يُعْطِي طَعَامِي مِنْ غَيْرِ أَنْ آمُرَهُ» ) أَيْ بِغَيْرِ إِذْنِي إِيَّاهُ (فَقَالَ: " الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا ") أَيْ لَوْ أَرَدْتَ أَوْ رَضِيتَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يُرِدْ بِهِ إِطْلَاقَ يَدِ الْعَبْدِ، بَلْ كَرِهَ صَنِيعَ مَوْلَاهُ فِي ضَرْبِهِ عَلَى أَمْرٍ تَبَيَّنَ رُشْدُهُ فِيهِ، فَحَثَّ السَّيِّدَ عَلَى اغْتِنَامِ الْأَجْرِ، وَالصَّفْحِ عَنْهُ، فَهَذَا تَعْلِيمٌ وَإِرْشَادٌ لِآبِي اللَّحْمِ لَا تَقْرِيرٌ لِفِعْلِ الْعَبْدِ (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «كُنْتُ مَمْلُوكًا فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَالِيَّ» ؟) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (بِشَيْءٍ) أَيْ تَافِهٍ أَوْ مَأْذُونٍ فِيهِ عَادَةً (قَالَ: " «نَعَمْ وَالْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 2792

[بَابُ مَنْ لَا يَعُودُ فِي الصَّدَقَةِ]

стр. 2793

(بَابُ مَنْ لَا يَعُودُ فِي الصَّدَقَةِ) (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ١٩٥٤ - «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» "، وَفِي رِوَايَةٍ: " «لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (بَابُ مَنْ لَا يَعُودُ فِي الصَّدَقَةِ) أَيْ لَا حَقِيقَةً وَلَا صُورَةً. (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ١٩٥٤ - (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: حَمَلْتُ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيْ أَرْكَبْتُ شَخْصًا (عَلَى فَرَسٍ) أَيْ لِلْغَزْوِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ جَعَلْتُ فَرَسًا حُمُولَةً مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُمُولَةٌ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ، وَتَصَدَّقْتُ بِهَا عَلَيْهِ (فَأَضَاعَهُ) أَيِ الْفَرَسَ (الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) يَعْنِي أَسَاءَ سِيَاسَتَهُ، وَالْقِيَامَ بِتَرْبِيَتِهِ، وَعَلْفَهُ حَتَّى صَارَ كَالشَّيْءِ الضَّائِعِ الْهَالِكِ (فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ) أَيِ الْفَرَسَ مِنْهُ (وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ، وَهُوَ إِمَّا لِتَغَيُّرِ الْفَرَسِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَقِيَهُ رَخِيصًا أَوْ لِكَوْنِي مُنْعِمًا عَلَيْهِ (فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " لَا تَشْتَرِهِ ") بَهَاءِ الضَّمِيرِ أَوِ السَّكْتِ، وَهُوَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ " وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ " أَيْ صُورَةً " وَإِنْ أَعْطَاكَهُ " وَصْلِيَّةٌ " بِدِرْهَمٍ " الْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لَا تَشْتَرِهِ، أَوْ بِقَوْلِهِ أَعْطَاكَهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ شِرَاءَ الْمُتَصَدِّقِ صَدَقَتَهُ حَرَامٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ: وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَكَوْنِ الْقُبْحِ فِيهِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ رُبَّمَا يُسَامِحُ الْمُتَصَدِّقَ فِي الثَّمَنِ بِسَبَبِ تَقَدُّمِ إِحْسَانِهِ فَيَكُونُ كَالْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ الَّذِي سُومِحَ " «فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» " قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ تَنْفِيرٌ عَظِيمٌ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنِ الْخِسَّةِ وَالدَّنَاءَةِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْمُرُوءَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ " «لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ» " أَيْ وَلَوْ فِي الصُّورَةِ " «فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ» " أَيْ حَقِيقَةً (" «كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي الْمَعَالِمِ لِلْبَغَوِيِّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: خَطَرَتْ عَلَى قَلْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَذَكَرْتُ مَا أَعْطَانِي اللَّهُ فَمَا كَانَ شَيْءٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْ فُلَانَةَ هِيَ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وَقَالَ: لَوْ أَنِّي لَا أَعُودُ فِي شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ لَنَكَحْتُهَا.

стр. 2794

١٩٥٥ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: " وَجَبَ أَجَرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ " قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: " صُومِي عَنْهَا " قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٩٥٥ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ) أَيْ جَارِيَةٌ (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي تَصَدَّقْتُ) أَيْ قَبْلَ ذَلِكَ (عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ) أَيْ بِتَمْلِيكِهَا لَهَا هِبَةً أَوْ صَدَقَةً (وَإِنَّهَا) أَيْ أُمِّي (مَاتَتْ) فَهَلْ آخُذُهَا وَتَعُودُ فِي مِلْكِي أَمْ لَا؟ " قَالَ: وَجَبَ أَجَرُكِ " أَيْ بِالصِّلَةِ " وَرَدَّهَا " أَيِ الْجَارِيَةَ " عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ " النِّسْبَةُ مَجَازِيَّةٌ، أَيْ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكِ بِالْمِيرَاثِ، وَصَارَتِ الْجَارِيَةُ مِلْكًا لَكِ بِالْإِرْثِ وَعَادَتْ إِلَيْكِ بِالْوَجْهِ الْحَلَالِ، وَالْمَعْنَى أَنْ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْعَوْدِ فِي الصَّدَقَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا اخْتِيَارِيًّا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الشَّخْصَ إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ عَلَى قَرِيبِهِ، ثُمَّ وَرِثَهَا حَلَّتْ لَهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ صَرْفُهَا إِلَى فَقِيرٍ لِأَنَّهَا صَارَتْ حَقًّا لِلَّهِ - تَعَالَى - اهـ وَهَذَا تَعْلِيلٌ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ فَلَا يُعْقَلُ (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ) أَيْ قَضَاؤُهُ " أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ " حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا " قَالَ: صُومِي عَنْهَا " أَيْ بِالْكَفَّارَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: جَوَّزَ أَحْمَدُ أَنْ يَصُومَ الْوَلِيُّ عَنِ الْمَيِّتِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ بِهَذَا، وَلَمْ يُجَوِّزْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵏ اهـ بَلْ يُطْعِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ لِكُلِّ يَوْمٍ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَقِيلَ: لِصَلَوَاتِ كُلِّ يَوْمٍ (قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا ") أَيْ سَوَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهَا أَمْ أَوْصَتْ بِهِ أَمْ لَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ أَحَدٌ عَنِ الْمَيِّتِ بِالِاتِّفَاقِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 2795

[كِتَابُ الصَّوْمِ]

стр. 2796

كِتَابُ الصَّوْمِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١٩٥٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ» " وَفِي رِوَايَةٍ: " «فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» "، وَفِي رِوَايَةٍ: " «فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ كِتَابُ الصَّوْمِ هُوَ لُغَةً: الْإِمْسَاكُ مُطْلَقًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أَيْ إِمْسَاكًا عَنِ الْكَلَامِ، وَشَرْعًا: إِمْسَاكٌ عَنِ الْجُوعِ وَعَنْ إِدْخَالِ شَيْءٍ بَطْنًا لَهُ حُكْمُ الْبَاطِنِ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الْغُرُوبِ عَنْ نِيَّةٍ، كَذَا عَرَّفَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا ثَالِثُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، شَرَعَهُ - سُبْحَانَهُ - لِفَوَائِدَ، أَعْظَمُهَا كَوْنُهُ مُوجِبًا لِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا نَاشِئٌ عَنِ الْآخَرِ؛ سُكُونُ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ وَكَسْرُ شَهْوَتِهَا فِي الْفُضُولِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ، مِنَ الْعَيْنِ وَاللِّسَانِ وَالْأُذُنِ وَالْفَرْجِ، فَإِنَّ بِهِ تَضْعُفُ حَرَكَتُهَا فِي مَحْسُوسَاتِهَا، وَلِذَا قِيلَ: إِذَا جَاعَتِ النَّفْسُ شَبِعَتْ جَمِيعُ الْأَعْضَاءِ وَإِذَا شَبِعَتْ جَاعَتْ كُلُّهَا، وَالنَّاشِئُ عَنْ هَذَا صَفَاءُ الْقَلْبِ عَنِ الْكَدَرِ، فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِكُدُورَتِهِ فُضُولُ اللِّسَانِ وَالْعَيْنِ، وَبَاقِيهِمَا، وَبِصَفَائِهِ تُنَاطُ الْمَصَالِحُ وَالدَّرَجَاتُ، وَمِنْهَا كَوْنُهُ مُوجِبًا لِلرَّحْمَةِ وَالْعَطْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَاقَ أَلَمَ الْجُوعِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ذَكَرَ مَنْ هَذَا حَالُهُ فِي عُمُومِ السَّاعَاتِ، فَتُسَارِعُ إِلَيْهِ الرِّقَّةُ عَلَيْهِ. وَالرَّحْمَةُ حَقِيقَتُهَا فِي حَقِّ الْإِنْسَانِ نَوْعُ أَلَمٍ بَاطِنٍ فَيُسَارِعُ لِدَفْعِهِ عِنْدَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فَيَنَالُ بِذَلِكَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ حُسْنِ الْجَزَاءِ، وَمِنْهَا مُوَافَقَةُ الْفُقَرَاءِ بِتَحَمُّلِ مَا يَتَحَمَّلُونَ أَحْيَانًا، وَفِي ذَلِكَ رَفْعُ حَالِهِ عِنْدَ اللَّهِ، كَمَا حُكِيَ عَنْ بِشْرٍ الْحَافِيِّ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فِي الشِّتَاءِ فَوَجَدَهُ جَالِسًا يَرْعَدُ وَثَوْبُهُ مُعَلَّقٌ عَلَى الْمِشْجَبِ، فَقَالَ لَهُ: فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ تَنْزِعُ الثَّوْبَ: أَوْ مَعْنَاهُ، فَقَالَ: يَا أَخِي، الْفُقَرَاءُ كَثِيرٌ وَلَيْسَ لِي طَاقَةُ مُوَاسَاتِهِمْ بِالثِّيَابِ فَأُوَاسِيهِمْ بِتَحَمُّلِ الْبَرْدِ، كَمَا يَتَحَمَّلُونَ اهـ وَلِهَذَا كَانَ يَقُولُ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ الْعَارِفِينَ عِنْدَ كُلِّ أَكْلَةٍ: اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِحَقِّ الْجَائِعِينَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ سَيِّدَنَا يُوسُفَ ﵇ مَا كَانَ يَشْبَعُ مِنَ الطَّعَامِ فِي سَنَةِ الْقَحْطِ مَعَ كَثْرَةِ الْمَأْكُولِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، لِئَلَّا يَنْسَى أَهْلَ الْجُوعِ وَالْفَاقَةِ، وَلِيَتَشَبَّهُ بِهِمْ فِي الْخَاصَّةِ وَالْحَاجَةِ. ثُمَّ كَانَتْ فَرْضِيَّةُ صَوْمِ رَمَضَانَ بَعْدَمَا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ بِشَهْرٍ فِي شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنِ الْهِجْرَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ، وَقِيلَ: لَمْ يُفْرَضْ قَبْلَهُ صَوْمٌ، وَقِيلَ: كَانَ ثُمَّ نُسِخَ، فَقِيلَ: عَاشُورَاءُ، وَقِيلَ: الْأَيَّامُ الْبِيضُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّ أَنَّهُ لَمَّا فُرِضَ اسْتَنْكَرُوهُ، وَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَخُيِّرُوا بَيْنَ الصَّوْمِ وَإِطْعَامِ مِسْكِينٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ كَمَا فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِمَا فِي آخِرِهَا ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَلَمَّا فُرِضَ كَانَ يُبَاحُ بَعْدَ الْغُرُوبِ تَعَاطِي الْمُفْطِرِ مَا لَمْ يَحْصُلْ نَوْمٌ أَوْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعِشَاءِ، وَإِلَّا حُرِّمَ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وَأُبِيحَ تَعَاطِيهِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١٩٥٦ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ» ") أَيْ وَقْتُ شَهْرِهِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّمْضَاءِ، فِي الْقَامُوسِ: رَمِضَ يَوْمُنَا كَفَرِحَ: اشْتَدَّ حَرُّهُ، وَقَدَمُهُ احْتَرَقَتْ مِنَ الرَّمْضَاءِ لِلْأَرْضِ الشَّدِيدَةِ الْحَرَارَةِ، وَسُمِّيَ شَهْرُ رَمَضَانَ بِهِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَقَلُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ سَمَّوْهَا بِالْأَزْمِنَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا، فَرَافَقَ زَمَنَ الْحَرِّ، أَوْ مِنْ رَمِضَ الصَّائِمُ: اشْتَدَّ حَرُّ جَوْفِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَحْرِقُ الذُّنُوبَ، وَرَمَضَانُ إِنْ صَحَّ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَغَيْرُ مُشْتَقٍّ، أَوْ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى الْغَافِرِ، أَيْ يَمْحُو الذُّنُوبَ وَيَمْحَقُهَا " فُتِحَتْ " بِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ أَكْثَرُ كَمَا فِي التَّنْزِيلِ، وَبِالتَّشْدِيدِ لِتَكْثِيرِ الْمَفْعُولِ " أَبْوَابُ السَّمَاءِ " قِيلَ: فَتْحُهَا كِنَايَةٌ عَنْ تَوَاتُرِ نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَتَوَالِي طُلُوعِ الطَّاعَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَبْوَابِ الرَّحْمَةِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرَّحْمَةَ مِنْ أَسْمَاءِ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِمَنْ مَاتَ فِيهِ أَوْ عَمِلَ عَمَلًا لَا يَفْسُدُ عَلَيْهِ، (وَفِي رِوَايَةٍ: " «فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ» ") ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ فِعْلِ مَا يُؤَدِّي إِلَى دُخُولِهَا " وَغُلِّقَتْ " بِالتَّشْدِيدِ أَكْثَرُ " أَبْوَابُ جَهَنَّمَ " وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ امْتِنَاعِ مَا يَدْخُلُ إِلَيْهَا، لِأَنَّ الصَّائِمَ يَتَنَزَّهُ عَنِ الْكَبَائِرِ، وَيُغْفَرُ لَهُ بِبَرَكَةِ الصِّيَامِ الصَّغَائِرُ، وَقَدْ وَرَدَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ» ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَتْحُ أَبْوَابِ السَّمَاءِ كِنَايَةٌ عَنْ تَنْزِيلِ الرَّحْمَةِ، وَإِزَالَةِ الْغَلْقِ عَنْ مَصَاعِدِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ تَارَةً بِبَذْلِ التَّوْفِيقِ، وَأُخْرَى بِحُسْنِ الْقَوْلِ، وَغَلْقُ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ عِبَارَةٌ عَنْ تَنَزُّهِ أَنْفُسِ الصَّائِمِ عَنْ رِجْسِ الْفَوَاحِشِ، وَالتَّخَلُّصِ مِنَ الْبَوَاعِثِ عَلَى الْمَعَاصِي بِقَمْعِ الشَّهَوَاتِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَحْمِلُوا عَلَى ظَاهِرِ

стр. 2797

الْمَعْنَى؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْمَنِّ عَلَى الصُّوَّامِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ وَنُدِبُوا إِلَيْهِ، حَتَّى صَارَ الْجِنَانُ فِي هَذَا الشَّهْرِ كَأَنَّ أَبْوَابَهَا فُتِحَتْ، وَنَعِيمَهَا أُبِيحَتْ، وَالنِّيرَانَ كَأَنَّ أَبَوَابَهَا غُلِّقَتْ وَأَنْكَالَهَا عُطِّلَتْ، وَإِذَا ذَهَبْنَا فِيهِ إِلَى الظَّاهِرِ لَمْ يَقَعِ الْمَنُّ مَوْقِعَهُ، وَيَخْلُو عَنِ الْفَائِدَةِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَا دَامَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ غَيْرُ مُيَسَّرٍ لِدُخُولِ إِحْدَى الدَّارَيْنِ، وَجَوَّزَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ ﵀ الْوَجْهَيْنِ فِي فَتْحِ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، وَتَغْلِيقِ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، أَعْنِي الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فَائِدَةُ الْفَتْحِ تَوْفِيقَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى اسْتِحْمَادِ فِعْلِ الصَّائِمِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ بِمَنْزِلَةٍ عَظِيمَةٍ، وَأَيْضًا إِذَا عَلِمَ الْمُكَلَّفُ الْمُعْتَقِدُ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ الصَّادِقِ يَزِيدُ فِي نَشَاطٍ وَيَتَلَقَّاهُ بِأَرْيَحِيَّتِهِ، وَيَنْصُرُهُ حَدِيثُ عُمَرَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ: «إِنَّ الْجَنَّةَ تَزَخْرَفَتْ لِرَمَضَانَ» . الْحَدِيثَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ " «وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» " أَيْ قُيِّدَتْ بِالسَّلَاسِلِ مَرَدَتُهُمْ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ عَنِ امْتِنَاعِ تَسْوِيلِ النُّفُوسِ، وَاسْتِعْصَائِهَا عَنْ قَبُولِ وَسَاوِسِهِمْ، إِذْ بِالصَّوْمِ تَنْكَسِرُ الْقُوَّةُ الْحَيَوَانِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَبْدَأُ الْغَضَبِ وَالشَّهَوَاتِ الدَّاعِيَيْنِ إِلَى أَنْوَاعِ السَّيِّئَاتِ، وَتَنْبَعِثُ الْقُوَّةُ الْعَقْلِيَّةُ الْمَائِلَةُ إِلَى الطَّاعَاتِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ أَنَّ رَمَضَانَ أَقَلُّ الشُّهُورِ مَعْصِيَةً، وَأَكْثَرُهَا عِبَادَةً (وَفِي رِوَايَةٍ: " «فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ» ") أَيْ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ إِلَى آخِرِهِ؛ قَالَهُ الطِّيبِيُّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: إِلَّا رِوَايَةَ " أَبْوَابُ السَّمَاءِ " فَإِنَّهَا مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، وَإِلَّا رِوَايَةَ " أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ " فَإِنَّهَا مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَالرِّوَايَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا ; فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَرَوَاهَا النَّسَائِيُّ اهـ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قِيلَ: الْأَصْلُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَالرِّوَايَتَانِ الْأُخْرَيَانِ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، تَمَّ كَلَامُهُ، فَكَانَ حَقُّ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَجْعَلَ الرِّوَايَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا أَصْلًا، ثُمَّ يَقُولَ: وَفِي رِوَايَةٍ: فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ يَذْكُرَ: «وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» .

стр. 2798

١٩٥٧ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، مِنْهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٥٧ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) أَيِ السَّاعِدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ كَانَ اسْمُهُ حَزْنًا، فَسَمَّاهُ ﵊ سَهْلًا، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَهُمَا صَحَابِيَّانِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ» ") أَيْ طَبَقَاتٍ عَلَى طِبْقِ عِبَادَاتٍ، وَيَمْنَعُ الْجَارُّ حَمْلَ الْبَابِ عَلَى بَابِهِ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ فِي سُورِ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَالِ الصَّادِرَةِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ عِنْدَهُ - تَعَالَى - مَعْلُومٌ " مِنْهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ " إِمَّا لِأَنَّهُ بِنَفْسِهِ رَيَّانٌ لِكَثْرَةِ الْأَنْهَارِ الْجَارِيَةِ إِلَيْهِ وَالْأَزْهَارِ وَالْأَثْمَارِ الطَّرِيَّةِ لَدَيْهِ، أَوْ لِأَنَّ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِ يَزُولُ عَنْهُ عَطَشُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَدُومُ لَهُ الطَّرَاوَةُ وَالنَّظَافَةُ فِي دَارِ الْمُقَامَةِ، قَالَ الطَّيِّبِيُّ الزَّرْكَشِيُّ: الرَّيَّانُ: فَعْلَانُ كَثِيرُ الرِّيِّ، نَقِيضُ الْعَطَشِ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الصَّائِمِينَ عَلَى عَطَشِهِمْ وَجُوعِهِمْ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الرِّيِّ عَنِ الشِّبَعِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَشَقُّ مَا فِيهِ عَطَشُ الْكَبِدِ، لَا سِيَّمَا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، إِذْ كَثِيرًا مَا يُصْبَرُ عَلَى الْجُوعِ دُونَ الْعَطَشِ، ثُمَّ قِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُقْتَصِرَ عَلَى شَهْرِ رَمَضَانَ، بَلْ مُلَازَمَةُ النَّوَافِلِ مِنْ ذَلِكَ، وَكَثْرَتُهَا (لَا يَدْخُلُهُ) أَيْ لَا يَدْخُلُ بَابَ تِلْكَ الطَّبَقَةِ، أَوْ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ (إِلَّا الصَّائِمُونَ) وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; فَإِنَّهُ بِعَدَمِ دُخُولِ تِلْكَ الطَّبَقَةِ يَكُونُ نَاقِصَ الْمَرْتَبَةِ بِخِلَافِ الْمَعْنَى الثَّانِي فَإِنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ مِنْ بَابٍ آخَرَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2799

١٩٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٥٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ» ") أَيْ أَيَّامَهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: رَمَضَانُ بِدُونِ شَهْرٍ، وَكَرِهَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِخَبَرِ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَهُوَ شَاذٌّ، لِأَنَّ الْخَبَرَ الضَّعِيفَ لَا يُثْبِتُ اسْمَ اللَّهِ " إِيمَانًا " نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أَيْ لِلْإِيمَانِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ بِمَا جَاءَ بِهِ ﷺ وَالِاعْتِقَادُ بِفَرْضِيَّةِ الصَّوْمِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: تَصْدِيقًا لِثَوَابِهِ، وَقِيلَ: نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ، أَيْ مُصَدِّقًا لَهُ، أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ أَيْ صَوْمَ إِيمَانٍ أَوْ صَوْمَ مُؤْمِنٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ " وَاحْتِسَابًا " أَيْ طَلَبًا لِلثَّوَابِ مِنْهُ - تَعَالَى - أَوْ إِخْلَاصًا أَيْ بَاعِثُهُ عَلَى الصَّوْمِ مَا ذُكِرَ، لَا الْخَوْفُ مِنَ النَّاسِ، وَلَا الِاسْتِحْيَاءُ مِنْهُمْ، وَلَا قَصْدُ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ عَنْهُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَى احْتِسَابًا اعْتِدَادُهُ بِالصَّبْرِ عَلَى الْمَأْمُورِيَّةِ مِنَ الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ، وَعَنِ النَّهْيِ عَنْهُ مِنَ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهِ، طَيِّبَةً نَفْسُهُ بِهِ، غَيْرَ كَارِهَةٍ لَهُ، وَلَا مُسْتَثْقِلَةٍ لِصِيَامِهِ، وَلَا مُسْتَطِيلَةٍ لِأَيَّامِهِ " غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ "

стр. 2800

أَيْ مِنَ الصَّغَائِرِ وَيُرْجَى لَهُ عَفْوُ الْكَبَائِرِ " «وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ» " أَيْ لَيَالِيَهُ أَوْ مُعْظَمَهَا، أَوْ بَعْضَ كُلِّ لَيْلَةٍ بِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَغَيْرِهَا، مِنَ التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَالطَّوَافِ وَنَحْوِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: غَيْرَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، تَقْدِيرًا، أَيْ لِمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهَا تَحْرِيرًا، أَوْ مَعْنَاهُ أَدَّى التَّرَاوِيحَ فِيهَا " «إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ» " سَوَاءٌ عَلِمَ بِهَا أَوْ لَا " إِيمَانًا " أَيْ بِوُجُودِهَا " وَاحْتِسَابًا " لِثَوَابِهَا عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - " غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " وَقَدْ سَبَقَ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ أَنَّ الْمُكَفِّرَاتِ إِنْ صَادَفَتِ السَّيِّئَاتِ تَمْحُوهَا إِذَا كَانَتْ صَغَائِرَ، وَتُخَفِّفُهَا إِذَا كَانَتْ كَبَائِرَ، وَإِلَّا تَكُونُ مُوجِبَةً لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّاتِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: رَتَّبَ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ أَمْرًا وَاحِدًا، وَهُوَ الْغُفْرَانُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ نَتِيجَةُ الْفُتُوحَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَمُسْتَتْبَعٌ لِلْعَوَاطِفِ الرَّبَّانِيَّةِ قَالَ - تَعَالَى - ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ١ - ٢] الْآيَةَ، وَفَى أَصْلِ الْمَالِكِيِّ: مَنْ يَقُمْ، قَالَ: وَقَعَ الشَّرْطُ مُضَارِعًا وَالْجَوَابُ مَاضِيًا لَفْظًا لَا مَعْنًى، وَنَحْوُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ رَجُلٌ أَسِيفٌ، مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ رَقَّ، وَالنَّحْوِيُّونَ يَسْتَضْعِفُونَ ذَلِكَ وَيَرَاهُ بَعْضُهُمْ مَخْصُوصًا بِالضَّرُورَةِ، وَالصَّحِيحُ الْحُكْمُ بِجَوَازِهِ مُطْلَقًا، لِثُبُوتِهِ فِي كَلَامِ أَفْصَحِ الْفُصَحَاءِ، وَكَثْرَةِ صُدُورِهِ عَنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ، أَقُولُ: نَحْوُهُ فِي التَّنْزِيلِ ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام: ١٦] وَ ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] وَ ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْأَمَالِي: جَوَابُ الشَّرْطِ " فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا " مِنْ حَيْثُ الْإِخْبَارُ، كَقَوْلِهِمْ: إِنْ تُكْرِمْنِي الْيَوْمَ فَقَدْ أَكْرَمْتُكَ أَمْسِ، فَالْإِكْرَامُ الْمَذْكُورُ شَرْطٌ وَسَبَبٌ لِلْإِخْبَارِ بِالْإِكْرَامِ الْوَاقِعِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، لَا نَفْسُ الْإِكْرَامِ، فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ الْجَوَابُ فِي الْآيَةِ أَيْ: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ يَكُنْ سَبَبًا لِذِكْرِ هَذَا الْخَبَرِ، وَهُوَ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا، وَصَاحِبُ الْمِفْتَاحِ أَوَّلَ الْمِثَالَ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ تَعْتَدَّ بِإِكْرَامِكَ لِيَ الْآنَ فَأَعْتَدَّ بِإِكْرَامِي إِيَّاكَ أَمْسِ، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ: مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَلْيَحْتَسِبْ قِيَامَهُ، وَلِيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بِغُفْرَانِهِ قَبْلُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2801

١٩٥٩ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ " قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - " إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ، فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٥٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ ") أَيْ كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ لِابْنِ آدَمَ " يُضَاعَفُ " أَيْ ثَوَابُهُ فَضْلًا مِنْهُ - تَعَالَى - " الْحَسَنَةُ " مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ جِنْسُ الْحَسَنَاتِ الشَّامِلُ لِأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ مُضَاعَفٌ وَمُقَابَلٌ " بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا " لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَهَذَا أَقَلُّ الْمُضَاعَفَةِ، وَإِلَّا فَقَدَ يَزْدَادُ " إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ " بِكَسْرِ الضَّادِ أَيْ مِثْلٍ، بَلْ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، كَمَا فِي التَّأْوِيلِ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَقَوْلِهِ ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] وَقَالَ بَعْضُهُمُ: التَّقْدِيرُ حَسَنَتُهُ، وَاللَّامُ عِوَضٌ عَنِ الْعَائِدِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ كُلُّ، أَوِ الْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْحَسَنَةُ مِنْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: أَرَادَ بِـ " كُلُّ عَمَلِ " الْحَسَنَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَلِذَلِكَ وَضَعَ الْحَسَنَةَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ، أَيِ الْحَسَنَاتُ يُضَاعَفُ أَجْرُهَا مِنْ عَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ " قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: إِلَّا الصَّوْمَ " فَإِنَّ ثَوَابَهُ لَا يُقَادِرُ قَدْرَهُ، وَلَا يُحْصِي حَصْرَهُ إِلَّا اللَّهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى خُصُوصِيَّاتٍ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ يَتَوَلَّى جَزَاءَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَكِلُهُ إِلَى مَلَائِكَةِ قُدُسِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مُسْتَثْنًى عَنْ كَلَامٍ غَيْرِ مَحْكِيٍّ، دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الْكَلَامِ حِكَايَةً إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُصَرَّحْ بِذَلِكَ فِي صَدْرِهِ، بَلْ فِي وَسَطِهِ اهـ. وَهُوَ أَظْهَرُ مِمَّا قَبْلَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا أَفَادَ الْجُمْلَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ أَتَاهُ الْوَحْيُ أَوِ الْإِلْهَامُ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - بِالِاسْتِثْنَاءِ فَحَكَاهُ بِأَلْفَاظِهِ الْمُنَزَّلَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَاخْتُصَّ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ سِرٌّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْعِبَادُ بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، فَيَكُونُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَإِلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - " فَإِنَّهُ لِي " لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا صُورَةَ لَهُ فِي الْوُجُودِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، إِذْ كَثِيرًا مَا يُوجَدُ الْإِمْسَاكُ الْمُجَرَّدُ عَنِ الصَّوْمِ، فَلَا مُقَوِّمَ لَهُ إِلَّا النِّيَّةُ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَظْهَرَ بِقَوْلِهِ: أَنَا صَائِمٌ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَتَصْحِيحِ نِيَّتِهِ " وَأَنَا أَجْزِي بِهِ " أَيْ وَأَنَا الْعَالِمُ بِجَزَائِهِ، وَإِلَيَّ أَمْرُهُ، وَلَا أَكِلُهُ إِلَى غَيْرِي، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ كَسْرَ النَّفْسِ وَتَعْرِيضَ الْبَدَنِ لِلنُّقْصَانِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْجُوعِ، وَالْعَطَشِ، وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى صَرْفِ الْمَالِ وَاشْتِغَالِ الْبَدَنِ بِمَا فِيهِ رِضَاهُ، فَبَيْنَهُ

стр. 2802

وَبَيْنَهَا أَمَدٌ بَعِيدٌ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - " يَدَعُ شَهْوَتَهُ " أَيْ يَتْرُكُ مَا اشْتَهَتْهُ نَفْسُهُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الصَّوْمِ " وَطَعَامَهُ " تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوِ الشَّهْوَةُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ، وَالطَّعَامُ عِبَارَةٌ عَنْ سَائِرِ الْمُفْطِرَاتِ، وَقَدَّمَ الْجِمَاعَ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ فَإِنَّهُ أَقْبَحُ مُفْسِدَاتِهِ (مِنْ أَجْلِي) أَيْ مِنْ جِهَةِ أَمْرِي وَقَصْدِ رِضَائِي، وَأَجْرِي، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ فِي الصَّوْمِ، وَإِشْعَارٌ بِأَنَّ الصَّوْمَ لَا رِيَاءَ فِيهِ أَصْلًا ; لِأَنَّ غَايَةَ مَا يَقُولُهُ الْمُرَائِي: أَنَا صَائِمٌ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ رِيَاءً فِي أَصْلِ الصَّوْمِ، إِنَّمَا الَّذِي وَقَعَ بِهِ الرِّيَاءُ الْإِخْبَارُ عَنِ الصَّوْمِ لَا غَيْرُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَوْلُهُ " فَإِنَّهُ لِي " أَيْ لَمْ يُشَارِكْنِي فِيهِ أَحَدٌ، وَلَا عُبِدَ بِهِ غَيْرِي، وَهَذَا لِأَنَّ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - قَدْ عَبَدَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ آلِهَتَهُمْ، وَلَمْ يُسْمَعْ أَنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ عَبَدَتْ آلِهَتَهَا بِالصَّوْمِ، وَلَا تَقَرَّبَتْ بِهِ إِلَيْهَا فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ اهـ وَصَوْمُ الْمُسْتَخْدِمِينَ لِنَحْوِ الْجِنِّ أَوِ النُّجُومِ لَيْسَ لِذَوَاتِهِمْ بَلْ لِيَتَخَلَّوْا عَنِ الْكُدُورَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ حَتَّى يَقْدِرُوا عَلَى مُلَاقَاةِ الصُّوَرِ الرُّوحَانِيَّةِ " «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ» " أَيْ مَرَّتَانِ مِنَ الْفَرَحِ عَظِيمَتَانِ: إِحْدَاهُمَا فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى فِي الْآخِرَةِ " «فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ» " أَيْ إِفْطَارِهِ بِالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْمَأْمُورِ، أَوْ بِوِجْدَانِ التَّوْفِيقِ لِإِتْمَامِ الصَّوْمِ، أَوْ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بَعْدَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، أَوْ بِمَا يَرْجُوهُ مِنْ حُصُولِ الثَّوَابِ، وَقَدْ وَرَدَ: " «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ» "، أَوْ بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ «لِلصَّائِمِ عِنْدَ إِفْطَارِهِ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً» " «وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» " أَيْ بِنَيْلِ الْجَزَاءِ أَوْ حُصُولِ الثَّنَاءِ أَوِ الْفَوْزِ بِاللِّقَاءِ " «وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ» " بِفَتْحِ لَامِ الِابْتِدَاءِ تَأْكِيدًا، وَبِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ خَلُفَ فَمُهُ إِذَا تَغَيَّرَ رَائِحَةُ فَمِهِ، خُلُوفًا بِالضَّمِّ لَا غَيْرُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمِنْهُمْ مَنْ فَتَحَ الْخَاءَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ خَطَأٌ، أَيْ مَا يُخَلَّفُ بَعْدَ الطَّعَامِ فِي فَمِ الصَّائِمِ مِنْ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ بِخِلَافِ الْمُعْتَادِ " أَطْيَبُ " أَيْ أَفْضَلُ وَأَرْضَى وَأَحَبُّ " عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ " عِنْدَكُمْ لِأَنَّ رَائِحَةَ فَمِ الصَّائِمِ مِنْ أَثَرِ الصِّيَامِ وَهُوَ عِبَادَةٌ يَجْزِي بِهَا اللَّهُ - تَعَالَى - بِنَفَسِهِ صَاحِبَهَا، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: فُضِّلَ مَا يُنْكَرُ مِنَ الصِّيَامِ عَلَى أَطْيَبِ مَا يُسْتَلَذُّ بِهِ مِنْ جِنْسِهِ لِيُقَاسَ عَلَيْهِ مَا فَوْقَهُ مِنْ آثَارِ الصَّوْمِ وَنَتَائِجِهِ اهـ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ عَدَمُ إِزَالَةِ الْخُلُوفِ بِالسِّوَاكِ وَغَيْرِهِ، كَمَا اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ بَعْدَ الزَّوَالِ مَكْرُوهٌ، لِأَنَّ نَظِيرَهُ قَوْلُ الْوَالِدَةِ: لَبَوْلُ وَلَدِي أَطْيَبُ مِنْ مَاءِ الْوَرْدِ عِنْدِي، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ غَسْلِ الْبَوْلِ، فَكَذَا هَذَا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي أَثْنَاءِ بَابِ تَنْزِيهِ الصَّوْمِ " «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ» " بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ وِقَايَةٌ كَالْقَوْسِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ حِجَابٌ وَحِصْنٌ لِلصَّائِمِ مِنَ الْمَعَاصِي فِي الدُّنْيَا وَمِنَ النَّارِ فِي الْعُقْبَى " وَإِذَا " وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَإِذَا أَيْ إِذَا عَرَفْتَ مَا فِي الصَّوْمِ مِنَ الْفَضَائِلِ الْكَامِلَةِ وَالْفَوَائِدِ الشَّامِلَةِ " كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ " بِرَفْعِ يَوْمٍ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَقِيلَ بِالنَّصْبِ، فَالتَّقْدِيرُ إِذَا كَانَ الْوَقْتُ يَوْمَ صَوْمِ أَحَدِكُمْ " فَلَا يَرْفُثْ " بِضَمِّ الْفَاءِ وَيُكْسَرُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: بِتَثْلِيثِ الْفَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْقَامُوسِ " وَلَا يَصْخَبْ " بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ بِالْهَذَيَانِ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُمَا لِيَكُونَ صَوْمُهُ كَامِلًا، فَالْمَعْنَى لِيَكُنِ الصَّائِمُ صَائِمًا عَنْ جَمِيعِ الْمَنَاهِي وَالْمَلَاهِي، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَلَا يَجْهَلْ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْعَمَلُ بِخِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ الْعِلْمُ اهـ فَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ " فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ " أَيِ ابْتَدَأَهُ بِسَبٍّ أَوْ شَتْمٍ " أَوْ قَاتَلَهُ " أَيْ أَرَادَ قَتْلَهُ بِحَرْبٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ مُخَاصَمَةٍ وَمُجَادَلَةٍ " فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ " وَهُوَ إِمَّا بِاللِّسَانِ لِيَنْزَجِرَ خَصْمُهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: إِذَا كُنْتُ صَائِمًا لَا يَجُوزُ لِي أَنْ أُخَاصِمَكَ بِالشَّتْمِ وَالْهَذَيَانِ، فَلَا يَلِيقُ بِكَ أَنْ تُعَارِضَنِي فِي هَذَا الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْمُرُوءَةِ عَادَةً، فَيَنْدَفِعُ خَصْمُهُ، أَوْ مَعْنَاهُ: فَلَا يَنْبَغِي مِنْكَ التَّطَاوُلُ عَلَيَّ بِلِسَانِكَ، أَوْ بِيَدِكَ لِأَنِّي فِي ذِمَّةِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَمَنْ يَخْفِرِ اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ يُهْلِكْهُ، وَلَا مِنِّي بِأَنْ أَغْضَبَ وَأُجَازِيَكَ، أَوْ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفُحْشُ وَالْغَضَبُ اهـ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَيْ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، لِتَكُونَ فَائِدَةُ ذِكْرِهِ بِقَلْبِهِ كَفَّ نَفْسِهِ عَنْ مُقَاتَلَتِهِ خَصْمَهُ، وَذِكْرِهِ بِلِسَانِهِ كَفًّا لِخَصْمِهِ عَنِ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ مِنْ أَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2803

الْفَصْلُ الثَّانِي ١٩٦٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ١٩٦٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ» ") بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ أَيْ قُيِّدَتِ " الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ " جَمْعُ مَارِدٍ كَطَلَبَةٍ وَجَهَلَةٍ وَهُوَ الْمُتَجَرِّدُ لِلشَّرِّ، وَمِنْهُ الْأَمْرَدُ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الشَّعَرِ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوْ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَبَيَانٍ كَالتَّتْمِيمِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَارِدُ هُوَ الْعَاتِيُّ الشَّدِيدُ، وَتَصْفِيدُ الشَّيَاطِينِ إِمَّا فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ خَاصَّةً، وَإِمَّا فِيهَا وَفِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْأَيَّامِ اهـ كَلَامُ الْمُخْتَصَرِ، وَفِيهِ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِالْأَيَّامِ ضِدَّ اللَّيَالِي فَيَرُدُّهُ هَذَا الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ، حَيْثُ قَالَ: إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ، وَإِنْ أَرَادَ بِهَا الْأَوْقَاتَ فَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ وَإِمَّا فِيهَا إِلَخْ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْتُ الطِّيبِيَّ ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنِ الْحَلِيمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَيَّامُهُ خَاصَّةً، وَأَرَادَ الشَّيَاطِينَ الَّتِي هِيَ مُسْتَرِقَةُ السَّمْعِ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ: مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ كَانَ وَقْتًا لِنُزُولِ الْقُرْآنِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَتِ الْحِرَاسَةُ قَدْ وَقَعَتْ بِالشُّهُبِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - وَحَفِظْنَاهَا الْآيَةَ، وَالتَّصْفِيدُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مُبَالَغَةٌ لِلْحِفْظِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَيَّامَهُ وَبَعَّدَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّيَاطِينَ لَا يَتَخَلَّصُونَ فِيهِ مِنْ إِفْسَادِ النَّاسِ مَا يَتَخَلَّصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ لِاشْتِغَالِ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ بِالصِّيَامِ الَّذِي فِيهِ قَمْعُ الشَّهَوَاتِ، وَبِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ اهـ وَيَرُدُّ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ مَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا يَلْزَمُ مِنْهُ اخْتِصَاصُ هَذَا الْوَصْفِ بِأَيَّامِ نُزُولِ الْوَحْيِ، وَهُوَ زَمَنُ حَيَاتِهِ ﷺ وَهُوَ مَعَ بُعْدِهِ وَكَوْنِهِ خِلَافَ ظَاهِرِ التَّصْفِيدِ يُنَافِي الْإِطْلَاقَ، وَلَا يُلَائِمُهُ بَقِيَّةُ الْأَوْصَافِ الْآتِيَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَقْيِيدِ الشَّيَاطِينِ وَتَصْفِيدِهِمْ كَيْلَا يُوَسْوِسُوا فِي الصَّائِمِينَ، وَأَمَارَةُ ذَلِكَ تَنَزُّهُ أَكْثَرِ الْمُنْهَمِكِينَ فِي الطُّغْيَانِ عَنِ الْمَعَاصِي وَرُجُوعُهُمْ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى، وَأَمَّا مَا يُوجَدُ مِنْ خِلَافِ ذَلِكَ فِي بَعْضِهِمْ فَإِنَّهَا تَأْثِيرَاتٌ مِنْ تَسْوِيلَاتِ الشَّيَاطِينِ أُغْرِقَتْ فِي عُمْقِ تِلْكَ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ، وَبَاضَتْ فِي رُءُوسِهَا، وَقِيلَ: قَدْ خُصَّ مِنْ عُمُومِ " «صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» " زَعِيمُ زُمْرَتِهِمْ، وَصَاحِبُ دَعْوَتِهِمْ لِمَكَانِ الْإِنْظَارِ الَّذِي سَأَلَهُ مِنَ اللَّهِ، فَأُجِيبَ إِلَيْهِ، فَيَقَعُ مَا يَقَعُ مِنَ الْمَعَاصِي بِتَسْوِيلِهِ وَإِغْوَائِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ كِنَايَةً عَنْ ضَعْفِهِمْ فِي الْإِغْوَاءِ وَالْإِضْلَالِ " «وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ» " كَالتَّأْكِيدِ لِمَا قَبْلَهُ " «وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ» " وَلَعَلَّهَا أَبْوَابٌ مَخْصُوصَةٌ مِنْهُمَا، أَوْ أَبْوَابُهُمَا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، قَدْ تُفْتَحُ وَتُغْلَقُ، بِخِلَافِهَا فِي هَذَا الزَّمَنِ الْمُبَارَكِ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَزْمِنَةَ الشَّرِيفَةَ وَالْأَمْكِنَةَ اللَّطِيفَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي كَثْرَةِ الطَّاعَةِ وَقِلَّةِ الْمَعْصِيَةِ، وَيَشْهَدُ بِهِ الْحِسُّ وَالْمُشَاهَدَةُ، فَلْتُغْتَنَمِ الْفُرْصَةُ، وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ " وَيُنَادِي مُنَادٍ " أَيْ بِلِسَانِ الْحَالِ أَوْ بِبَيَانِ الْمَقَالِ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ " يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ " أَيْ طَالِبَ الْعَمَلِ وَالثَّوَابِ " أَقْبِلْ " أَيْ إِلَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، بِزِيَادَةِ الِاجْتِهَادِ فِي عِبَادَتِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ مِنِ الْإِقْبَالِ أَيْ تَعَالَ فَإِنَّ هَذَا أَوَانُكَ، فَإِنَّكَ تُعْطَى الثَّوَابَ الْجَزِيلَ بِالْعَمَلِ الْقَلِيلِ، أَوْ مَعْنَاهُ يَا طَالِبَ الْخَيْرِ الْمُعْرِضَ عَنَّا وَعَنْ طَاعَتِنَا أَقْبِلْ إِلَيْنَا وَعَلَى عِبَادَتِنَا، فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ تَحْتَ قُدْرَتِنَا وَإِرَادَتِنَا " وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ " أَيْ يَا مُرِيدَ الْمَعْصِيَةِ " أَقْصِرْ " بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ أَيْ أَمْسِكْ عَنِ الْمَعَاصِي وَارْجِعْ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَهَذَا أَوَانُ قَبُولِ التَّوْبَةِ وَزَمَانُ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَغْفِرَةِ، وَلَعَلَّ طَاعَةَ الْمُطِيعِينَ وَتَوْبَةَ الْمُذْنِبِينَ وَرُجُوعَ الْمُقَصِّرِينَ فِي رَمَضَانَ مِنْ أَثَرِ النِّدَاءَيْنِ، وَنَتِيجَةُ إِقْبَالِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى الطَّالِبِينَ، وَلِهَذَا تَرَى أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ صَائِمِينَ حَتَّى الصِّغَارَ وَالْجَوَارِ، بَلْ غَالِبُهُمُ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ الصَّلَاةَ يَكُونُونَ حِينَئِذٍ مُصَلِّيِنَ مَعَ أَنَّ الصَّوْمَ أَصْعَبُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ يُوجِبُ ضَعْفَ الْبَدَنِ الَّذِي يَقْتَضِي الْكَسَلَ عَنِ الْعِبَادَةِ، وَكَثْرَةَ النَّوْمِ عَادَةً، وَمَعَ ذَلِكَ تَرَى الْمَسَاجِدَ مَعْمُورَةً، وَبِإِحْيَاءِ اللَّيَالِي مَغْمُورَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ " وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ " أَيْ كَثِيرُونَ " مِنَ النَّارِ " فَلَعَلَّكَ تَكُونُ مِنْهُمْ " وَذَلِكَ " قَالَ الطِّيبِيُّ: أَشَارَ بُقُولِهِ ذَلِكَ إِمَّا لِلْبَعِيدِ وَهُوَ النِّدَاءُ، وَإِمَّا لِلْقَرِيبِ وَهُوَ لِلَّهِ عُتَقَاءُ " كُلَّ لَيْلَةٍ " أَيْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ

стр. 2804

مِنْ لَيَالِي رَمَضَانَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ " قَالَ الْجَزَرِيُّ: كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا لَا يَخْلُو عَنْ تَأَمُّلٍ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ كَثِيرُ الْغَلَطِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَلِذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، يَعْنِي قَوْلَهُ مَوْقُوفًا عَلَى مُجَاهِدٍ اهـ كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ، لَكِنْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: وَاللَّفْظُ لِابْنِ خُزَيْمَةَ، وَنَحْوَهُ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ فِيهِ: " «فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ بَابٌ مِنْهَا الشَّهْرَ كُلَّهُ» " اهـ. كَلَامُهُ، وَيُقَوِّي رَفْعَ الْحَدِيثِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، فَهُوَ مَرْفُوعٌ حُكْمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، تَمَّ كَلَامُ مِيرَكَ، وَفِيهِ أَوَّلًا أَنَّ ابْنَ عَيَّاشٍ وَلَوْ كَانَ كَثِيرَ الْغَلَطِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ضَابِطٌ عِنْدَ الْأَقَلِّ وَمِنْهُمُ الْجَزَرِيُّ، وَلِذَا قَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنِ الْأَعْمَشِ فَلَا يَخْلُو عَنْ غَرَابَةٍ، لِأَنَّ الضَّعِيفَ ضَعِيفٌ سَوَاءٌ عَنِ الْأَعْمَشِ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: وَلِذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ إِلَخْ لَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ، بَلْ عَلَى غَرَابَتِهِ، حَيْثُ إِنَّهُ أَوْرَدَهُ مَرْفُوعًا مُخَالِفًا لِمَنْ أَوْرَدَهُ مَوْقُوفًا، وَالْغَرَابَةُ لَا تُنَافِي الْحُسْنَ وَالصِّحَّةَ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ، وَلِذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَهَذَا أَيْ كَوْنُهُ مَوْقُوفًا عَنْ مُجَاهِدٍ أَصَحُّ أَيْ مِنْ كَوْنِهِ مَرْفُوعًا، مَعَ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ النِّزَاعِ، وَتَحَصَّلَ آخِرَ الْأَمْرِ أَنَّ كَوْنَهُ مَرْفُوعًا أَصَحُّ، هَذَا وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ هُوَ تِلْمِيذُ الْإِمَامِ عَاصِمٍ أَحَدِ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ، وَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ شُعْبَةَ، وَيُقَدَّمُ عَلَى حَفْصٍ فِي الْقِرَاءَةِ، وَقَدْ فَاقَ أَقْرَانَهُ فِي الْفَضَائِلِ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ ضَعِيفًا لِقِلَّةِ ضَبْطِهِ الْحَدِيثُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2805

١٩٦١ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ١٩٦١ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ) إِشَارَةً إِلَى ضَعْفِهِ لِجَهَالَةِ رَاوِيهِ، وَلَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَحَّ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى فَلَا يَضُرُّ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَيْ إِسْنَادًا كَمَا ذُكِرَ.
следующие страницы →