← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

١٩٥٩ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ " قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - " إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ، فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٥٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ ") أَيْ كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ لِابْنِ آدَمَ " يُضَاعَفُ " أَيْ ثَوَابُهُ فَضْلًا مِنْهُ - تَعَالَى - " الْحَسَنَةُ " مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ جِنْسُ الْحَسَنَاتِ الشَّامِلُ لِأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ مُضَاعَفٌ وَمُقَابَلٌ " بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا " لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَهَذَا أَقَلُّ الْمُضَاعَفَةِ، وَإِلَّا فَقَدَ يَزْدَادُ " إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ " بِكَسْرِ الضَّادِ أَيْ مِثْلٍ، بَلْ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، كَمَا فِي التَّأْوِيلِ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَقَوْلِهِ ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] وَقَالَ بَعْضُهُمُ: التَّقْدِيرُ حَسَنَتُهُ، وَاللَّامُ عِوَضٌ عَنِ الْعَائِدِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ كُلُّ، أَوِ الْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْحَسَنَةُ مِنْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: أَرَادَ بِـ " كُلُّ عَمَلِ " الْحَسَنَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَلِذَلِكَ وَضَعَ الْحَسَنَةَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ، أَيِ الْحَسَنَاتُ يُضَاعَفُ أَجْرُهَا مِنْ عَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ " قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: إِلَّا الصَّوْمَ " فَإِنَّ ثَوَابَهُ لَا يُقَادِرُ قَدْرَهُ، وَلَا يُحْصِي حَصْرَهُ إِلَّا اللَّهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى خُصُوصِيَّاتٍ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ يَتَوَلَّى جَزَاءَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَكِلُهُ إِلَى مَلَائِكَةِ قُدُسِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مُسْتَثْنًى عَنْ كَلَامٍ غَيْرِ مَحْكِيٍّ، دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الْكَلَامِ حِكَايَةً إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُصَرَّحْ بِذَلِكَ فِي صَدْرِهِ، بَلْ فِي وَسَطِهِ اهـ. وَهُوَ أَظْهَرُ مِمَّا قَبْلَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا أَفَادَ الْجُمْلَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ أَتَاهُ الْوَحْيُ أَوِ الْإِلْهَامُ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - بِالِاسْتِثْنَاءِ فَحَكَاهُ بِأَلْفَاظِهِ الْمُنَزَّلَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَاخْتُصَّ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ سِرٌّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْعِبَادُ بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، فَيَكُونُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَإِلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - " فَإِنَّهُ لِي " لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا صُورَةَ لَهُ فِي الْوُجُودِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، إِذْ كَثِيرًا مَا يُوجَدُ الْإِمْسَاكُ الْمُجَرَّدُ عَنِ الصَّوْمِ، فَلَا مُقَوِّمَ لَهُ إِلَّا النِّيَّةُ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَظْهَرَ بِقَوْلِهِ: أَنَا صَائِمٌ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَتَصْحِيحِ نِيَّتِهِ " وَأَنَا أَجْزِي بِهِ " أَيْ وَأَنَا الْعَالِمُ بِجَزَائِهِ، وَإِلَيَّ أَمْرُهُ، وَلَا أَكِلُهُ إِلَى غَيْرِي، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ كَسْرَ النَّفْسِ وَتَعْرِيضَ الْبَدَنِ لِلنُّقْصَانِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْجُوعِ، وَالْعَطَشِ، وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى صَرْفِ الْمَالِ وَاشْتِغَالِ الْبَدَنِ بِمَا فِيهِ رِضَاهُ، فَبَيْنَهُ

стр. 2802

وَبَيْنَهَا أَمَدٌ بَعِيدٌ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - " يَدَعُ شَهْوَتَهُ " أَيْ يَتْرُكُ مَا اشْتَهَتْهُ نَفْسُهُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الصَّوْمِ " وَطَعَامَهُ " تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوِ الشَّهْوَةُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ، وَالطَّعَامُ عِبَارَةٌ عَنْ سَائِرِ الْمُفْطِرَاتِ، وَقَدَّمَ الْجِمَاعَ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ فَإِنَّهُ أَقْبَحُ مُفْسِدَاتِهِ (مِنْ أَجْلِي) أَيْ مِنْ جِهَةِ أَمْرِي وَقَصْدِ رِضَائِي، وَأَجْرِي، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ فِي الصَّوْمِ، وَإِشْعَارٌ بِأَنَّ الصَّوْمَ لَا رِيَاءَ فِيهِ أَصْلًا ; لِأَنَّ غَايَةَ مَا يَقُولُهُ الْمُرَائِي: أَنَا صَائِمٌ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ رِيَاءً فِي أَصْلِ الصَّوْمِ، إِنَّمَا الَّذِي وَقَعَ بِهِ الرِّيَاءُ الْإِخْبَارُ عَنِ الصَّوْمِ لَا غَيْرُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَوْلُهُ " فَإِنَّهُ لِي " أَيْ لَمْ يُشَارِكْنِي فِيهِ أَحَدٌ، وَلَا عُبِدَ بِهِ غَيْرِي، وَهَذَا لِأَنَّ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - قَدْ عَبَدَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ آلِهَتَهُمْ، وَلَمْ يُسْمَعْ أَنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ عَبَدَتْ آلِهَتَهَا بِالصَّوْمِ، وَلَا تَقَرَّبَتْ بِهِ إِلَيْهَا فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ اهـ وَصَوْمُ الْمُسْتَخْدِمِينَ لِنَحْوِ الْجِنِّ أَوِ النُّجُومِ لَيْسَ لِذَوَاتِهِمْ بَلْ لِيَتَخَلَّوْا عَنِ الْكُدُورَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ حَتَّى يَقْدِرُوا عَلَى مُلَاقَاةِ الصُّوَرِ الرُّوحَانِيَّةِ " «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ» " أَيْ مَرَّتَانِ مِنَ الْفَرَحِ عَظِيمَتَانِ: إِحْدَاهُمَا فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى فِي الْآخِرَةِ " «فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ» " أَيْ إِفْطَارِهِ بِالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْمَأْمُورِ، أَوْ بِوِجْدَانِ التَّوْفِيقِ لِإِتْمَامِ الصَّوْمِ، أَوْ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بَعْدَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، أَوْ بِمَا يَرْجُوهُ مِنْ حُصُولِ الثَّوَابِ، وَقَدْ وَرَدَ: " «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ» "، أَوْ بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ «لِلصَّائِمِ عِنْدَ إِفْطَارِهِ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً» " «وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» " أَيْ بِنَيْلِ الْجَزَاءِ أَوْ حُصُولِ الثَّنَاءِ أَوِ الْفَوْزِ بِاللِّقَاءِ " «وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ» " بِفَتْحِ لَامِ الِابْتِدَاءِ تَأْكِيدًا، وَبِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ خَلُفَ فَمُهُ إِذَا تَغَيَّرَ رَائِحَةُ فَمِهِ، خُلُوفًا بِالضَّمِّ لَا غَيْرُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمِنْهُمْ مَنْ فَتَحَ الْخَاءَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ خَطَأٌ، أَيْ مَا يُخَلَّفُ بَعْدَ الطَّعَامِ فِي فَمِ الصَّائِمِ مِنْ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ بِخِلَافِ الْمُعْتَادِ " أَطْيَبُ " أَيْ أَفْضَلُ وَأَرْضَى وَأَحَبُّ " عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ " عِنْدَكُمْ لِأَنَّ رَائِحَةَ فَمِ الصَّائِمِ مِنْ أَثَرِ الصِّيَامِ وَهُوَ عِبَادَةٌ يَجْزِي بِهَا اللَّهُ - تَعَالَى - بِنَفَسِهِ صَاحِبَهَا، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: فُضِّلَ مَا يُنْكَرُ مِنَ الصِّيَامِ عَلَى أَطْيَبِ مَا يُسْتَلَذُّ بِهِ مِنْ جِنْسِهِ لِيُقَاسَ عَلَيْهِ مَا فَوْقَهُ مِنْ آثَارِ الصَّوْمِ وَنَتَائِجِهِ اهـ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ عَدَمُ إِزَالَةِ الْخُلُوفِ بِالسِّوَاكِ وَغَيْرِهِ، كَمَا اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ بَعْدَ الزَّوَالِ مَكْرُوهٌ، لِأَنَّ نَظِيرَهُ قَوْلُ الْوَالِدَةِ: لَبَوْلُ وَلَدِي أَطْيَبُ مِنْ مَاءِ الْوَرْدِ عِنْدِي، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ غَسْلِ الْبَوْلِ، فَكَذَا هَذَا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي أَثْنَاءِ بَابِ تَنْزِيهِ الصَّوْمِ " «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ» " بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ وِقَايَةٌ كَالْقَوْسِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ حِجَابٌ وَحِصْنٌ لِلصَّائِمِ مِنَ الْمَعَاصِي فِي الدُّنْيَا وَمِنَ النَّارِ فِي الْعُقْبَى " وَإِذَا " وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَإِذَا أَيْ إِذَا عَرَفْتَ مَا فِي الصَّوْمِ مِنَ الْفَضَائِلِ الْكَامِلَةِ وَالْفَوَائِدِ الشَّامِلَةِ " كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ " بِرَفْعِ يَوْمٍ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَقِيلَ بِالنَّصْبِ، فَالتَّقْدِيرُ إِذَا كَانَ الْوَقْتُ يَوْمَ صَوْمِ أَحَدِكُمْ " فَلَا يَرْفُثْ " بِضَمِّ الْفَاءِ وَيُكْسَرُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: بِتَثْلِيثِ الْفَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْقَامُوسِ " وَلَا يَصْخَبْ " بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ بِالْهَذَيَانِ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُمَا لِيَكُونَ صَوْمُهُ كَامِلًا، فَالْمَعْنَى لِيَكُنِ الصَّائِمُ صَائِمًا عَنْ جَمِيعِ الْمَنَاهِي وَالْمَلَاهِي، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَلَا يَجْهَلْ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْعَمَلُ بِخِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ الْعِلْمُ اهـ فَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ " فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ " أَيِ ابْتَدَأَهُ بِسَبٍّ أَوْ شَتْمٍ " أَوْ قَاتَلَهُ " أَيْ أَرَادَ قَتْلَهُ بِحَرْبٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ مُخَاصَمَةٍ وَمُجَادَلَةٍ " فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ " وَهُوَ إِمَّا بِاللِّسَانِ لِيَنْزَجِرَ خَصْمُهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: إِذَا كُنْتُ صَائِمًا لَا يَجُوزُ لِي أَنْ أُخَاصِمَكَ بِالشَّتْمِ وَالْهَذَيَانِ، فَلَا يَلِيقُ بِكَ أَنْ تُعَارِضَنِي فِي هَذَا الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْمُرُوءَةِ عَادَةً، فَيَنْدَفِعُ خَصْمُهُ، أَوْ مَعْنَاهُ: فَلَا يَنْبَغِي مِنْكَ التَّطَاوُلُ عَلَيَّ بِلِسَانِكَ، أَوْ بِيَدِكَ لِأَنِّي فِي ذِمَّةِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَمَنْ يَخْفِرِ اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ يُهْلِكْهُ، وَلَا مِنِّي بِأَنْ أَغْضَبَ وَأُجَازِيَكَ، أَوْ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفُحْشُ وَالْغَضَبُ اهـ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَيْ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، لِتَكُونَ فَائِدَةُ ذِكْرِهِ بِقَلْبِهِ كَفَّ نَفْسِهِ عَنْ مُقَاتَلَتِهِ خَصْمَهُ، وَذِكْرِهِ بِلِسَانِهِ كَفًّا لِخَصْمِهِ عَنِ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ مِنْ أَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2803

الْفَصْلُ الثَّانِي ١٩٦٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ١٩٦٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ» ") بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ أَيْ قُيِّدَتِ " الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ " جَمْعُ مَارِدٍ كَطَلَبَةٍ وَجَهَلَةٍ وَهُوَ الْمُتَجَرِّدُ لِلشَّرِّ، وَمِنْهُ الْأَمْرَدُ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الشَّعَرِ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوْ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَبَيَانٍ كَالتَّتْمِيمِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَارِدُ هُوَ الْعَاتِيُّ الشَّدِيدُ، وَتَصْفِيدُ الشَّيَاطِينِ إِمَّا فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ خَاصَّةً، وَإِمَّا فِيهَا وَفِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْأَيَّامِ اهـ كَلَامُ الْمُخْتَصَرِ، وَفِيهِ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِالْأَيَّامِ ضِدَّ اللَّيَالِي فَيَرُدُّهُ هَذَا الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ، حَيْثُ قَالَ: إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ، وَإِنْ أَرَادَ بِهَا الْأَوْقَاتَ فَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ وَإِمَّا فِيهَا إِلَخْ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْتُ الطِّيبِيَّ ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنِ الْحَلِيمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَيَّامُهُ خَاصَّةً، وَأَرَادَ الشَّيَاطِينَ الَّتِي هِيَ مُسْتَرِقَةُ السَّمْعِ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ: مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ كَانَ وَقْتًا لِنُزُولِ الْقُرْآنِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَتِ الْحِرَاسَةُ قَدْ وَقَعَتْ بِالشُّهُبِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - وَحَفِظْنَاهَا الْآيَةَ، وَالتَّصْفِيدُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مُبَالَغَةٌ لِلْحِفْظِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَيَّامَهُ وَبَعَّدَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّيَاطِينَ لَا يَتَخَلَّصُونَ فِيهِ مِنْ إِفْسَادِ النَّاسِ مَا يَتَخَلَّصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ لِاشْتِغَالِ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ بِالصِّيَامِ الَّذِي فِيهِ قَمْعُ الشَّهَوَاتِ، وَبِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ اهـ وَيَرُدُّ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ مَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا يَلْزَمُ مِنْهُ اخْتِصَاصُ هَذَا الْوَصْفِ بِأَيَّامِ نُزُولِ الْوَحْيِ، وَهُوَ زَمَنُ حَيَاتِهِ ﷺ وَهُوَ مَعَ بُعْدِهِ وَكَوْنِهِ خِلَافَ ظَاهِرِ التَّصْفِيدِ يُنَافِي الْإِطْلَاقَ، وَلَا يُلَائِمُهُ بَقِيَّةُ الْأَوْصَافِ الْآتِيَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَقْيِيدِ الشَّيَاطِينِ وَتَصْفِيدِهِمْ كَيْلَا يُوَسْوِسُوا فِي الصَّائِمِينَ، وَأَمَارَةُ ذَلِكَ تَنَزُّهُ أَكْثَرِ الْمُنْهَمِكِينَ فِي الطُّغْيَانِ عَنِ الْمَعَاصِي وَرُجُوعُهُمْ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى، وَأَمَّا مَا يُوجَدُ مِنْ خِلَافِ ذَلِكَ فِي بَعْضِهِمْ فَإِنَّهَا تَأْثِيرَاتٌ مِنْ تَسْوِيلَاتِ الشَّيَاطِينِ أُغْرِقَتْ فِي عُمْقِ تِلْكَ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ، وَبَاضَتْ فِي رُءُوسِهَا، وَقِيلَ: قَدْ خُصَّ مِنْ عُمُومِ " «صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» " زَعِيمُ زُمْرَتِهِمْ، وَصَاحِبُ دَعْوَتِهِمْ لِمَكَانِ الْإِنْظَارِ الَّذِي سَأَلَهُ مِنَ اللَّهِ، فَأُجِيبَ إِلَيْهِ، فَيَقَعُ مَا يَقَعُ مِنَ الْمَعَاصِي بِتَسْوِيلِهِ وَإِغْوَائِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ كِنَايَةً عَنْ ضَعْفِهِمْ فِي الْإِغْوَاءِ وَالْإِضْلَالِ " «وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ» " كَالتَّأْكِيدِ لِمَا قَبْلَهُ " «وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ» " وَلَعَلَّهَا أَبْوَابٌ مَخْصُوصَةٌ مِنْهُمَا، أَوْ أَبْوَابُهُمَا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، قَدْ تُفْتَحُ وَتُغْلَقُ، بِخِلَافِهَا فِي هَذَا الزَّمَنِ الْمُبَارَكِ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَزْمِنَةَ الشَّرِيفَةَ وَالْأَمْكِنَةَ اللَّطِيفَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي كَثْرَةِ الطَّاعَةِ وَقِلَّةِ الْمَعْصِيَةِ، وَيَشْهَدُ بِهِ الْحِسُّ وَالْمُشَاهَدَةُ، فَلْتُغْتَنَمِ الْفُرْصَةُ، وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ " وَيُنَادِي مُنَادٍ " أَيْ بِلِسَانِ الْحَالِ أَوْ بِبَيَانِ الْمَقَالِ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ " يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ " أَيْ طَالِبَ الْعَمَلِ وَالثَّوَابِ " أَقْبِلْ " أَيْ إِلَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، بِزِيَادَةِ الِاجْتِهَادِ فِي عِبَادَتِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ مِنِ الْإِقْبَالِ أَيْ تَعَالَ فَإِنَّ هَذَا أَوَانُكَ، فَإِنَّكَ تُعْطَى الثَّوَابَ الْجَزِيلَ بِالْعَمَلِ الْقَلِيلِ، أَوْ مَعْنَاهُ يَا طَالِبَ الْخَيْرِ الْمُعْرِضَ عَنَّا وَعَنْ طَاعَتِنَا أَقْبِلْ إِلَيْنَا وَعَلَى عِبَادَتِنَا، فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ تَحْتَ قُدْرَتِنَا وَإِرَادَتِنَا " وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ " أَيْ يَا مُرِيدَ الْمَعْصِيَةِ " أَقْصِرْ " بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ أَيْ أَمْسِكْ عَنِ الْمَعَاصِي وَارْجِعْ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَهَذَا أَوَانُ قَبُولِ التَّوْبَةِ وَزَمَانُ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَغْفِرَةِ، وَلَعَلَّ طَاعَةَ الْمُطِيعِينَ وَتَوْبَةَ الْمُذْنِبِينَ وَرُجُوعَ الْمُقَصِّرِينَ فِي رَمَضَانَ مِنْ أَثَرِ النِّدَاءَيْنِ، وَنَتِيجَةُ إِقْبَالِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى الطَّالِبِينَ، وَلِهَذَا تَرَى أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ صَائِمِينَ حَتَّى الصِّغَارَ وَالْجَوَارِ، بَلْ غَالِبُهُمُ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ الصَّلَاةَ يَكُونُونَ حِينَئِذٍ مُصَلِّيِنَ مَعَ أَنَّ الصَّوْمَ أَصْعَبُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ يُوجِبُ ضَعْفَ الْبَدَنِ الَّذِي يَقْتَضِي الْكَسَلَ عَنِ الْعِبَادَةِ، وَكَثْرَةَ النَّوْمِ عَادَةً، وَمَعَ ذَلِكَ تَرَى الْمَسَاجِدَ مَعْمُورَةً، وَبِإِحْيَاءِ اللَّيَالِي مَغْمُورَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ " وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ " أَيْ كَثِيرُونَ " مِنَ النَّارِ " فَلَعَلَّكَ تَكُونُ مِنْهُمْ " وَذَلِكَ " قَالَ الطِّيبِيُّ: أَشَارَ بُقُولِهِ ذَلِكَ إِمَّا لِلْبَعِيدِ وَهُوَ النِّدَاءُ، وَإِمَّا لِلْقَرِيبِ وَهُوَ لِلَّهِ عُتَقَاءُ " كُلَّ لَيْلَةٍ " أَيْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ

стр. 2804

مِنْ لَيَالِي رَمَضَانَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ " قَالَ الْجَزَرِيُّ: كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا لَا يَخْلُو عَنْ تَأَمُّلٍ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ كَثِيرُ الْغَلَطِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَلِذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، يَعْنِي قَوْلَهُ مَوْقُوفًا عَلَى مُجَاهِدٍ اهـ كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ، لَكِنْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: وَاللَّفْظُ لِابْنِ خُزَيْمَةَ، وَنَحْوَهُ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ فِيهِ: " «فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ بَابٌ مِنْهَا الشَّهْرَ كُلَّهُ» " اهـ. كَلَامُهُ، وَيُقَوِّي رَفْعَ الْحَدِيثِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، فَهُوَ مَرْفُوعٌ حُكْمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، تَمَّ كَلَامُ مِيرَكَ، وَفِيهِ أَوَّلًا أَنَّ ابْنَ عَيَّاشٍ وَلَوْ كَانَ كَثِيرَ الْغَلَطِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ضَابِطٌ عِنْدَ الْأَقَلِّ وَمِنْهُمُ الْجَزَرِيُّ، وَلِذَا قَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنِ الْأَعْمَشِ فَلَا يَخْلُو عَنْ غَرَابَةٍ، لِأَنَّ الضَّعِيفَ ضَعِيفٌ سَوَاءٌ عَنِ الْأَعْمَشِ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: وَلِذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ إِلَخْ لَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ، بَلْ عَلَى غَرَابَتِهِ، حَيْثُ إِنَّهُ أَوْرَدَهُ مَرْفُوعًا مُخَالِفًا لِمَنْ أَوْرَدَهُ مَوْقُوفًا، وَالْغَرَابَةُ لَا تُنَافِي الْحُسْنَ وَالصِّحَّةَ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ، وَلِذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَهَذَا أَيْ كَوْنُهُ مَوْقُوفًا عَنْ مُجَاهِدٍ أَصَحُّ أَيْ مِنْ كَوْنِهِ مَرْفُوعًا، مَعَ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ النِّزَاعِ، وَتَحَصَّلَ آخِرَ الْأَمْرِ أَنَّ كَوْنَهُ مَرْفُوعًا أَصَحُّ، هَذَا وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ هُوَ تِلْمِيذُ الْإِمَامِ عَاصِمٍ أَحَدِ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ، وَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ شُعْبَةَ، وَيُقَدَّمُ عَلَى حَفْصٍ فِي الْقِرَاءَةِ، وَقَدْ فَاقَ أَقْرَانَهُ فِي الْفَضَائِلِ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ ضَعِيفًا لِقِلَّةِ ضَبْطِهِ الْحَدِيثُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2805

١٩٦١ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ١٩٦١ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ) إِشَارَةً إِلَى ضَعْفِهِ لِجَهَالَةِ رَاوِيهِ، وَلَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَحَّ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى فَلَا يَضُرُّ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَيْ إِسْنَادًا كَمَا ذُكِرَ.

стр. 2806

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١٩٦٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١٩٦٢ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أَتَاكُمْ ") أَيْ جَاءَكُمْ " رَمَضَانُ " أَيْ زَمَانُهُ أَوْ أَيَّامُهُ " شَهْرٌ مُبَارَكٌ " بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ، وَالتَّقْدِيرُ هُوَ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، وَظَاهِرُهُ الْإِخْبَارُ أَيْ كَثُرَ خَيْرُهُ الْحِسِّيُّ وَالْمَعْنَوِيُّ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً أَيْ جَعَلَهُ اللَّهُ مُبَارَكًا عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي التَّهْنِئَةِ الْمُتَعَارَفَةِ فِي أَوَّلِ الشُّهُورِ بِالْمُبَارَكَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ ﷺ : " «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ» "، إِذْ فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ رَمَضَانَ مِنْ أَصْلِهِ مُبَارَكٌ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: لَا مَانِعَ مِنْ قَبُولِ زِيَادَةِ الْبَرَكَةِ " «فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ» " أَيْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ " تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ " اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا وَهُوَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَبِالتَّأْنِيثِ فِي الْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ، وَيَجُوزُ تَذْكِيرُهَا وَبِتَخْفِيفِ الْفِعْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَيُشَدَّدَانِ " «وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ» " وَفِي نُسْخَةٍ: " الْحَمِيمِ " وَهُوَ تَصْحِيفٌ " وَتُغَلُّ " بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنِ الْإِغْلَالِ " فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ " يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُقَيَّدِينَ هُمُ الْمَرَدَةُ فَقَطْ، وَهُوَ مَعْنًى لَطِيفٌ يَزُولُ بِهِ الْإِشْكَالُ السَّابِقُ، فَيَكُونُ عَطْفُ الْمَرَدَةِ عَلَى الشَّيَاطِينِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ عَطْفَ تَفْسِيرٍ وَبَيَانٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَقْيِيدُ عَامَّةِ الشَّيَاطِينِ بِغَيْرِ الْأَغْلَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَحْوَالِ " لِلَّهِ فِيهِ " أَيْ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَوْ فِي الْعَشْرِ الْأُخَرِ مِنْهُ يَعْنِي غَالِبًا، وَإِلَّا فَهِيَ مُبْهَمَةٌ فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ أَوْ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا، وَلِذَا لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ لَا تُطَلَّقُ حَتَّى

стр. 2807

يَمْضِيَ عَلَيْهَا السَّنَةُ كُلُّهَا " «لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» " أَيِ الْعَمَلُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ " وَمَنْ حُرِمَ " بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ " خَيْرَهَا " بِالنَّصْبِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ حَرَمَهُ الشَّيْءَ يَحْرِمُهُ حِرْمَانًا وَأَحْرَمَهُ أَيْضًا أَيْ مَنَعَهُ إِيَّاهُ اهـ وَفِي الْقَامُوسِ: أَحْرِمُهُ لِغَيِّهِ أَيْ مَنْ مُنِعَ خَيْرَهَا بِأَنْ لَمْ يُوَفَّقْ لِإِحْيَائِهَا وَلَوْ بِالطَّاعَةِ فِي طَرَفَيْهَا، لِمَا وَرَدَ أَنَّ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ بِجَمَاعَةٍ فَقَدْ أَدْرَكَ حَظَّهُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يَنَالُ فَضْلَهَا إِلَّا مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا فَالْمُرَادُ مِنْهُ فَضْلُهَا الْكَامِلُ " فَقَدْ حُرِمَ " أَيْ مُنِعَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، كَمَا سَيَجِيءُ صَرِيحًا فَفِيهِ مُبَالَغَةٌ عَظِيمَةٌ، وَالْمُرَادُ حِرْمَانُ الثَّوَابِ الْكَامِلِ أَوِ الْغُفْرَانِ الشَّامِلِ الَّذِي يَفُوزُ بِهِ الْقَائِمُ فِي إِحْيَاءِ لَيْلِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: اتَّحَدَ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ دَلَالَةً عَلَى فَخَامَةِ الْجَزَاءِ، أَيْ فَقَدْ حُرِمَ خَيْرًا لَا يُقَادَرُ قَدْرُهُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ فِيمَا أَعْلَمُ؛ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ.

стр. 2808

١٩٦٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النُّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ ١٩٦٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الصِّيَامُ ") أَيْ صِيَامُ رَمَضَانَ " وَالْقُرْآنُ " أَيْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْقُرْآنُ هُنَا عِبَارَةٌ عَنِ التَّهَجُّدِ وَالْقِيَامِ بِاللَّيْلِ كَمَا عُبِّرَ بِهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ " وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ " اهـ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ " يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ " وَتَتَجَسَّدُ الْمَعَانِي وَالْأَعْمَالُ وَيُحْتَمَلُ بِبَيَانِ الْحَالِ. " «يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ " أَيْ: يَا رَبِّ " إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ» " مِنْ عَطْفِ الْأَعَمِّ " بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي " بِالتَّشْدِيدِ أَيِ: اقْبَلْ شَفَاعَتِي " فِيهِ " أَيْ فِي حَقِّهِ " وَيَقُولُ الْقُرْآنُ " لَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ كَلَامُهُ - تَعَالَى - غَيْرَ مَخْلُوقٍ لَمْ يَقُلْ أَيْ رَبِّ، وَأَخْطَأَ ابْنُ حَجَرٍ خَطَأً فَاحِشًا، حَيْثُ قَدَّرَ هُنَا أَيْ رَبِّ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، لَا يُقَالُ: أَرَادَ بِالْقُرْآنِ الْمَقْرُوءِ فَإِنَّا نَقُولُ: لَا يَصِحُّ التَّقْدِيرُ الْمُوهِمُ لِلتَّضْلِيلِ الْمُحْوِجُ إِلَى التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ، لَا سِيَّمَا مَعَ الْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ، وَكَلَامُ غَيْرِ الْمَعْصُومِ لَا يُؤَوَّلُ، فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ هُوَ الْمُعَوَّلُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ مُرَادًا بِهِ اللَّفْظِيُّ، فَالْجَوَابُ: لَا، لِمَا فِيهِ مِنِ الْإِيهَامِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، كَمَا أَنَّ الْجَبَّارَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ النَّخْلَةُ الطَّوِيلَةُ، وَيُمْتَنَعُ أَنْ يُقَالَ الْجَبَّارُ مَخْلُوقٌ مُرَادًا بِهِ النَّخْلَةُ لِلْإِيهَامِ اهـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يَا رَبَّ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: مَهْ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْهُ، أَيْ أَنَّهُ صِفَتُهُ الْقَدِيمَةُ الْقَائِمَةُ بِذَاتِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِالْمَرْبُوبِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِحُدُوثِهِ وَانْفِصَالِهِ عَنِ الذَّاتِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ اهـ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمُدَّعَى، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْلَى، وَهُوَ لَهُ أَوْلَى فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى " «مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ» " بِالتَّشْدِيدِ مَجْهُولًا أَيْ يَقْبَلُ شَفَاعَتَهُمَا، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَتِهِمَا، وَلَعَلَّ شَفَاعَةَ رَمَضَانَ فِي مَحْوِ السَّيِّئَاتِ وَشَفَاعَةَ الْقُرْآنِ فِي عُلُوِّ الدَّرَجَاتِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّفَاعَةُ وَالْقَوْلُ مِنَ الصِّيَامِ وَالْقُرْآنِ إِمَّا أَنْ يُؤَوَّلَ أَوْ يَجْرِيَ عَلَى مَا عَلَيْهِ النَّصُّ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْهَجُ الْقَوِيمُ وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فَإِنَّ الْعُقُولَ الْبَشَرِيَّةَ تَتَلَاشَى وَتَضْمَحِلُّ عَنْ إِدْرَاكِ الْعَوَالِمِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَا سَبِيلَ لَنَا إِلَّا الْإِذْعَانُ وَالْقَبُولُ، وَمَنْ أَوَّلَ قَالَ: اسْتُعِيرَتِ الشَّفَاعَةُ وَالْقَبُولُ لِلصِّيَامِ وَالْقُرْآنِ لِإِطْفَاءِ غَضَبِ اللَّهِ وَإِعْطَاءِ الْكَرَامَةِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَالزُّلْفَى عِنْدَ اللَّهِ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَرِجَالُهُ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْجُوعِ، وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ.

стр. 2809

١٩٦٤ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مَنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا كُلُّ مَحْرُومٍ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ١٩٦٤ - (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ ") الْإِشَارَةُ لِلتَّعْظِيمِ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ مَحْسُوسٌ عِنْدَ أَرْبَابِ التَّكْرِيمِ كَمَا نُقِلَ عَنْ سَيِّدِي عَبْدِ الْقَادِرِ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ الْكَرِيمَ - " قَدْ حَضَرَكُمْ " أَيْ فَاغْتَنِمُوا حُضُورَهُ بِالصِّيَامِ فِي نَهَارِهِ وَالْقِيَامِ فِي لَيْلِهِ " وَفِيهِ لَيْلَةٌ " أَيْ وَاحِدَةٌ مُبْهَمَةٌ مِنْ لَيَالِيهِ " خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ " أَيْ فَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ رَجَاءَ أَنْ تُدْرِكُوهَا " مَنْ حُرِمَهَا " أَيْ خَيْرَهَا وَتَوْفِيقَ الْعِبَادَةِ فِيهَا وَمُنِعَ عَنِ الْقِيَامِ بِبَعْضِهَا " فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا " أَيْ حَتَّى يَتَخَلَّفَ عَنْهَا " إِلَّا كُلُّ مَحْرُومٍ " بِرَفْعِ " كُلُّ " عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ أَيْ كُلَّ مَمْنُوعٍ مِنَ الْخَيْرِ لَا حَظَّ لَهُ مِنَ السَّعَادَةِ وَلَا ذَوْقَ لَهُ مِنِ الْعِبَادَةِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ، وَلَفْظُهُ: قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «هَذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَكُمْ، يُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَيُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فَبُعْدًا لِمَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، إِذَا لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَمَتَى؟» " نَقَلَهُ مِيرَكُ.

стр. 2810

١٩٦٥ - وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهَرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مَنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيهِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَشَهْرٌ يُزَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ لَهُ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ "، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا نُفَطِّرُ بِهِ الصَّائِمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُعْطَى هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى مَذْقَةِ لَبَنٍ، أَوْ تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ فِيهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ» ". ــ ١٩٦٥ - (عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ) بِكَسْرِ الرَّاءِ (قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وَهُوَ يَحْتَمِلُ خُطْبَةَ الْجُمْعَةِ وَخُطْبَةَ الْمَوْعِظَةِ (فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ) أَيْ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ حَالِهِ فِي خُطَبِهِ، وَكَأَنَّ سَلْمَانَ حَذَفَ ذَلِكَ اخْتِصَارًا، قُلْتُ: مَا اخْتَصَرَهُ بَلِ اقْتَصَرَهُ وَبَيَّنَهُ وَأَظْهَرَهُ بِقَوْلِهِ خَطَبَنَا، فَإِنَّ الْخُطْبَةَ هِيَ الْحَمْدُ وَالثَّنَاءُ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ " أَيُّهَا " وَفَى نُسْخَةٍ: يَا أَيُّهَا " النَّاسُ قَدْ أَظَلَّكُمْ " بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ أَيْ أَشْرَفَ عَلَيْكُمْ وَقَرُبَ مِنْكُمْ " شَهْرٌ عَظِيمٌ " أَيْ قَدْرُهُ لِأَنَّهُ سَيِّدُ الشُّهُورِ كَمَا فِي حَدِيثٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ شَارَفَكُمْ وَأَلْقَى ظِلَّهُ عَلَيْكُمْ، وَنُقِلَ عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ أَنَّهُ بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، فَفِي النِّهَايَةِ أَطَلَّ عَلَيْنَا بِالْمُهْمَلَةِ أَشْرَفَ، وَأَظَلَّكُمْ رَمَضَانُ بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ وَدَنَا مِنْكُمْ كَأَنَّهُ أَلْقَى عَلَيْكُمْ ظِلَّهُ اهـ وَعِبَارَتُهُ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الطَّيِّبِيِّ كَمَا لَا يَخْفَى " شَهَرٌ مُبَارَكٌ " أَيْ عَلَى مَنْ يَعْرِفُ قَدْرَهُ " «شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ» " أَيْ عَظِيمَةٌ، وَفَى أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَهُوَ سَهْوٌ " خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ " أَيْ صِيَامَ نَهَارِهِ (فَرِيضَةً) أَيْ فَرْضًا قَطْعِيًّا (وَقِيَامَ لَيْلِهِ) أَيْ إِحْيَاءَهُ بِالتَّرَاوِيحِ وَنَحْوِهَا (تَطَوُّعًا) أَيْ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، فَمَنْ فَعَلَهُ فَازَ بِعَظِيمِ ثَوَابِهِ وَمَنْ تَرَكَهُ حُرِمَ الْخَيْرَ وَعُوقِبَ بِعِتَابِهِ " مَنْ تَقَرَّبَ " أَيْ إِلَى اللَّهِ

стр. 2811

" فِيهِ " أَيْ فِي نَهَارِهِ أَوْ لَيْلِهِ " بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ " أَيْ مِنْ أَنْوَاعِ النَّفْلِ " كَانَ كَمَنْ " أَيْ ثَوَابُهُ كَثَوَابِ مَنْ " أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيهِ " بَدَنِيَّةً أَوْ مَالِيَّةً " كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ) أَيْ مِنَ الْأَشْهُرِ، وَهَذَا فِيمَا سِوَى الْحَرَمِ، إِذْ حَسَنَاتُهُ عَنْ مِائَةِ أَلْفٍ فِي غَيْرِهِ " وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ " لِأَنَّ صِيَامَهُ بِالصَّبْرِ عَنِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَنَحْوِهَا، وَقِيَامَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى مِحْنَةِ السَّهَرِ وَسُنَّةِ السَّحُورِ عِنْدَ السَّحَرِ، وَلِذَا أُطْلِقَ الصَّبْرُ عَلَى الصَّوْمِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وَفِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ بِأَنَّ بَاقِيَ الْأَشْهُرِ شُهُورُ الشُّكْرِ فَيَكُونُ إِيمَاءً إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ أَيْ زَمَانًا قَلِيلًا تَسْهِيلًا لِلصَّائِمِينَ وَتَسْلِيَةً لِلْقَائِمِينَ " وَالصَّبْرُ " أَيْ كَمَالُهُ الْمُتَضَمِّنُ لِلشُّكْرِ، كَمَا حَرَّرَهُ الْغَزَالِيُّ مِنْ أَنَّ وُجُودَهُمَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ مُتَلَازِمَانِ، وَفَى التَّحْقِيقِ مُتَعَانِقَانِ وَبِكُلِّ طَاعَةٍ وَخَصْلَةٍ حَمِيدَةٍ مُتَعَلِّقَانِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ نِصْفَانِ: نِصْفُهُ صَبْرٌ وَنِصْفُهُ شُكْرٌ، فَتَرْكُ الْمَعْصِيَةِ صَبْرٌ، وَامْتِثَالُ الطَّاعَةِ شُكْرٌ " ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ " أَوْ يُقَالُ: الصَّبْرُ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَنِ الْمَعْصِيَةِ جَزَاؤُهُ الْجَنَّةُ لِمَنْ قَامَ بِهِ مَعَ النَّاجِينَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ مِنْ غَيْرِ مُقَاسَاةٍ لِشَدَائِدِ الْمَوْقِفِ فَأَمْرٌ رَاشِدٌ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنَ الْحَدِيثِ فَلَا يَنْبَغِي الْجَرَاءَةُ عَلَيْهِ " وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ " أَيِ الْمُسَاهَمَةِ وَالْمُشَارَكَةِ فِي الْمَعَاشِ وَالرِّزْقِ، وَأَصْلُهُ الْهَمْزَةُ فَقُلِبَتْ وَاوًا تَخْفِيفًا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْجُودِ وَالْإِحْسَانِ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ، لَا سِيَّمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْجِيرَانِ " وَشَهْرٌ يُزَادُ فِي رِزْقِ الْمُؤْمِنِ " وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: " يُزَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ سَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا "، وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فِيهِ وَيُحْتَمَلُ تَعْمِيمُ الرِّزْقِ بِالْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، وَفِي الْحَدِيثِ تَشْجِيعٌ عَلَى الْكَرَمِ وَتَحْضِيضٌ عَلَى مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ " مَنْ فَطَّرَ " بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ " فِيهِ صَائِمًا " أَيْ أَطْعَمَهُ أَوْ سَقَاهُ عِنْدَ إِفْطَارِهِ مِنْ كَسْبٍ حَلَالٍ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ " كَانَ " أَيِ التَّفْطِيرُ " لَهُ " أَيْ لِلْمُفَطِّرِ " مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ " أَيِ الْمُفَطِّرُ " مِنَ النَّارِ " أَيْ سَبَبًا لِحُصُولِهِمَا، وَفَى نُسْخَةٍ بِرَفْعِ الْمَغْفِرَةِ وَالْعِتْقِ، فَالْمَعْنَى: حَصَلَ لَهُ مَغْفِرَةٌ وَعِتْقٌ " وَكَانَ لَهُ " أَيْ وَحَصَلَ لِلْمُفَطِّرِ " مِثْلُ أَجْرِهِ " أَيْ مِثْلُ ثَوَابِ الصَّائِمِ " مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ " مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ " مِنْ أَجْرِهِ " أَيْ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ " شَيْءٌ " وَهُوَ زِيَادَةُ إِيضَاحٍ وَإِفَادَةُ تَأْكِيدٍ لِلْعِلْمِ بِعَدَمِ النَّقْصِ مِنْ لَفْظِ " مِثْلُ أَجْرِهِ " أَوَّلًا،

стр. 2812

" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا نُفَطِّرُ بِهِ الصَّائِمَ " بِالتَّكَلُّمِ بِالْفِعْلَيْنِ، وَفَى نُسْخَةٍ بِالْغَيْبَةِ فِيهِمَا أَيْ لَا يَجِدُ كُلُّنَا مَا يُشْبِعُهُ وَإِنَّمَا الَّذِي يَجِدُ ذَلِكَ بَعْضُنَا فَمَا حُكْمُ مَنْ لَا يَجِدُ ذَلِكَ؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ ") أَيْ مِنْ جِنْسِ هَذَا الثَّوَابِ أَوْ هَذَا الثَّوَابَ كَامِلًا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْإِشْبَاعِ " «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى مَذْقَةِ لَبَنٍ» " بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ شَرْبَةِ لَبَنٍ يُخْلَطُ بِالْمَاءِ " أَوْ تَمْرَةٍ " وَفِي تَقْدِيمِ الْمَذْقَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنَ التَّمْرَةِ إِمَّا لِفَضِيلَةِ اللَّبَنِ أَوْ لِلْجَمْعِ بَيْنَ النِّعْمَتَيْنِ " أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ " وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَكُلُّكُمْ يَقْدِرُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ بِإِطْلَاقِهِ " «وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا سَقَاهُ اللَّهُ» " وَلَعَلَّ الِاكْتِفَاءَ بِالْإِشْبَاعِ فِي الشَّرْطِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ أَوْ لِكَوْنِهِ أَصْلًا فِي الدُّنْيَا، وَبِالْإِسْقَاءِ فِي الْجَزَاءِ لِكَوْنِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ أَكْثَرَ، بَلْ لَا احْتِيَاجَ إِلَّا إِلَيْهِ فِي الْعُقْبَى " مِنْ حَوْضِي " أَيِ الْكَوْثَرِ فِي الْقِيَامَةِ " شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ " أَيْ بَعْدَهَا " حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ " أَيْ إِلَى أَنْ يَدْخُلَهَا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنْ لَا ظَمَأَ فِي الْجَنَّةِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا﴾ [طه: ١١٩] فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَظْمَأُ أَبَدًا " وَهُوَ " أَيْ رَمَضَانُ " شَهْرٌ أَوَّلَهُ رَحْمَةٌ " أَيْ وَقْتُ رَحْمَةٍ نَازِلَةٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَامَّةٍ، وَلَوْلَا حُصُولُ رَحْمَتِهِ مَا صَامَ وَلَا قَامَ أَحَدٌ مِنْ خَلِيقَتِهِ، لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ " وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ " أَيْ زَمَانُ مَغْفِرَتِهِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى رَحْمَتِهِ، فَإِنَّ الْأَجِيرَ قَدْ يَتَعَجَّلُ بَعْضَ أَجْرِهِ قُرْبَ فَرَاغِهِ مِنْهُ " وَآخِرُهُ " وَهُوَ وَقْتُ الْأَجْرِ الْكَامِلِ " عِتْقٌ " أَيْ لِرِقَابِهِمْ " مِنَ النَّارِ " وَالْكُلُّ بِفَضْلِ الْجَبَّارِ وَتَوْفِيقِ الْغَفَّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ الْأَبْرَارِ لِلْأَعْمَالِ الْمُوجِبَةِ لِلرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالْعِتْقِ مِنَ النَّارِ " وَمَنْ خَفَّفَ " أَيْ فِي الْخِدْمَةِ " عَنْ مَمْلُوكِهِ فِيهِ " أَيْ فِي رَمَضَانَ رَحْمَةً عَلَيْهِ وَإِعَانَةً لَهُ بِتَيْسِيرِ الصِّيَامِ إِلَيْهِ " غَفَرَ اللَّهُ لَهُ " أَيْ لِمَا فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْزَارِ " وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ " جَزَاءً لِإِعْتَاقِهِ الْمَمْلُوكَ مِنْ شِدَّةِ الْعَمَلِ، قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ: إِنْ صَحَّ الْخَبَرُ، وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثَّوَابِ بِاقْتِصَارٍ عَنْهُمَا، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي الشَّيْخِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ كَسْبٍ حَلَالٍ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ لَيَالِيَ رَمَضَانَ كُلَّهَا، وَصَافَحَهُ جِبْرِيلُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَمَنْ صَافَحَهُ جِبْرِيلُ ﵇ يَرِقُّ قَلْبُهُ وَتَكْثُرُ دُمُوعُهُ "، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ؟ قَالَ: " فَقَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ "، قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ لُقْمَةُ خُبْزٍ؟ قَالَ: " فَمَذْقَةُ لَبَنٍ "، قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ؟ قَالَ: " فَشَرْبَةٌ مِنْ مَاءٍ» "، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَفِي أَسَانِيدِهِمْ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِاخْتِصَارٍ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي إِسْنَادِهِ كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ.

стр. 2813

١٩٦٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ أَطْلَقَ كُلَّ أَسِيرٍ وَأَعْطَى كُلَّ سَائِلٍ» . ــ ١٩٦٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ أَطْلَقَ كُلَّ أَسِيرٍ» ) أَيْ مَحْبُوسٍ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْحَبْسَ لِحَقِّ اللَّهِ أَوْ لِحَقِّ الْعَبْدِ بِتَلْخِيصِهِ مِنْهُ تَخْلِيقًا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنَّ الْإِطْلَاقَ فِي مَعْنَى الْإِعْتَاقِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ مَحْبُوسٍ عَلَى كُفْرِهِ بَعْدَ أَسْرِهِ لِيَخْتَارَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَنَّ أَوِ الْقَتْلَ مَثَلًا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الذَّكَرَ الْحُرَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا أُسِرَ تَخَيَّرَ الْإِمَامُ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَهُوَ مَنْسُوخٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَوْ مَخْصُوصٌ بِحَرْبِ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْقَتْلُ أَوِ الِاسْتِرْقَاقُ عِنْدَهُمْ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَدَارِكِ: وَحُكْمُ أُسَارَى الْمُشْرِكِينَ عِنْدَنَا الْقَتْلُ وَالِاسْتِرْقَاقُ، وَالْمَنُّ وَالْفِدَاءُ الْمَذْكُورَانِ فِي الْآيَةِ فَمَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] لِأَنَّ سُورَةَ " بَرَاءَةٌ " مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَنِّ أَنْ يُمَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ الْقَتْلِ وَيُسْتَرَقُّوا أَوْ يُمَنَّ عَلَيْهِمْ فَيُخَلُّوا بِقَبُولِهِمُ الْجِزْيَةَ، وَبِالْفِدَاءِ أَنْ يُفَادَى بِأَسَارِيهِمْ أُسَارَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَدْ رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مَذْهَبًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَهُوَ قَوْلُهُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَرَى فِدَائَهُمْ لَا بِمَالٍ وَلَا بِغَيْرِهِ لِئَلَّا يَعُودُوا حَرْبًا عَلَيْنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِلْإِمَامِ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ: الْقَتْلُ وَالِاسْتِرْقَاقُ وَالْمَنُّ وَالْفِدَاءُ بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ اهـ، فَاللَّائِقُ بِالْمُتَكَلِّمِ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَحْسَنِ وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ لَا عَلَى احْتِمَالٍ يُخَالِفُهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، مَعَ أَنَّهُ مَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ بِالْعُمُومِ فَضْلًا عَنْ خُصُوصِ رَمَضَانَ أَنَّهُ أَعْتَقَ كَافِرًا وَأَرْسَلَهُ قَطُّ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى اسْتِمْرَارُهُ الْحَقِيقِيُّ أَوِ الْعُرْفِيُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَوْنِ الْمَفْهُومِ أَنَّهُ فِي أَوَّلِ كُلِّ رَمَضَانَ ; وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ " وَأَعْطَى كُلَّ سَائِلٍ " أَيْ زِيَادَةً عَلَى مُعْتَادِهِ وَإِلَّا فَلَا كَانَ عِنْدَهُ لَا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ أَيْضًا، فَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ مَا سُئِلَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، «فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ» ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ لَا، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْ مَا طُلِبَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَمَنَعَهُ، قَالَ الْفَرَزْدَقُ: مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِهِ لَوْلَا التَّشَهُّدُ كَانَتْ لَاؤُهُ نَعَمُ قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ﵀: مَعْنَاهُ لَمْ يَقُلْ لَا مَنْعًا لِلْعَطَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقُولَهَا اعْتِذَارًا كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢] وَلَا يَخْفَى الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ وَبَيْنَ لَا أَحْمِلُكُمُ اهـ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَالرَّسُولُ» ﷺ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، وَأَوْرَدَ ابْنُ حَجَرٍ هُنَا سُؤَالًا وَجَوَابًا بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ يُنَاقِضُ صَوَابًا.

стр. 2814

١٩٦٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ الْجَنَّةَ تُزَخْرَفُ لِرَمَضَانَ مِنْ رَأْسِ الْحَوْلِ إِلَى حَوْلِ قَابِلٍ " قَالَ: " فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ هَبَّتْ رِيحٌ تَحْتَ الْعَرْشِ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ عَلَى الْحُورِ الْعِينِ فَيَقُلْنَ: يَا رَبِّ اجْعَلْ لَنَا مِنْ عِبَادِكَ أَزْوَاجًا تَقَرَّ بِهِمْ أَعْيُنُنَا وَتَقَرَّ أَعْيُنُهُمْ بِنَا» " رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ ١٩٦٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ الْجَنَّةَ تُزَخْرَفُ» ") أَيْ تُزَيَّنُ بِالذَّهَبِ وَنَحْوِهِ " لِرَمَضَانَ " أَيْ لِأَجْلِ قُدُومِهِ " مِنْ رَأَسِ الْحَوْلِ إِلَى حَوْلِ قَابِلٍ " أَيْ يُبْتَدَأُ التَّزْيِينُ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ مُنْتَهِيًا إِلَى سَنَةٍ آتِيَةٍ أَوَّلَ الْحَوْلِ غُرَّةَ الْمُحَرَّمِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْجَنَّةَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا مُزَيَّنَةٌ لِأَجْلِ رَمَضَانَ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الْغُفْرَانِ وَرَفْعِ دَرَجَاتِ الْجِنَانِ، مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الزَّمَانِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ رَأْسُ الْحَوْلِ مِمَّا بَعْدَ رَمَضَانَ، وَلَعَلَّهُ اصْطِلَاحُ أَهْلِ الْجِنَانِ وَيُنَاسِبُهُ كَوْنُهُ يَوْمَ عِيدٍ وَسُرُورٍ، وَوَقْتَ زِينَةٍ وَحُبُورٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: لَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالْحَوْلِ بِأَنْ تَبْتَدِئَ الْمَلَائِكَةُ فِي تَزْيِنِهَا أَوَّلَ شَوَّالٍ وَتَسْتَمِرَّ إِلَى أَوَّلِ رَمَضَانَ، فَتُفْتَحُ أَبَوَابُهَا حِينَئِذٍ لِيَطَّلِعَ الْمَلَائِكَةُ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ قَبْلُ، إِعْلَامًا لَهُمْ بِعِظَمِ شَرَفِ رَمَضَانَ وَشَرَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمُجَازَاتِهِمْ عَلَى صَوْمِهِمْ بِمِثْلِ هَذَا النَّعِيمِ الْمُقِيمِ الظَّاهِرِ الْبَاهِرِ اهـ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ابْتِدَاءَ الزِّينَةِ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ: فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ إِلَخْ، لِأَنَّ الزِّينَةَ الْمُتَعَارَفَةَ تَكُونُ فِي أَوَائِلِ أَمْرِ الْفَرَحِ، وَقَدْ تَكُونُ بَعْدَ الْفَرَحِ، وَالْمُنَاسِبُ هُنَا الْأَوَّلُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِاللَّامِ فِي قَوْلِهِ

стр. 2815

رَمَضَانَ وَقْتُهُ، وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ تُرْفَعُ أَعْمَالُ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ، ثُمَّ مَا بِهِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ بِأُمُورٍ زَائِدَةٍ عَلَى الزِّينَةِ فِي خُصُوصِهِ مِنْ فَتْحِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَغَلْقِ أَبْوَابِ النِّيرَانِ، وَأَمْثَالِهِمَا مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَإِنَّمَا أَعَادَ قَالَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مَقُولُ ابْنِ عُمَرَ فَتَدَبَّرْ " «فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ هَبَّتْ رِيحٌ تَحْتَ الْعَرْشِ» " أَيْ هَبَّتْ رِيحٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَنَثَرَتْ رَائِحَةً عَطِرَةً طَيِّبَةً، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَحْتَ الْعَرْشِ أَيْ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّ سَقْفَ الْجَنَّةِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ سَقْفًا بِمَعْنَى أَعْلَاهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ فَاصِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَنْ يَكُونَ هُبُوبُ الرِّيحِ فِي الْجَنَّةِ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ الرِّيحَ تَنْزِلُ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مُبْتَدَأً بِاعْتِبَارِ ظُهُورِهَا فِي الْجَنَّةِ " مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ " أَيْ مِنْ وَرَقِ شَجَرِهَا مُبْتَدَأً " عَلَى الْحُورِ الْعِينِ " أَيْ مُنْتَثِرَةٌ عَلَى رَأْسِهِنَّ، وَلَعَلَّهَا أَثَرُ خُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ الَّذِي هُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ " فَيَقُلْنَ: يَا رَبِّ اجْعَلْ لَنَا مِنْ عِبَادِكَ " أَيِ الصَّالِحِينَ الصَّائِمِينَ الْقَائِمِينَ " أَزْوَاجًا تَقَرُّ " بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ تَتَلَذَّذُ " بِهِمْ " أَيْ بِطَلْعَتِهِمْ وَصُحْبَتِهِمْ " أَعْيُنُنَا " أَيْ أَبْصَارُنَا أَوْ ذَوَاتُنَا " وَتَقَرُّ أَعْيُنُهُمْ بِنَا " قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنَ الْقَرِّ بِمَعْنَى الْبِرِّ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِكَ قَرَّ اللَّهُ عَيْنَيْهِ جَعَلَ دَمْعَ عَيْنَيْهِ بَارِدًا، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ السُّرُورِ، فَإِنَّ دَمْعَتَهُ بَارِدَةٌ أَوْ مِنَ الْقَرَارِ فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنِ الْفَوْزِ بِالْبُغْيَةِ، فَإِنَّ مَنْ فَازَ بِهَا قَرَّ نَفْسَهُ، وَلَا يَسْتَشْرِفُ عَيْنَهُ إِلَى مَطْلُوبِهِ لِحُصُولِهِ (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) قَالَ مِيرَكُ: لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْغِفَارِيِّ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُرَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الثَّوَابِ، وَلَفْظُهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَهَلَّ رَمَضَانُ، فَقَالَ: " «لَوْ يَعْلَمُ الْعِبَادُ مَا رَمَضَانُ لَتَمَنَّتْ أُمَّتِي أَنْ تَكُونَ السَّنَةُ كُلُّهَا رَمَضَانَ» "، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ حَدِّثْنَا، فَقَالَ: " «إِنَّ الْجَنَّةَ لَتُزَيَّنُ لِرَمَضَانَ مِنْ رَأْسِ الْحَوَلِ إِلَى الْحَوَلِ، فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ هَبَّتْ رِيحٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَصَفَّقَتْ وَرَقَ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ الْحُورُ الْعِينُ إِلَى ذَلِكَ فَيَقُلْنَ: يَا رَبِّ اجْعَلْ لَنَا مِنْ عِبَادِكَ فِي هَذَا الشَّهْرِ أَزْوَاجًا، تَقَرُّ أَعْيُنُنَا بِهِمْ وَأَعْيُنُهُمْ بِنَا "، قَالَ: " فَمَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ إِلَّا زُوِّجَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، فِي خَيْمَةٍ مِنْ دُرَّةٍ " كَمَا نَعَتَ اللَّهُ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ» قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: فِي الْقَلْبِ مِنْ جَرِيرِ بْنِ أَيُّوبَ - يَعْنِي أَحَدَ رُوَاتِهِ - شَيْءٌ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَجَرِيرُ بْنُ أَيُّوبَ الْبَجَلِيُّ اهـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَقُولُ: وَلِلْحَدِيثِ شَاهِدٌ آخَرُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الثَّوَابِ، وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَلَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ مِمَّنْ أُجْمِعَ عَلَى ضَعْفِهِ، فَاخْتِلَافُ طُرُقِ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا.

стр. 2816

١٩٦٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُغْفَرُ لِأُمَّتِهِ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ قَالَ: " لَا، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ١٩٦٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " يُغْفَرُ لِأُمَّتِهِ ") أَيْ لِكُلِّ الصَّائِمِينَ مِنْهُمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا حِكَايَةُ مَعْنَى مَا تَلَفَّظَ بِهِ ﷺ لَا لَفْظُهُ، أَيِ الَّذِي هُوَ يُغْفَرُ لِأُمَّتِي " فِي آخِرِ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ " وَالْمُرَادُ مَغْفِرَتُهُ الْكَامِلَةُ وَرَحْمَتُهُ الشَّامِلَةُ فَلَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ أَوْسَطَهُ مَغْفِرَةٌ " «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ قَالَ: لَا» " هَذَا بِظَاهِرِهِ رَدٌّ عَلَى مَنِ اخْتَارَ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ هِيَ لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، إِذْ قَدْ تَكُونُ آخَرَ لَيْلَةٍ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِأَنْ يُقَالَ: لَا، أَيْ لَيْسَ سَبَبُ الْمَغْفِرَةِ كَوْنَهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، بَلْ سَبَبُهَا كَوْنُهَا آخِرَ لَيْلَةٍ وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هِيَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَأَنْ تَكُونَ غَيْرَهَا مِنْ بَقِيَّةِ لَيَالِي عَشْرٍ الْأَخِيرِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ " وَلَكِنَّ " بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ " الْعَامِلَ " أَيْ وَلَكِنَّ سَبَبَهَا أَنَّ الْعَامِلَ " إِنَّمَا يُوَفَّى " أَيْ يُعْطَى وَافِيًا " أَجْرَهُ " بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَفَى نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ فَاعِلٍ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مُقَدَّرٌ أَيْ إِيَّاهُ " إِذَا قَضَى عَمَلَهُ " أَيْ أَحْكَمَهُ وَفَرَغَ مِنْهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتِدْرَاكٌ لِسُؤَالِهِمْ عَنْ سَبَبِ الْمَغْفِرَةِ كَأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ اللَّيْلَةَ الْأَخِيرَةَ هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ بِسَبَبِ الْمَغْفِرَةِ، فَبَيَّنَ ﷺ أَنْ سَبَبَهَا هُوَ إِفْرَاغُ الْعَبْدِ عَنِ الْعَمَلِ، وَهُوَ مُطَّرِدٌ فِي كُلِّ عَمَلٍ اهـ وَالْأَظْهَرُ وَضْعُ الزَّمَانِ مَوْضِعَ السَّبَبِ لِأَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ نَفْسَهَا لَيْسَتْ سَبَبًا بَلْ هِيَ زَمَانُ الْعِبَادَةِ وَهِيَ سَبَبُ الْمَغْفِرَةِ، وَفَى قَضَى بِمَعْنَى فَرَغَ مَجَازُ الْمُشَارَفَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ قَدْ نَوَى حِينَئِذٍ صَوْمَ الْيَوْمِ الْآتِي فَكَأَنَّهُ صَامَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِآخِرِ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ لَيْلَةُ الْعِيدِ وَالنِّسْبَةُ بِأَدْنَى مَلَابَسَةٍ كَمَا فِي عِيدِ رَمَضَانَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 2817

[بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ]

стр. 2818

بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١٩٦٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ "، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَيِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١٩٦٩ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَصُومُوا ") أَيْ يَوْمَ ثَلَاثِينَ شَعْبَانَ عَنْ رَمَضَانَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ " حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ " أَيْ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَكُمْ رُؤْيَةُ هِلَالِ رَمَضَانَ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَيَثْبُتُ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا، إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ غَيْمٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ سَوَاءٌ كَانَ فِي السَّمَاءِ غَيْمٌ أَمْ لَا، وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا تَثْبُتُ أَصْلًا؛ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ الْقَاضِي: أَيْ لَا تَصُومُوا عَلَى قَصْدِ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ، وَهُوَ أَنْ يَرَى هُوَ أَوْ مَنْ يَثِقُ عَلَيْهِ، وَالْمُنْفَرِدُ بِالرُّؤْيَةِ إِذَا لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنْ يَصُومَ، وَيُسِرَّ بِإِفْطَارِ عِيدِهِ اهـ. وَيَصُومُ عِنْدَنَا - مَعْشَرَ الْحَنَفِيَّةِ - أَوَّلًا وَلَا يُفْطِرُ يَوْمَ عِيدٍ احْتِيَاطًا، وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، وَلَكِنْ لَا يَنْوِي الصَّوْمَ وَالتَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ فِي حَقِّهِ لِلْحَقِيقَةِ الَّتِي عِنْدَهُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالِاحْتِيَاطِ يُنَافِي تَأْوِيلَ قَوْلِهِ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنْ أَيْقَنَ أَفْطَرَ وَيَأْكُلُ سِرًّا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُفْطِرُ لَوْ أَفْطَرَ قَضَى، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى فِي لُزُومِهَا الْخِلَافَ بَعْدَ رَدِّ شَهَادَتِهِ وَقَبْلَهُ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ لُزُومِهَا فِيهِمَا، وَيُحْمَلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَصُومُوا بِنِيَّةِ رَمَضَانَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ عِنْدَكُمْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ " وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ " أَيْ هِلَالَ شَوَّالٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: حَتَّى تَثْبُتَ رُؤْيَتُهُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ لَا بِأَقَلَّ بِالِاتِّفَاقِ، وَظَاهِرُ عُمُومِ هَذَا النَّهْيِ كَالْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ يَرُدُّ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ، حَيْثُ قَالُوا: الْمُنْفَرِدُ بِالرُّؤْيَةِ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ يُسِرُّ بِفِطْرِهِ فِي عِيدِهِ، وَلَوْ لَمْ يَرَ هِلَالَ شَوَّالٍ، لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ لِعُقُوبَةِ الْحَاكِمِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَالنَّهْيُ فِيهِمَا لِلتَّحْرِيمِ عَلَى الْأَصْلِ هُوَ بِالنَّظَرِ لِعُمُومِ النَّاسِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَاوُ الْجَمْعِ، أَمَّا مَنْ رَآهُ وَحْدَهُ وَلَمْ يُشْهِدْ بِهِ أَوْ لَمْ يُقْبَلْ أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ مَنِ اعْتَقَدَ صِدْقَهُ فَيَلْزَمُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى رُؤْيَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ رَمَضَانُ وَلَا شَوَّالٌ عَلَى الْعُمُومِ اهـ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِسُؤَالِنَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ عَلَى أَرْبَابِ الْفُهُومِ، فَتَأَمَّلْ حَقَّ التَّأَمُّلِ. " فَإِنْ غُمَّ " أَيْ غُطِّيَ الْهِلَالُ فِي لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ " عَلَيْكُمْ " أَيْ أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ سُتِرَ الْهِلَالُ بِغَيْمٍ، مِنْ غَيَّمْتُ الشَّيْءَ إِذَا غَطَّيْتَهُ، وَفَى غُمَّ ضَمِيرُ الْهِلَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ بِمَعْنَى إِنْ كُنْتُمْ مَغْمُومًا عَلَيْكُمْ، وَتُرِكَ ذِكْرُ الْهِلَالِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ " فَاقْدِرُوا " بِكَسْرِ الدَّالِّ وَيُضَمُّ، وَفِي الْمُغْرِبِ: الضَّمُّ خَطَأٌ " لَهُ " أَيْ لِلْهِلَالِ، وَالْمَعْنَى قَدِّرُوا لِهِلَالِ الشَّهْرِ الْمُسْتَقْبِلِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ فَاقْدِرُوا عَدَدَ الشَّهْرِ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ " ثَلَاثِينَ يَوْمًا " إِذِ الْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّهْرِ وَدَوَامُ خَفَاءِ الْهِلَالِ مَا أَمْكَنَ أَيْ قَبْلَ الثَّلَاثِينَ، وَالْمَعْنَى: اجْعَلُوا الشَّهْرَ ثَلَاثِينَ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يَعْنِي حَقِّقُوا مَقَادِيرَ أَيَّامِ شَعْبَانَ حَتَّى تُكْمِلُوهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا اهـ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَعْنَاهُ: التَّقْدِيرُ بِإِكْمَالِ الْعَدَدِ، يُقَالُ قَدَرْتُ الشَّيْءَ أَقْدِرُهُ قَدْرًا بِمَعْنَى قَدَّرْتُهُ تَقْدِيرًا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: ذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّقْدِيرُ بِحِسَابِ الْقَمَرِ فِي الْمَنَازِلِ، أَيِ اقْدِرُوا مَنَازِلَ الْقَمَرِ فَإِنَّهُ يَدُلُّكُمْ عَلَى أَنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثُونَ اهـ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: " فَاقْدِرُوا " خِطَابُ مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِهَذَا الْعِلْمِ، وَقَوْلُهُ: " فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ " خِطَابٌ لِلْعَامَّةِ اهـ وَهُوَ مَرْدُودٌ لِحَدِيثِ " «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ» "، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الشَّهْرِ لَيْسَتْ إِلَى الْكِتَابِ وَالْحِسَابِ كَمَا يَزْعُمُهُ أَهْلُ النُّجُومِ، وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ وَلَوِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَرَى، وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى - مُخَاطِبًا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ خِطَابًا عَامًّا ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَلِقَوْلِهِ ﷺ بِالْخِطَابِ الْعَامِّ " «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» " وَلِمَا فِي نَفْسِ هَذَا الْحَدِيثِ: " «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ» " وَلِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «الصَّوْمُ يَوْمَ يَصُومُونَ وَالْفِطْرُ

стр. 2819

يَوْمَ يُفْطِرُونَ» " بَلْ أَقُولُ: لَوْ صَامَ الْمُنَجِّمُ عَنْ رَمَضَانَ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ بِنَاءً عَلَى مَعْرِفَتِهِ يَكُونُ عَاصِيًا فِي صَوْمِهِ، إِلَّا إِذَا ثَبَتَ الْهِلَالُ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، وَلَوْ جَعَلَ عِيدَ الْفِطْرِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِ الْفَاسِدِ يَكُونُ فَاسِقًا، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي قَوْلٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنِ اسْتَحَلَّ إِفْطَارَهُ فَرْضًا عَنْ عَدِّهِ وَاجِبًا صَارَ كَافِرًا، وَمِنَ الْغَرِيبِ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ - خِطَابٌ لِلْعَامَّةِ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ عَمَلُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ نَقْلَ كَلَامِهِ وَالسُّكُوتَ عَلَيْهِ الْمُوهِمَ قَبُولَ قَوْلِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقِلَ كَلَامَهُ إِلَّا بِنِيَّةِ الرَّدِّ عَلَيْهِ (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً ") أَيِ الشَّهْرُ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ أَوْ أَقَلُّهُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: أَيْ هَذَا مُحَقَّقٌ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى طَلَبِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ " فَلَا تَصُومُوا " أَيْ عَلَى قَصْدِ رَمَضَانَ " حَتَّى تَرَوْهُ " أَيِ الشَّهْرَ يَعْنِي تَعْلَمُوا كَمَالَهُ أَوْ تُبْصِرُوا هِلَالَهُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] " فَإِنْ غُمَّ " أَيْ أَمْرُ الشَّهْرِ أَوْ هِلَالِهِ " عَلَيْكُمْ " أَيْ بِغَيْمٍ وَنَحْوِهِ " فَأَكْمِلُوا " أَيْ أَتِمُّوا " الْعِدَّةَ " مَفْعُولٌ بِهِ أَيْ عِدَّةَ شَعْبَانَ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ " ثَلَاثِينَ " أَيْ يَوْمًا وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ أَكْمِلُوا هَذِهِ الْعِدَّةَ، وَثَلَاثِينَ بَدَلٌ مِنْهُ بَدَلُ الْكُلِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2820

١٩٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٧٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ") أَيْ لِأَجْلِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ وَالضَّمِيرُ لِلْهِلَالِ عَلَى حَدِّ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ اكْتِفَاءً بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] أَيْ لِأَبَوَيِ الْمَيِّتِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اللَّامُ لِلتَّوْقِيتِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أَيْ وَقْتَ دُلُوكِهَا، وَفِيهِ أَنَّ الصَّوْمَ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ يَتَحَقَّقُ، وَأَنَّ الْإِقَامَةَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الدُّلُوكِ فَلَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِي الْآيَةِ اللَّامُ بِمَعْنَى " بَعْدَ " أَيْ بَعْدَ دُلُوكِهَا أَيْ زَوَالِهَا، كَمَا فِي قَوْلِكَ: جِئْتُهُ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ كَذَا، يُبَيِّنُهُ حَدِيثُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ الْفَيَّاضُ - أَيْ أَطَالَ اللَّهُ مُدَّتَهُ إِلَى الرُّؤْيَةِ، وَقَوْلِهِ: جِئْتُهُ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ كَذَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى بَعْدَ اهـ الْأَخِيرُ هُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُرَدُّ " وَأَفْطِرُوا " أَيِ اجْعَلُوا عِيدَ الْفِطْرِ " لِرُؤْيَتِهِ " أَيْ لِأَجْلِهَا أَوْ بَعْدَهَا أَوْ وَقْتَهَا " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ " أَيْ أَتِمُّوا عَدَدَهُ " ثَلَاثِينَ " أَيْ فَكَذَا رَمَضَانُ بِطْرِيقِ الْأَوْلَى، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا صَامَ أَهْلُ مِصْرٍ رَمَضَانَ عَلَى غَيْرِ رُؤْيَةٍ بَلْ بِإِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ، إِنْ كَانُوا أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ عَنْ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ إِذْ لَمْ يَرَوْا هِلَالَ رَمَضَانَ قَضَوْا يَوْمًا وَاحِدًا حَمْلًا عَلَى شَعْبَانَ، غَيْرَ أَنَّهُ اتُّفِقَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوُا اللَّيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَإِنْ أَكْمَلُوا شَعْبَانَ عَنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ قَضَوْا يَوْمَيْنِ احْتِيَاطًا، لِاحْتِمَالِ نُقْصَانِ شَعْبَانَ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا هِلَالَ شَعْبَانَ إِلَّا كَانُوا بِالضَّرُورَةِ مُكَمِّلِينَ رَجَبًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ " «فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ فَكَمِّلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا» "، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا كَرِوَايَةِ: " «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ صُومُوا» "، وَرِوَايَةِ: " فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ "، وَرِوَايَةِ: " «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ صُومُوا» "، وَرِوَايَةِ: «كَانَ ﷺ يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَالَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ» ، وَهَذِهِ رِوَايَاتٌ صَحِيحَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ - رَدُّوا قَوْلَ أَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَطَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ مَعْنَى اقْدِرُوا ضَيِّقُوا لَهُ وَقَدِّرُوهُ تَحْتَ السَّحَابِ فَيَجِبُ عِنْدَهُمْ صَوْمُ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ عَنْ رَمَضَانَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الثَّلَاثِينَ مُغَيَّمَةً، وَقَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَآخِرِينَ: قَدِّرُوا بِحِسَابِ الْمَنَازِلِ، أَئِمَّتُنَا: مَنْ قَالَ بِتَقْدِيرِهِ تَحْتَ السَّحَابِ فَهُوَ مُنَابِذٌ لِصَرِيحِ مَا فِي الرِّوَايَاتِ، وَمَنْ قَالَ بِحِسَابِ الْمَنَازِلِ فَرَدَّ عَلَيْهِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ " إِنَّا أُمَّةٌ " الْآتِي، وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ أَحْمَدَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَهْمٌ اهـ أَقُولُ: عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ إِجْمَاعِهِمْ أَوْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ أَوْ فِعْلِ بَعْضِهِمْ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ وُجُوبًا عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَاسْتِحْبَابًا عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا، مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلْخَوَاصِّ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ النِّيَّةِ الْخَالِصَةِ مِنَ التَّرْدِيدِ بِأَنْ يَنْوِيَ صَوْمًا مُطْلَقًا وَلَا يَقُولَ عَنْ رَمَضَانَ وَلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ فَعَنْهُ، وَإِلَّا فَعَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا إِنْ قَالَ: إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ صَوْمُهُ، ثُمَّ إِذَا صَحَّ صَوْمُهُ وَاتَّفَقَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَيَقَعُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ.

стр. 2821

١٩٧١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» " وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ، ثُمَّ قَالَ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي تَمَامَ الثَّلَاثِينَ يَعْنِي مَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٧١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّا ") أَيْ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ " أُمَّةٌ " أَيْ جَمَاعَةٌ " أُمِّيَّةٌ " قِيلَ: الْأُمِّيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى أُمَّةِ الْعَرَبِ فَإِنَّهُمْ غَالِبًا كَانُوا لَا يَكْتُبُونَ وَلَا يَقْرَءُونَ، وَإِطْلَاقُ الْأَمْنِ مِنْ قِبَلِ نَبِيِّهِمْ ﷺ وَالْقُرْآنِ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ ثُمَّ صَارَ الْآخَرُ تَبَعًا لِلْأَوَّلِ فِي النِّسْبَةِ وَالْحُكْمِ، أَوْ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْحَالِ الَّتِي وَلَدَتْهُ أُمُّهُ وَلَمْ يَعْلَمْ قِرَاءَةً وَلَا كِتَابَةً، وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى أُمِّ الْقُرَى وَهِيَ مَكَّةُ أَيْ إِنَّا أُمَّةٌ مَكِّيَّةٌ " لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ " بِضَمِّ السِّينِ، وَهَذَا الْحُكْمُ بِالنَّظَرِ لِأَكْثَرِهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ: لَا نُحْسِنُ الْكِتَابَةَ وَالْحِسَابَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: أَيْ مَنْسُوبُونَ إِلَى الْأُمِّ لِبَقَائِهِمْ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي وَلَدَتْهُمْ عَلَيْهَا مِنْ عَدَمِ إِحْسَانِ الْكِتَابَةِ وَالْحِسَابِ، وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ أَنَّ الْحَالَةَ هِيَ عَدَمُ الْكِتَابَةِ لَا عَدَمُ إِحْسَانِهَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَا نَعْرِفُ الْكِتَابَةَ وَحِسَابَ النُّجُومِ حَتَّى نَعْتَمِدَ عَلَى عِلْمِ النُّجُومِ وَسَيْرِ الْقَمَرِ وَنَعْرِفَ الشَّهْرَ بِذَلِكَ اهـ وَفِيهِ شَائِبَةٌ مِنَ الْجَوَازِ بِالْعَمَلِ بِالنُّجُومِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ نَفْسُهُ سَابِقًا، قَالَ الطِّيبِيُّ " إِنَّا " كِنَايَةٌ عَنْ جِيلِ الْعَرَبِ، وَقَوْلُهُ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ أُمِّيَّةٌ، وَهَذَا الْبَيَانُ ثُمَّ الْإِشَارَةُ بِالْيَدِ ثُمَّ الْقَوْلُ بِاللِّسَانِ يُنْهِيكَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِقْصَاءَ فِي مَعْرِفَةِ الشَّهْرِ لَا إِلَى الْكِتَابِ وَالْحِسَابِ كَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ النَّجَاسَةِ اهـ. فَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى مَا يَعْتَادُهُ الْمُنَجِّمُونَ لَيْسَ مِنْ هَدْيِنَا وَسُنَّتِنَا، بَلْ عِلْمُنَا يَتَعَلَّقُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَإِنَّا نَرَاهُ مَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ كَمَا قَالَ " الشَّهْرُ " مُبْتَدَأٌ " هَكَذَا " مُشَارًا بِهَا إِلَى نَشْرِ الْأَصَابِعِ الْعَشْرِ " وَهَكَذَا " ثَانِيًا " وَهَكَذَا " ثَالِثًا خَبَرُهُ بِالرَّبْطِ بَعْدَ الْعَطْفِ " وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ " أَيْ أَحَدَ الْإِبْهَامَيْنِ أَوِ التَّقْدِيرُ مِنْ إِحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ إِبْهَامَ الْيَمِينِ، عَلَى أَنَّ اللَّامَ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ " وَفِي الثَّالِثَةِ " أَيْ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ مِنْ فِعْلِهِ هَكَذَا فَصَارَ الْجُمْلَةُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ " ثُمَّ قَالَ: الشَّهْرُ " أَيْ تَارَةً أُخْرَى " هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا " قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ عَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَفِي الثَّالِثَةِ لِيَكُونَ الْعَدَدُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَلَمْ يَعْقِدِ الْإِبْهَامَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ لِيَكُونَ الْعَدَدُ ثَلَاثِينَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ " يَعْنِي تَمَامَ الثَّلَاثِينَ " ثُمَّ زَادَ الرَّاوِي الْبَيَانَ فَقَالَ (يَعْنِي مَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ) اهـ، وَفِيهِ إِيهَامٌ أَنَّ (يَعْنِي) الْأَوَّلَ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِفِعْلِهِ ﷺ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ، فَالتَّقْدِيرُ: قَالَ الرَّاوِي: يَعْنِي أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ بِكَوْنِهِ هُنَا لَمْ يَعْقِدِ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ تَمَامَ الثَّلَاثِينَ، ثُمَّ زَادَ الْبَيَانَ فَبَيَّنَ الْكَيْفِيَّةَ فِي الْمَرَّتَيْنِ جَمِيعًا، فَالتَّقْدِيرُ: قَالَ الرَّاوِي أَيْضًا: زِيَادَةٌ فِي الْإِيضَاحِ تَأَسِّيًا بِهِ ﷺ يَعْنِي أَيْ يُرِيدُ ﷺ بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ مَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِنَّمَا بَالَغَ فِي الْبَيَانِ بِمَا ذَكَرَهُ مَعَ الْإِشَارَةِ الْمَذْكُورَةِ لِيُبْطِلَ الرُّجُوعَ إِلَى مَا عَلَيْهِ الْحُسَّابُ الْمُنَجِّمُونَ، وَبِهِ يَبْطُلُ مَا مَرَّ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، ثُمَّ قَالَ أَكْثَرُ أَئِمَّتِنَا: الْمُنَجِّمُ، وَهُوَ مَنْ يَرَى أَنَّ أَوَّلَ الشَّهْرِ طُلُوعُ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] الِاهْتِدَاءُ فِي نَحْوِ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ فِي السَّفَرِ، وَلَا بِحِسَابِ الْحَاسِبِ، وَهُوَ مَنْ يَعْرِفُ مَنَازِلَ الْقَمَرِ وَتَقْدِيرَ مَسِيرِهِ، لَكِنْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَعْمَلَ بِمَعْرِفَةِ نَفْسِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ هَلْ يُجْزِئُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءٌ أَوْ لَا فَيَلْزَمُهُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ الْأَوَّلُ اهـ، فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ زَلَلٍ، وَلَعَلَّهُ مُقَيَّدٌ بِأَوَّلِ رَمَضَانَ، ثُمَّ إِنَّهُ أَرَادَ بِهِمَا أَنَّهُ بِحَسْبِ مَا يَرَى الْهِلَالَ لَا عَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّعَاقُبِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّوَوِيَّ وَابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ صَرَّحَا بِأَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَنْقُصُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مُتَوَالِيَةٍ لَا خَمْسَةً، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَأَنَّهُمَا اعْتَمَدَا فِي ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ، وَمَعَ ذَلِكَ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ خِلَافُ ذَلِكَ عُمِلَ بِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا إِلَى قَوْلِهِ " وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ " لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ " الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا " يَعْنِي مَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ، قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: هَكَذَا ذَكَرَهُ آدَمُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ مُخْتَصَرًا. وَفِيهِ اخْتِصَارٌ عَمَّا رَوَاهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ الْمُثَنَّى وَغَيْرُهُ عَنْ غُنْدُرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ عَنْ مُسْلِمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَفَى الْحَدِيثِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ ﷺ كَمَا أَدَّى مَا وَجَبَ بِتَبْلِيغِهِ بِالْعِبَارَةِ أَدَّاهُ أَيْضًا بِالْإِشَارَةِ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ إِيمَاءَ الْأَخْرَسِ بِعُرْفِ النِّكَاحِ وَطَلَاقِهِ وَنَحْوِهِمَا كَاللِّسَانِ فِي مَعْرِضِ الْبَيَانِ.

стр. 2822

١٩٧٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٧٢ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : شَهْرَا عِيدٍ) أَيْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَشَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرَ عِيدٍ بِطَرِيقِ الْمُجَاوَرَةِ أَوْ لِأَنَّ عِيدَهُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَلِذَا سُمِّيَ عِيدَ الْفِطْرِ " لَا يَنْقُصَانِ " أَيْ غَالِبًا عَنِ الثَّلَاثِينَ، أَوْ لَا يَنْقُصَانِ ثَوَابًا، وَلَوْ نَقَصَا عَدَدًا، أَوْ لَا يَنْقُصَانِ مَعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَرَادَهَا ﷺ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا لَا يَنْقُصَانِ حِسًّا كَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ بَعْضِ الشِّيعَةِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمُشَاهَدَةِ كَمَا تَرَى، وَمُنَافٍ لِمَا صَحَّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: «صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مِمَّا صُمْنَا مَعَهُ ثَلَاثِينَ» ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ فَقَطْ ثَلَاثِينَ كَذَا فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ " رَمَضَانَ وَذِي الْحِجَّةِ " بَدَلَانِ أَوْ بَيَانَاتٌ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فِيهِ وُجُوهٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَنْقُصَانِ مَعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَحَمَلُوهُ عَلَى غَالِبِ الْأَمْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَرَادَ تَفْضِيلَ الْعَمَلِ فِي الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ عَنْ عَشْرِ رَمَضَانَ، أَقُولُ: فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ ثَوَابُ الْعَمَلِ فِي أَحَدِهِمَا عَنِ الْعَمَلِ فِي الْأَجْرِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ قَائِلٍ ثَالِثٍ: إِنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ نَاقِصَيْنِ فِي الثَّوَابِ، وَإِنْ وُجِدَا نَاقِصَيْنِ فِي عَدَدِ الْحِسَابِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْوَمُ وَأَشْبَهُهَا بِالصَّوَابِ اهـ، فَثَوَابُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ كَثَوَابِ ثَلَاثِينَ مِنْهُمَا، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ بَحْثَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ كَيْفَ يَسْتَوِي الْكَثِيرُ وَالْقَلِيلُ فِي الْعِبَادَةِ وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَالثَّانِي إِنَّ ذَا الْحِجَّةِ لَيْسَ فِي نُقْصَانِهِ الثَّوَابُ حَتَّى يُقَالَ ثَوَابُ ذِي الْحِجَّةِ نَاقِصُ الْعَدَدِ كَكَامِلِهِ، وَقَدْ يُجَابُ عَنِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الثَّوَابَ الْإِجْمَالِيَّ الْوَارِدَ فِي رَمَضَانَ كَقَوْلِهِ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ عُفِرَ لَهُ - يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ سَوَاءٌ تَمَّ أَوْ نَقَصَ الْهِلَالُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَيْضًا جَوَابًا عَنِ الثَّانِي، وَوَجْهِ الِاخْتِصَاصِ بِالتَّفْضِيلِ الْإِلَهِيِّ الْخَاصِّ بِهَذَيْنَ الشَّهْرَيْنِ، وَفِي النِّهَايَةِ: أَيْ لَا يَنْقُصَانِ فِي الْحُكْمِ، إِذْ لَا جُنَاحَ بِسَبَبِ الْخَطَأِ فِي الْعِيدِ، أَيْ أَنَّهُ لَا يَعْرِضُ فِي قُلُوبِكُمْ شَكٌّ إِذَا صُمْتُمْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا أَوْ إِنْ وَقَعَ فِي الْحَجِّ خَطَأٌ لَمْ يَكُنْ فِي نُسُكِكُمْ نَقْصٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ لَا يَنْقُصُ ثَوَابُ الْحَجَّةِ عَنْ ثَوَابِ رَمَضَانَ، لِأَنَّ فِيهِ الْمَنَاسِكَ وَالْعَشْرَ، وَقِيلَ: إِنَّ ثَوَابَهُمَا الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ الصِّيَامُ وَالْقِيَامُ وَالْحَجُّ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ خُصَّا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا كَغَيْرِهِمَا فِي الْفَضَائِلِ الَّتِي يُتَوَهَّمُ نَقْصُهَا بِنَقْصِهِمَا لَا لِاخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِهِمَا، بَلْ كُلُّ شَهْرٍ يَثْبُتُ عَلَيْهِ فَضِيلَةٌ فَهِيَ حَاصِلَةٌ لَهُ تَمَّ أَوْ نَقَصَ لَا يَنْقُصُ، أَوْ لَا يَنْقُصَانِ ثَوَابًا وَإِنْ نَقَصَ عَدَدُهُمَا كَمَا صَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ، وَغَيْرُهُ، فَكُلُّ فَضِيلَةٍ ثَبَتَتْ لِرَمَضَانَ أَوِ الْحَجَّةِ فَهِيَ حَاصِلَةٌ، نَقَصَ أَوْ تَمَّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ظَاهِرُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ فِي بَيَانِ اخْتِصَاصِ الشَّهْرَيْنِ بِمَزِيَّةٍ لَيْسَتْ فِي سَائِرِهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ثَوَابَ الطَّاعَةِ فِي سَائِرِهَا قَدْ يَنْقُصُ دُونَهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحُكْمِ وَرَفْعِ الْجُنَاحِ وَالْحَرَجِ عَمَّا عَسَى أَنْ يَقَعَ فِيهِ خَطَأٌ فِي الْحُكْمِ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِالْعِيدَيْنِ وَجَوَازِ احْتِمَالِ الْخَطَأِ فِيهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَقُلْ شَهْرَا رَمَضَانَ وَذِي الْحِجَّةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2823

١٩٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٧٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ ") قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَمَرْجِعُهُ إِلَى خِلَافِ الْأَوْلَى، وَلَا يَكُونُ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ بَلْ دُونَ ذَلِكَ " بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ " قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ حَذَرًا مِنَ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهِ يُخَصُّ أَمْرُهُ ﷺ بِسَرَرِ الشَّهْرِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا: آخِرُهُ، وَهَذَا وَمَا صَحَّ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ " كَانَ الْمُعْتَمَدُ مِنْ مَذْهَبِنَا حُرْمَةَ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ بَلْ وَمَا قَبْلَهُ كَمَا يَأْتِي اهـ. سَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ ﵁ أَوْ قَالَ الْمُظْهِرُ: يُكْرَهُ صَوْمُ آخِرِ شَعْبَانَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ " إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا " أَيْ نَذْرًا مُعَيَّنًا أَوْ نَفْلًا مُعْتَادًا أَوْ صَوْمًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِرَمَضَانَ " فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ " أَيْ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: الْعِلَّةُ تَرْكُ الِاسْتِرَاحَةِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّشَاطِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: اخْتِلَاطُ النَّفْلِ بِالْفَرْضِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الشَّكَّ

стр. 2824

بَيْنَ النَّاسِ فَيَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ، فَلِذَلِكَ يَصُومُ فَيُوَافِقُهُ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى ظَنِّ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ، ثُمَّ هَذَا النَّهْيُ فِي النَّفْلِ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ وَالنَّذْرُ فَفِيهِمَا ضَرُورَةٌ لِأَنَّهُمَا فَرْضٌ، وَتَأْخِيرُهُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، وَأَمَّا الْوِرْدُ فَتَرْكُهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ لِأَنَّ أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ أَدَوَمُهَا، وَتَرْكُهُ عِنْدَ مَنْ أَلِفَ بِهِ شَدِيدٌ، وَقِيلَ: الْعِلَّةُ لُزُومُ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّهُ ﷺ قَيَّدَ الصَّوْمَ بِالرُّؤْيَةِ فَهُوَ كَالْعِلَّةِ لِلْحُكْمِ، أَقُولُ: وَكَذَا قَالَ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَقَالَ: فَمَنْ تَقَدَّمَ صَوْمَهُ فَقَدْ طَعَنَ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ، أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فَكَأَنَّهُ حَاوَلَ الطَّعْنَ، قَالَ: وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ ﷺ : " «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» " اهـ، يَعْنِي إِذَا صَامَ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ أَوْ بِنِيَّةٍ عَلَى طَرِيقِ التَّرْدِيدِ بِأَنْ يَنْوِيَ إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ عَنْهُ، وَإِلَّا فَعَنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَأَمَّا إِذَا صَامَ نَفْلًا أَوْ نَحْوَهُ فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْوَعِيدِ، وَلَا فِي النَّهْيِ الْأَكِيدِ، وَيُومِئُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ " لَا يَتَقَدَّمَنَّ " عَلَى أَنَّ حَدِيثَ " مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ " إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِذَا تَقَدَّمَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ النَّهْيِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ.

стр. 2825

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ١٩٧٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. ــ (الْفَصْلُ الثَّانِي) ١٩٧٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ ") أَيْ إِذَا مَضَى النِّصْفُ الْأَوَّلُ مِنْهُ " فَلَا تَصُومُوا " أَيْ بِلَا انْضِمَامِ شَيْءٍ مِنَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ بِلَا سَبَبٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا صِيَامَ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ، وَالنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ رَحْمَةً عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ يَضْعُفُوا عَنْ حَقِّ الْقِيَامِ بِصِيَامِ رَمَضَانَ عَلَى وَجْهِ النَّشَاطِ، وَأَمَّا مَنْ صَامَ شَعْبَانَ كُلَّهُ فَيَتَعَوَّدُ بِالصَّوْمِ وَيَزُولُ عَنْهُ الْكُلْفَةُ، وَلِذَا قَيَّدَهُ بِالِانْتِصَافِ أَوْ نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّقَدُّمِ الْمُقَدَّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْقَاضِي: الْمَقْصُودُ اسْتِجْمَامُ مَنْ لَا يَقْوَى عَلَى تَتَابُعِ الصِّيَامِ فَاسْتُحِبَّ الْإِفْطَارُ كَمَا اسْتُحِبَّ إِفْطَارُهُ عَرَفَةَ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ، فَأَمَّا مِنْ قَدَرَ فَلَا نَهْيَ لَهُ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الشَّهْرَيْنِ فِي الصَّوْمِ اهـ وَكَلَامٌ حَسَنٌ لَكِنْ يُخَالِفُ مَشْهُورَ مَذْهَبِهِ أَنَّ الصِّيَامَ بِلَا سَبَبٍ بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ مَكْرُوهٌ، وَفَى شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ: قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ الصَّوْمُ بَعْدَ النِّصْفِ مُطْلَقًا تَمَسُّكًا بِأَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ ثَابِتٍ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَخَافُ الضَّعْفَ بِالصَّوْمِ، وَرَدَّهُ الْمُحَقِّقُونَ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَدِيثَ ثَابِتٌ بَلْ صَحِيحٌ، وَبِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلضَّعْفِ، وَمَا نِيطَ بِالْمَظِنَّةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَحَقُّقُهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا بَقِيَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَلَا تَصُومُوا» " وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا نَظَرَ لِقَوْلِ أَحْمَدَ إِنَّهُ مُنْكَرٌ لِأَنَّ أَبَا دَاوُدَ سَكَتَ عَلَيْهِ فِي سُنَنِهِ مَعَ نَقْلِهِ عَنْهُ فِي غَيْرِهَا الْإِنْكَارَ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ عَنْ رَاوِيهِ: إِنَّهُ ثِقَةٌ لَا يُنْكَرُ مِنْ حَدِيثِهِ إِلَّا هَذَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ إِنْكَارِهِ، فَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي رَدِّهِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَعْنَاهُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُفْطِرَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ أَخَذَ فِي الصَّوْمِ.

стр. 2826

١٩٧٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ١٩٧٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَحْصُوا ") بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَمْرٌ مِنِ الْإِحْصَاءِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْعَدُّ بِالْحَصَا أَيْ عُدُّوا " هِلَالَ شَعْبَانَ " أَيْ أَيَّامَهُ " لِرَمَضَانَ " أَيْ لِأَجْلِ رَمَضَانَ أَوْ لِلْمُحَافِظَةِ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لِتَعْلَمُوا دُخُولَ رَمَضَانَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِحْصَاءُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْعَدِّ بِأَنْوَاعِ الْجُهْدِ، وَلِذَلِكَ كَنَّى بِهِ عَنِ الطَّاقَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا» " اهـ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ وَلَنْ تَعُدُّوا اسْتِقَامَتَكُمْ شَيْئًا مُعْتَدًّا بِهِ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ - تَعَالَى، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ اجْتَهِدُوا فِي إِحْصَائِهِ وَضَبْطِهِ بِأَنْ تَتَحَرَّوْا مَطَالِعَهُ وَتَتَرَاءَوْا مَنَازِلَهُ لِأَجْلِ أَنْ تَكُونُوا عَلَى بَصِيرَةٍ فِي إِدْرَاكِ هِلَالِ رَمَضَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ حَتَّى لَا يَفُوتَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 2827

١٩٧٦ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ١٩٧٦ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ) أَيْ مَا عَلِمْتُهُ (يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ) أَيْ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ أَوْ مُعْظَمَهُ فِي أَكْثَرِ الزَّمَانِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ صِيَامِ التَّطَوُّعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ إِيرَادَ هَذَا الْحَدِيثِ بِذَلِكَ الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 2828

١٩٧٧ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. ــ ١٩٧٧ - (وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ) أَيْ مَوْقُوفًا " مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ " عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يَقُلْ يَوْمَ الشَّكِّ، وَأَتَى بِالْمَوْصُولِ لِلْمُبَالَغَةِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ يُشَكُّ فِيهِ أَدْنَى شَكٍّ يُوجِبُ عِصْيَانَ مَنْ كُنْيَتُهُ أَبُو الْقَاسِمِ، الَّذِي يَقْسِمُ حُكْمَ اللَّهِ بَيْنَ عِبَادِهِ بِحَسَبِ قَدْرِهِمْ وَاقْتِدَارِهِمْ فَكَيْفَ بِمَنْ صَامَ يَوْمًا الشَّكُّ فِيهِ قَائِمٌ ثَابِتٌ؟ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] أَيْ إِلَى الَّذِي أُونِسَ مِنْهُمْ أَدْنَى الظُّلْمِ، فَكَيْفَ بِالظَّالِمِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَيْهِ؟ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَامَ نَاوِيًا مِنْ رَمَضَانَ (فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الشَّكُّ هُوَ اسْتِوَاءُ طَرَفَيِ الْإِدْرَاكِ مِنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَمُوجِبُهُ هُنَا أَنْ يُغَمَّ الْهِلَالُ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ فَيُشَكَّ فِي الْيَوْمِ الثَّلَاثِينَ أَمِنْ رَمَضَانَ هُوَ أَوْ مِنْ شَعْبَانَ؟ أَوْ يُغَمَّ مِنْ رَجَبٍ هِلَالُ شَعْبَانَ فَأُكْمِلَتْ عِدَّتُهُ وَلَمْ يَكُنْ رُؤِيَ هِلَالُ رَمَضَانَ فَيَقَعُ الشَّكُّ فِي الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ أَهُوَ الثَّلَاثُونَ أَوِ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ؟ وَمِمَّا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ كَلَامِ غَيْرِ أَصْحَابِنَا مَا إِذَا شَهِدَ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي الصَّحْوِ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِغَلَطِهِ عِنْدَنَا لِظُهُورِهِ، فَمُقَابِلُهُ مَوْهُومٌ لَا مَشْكُوكٌ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْمٍ فَهُوَ شَكٌّ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: وَمَذْهَبُنَا إِبَاحَتُهُ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَرَاهَتُهُ إِنْ لَمْ يُوَافِقْ صَوْمًا لَهُ، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وُجُوبُ صَوْمِهِ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ، ثُمَّ هَذَا فِي عَيْنِ يَوْمِ الشَّكِّ، فَأَمَّا صَوْمُ مَا قَبْلَهُ فَفِي التُّحْفَةِ قَالَ: وَالصَّوْمُ قَبْلَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مَكْرُوهٌ، أَيُّ صَوْمٍ كَانَ، لِقَوْلِهِ ﷺ : " لَا تَتَقَدَّمُوا رَمَضَانَ " الْحَدِيثَ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَرِهَ ﷺ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ إِذَا اعْتَادُوا ذَلِكَ، وَعَنْ هَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ وَصْلُ رَمَضَانَ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ اسْتِدْلَالَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِرِوَايَةِ " أَنْ تَصُومُوا غَدًا " وَاحْتِمَالُ ابْنِ الْهُمَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ " فَلْيَصُومُوا " فَلَا مُعَارَضَةَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ عَنْ عَمَّارٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ كَذَا فِي التَّصْحِيحِ، وَرَوَاهُ الْخَطِيبُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ الْأَئِمَّةُ، وَقَوْلُ الصَّغَانِيِّ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، ثُمَّ هَذِهِ الْعِبَارَةُ مِنَ الصَّحَابِيِّ لَا تُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ الْمُوجِبُ بِإِخْبَارِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ وَاحِدٍ عَدْلٍ، وَعِنْدَهُمَا لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ وَلَا الْبُلُوغُ وَلَا الْحُرِّيَّةُ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْعَدْلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَسْتُورِ، وَبِهِ أَخَذَ الْحُلْوَانِيِّ، فَحَاصِلُ الْخِلَافِ الْمُحَقَّقِ فِي الْمَذْهَبِ هُوَ اشْتِرَاطُ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ أَوِ الِاكْتِفَاءِ بِالسَّتْرِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ يُتَمَسَّكُ بِهِ لِرِوَايَةِ النَّوَادِرِ فِي قَبُولِ الْمَسْتُورِ ; لَكِنَّ الْحَقَّ أَنْ لَا يُتَمَسَّكَ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الزَّمَانَ، لِأَنَّ ذِكْرَهُ الْإِسْلَامَ

стр. 2829

بِحَضْرَتِهِ ﷺ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الشَّهَادَتَيْنِ إِنْ كَانَ هَذَا أَوَّلَ إِسْلَامِهِ فَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ لِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ أَسْلَمَ عَدْلًا إِلَى أَنْ يَظْهَرَ خِلَافُهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ إِخْبَارًا عَنْ حَالِهِ السَّابِقِ فَكَذَلِكَ، لِأَنَّ عَدَالَتَهُ قَدْ ثَبَتَتْ بِإِسْلَامِهِ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِبَقَائِهَا مَا لَمْ يَظْهَرِ الْخِلَافُ، وَلَمْ يَكُنِ الْفِسْقُ غَالِبًا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي زَمَانِهِ ﷺ فَتُعَارِضُ الْغَلَبَةُ ذَلِكَ الْأَصْلَ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ إِلَى ظُهُورِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَإِنَّمَا ثَبَتَ مَوْقُوفًا عَلَى عَمَّارٍ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا عَنْهُ فَقَالَ: وَقَالَ صِلَةُ عَنْ عَمَّارٍ: " مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ " إِلَخْ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ فِي كُتُبِهِمْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَأَتَى بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْقُوفٌ لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ السَّرَرِ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِلَّا وُلِيَ حَمْلُهُ عَلَى إِرَادَةِ صَوْمِهِ عَنْ رَمَضَانَ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنَ الرَّجُلِ الْمُتَنَحِّي قَصْدَ ذَلِكَ فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ أَصْلًا.

стр. 2830

١٩٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ يَعْنِي هِلَالَ رَمَضَانَ، فَقَالَ: " أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. ــ ١٩٧٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) أَيْ وَاحِدٌ مِنَ الْأَعْرَابِ وَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ) يَعْنِي وَكَانَ غَيْمًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِخْبَارَ كَافٍ وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ وَلَا إِلَى الدَّعْوَى (يَعْنِي هِلَالَ رَمَضَانَ) أَيْ قَالَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثٍ يَعْنِي رَمَضَانَ: ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ فَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ، الظَّاهِرُ أَنَّ الْقَائِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ (فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ فِي الشَّهَادَةِ اهـ وَفِي الْفَصْلِ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى تَفْضِيلِ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى مِنَ الْقَضِيَّتَيْنِ (قَالَ: يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ) أَيْ نَادِ فِي مَحْضَرِهِمْ وَأَعْلِمْهُمْ (أَنْ يَصُومُوا) أَيْ بِأَنْ يَصُومُوا (غَدًا) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْهُمَامِ: فَلْيَصُومُوا، وَفِي عَدَمِ تَقْيِيدِهِ بِرَمَضَانَ إِشْعَارٌ إِلَى مَذْهَبِنَا مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ أَدَاؤُهُ بِنِيَّةِ مُطْلَقِ الصَّوْمِ، وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِقَيْدِ الْغَدِ عَلَى جَوَازِ النِّيَّةِ فِي النَّهَارِ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: مُحْتَمَلٌ لِكَوْنِهِ شَهِدَ فِي النَّهَارِ أَوِ اللَّيْلِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّ اسْتِدْلَالَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِرِوَايَةِ " أَنْ يَصُومُوا غَدًا " وَاحْتِمَالَ ابْنِ الْهُمَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ " فَلْيَصُومُوا " فَلَا مُعَارَضَةَ، قَالَ الْمُظْهِرُ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ فِسْقٌ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَعَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ مَقْبُولَةٌ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ اهـ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ مَوْصُولًا وَمِنْ طُرُقٍ مُرْسَلًا، وَإِنْ كَانَتْ طُرُقُ الِاتِّصَالِ صَحِيحَةً.

стр. 2831

١٩٧٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. ــ ١٩٧٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ) قَالَ الْمُظْهِرُ: التَّرَائِي أَنْ يُرِيَ بَعْضُ الْقَوْمِ بَعْضًا، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الِاجْتِمَاعُ لِلرُّؤْيَةِ لِقَوْلِهِ (فَأَخْبَرْتُ) أَيْ وَحْدِي (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَنِّي رَأَيْتُهُ) أَيِ الْهِلَالَ (فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ) أَيْ بِصِيَامِ رَمَضَانَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ اهـ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَقَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ ثُبُوتِ رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ بِوَاحِدٍ احْتِيَاطًا، وَزَعَمَ جَمْعٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَئِمَّتِنَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَجَعَ عَنِ الْقَوْلِ بِالْوَاحِدِ إِلَى مُوَافَقَةِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنِ اثْنَيْنِ كَبَقِيَّةِ الشُّهُورِ، وَأَصْحَابُهُ أَدْرَى بِنُصُوصِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ أَوَّلَ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ مَا أَوْهَمَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا رَجَعَ إِلَى الِاثْنَيْنِ بِالْقِيَاسِ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ سُنَّةٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ، فَلَمَّا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَبِلَ شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ وَحْدَهُ وَشَهَادَةَ ابْنِ عُمَرَ وَحْدَهُ كَانَ مَذْهَبُهُ قَبُولَ الْوَاحِدِ، وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَتْرُكُ الْحَدِيثَ لِلْقِيَاسِ مَعَ قَوْلِهِ: إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي، وَاضْرِبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ حَاكِمٌ يَرَاهُ، وَإِلَّا وَجَبَ الصَّوْمُ وَلَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ إِجْمَاعًا.

стр. 2832

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ١٩٨٠ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ١٩٨٠ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ) أَيْ يَتَكَلَّفُ فِي عَدِّ أَيَّامِ شَعْبَانَ لِمُحَافَظَةِ صَوْمِ رَمَضَانَ (مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ) لِعَدَمِ تَعَلُّقِ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ بِغَيْرِهِ إِلَّا شَهْرِ الْحَجِّ، وَهُوَ نَادِرٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، مَعَ أَنَّ ضَبْطَهُ قَدْ يُبْتَنَى عَلَى ضَبْطِهِ (ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ) أَيْ شَعْبَانُ (عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 2833

١٩٨١ - وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: «خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَلَقِينَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْنَا: إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلَالَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَقَالَ: أَيُّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ؟ قُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ فَهُوَ لِلَيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: أَهَلَلْنَا رَمَضَانَ وَنَحْنُ بِذَاتِ عِرْقٍ فَأَرْسَلْنَا رَجُلًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٩٨١ - (وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُثْنَاةِ بَيْنَهُمَا مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ فِيهِ تَشَيُّعٌ قَلِيلٌ، كَثِيرُ الْإِرْسَالِ؛ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، فَمَا كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ سَمَاعًا فَمَقْبُولٌ، وَمَا كَانَ عَنْ كَذَا فَهُوَ ضَعِيفٌ، ذَكَرَهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْمُهُ أَسْعَدُ بْنُ فَيْرُوزَ الْكُوفِيُّ (قَالَ: خَرَجْنَا) أَيْ مِنْ بَلَدِنَا (لِلْعُمْرَةِ) أَيْ لِأَجْلِهَا وَقَصْدِهَا وَتَحْصِيلِهَا (فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ) قَرْيَةٌ مَشْهُورَةٌ شَرْقِيَّةَ مَكَّةَ تُسَمَّى الْآنَ بِالْمَضِيقِ؛ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ (تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ) أَيِ اجْتَمَعْنَا لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِكَمَالِ ظُهُورِهِ، أَوْ أَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا لِخَفَاءِ نَظَرِهِ أَوْ عَدَمِ عِلْمِهِ بِمَسْقَطِ قَمَرِهِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْإِشَارَةُ إِلَى الْهِلَالِ تُكْرَهُ لِأَنَّهُ فِعْلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فِيهِ أَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى الْإِشَارَةِ عِنْدَ الْإِرَاءَةِ فَتُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ عَلَى وَقْتِ عَدَمِ الضَّرُورَةِ (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ) أَيْ صَاحِبُ ثَلَاثِ لَيَالٍ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ (وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَلَقِينَا) أَيْ نَحْنُ (ابْنَ عَبَّاسٍ) بِالنَّصْبِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ وَفَتْحِ الْيَاءِ فِي لَقِينَا وَالْمَعْنَى هُوَ لَقِيَنَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لَفْظًا وَمَعْنًى؛ فَإِنَّ فِيهِ رِعَايَةَ الْأَدَبِ (فَقُلْنَا) أَيْ لَهُ (إِنَّا) أَيْ مَعْشَرَ الْقَوْمِ (رَأَيْنَا الْهِلَالَ) أَيْ مُرْتَفِعًا جِدًّا (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَقَالَ) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (أَيُّ لَيْلَةٍ) بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالنَّصْبِ وَهُوَ أَفْصَحُ مِنْ أَيَّةِ لَيْلَةٍ (رَأَيْتُمُوهُ؟) أَيِ الْهِلَالَ فِيهَا (قُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا) أَيْ رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ كَذَا وَهُوَ الْإِثْنَيْنِ مَثَلًا (وَكَذَا) وَهُوَ لَيْلَةُ الثُّلَاثَاءَ (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ) أَيْ جَعَلَ مُدَّةَ رَمَضَانَ زَمَانَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ؛ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ لِوَقْتِهَا. فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنَّ اللَّامَ لِلتَّوْقِيتِ فَلَا وَجْهَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى بَعْدَ فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِ الْوَقْتِ فَإِنَّ الْمَعْنَى يَتِمُّ بِدُونِهِ (فَهُوَ) أَيْ رَمَضَانُ (لِلَيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ بِإِضَافَةِ " لَيْلَةِ " إِلَى الْجُمْلَةِ، وَفِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِالتَّنْوِينِ، وَيَدُلُّ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ " أَيُّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ " غَايَتُهُ أَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا فِيهِمَا، وَالْمَعْنَى رَمَضَانُ حَاصِلٌ لِأَجْلِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِكِبَرِهِ، بَلْ وَرَدَ أَنَّ انْتِفَاخَ الْأَهِلَّةِ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فَهُوَ حَاصِلٌ وَقْتَ لَيْلَةِ الرُّؤْيَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِإِضَافَتِهِ الْوَقْتَ إِلَى اللَّيْلَةِ وَهِيَ الْوَقْتُ أَيْضًا (وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ (قَالَ: أَهْلَلْنَا رَمَضَانَ) فِي النِّهَايَةِ أَهَلَّ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ إِذَا لَبَّى وَرَفَعَ صَوْتَهُ، وَمِنْهُ إِهْلَالُ الْهِلَالِ وَاسْتِهْلَالُهُ إِذَا رَفَعَ الصَّوْتَ بِالتَّكْبِيرِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ اهـ فَمَعْنَاهُ رَأَيْنَا هِلَالَ رَمَضَانَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ تَرَاءَيْنَاهُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى (وَنَحْنُ بِذَاتِ عِرْقٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَوْقَ بَطْنِ نَخْلَةَ بِنَحْوِ يَوْمٍ، إِذْ هِيَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَبَطْنُ نَخْلَةَ عَلَى مَرْحَلَةٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ،

стр. 2834

(فَأَرْسَلْنَا رَجُلًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ) أَيْ فَسَأَلَهُ عَمَّا وَقَعَ بَيْنَنَا مِمَّا سَبَقَ فَقَالَ (ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ ") قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَطَالَ مُدَّتَهُ إِلَى الرُّؤْيَةِ، أَيْ أَطَالَ مُدَّةَ شَعْبَانَ إِلَى زَمَانِ رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَأَوْضَحُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ ابْتِدَاءَ مُدَّتِهِ حَاصِلًا بَعْدَ رُؤْيَتِهِ فَغَيْرُ وَاضِحٍ، بَلْ فَاسِدٌ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي أَمَدَّهُ رَاجِعٌ إِلَى شَعْبَانَ، وَفِي لِرُؤْيَتِهِ إِلَى رَمَضَانَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرَانِ لِرَمَضَانَ كَمَا وَهِمَ لَا مَعْنَى إِلَى لِأَمْرِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الِابْتِدَاءِ فِي الْحَدِيثِ أَصْلًا، وَلَوْ قُلْنَا إِنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى بَعْدَ فَالْمَعْنَى أَطَالَ مُدَّةَ رَمَضَانَ بَعْدَ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ لَصَحَّ الْمَعْنَى فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ، فَتَدَبَّرْ " فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ " يُقَالُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ أَيِ اسْتَعْجَمَ مِثْلُ غُمَّ، أَيْ فَإِنْ أُخْفِيَ عَلَيْكُمْ بِنَحْوِ غَيْمٍ " فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ " أَيْ عَدَدَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُنَافِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَا قَبْلَهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ تَرَاءَوْهُ بِذَاتِ عِرْقٍ، وَتَنَازَعُوا فِيهِ فَأَرْسَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَأَجَابَهُمْ بِذَلِكَ، فَلَمَّا وَصَلُوا بَطْنَ نَخْلَةَ رَأَوْهُ فَسَأَلُوهُ شِفَاهًا، فَأَجَابَهُمْ بِمَا يُطَابِقُ الْجَوَابَ، وَحَاصِلُهُمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْحُكْمِ بِدُخُولِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ شَعْبَانَ مِنْ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ قَوْلُهُ لِلَيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ أَنْ لَا عِبْرَةَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَإِنَّهُ لَوْ رُؤِيَ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ شَعْبَانَ أَوْ رَمَضَانَ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يُحْكَمْ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَلَا الْمُسْتَقْبَلَةِ، فَلَا يُفْطِرُهُ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا يُمْسِكُهُ مِنْ شَعْبَانَ، بَلْ إِنْ رُؤِيَ بَعْدَ الْغُرُوبِ حُكِمَ بِهِ لِلْمُسْتَقْبَلَةِ، وَإِلَّا فَلَا لِلْخَبَرِ السَّابِقِ: " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ "، وَلِمَا صَحَّ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَرْسَلَ إِلَى جُنْدٍ لَهُ بِالْعِرَاقِ: إِنَّ هَذِهِ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتَ الْهِلَالَ نَهَارًا فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ نَاسًا رَأَوْا هِلَالَ الْفِطْرِ نَهَارًا فَأَتَمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيْلِ، وَقَالَ: لَا، حَتَّى يُرَى مِنْ حَيْثُ يُرَى بِاللَّيْلِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَصْلُحُ أَنْ نُفْطِرَ حَتَّى تَرَوْهُ لَيْلًا مِنْ حَيْثُ يُرَى، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرُوِّينَا فِي ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ غَيْرُهُ: وَعَنْ عَلِيٍّ وَأَنَسٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ، وَرَوَى مَالِكٌ بَلَاغًا أَنَّ الْهِلَالَ رُؤِيَ زَمَنَ عُثْمَانَ بِعَشِيٍّ فَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى أَمْسَى، وَقَالَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ: إِنْ رُؤِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلِلْمَاضِيَةِ أَوْ بَعْدَهُ فَلِلْمُسْتَقْبَلَةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهُ لَوْ رُؤِيَ يَوْمَ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ يَكُونُ لِلْمَاضِيَةِ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّهْرِ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ اهـ، وَبِهِ يَتَأَيَّدُ الْمُعْتَمَدُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ حَرَامٌ، وَيَنْدَفِعُ اعْتِمَادُ مَا نُقِلَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّ صَوْمَهُ مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ اهـ، وَفِي انْدِفَاعِ الِاعْتِمَادِ يُحْتَاجُ إِلَى أَمْرٍ يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِنَادُ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يُسَنَّ صَوْمُهُ إِذَا أُطْبِقَ الْغَيْمُ لِقَوْلِ أَحْمَدَ بِوُجُوبِهِ، لِأَنَّ الْخِلَافَ إِذَا خَالَفَ سُنَّةً صَحِيحَةً لَا يُرَاعَى اهـ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا مُجَازَفَةٌ صَرِيحَةٌ، وَالْحَقُّ مَذْهَبُنَا الْمُتَوَسِّطُ الْأَعْدَلُ، فَتَأَمَّلْ لِئَلَّا تَقَعَ فِي الْوَجَلِ.

стр. 2835

[باب في مسائل متفرقة من كتاب الصوم] (بَابٌ) (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ١٩٨٢ - عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (بَابٌ) أَيْ: فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ. (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ١٩٨٢ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَسَحَّرُوا ") أَمْرُ نَدْبٍ كَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ أَيْ تَنَاوَلُوا شَيْئًا مَا وَقْتَ السَّحَرِ، لِحَدِيثِ " «تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعَةِ مَاءٍ» "، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ لَكِنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، فِي الْقَامُوسِ: السَّحَرُ هُوَ قُبَيْلُ الصُّبْحِ، وَفِي الْكَشَّافِ هُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَقِيلَ: وَقْتُهُ يَدْخُلُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ " فَإِنَّ فِي السَّحُورِ " الرِّوَايَةُ الْمَحْفُوظَةُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فَتْحُ السِّينِ وَهُوَ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ " بَرَكَةً " لِأَنَّ فِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا بِإِقَامَةِ السُّنَّةِ وَلِكَوْنِهِ يَسْتَعِينُ بِهِ الصَّائِمُ عَلَى صَوْمِهِ لِقِيَامِ ذَلِكَ الْأَكْلِ مَقَامَ أَكْلِ يَوْمِهِ، فِي النِّهَايَةِ أَكْثَرُ مَا يُرْوَى بِالْفَتْحِ وَقِيلَ الصَّوَابُ بِالضَّمِّ، لِأَنَّهُ الْمَصْدَرُ، وَالْأَجْرُ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الطَّعَامِ اهـ وَيُمْكِنُ أَنْ

стр. 2836

يُقَالُ الصَّوَابُ بِالْفَتْحِ لِأَنَّ الْفِعْلَ إِنَّمَا يُثَابُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِاسْتِعْمَالِ السُّنَّةِ، فَإِذَا أُثِيبَ عَلَى أَثَرِهِ فَبِالْأَوْلَى عَلَى نَفْسِهِ فَيُفِيدُ مِنَ الْمُبَالَغَةِ مَا لَا يَخْفَى، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: " «مِدَادُ الْعُلَمَاءِ أَفْضَلُ مِنْ دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ» " مَعَ أَنَّ تَفْسِيرَ الْبَرَكَةِ بِالثَّوَابِ غَرِيبٌ، وَسَيَأْتِي: هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ حُصُولُ التَّقَوِّي بِهِ عَلَى صَوْمِ الْغَدِ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ : " «اسْتَعِينُوا بِمُقَابَلَةِ النَّهَارِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَبِأَكْلِ السَّحُورِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ» "، أَوِ الْمُرَادُ زِيَادَةُ الثَّوَابِ لِاسْتِنَانِهِ بِسُنَنِ الْمُرْسَلِينَ، قَالَ ﷺ : " «فَرْقُ مَا بَيْنَ صَوْمِنَا وَصَوْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» " وَلَا مُنَافَاةَ، فَلْيَكُنِ الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ كُلًّا مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَالسَّحُورُ مَا يُؤْكَلُ فِي السَّحَرِ وَهُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَقَوْلُهُ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ فِي أَكْلِ السَّحُورِ بَرَكَةٌ بِنَاءً عَلَى ضَبْطِهِ بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ سَحَرٍ، فَأَمَّا عَلَى فَتْحِهَا وَهُوَ الْأَعْرَفُ فِي الرِّوَايَةِ فَهُوَ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ فِي السَّحَرِ اهـ وَفِيهِ أَنَّ السُّحُورَ جَمْعُ سَحَرٍ، غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَقْدِيرَ الْمُضَافِ عَلَى رِوَايَةِ فَتْحِ السِّينِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي أَكْلِ السَّحُورِ لَا فِي نَفْسِ السُّحُورِ، كَمَا قِيلَ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا قَوْلُهُ ﷺ : " «وَبِأَكْلِ السَّحُورِ» " فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كَلَامِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2837

١٩٨٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٩٨٣ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ ") مَا زَائِدَةٌ أُضِيفَ إِلَيْهَا الْفَصْلُ بِمَعْنَى الْفَرْقِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ تَصْحِيفٌ " أَكْلَةُ السَّحَرِ " بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الْمَرَّةُ، قَالَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ اللُّقْمَةُ، وَهُوَ كَذَا فِي نُسْخَةٍ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَالْمَعْنَى أَنَّ السَّحُورَ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَبَاحَهُ لَنَا إِلَى الصُّبْحِ بَعْدَ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْنَا أَيْضًا فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ يَنَامُوا أَوْ مُطْلَقًا، وَمُخَالَفَتُنَا إِيَّاهُمْ تَقَعُ مَوْقِعَ الشُّكْرِ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ، فَقَوْلُ ابْنِ الْهُمَامِ: إِنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ غَيْرُ صَحِيحٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 2838

١٩٨٤ - وَعَنْ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٨٤ - (وَعَنْ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ ") أَيْ مَوْصُوفِينَ بِخَيْرٍ كَثِيرٍ أَوِ الْمُرَادُ بِالْخَيْرِ ضِدُّ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ " مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ " أَيْ مَا دَامُوا عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ، وَيُسَنُّ تَقْدِيمُهُ عَلَى الصَّلَاةِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ بِهِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَإِنَّ فِي التَّعْجِيلِ مُخَالَفَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَهُ إِلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ أَيِ اخْتِلَاطِهَا، ثُمَّ صَارَ عَادَةً لِأَهْلِ الْبِدْعَةِ فِي مِلَّتِنَا اهـ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: وَلَوْ أَخَّرَ لِتَأْدِيبِ النَّفْسِ وَمُوَاصَلَةِ الْعِشَائَيْنِ بِالنَّفْلِ غَيْرَ مُعْتَقَدٍ وُجُوبَ التَّأْخِيرِ لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ، أَقُولُ بَلْ يَضُرُّهُ حَيْثُ يَفُوتُهُ السُّنَّةَ، وَتَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ بِشَرْبَةِ مَاءٍ لَا يُنَافِي التَّأْدِيبَ وَالْمُوَاصَلَةَ، مَعَ أَنَّ التَّحْصِيلَ إِظْهَارُ الْعَجْزِ الْمُنَاسِبِ لِلْعُبُودِيَّةِ وَمُبَادَرَةٌ إِلَى قَبُولِ الرُّخْصَةِ مِنَ الْحَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ التُّورِبِشْتِيَّ قَالَ: وَهَذِهِ الْخَصْلَةُ الَّتِي لَمْ يَرْضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَقُولُ: يُشَابِهُ هَذَا التَّأْخِيرُ تَقَدُّمَ صَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ، وَفِيهِ أَنَّ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ هِيَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ، مَنْ تَعَوَّجَ عَنْهَا فَقَدِ ارْتَكَبَ الْمُعْوَجَّ مِنَ الضَّلَالِ وَلَوْ فِي الْعِبَادَةِ اهـ وَيُؤَيِّدُهُ مَا صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا أَعْجَلَ النَّاسِ إِفْطَارًا وَأَبْطَأَهُمْ سَحُورًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَزَادَ أَحْمَدُ: " وَأَخَّرُوا السَّحُورَ ".

стр. 2839

١٩٨٥ - وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ١٩٨٥ - (وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ ") أَيْ ظَلَامُهُ " مِنْ هَاهُنَا " أَيْ جَانِبِ الشَّرْقِ " وَأَدْبَرَ النَّهَارُ " أَيْ ضِيَاؤُهُ " مِنْ هَاهُنَا " أَيْ جَانِبِ الْغَرْبِ " وَغَرَبَتْ " بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ غَابَتِ " الشَّمْسُ " أَيْ كُلُّهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا قَالَ وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ لِبَيَانِ كَمَالِ الْغُرُوبِ كَيْلَا يُظَنَّ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِفْطَارُ لِغُرُوبِ بَعْضِهَا اهـ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا ذَكَرَ هَذَيْنِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ غُرُوبَهَا عَنِ الْعُيُونِ لَا يَكْفِي لِأَنَّهَا قَدْ تَغِيبُ وَلَا تَكُونُ غَرَبَتْ حَقِيقَةً فَلَا بُدَّ مِنْ حَقِيقَةِ الْغُرُوبِ اهـ وَهُوَ غَرِيبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مَقْصُورٌ، وَلِذَا اقْتَصَرَ الْعُلَمَاءُ عَلَى

стр. 2840

ذِكْرِهِ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّ الْقَيْدَ الثَّانِيَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتِمُّ كَلَامُهُمْ لَوْ كَانَ غَرَبَتْ مُقَدَّمًا فَيَرْجِعُ الْحُكْمُ إِلَى مَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ " فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ " أَيْ صَارَ مُفْطِرًا حُكْمًا، وَإِنْ لَمْ يُفْطِرْ حِسًّا، كَذَا فِي الرِّوَايَةِ وَشَرْحِ السُّنَّةِ، بِدَلِيلِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى نِيَّةِ الصَّوْمِ لِلْغَدِ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ وَيَشْرَبْ، وَقِيلَ: دَخَلَ فِي وَقْتِ الْإِفْطَارِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُوَاصِلِ أَيْ لَيْسَ لِلْمُوَاصِلِ فَضْلٌ عَلَى الْآكِلِ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَا يَقْبَلُ الصَّوْمَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِخْبَارِ عَلَى الْإِنْشَاءِ إِظْهَارًا لِلْحِرْصِ عَلَى وُقُوعِ الْمَأْمُورِ بِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ فَلْيُفْطِرِ الصَّائِمُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَيْرِيَّةَ مَنُوطَةٌ بِتَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ فَكَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ وَحَصَلَ وَهُوَ يُخْبِرُ عَنْهُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الصف: ١٠ - ١١] أَيْ آمِنُوا وَجَاهِدُوا، وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الصَّوْمَ يَنْقَضِي وَيَتِمُّ بِتَمَامِ الْغُرُوبِ هُوَ مِمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ.
следующие страницы →