← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

يُسَمَّى بِالضِّدِّ كَالْكَافُورِ لِلْأَسْوَدِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يُنَافِي أَنَّهَا الْآيَاتُ السَّبْعُ كَمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَالْمَثَانِي لِتَكَرُّرِهَا فِي الصَّلَاةِ كَمَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ: السَّبْعُ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُثَنَّى بِسُورَةٍ أُخْرَى أَوْ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ تَعْظِيمًا لَهَا وَاهْتِمَامًا بِشَأْنِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا اسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى مَنْ قَبْلَهَا أَوْ لِمَا فِيهَا مِنَ الثَّنَاءِ مَفَاعِلٍ مِنْهُ جَمْعُ مَثْنَى لِجَمْعِ الثَّنَاءِ كَالْمُحَمَّدَةِ بِمَعْنَى الْحَمْدِ أَوْ مُثَنِّيَةٍ مُفَعِّلَةٍ مِنَ الثَّنْيِ بِمَعْنَى التَّثْنِيَةِ أَوِ اسْمِ مَفْعُولٍ مِنَ التَّثْنِيَةِ بِمَعْنَى التَّكْرَارِ (وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ) عُطِفَ عَلَى السَّبْعِ عَطْفُ صِفَةٍ عَلَى صِفَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ (الَّذِي أُوتِيَهُ) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ [الحجر: ٨٧] أَوْ خَصَصْتُهُ بِالْإِعْطَاءِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضِهِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3012

٢١١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَجْعَلُوا بِيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢١١٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ) بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ (مَقَابِرَ) ، أَيْ خَالِيَةٌ مِنَ الذِّكْرِ وَالطَّاعَةِ فَتَكُونُ كَالْمَقَابِرِ وَتَكُونُونَ كَالْمَوْتَى فِيهَا أَوْ مَعْنَاهُ: لَا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ فِيهَا، وَيَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ (إِنَّ الشَّيْطَانَ) اسْتِئْنَافٌ كَالتَّعْلِيلِ (يَنْفِرُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ يَخْرُجُ وَيَشْرُدُ (مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) وَالْمَعْنَى: يَيْأَسُ مِنْ إِغْوَاءِ أَهْلِهِ بِبَرَكَةِ هَذِهِ السُّورَةِ، أَوْ لِمَا يَرَى مِنْ جِدِّهِمْ فِي الدِّينِ وَاجْتِهَادِهِمْ فِي طَلَبِ الْيَقِينِ وَخَصَّ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِذَلِكَ لِطُولِهَا وَكَثْرَةِ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالْأَحْكَامِ فِيهَا، وَقَدْ قِيلَ: فِيهَا أَلْفُ أَمْرٍ وَأَلْفُ نَهْيٍ وَأَلْفُ حُكْمٍ وَأَلْفُ خَبَرٍ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ أَنْ يُقَالَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا يُقَالُ السُّورَةُ الَّتِي فِيهَا الْبَقَرَةُ أَوْ يُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ آخِرُ الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ الْبَقَرَةُ» .

стр. 3013

٢١٢٠ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «اقْرَأُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَأُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَأُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢١٢٠ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اقْرَءُوا الْقُرْآنَ) أَيِ اغْتَنِمُوا قِرَاءَتَهُ وَدَاوِمُوا عَلَى تِلَاوَتِهِ (فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا) ، أَيْ مُشَفَّعًا (لِأَصْحَابِهِ) ، أَيِ الْقَائِمِينَ بِآدَابِهِ (اقْرَءُوا) ، أَيْ عَلَى الْخُصُوصِ (الزَّهْرَاوَيْنِ) تَثْنِيَةُ الزَّهْرَاءِ تَأْنِيثُ الْأَزْهَرِ وَهُوَ الْمُضِيءُ الشَّدِيدُ الضَّوْءِ، أَيِ الْمُنِيرَتَيْنِ لِنُورِهِمَا وَهِدَايَتِهِمَا وَعِظَمِ أَجْرِهِمَا فَكَأَنَّهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَاعَدَاهُمَا عِنْدَ اللَّهِ مَكَانُ الْقَمَرَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَقِيلَ: لِاشْتِهَارِهِمَا شُبِّهَتَا بِالْقَمَرَيْنِ (الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِّيَةِ أَوْ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي وَيَجُوزُ رَفْعُهَا، وَسُمِّيَتَا زَهْرَاوَيْنِ لِكَثْرَةِ أَنْوَارِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْعَلِيَّةِ، وَذِكْرُ السُّورَةِ فِي الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى لِبَيَانِ جَوَازِ كُلٍّ مِنْهُمَا (فَإِنَّهُمَا) ، أَيْ ثَوَابُهُمَا الَّذِي اسْتَحَقَّهُ التَّالِي الْعَامِلُ بِهِمَا أَوْ هُمَا يَتَصَوَّرَانِ وَيَتَجَسَّدَانِ وَيَتَشَكَّلَانِ (تَأْتِيَانِ) ، أَيْ تَحْضُرَانِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ) ، أَيْ سَحَابَتَانِ تُظِلَّانِ صَاحِبَهُمَا عَنْ حَرِّ الْمَوْقِفِ، قِيلَ: هِيَ مَا يَغُمُّ الضَّوْءَ وَيَمْحُوهُ لِشَدَّةِ كَثَافَتِهِ (أَوْ غَيَايَتَانِ) وَهِيَ بِالْيَاءَيْنِ مَا يَكُونُ أَدْوَنَ مِنْهُمَا فِي الْكَثَافَةِ وَأَقْرَبَ إِلَى رَأْسِ صَاحِبِهِمَا كَمَا يُفْعَلُ بِالْمُلُوكِ فَيَحْصُلُ عِنْدَهُ الظِّلُّ وَالضَّوْءُ جَمِيعًا (أَوْ فِرْقَانِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ طَائِفَتَانِ (مِنْ طَيْرٍ) جَمْعُ طَائِرٍ (صَوَافَّ) جَمْعُ صَافَّةٍ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ الْوَاقِفَةُ عَلَى الصَّفِّ أَوِ الْبَاسِطَاتُ أَجْنِحَتُهَا مُتَّصِلًا بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَهَذَا أَبْيَنُ مِنَ الْأَوَّلَيْنِ إِذْ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا مَا وَقَعَ لِسُلَيْمَانَ ﵊ وَ (أَوْ) يَحْتَمِلُ الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي وَالتَّخْيِيرُ فِي تَشْبِيهِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لِتَقْسِيمِ التَّالِينَ لِأَنَّ أَوْ مِنْ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ لَا مَنْ تَرَدَّدَ مِنَ الرُّوَاةِ لِاتِّسَاقِ الرُّوَاةِ عَلَيْهِ عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَوْ لِلتَّنْوِيعِ فَالْأَوَّلُ لِمَنْ يَقْرَأهُمَا وَلَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُمَا وَالثَّانِي لِمَنْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَالثَّالِثُ لِمَنْ ضَمَّ إِلَيْهِمَا تَعْلِيمَ الْغَيْرِ (تُحَاجَّانِ) أَيِ السُّورَتَانِ تُدَافِعَانِ الْجَحِيمَ وَالزَّبَانِيَةَ أَوْ تُجَادِلَانِ وَتَخْصِمَانِ الرَّبَّ أَوِ الْخَصْمِ (عَنْ أَصْحَابِهِمَا) وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي

стр. 3014

الشَّفَاعَةُ (اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ بَعْدَ تَعْمِيمٍ أَمَرَ أَوَّلًا بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَعَلَّقَ بِهَا الشَّفَاعَةَ، ثُمَّ خَصَّ الزَّهْرَاوَيْنِ وَأَنَاطَ بِهِمَا التَّخَلُّصَ مِنْ حَرِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِالْمُحَاجَّةِ، وَأَفْرَدَ ثَالِثًا الْبَقَرَةَ وَأَنَاطَ بِهَا أُمُورًا ثَلَاثَةً حَيْثُ قَالَ (فَإِنَّ أَخْذَهَا) ، أَيِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى تِلَاوَتِهَا وَالتَّدَبُّرِ فِي مَعَانِيهَا وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهَا (بَرَكَةٌ) ، أَيْ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ (وَتَرْكَهَا) بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، أَيْ تَرْكُهَا وَأَمْثَالُهَا (حَسْرَةً) ، أَيْ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا وَرَدَ: " «لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا» " (وَلَا يَسْتَطِيعُهَا) بِالتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ، أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهَا (الْبَطَلَةُ) ، أَيْ أَصْحَابُ الْبَطَالَةِ وَالْكَسَالَةِ لِطُولِهَا، وَقِيلَ: أَيِ السَّحَرَةُ لِأَنَّ مَا يَأْتُونَ بِهِ بَاطِلٌ، سَمَّاهُمْ بِاسْمِ فِعْلِهِمُ الْبَاطِلِ، أَيْ لَا يُؤَهَّلُونَ لِذَلِكَ أَوْ لَا يُوَفَّقُونَ لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ لَا تَقْدِرُ عَلَى إِبْطَالِهَا أَوْ عَلَى صَاحِبِهَا السَّحَرَةُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِيهَا ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] الْآيَةَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3015

٢١٢١ - وَعَنِ النَوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢١٢١ - (وَعَنِ النَوَّاسِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ (بْنِ سَمْعَانَ) بِكَسْرِ السِّينِ وَبِفَتْحٍ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ) ، أَيْ مُتَصَوَّرًا أَوْ بِثَوَابِهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ) عَطَفٌ عَلَى الْقُرْآنِ (الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ) دَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَرَأَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَلَا يَكُونُ شَفِيعًا لَهُمْ بَلْ يَكُونُ الْقُرْآنُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ (تَقْدُمُهُ) ، أَيْ تَتَقَدَّمُ أَهْلَهُ أَوِ الْقُرْآنَ (سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ) بِالْجَرِّ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي تَقَدُّمِهِ لِلْقُرْآنِ، أَيْ يَقْدُمُ ثَوَابُهُمَا ثَوَابَ الْقُرْآنِ، وَقِيلَ: يُصَوَّرُ الْكُلُّ بِحَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ كَمَا يُصَوَّرُ الْأَعْمَالُ لِلْوَزْنِ فِي الْمِيزَانِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ إِيمَانًا فَإِنَّ الْعَقْلَ يَعْجَزُ عَنْ أَمْثَالِهِ (كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ) بِضَمِّ الظَّاءِ، أَيْ سَحَابَتَانِ (سَوْدَاوَانِ) لِكَثَافَتِهِمَا وَارْتِكَامِ الْبَعْضِ مِنْهُمَا عَلَى بَعْضٍ وَذَلِكَ مِنَ الْمَطْلُوبِ فِي الظِّلَالِ، قِيلَ: إِنَّمَا جُعِلَتَا كَالظُّلَّتَيْنِ لِتَكُونَا أَخْوَفُ وَأَشَدُّ تَعْظِيمًا فِي قُلُوبِ خُصَمَائِهِمَا لِأَنَّ الْخَوْفَ فِي الظُّلَّةِ أَكْثَرُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ إِظْلَالِ قَارِئِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (بَيْنَهُمَا شَرْقٌ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ وَقَدْ رُوِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، أَيْ ضَوْءُ وَنُورُ الشَّرْقِ هُوَ الشَّمْسِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُمَا مَعَ الْكَثَافَةِ لَا يَسْتُرَانِ الضَّوْءَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالشَّرْقِ الشَّقَّ وَهُوَ الِانْفِرَاجُ، أَيْ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ وَفَصْلٌ كَتَمَيُّزِهَا بِالْبَسْمَلَةِ فِي الْمُصْحَفِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الضَّوْءَ لِاسْتِغْنَائِهِ بِقَوْلِهِ ظُلَّتَانِ عَنْ بَيَانِ الْبَيْنُونَةِ فَإِنَّهُمَا لَا تُسَمَّيَانِ ظُلَّتَيْنِ إِلَّا وَبَيْنَهُمَا فَاصِلَةٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ فِيهِ تِبْيَانُ أَنَّهُ لَيْسَتْ ظُلَّةٌ فَوْقَ ظُلَّةٍ بَلْ مُتَقَابِلَتَانِ بَيْنَهُمَا بَيْنُونَةٌ مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا ظُلَّتَيْنِ مُتَّصِلَتَيْنِ فِي الْأَبْصَارِ مُنْفَصِلَتَيْنِ بِالِاعْتِبَارِ (أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ) ، أَيْ طَائِفَتَانِ (مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3016

٢١٢٢ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - مَعَكَ أَعْظَمُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - مَعَكَ أَعْظَمُ؟ " قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢١٢٢ - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ كُنْيَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ) اسْمُ اسْتِفْهَامٍ مُعْرَبٌ لَازِمُ الْإِضَافَةِ وَيَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ عِنْدَ إِضَافَتِهِ إِلَى الْمُؤَنَّثِ (مِنْ كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - مَعَكَ) ، أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُصَاحِبًا لَكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَعَ مَوْقِعَ الْبَيَانِ لِمَا كَانَ يَحْفَظُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لِأَنَّ مَعَ كَلِمَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْمُصَاحَبَةِ اهـ وَكَانَ ﵁ مِمَّنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي زَمَنِهِ ﷺ وَكَذَا ثَلَاثَةٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ (أَعْظَمُ؟) قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرُهُ: الْمَعْنَى رَاجِعٌ إِلَى الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ، أَيْ أَعْظَمُ ثَوَابًا وَأَجْرًا وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) فَوَّضَ الْجَوَابَ أَوَّلًا وَأَجَابَ ثَانِيًا لِأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ حَدَثَ أَفْضَلِيَّةُ شَيْءٍ مِنَ الْآيَاتِ غَيْرَ الَّتِي كَانَ يَعْلَمُهَا، فَلَمَّا كَرَّرَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ وَالْمُعَادُ بِقَوْلِ (قَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - مَعَكَ أَعْظَمُ؟) ظَنَّ أَنَّ مُرَادَهُ ﵊ طَلَبُ الْإِخْبَارِ عَمَّا عِنْدَهُ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِهِ (قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إِلَى آخِرِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ

стр. 3017

كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: فَوَّضَ أَوَّلًا أَدَبًا وَأَجَابَ ثَانِيًا طَلَبًا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدَبِ وَالِامْتِثَالِ كَمَا هُوَ دَأْبُ أَرْبَابِ الْكَمَالِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: سُؤَالُهُ ﵊ مِنَ الصَّحَابِيِّ قَدْ يَكُونُ لِلْحَثِّ عَلَى الْإِسْمَاعِ وَقَدْ يَكُونُ لِلْكَشْفِ عَنْ مِقْدَارِ عِلْمِهِ وَفَهْمِهِ، فَلَمَّا رَاعَى الْأَدَبَ أَوَّلًا وَرَأَى أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِهِ عَلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ اسْتِخْرَاجُ مَا عِنْدِهِ مِنْ مَكْنُونِ الْعِلْمِ فَأَجَابَ، وَقِيلَ: انْكَشَفَ لَهُ الْعِلْمُ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - أَوْ مِنْ مَدَدِ رَسُولِهِ بِبَرَكَةِ تَفْوِيضِهِ وَحُسْنِ أَدَبِهِ فِي جَوَابِ مُسَائَلَتِهِ، قِيلَ: وَإِنَّمَا كَانَتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ أَعْظَمَ آيَةٍ لِاحْتِوَائِهَا وَاشْتِمَالِهَا عَلَى بَيَانِ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَتَمْجِيدِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَذِكْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْأَذْكَارِ فِي تِلْكَ الْمَعَانِي أَبْلَغُ كَانَ فِي بَابِ التَّدَبُّرِ وَالتَّقَرُّبِ بِهِ إِلَى اللَّهِ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ (قَالَ) ، أَيْ أُبَيٌّ (فَضَرَبَ) ، أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (فِي صَدْرِي) مَحَبَّةً وَتَعْدِيَتُهُ بِفِي نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعَالَى - وَاصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي أَيْ وَقَعَ الصَّلَاحُ فِيهِمْ حَتَّى يَكُونُوا مَحَلًّا لَهُ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى امْتِلَاءِ صَدْرِهِ عِلْمًا وَحِكْمَةً (وَقَالَ: لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ) وَفِي نُسْخَةٍ: لِيَهْنِئْكَ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ النُّونِ عَلَى الْأَصْلِ فَحُذِفَ تَخْفِيفًا، أَيْ لِيَكُنِ الْعِلْمُ هَنِيئًا لَكَ (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ هَنَّأَنِي الطَّعَامُ يَهْنَأْنِي وَيُهْنِئَنِي وَهَنَأْتُ، أَيْ تَهَنَّأْتُ بِهِ وَكُلُّ أَمْرٍ أَتَاكَ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ فَهُوَ هَنِيءٌ، وَهَذَا دُعَاءٌ لَهُ بِتَيْسِيرِ الْعِلْمِ وَرُسُوخِهِ فِيهِ وَيَلْزَمُهُ الْإِخْبَارُ بِكَوْنِهِ عَالِمًا وَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَبِي الْمُنْذِرِ ﵁ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3018

٢١٢٣ - «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ " فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: لَأَرْفَعَكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَقَالَ: " أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ " فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ إِنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ " ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] " حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظًا، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ " قُلْتُ: زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، قَالَ: " أَمَا إِنَّهُ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، وَتَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ؟ " قُلْتُ: لَا، قَالَ: " ذَاكَ شَيْطَانٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢١٢٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ) ، أَيْ بِجَمْعِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ لِيُفَرِّقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ:، أَيْ فِي حِفْظِهَا، أَيْ فَوَّضَ إِلَيَّ ذَلِكَ، فَالْوِكَالَةُ بِمَعْنَاهَا اللُّغَوِيُّ وَهُوَ مُطْلَقُ التَّفْوِيضِ أَمْرٌ لِلْغَيْرِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِجَبْرِ مَا عَسَى أَنْ يَقَعَ فِي صَوْمِهِ تَفْرِيطٌ فَهِيَ بِمَعْنَى اللَّامِ (فَأَتَانِي آتٍ) ، أَيْ فَجَاءَنِي وَاحِدٌ (فَجَعَلَ) ، أَيْ طَفِقَ وَشَرَعَ (يَحْثُو) ، أَيْ يَغْرِفُ وَيَأْخُذُ هَيْلًا لَا كَيْلَا (مِنَ الطَّعَامِ) وَيَجْعَلُ فِي وِعَائِهِ وَذَيْلِهِ كَحَثِيِ التُّرَابِ، وَالْمُرَادُ بِالطَّعَامِ الْبُرُّ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُزَّكَّى بِهِ فِي الْفِطْرَةِ (فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ) هُوَ مِنْ رَفْعِ الْخَصْمِ إِلَى الْحَاكِمِ، أَيْ وَاللَّهِ لَأَذْهَبَنَّ بِكَ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ لِيَقْطَعَ يَدَكَ فَإِنَّكَ سَارِقٌ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ، وَفِيهِ أَنَّ الْقَطْعَ إِنَّمَا يَلْزَمُ إِذَا كَانَ الْمَالُ مُحَرَّزًا وَقَدْ أَخْرَجَهُ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنِ اسْتِحْقَاقًا مِنْهُ (قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ) ، أَيْ فَقِيرٌ فِي نَفْسِي (وَعَلَيَّ عِيَالٌ) ، أَيْ نَفَقَتُهُمْ إِظْهَارًا لِزِيَادَةِ الِاحْتِيَاجِ (وَلِي حَاجَةٌ) ، أَيْ حَادِثَةٌ زَائِدَةٌ (شَدِيدَةٌ) ، أَيْ صَعْبَةٌ كَمَوْتٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ مُطَالَبَةِ دَيْنٍ أَوْ جُوعٍ مُهْلِكٍ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا اشْتَدَّ الْحَاجَةُ إِلَى مَا أَخَذْتُهُ وَهُوَ تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ فَقِيرٌ وَقَدِ اضْطُرَّ الْآنَ إِلَى مَا فَعَلَ لِأَجَلِ الْعِيَالِ وَهَذَا لِلْمُحْتَاجِينَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ رُؤْيَةِ الْجِنِّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] فَالْمَعْنَى إِنَّا لَا نَرَاهُمْ عَلَى صُوَرِهِمُ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْهَا لِبُعْدِ التَّبَايُنِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَجْسَامٌ نَارِيَّةٌ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ وَالِاشْتِبَاهِ، وَلِذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ رَأَى الْجِنَّ عُزِّرَ لِمُخَالَفَتِهِ الْقُرْآنَ بِخِلَافِ مَا إِذَا تَمَثَّلُوا بِصُوَرٍ أُخْرَى كَثِيفَةٍ (قَالَ) ، أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ (فَخَلَّيْتُ) ، أَيْ سَبِيلَهُ (عَنْهُ) يَعْنِي تَرَكْتُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَ مِنَ الطَّعَامِ أَمْ لَا، بَلْ وَلَا أَنَّ الشَّيْطَانَ أَخَذَ أَوْ لَا أَيْضًا لِأَنَّ يَحْثُو يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى يُرِيدُ أَنْ يَحْثُوَ لِيَحْتَاجَ ابْنُ حَجَرٍ إِلَى مُعَالَجَةٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى تُطَابِقَ الْحَدِيثَ قَوَاعِدُ مَذْهَبِهِ (فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ) عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ (أَسِيرُكَ) ، أَيْ مَأْخُوذُكَ (الْبَارِحَةَ؟) ، أَيِ اللَّيْلَةُ الْمَاضِيَةُ، قَالَ الطِّيبِيُّ فِيهِ: إِخْبَارُهُ ﵊ بِالْغَيْبِ وَتَمَكُّنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَخْذِهِ الشَّيْطَانَ وَرَدِّهِ خَاسِئًا وَهُوَ كَرَامَةٌ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُعْلَمُ مِنْهُ إِعْلَاءُ حَالِ الْمَتْبُوعِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلُ جَمْعِ زَكَاةِ فِطْرِهِمْ ثُمَّ تَوْكِيلِهِمْ أَحَدًا بِتَفْرِيقِهَا (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ) ، أَيْ

стр. 3019

" النَّبِيُّ ﷺ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ) بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ فِي إِظْهَارِ الْحَاجَةِ (وَسَيَعُودُ) ، أَيْ فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْهُ (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سَيَعُودُ فَرَصَدْتُهُ) أَيِ انْتَظَرْتُهُ وَرَاقَبْتُهُ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: ثَانِي لَيْلَةٍ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَقْيِيدِهِ ﵊ قَوْلُهُ: مَا فَعَلَ أَسِيرُكُ الْآتِي بِقَوْلِهِ الْبَارِحَةَ (فَجَاءَ يَحْثُوا) حَالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأَنَّ الْحَثْوَ عَقِبَ الْمَجِيءِ لَا مَعَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَجَاءَ فَجَعَلَ يَحْثُو اعْتِمَادًا عَلَى مَا سَبَقَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَأْخُذُ أَوْ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ (مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: دَعْنِي) أَيِ اتْرُكْنِي (فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُه) لَعَلَّهُ لِقَوْلِهِ لَا أَعُودُ وَإِلَّا فَقَدْ تَحَقَّقَ كَذِبُهُ فِي إِظْهَارِ الْحَاجَةِ عَلَى لِسَانِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، وَقِيلَ: ظَنَّ أَنَّهُ تَابَ مِنْ كَذِبِهِ (وَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً) ، أَيْ شَدِيدَةً كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ) ، أَيْ لِعَهْدِهِ بِعَدَمِ الْعَوْدِ وَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ الرَّاوِي اخْتِصَارًا (فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ) ، أَيْ فِي عَدَمِ الْعَوْدِ (وَسَيَعُودُ فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وَذَكَرَ لَهُ مَا يَقْطَعُ طَمَعَهُ فِي أَنَّهُ يُطْلِقُهُ فَقَالَ (وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ إِنَّكَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا الْمَجِيءُ الَّذِي جِئْتَهُ آخِرَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، إِنَّكَ تَعْلِيلٌ لِمَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يُطْلِقُهُ اهـ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُبْتَدَأٌ وَآخِرَ بَدَلٌ مِنْهُ وَالْخَبَرُ أَنَّكَ (تَزْعُمُ) ، أَيْ تَظُنُّ أَوْ تَقُولُ (لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ) وَفِي نُسْخَةٍ: تَزْعُمُ أَنْ لَا تَعُوُدَ، أَيْ تَظُنُّ أَنْ لَا تَعُودَ ثُمَّ تَعُودَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ أَنَّكَ تَزْعُمُ صِفَةُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ مَوْصُوفَةُ هَذَا الْقَوْلِ الْبَاطِلِ وَالضَّمِيرُ مُقَدَّرٌ، أَيْ فِيهَا اهـ فَقَوْلُهُ: هَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى أَيْضًا وَعَدَ بِعَدَمِ الْعَوْدِ وَهُوَ سَاقِطٌ اخْتِصَارًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَلَامُ الشَّارِحِ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ: وَلَا أَعُودُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ الثَّانِيَةُ اهـ وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ الْتِزَامَ عَدَمِ الْعَوْدِ مُحَقَّقٌ إِمَّا صَرِيحًا أَوْ ضِمْنًا، فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُسْتَغِيثَ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَعُودُ (قَالَ: دَعْنِي) ، أَيْ خَلِّنِي (أُعَلِّمُكَ) بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَزْمِ (كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا إِذَا أَوَيْتَ) بِالْقَصْرِ وَيُمَدُّ، أَيْ إِذَا قَصَدْتَ (إِلَى فِرَاشِكَ) لِأَجْلِ النَّوْمِ وَنَزَلْتَ فِيهِ (فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ " ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] " حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ) ، أَيْ إِلَى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) وَظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّ أَنَّ الْقَيُّومَ لَيْسَ رَأْسُ الْآيَةِ خِلَافًا لِلْبَصْرِيِّ (فَإِنَّكَ) ، أَيْ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ (لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ) ، أَيْ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ أَمْرِهِ (حَافِظًا) ، أَيْ مِنَ الْقُدْرَةِ أَوْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ (وَلَا يَقْرَبُكَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ (شَيْطَانٌ) لِأَذًى دِينِيٍّ وَدُنْيَوِيٍّ وَهُوَ مُؤَكِّدٌ لِمَا قَبْلَهُ (حَتَّى تُصْبِحَ) ، أَيْ تَدْخُلُ فِي الصَّبَاحِ غَايَةً لِمَا بَعْدَ لَنْ، قِيلَ: تُرِكَ الْإِسْنَادُ لِوُضُوحِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ كُوشِفَ لَهُ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، قُلْتُ: لَكِنْ صَحَّ بِتَقْرِيرِهِ ﵊ كَمَا سَيَأْتِي وَلِقَوْلِهِ ﵊ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: " مَنْ قَرَأَهَا - يَعْنِي آيَةَ الْكُرْسِيِّ - حِينَ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ أَمَّنَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى دَارِهِ وَدَارِ جَارِهِ وَأَهْلِ دُوَيْرَاتٍ حَوْلَهُ " (فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟) لَمْ يَقُلِ الْبَارِحَةَ هُنَا أَيْضًا لِمَا سَبَقَ (قُلْتُ: زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ صَدَقَكَ) ، أَيْ فِي التَّعْلِيمِ (وَهُوَ كَذُوبٌ) ، أَيْ فِي سَائِرِ أَقْوَالِهِ أَوْ فِي أَغْلَبِ أَحْوَالِهِ، وَفِي الْأَمْثَالِ الْكَذُوبُ

стр. 3020

قَدْ يُصَدَّقُ (تَعْلَمُ) ، أَيْ أَتَعْلَمُ (مَنْ تُخَاطِبُ) ، أَيْ التَّعْيِينُ الشَّخْصِيُّ (مُنْذُ ثَلَاثٍ) ، أَيْ لَيَالٍ (قُلْتُ: لَا، قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ) بِالتَّنْوِينِ مَرْفُوعًا وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَكُونَ بِالنَّصْبِ لِأَنَّ السُّؤَالَ فِي قَوْلِهِ مَنْ تُخَاطِبُ عَنِ الْمَفْعُولِ، فَالْعُدُولُ إِلَى جُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَتَشْخِيصِهِ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ لِمَزِيدِ التَّعْيِينِ وَدَوَامِ الِاحْتِرَازِ عَنْ كَيْدِهِ وَمَكْرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ أَوْ إِبْلِيسُ، وَوَجْهُ صَرْفِهِ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ شَطَنَ، أَيْ بَعُدَ قَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ وَالشَّيْطَانُ مَعْرُوفٌ وَتَشَيْطَنَ فَعَلَ فِعْلَهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ذِكْرُ الشَّيْطَانِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِيذَانًا بِتَغَايُرِهِمَا عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ النَّكِرَةَ إِذَا أُعِيدَتْ بِلَفْظِهَا كَانَتْ غَيْرَ الْأُولَى، وَوَجْهُ تَغَايُرِهَا أَنَّ الْأَوَّلَ لِلْجِنْسِ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ نَفْيُ قُرْبَانِ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ لَهُ، وَالثَّانِي لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْجِنْسِ، أَيْ شَيْطَانٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ، فَلَوْ عَرَفَ لَا وَهْمَ خِلَافَ الْمَقْصُودِ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُشَارَ إِلَى السَّابِقِ أَوْ إِلَى الْمَعْرُوفِ الْمَشْهُورِ بَيْنَ النَّاسِ وَكِلَاهُمَا غَيْرُ مُرَادٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ تَعَلُّمَ الْعِلْمِ جَائِزٌ مِمَّنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا يَقُولُ بِشَرْطِ أَنْ يُعْلِمَ الْمُتَعَلِّمَ كَوْنَ مَا يَتَعَلَّمُهُ حَسَنًا، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ حُسْنَهُ وَقُبْحَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّمَ إِلَّا مِمَّنْ عَرَفَ دِيَانَتَهُ وَصَلَاحَهُ اهـ وَفِيهِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَوْضُوعَةَ كَثِيرَةٌ فِي مَعَانٍ حَسَنَةِ الظَّاهِرِ كَفَضِيلَةِ السُّوَرِ وَالْعِبَادَاتِ وَالدَّعَوَاتِ وَلَا يَجُوزُ التَّعَلُّمُ فِي أَمْثَالِهَا إِلَّا مِنَ الثِّقَاتِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3021

٢١٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بَيْنَمَا جِبْرِيلُ ﵇ قَاعِدًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: " هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ " فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَقَالَ: " هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ فَسَلَّمَ فَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢١٢٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ ﵊ قَاعِدًا) وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي أَصْلِ الْحِصْنِ وَلَعَلَّ نَصْبَهُ عَلَى تَقْدِيرِ كَانَ (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ: أَيْ بَيْنَ أَوْقَاتٍ وَحَالَاتٍ هُوَ عِنْدَهُ ﷺ وَقَالَ مِيرَكُ: بَيْنَا وَبَيْنَمَا وَبَيْنَ مَعْنَاهَا الْوَسَطُ، وَبَيْنَ ظَرْفٌ إِمَّا لِلْمَكَانِ كَقَوْلِكَ: جَلَسْتُ بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ الدَّارِ، أَوْ لِلزَّمَانِ كَمَا هُنَا، أَيِ الزَّمَانُ الَّذِي كَانَ جِبْرِيلُ قَاعِدًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ (سَمِعَ) وَفِي نُسْخَةٍ: إِذْ سَمِعَ، أَيْ جِبْرِيلُ (نَقِيضًا) ، أَيْ صَوْتًا شَدِيدًا كَصَوْتِ نَقْضِ خَشَبِ الْبِنَاءِ عِنْدَ كَسْرِهِ، وَقِيلَ: صَوْتًا مِثْلَ صَوْتِ الْبَابِ (مِنْ فَوْقِهِ) ، أَيْ مَعَ جِهَةِ السَّمَاءِ أَوْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ (فَرَفَعَ) ، أَيْ جِبْرِيلُ (رَأْسَهُ فَقَالَ) ، أَيْ جِبْرِيلُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمَائِرُ الثَّلَاثَةُ فِي جَمْعٍ وَرَفْعٍ وَقَالَ رَاجِعَةٌ إِلَى جِبْرِيلَ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ إِطْلَاعًا عَلَى أَحْوَالِ السَّمَاءِ، وَقِيلَ: لِلنَّبِيِّ ﷺ وَقِيلَ: إِلَّا وَلِأَنَّ رَاجِعَانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالضَّمِيرُ فِي قَالَ لِجِبْرِيلَ ﵊ لِأَنَّهُ حَضَرَ عِنْدَهُ لِلْإِخْبَارِ عَنْ أَمْرٍ غَرِيبٍ وَوَقَفَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ الْمُخْتَارُ وَاخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ (هَذَا) ، أَيْ هَذَا الصَّوْتُ (بَابٌ) ، أَيْ صَوْتُ بَابٍ (مِنَ السَّمَاءِ) ، أَيْ مِنْ سَمَاءِ الدُّنْيَا (فُتِحَ الْيَوْمَ) ، أَيِ الْآنَ (لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ) هَذَا مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي فِي حِكَايَتِهِ لِحَالٍ سَمِعَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ بَلَغَهُ مِنْهُ (فَقَالَ) ، أَيْ جِبْرِيلُ أَوِ النَّبِيُّ ﷺ (هَذَا) ، أَيِ النَّازِلُ (مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ فَسَلَّمَ) ، أَيِ الْمَلَكُ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَقَالَ، أَيِ الْمَلَكُ (أَبْشِرْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الشِّينِ أَيِ افْرَحْ (بِنُورَيْنِ) سَمَّاهُمَا نُورَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نُورٌ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِهِمَا أَوْ لِأَنَّهُمَا يُرْشِدَانِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ وَالتَّفَكُّرِ فِي مَعَانِيهِ، أَيْ بِمَا فِي آيَتَيْنِ مُنَوِّرَتَيْنِ (أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ يُعْطَهُمَا (نَبِيٌّ قَبْلَكَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ) بِالْجَرِّ وَجَوَّزَ الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ (وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ الْمَقْرُأَةِ عِنْدَ الشَّيْخِ، وَكَذَا فِي أَصْلِ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ وَالْحَاكِمِ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَآخِرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ اهـ وَالْمُرَادُ " آمَنَ الرَّسُولُ " كَذَا قِيلَ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ " لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ " ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: فَمَا لَمْ تَنْزِلْ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ آيَةُ الْكُرْسِيِّ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَأَوَّلُ تِلْكَ الْخَوَاتِيمِ آمَنَ الرَّسُولُ وَرُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أَوَّلُهَا " لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ " (لَنْ تَقْرَأَ) الْخِطَابُ لَهُ ﵊ وَالْمُرَادُ هُوَ وَأُمَّتُهُ إِذِ الْأَصْلُ مُشَارَكَتُهُمْ لَهُ فِي كُلِّ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ إِلَّا مَا اخْتُصَّ بِهِ (بِحَرْفٍ مِنْهُمَا) ، أَيْ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَالْخَوَاتِيمِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ يُقَالُ: أَخَذْتُ بِزِمَامِ النَّاقَةِ وَأَخَذْتُ زِمَامَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ

стр. 3022

يَكُونَ لِإِلْصَاقِ الْقِرَاءَةِ بِهِ وَأَرَادَ بِالْحَرْفِ الطَّرَفَ مِنْهَا فَإِنَّ حَرْفَ الشَّيْءِ طَرَفُهُ وَكَنَّى بِهِ عَنْ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَقَوْلُهُ (إِلَّا أُعْطِيتَهُ) حَالٌ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُقَدَّرٌ، أَيْ مُسْتَعِينًا بِهِمَا عَلَى قَضَاءِ مَا يَسِخُ مِنَ الْحَوَائِجِ إِلَّا أُعْطِيتَهُ، أَيْ أُعْطِيتَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْجُمْلَةُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِهِ " ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] " كَقَوْلِهِ " ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] " وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا هُوَ حَمْدٌ وَثَنَاءٌ أُعْطِيتَ ثَوَابَهُ، قَالَ مِيرَكُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْحَرْفِ حَرْفُ التَّهَجِّي وَمَعْنَى قَوْلِهِ أُعْطِيتَهُ حِينَئِذٍ أُعْطِيتَ مَا تَسْأَلُ مِنْ حَوَائِجِكَ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُسْتَنَدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حِكَايَةِ ذَلِكَ التَّوْقِيفِ مِنْهُ ﵊ وَحَذْفُهُ الْإِسْنَادَ لِوُضُوحِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّهَ كَشَفَ الْحَالَ وَتَمَثَّلَ لَهُ جِبْرِيلُ حَتَّى رَآهُ وَرَفَعَ الرَّأْسَ فَرَأَى الْمَلَكَ النَّازِلَ مِنَ السَّمَاءِ كَمَا تَمَثَّلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعَ ذَلِكَ النَّقِيضَ وَالْقَوْلَ اهـ وَلَا يَخْفَى بَعْدُ الثَّانِي.

стр. 3023

٢١٢٥ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْآيَتَانِ مِنْ آخَرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢١٢٥ - (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) ، أَيِ الْأَنْصَارِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْآيَتَانِ) أَيِ الْكَائِنَتَانِ (مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) ، أَيْ آمَنَ الرَّسُولُ إِلَى آخِرِهِ (مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ) ، أَيْ دَفَعَتَا عَنْهُ الشِّرْكَ وَالْمَكْرُوهَ وَهُوَ مِنْ كَفَى يَكْفِي إِذَا دَفَعَ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا وَأَغْنَاهُ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ أَوْ كَفَتَاهُ عَنْ سَائِرِ الْأَوْرَادِ أَوْ أَرَادَ أَنَّهُمَا أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُنَاسِبُ لِنَظْمِهِمَا أَنَّهُمَا كَفَتَاهُ عَنْ تَجْدِيدِ الْإِيمَانِ وَبَسَطَ فِي تَوْجِيهِهِ لِأَنَّهُ مَعَ خَفَاءِ ظُهُورِهِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ قَطْعًا، فَإِنَّ بِهِمَا يَحْصُلُ تَجْدِيدُ الْإِيمَانِ لَا أَنَّهُمَا تَكْفِيَانِ عَنْهُ، فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ زَلَلٍ إِذِ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّجْدِيدَ عَلَى اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الِارْتِدَادِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ اصْطِلَاحَ الصُّوفِيَّةِ فَمُرَادُهُمْ بِالتَّجْدِيدِ جَعْلُهُ مُجَدَّدًا وَمُؤَكَّدًا وَمُؤَبَّدًا بِاسْتِحْضَارِ مَعْنَى التَّوْحِيدِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ وَلَمْحَةٍ وَرَفْعِ الْغَفْلَةِ فِي كُلِّ طَرْفَةٍ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْفَارِضِ: وَلَوْ خَطَرَتْ لِي فِي سِوَاكَ إِرَادَةٌ ... عَلَى خَاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتَ بِرِدَّتِي وَأَخَذَ السَّادَةُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] أَيْ دُومُوا عَلَى الْإِيمَانِ، وَمِنْ «قَوْلِهِ ﵊: " جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: " أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.

стр. 3024

٢١٢٦ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مَنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢١٢٦ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ) ، أَيْ حُفِظَ (مِنَ الدَّجَّالِ) ، أَيْ مِنْ شَرِّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَمَا أَنَّ أُولَئِكَ الْفِتْيَةَ عُصِمُوا مِنْ ذَلِكَ الْجَبَّارِ كَذَلِكَ يَعْصِمُ اللَّهُ الْقَارِئَ مِنَ الْجَبَّارِينَ، وَقِيلَ: سَبَبُ ذَلِكَ مَا فِيهَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْآيَاتِ، فَمَنْ تَدَبَّرَهَا لَا يُفْتَتَنُ بِالدَّجَّالِ، وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ بِالْخُصُوصِ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ وَهُوَ الَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَيَدَّعِي الْأُلُوهِيَّةَ لِخَوَارِقَ تَظْهَرُ عَلَى يَدَيْهِ كَقَوْلِهِ لِلسَّمَاءِ أَمْطِرِي فَتُمْطِرُ لِوَقْتِهَا وَلِلْأَرْضِ انْبِتِي فَتُنْبِتُ لِوَقْتِهَا زِيَادَةً فِي الْفِتْنَةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تُوجَدْ فِتْنَةٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَعْظَمُ مِنْ فِتْنَتِهِ، وَمَا أَرْسَلَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا حَذَّرَهُ قَوْمَهُ، وَكَانَ السَّلَفُ يُعَلِّمُونَ حَدِيثَهُ الْأَوْلَادَ فِي الْمَكَاتِبِ، أَوْ لِلْجِنْسِ فَإِنَّ الدَّجَّالَ مَنْ يَكْثُرُ مِنْهُ الْكَذِبُ وَالتَّلْبِيسُ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ» ، أَيْ مُمَوِّهُونَ، وَفِي حَدِيثٍ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ دَجَّالًا» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيَ كَمَا سَيَأْتِي: «مَنْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» ، قِيلَ: وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَبَيْنَ الْعَشْرِ أَنَّ حَدِيثَ الْعَشْرِ مُتَأَخِّرٌ وَمَنْ عَمِلَ بِالْعَشْرِ فَقَدْ عَمِلَ بِالثَّلَاثِ، وَقِيلَ: حَدِيثُ الثَّلَاثِ مُتَأَخِّرٌ وَمَنْ عُصِمَ بِثَلَاثٍ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْعَشْرِ وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى أَحْكَامِ النَّسْخِ، قَالَ مِيرَكُ: بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ لَا يُحْكَمُ بِالنَّسْخِ، وَأَنَا أَقُولُ: النَّسْخُ لَا يَدْخُلُ فِي الْأَخْبَارِ، وَقِيلَ: حَدِيثُ الْعَشْرِ فِي الْحِفْظِ وَالثَّلَاثِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَمَنْ حَفِظَ الْعَشْرَ وَقَرَأَ الثَّلَاثَ كُفِىَ وَعُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَقِيلَ: مَنْ حَفِظَ الْعَشْرَ عُصِمَ مَنْ لَقْيِهِ وَمَنْ قَرَأَ الثَّلَاثَ عُصِمَ مِنْ فِتْنَتِهِ إِنْ لَمْ يَلْقَهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْحِفْظِ الْقِرَاءَةُ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ وَالْمُرَادُ مِنَ الْعِصْمَةِ الْحِفْظُ مِنْ آفَاتِ الدَّجَّالِ.

стр. 3025

٢١٢٧ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ " قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢١٢٧ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ) بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِهِ (قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ) ، أَيْ أَحَدٌ (ثُلُثَ الْقُرْآنِ) لِأَنَّهُ يَصْعُبُ عَلَى الدَّوَامِ عَادَةً (قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، أَيْ إِلَى آخِرِهِ أَوْ سُورَتِهِ (يَعْدِلُ) بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ، أَيْ يُسَاوِي (ثُلُثَ الْقُرْآنِ) لِأَنَّ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ آيِلَةٌ إِلَى تَعْلِيمِ ثَلَاثَةِ عُلُومٍ عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَعِلْمُ الشَّرَائِعِ وَعِلْمُ تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ تَشْتَمِلُ عَلَى الْقِسْمِ الْأَشْرَفِ مِنْهَا الَّذِي هُوَ كَالْأَصْلِ لِلْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ وَهُوَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ عَلَى أَبْيَنِ وَجْهٍ وَآكَدِهِ وَتَقْدِيسِهِ عَنْ مُشَارِكٍ فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ قَصَصٍ وَأَحْكَامٍ وَصِفَاتِ اللَّهِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مُتَمَحِّضَةٌ لِلصِّفَاتِ فَهِيَ ثُلُثُ الْقُرْآنِ، وَقِيلَ: ثَوَابُهَا يُضَاعَفُ بِقَدْرِ ثَوَابِ ثُلُثِ الْقُرْآنِ بِلَا تَضْعِيفٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَكَرُّرِهَا اسْتِيعَابُ الْقُرْآنِ وَخَتْمُهُ، وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُ، قَالَ مِيرَكُ: أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: «جَزَّأَ النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جُزْأً مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ» ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الثَّلَاثَةَ عَلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ فَقَالَ: مَعْنَى كَوْنِهَا ثُلُثُ الْقُرْآنِ ثَوَابُ قِرَاءَتِهَا يَحْصُلُ لِلْقَارِئِ مِثْلَ ثَوَابِ مَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَقِيلَ: مِثْلُهُ بِغَيْرِ تَضْعِيفٍ وَهِيَ دَعْوَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَهَلْ ذَلِكَ الثُّلُثُ مِنَ الْقُرْآنِ مُعَيَّنٌ، أَيْ ثُلُثٌ فُرِضَ مِنْهُ، فِيهِ نَظَرٌ يَلْزَمُ مِنَ الثَّانِي أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا كَانَ كَمَنْ قَرَأَ خَتْمَةً كَامِلَةً، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ عَمِلَ بِمَا تَضْمَنُهُ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ كَانَ كَمَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْلَصُ مِمَّنْ أَجَابَ بِالرَّأْيِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَهْوَيْهِ فَإِنَّهُمَا حَمَلَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ لَهَا فَضْلًا فِي الثَّوَابِ تَحْرِيضًا عَلَى تَعَلُّمِهَا لَا أَنَّ قِرَاءَتَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ وَلَوْ قَرَأَهَا مِائَتَيْ مَرَّةٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، أَيْ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.

стр. 3026

٢١٢٨ - وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁. ــ ٢١٢٨ - (وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

стр. 3027

٢١٢٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ " فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢١٢٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا) ، أَيْ أَرْسَلَهُ أَمِيرًا (عَلَى سَرِيَّةٍ) ، أَيْ جَيْشٍ (وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ) لِأَنَّهُ كَانَ إِمَامَهُمْ (فِي صَلَاتِهِمْ) بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ (فَيَخْتِمُ) لَهُمْ، أَيْ قِرَاءَتَهُ (بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تَبَرُّكًا بِقِرَاءَتِهِ وَمَحَبَّةً لِتِلَاوَتِهِ، أَيْ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ هَذِهِ السُّورَةَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ يَخْتِمُ قِرَاءَتَهُ لِلْفَاتِحَةِ أَوْ لِمَا يَقْرَؤُهُ بَعْدَهَا مِنَ الْقُرْآنِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اهـ وَلَا شَكَّ أَنَّ حَمْلَنَا أَوْلَى فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِلَا خِلَافٍ، وَعِبَارَةُ الطِّيبِيِّ يَعْنِي كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَقْرَأَهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مُحْتَمِلَةً لِلصِّوَرِ كُلِّهَا، وَسَيَأْتِي فِي صُورَةٍ أُخْرَى فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ الْأَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ لِصِحَّةِ الْإِسْنَادِ (فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ) ، أَيْ فِعْلَهُ (لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ) أَهْوَ لِلِاخْتِصَارِ أَوْ لِعَدَمِ حِفْظِ غَيْرِهَا أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ (فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لِأَنَّهَا) ، أَيْ إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا (صِفَةُ الرَّحْمَنِ) وَلَعَلَّهُ آثَرَ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ اسْتِشْعَارًا بِأَنَّ شُهُودَهُ لِذَلِكَ سَبَبٌ لِسَعَةِ رَجَائِهِ بِتَرَادُفِ مَظَاهِرِ رَحْمَتِهِ وَآلَائِهِ (وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَهَا) ، أَيْ لِذَلِكَ دَائِمًا، فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فِي مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَعَ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَحْدَهُ وَهُوَ الصَّمَدُ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ حَوَائِجُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَوْ تُصُوِّرَ صَمَدٌ سِوَاهُ لَفَسَدَ نِظَامُ الْعَالَمِ، مِنْ ثَمَّةَ كَرَّرَ لَفْظَ اللَّهِ وَأَوْقَعَ الصَّمَدَ الْمُعَرَّفَ خَبَّرًا لَهُ وَقَطَعَهُ مُسْتَأْنَفًا عَلَى بَيَانِ الْمُوجِبِ، وَثَانِيهُمَا أَنَّ هُنَا اللَّهَ هُوَ الْأَحَدُ فِي الْأُلُوهِيَّةِ إِذْ لَوْ تُصُوِّرَ غَيْرُهُ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فَوْقَهُ فِيهَا وَهُوَ مُحَالٌ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ لَمْ يُولَدْ، أَوْ دُونَهُ فِيهَا فَلَا يَسْتَقِيمُ أَيْضًا وَإِلَيْهِ لَمَّحَ بِقَوْلِهِ لَمْ يَلِدْ، أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ وَهُوَ مُحَالٌ أَيْضًا وَإِلَيْهِ رَمَزَ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ) ، أَيْ لِمَحَبَّتِهِ إِيَّاهَا أَوْ لِهَذَا يُحِبُّهَا، قَالَ الْمَازِرِيُّ: مَحَبَّةُ اللَّهِ لِعِبَادِهِ إِرَادَةُ ثَوَابِهِمْ وَتَنْعِيمِهِمْ، وَقِيلَ: نَفْسُ الْإِثَابَةِ وَالتَّنْعِيمِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ هِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَعَلَى الثَّانِي مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، وَأَمَّا مَحَبَّةُ الْعِبَادِ لَهُ - تَعَالَى - فَلَا يَبْعُدُ فِيهَا الْمَيْلُ مِنْهُمْ إِلَيْهِ - تَعَالَى - فَهُوَ مُقَدَّسٌ عَنِ الْمَيْلِ، وَمَيْلُ مُحِبِّيهِمْ لَهُ - تَعَالَى - بِاسْتِقَامَتِهِمْ عَلَى طَاعَتِهِ فَإِنَّ الِاسْتِقَامَةَ ثَمَرَةُ الْمَحَبَّةِ وَحَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ مَيْلُهُمْ إِلَيْهِ تَعَالَى لِاسْتِحْقَاقِهِ - تَعَالَى - مَحَبَّتِهِ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْمَحَبَّةِ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى مَا يُلَائِمُهَا مِنَ اللَّذَّاتِ وَهِيَ فِي حَقِّهِ - تَعَالَى - مُحَالٌ، فَيَحْمِلُ مَحَبَّتَهُ لَهُمْ إِمَّا عَلَى إِرَادَةِ الْإِثَابَةِ أَوْ عَلَى الْإِثَابَةِ نَفْسِهَا، وَأَمَّا مَحَبَّةُ الْعِبَادِ لَهُ - تَعَالَى - فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمَيْلُ إِلَيْهِ - تَعَالَى - وَصِفَاتُهُ لِاسْتِحْقَاقِهِ تَعَالَى إِيَّاهَا مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهَا وَأَنْ يُرَادَ بِهَا نَفْسُ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى طَاعَتِهِ - تَعَالَى - فَيَرْجِعُ حَاصِلُ هَذَا الْوَجْهِ إِلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الِاسْتِقَامَةَ ثَمَرَةُ الْمَحَبَّةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

стр. 3028

٢١٣٠ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، قَالَ: " إِنَّ حُبَّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مَعْنَاهُ. ــ ٢١٣٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا) قَالَ مِيرَكُ: اسْمُهُ كُلْثُومُ، وَقِيلَ: كَرْزَمٌ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ) ، أَيْ قِرَاءَتُهَا وَسَمَاعُهَا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الفاتحة: ١ - ٢٨٨٩٤] تَفْسِيرٌ لَهَا أَوْ بَدَلٌ (قَالَ: إِنَّ حُبَّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ) ، أَيْ أَنَالَكَ أَفَاضِلَ دَرَجَاتِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ مَا التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْجَوَابِ وَبَيْنَ الْجَوَابِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ أَخْبَرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ؟ قُلْتُ: هَذَا الْجَوَابُ ثَمَرَةُ ذَلِكَ الْجَوَابِ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - إِذَا أَحَبَّهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ وَهَذَا مِنْ وَجِيزِ الْكَلَامِ وَبَلِيغِهِ، فَإِنَّهُ اقْتَصَرَ فِي الْأَوَّلِ عَلَى السَّبَبِ عَنِ الْمُسَبِّبِ وَفَى الثَّانِي عَكْسُهُ اهـ وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْحُسْنِ وَالْبَهَاءِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَظَنَّ شَارِحٌ أَنَّ الدُّخُولَ هُنَا عَلَى حَقِيقَتِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا فِيهِ ثَمَرَةُ ذَاكَ إِذْ إِدْخَالُ الْجَنَّةِ ثَمَرَةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِعَبْدِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مَعْنَاهُ) فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَدَفْعٌ عَنْهُ، وَفَى الْحِصْنِ رَمَزَ بِالْخَاءِ وَالتَّاءِ، قَالَ مِيرَكُ: كِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ بِسُورَةٍ يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ أُخْرَى فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا إِنْ أَصَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: " يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ " فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا، فَقَالَ: " حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ " ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَاهُ مُعَلَّقًا، وَقَدْ وَصَلَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ حَسَنٌ.

стр. 3029

٢١٣١ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢١٣١ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَمْ تَرَ) بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِرَاءَةِ، أَيْ أَلَمْ تَعْلَمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ الصَّالِحُ لِأَنْ يُخَاطِبَ اهـ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْخِطَابَ خَاصٌّ لِلرَّاوِي وَالْمُرَادَ عَامٌّ (آيَاتٍ أُنْزِلَتْ) صِفَةُ الْآيَاتِ (اللَّيْلَةَ) نَصْبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ وَتَعْجِيبٍ، وَأَشَارَ إِلَى سَبَبِ التَّعَجُّبِ بِقَوْلِهِ (لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ) ، أَيْ فِي بَابِهِمَا وَهُوَ التَّعَوُّذُ وَهُوَ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ وَرَفْعُ مِثْلِهِنَّ، وَفَى نُسْخَةٍ بِالْخِطَابِ عَلَى صِيغَةِ الْفَاعِلِ وَنَصْبِ مِثْلِهِنَّ وَقَوْلُهُ (قَطُّ) لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ فِي الْمَاضِي ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ، أَيْ لَمْ تُوجَدْ آيَاتُ سُورَةٍ كُلُّهُنَّ تَعْوِيذٌ لِلْقَارِئِ مِنْ شَرِّ الْأَشْرَارِ مِثْلَ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ فِيهِمَا لَيْسَ مِنْ آيَاتِهِمَا، وَيُوَافِقُ مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ، وَوَرَدَ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَيْنِ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا، وَلَمَّا سُحِرَ ﵊ اسْتَشْفَى بِهِمَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ خِلَافًا لِلْبَعْضِ، أَيْ لِبَعْضٍ مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، فَفِي جَوَاهِرِ الْفِقْهِ: يَكْفُرُ مَنْ أَنْكَرَ كَوْنَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرُ مُؤَوَّلٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: كَفَرَ مُطْلَقًا أَوَّلَ أَوْ لَمْ يُؤَوِّلْ، وَفِى بَعْضِ الْفَتَاوَى فِي إِنْكَارِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كُفْرٌ كَذَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ، وَالصَّحِيحُ مَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: رَجُلٌ قَالَ: الْمُعَوِّذَتَانِ لَيْسَتَا مِنَ الْقُرْآنِ لَا يُكَفَّرُ، هَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُمَا قَالَا: لَيْسَتَا مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: يَكْفُرُ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى أَنَّهُمَا مِنَ الْقُرْآنِ، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ لَا يَرْفَعُ الِاخْتِلَافَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ أَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ إِمَّا مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ عَلَى رَأْيٍ، وَإِمَّا صَحِيحٌ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ لَكِنَّهُ نُفِيَ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ عِلْمِهِ، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِ نَفْيِهِ وَعَلَى أَنَّ لَفْظَ قُلْ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِ السُّورَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 3030

٢١٣٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَابِ الْمِعْرَاجِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ــ ٢١٣٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى) بِالْقَصْرِ وَيُمَدُّ (إِلَى فِرَاشِهِ) ، أَيْ أَتَاهُ وَاسْتَقَرَّ فِيهِ (كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا) قِيلَ: النَّفْثُ إِخْرَاجُ رِيحٍ مِنَ الْفَمِ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الرِّيقِ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي الْمِفْتَاحِ: النَّفْثُ شَبِيهٌ بِالنَّفْخِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنَ التَّفْلِ لِأَنَّ التَّفْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّيقِ اهـ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْقَامُوسِ (فَقَرَأَ) ، أَيْ بَعْدَ النَّفْثِ وَعَقِبَيْهِ (فِيهِمَا) ، أَيْ فِي الْكَفَّيْنِ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنَّ النَّفْثَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِرَاءَةِ فَقِيلَ: خَالَفَ السَّحَرَةَ، أَوِ الْمَعْنَى: ثُمَّ أَرَادَ النَّفْثَ فَقَرَأَ فَنَفَثَ، قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ وَفَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: وَقُرِأَ بِالْوَاوِ وَهُوَ الْوَجْهُ لِأَنَّ تَقْدِيمَ النَّفْثِ عَلَى الْقِرَاءَةِ مِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْوَاوِ بَلْ مِنَ الْفَاءِ وَلَعَلَّ الْفَاءَ سَهْوٌ مِنَ الْكَاتِبِ أَوِ الرَّاوِي، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَخْطِئَةُ الرُّوَاةِ الْعُدُولِ بِمَا عَرَضَ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ خَطَأٌ هَلَّا قَاسَوْا هَذِهِ الْفَاءَ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ " ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] " وَقَوْلِهِ " ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا﴾ [البقرة: ٥٤] " عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ مُؤَخَّرَةٌ عَنِ الْقَتْلِ، فَالْمَعْنَى جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ عَزَمَ عَلَى النَّفْثِ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا اهـ وَهُوَ مَآلُ تَأْوِيلِ الطِّيبِيِّ وَقَوْلُهُ التَّوْبَةُ مُؤَخَّرَةٌ عَنِ الْقَتْلِ لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّ الْقَتْلَ إِنَّمَا هُوَ عَلَامَةُ تَوْبَتِهِمْ أَوْ شَرْطُهَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عُطِفَ بِثُمَّ لِتَرَتُّبِ النَّفْثِ فِيهِمَا عَلَى جَمْعِهِمَا ثُمَّ بِالْفَاءِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ ذَلِكَ النَّفْثَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مُجَرَّدَ نَفْخٍ مَعَ رِيقٍ بَلْ مَعَ قِرَاءَتِهِ فَهِيَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى ابْتِدَاءِ النَّفْثِ مُقَارَنَةً لِبَقِيَّتِهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَزَعَمَ أَنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِالْوَاوِ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ فِيهِ بِالْفَاءِ اهـ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي (ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ) بَيَانٌ أَوْ بَدَلٌ لِيَمْسَحَ (بِهِمَا) ، أَيْ بِمَسْحِهِمَا (عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ) ، وَمَا أَدْبَرَ مِنْهُ (يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالْأَرْبَعَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَابِ الْمِعْرَاجِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) وَهُوَ إِمَّا لِتَكَرُّرِهِ حَوْلَهُ إِلَيْهِ أَوْ لِكَوْنِهِ أَنْسَبَ بِذَلِكَ الْبَابِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ - وَهَا أَنَا هَا هُنَا أَذْكُرُ الْحَدِيثَ عَلَى مَا فِي الْمَصَابِيحِ بِشَرْحِهِ لِابْنِ الْمَلَكِ تَتْمِيمًا لِفَائِدَةِ الْكِتَابِ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَجْهُولُ أَسْرَى يَسْرِي إِذْ أَسْرَى لَيْلًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ هُنَا لَيْلَةُ الْمِعْرَاجِ انْتَهَى بِهِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِيَ شَجَرَةٌ فِي أَقْصَى الْجَنَّةِ يَنْتَهِي إِلَيْهَا عِلْمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَلَا يَتَعَدَّاهَا أَوْ أَعْمَالُ الْعِبَادِ أَوْ نُفُوسُ السَّائِحِينَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، فَيَجْتَمِعُونَ فِيهِ اجْتِمَاعَ النَّاسِ فِي أَنْدِيَتِهِمْ وَلَا يَطَّلِعُ عَلَى مَا وَرَاءَهَا غَيْرُ اللَّهِ، فَأُعْطِيَ ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَخَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَغُفِرَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِنْ أُمَّتِهِ. الْمُقْحِمَاتُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ الْمَكْسُورَةِ مَرْفُوعَةٌ بِغُفِرَ وَهِيَ الذُّنُوبُ الَّتِي تُقْحِمُ أَصْحَابَهَا، أَيْ تُلْقِيهِمْ فِي النَّارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُشَدِّدُهَا مِنْ قَحْمٍ فِي الْأَمْرِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ يَعْنِي أُعْطِيَ ﷺ الشَّفَاعَةَ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ.

стр. 3031

٢١٣٣ - (الْفَصْلُ الثَّانِي) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «ثَلَاثَةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْقُرْآنُ يُحَاجُّ الْعِبَادَ لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَالْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ تُنَادِي أَلَا مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» " رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. ــ ٢١٣٣ - (الْفَصْلُ الثَّانِي) (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ثَلَاثَةٌ) ، أَيْ أَشْيَاءٌ أَوْ أَعْمَالٌ (تَحْتَ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، أَيْ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (الْقُرْآنُ) قَدَّمَهُ فَإِنَّهُ أَجَلُّهَا رُتْبَةً وَأَعْظَمُهَا حُرْمهً، وَلِذَا فَصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (يُحَاجُّ الْعِبَادَ) ، أَيْ يُخَاصِمُهُمْ فِيمَا ضَيَّعُوهُ وَأَعْرَضُوا عَنْهُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَحُدُودِهِ أَوْ يُحَاجُّ لَهُمْ وَيُخَاصِمُ عَنْهُمْ بِسَبَبِ مُحَافَظَتِهِمْ حُقُوقِهِ كَمَا تَقَدَّمَ يُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا وَكَمَا وَرَدَ الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ فَنَصَبَ الْعِبَادَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ (لَهُ) ، أَيِ الْقُرْآنُ (ظَهْرٌ) ، أَيْ مَعْنًى ظَاهِرٌ يَسْتَغْنِي عَنِ التَّأَمُّلِ يَفْهَمُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ أَدَوَاتُ فَهْمِهِ (وَبَطْنٌ) ، أَيْ مَعْنًى خَفِيٌّ يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ مِنْ إِشَارَاتٍ خَفِيَّةٍ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا خَوَاصُّ الْمُقَرَّبِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَالِمِينَ بِحَسَبِ الِاسْتِعْدَادِ وَحُصُولِ الْإِمْدَادِ، وَقِيلَ: ظَهْرُهُ تِلَاوَتُهُ كَمَا أُنْزِلَ،

стр. 3032

وَبَطْنُهُ التَّدَبُّرَ لَهُ، وَقِيلَ: ظَهْرُهُ مَا اسْتَوَى فِيهِ الْمُكَلَّفُونَ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ وَمُوجِبِهِ، وَبَطْنُهُ مَا وَقَعَ فِيهِ التَّفَاوُتُ فِي فَهْمِهِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَإِنَّمَا أَرْدَفَ قَوْلَهُ يُحَاجُّ الْعِبَادَ بِقَوْلِهِ لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يُطَالِبُ بِقَدْرِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ وَفَهْمِهِ، وَالْجُمْلَةُ خَالِيَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُحَاجُّ، أَيْ فَمَنِ اتَّبَعَ ظَوَاهِرَهُ وَبَوَاطِنَهُ فَقَدْ أَدَّى بَعْضَ حُقُوقِ الرُّبُوبِيَّةِ وَقَامَ بِأَفْضَلِ وَظَائِفِهِ الْعُبُودِيَّةِ (وَالْأَمَانَةُ) وَهِيَ كُلُّ حَقٍّ لِلَّهِ أَوِ الْخَلْقِ لَزِمَ أَدَاؤُهُ وَفُسِّرَتْ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] بِأَنَّهَا الْوَاجِبُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لِأَنَّهُ الْأَهَمُّ (وَالرَّحِمُ) اسْتُعِيرَتْ لِلْقَرَابَةِ بَيْنَ النَّاسِ (تُنَادِي) بِالتَّأْنِيثِ، أَيْ قَرَابَةُ الرَّحِمِ أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأَمَانَةِ وَالرَّحِمِ، وَقِيلَ: كُلٌّ مِنَ الثَّلَاثَةِ (أَلَا) حَرْفُ تَنْبِيهٍ (مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ) ، أَيْ بِالرَّحْمَةِ (وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ) ، أَيْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَهُوَ يَحْتَمِلُ إِخْبَارًا وَدُعَاءً، قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُهُ ثَلَاثَةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ، أَيْ هِيَ بِمَنْزِلَةٍ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَضِيعُ أَجْرَ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا أَوْ لَا يُهْمِلُ مُجَازَاةَ مَنْ ضَيَّعَهَا وَأَعْرَضَ عَنْهَا، كَمَا هُوَ حَالُ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَ السَّلَاطِينَ الْوَاقِفِينَ تَحْتَ عَرْشِهِ فَإِنَّ التَّوَصُّلَ إِلَيْهِمْ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُمْ وَشُكْرَهُمْ وَشِكَايَتَهُمْ تَكُونُ مُؤَثِّرَةً تَأْثِيرًا عَظِيمًا، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مَا يُحَاوِلُهُ الْإِنْسَانُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ دَائِرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَامَّةِ النَّاسِ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَقَارِبِهِ وَأَهْلِهِ، فَالْقُرْآنُ وَصْلَةٌ إِلَى أَدَاءِ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأَمَانَةُ تَعُمُّ النَّاسَ فَإِنَّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ وَسَائِرَ حُقُوقِهِمْ أَمَانَاتٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَمَنْ قَامَ بِهَا فَقَدْ أَقَامَ الْعَدْلَ وَمَنْ وَاصَلَ الرَّحِمَ وَرَاعَى الْأَقَارِبَ بِدَفْعِ الْمَخَاوِفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَقَدْ أَدَّى حَقَّهَا، وَقَدَّمَ الْقُرْآنَ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ أَعْظَمُ وَلِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْقِيَامِ بِالْأَخِيرَيْنِ، وَعَقِبَهُ بِالْأَمَانَةِ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنَ الرَّحِمِ وَلِاشْتِمَالِهَا عَلَى أَدَاءِ حَقِّ الرَّحِمِ، وَصَرَّحَ بِالرَّحِمِ مَعَ اشْتِمَالِ الْأَمْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ عَلَى مُحَافَظَتِهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا أَحَقُّ حُقُوقِ الْعِبَادِ بِالْحِفْظِ (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) قَالَ الْجَزَرِيُّ: وَفَى إِسْنَادِهِ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ وَاهٍ.

стр. 3033

٢١٣٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارَتْقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٢١٣٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُقَالُ) ، أَيْ عِنْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَتَوَجُّهِ الْعَامِلِينَ إِلَى مَرَاتِبِهِمْ عَلَى حَسَبِ مَكَاسِبِهِمْ (لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ) ، أَيْ مَنْ يُلَازِمُهُ بِالتِّلَاوَةِ وَالْعَمَلِ لَا مَنْ يَقْرَؤُهُ وَهُوَ يَلْعَنُهُ (اقْرَأْ وَارَتْقِ) ، أَيْ إِلَى دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ أَوْ مَرَاتِبِ الْقُرْبِ (وَرَتِّلْ) ، أَيْ لَا تَسْتَعْجِلْ فِي قِرَاءَتِكَ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ لِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ وَالشُّهُودِ الْأَكْبَرِ كَعِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ (كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ) ، أَيْ قِرَاءَتُكَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْجَزَاءَ عَلَى وَفْقِ الْأَعْمَالِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (فِي الدُّنْيَا) مِنْ تَجْوِيدِ الْحُرُوفِ وَمَعْرِفَةِ الْوُقُوفِ النَّاشِئِ عَنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ وَمَعَارِفِ الْفُرْقَانِ (فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا) وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ عَلَى عَدَدِ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَجَاءَ فِي حَدِيثِ «مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ دَرَجَةٌ» فَالْقُرَّاءُ يَتَصَاعَدُونَ بِقَدْرِهَا، قَالَ الدَّانِيُّ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَدَدَ آيِ الْقُرْآنِ سِتَّةُ آلَافِ آيَةٍ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا زَادَ، فَقِيلَ: وَمِائَتَا آيَةٍ وَأَرْبَعُ آيَاتٍ، وَقِيلَ: وَأَرْبَعَ عَشَرَةَ، وَقِيلَ: وَتِسْعَ عَشَرَةَ، وَقِيلَ: وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ، وَقِيلَ: وَسِتٌّ وَثَلَاثُونَ، وَفِي حَدِيثٍ عِنْدَ الدَّيْلَمَيِّ فِي سَنَدِهِ كَذَّابٌ: " «دَرَجُ الْجَنَّةِ عَلَى قَدْرِ آيِ الْقُرْآنِ، بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةٌ، فَتِلْكَ سِتَّةُ آلَافِ آيَةٍ وَمِائَتَا آيَةٍ وَسِتَّ عَشَرَةَ آيَةٍ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِقْدَارُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» " قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ التَّرَقِّيَ يَكُونُ دَائِمًا، فَكَمَا أَنَّ قِرَاءَتَهُ فِي حَالِ الِاخْتِتَامِ اسْتَدْعَتْ الِافْتِتَاحَ الَّذِي لَا انْقِطَاعَ لَهُ كَذَلِكَ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ وَالتَّرَقِّي فِي الْمَنَازِلِ الَّتِي لَا تَتَنَاهَى، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ لَهُمْ كَالتَّسْبِيحِ لِلْمَلَائِكَةِ لَا تَشْغَلُهُمْ مِنْ مُسْتَلَذَّاتِهِمْ بَلْ هِيَ أَعْظَمُ مُسْتَلَذَّاتِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَنَالُ هَذَا الثَّوَابَ الْأَعْظَمَ إِلَّا مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ وَأَتْقَنَ أَدَاءَهُ وَقِرَاءَتَهُ كَمَا يَنْبَغِي لَهُ، فَإِنْ قُلْتَ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الصَّاحِبَ هُوَ الْحَافِظُ دُونَ الْمُلَازِمِ لِلْقِرَاءَةِ فِي الْمُصْحَفِ، قُلْتُ: الْأَصْلُ فِيمَا فِي الْجَنَّةِ أَنَّهُ يَحْكِي مَا فِي الدُّنْيَا، وَقَوْلُهُ فِي الدُّنْيَا صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُلَازِمَ لَهُ نَظَرًا

стр. 3034

لَا يُقَالُ لَهُ صَاحِبُ الْقُرْآنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ لِمَنْ لَا يُفَارِقُ الْقُرْآنَ فِي حَالَةٍ مِنَ الْحَالَاتِ، وَأَيْضًا فَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: " «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ اقْرَأْ وَاصْعَدْ فَيَقْرَأُ وَيَصْعَدُ بِكُلِّ أَيْةٍ دَرَجَةً حَتَّى يَقْرَأَ شَيْئًا مَعَهُ» " فَقَوْلُهُ مَعَهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ حَافِظُهُ، وَفِي حَدِيثٍ عِنْدَ الرَّامَهُرْمُزِيِّ: فَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ بِقِرَاءَتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ذَكَرَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ( «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَظْهِرَهُ أَتَاهُ مَلَكٌ يُعَلِّمُهُ فِي قَبْرِهِ وَيَلْقَى اللَّهَ وَقَدِ اسْتَظْهَرَهُ» ) وَفِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ ( «وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ يَتَفَلَّتُ مِنْهُ وَلَا يَدَعْهُ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَمَنْ كَانَ حَرِيصًا عَلَيْهِ وَلَا يَسْتَطِيعُهُ وَلَا يَدَعُهُ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَشْرَافِ أَهْلِهِ» ) وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ ( «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَقَدِ اسْتَدْرَجَ النُّبُوَّةَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ، لَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ أَنْ يَجْهَلَ مَعَ مَنْ يَجْهَلُ وَفِي جَوْفِهِ كَلَامُ اللَّهِ» ) . وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمَنْزِلَةُ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ هِيَ مَا يَنَالُهُ الْعَبْدُ مِنَ الْكَرَامَةِ عَلَى حَسَبِ مَنْزِلَتِهِ فِي الْحِفْظِ وَالتِّلَاوَةِ لَا غَيْرَ، وَذَلِكَ لِمَا عَرِفْنَا مِنْ أَصْلِ الدِّينِ أَنَّ الْعَامِلَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمُتَدَبِّرَ لَهُ أَفْضَلُ مِنَ الْحَافِظِ وَالتَّالِي لَهُ إِذَا لَمْ يَنَلْ شَأْنَهُ فِي الْعَمَلِ وَالتَّدَبُّرِ، وَقَدْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْ الصِّدِّيقِ وَأَكْثَرُ تِلَاوَةً مِنْهُ وَكَانَ هُوَ أَفْضَلَهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِسَبْقِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَبِكِتَابِهِ وَتَدَبُّرِهِ لَهُ وَعَمَلِهِ بِهِ، وَإِنْ ذَهَبْنَا إِلَى الثَّانِي وَهُوَ أَحَقُّ الْوَجْهَيْنِ وَأَتَمُّهُمَا فَالْمُرَادُ مِنَ الدَّرَجَاتِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا بِالْآيَاتِ سَائِرُهَا وَحِينَئِذٍ تُقَدَّرُ التِّلَاوَةُ فِي الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ الْعَمَلِ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَتْلُوَ آيَةً إِلَّا وَقَدْ أَقَامَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا، وَاسْتِكْمَالُ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لِلْأُمَّةِ بَعْدَهُ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ فِي الدِّينِ وَمَعْرِفَةِ الْيَقِينِ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَقْرَأُ عَلَى مِقْدَارِ مُلَازَمَتِهِ إِيَّاهُ تَدَبُّرًا وَعَمَلًا اهـ وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْحُسْنِ وَالْبَهَاءِ وَنِهَايَةِ الظُّهُورِ وَالْجَلَاءِ وَلَا عِبْرَةَ بِطَعْنِ ابْنِ حَجْرٍ فِيهِ وَتَضْعِيفِ كَلَامِهِ وَحَمْلِهِ عَلَى التَّكْلِفَةِ وَالْمُنَافَاةِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَإِنَّ التَّحْقِيقَ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ: أَنَّ مَنْ عَمِلَ بِالْقُرْآنِ فَكَأَنَّهُ يَقْرَؤُهُ دَائِمًا وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِالْقُرْآنِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ وَإِنْ قَرَأَهُ دَائِمًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] فَمُجَرَّدُ التِّلَاوَةِ وَالْحِفْظِ لَا يُعْتَبَرُ اعْتِبَارًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمَرَاتِبُ الْعَلِيَّةُ فِي الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ: حَسَنٌ وَفِيهِ: " «فَيَقُولُ: الْقُرْآنُ يَا رَبِّ حُلَّةً فَيَلْبَسُ تَاجَ الْكَرَامَةِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ زِدْهُ فَيَلْبَسُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ فَيَرْضَى عَنْهُ وَيُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَارْقَ» ".

стр. 3035

٢١٣٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ــ ٢١٣٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ) ، أَيْ قَلْبِهِ (شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ نُسْخَةٌ، أَيِ الْخَرَابُ لِأَنَّ عِمَارَةَ الْقُلُوبِ بِالْإِيمَانِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَزِينَةَ الْبَاطِنِ بِالِاعْتِقَادَاتِ الْحَقَّةِ وَالتَّفَكُّرِ فِي نَعْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أُطْلِقَ الْجَوْفُ وَأُرِيدَ بِهِ الْقَلْبُ إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] وَاحْتِيجَ لِذِكْرِهِ لِيَتِمَّ التَّشْبِيهُ لَهُ بِالْبَيْتِ الْخَرَابِ بِجَامِعِ أَنَّ الْقُرْآنَ إِذَا كَانَ فِي الْجَوْفِ يَكُونُ عَامِرًا مُزَيَّنًا بِحَسَبِ قِلَّةِ مَا فِيهِ وَكَثْرَتِهِ، وَإِذَا خُلِّيَ عَمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنَ التَّصْدِيقِ وَالِاعْتِقَادِ الْحَقِّ وَالتَّفَكُّرِ فِي آلَاءِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَصِفَاتِهِ يَكُونُ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ الْخَالِي عَمَّا يُعَمِّرُهُ مِنَ الْأَثَاثِ وَالتَّجَمُّلِ اهـ وَكَأَنَّهُ عَدْلٌ عَنْ ظَاهِرِ الْمُقَابَلَةِ الْمُتَبَادِرِ إِلَى الْفَهْمِ، وَإِذَا خُلِّيَ عَنِ الْقُرْآنِ لِعَدَمِ ظُهُورِ إِطْلَاقِ الْخَرَابِ عَلَيْهِ، وَغَفَلَ ابْنُ حَجْرٍ عَنْ مَلْحَظِهِ وَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِمَا لَا يُنَاسِبُهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) .

стр. 3036

٢١٣٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَقُولُ الرَّبُّ ﵎ مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. ــ ٢١٣٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الْخُدْرِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَقُولُ الرَّبُّ ﵎ مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ) ، أَيْ حِفْظُهُ وَعِلْمُ مَبَانِيهِ وَتَدَبُّرُ مَعَانِيهِ وَالْعَمَلُ بِمَا فِيهِ (عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتَيْ أَعْطَيْتُهُ) ، أَيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ (أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ، قِيلَ: شُغْلُ الْقُرْآنِ الْقِيَامُ بِمَوَاجِبِهِ وَحُقُوقِهِ، وَمَسْأَلَتِي عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ، أَيْ لَا يَظُنُّ الْمَشْغُولُ بِهِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْأَلْ لَمْ يُعْطَ حَوَائِجَهُ عَلَى أَكْمَلِ الْعَطَاءِ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ لِلَّهِ كَانَ اللَّهُ لَهُ.

стр. 3037

وَعَنِ الشَّيْخِ الْعَارِفِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَفِيفٍ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - شُغْلُ الْقُرْآنِ الْقِيَامُ بِمُوجِبَاتِهِ مِنْ إِقَامَةِ فَرَائِضِهِ وَالِاجْتِنَابِ عَنْ مَحَارِمِهِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَطَاعَ اللَّهَ ذَكَرَهُ وَإِنْ قَلَّتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ، وَإِذَا عَصَاهُ فَقَدْ نَسِيَهُ وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ، وَقِيلَ: أُرِيدَ بِالذِّكْرِ وَالْمَسْأَلَةِ اللَّذَانِ لَيْسَا فِي الْقُرْآنِ كَالدَّعَوَاتِ بِقَرِينَةِ قَوْلَهِ (وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ) ، أَيْ الدَّالُ عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ فَشَرَّفَهُ بِاعْتِبَارِ مَدْلُولِهِ (عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ) ، أَيْ وَكَذَلِكَ فَضْلُ الِاشْتِغَالِ وَالْمُشْتَغِلِ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَانَ وَجْهُ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذِكْرِ الذَّاكِرِينَ بِذِكْرِ السَّائِلِينَ أَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ سَائِرِينَ بِالْفِعْلِ أَوِ الْقُوَّةِ إِذْ لِسَانُ حَالِ كُلِّ مَخْلُوقٍ نَاطِقٍ بِالِافْتِقَارِ إِلَى نِعَمِ الْحَقِّ وَإِمْدَادِهِ بَعْدَ إِيجَادِهِ، ثُمَّ هَذَا الْفَضْلُ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِلَّا فَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَشْرَعْ غَيْرُهُ مِنَ الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِيمَاءٌ إِلَى قِدَمِ الْقُرْآنِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُحَدِّثِينَ رَدًّا عَلَى الْمُحَدِّثِينَ، قَالَ مِيرَكُ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ تَتِمَّةِ قَوْلِ اللَّهِ فَحِينَئِذٍ فِيهِ الْتِفَاتٌ كَمَا لَا يَخْفَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا أَظْهَرُ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى ارْتِكَابِ الِالْتِفَاتِ، وَنُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا مِنْ كَلَامِ أَبَى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيثِ وَلَمْ يَثْبُتْ رَفْعُهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَطِيَّةَ الْعَوْفِيَّ فَفِيهِ ضَعْفٌ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَلَفْظُ الدَّارِمِيِّ " «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسَائِلِي» " اهـ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ ذِكْرِي الْمَعْنَى الْأَعَمُّ أَوِ الْأَخَصُّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ الْأَنْسَبُ لِلْجَمْعِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْإِضَافَةِ التَّشْرِيفِيَّةِ الْمُوَافِقَةِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠] .

стр. 3038

٢١٣٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، أَلْفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. ــ ٢١٣٧ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَرَأَ حَرْفًا) ، أَيْ قَابِلًا لِلِانْفِصَالِ أَوِ الْمُرَادُ بِهِ مَثَلًا (مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) ، أَيِ الْقُرْآنُ (فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ) ، أَيْ عَطِيَّةٌ (وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) ، أَيْ مُضَاعَفَةٌ بِالْعَشْرِ وَهُوَ أَقَلُّ التَّضَاعُفِ الْمَوْعُودِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَلِلْحَرْفِ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ وَالْحَرْفُ يُطْلَقُ عَلَى حَرْفِ الْهِجَاءِ وَالْمَعَانِي وَالْجُمْلَةِ الْمُفِيدَةِ وَالْكَلِمَةِ الْمُخْتَلَفِ فِي قِرَاءَتِهَا وَعَلَى مُطْلَقِ الْكَلِمَةِ وَلِذَا قَالَ ﵊ (لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، أَلْفٌ) بِالسُّكُونِ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَقِيلَ: بِالتَّنْوِينِ (حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ: مُسَمَّى أَلِفٍ حَرْفٌ وَالِاسْمُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ وَكَذَا مُسَمَّى مِيمٍ وَهُوَ حَرْفٌ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ لَفْظَةَ مِيمٍ اسْمٌ لِهَذَا الْمُسَمَّى، فَحُمِلَ الْحَرْفُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْمَذْكُورَاتِ مَجَازًا لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ فِي ضَرْبِ اللَّهِ مَثَلًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ ضَهٍ وَرَهٍ وَبِهِ وَعَلَى هَذَا إِنْ أُرِيدَ بِـ (الم) مُفْتَتَحُ سُورَةِ الْفِيلِ يَكُونُ عَدَدُ الْحَسَنَاتِ ثَلَاثِينَ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مُفْتَتَحُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَشَبَهِهَا بَلَغَ الْعَدَدُ تِسْعِينَ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ بَعِيدٌ إِذِ الرِّوَايَةُ (ألم) بِالْمَدِّ لَا بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي الْمُنَاسِبِ أَنْ يُقَالَ: فَأُحَرِّفُ بَدَلِ مِيمٍ حَرْفٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ ﵊ ذَكَرَ مِنْ (ألم) مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ حَرْفًا وَأَنْ يُلَاحِظَ الْمُسَمَّيَاتِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ (ألم) عِبَارَةٌ إِجْمَالِيَّةٌ عَنْ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَدَاءَ نَفْسِ الْأَسْمَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنْ فِي فَاتِحَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ يَكُونُ عَدَدُ الْحَسَنَاتِ تِسْعِينَ وَفِي فَاتِحَةِ سُورَةِ الْفِيلِ يَكُونُ عَدَدُهَا ثَلَاثِينَ كَمَا هُوَ عِبَارَةُ الْمُخْتَصَرِ، وَلَا يُرِيدُ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ يَحْتَمِلُهُمَا لِأَنَّهُ جَاءَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّبَرَانِيِّ ( «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنَ الْقُرْآنِ كُتِبَ لَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، لَا أَقُولُ الم ذَلِكَ الْكِتَابُ، وَلَكِنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ وَالْمِيمَ وَالذَّالَ وَاللَّامَ وَالْكَافَ» ) اهـ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْحِسَابِ الْحُرُوفُ الْمَكْتُوبَةُ لَا الْمَلْفُوظَةُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ ( «لَا أَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ بَاءٌ وَسِينٌ وَمِيمٌ، وَلَا أَقُولُ الم وَلَكِنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ وَالْمِيمَ» ) (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا) ، أَيْ لِأُمَّتِنَا تَمْيِيزٌ عَنْ نِسْبَةِ غَرِيبٍ، وَقَالَ: وَوَقَفَهُ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ.

стр. 3039

٢١٣٨ - «وَعَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ قَالَ: مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ فَأَخْبَرْتُهُ قَالَ: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةً " قُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا هُوَ بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ. وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلِقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا يَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا - يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١ - ٢] ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ وَفِي الْحَارِثِ مَقَالٌ. ــ ٢١٣٨ - (وَعَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ) تَابِعِيٌّ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ (قَالَ: مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ) ، أَيْ بِنَاسٍ جَالِسِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي الْمَسْجِدِ ظَرْفٌ، وَالْمُرُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ) ، أَيْ يَدْخُلُونَ دُخُولَ مُبَالَغَةٍ (فِي الْأَحَادِيثِ) ، أَيْ أَحَادِيثِ النَّاسِ وَأَبَاطِيلِهِمْ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْحِكَايَاتِ وَالْقِصَصِ وَيَتْرُكُونَ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ وَمَا يَقْتَضِيهِ مِنَ الْأَذْكَارِ وَالْآثَارِ وَأَنْوَارِ الْبُرْهَانِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَحَادِيثُ الصِّفَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ ظُهُورِهَا أَوْ يُبَالِغُونَ فِي بَحْثِ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَيَتْرُكُونَ التَّعَلُّقَ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْخَوْضُ أَصْلُهُ الشُّرُوعُ فِي الْمَاءِ وَالْمُرُورُ فِيهِ وَيُسْتَعَارُ فِي الشُّرُوعِ، وَأَكْثَرُ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ فِيمَا يُذَمُّ الشُّرُوعُ فِيهِ (فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ ﵁) خَصَّهُ إِمَّا لِكَوْنِهِ الْخَلِيفَةَ إِذْ ذَاكَ أَوْ لِتَمَيُّزِهِ بِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ " «أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا» " خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَلِمَنْ قَالَ: ضَعِيفٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ إِفْرَادِ طُرُقِهِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ (فَأَخْبَرْتُهُ) ، أَيِ الْخَبَرُ (فَقَالَ: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟) ، أَيْ أَتَرَكُوا الْقُرْآنَ وَقَدْ فَعَلُوهَا، أَيْ وَخَاضُوا فِي الْأَحَادِيثِ، أَوِ التَّقْدِيرُ: أَوَقَدْ فَعَلُوا الْمُنْكَرَاتِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ ارْتَكَبُوا هَذِهِ الشَّنِيعَةَ وَخَاضُوا فِي الْأَبَاطِيلِ فَإِنَّ الْهَمْزَةَ وَالْوَاوَ الْعَاطِفَةَ يَسْتَدْعِيَانِ فِعْلًا مُنْكَرًا مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، أَيْ فَعَلُوا هَذِهِ الْفِعْلَةَ الشَّنِيعَةَ (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا) لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهَا) ، أَيِ الْقِصَّةُ وَبَيَانُهَا (سَتَكُونُ فِتْنَةً) ، أَيْ مِحْنَةً عَظِيمَةً وَبَلِيَّةً عَمِيمَةً، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُرِيدُ بِالْفِتْنَةِ مَا وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ أَوْ خُرُوجَ التَّتَارِ أَوِ الدَّجَّالِ أَوْ دَابَّةِ الْأَرْضِ اهـ وَغَيْرَ الْأَوَّلِ لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ كَمَا لَا يَخْفَى (قُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا؟) ، أَيْ مَا طَرِيقُ الْخُرُوجِ وَالْخَلَاصِ مِنَ الْفِتْنَةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ:، أَيْ مَوْضِعُ الْخُرُوجِ أَوِ السَّبَبُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْفِتْنَةِ (قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ) ، أَيْ طَرِيقُ الْخُرُوجِ مِنْهَا تَمَسُّكٌ بِكِتَابِ اللَّهِ عَلَى التَّقْدِيرِ مُضَافٍ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: التَّقْدِيرُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا الْمَخْرَجُ، أَيِ السَّبَبُ الْمَانِعُ لِلْوُقُوعِ فِي الضَّلَالَاتِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْفِتْنَةِ (فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ) ، أَيْ مِنْ أَحْوَالِ الْأُمَمِ (وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ) وَهِيَ الْأُمُورُ الْآتِيَةُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَأَحْوَالِ الْقِيَامَةِ، وَفِي الْعِبَارَةِ تَفَنُّنٌ (وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ، أَيْ حُكْمُ مَا وَقَعَ أَوْ يَقَعُ بَيْنَكُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْعِصْيَانِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَسَائِرِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَمَبَانِي الْأَحْكَامِ (وَهُوَ الْفَصْلُ) ، أَيِ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَوِ الْمَفْصُولِ وَالْمُمَيَّزِ فِيهِ الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ وَالْعَذَابُ وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةٌ (لَيْسَ بِالْهَزْلِ) ، أَيْ جِدٌّ كُلُّهُ وَحَقٌّ جَمِيعُهُ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، وَالْهَزْلُ فِي الْأَصْلِ الْقَوْلُ الْمُعَرَّى عَنِ الْمَعْنَى الْمَرْضِيِّ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْهُزَالِ ضِدُّ السِّمَنِ، وَالْحَدِيثُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ - وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣ - ١٤] أَيْ هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى كَوْنِهِ فَاصِلًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَآثَرَ الْمَصْدَرَ لِلْمُبَالَغَةِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَفْصُولٌ بِهِ أَوْ أَنَّهُ قَاطِعٌ فِي أَنَّهُ حَقٌّ وَيُلَائِمُهُ مَا بَعْدَهُ أَوْ ذُو فَصْلٍ وَبَيَانٍ لِمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] (مَنْ تَرَكَهُ) ، أَيِ الْقُرْآنَ إِيمَانًا وَعَمَلًا (مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ) ، أَيْ أَهْلَكَهُ أَوْ كَسَرَ عُنُقَهُ وَأَصْلُ الْقَصْمِ الْكَسْرُ وَالْإِبَانَةُ فَالْمَعْنَى قَطَعَهُ اللَّهُ وَأَبْعَدَهُ عَنْ رَحْمَتِهِ أَوْ قَطَعَ حُجَّتَهُ بِخِلَافِ مَنْ عَمِلَ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ - تَعَالَى - وَصَّلَهُ إِلَى أَعْلَى مَرَاتِبِ الْكَمَالِ وَأَعْلَى مَنَازِلِ الْجَمَالِ مِنَ الْوِصَالِ وَهُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِ أَوْ إِخْبَارٌ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَالطِّيبِيُّ ﵀ وَتَبِعَهُمَا ابْنُ حَجَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا ضِدَّانِ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَبَيَّنَ التَّارِكَ بِمِنْ جَبَّارٍ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى التَّرْكِ إِنَّمَا هُوَ التَّجَبُّرُ وَالْحَمَاقَةُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَنْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِآيَةٍ أَوْ بِكَلِمَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ مِمَّا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ أَوْ تَرَكَ قِرَاءَتَهَا مِنَ التَّكَبُّرِ كَفَرَ، وَمَنْ تَرَكَهُ عَجْزًا وَكَسَلًا وَضَعْفًا مَعَ اعْتِقَادِ تَعْظِيمِهِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، أَيْ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ وَلَكِنَّهُ مَحْرُومٌ (وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى) ، أَيْ طَلَبَ الْهِدَايَةِ مِنَ الضَّلَالَةِ (فِي غَيْرِهِ) مِنَ الْكُتُبِ وَالْعُلُومِ الَّتِي غَيْرُ مَأْخُوذَةٍ مِنْهُ وَلَا مُوَافِقَةٍ مَعَهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِلسَّبَبِيَّةِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّهَا لِلظَّرْفِيَّةِ أَبْلَغُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْهِدَايَةَ مُنْحَصِرَةٌ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ (أَضَلَّهُ اللَّهُ) ، أَيْ

стр. 3040

عَنْ طَرِيقِ الْهَدْيِ وَأَوْقَعَهُ فِي سَبِيلِ الرَّدَى وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ الضَّالَّةِ (وَهُوَ) ، أَيِ الْقُرْآنُ (حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ) ، أَيِ الْمُحْكَمُ الْقَوِيُّ وَالْحَبْلُ مُسْتَعَارٌ لِلْوَصْلِ وَلِكُلِّ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى شَيْءٍ، أَيِ الْوَسِيلَةُ الْقَوِيَّةُ إِلَى مَعْرِفَةِ رَبِّهِ وَسَعَادَةِ قُرْبِهِ وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (وَهُوَ الذِّكْرُ) ، أَيْ مَا يُذَّكِّرُ بِهِ الْحَقُّ - تَعَالَى - أَوْ مَا يَتَذَكَّرُ بِهِ الْخَلْقُ، أَيْ يَتَّعِظُ (الْحَكِيمُ) ، أَيْ ذُو الْحِكْمَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ أَوِ الْحَاكِمِ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ أَوْ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ أَوِ الْمُحْكِمِ آيَاتِهِ الْقَوِيِّ بُنْيَانِهِ لَا يُنْسَخُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَقْدِرَ جَمِيعُ الْخَلَائِقِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ قَالَ - تَعَالَى - ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] أَوِ الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الشَّرَفُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وَقِيلَ: إِنَّهُ بِمَعْنَى الْمُذَكِّرِ فَالْمُرَادُ بِالْحَكِيمِ ذُو الْحِكْمَةِ وَأَمَّا تَفْسِيرُ الذِّكْرِ بِالْمَذْكُورِ كَمَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ فَبَعِيدٌ (وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ) ، أَيْ الطَّرِيقُ الْقَوِيمُ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ مِنَ التَّمْثِيلِ وَالتَّعْطِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّضْلِيلِ وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] فَمَنْ سَلَكَهُ نَجَا وَمَنْ عَدَلَ عَنْهُ غَوَى (هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ) بِالتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ، أَيْ لَا تَمِيلُ عَنِ الْحَقِّ (بِهِ) ، أَيْ بِاتِّبَاعِهِ (الْأَهْوَاءُ) ، أَيِ الْهَوَى إِذَا وَافَقَ هَذَا الْهَدْيَ حُفِظَ مِنَ الرَّدَى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَصِيرُ بِهِ مُبْتَدِعًا وَضَالًّا يَعْنِي لَا يَمِيلُ بِسَبَبِهِ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْآرَاءِ لَا يُقَالُ قِيلَ لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الْكَازَرُونِيِّ: إِنَّ أَهْلَ الْبِدْعَةِ أَيْضًا يَسْتَدِلُّونَ بِالْقُرْآنِ كَمَا أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَحْتَجُّونَ بِهِ عِنْدَ الْبُرْهَانِ، قَالَ - تَعَالَى - ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] لِأَنَّا نَقُولُ سَبَبُ الْإِضْلَالِ عَدَمُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فَإِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ تَرَكُوا الْأَحَادِيثَ النَّبَوِيَّةَ الَّتِي هِيَ مُبَيِّنَةٌ لِلْمَقَاصِدِ الْقُرْآنِيَّةِ وَفَى الْقُرْآنِ " ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] " فَمَا عَرَفُوا الْقُرْآنَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَمَا قَلَّدُوا مَنْ هُوَ كَامِلٌ فِي مَعْرِفَةِ أَدِلَّتِهِ فَوَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا حَيْثُ أَنْكَرُوا الْحَدِيثَ وَدَفَعُوا، وَلِذَا قَالَ الْجُنَيْدُ: مَنْ لَمْ يَحْفَظِ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَكْتُبِ الْحَدِيثَ لَا يُقْتَدَى بِهِ، وَمَنْ دَخَلَ فِي طَرِيقِنَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَاسْتَمَرَّ قَانِعًا بِجَهْلِهِ فَهُوَ ضَحِكَةٌ لِلشَّيْطَانِ مَخْسَرَةٌ لَهُ لِأَنَّ عِلْمَنَا مُقَيَّدٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ:، أَيْ لَا يَقْدِرُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ عَلَى تَبْدِيلِهِ وَتَغْيِيرِ إِمَالَتِهِ وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى وُقُوعِ تَحْرِيفِ الْغَالِينَ وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَقِيلَ: الرِّوَايَةُ مِنَ الْإِزَاغَةِ بِمَعْنَى الْإِمَالَةِ وَالْبَاءُ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ، أَيْ لَا يُمِيلُهُ الْأَهْوَاءُ الْمُضِلَّةُ عَنْ نَهْجِ الِاسْتِقَامَةِ إِلَى الِاعْوِجَاجِ وَعَدَمِ الْإِقَامَةِ كَفِعْلِ الْيَهُودِ بِالتَّوْرَاةِ حِينَ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ، قَالَ - تَعَالَى - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ) ، أَيْ لَا تَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ أَلْسِنَةُ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ وَلَوْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ، قَالَ - تَعَالَى - ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ - وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ٩٧ - ١٧] وَقِيلَ: لَا يَخْتَلِطُ بِهِ غَيْرُهُ بِحَيْثُ يَشْتَبِهُ الْأَمْرُ وَيَلْتَبِسُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَحْفَظُهُ، أَوْ يُشْتَبَهُ كَلَامُ الرَّبِّ بِكَلَامِ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ كَلَامًا مَعْصُومًا دَالًّا عَلَى الْإِعْجَازِ وَلِذَا لَا يَجِدُونَ فِيهِ تَنَاقُضًا يَسِيرًا " ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] " (وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ) ، أَيْ لَا يَصِلُونَ إِلَى الْإِحَاطَةِ بِكُنْهِهِ حَتَّى يَقِفُوا عَنْ طَلَبِهِ وُقُوفَ مَنْ يَشْبَعُ مِنْ مَطْعُومٍ، بَلْ كُلَّمَا اطَّلَعُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ حَقَائِقِهِ اشْتَاقُوا إِلَى آخَرَ أَكْثَرَ مِنَ الْأَوَّلِ وَهَكَذَا فَلَا شِبَعَ وَلَا سَآمَةَ (وَلَا يَخْلُقُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ مِنْ خَلِقَ الثَّوْبُ إِذَا بَلِيَ وَكَذَلِكَ أَخْلَقَ (عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ) ، أَيْ لَا تَزُولُ لَذَّةُ قِرَاءَتِهِ وَطَرَاوَةُ تِلَاوَتِهِ وَاسْتِمَاعُ أَذْكَارِهِ وَأَخْبَارِهِ مِنْ كَثْرَةِ تَكْرَارِهِ، وَعَنْ عَلِيٍّ بَابُهَا، أَيْ لَا يَصْدُرُ الْخَلْقُ مِنْ كَثْرَةِ تَكْرَارِهِ كَمَا هُوَ شَأْنُ كَلَامِ غَيْرِهِ - تَعَالَى - الْمَقُولِ فِيهِ: جُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلَى مُعَادَاةِ الْمُعَادَاتِ بَلْ هَذَا مِنْ قَبِيلِ: أَعِدْ ذِكْرَ نُعْمَانَ لَنَا إِنَّ ذِكْرَهُ هُوَ الْمِسْكُ مَا كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ وَلِذَا كُلَّمَا زَادَ الْعَبْدُ مِنْ تَكْرَارِ قِرَاءَتِهِ أَوْ سَمَاعِ تِلَاوَتِهِ ازْدَادَ فِي حَلَاوَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ لِحُصُولِ مُتَمَنَّاهُ، وَلِذَا قَالَ الشَّاطِبِيُّ: وَتِرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجَمُّلًا وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ عَنْ بِمَعْنَى مَعَ (وَلَا يَنْقَضِي عَجَائِبُهُ) ، أَيْ لَا يَنْتَهِي غَرَائِبُهُ الَّتِي يُتَعَجَّبُ مِنْهَا، قِيلَ: كَالْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ لِلْقَرِيبَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجْرٍ، وَالْحَمْلُ عَلَى التَّأْسِيسِ أَوْلَى لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَجَائِبِ بِحَيْثُ لَا يَتَنَاهَى أَقْوَى مِنْ عَدَمِ شِبَعِ الْعُلَمَاءِ وَنَفْيِ الْبِلَى بَلْ أَعْلَى

стр. 3041

وَأَغْلَى كَمَا لَا يَخْفَى (هُوَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ الْجِنُّ) بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ (إِذْ سَمِعَتْهُ) ، أَيِ الْقُرْآنُ، وَفَى نُسْخَةٍ: إِذَا سَمِعَتْهُ (حَتَّى قَالُوا) ، أَيْ لَمْ يَتَوَقَّفُوا وَلَمْ يَمْكُثُوا وَقْتَ سَمَاعِهِمْ لَهُ عَنْهُ، بَلْ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ لِمَا بَهَرَهُمْ مِنْ شَأْنِهِ فَبَادَرُوا إِلَى الْإِيمَانِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَاهَةِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ وَبَالَغُوا فِي مَدْحِهِ حَتَّى قَالُوا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] ، أَيْ شَأْنُهُ مِنْ حَيْثِيَّةِ جَزَالَةِ الْمَبْنَى وَغَزَارَةِ الْمَعْنَى ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢] ، أَيْ يَدُلُّ عَلَى سَبِيلِ الصَّوَابِ أَوْ يَهْدِي اللَّهُ بِهِ النَّاسَ إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ (فَآمَنَّا بِهِ) ، أَيْ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْإِيمَانُ بِرَسُولِ اللَّهِ (مَنْ قَالَ بِهِ) مَنْ أَخْبَرَ بِهِ (صَدَقَ) ، أَيْ فِي خَبَرِهِ أَوْ مَنْ قَالَ قَوْلًا مُلْتَبِسًا بِهِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى قَوَاعِدِهِ وَوَفْقَ قَوَانِينِهِ وَضَوَابِطِهِ صَدَقَ (وَمَنْ عَمِلَ بِهِ) ، أَيْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ (أُجِرَ) ، أَيْ أُثِيبَ فِي عَمَلِهِ أَجْرًا عَظِيمًا وَثَوَابًا جَسِيمًا لِأَنَّهُ لَا يَحُثُّ إِلَّا عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَمَحَاسِنِ الْآدَابِ وَالْأَحْوَالِ (وَمَنْ حَكَمَ بِهِ) ، أَيْ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ بَيْنَ خَوَاطِرِهِ (عَدَلَ) ، أَيْ فِي حُكْمِهِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْحَقِّ (وَمَنْ دَعَا) ، أَيِ الْخَلْقُ (إِلَيْهِ) ، أَيْ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَالْعَمَلِ بِمُوجِبِهِ (هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيِ الْمَدْعُوُّ، وَفِيهِ أَنَّهُ تَحْصِيلٌ حَاصِلٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَصِحُّ بِنَاؤُهُ لِلْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ اهـ وَهُوَ احْتِمَالٌ عَقْلِيٌّ وَإِلَّا فَالنُّسَخُ الْمُصَحَّحَةُ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ، فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ: رُوِيَ مَجْهُولًا، أَيْ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ وُفِّقَ لِمَزِيد الِاهْتِدَاءِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ) الظَّاهِرُ فِي إِسْنَادِهِ مَجْهُولٌ (وَفِي الْحَارِثِ) ، أَيِ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ (مَقَالٌ) ، أَيْ مُطْعَنٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ وَشَهِدَ أَنَّهُ كَاذِبٌ اهـ وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مِمَّنِ اشْتُهِرَ بِصُحْبَةِ عَلِيٍّ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ: كَانَ أَفْقَهَ النَّاسِ وَأَفْرَضَ النَّاسِ وَأَحْسَبَ النَّاسِ اهـ. فَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ رَوَى عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ وَشَهِدَ أَنَّهُ كَذَبَ وَلِذَا لَمْ يَقُلْ كَذَّابٌ مَعَ أَنَّ الْكَذُوبَ قَدْ يَصْدُقُ وَلِذَا رَوَى عَنْهُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ حَدِيثَهُ ضَعِيفٌ إِسْنَادُهُ وَإِنْ كَانَ لَا شَكَّ فِي صِحَّةِ مَعْنَاهُ مَعَ أَنَّ الضَّعِيفَ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الْفَضَائِلِ اتِّفَاقًا.

стр. 3042

٢١٣٩ - وَعَنْ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَوْؤُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٢١٣٩ - (وَعَنْ مُعَاذِ الْجُهَنِيِّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ) ، أَيْ فَأَحْكَمَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، أَيْ فَأَتْقَنَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ:، أَيْ حَفِظَهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ (وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أَلْبَسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: كِنَايَةٌ عَنِ الْمُلْكِ وَالسَّعَادَةِ اهـ وَالْأَظْهَرُ حَمْلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ (ضَوْؤُهُ أَحْسَنُ) اخْتَارَهُ عَلَى أَنْوَرَ وَأَشْرَقَ إِعْلَامًا بِأَنَّ تَشْبِيهَ التَّاجِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ نَفَائِسِ الْجَوَاهِرِ بِالشَّمْسِ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الْإِشْرَاقِ وَالضَّوْءِ بَلْ مَعَ رِعَايَةٍ مِنَ الزِّينَةِ وَالْحُسْنِ (مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ) حَالَ كَوْنِهَا (فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا) فِيهِ تَتْمِيمُ صِيَانَةٍ مِنَ الْإِحْرَاقِ وكَلَالِ النَّظَرِ بِسَبَبِ أَشِعَّتِهَا كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ (لَوْ كَانَتْ) ، أَيِ الشَّمْسُ عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ (فِيكُمْ) ، أَيْ فِي بُيُوتِكُمْ تَتْمِيمٌ لِلْمُبَالَغَةِ فَإِنَّ الشَّمْسَ مَعَ ضَوْئِهَا وَحُسْنِهَا لَوْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي بُيُوتِنَا كَانَتْ آنَسَ وَأَتَمَّ مِمَّا لَوْ كَانَتْ خَارِجَةً عَنْهَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ فِي دَاخِلِ بُيُوتِكُمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ فِي بَيْتِ أَحَدِكُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ: فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيهِ (فَمَا ظَنُّكُمْ) ، أَيْ إِذَا كَانَ هَذَا جَزَاءُ وَالِدَيْهِ لِكَوْنِهِمَا سَبَبًا لِوُجُودِهِ (بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟) وَفِي رِوَايَةٍ: عَمِلَ بِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتِقْصَارٌ لِلظَّنِّ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَةِ مَا يُعْطَى لِلْقَارِئِ الْعَامِلِ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْمُلْكِ مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بِشَرٍ كَمَا أَفَادَتْهُ مَنِ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ الْمُؤَكِّدَةُ لِمَعْنَى تَحَيُّرِ الظَّانِّ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) .

стр. 3043

٢١٤٠ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٢١٤٠ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ يَفْرِضُ تَجَسُّمَهُ إِذْ تَجَسَّمَ الْمَعْنَى جَائِزٌ وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِهِ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَهُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لِصِحَّةِ فَرْضِ وَضْعِ الْمُصْحَفِ (فِي إِهَابٍ) ، أَيْ جِلْدٍ لَمْ يُدْبَغْ كَذَا قَالُوا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الْجِلْدِ إِمَّا عَلَى التَّجْرِيدِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا لَمْ يُدْبَغْ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَدْ تَكَلَّفَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّمَا ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْإِهَابِ وَهُوَ الْجِلْدُ الَّذِي لَمْ يُدْبَغُ لِأَنَّ الْفَسَادَ إِلَيْهِ أَسْرَعُ وَنَفْخُ النَّارِ فِيهِ أَنْفَذُ لِيُبْسِهِ وَجَفَافِهِ وَبِخِلَافِ الْمَدْبُوغِ لِلِينِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي فِي وَجْهِ التَّشْبِيهِ بِغَيْرِ الْمَدْبُوغِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَارِئُ غَيْرَ مُرْتَاضٍ نَفَعَهُ الْقُرْآنُ (ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: ثُمَّ لَيْسَ لِتَرَاخِي الزَّمَانِ بَلْ لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ بَيْنَ الْجَعْلِ فِي الْإِهَابِ وَالْإِلْقَاءِ فِي النَّارِ وَإِنَّهُمَا أَمْرَانِ مُتَنَافِيَانِ لِرُتْبَةِ الْقُرْآنِ وَإِنَّ الثَّانِي أَعْظَمُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: ثُمَّ عَلَى بَابِهَا وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا بِمَعْنَى الْفَاءِ (مَا احْتَرَقَ) ، أَيِ الْإِهَابُ بِبَرَكَةِ الْقُرْآنِ لِمَا فِيهِ مِنْ يَنَابِيعِ الرَّحْمَةِ وَأَنْهَارِ الْحِكْمَةِ مَا يُخْمِدُ تِلْكَ النَّارَ وَيُطْفِئُهَا كَمَا وَرَدَ (جُزْ يَا مُؤْمِنُ فَإِنَّ نُورَكَ أَطْفَأَ لَهَبِي) وَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُهُ مَعَ هَذَا الْجِلْدِ الْحَقِيرِ الَّذِي جَاوَرَهُ فِي سَاعَةٍ، فَمَا ظَنُّكَ بِجَوْفِ الْحَافِظِ لَهُ وَجَسَدِ الْعَامِلِ بِهِ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِيهِ أَزْمِنَةً عَدِيدَةً وَمُدَدًا مَدِيدَةً؟ فَيَكُونُ حِفْظُهُ لِخَوْفِهِ مِنْ نَارِ الْبُعْدِ وَالْحِجَابِ، وَنَارُ جَهَنَّمَ أَحْرَى وأْولى وَأَبْلَغُ وَأَقْوَى، وَالْمُرَادُ بِالنَّارِ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الْجِنْسَ أَقْرَبُ وَأَحْرَى، وَضُرِبَ الْمَثَلُ بِالْإِهَابِ لِلتَّحْقِيرِ أَحْرَى لِأَنَّ التَّمْثِيلَ وَارِدٌ لِلْمُبَالَغَةِ وَالْفَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَلَوْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ [الكهف: ١٠٩] الْآيَةَ، قُلْتُ: وَالْأَظْهَرُ فِي التَّنْظِيرِ " ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١] " أَيْ يَنْبَغِي وَيَحِقُّ أَنَّ الْقُرْآنَ لَوْ كَانَ فِي مِثَالِ هَذَا الشَّيْءِ الْحَقِيرِ الَّذِي لَا يُؤْبَهُ بِهِ وَيُلْقَى فِي النَّارِ مَسَّتْهُ فَكَيْفَ بِالْمُؤْمِنِ الَّذِي هُوَ أَكْرَمُ خَلْقِ اللَّهِ وَأَفْضَلُهُمْ وَقَدْ وَعَاهُ فِي صَدْرِهِ وَتَفَكَّرَ فِي مَعَانِيهِ وَوَاظَبَ عَلَى قِرَاءَتِهِ وَعَمِلَ فِيهِ بِجَوَارِحِهِ؟ فَكَيْفَ تَمَسُّهُ؟ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَحْرِقَهُ، قَالَ: وَبِهَذَا التَّأْوِيلِ وَقَعَ التَّنَاسُبُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالَّذِي قَبْلَهُ فَإِنَّ الْمَعْنَى مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أَلْبَسَ وَالِدَاهُ تَاجًا، فَكَيْفَ بِالْقَارِئِ الْعَامِلِ؟ وَلَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ مَسَّتْهُ النَّارُ، فَكَيْفَ بِالتَّالِي الْعَامِلِ؟ اهـ وَهَذَا تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ لِأَنَّ الْجُمْلَتَيْنِ مَا وَقَعَتَا مُتَوَالِيَتَيْنِ فِي لَفْظِ النُّبُوَّةِ لِيَطْلُبَ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا، وَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فِي الْكِتَابِ يَكْفِي كَوْنُهُمَا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي فَضْلِ صَاحِبِهِ لِأَنَّ فَضْلَهُ بِسَبَبِهِ مَعَ أَنَّ الْمُنَاسَبَة الَّتِي ذَكَرَهَا غَيْرُ تَامَّةٍ لِأَنَّ الشُّرْطِيَّةَ الْأُولَى حَقِيقِيَّةٌ وَالثَّانِيَةَ فَرْضِيَّةٌ، فَقِيلَ: كَانَ هَذَا مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْمَصَابِيحِ بِلَفْظِ (لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ مَسَّتْهُ النَّارُ) وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمَعَالِمِ بِسَنَدِهِ ثُمَّ قَالَ: قِيلَ: مَعْنَاهُ مَنْ حَمَلَ الْقُرْآنَ وَقَرَأَهُ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَرِوَايَةُ مَسَّتْهُ كَمَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ أَوْلَى مِنِ احْتَرَقَ اهـ وَمُرَادُهُ أَنَّهُ أَبْلَغُ لَا أَنَّهُ أَصَحُّ لِأَنَّ النُّسَخَ الْمُصَحَّحَةَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى لَفْظِ احْتَرَقَ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَكْثَرَ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَكَذَا ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِالْمَعْنَى إِنَّ مَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ لَمْ تَحْرِقْهُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَجَعَلَ جِسْمَ حَافِظِ الْقُرْآنِ كَالْإِهَابِ لَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: " احْفَظُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ قَلْبًا وَعَى الْقُرْآنَ " (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ: «لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ مَا أَكَلَتْهُ النَّارُ» .

стр. 3044

٢١٤١ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَاسْتَظْهَرَهُ فَأَحَلَّ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَشَفَّعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلِّهِمْ قَدْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَحَفْصُ بْنُ سَلْمَانَ الرَّاوِي لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ يَضْعُفُ فِي الْحَدِيثِ. ــ ٢١٤١ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ (فَاسْتَظْهَرَهُ) أَيِ اسْتَظْهَرَ حِفْظَهُ بِأَنْ حَفِظَهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ أَوِ اسْتَظْهَرَ طَلَبَ الْمُظَاهَرَةَ وَهِيَ الْمُعَاوَنَةُ أَوِ اسْتَظْهَرَ إِذَا احْتَاطَ فِي الْأَمْرِ وَبَالَغَ فِي حِفْظِهِ، وَالْمَعْنَى: مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ وَطَلَبَ مِنْهُ الْقُوَّةَ أَوِ الْمُعَاوَنَةَ فِي الدِّينِ (فَأَحَلَّ حَلَالَهُ

стр. 3045

وَحَرَّمَ حَرَامَهُ) أَوِ احْتَاطَ فِي حِفْظِ حُرْمَتِهِ أَوِ امْتِثَالِهِ، وَقِيلَ: جَمِيعُ هَذِهِ الْمَعَانِي مُرَادَةٌ هُنَا بِدَلِيلِ الْفَاءَيْنِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيِ اعْتَقَدَهُمَا مَعَ فِعْلِهِ الْأَوَّلِ وَتَرْكِهِ لِلثَّانِي غَيْرُ صَحِيحٍ بِاعْتِبَارِ تَقْيِيدِهِ بِفِعْلِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ (أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ) ، أَيْ فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ (وَشَفَّعَهُ) بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ قَبِلَ شَفَاعَتَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: جَعَلَهُ شَفِيعًا (فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلِّهُمْ) ، أَيْ كُلُّ الْعَشَرَةِ (قَدْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ) وَإِفْرَادُ الضَّمِيرِ لِلَفْظِ الْكُلِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي رَفْعِ الْمَنْزِلَةِ دُونَ حَطِّ الْوِزْرِ بِنَاءً عَلَى مَا افْتَرَوْهُ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ يَجِبُ خُلُودُهُ فِي النَّارِ وَلَا يُمْكِنُ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَالْوُجُوبُ هُنَا عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاعَدَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ وَالدَّارِمِيُّ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَحَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّاوِي) بِإِسْكَانِ الْيَاءِ (لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ) ، أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمَعَ هَذَا (يُضَعَّفُ) بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ يُنْسَبُ إِلَى الضَّعْفِ (فِي الْحَدِيثِ) ، أَيْ فِي رِوَايَتِهِ.

стр. 3046

٢١٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ " فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّورَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: مَا أُنْزِلَتْ، وَلَمْ يَذْكُرْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ــ ٢١٤٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَرَأَ» ) ، أَيْ أُبَيٌّ (أُمَّ الْقُرْآنِ) يَعْنِي الْفَاتِحَةَ وَسُمِّيَتْ بِهَا لِاحْتِوَائِهَا وَاشْتِمَالِهَا عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ إِجْمَالًا، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأُمِّ الْأَصْلُ فَهِيَ أَصْلُ قَوَاعِدِ الْقُرْآنِ وَيَدُورُ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْإِيمَانِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ طَابَقَ هَذَا جَوَابًا عَنِ السُّؤَالِ بِقَوْلِهِ كَيْفَ تَقْرَأُ لِأَنَّهُ سُؤَالٌ عَنْ حَالَةِ الْقِرَاءَةِ لَا نَفْسًا؟ قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَدَّرَ فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ مُرَتِّلًا وَمُجَوِّدًا، أَوْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﵊ سَأَلَ عَنْ حَالِ مَا يقَرَأُهُ فِي الصَّلَاةِ أَهِيَ سُورَةٌ جَامِعَةٌ حَاوِيَةٌ لِمَعَانِي الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟ فَلِذَلِكَ جَاءَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ، أَيْ هِيَ جَامِعَةٌ لِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَأَصْلٌ لَهَا ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ» ) ، أَيْ فِي بَقِيَّةِ الْقُرْآنِ سُورَةٌ (مِثْلُهَا وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِي) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَيَانِيَّةً أَوْ تَبْعِيضَيَّةً (وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ) مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ لِلْمُبَالَغَةِ (الَّذِي أُعْطِيتُهُ) ، أَيْ وَلَمْ يُعْطَهُ نَبِيٌّ غَيْرِي (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، أَيْ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مِنْ قَوْلِ: مَا أُنْزِلَتْ، وَلَمْ يَذْكُرْ) ، أَيْ الدَّارِمِيُّ (أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) ، أَيْ قِصَّتُهُ الْكَائِنَةُ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .

стр. 3047

٢١٤٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَاقْرَءُوهُ، فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَ فَقَرَأَ وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا تَفُوحُ رِيحُهُ كُلَّ مَكَانٍ، وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَرَقَدَ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِئَ عَلَى مِسْكٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢١٤٣ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ) ، أَيْ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: تَعَلُّمُ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ فِيهِ فَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ تَبْدِيلٌ وَتَحْرِيفٌ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ أَوِ الْقَرْيَةِ مَنْ يَتْلُو الْقُرْآنَ أَثِمُوا بِأَسْرِهِمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ وَقْفَةٌ، إِذِ الْمُخَاطَبُ بِهِ جَمِيعُ الْأُمَّةِ فَحَيْثُ كَانَ فِيهِمْ عَدَدُ التَّوَاتُرِ مِمَّنْ يَحْفَظُهُ فَلَا إِثْمَ عَلَى أَحَدٍ، نَعَمْ يَتَعَيَّنُ فِي عَدَدِ التَّوَاتُرِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَكُونُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِحَيْثُ لَوْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يُغَيِّرَ أَوْ يُحَرِّفَ شَيْئًا مَنَعُوهُ اهـ وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّرْكَشِيِّ إِنَّ كُلَّ بَلَدٍ لَا بُدَّ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَتْلُو الْقُرْآنَ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ تَعَلُّمَ بَعْضِ الْقُرْآنِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْكُلِّ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ أَحَدٌ يَقْرَأُ أَثِمُوا جَمِيعًا، وَأَيْضًا لَا يَحْصُلُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ إِلَّا بِمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَإِلَّا فَكُلُّ أَهْلِ بَلَدٍ يَقُولُ: لَيْسَ

стр. 3048

عِلْمُ الْقُرْآنِ فَرْضًا عَلَيْنَا فَيَنْجَرُّ إِلَى فَسَادِ الْعَالِمِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّوَوِيِّ: وَالِاشْتِغَالُ بِحِفْظِ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِحِفْظِهِ أَفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ دُونَ فَرْضِ الْعَيْنِ مِنْهَا (فَاقْرَءُوهُ) ، أَيْ بَعْدَ التَّعَلُّمِ وَعَقِيبِهِ، وَفَى نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ أَمْرٌ بِالْأَكْمَلِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالتَّعَلُّمِ وَأَنَّهُ يَجِبُ التَّجْوِيدُ وَأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَشَايِخِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ " فَاقْرَءُوهُ " كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أَيْ تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَدَاوِمُوا تِلَاوَتَهُ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَ فَقَرَأَ وَقَامَ بِهِ) ، أَيْ دَاوَمَ عَلَى قِرَاءَتِهِ أَوْ دَاوَمَ بِهِ (كَمَثَلِ جِرَابٍ) بِالْكَسْرِ وَالْعَامَّةُ تَفْتَحُهُ، قِيلَ: لَا تَفْتَحِ الْجِرَابَ وَلَا تَكْسِرِ الْقِنْدِيلَ، وَخَصَّ الْجِرَابَ هُنَا بِالذِّكْرِ احْتِرَامًا لِأَنَّهُ مِنْ أَوْعِيَةِ الْمِسْكِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّقْدِيرُ: فَإِنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ لِأَجْلِ مَنْ تَعَلَّمَهُ كَضَرْبِ الْمَثَلِ لِلْجَوَابِ، فَمَثَلُ مُبْتَدَأٌ وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ وَاللَّامُ فِي لِمَنْ تَعَلَّمَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ كَمَثَلٍ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُضَافِ أَيْضًا وَالتَّشْبِيهُ إِمَّا مُفْرَدٌ وَإِمَّا مُرَكَّبٌ (مَحْشُوٌّ) ، أَيْ مَمْلُوءٌ مَلْأً شَدِيدًا بِأَنْ حُشِيَ بِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ مُتَّسَعٌ لِغَيْرِهِ (مِسْكًا) نَصْبُهُ عَلَى التَّمْيِيزِ (تَفُوحُ رِيحُهُ) ، أَيْ تَظْهَرُ وَتَصِلُ رَائِحَتُهُ (كُلَّ مَكَانٍ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي صَدْرَ الْقَارِئِ كَجِرَابٍ وَالْقُرْآنُ فِيهِ كَالْمِسْكِ فَإِنَّهُ إِذَا قَرَأَ وَصَلَتْ بَرَكَتُهُ إِلَى تَالِيهِ وَسَامِعِيهِ، قُلْتُ: وَلَعَلَّ إِطْلَاقَ الْمَكَانِ لِلْمُبَالَغَةِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَعَ أَنَّ التَّدْمِيرَ وَالْإِيتَاءَ خَاصٌّ (وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، أَيْ مَثَلُ رِيحِ مَنْ تَعَلَّمَهُ (فَرَقَدَ) ، أَيْ نَامَ عَنِ الْقِيَامِ وَغَفَلَ عَنِ الْقِرَاءَةِ أَوْ كِنَايَةٌ عَنْ تَرْكِ الْعَمَلِ (وَهُوَ) ، أَيِ الْقُرْآنُ (فِي جَوْفِهِ) ، أَيْ فِي قَلْبِهِ (كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِئَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ رُبِطَ (عَلَى مِسْكٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ شُدَّ بِالْوِكَاءِ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْأَوْعِيَةُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: فَإِنَّ مَنْ قَرَأَ تَصِلُ بَرَكَتُهُ مِنْهُ إِلَى بَيْتِهِ وَإِلَى السَّامِعِينَ وَيَحْصُلُ اسْتِرَاحَةٌ وَثَوَابٌ إِلَى حَيْثُ يَصِلُ صَوْتُهُ، فَهُوَ كَجِرَابٍ مَمْلُوءٍ مِنَ الْمِسْكِ إِذَا فَتَحَ رَأْسَهُ تَصِلُ رَائِحَتُهُ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ حَوْلَهُ، وَمَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَقْرَأْ لَمْ تَصِلْ بَرَكَتُهُ مِنْهُ لَا إِلَى نَفْسِهِ وَلَا إِلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ كَجِرَابٍ مَشْدُودٍ رَأْسُهُ وَفِيهِ مِسْكٌ فَلَا تَصِلُ رَائِحَتُهُ مِنْهُ إِلَى أَحَدٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ.

стр. 3049

٢١٤٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَرَأَ حم الْمُؤْمِنَ إِلَى إِلَيْهِ الْمَصِيرُ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَرَأَ بِهِمَا حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبِحَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢١٤٤ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَرَأَ حم الْمُؤْمِنَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَجَرِّ الْمُؤْمِنِ وَنَصْبِهِ (إِلَى إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) يَعْنِي " ﴿حم - تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ - غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ١ - ٣] " (وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ) وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا وَتَأْخِيرُهَا، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا تَقْدِيمُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ فِي الْحِصْنِ (حِينَ يُصْبِحُ) ، أَيْ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ بَعْدَهَا وَهُوَ ظَرْفُ يَقْرَأُ (حُفِظَ بِهِمَا) ، أَيْ بِقِرَاءَتِهِمَا وَبَرَكَتِهِمَا (حَتَّى يُمْسِيَ) ، أَيْ يَدْخُلُ اللَّيْلِ لِأَنَّ الْإِمْسَاءَ ضِدُّ الْإِصْبَاحِ كَمَا أَنَّ الْمَسَاءَ ضِدُّ الصَّبَاحِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَالصِّحَاحِ (وَمَنْ قَرَأَ بِهِمَا) قَرَأَهُ وَبِهِ لُغَتَانِ (حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبِحَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ.

стр. 3050

٢١٤٥ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلَا تُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبَهَا الشَّيْطَانُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢١٤٥ - (وَعَنِ النُّعْمَانِ) بِضَمِّ النُّونِ (ابْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا) ، أَيْ أَمَرَ مَلَائِكَتَهُ بِكِتَابَةِ الْقُرْآنِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَقِيلَ: أَيْ أَثْبَتَ ذَلِكَ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنْ مَطَالِعِ الْعُلُومِ الْغَيْبِيَّةِ (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: كِتَابَةُ مَقَادِيرِ الْخَلَائِقِ قَبْلَ خَلْقِهَا بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ كَمَا وَرَدَ لَا تُنَافِي كِتَابَةَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ بِأَلْفَيْ عَامٍ لِجَوَازِ اخْتِلَافِ أَوْقَاتِ الْكِتَابَةِ فِي اللَّوْحِ وَلِجَوَازِ أَنْ لَا يُرَادَ بِهِ التَّحْدِيدُ، بَلْ مُجَرَّدُ السَّبْقِ الدَّالِّ عَلَى الشَّرَفِ اهـ وَلِجَوَازِ مُغَايَرَةِ الْكِتَابَيْنِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَتَدَبَّرْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (أَنْزَلَ مِنْهُ) ، أَيْ مِنْ جُمْلَةِ مَا فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ، وَفَى أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: أَنْزَلَ فِيهِ، وَالرِّوَايَةُ مِنْهُ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ الْخُلَاصَةَ أَنِ الْكَوَائِنَ كُتِبَتْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْقُرْآنُ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ فَأَظْهَرَ كِتَابَةَ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، وَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَأَنْزَلَهُمَا مَخْتُومًا بِهِمَا أُولَى الزَّهْرَاوَيْنِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: أَنْزَلَ فِيهِ إِلَّا مَا أَصْلَحَ، وَالرِّوَايَةُ أَنْزَلَ مِنْهُ (آيَتَيْنِ) هُمَا آمَنَ الرَّسُولُ إِلَى آخِرِهِ (خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَلَا تُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ) ، أَيْ مَكَانٍ مِنْ بَيْتٍ وَغَيْرِهِ (فَيَقْرَبُهَا الشَّيْطَانُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ نَصْبًا وَرَفْعًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: لَا تُوجَدُ قِرَاءَةٌ يَعْقُبُهَا قُرْبَانٌ يَعْنِي أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ عَطْفًا عَلَى الْمَنْفِيِّ، وَالنَّفْيُ سُلِّطَ عَلَى الْمَجْمُوعِ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْجَمْعِيَّةِ، أَيْ لَا تَجْتَمِعُ الْقِرَاءَةُ وَقُرْبُ الشَّيْطَانِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ.
следующие страницы →