← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

٢١٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ " فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّورَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: مَا أُنْزِلَتْ، وَلَمْ يَذْكُرْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ــ ٢١٤٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَرَأَ» ) ، أَيْ أُبَيٌّ (أُمَّ الْقُرْآنِ) يَعْنِي الْفَاتِحَةَ وَسُمِّيَتْ بِهَا لِاحْتِوَائِهَا وَاشْتِمَالِهَا عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ إِجْمَالًا، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأُمِّ الْأَصْلُ فَهِيَ أَصْلُ قَوَاعِدِ الْقُرْآنِ وَيَدُورُ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْإِيمَانِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ طَابَقَ هَذَا جَوَابًا عَنِ السُّؤَالِ بِقَوْلِهِ كَيْفَ تَقْرَأُ لِأَنَّهُ سُؤَالٌ عَنْ حَالَةِ الْقِرَاءَةِ لَا نَفْسًا؟ قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَدَّرَ فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ مُرَتِّلًا وَمُجَوِّدًا، أَوْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﵊ سَأَلَ عَنْ حَالِ مَا يقَرَأُهُ فِي الصَّلَاةِ أَهِيَ سُورَةٌ جَامِعَةٌ حَاوِيَةٌ لِمَعَانِي الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟ فَلِذَلِكَ جَاءَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ، أَيْ هِيَ جَامِعَةٌ لِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَأَصْلٌ لَهَا ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ» ) ، أَيْ فِي بَقِيَّةِ الْقُرْآنِ سُورَةٌ (مِثْلُهَا وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِي) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَيَانِيَّةً أَوْ تَبْعِيضَيَّةً (وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ) مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ لِلْمُبَالَغَةِ (الَّذِي أُعْطِيتُهُ) ، أَيْ وَلَمْ يُعْطَهُ نَبِيٌّ غَيْرِي (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، أَيْ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مِنْ قَوْلِ: مَا أُنْزِلَتْ، وَلَمْ يَذْكُرْ) ، أَيْ الدَّارِمِيُّ (أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) ، أَيْ قِصَّتُهُ الْكَائِنَةُ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .

стр. 3047

٢١٤٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَاقْرَءُوهُ، فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَ فَقَرَأَ وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا تَفُوحُ رِيحُهُ كُلَّ مَكَانٍ، وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَرَقَدَ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِئَ عَلَى مِسْكٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢١٤٣ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ) ، أَيْ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: تَعَلُّمُ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ فِيهِ فَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ تَبْدِيلٌ وَتَحْرِيفٌ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ أَوِ الْقَرْيَةِ مَنْ يَتْلُو الْقُرْآنَ أَثِمُوا بِأَسْرِهِمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ وَقْفَةٌ، إِذِ الْمُخَاطَبُ بِهِ جَمِيعُ الْأُمَّةِ فَحَيْثُ كَانَ فِيهِمْ عَدَدُ التَّوَاتُرِ مِمَّنْ يَحْفَظُهُ فَلَا إِثْمَ عَلَى أَحَدٍ، نَعَمْ يَتَعَيَّنُ فِي عَدَدِ التَّوَاتُرِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَكُونُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِحَيْثُ لَوْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يُغَيِّرَ أَوْ يُحَرِّفَ شَيْئًا مَنَعُوهُ اهـ وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّرْكَشِيِّ إِنَّ كُلَّ بَلَدٍ لَا بُدَّ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَتْلُو الْقُرْآنَ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ تَعَلُّمَ بَعْضِ الْقُرْآنِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْكُلِّ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ أَحَدٌ يَقْرَأُ أَثِمُوا جَمِيعًا، وَأَيْضًا لَا يَحْصُلُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ إِلَّا بِمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَإِلَّا فَكُلُّ أَهْلِ بَلَدٍ يَقُولُ: لَيْسَ

стр. 3048

عِلْمُ الْقُرْآنِ فَرْضًا عَلَيْنَا فَيَنْجَرُّ إِلَى فَسَادِ الْعَالِمِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّوَوِيِّ: وَالِاشْتِغَالُ بِحِفْظِ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِحِفْظِهِ أَفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ دُونَ فَرْضِ الْعَيْنِ مِنْهَا (فَاقْرَءُوهُ) ، أَيْ بَعْدَ التَّعَلُّمِ وَعَقِيبِهِ، وَفَى نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ أَمْرٌ بِالْأَكْمَلِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالتَّعَلُّمِ وَأَنَّهُ يَجِبُ التَّجْوِيدُ وَأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَشَايِخِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ " فَاقْرَءُوهُ " كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أَيْ تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَدَاوِمُوا تِلَاوَتَهُ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَ فَقَرَأَ وَقَامَ بِهِ) ، أَيْ دَاوَمَ عَلَى قِرَاءَتِهِ أَوْ دَاوَمَ بِهِ (كَمَثَلِ جِرَابٍ) بِالْكَسْرِ وَالْعَامَّةُ تَفْتَحُهُ، قِيلَ: لَا تَفْتَحِ الْجِرَابَ وَلَا تَكْسِرِ الْقِنْدِيلَ، وَخَصَّ الْجِرَابَ هُنَا بِالذِّكْرِ احْتِرَامًا لِأَنَّهُ مِنْ أَوْعِيَةِ الْمِسْكِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّقْدِيرُ: فَإِنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ لِأَجْلِ مَنْ تَعَلَّمَهُ كَضَرْبِ الْمَثَلِ لِلْجَوَابِ، فَمَثَلُ مُبْتَدَأٌ وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ وَاللَّامُ فِي لِمَنْ تَعَلَّمَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ كَمَثَلٍ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُضَافِ أَيْضًا وَالتَّشْبِيهُ إِمَّا مُفْرَدٌ وَإِمَّا مُرَكَّبٌ (مَحْشُوٌّ) ، أَيْ مَمْلُوءٌ مَلْأً شَدِيدًا بِأَنْ حُشِيَ بِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ مُتَّسَعٌ لِغَيْرِهِ (مِسْكًا) نَصْبُهُ عَلَى التَّمْيِيزِ (تَفُوحُ رِيحُهُ) ، أَيْ تَظْهَرُ وَتَصِلُ رَائِحَتُهُ (كُلَّ مَكَانٍ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي صَدْرَ الْقَارِئِ كَجِرَابٍ وَالْقُرْآنُ فِيهِ كَالْمِسْكِ فَإِنَّهُ إِذَا قَرَأَ وَصَلَتْ بَرَكَتُهُ إِلَى تَالِيهِ وَسَامِعِيهِ، قُلْتُ: وَلَعَلَّ إِطْلَاقَ الْمَكَانِ لِلْمُبَالَغَةِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَعَ أَنَّ التَّدْمِيرَ وَالْإِيتَاءَ خَاصٌّ (وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، أَيْ مَثَلُ رِيحِ مَنْ تَعَلَّمَهُ (فَرَقَدَ) ، أَيْ نَامَ عَنِ الْقِيَامِ وَغَفَلَ عَنِ الْقِرَاءَةِ أَوْ كِنَايَةٌ عَنْ تَرْكِ الْعَمَلِ (وَهُوَ) ، أَيِ الْقُرْآنُ (فِي جَوْفِهِ) ، أَيْ فِي قَلْبِهِ (كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِئَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ رُبِطَ (عَلَى مِسْكٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ شُدَّ بِالْوِكَاءِ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْأَوْعِيَةُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: فَإِنَّ مَنْ قَرَأَ تَصِلُ بَرَكَتُهُ مِنْهُ إِلَى بَيْتِهِ وَإِلَى السَّامِعِينَ وَيَحْصُلُ اسْتِرَاحَةٌ وَثَوَابٌ إِلَى حَيْثُ يَصِلُ صَوْتُهُ، فَهُوَ كَجِرَابٍ مَمْلُوءٍ مِنَ الْمِسْكِ إِذَا فَتَحَ رَأْسَهُ تَصِلُ رَائِحَتُهُ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ حَوْلَهُ، وَمَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَقْرَأْ لَمْ تَصِلْ بَرَكَتُهُ مِنْهُ لَا إِلَى نَفْسِهِ وَلَا إِلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ كَجِرَابٍ مَشْدُودٍ رَأْسُهُ وَفِيهِ مِسْكٌ فَلَا تَصِلُ رَائِحَتُهُ مِنْهُ إِلَى أَحَدٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ.

стр. 3049

٢١٤٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَرَأَ حم الْمُؤْمِنَ إِلَى إِلَيْهِ الْمَصِيرُ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَرَأَ بِهِمَا حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبِحَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢١٤٤ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَرَأَ حم الْمُؤْمِنَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَجَرِّ الْمُؤْمِنِ وَنَصْبِهِ (إِلَى إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) يَعْنِي " ﴿حم - تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ - غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ١ - ٣] " (وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ) وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا وَتَأْخِيرُهَا، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا تَقْدِيمُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ فِي الْحِصْنِ (حِينَ يُصْبِحُ) ، أَيْ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ بَعْدَهَا وَهُوَ ظَرْفُ يَقْرَأُ (حُفِظَ بِهِمَا) ، أَيْ بِقِرَاءَتِهِمَا وَبَرَكَتِهِمَا (حَتَّى يُمْسِيَ) ، أَيْ يَدْخُلُ اللَّيْلِ لِأَنَّ الْإِمْسَاءَ ضِدُّ الْإِصْبَاحِ كَمَا أَنَّ الْمَسَاءَ ضِدُّ الصَّبَاحِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَالصِّحَاحِ (وَمَنْ قَرَأَ بِهِمَا) قَرَأَهُ وَبِهِ لُغَتَانِ (حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبِحَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ.

стр. 3050

٢١٤٥ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلَا تُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبَهَا الشَّيْطَانُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢١٤٥ - (وَعَنِ النُّعْمَانِ) بِضَمِّ النُّونِ (ابْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا) ، أَيْ أَمَرَ مَلَائِكَتَهُ بِكِتَابَةِ الْقُرْآنِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَقِيلَ: أَيْ أَثْبَتَ ذَلِكَ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنْ مَطَالِعِ الْعُلُومِ الْغَيْبِيَّةِ (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: كِتَابَةُ مَقَادِيرِ الْخَلَائِقِ قَبْلَ خَلْقِهَا بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ كَمَا وَرَدَ لَا تُنَافِي كِتَابَةَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ بِأَلْفَيْ عَامٍ لِجَوَازِ اخْتِلَافِ أَوْقَاتِ الْكِتَابَةِ فِي اللَّوْحِ وَلِجَوَازِ أَنْ لَا يُرَادَ بِهِ التَّحْدِيدُ، بَلْ مُجَرَّدُ السَّبْقِ الدَّالِّ عَلَى الشَّرَفِ اهـ وَلِجَوَازِ مُغَايَرَةِ الْكِتَابَيْنِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَتَدَبَّرْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (أَنْزَلَ مِنْهُ) ، أَيْ مِنْ جُمْلَةِ مَا فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ، وَفَى أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: أَنْزَلَ فِيهِ، وَالرِّوَايَةُ مِنْهُ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ الْخُلَاصَةَ أَنِ الْكَوَائِنَ كُتِبَتْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْقُرْآنُ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ فَأَظْهَرَ كِتَابَةَ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، وَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَأَنْزَلَهُمَا مَخْتُومًا بِهِمَا أُولَى الزَّهْرَاوَيْنِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: أَنْزَلَ فِيهِ إِلَّا مَا أَصْلَحَ، وَالرِّوَايَةُ أَنْزَلَ مِنْهُ (آيَتَيْنِ) هُمَا آمَنَ الرَّسُولُ إِلَى آخِرِهِ (خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَلَا تُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ) ، أَيْ مَكَانٍ مِنْ بَيْتٍ وَغَيْرِهِ (فَيَقْرَبُهَا الشَّيْطَانُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ نَصْبًا وَرَفْعًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: لَا تُوجَدُ قِرَاءَةٌ يَعْقُبُهَا قُرْبَانٌ يَعْنِي أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ عَطْفًا عَلَى الْمَنْفِيِّ، وَالنَّفْيُ سُلِّطَ عَلَى الْمَجْمُوعِ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْجَمْعِيَّةِ، أَيْ لَا تَجْتَمِعُ الْقِرَاءَةُ وَقُرْبُ الشَّيْطَانِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ.

стр. 3051

٢١٤٦ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ــ ٢١٤٦ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» ) وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الثَّلَاثِ لِتَضَمُّنِهَا الْكِتَابَ الْمَحْفُوظَ مِنَ الْعِوَجِ الذى يُرِيدُهُ ذَلِكَ اللَّعِينُ وَمِنْ تَبْشِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْأَجْرِ الْحَسَنِ وَإِنْذَارِ الْكَافِرِينَ بِالْعَذَابِ الْمُؤَبَّدِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .

стр. 3052

٢١٤٧ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا وَقَلْبُ الْقُرْآنِ يس، وَمَنْ قَرَأَ يس كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَشْرَ مَرَّاتٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢١٤٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وَقَلْبُ الْقُرْآنِ) ، أَيْ لُبُّهُ وَخَالِصُهُ الْمُودَعُ فِيهِ الْمَقْصُودُ (يس) ، أَيْ سُورَتُهَا لِأَنَّ أَحْوَالَ الْقِيَامَةِ مَذْكُورَةٌ فِيهَا مُسْتَقْصَاةٌ بِحَيْثُ لَمْ تَكُنْ فِي سُورَةٍ سِوَاهَا مِثْلَ مَا فِيهَا، وَلِذَا خُصَّتْ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْمَوْتَى أَوْ لِكَوْنِ قِرَاءَتِهَا تُحْيِيِ قُلُوبَ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ وَتُقَلِّبُهَا مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَلْبٌ لَكَانَ " يس " قَلْبُهُ، قُلْتُ: هَذَا قَلْبُ الْكَلَامِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ، وَمَا أَطْيَبَ مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ أَنَّهُ لِاحْتِوَائِهَا مَعَ قَصْرِهَا عَلَى الْبَرَاهِينِ السَّاطِعَةِ وَالْآيَاتِ الْقَاطِعَةِ وَالْعُلُومِ الْمَكْنُونَةِ وَالْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ وَالْمَوَاعِيدِ الْفَائِقَةِ وَالزَّوَاجِرِ الْبَالِغَةِ اهـ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ لَمْ يُدْرِكِ الْحَقَائِقَ وَالْمَعَانِي، وَنَظَرُهُ الْمَحْسُوسُ مَحْصُورٌ عَلَى الْأَلْفَاظِ وَالْمَبَانِي أَنَّهُ سُمِّيَ قَلْبًا لِوُقُوعِهِ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ مَعَ السَّبْعِ الْمَثَانِي أَوْ لِكَوْنِ جُمْلَةٍ فِيهَا تُقْرَأُ طَرْدًا وَعَكْسًا وَهِيَ (كُلٌّ فِي فَلَكٍ) وَلَا يَلْزَمُ الِاطِّرَادُ فِي وَجْهِ التَّسْمِيَةِ حَتَّى لِمُجَرَّدِ أَنَّهَا وَرَدَتْ فِي غَيْرِهَا أَيْضًا، وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنَّ الْإِيمَانَ صِحَّتُهُ بِالِاعْتِرَافِ بِالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَهُوَ مُقَرَّرٌ فِيهَا بِأَبْلَغِ وَجْهٍ فَكَانَتْ قَلْبَ الْقُرْآنِ لِذَلِكَ، وَاسْتَحْسَنَهُ الْفَخْرُ الرَّازِّيُّ، وَقَالَ النَّسَفِيُّ: لِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا إِلَّا تَقْرِيرُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ

стр. 3053

الْوَحْدَانِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَالْحَشْرِ وَهَذِهِ تَتَعَلَّقُ بِالْقَلْبِ لَا غَيْرَ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِاللِّسَانِ وَالْأَرْكَانِ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِهَا، فَلَمَّا كَانَ فِيهَا أَعْمَالُ الْقَلْبِ لَا غَيْرَ سُمِّيَتْ قَلْبًا، وَلِهَذَا أَمَرَ ﵊ بِقِرَاءَتِهَا عِنْدَ الْمُحْتَضِرِ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَكُونُ الْجَنَانُ ضَعِيفَ الْقُوَّةِ وَالْأَعْضَاءُ سَاقِطَةً، لَكِنَّ الْقَلْبَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى اللَّهِ وَرَجَعَ عَمَّا سِوَاهُ فَيُقْرَأُ عِنْدَهُ مَا يَزْدَادُ بِهِ قُوَّةً فِي قَلْبِهِ وَيَشُدُّ بِهِ تَصْدِيقَهُ بِالْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ اهـ وَهُوَ غَايَةُ الْمُنَى، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَفِيهِ كَالَّذِي قَبْلَهُ نَظَرٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَوْجُودٌ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ ( «وَمَنْ قَرَأَ يس كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ» ) ، أَيْ ثَوَابَهَا (عَشْرَ مَرَّاتٍ) ، أَيْ مِنْ غَيْرِهَا، وَلِلَّهِ - تَعَالَى - أَنْ يَخُصَّ مَا شَاءَ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِمَا أَرَادَ مِنْ مَزِيدِ الْفَضْلِ كَلَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الْأَزْمِنَةِ وَالْحَرَمِ مِنَ الْأَمْكِنَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ رَاوِيَهُ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الصِّنَاعَةِ مِنْ رِجَالِ الْحَدِيثِ فَهُوَ نَكِرَةٌ لَا يَتَعَرَّفُ اهـ وَفَى الْحِصْنِ ( «قَلْبُ الْقُرْآنِ يس لَا يَقْرَأُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ اللَّهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ، اقْرَؤُوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ» ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ كُلُّهُمْ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ اهـ وَفِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ مَوْصُولٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: «إِنَّ الْقُرْآنَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ دُونَ اللَّهِ، فَمَنْ وَقَّرَ الْقُرْآنَ فَقَدْ وَقَّرَ اللَّهَ، وَمَنْ لَمْ يُوَقِّرِ الْقُرْآنَ فَقَدِ اسْتَخَفَّ بِحَقِّ اللَّهِ، وَحُرْمَةُ الْقُرْآنِ عِنْدَ اللَّهِ كَحُرْمَةِ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ، الْقُرْآنُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَمَاحِلٌ مُصَدَّقٌ، فَمَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ شُفِّعَ، وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ صُدِّقَ، وَمَنْ جَعَلَ الْقُرْآنَ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ، وَحَمَلَةُ الْقُرْآنِ هُمُ الْمَحْفُوفُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ الْمُكْتَسِبُونَ نُورَ اللَّهِ الْمُتَعَلِّمُونَ كَلَامَ اللَّهِ، مَنْ عَادَاهُمْ فَقَدْ عَادَى اللَّهَ، وَمَنْ وَالَاهُمْ فَقَدْ وَالَى اللَّهَ، يَا حَمَلَةَ كِتَابِ اللَّهِ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ بِتَوْقِيرِ كِتَابِهِ يَزِدْكُمْ حُبًّا وَيُحَبِّبْكُمْ إِلَى خَلْقِهِ، يَدْفَعُ عَنْ مُسْتَمِعِ الْقُرْآنِ سُوءَ الدُّنْيَا، وَيَدْفَعُ عَنْ تَالِيِ الْقُرْآنِ بَلْوَى الْآخِرَةِ، وَمُسْتَمِعِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ صَبْرٍ ذَهَبًا، وَتَالِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ فِي الْقُرْآنِ لَسُورَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ يُدْعَى صَاحِبُهَا الشَّرِيفَ عِنْدَ اللَّهِ يَشْفَعُ صَاحِبُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَكْثَرِ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَهِيَ سُورَةُ يس» .

стр. 3054

٢١٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَرَأَ طه وَيس قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفِ عَامٍ، فَلَمَّا سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ الْقُرْآنَ قَالَتْ: طُوبَى لِأُمَّةٍ يَنْزِلُ هَذَا عَلَيْهَا وَطُوبَى لِأَجْوَافٍ تَحْمِلُ هَذَا وَطُوبَى لِأَلْسِنَةٍ تَتَكَلَّمُ بِهَذَا» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٢١٤٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَرَأَ طه وَيس» ) ، أَيْ أَظْهَرَ قِرَاءَتَهُمَا وَبَيَّنَ ثَوَابَ تِلَاوَتِهِمَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ أَفْهَمَهُمَا مَلَائِكَتَهُ وَأَلْهَمَهُمْ مَعْنَاهُمَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَمَرَ بَعْضَهُمْ بِقِرَاءَتِهَا عَلَى الْبَقِيَّةِ إِعْلَامًا لَهُمْ بِشَرَفِهِمَا، وَيُحْتَمَلُ بَقَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ - تَعَالَى - أَسْمَعَهُمْ كَلَامَهُ النَّفْسِيَّ بِهِمَا إِجْلَالًا لَهُمَا بِذَلِكَ، وَهَذَا الْإِسْمَاعُ يُسَمَّى قِرَاءَةً كَمَا أَنَّ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ يُسَمَّى قُرْآنًا حَقِيقَةً، وَخُصَّتَا بِذَلِكَ لِافْتِتَاحِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ الدَّالَّةِ عَلَى غَايَةِ كَمَالِهِ وَنِهَايَةِ إِجْلَالِهِ (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفِ عَامٍ فَلَمَّا سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ الْقُرْآنَ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِزَمَانٍ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ الْقِرَاءَةُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا، أَيْ هَذَا الْجِنْسُ مِنَ الْقُرْآنِ وَسَمَّاهُ قُرْآنًا تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الْبَعْضِ (قَالَتْ) ، أَيِ الْمَلَائِكَةُ الَّتِي سَمِعُوهَا (طُوبَى) ، أَيِ الْحَالَةُ الطَّيِّبَةُ وَالرَّاحَةُ الْكَامِلَةُ حَاصِلَةٌ (لِأُمَّةٍ يَنْزِلُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَوِ الْمَعْلُومِ (هَذَا) ، أَيِ الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ أَوْ مَا ذَكَرَ مِنْ طَه وَيس خُصُوصًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ أَوْ هَذَا وَنَحْوِهِ عُمُومًا (عَلَيْهَا) بِسَبَبِ إِيمَانِهَا بِهِمَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِطُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ فِي كُلِّ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الْجَنَّةِ مِنْهَا غُصْنٌ، أَقُولُ: وَهَذِهِ طُوبَى مِنْ تِلْكَ الطُّوبَى قَالَ - تَعَالَى - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩] (وَطُوبَى لِأَجْوَافٍ تَحْمِلُ هَذَا) ، أَيْ بِالْحِفْظِ وَالْمُحَافَظَةِ (وَطُوبَى لِأَلْسِنَةٍ تَتَكَلَّمُ بِهَذَا) ، أَيْ تَقْرَؤُهُ غَيْبًا أَوْ نَظَرًا وَلَعَلَّهُ لَمْ يَقُلْ وَطُوبَى لِآذَانٍ تَسْمَعُ بِهَذَا لِدُخُولِهِ فِي أُمَّةٍ نَزَلَ عَلَيْهَا (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

стр. 3055

٢١٤٩ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَرَأَ حم الدُّخَانِ فِي لَيْلَةٍ أَصْبَحَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعُمَرُ بْنُ أَبِي خَثْعَمٍ الرَّاوِي يُضَعَّفُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ -: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. ــ ٢١٤٩ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَرَأَ حم الدُّخَانِ) تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ (فِي لَيْلَةٍ) ، أَيُّ لَيْلَةٍ كَانَتْ (أَصْبَحَ) ، أَيْ يَدْخُلُ فِي الصَّبَاحِ أَوْ صَارَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ (يَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مِنْ حِينِ قِرَاءَتِهَا إِلَى الصُّبْحِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ دَائِمًا نَعَمْ فَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حديِثٌ غَرِيبٌ، وَعُمَرُ بْنُ أَبِي خَثْعَمٍ الرَّاوِي يُضَعَّفُ) ، أَيْ فِي الْحَدِيثِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) ، أَيْ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ (يَعْنِي) ، أَيْ يُرِيدُ التِّرْمِذِيُّ بِمُحَمَّدٍ (الْبُخَارِيَّ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (هُوَ) ، أَيْ عُمَرُ بْنُ أَبِي خَثْعَمٍ (مُنْكَرُ الْحَدِيثِ) قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ أَشَدُّ جَرْحًا مِنْ قَوْلِهِمْ ضَعِيفٌ.

стр. 3056

٢١٥٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَرَأَ حم الدُّخَانِ فِي لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ غُفِرَ لَهُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، وَهِشَامُ أَبُو الْمِقْدَامِ الرَّاوِي يُضَعَّفُ. ــ ٢١٥٠ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ حم الدُّخَانِ فِي لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ» ) بِضَمِّهِمَا وَيَسْكُنُ الثَّانِي (غُفِرَ لَهُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، وَفَى نُسْخَةٍ بِالْعَكْسِ، وَفَى نُسْخَةٍ: ضَعِيفٌ بَدَلَ غَرِيبٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْعَكْسِ (وَهِشَامُ أَبُو الْمِقْدَامِ الرَّاوِي يُضَعَّفُ) .

стр. 3057

٢١٥١ - وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَقْرَأُ الْمُسَبِّحَاتِ قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ، يَقُولُ: " إِنَّ فِيهِنَّ آيَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ آيَةٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٢١٥١ - (عَنِ الْعِرْبَاضِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ (ابْنِ سَارِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ الْمُسَبِّحَاتِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ نِسْبَةٌ مَجَازِيَّةٌ وَهِيَ السُّوَرُ الَّتِي فِي أَوَائِلِهَا سُبْحَانَ أَوْ سَبَّحَ بِالْمَاضِي أَوْ يُسَبِّحُ أَوْ سَبِّحْ بِالْأَمْرِ وَهِيَ سَبْعَةٌ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ [الإسراء: ١] وَالْحَدِيدُ وَالْحَشْرُ وَالصَّفُّ وَالْجُمْعَةُ وَالتَّغَابُنُ وَالْأَعْلَى (قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ) ، أَيْ يَنَامَ (يَقُولُ) اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ الْحَامِلِ لَهُ عَلَى قِرَاءَةِ تِلْكَ السُّوَرِ كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ (إِنْ فِيهِنَّ) ، أَيْ فِي الْمُسَبِّحَاتِ (آيَةٌ) ، أَيْ عَظِيمَةٌ (خَيْرٌ) ، أَيْ هِيَ خَيْرٌ (مِنْ أَلْفِ آيَةٍ) قِيلَ: هِيَ " لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ " وَهَذَا مِثْلُ اسْمِ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ فِي الْفَضِيلَةِ فَعَلَى هَذَا فِيهِنَّ، أَيْ فِي مَجْمُوعِهِنَّ، وَعَنِ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ أَنَّهَا " ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] " اهـ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا هِيَ الْآيَةُ الَّتِي صُدِّرَتْ بِالتَّسْبِيحِ، وَفِيهِنَّ بِمَعْنَى جَمِيعِهِنَّ، وَالْخَيْرِيَّةُ لِمَعْنَى الصِّفَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ الْمُلْتَزِمَةِ لِلنُّعُوتِ الْإِثْبَاتِيَّةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَخْفَى الْآيَةَ فِيهَا كَإِخْفَاءِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي اللَّيَالِي وَإِخْفَاءِ سَاعَةِ الْإِجَابَةِ فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ مُحَافَظَةً عَلَى قِرَاءَةِ الْكُلِّ لِئَلَّا تَشُذَّ تِلْكَ الْآيَةُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) ، أَيْ عَنِ الْعِرْبَاضِ.

стр. 3058

٢١٥٢ - وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ مُرْسَلًا. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٢١٥٢ - (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ (مُرْسَلًا) فَإِنَّهُ مِنَ التَّابِعِينَ، قَالَ: لَقِيتُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مِنْ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حديِثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مَرْفُوعًا عَنِ الْعِرْبَاضِ، وَرُوِيَ مَوْقُوفًا مِنْ قَوْلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ - أَحَدِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ - وَهُوَ الْحَدِيدُ وَالْحَشْرُ وَالصَّفُّ وَالْجُمْعَةُ وَالتَّغَابُنُ وَالْأَعْلَى كَذَا فِي الْحِصْنِ، وَيُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالزُّمُرَ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂.

стр. 3059

٢١٥٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ سُورَةً فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ وَهِيَ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢١٥٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ سُورَةً) ، أَيْ عَظِيمَةً (فِي الْقُرْآنِ) ، أَيْ كَائِنَةً فِيهِ، وَنَصْبَ صِفَةً لِاسْمِ إِنَّ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ: فِي بِمَعْنَى مِنْ (ثَلَاثُونَ آيَةً) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هِيَ ثَلَاثُونَ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لَهَا أَيْضًا وَقَوْلُهُ (شَفَعَتْ) بِالتَّخْفِيفِ خَبَرُ إِنَّ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ ثَلَاثُونَ خَبَرٌ لـ (إِنَّ) وَقَوْلُهُ شَفَعَتْ خَبَرٌ ثَانٍ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَوِ اسْتِئْنَافٌ فَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ مَعْنًى قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: شُفِّعَتْ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ مُشَدَّدًا، أَيْ قُبِلَتْ شَفَاعَتُهَا، وَقِيلَ: عَلَى الْفَاعِلِ مُخَفَّفًا وَهَذَا أَقْرَبُ اهـ وَعَلَيْهِ النُّسَخُ الْمَقْرُوأَةُ الْمُصَحَّحَةُ، وَالشَّفَاعَةُ لِلسُّورَةِ إِمَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي عِلْمِ اللَّهِ وَإِمَّا عَلَى الِاسْتِعَارَةِ وَإِمَّا عَلَى أَنَّهَا تَتَجَسَّمُ كَمَا مَرَّ، وَفِي سُوقِ الْكَلَامِ عَلَى الْإِبْهَامِ ثُمَّ التَّفْسِيرُ تَفْخِيمٌ لِلسُّورَةِ، إِذْ لَوْ قِيلَ: إِنَّ سُورَةَ تَبَارَكَ شَفَعَتْ لَمْ تَكُنْ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ: الْبَسْمَلَةُ لَيْسَتْ مِنَ السُّورَةِ وَآيَةٌ تَامَّةٌ مِنْهَا لِأَنَّ كَوْنَهَا ثَلَاثِينَ آيَةً إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا آيَةً تَامَّةً مِنْهَا، وَالْحَالُ أَنَّهَا ثَلَاثُونَ مِنْ غَيْرِ كَوْنِهَا آيَةً تَامَّةً مِنْهَا، فَهِيَ إِمَّا لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْهَا كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْأَكْثَرِينَ، وَإِمَّا لَيْسَتْ بِآيَةٍ تَامَّةٍ بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى كَرِوَايَةٍ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ (لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِشَفَعَتْ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُضِيِّ فِي الْخَبَرِ يَعْنِي كَانَ رَجُلٌ يَقْرَؤُهَا وَيُعَظِّمُ قَدْرَهَا فَلَمَّا مَاتَ شَفَعَتْ لَهُ حَتَّى دُفِعَ عَنْهُ عَذَابُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ، أَيْ تَشْفَعُ لِمَنْ يَقْرَأُهَا فِي الْقَبْرِ أَوْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّنْكِيرُ فِي رَجُلٍ لِلْإِفْرَادِ شَخْصًا، أَيْ شَفَعَتْ لِرَجُلٍ مِنَ الرِّجَالِ، وَلَوْ ذَهَبَ إِلَى أَنْ شَفَعَتْ بِمَعْنَى تُشَفَّعُ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] وَ " ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا﴾ [الفتح: ١] " لَكَانَ إِخْبَارًا عَنِ الْغَيْبِ وَأَنَّ رَجُلًا مَا يَقْرَؤُهَا تَشْفَعُ لَهُ فَيَكُونُ تَحْرِيضًا لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى قِرَاءَتِهَا (وَهِيَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] ، أَيْ إِلَى آخِرِهَا (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: وَدِدْتُ أَنَّهَا فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ.

стр. 3060

٢١٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «ضَرَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خِبَاءَهُ عَلَى قَبْرٍ وَهُوَ لَا يَحْسَبُ أَنَّهُ قَبْرٌ، فَإِذَا فِيهِ إِنْسَانٌ يَقْرَأُ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ حَتَّى خَتَمَهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " هِيَ الْمَانِعَةُ هِيَ الْمُنْجِيَةُ تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢١٥٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَرَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خِبَاءَهُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ وَبَعْدَهُ ضَمِيرٌ، أَيْ خَيْمَتُهُ، وَفَى نُسْخَةٍ: خِبْأَةٌ عَلَى التَّنْكِيرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْخِبَاءُ أَحَدُ بُيُوتِ الْعَرَبِ مِنْ وَبَرٍ أَوْ صُوفٍ وَلَا يَكُونُ مِنْ شَعْرٍ وَيَكُونُ عَلَى عَمُودَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، أَيْ خَيْمَةٌ صَغِيرَةٌ (عَلَى قَبْرٍ) ، أَيْ عَلَى مَوْضِعِ قَبْرٍ (وَهُوَ) ، أَيِ الصَّحَابِيُّ (لَا يَحْسَبُ) بِفَتْحِ السِّينِ أَوْ كَسْرِهَا، أَيْ لَا يَظُنُّ (أَنَّهُ قَبْرٌ) ، أَيْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ مَوْضِعُ قَبْرٍ (فَإِذَا) لِلْمُفَاجَأَةِ (فِيهِ) ، أَيْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ (إِنْسَانٌ) ، أَيْ مَدْفُونٌ سَمِعَهُ فِي النَّوْمِ أَوِ الْيَقَظَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُعَيَّنٌ وَأَنَّهُ مُبْهَمٌ (يَقْرَأُ سُورَةَ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ حَتَّى خَتَمَهَا) قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ هُوَ الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ هَذَا عَلَى ذَلِكَ كَانَ إِخْبَارًا عَنِ الْمَاضِي وَإِلَّا كَانَ إِخْبَارًا بِالْغَيْبِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَمْوَاتِ يَصْدُرُ مِنْهُ مَا يَصْدُرُ عَنِ الْأَحْيَاءِ (فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، أَيْ صَاحِبُ الْخَيْمَةِ (فَأَخْبَرَهُ) ، أَيْ بِمَا سَمِعَهُ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هِيَ) ، أَيْ سُورَةُ الْمُلْكِ (الْمَانِعَةُ) ، أَيْ تَمْنَعُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ مِنَ الْمَعَاصِي الَّتِي تُوجِبُ عَذَابَ الْقَبْرِ أَوِ الْمَانِعَةُ لِقَارِئِهَا عَنْ أَنْ يَنَالَهُ مَكْرُوهٌ فِي الْمَوْقِفِ مَنْعًا كَامِلًا (هِيَ الْمُنْجِيَةُ تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ) ، أَيْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ أَوِ الثَّانِيَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأَوْلَى وَالْعَذَابُ مُطْلَقٌ أَوْ مُقَيَّدٌ بِالْقَبْرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ: هِيَ الْمَانِعَةُ هِيَ الْمُنْجِيَةُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، أَوِ الثَّانِيَةُ مُفَسِّرَةٌ وَمِنْ ثَمَّةَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ " تُنْجِيهِ " ثُمَّ الْجُمْلَتَانِ مُبَيَّنَتَانِ لِلشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)

стр. 3061

٢١٥٥ - وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ الم تَنْزِيلُ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَكَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ غَرِيبٌ. ــ ٢١٥٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ الم تَنْزِيلُ» ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إِلَيْهِ (وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى غَايَةَ لَا يَنَامُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: إِذَا دَخَلَ وَقْتُ النَّوْمِ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَهُمَا، وَأَنْ يَكُونَ لَا يَنَامُ مُطْلَقًا حَتَّى يَقْرَأَهُمَا، وَالْمَعْنَى: لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ النَّوْمُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فَتَقَعُ الْقِرَاءَةُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ النَّوْمِ، أَيْ وَقْتَ كَانَ، وَلَوْ قِيلَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُهُمَا بِاللَّيْلِ لَمْ يُفِدْ هَذِهِ الْفَائِدَةَ اهـ وَالْفَائِدَةُ هِيَ إِفَادَةُ الْقَبْلِيَّةِ، وَلَا يُشَكُّ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ أَظْهَرُ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَى تَقْدِيرٍ يُفْضِي إِلَى تَضْيِيقٍ، وَمِنْ أَغْرَبِ الْغَرَائِبِ أَنَّ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: قَوْلُهُ لَا يَنَامُ، أَيْ لَا يُرِيدُ النَّوْمَ إِذَا دَخَلَ وَقْتُهُ لِيُفِيدَ مَا قَرَّرَهُ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ يُسَنُّ قِرَاءَةُ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ مَعَ سُوَرٍ أُخْرَى كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ النَّوْمِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ النَّسَائِيِّ فِي الثَّانِيَةِ: إِنَّ مَنْ قَرَأَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ مَنَعَهُ اللَّهُ بِهَا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَمَا وَقَعَ لِشَارِحٍ هُنَا مِمَّا يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ لَا يَنَامُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ بَلْ كَانَ يَقْرَأُهُمَا وَإِنْ كَانَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ النَّوْمِ غَفْلَةً عَمَّا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ مِمَّا ذَكَرْتُهُ اهـ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَا فَهِمَ كَلَامَ الطِّيبِيِّ أَوْ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ وَإِلَّا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامِهِ وَكَلَامِهِمْ عِنْدَ ذَوِي الْأَفْهَامِ مَعَ غَرَابَةِ عِبَارَتِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْمَنَامَ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَكَذَا) ، أَيْ هُوَ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ غَرِيبٌ) ، أَيْ هُوَ غَرِيبٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ صَحِيحًا لِأَنَّ الْغَرِيبَ قَدْ يَكُونُ صَحِيحًا اهـ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفَهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ كُلُّهُمْ عَنْ جَابِرٍ.

стр. 3062

٢١٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا زُلْزِلَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ الْقُرْآنِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٢١٥٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا زُلْزِلَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ الْقُرْآنِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَقْصُودُ مِنَ الْقُرْآنِ بَيَانُ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ وَإِذَا زُلْزِلَتْ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرِ الْمَعَادِ فَقَطْ مُسْتَقِلَّةٌ بِبَيَانِ أَحْوَالِهِ إِجْمَالًا، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهَا تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْقُرْآنَ يَشْتَمِلُ عَلَى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّاتِ وَبَيَانِ أَحْكَامِ الْمَعَاشِ وَأَحْوَالِ الْمَعَادِ، وَهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْأَخِيرِ، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ مُحْتَوِيَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ عَنِ الشِّرْكِ إِثْبَاتٌ لِلتَّوْحِيدِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رُبْعَ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُحْمَلْ عَلَى التَّسْوِيَةِ لِئَلَّا يَلْزَمَ فَضْلُ إِذَا زُلْزِلَتْ عَلَى سُورَةِ الْإِخْلَاصِ اهـ وَفِيهِ أَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ فَلَا بُدَّ فِيهَا أَيْضًا مِنَ التَّأْوِيلِ، ثُمَّ قِيلَ: هَذِهِ تَوْجِيهَاتٌ بِمَبْلَغِ عِلْمِنَا وَفَهْمِنَا فَلَا تَخْلُو عَنْ قُصُورٍ وَاحْتِمَالٍ، وَأَمَّا الْحَقِيقَةُ فَإِنَّمَا تُتَلَقَّى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّهُ الَّذِي يُنْتَهَى إِلَيْهِ فِي مَعْرِفَةِ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَالْكَشْفِ عَنْ خَفِيَّاتِ الْعُلُومِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَمَّا الْفَقْرَةُ الْأُولَى فَهِيَ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ رُبْعِ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَأَمَّا الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ كُلِّهِمْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.

стр. 3063

٢١٥٧ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَقَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢١٥٧ - (وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ) ، أَيْ يَدْخُلُ فِي الصَّبَاحِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ) ، أَيْ بِمَقَالِي (الْعَلِيمِ) بِحَالِي (مِنَ الشيِطانِ الرَّجِيمِ) ، أَيْ مِنْ إِغْوَائِهِ، وَالتَّكْرَارُ لِلْإِلْحَاحِ فِي الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ خَبَرٌ لَفْظًا دُعَاءٌ مَعْنًى، أَوِ التَثْلِيثُ لِمُنَاسَبَةِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ حَتَّى لَا يَمْنَعَ الْقَارِئُ عَنْ قِرَاءَتِهَا وَالتَّدَبُّرِ فِي مَعَانِيهَا وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ مَا فِيهَا (فَقَرَأَ) ، أَيْ بَعْدَ التَّعَوُّذِ الْمَذْكُورِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ أَخْذُ الظَّاهِرِيَّةِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذِهِ الْفَاءُ مُقَابِلَةٌ لِمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ لِأَنَّ الْآيَةَ تُوجِبُ تَقَدُّمَ الْقِرَاءَةِ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ ظَاهِرًا، وَالْحَدِيثُ بِخِلَافِهِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: فَإِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ فَاسْتَعِذْ، وَلَا يَحْسُنُ هَذَا التَّأْوِيلُ فِي الْحَدِيثِ (ثَلَاثَ آيَاتٍ ثُمَّ آخِرُ سُورَةِ الْحَشْرِ) ، أَيْ مِنْ قَوْلِهِ " ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ [الحشر: ٢٢] " إِلَى آخِرِ السُّورَةِ فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الِاسْمِ الْأَعْظَمِ عِنْدَ كَثِيرِينَ (وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ) ، أَيْ يَدْعُونَ لَهُ بِتَوْفِيقِ الْخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ أَوْ يَسْتَغْفِرُونَ لِذُنُوبِهِ (حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا) ، أَيْ حَكِيمًا (وَمَنْ قَالَهَا) ، أَيِ الْكَلِمَاتُ الْمَذْكُورَةُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ:، أَيِ الْقِصَّةُ الْمَذْكُورَةُ (حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ) ، أَيْ بِالْمَرْتَبَةِ الْمَسْطُورَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا نَقْلٌ بِالْمَعْنَى اقْتِصَارًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الصُّبْحَ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ الْفَجْرُ أَوْ أَوَّلُ النَّهَارِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَوَّلَ إِطْلَاقُ الشَّرْعِ وَالثَّانِي عُرْفُ الْمُنَجِّمِينَ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمَسَاءُ وَالْإِمْسَاءُ ضِدُّ الصَّبَاحِ لُغَةً وَالْإِصْبَاحِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّبَاحِ فِيهِ أَوَائِلُ النَّهَارِ عُرْفًا وَبِالْمَسَاءِ أَوَائِلُ اللَّيْلِ عُرْفًا، وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ ذِكْرٍ أُنِيطَ بِالصَّبَاحِ أَوْ بِالْمَسَاءِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا اللُّغَوِيَّ إِذِ الصَّبَاحُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى الزَّوَالِ وَالْمَسَاءُ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ كَمَا قَالَهُ ثَعْلَبٌ وَمَنْ تَبِعَهُ اهـ وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ يَكُونُ شَاذًّا فَلَا مَعْنَى لِلْعُدُولِ عَنْ قَوْلِ الْجُمْهُورِ إِلَى قَوْلِ ثَعْلَبٍ وَجَعْلِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لُغَةً، ثُمَّ لَا مَعْنَى لِلْعُدُولِ عَنِ الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ الْمُطَابِقِ لِلُّغَةِ إِلَى عُرْفِ الْعَامَّةِ سِيَّمَا فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ صَارِفٍ عَنِ الْأَوَّلِ وَبَاعِثٍ عَلَى الثَّانِي (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 3064

٢١٥٨ - وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَرَأَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَتَيْ مَرَّةٍ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مُحِيَ عَنْهُ ذُنُوبُ خَمْسِينَ سَنَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَفِي رِوَايَتِهِ: خَمْسِينَ مَرَّةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ. ــ ٢١٥٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ قَرَأَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَتَيْ مَرَّةٍ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، أَيْ إِلَى آخِرِهِ أَوْ هَذِهِ السُّورَةَ (مُحِيَ عَنْهُ) ، أَيْ عَنْ كِتَابِ أَعْمَالِهِ (ذُنُوبُ خَمْسِينَ سَنَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) ، أَيْ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَنْبٌ يَكُونُ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ كَمُطْلٍ فِي الْحَيَاةِ وَعَدَمِ وَصِيَّةٍ فِي الْمَمَاتِ، هَذَا مَا سَنَحَ لِي وَهُوَ كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ» ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: جُعِلَ الدَّيْنُ مِنْ جِنْسِ الذُّنُوبِ تَهْوِيلًا لِأَمْرِهِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ مَعَ أَنَّهُ قَيَّدَ الذُّنُوبَ بِالصَّغَائِرِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللَّهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَفِي رِوَايَتِهِ) ، أَيْ الدَّارِمِيُّ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لِلدَّارِمِيِّ (خَمْسِينَ مَرَّةً) ، أَيْ بَدَلَ مِائَتَيْ مَرَّةٍ وَهِيَ أَظْهَرُ فِي الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالثَّوَابِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مُفَوَّضٌ إِلَيْهِ ﷺ (وَلَمْ يَذْكُرْ) ، أَيِ الدَّارِمِيُّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) لِمَا تَقَرَرَ أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ مِمَّا لَا مُسَامَحَةَ فِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: الدَّيْنُ وَلَوْ لِلَّهِ - تَعَالَى - كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ فَلَا يُمْحَى بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ شَائِبَةً قَوِيَّةً لِلْآدَمِيِّ لِأَنَّهُ الَّذِي يُصْرَفُ إِلَيْهِ فَلَمْ يَمْحُهُ ذَلِكَ فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالدَّيْنِ دَيْنُ الْعِبَادِ فَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ دَيْنُ اللَّهِ فَمِنْ أَيْنَ الْجَزْمُ بِاسْتِثْنَاءِ هَذَا النَّوْعِ مِنْهُ.

стр. 3065

٢١٥٩ - وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ فَنَامَ عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ قَرَأَ مِائَةَ مَرَّةٍ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَقُولُ لَهُ الرَّبُّ: يَا عَبْدِي ادْخُلْ عَلَى يَمِينِكَ الْجَنَّةَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٢١٥٩ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ عَنْ أَنَسٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ أَرَادَ) وَفِي نُسْخَةٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ: قَالَ مَنْ أَرَادَ (أَنْ يَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ فَنَامَ) عَطْفٌ عَلَى أَرَادَ وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ (عَلَى يَمِينِهِ) ، أَيْ عَلَى وَجْهِ السِّنَةِ (ثُمَّ قَرَأَ مِائَةَ مَرَّةٍ) ثُمَّ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ لَهُ الرَّبُّ) الشَّرْطُ مَعَ جَزَائِهِ الَّذِي هُوَ يَقُولُ جَزَاءً يَقُولُ جَزَاءً لِلشَّرْطِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ مَنْ، وَلَمْ يَعْمَلِ الشَّرْطُ الثَّانِي فِي جَزَائِهِ أَعْنِي يَقُولُ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَاضٍ فَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ إِذًا فَلَا يَعْمَلُ فِي الْجَزَاءِ (يَا عَبْدِي) ، أَيِ الْمَخْصُوصُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي تَوْحِيدِي (ادْخُلْ عَلَى يَمِينِكَ) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ ادْخُلْ فَطَابَقَ هَذَا قَوْلَهُ " فَنَامَ عَلَى يَمِينِهِ " يَعْنِي أَنْتَ إِذَا أَطَعْتَ رَسُولِي وَاضْطَجَعْتَ عَلَى يَمِينِكَ وَقَرَأْتَ السُّورَةَ الَّتِي فِيهَا صِفَاتِي فَأَنْتَ الْيَوْمَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَادْخُلْ مِنْ جِهَةِ يَمِينِكَ (الْجَنَّةُ) وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَسَاتِينَ الْجَنَّةِ وَقُصُورَهَا الَّتِي فِي جَانِبِ الْيَمِينِ أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي فِي جَانِبِ الْيَسَارِ، وَإِنْ كَانَتْ تَانِكَ الْجِهَتَانِ يَمِينًا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ أَصْنَافٌ ثَلَاثَةٌ: مُقَرَّبُونَ وَهُمْ أَصْحَابُ عِلِّيِّينَ وَأَبْرَارٌ وَهُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ وَعُصَاةٌ مَغْفُورُونَ أَوْ مُشَفَّعُونَ أَوْ مُطَهَّرُونَ وَهُمْ أَصْحَابُ الْيَسَارِ، وَيُقْتَبَسُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ - جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٣] أَيِ الْعِبَادُ الْمُصْطَفُونَ مِنَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا مُكَافَأَةٌ لِطَاعَتِهِ لِلرَّسُولِ ﷺ فِي الِاضْطِجَاعِ عَلَى الْيَمِينِ وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ الَّتِي فِيهَا صِفَاتُهُ - تَعَالَى - فَيَجْعَلُ مَنْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ مِنَ الْجَانِبِ الْيَمِينِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَيَنْبَغِي لِمَنْ بَلَّغَهُ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ شَيْءٌ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَلَوْ مَرَّةً وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا لِأَنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ فِي ذَلِكَ اتِّفَاقًا.

стр. 3066

٢١٦٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَقَالَ: " وَجَبَتْ " قُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: " الْجَنَّةُ» " رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ٢١٦٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَقَالَ: وَجَبَتْ» ) ، أَيْ لَهُ (فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ؟) ، أَيْ وَمَا مَعْنَى قَوْلِكَ جَزَاءً لِقِرَاءَتِهِ وَجَبَتْ أَوْ مَا فَاعِلُ وَجَبَتْ (قَالَ: الْجَنَّةُ) ، أَيْ بِمُقْتَضَى وَعْدِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ الَّذِي لَا يَخْلُفُهُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١] (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 3067

٢١٦١ - وَعَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ إِذَا أَوَيْتُ إِلَى فِرَاشِي، فَقَالَ: " اقْرَأْ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢١٦١ - (وَعَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ أَبِيهِ) فِي التَّقْرِيبِ: فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيُّ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الصُّحْبَةَ لِأَبِيهِ وَهُوَ مِنَ الثَّالِثَةِ (أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ إِذَا أَوَيْتُ) بِالْقَصْرِ وَيُمَدُّ، أَيْ هَوَيْتُ (إِلَى فِرَاشِي، قَالَ: اقْرَأْ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ، أَيْ إِلَى آخِرِهِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا (فَإِنَّهَا) ، أَيْ هَذِهِ السُّورَةُ (بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ) ، أَيْ وَمُفِيدَةٌ لِلتَّوْحِيدِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.

стр. 3068

٢١٦٢ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْجُحْفَةِ وَالْأَبْوَاءِ إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِأَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَأَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وَيَقُولُ: " يَا عُقْبَةُ تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢١٦٢ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْجُحْفَةِ) وَهِيَ مِيقَاتُ أَهْلِ الشَّامِ قَدِيمًا وَأَهْلُ مِصْرَ وَالْمَغْرِبِ وَتُسَمَّى فِي هَذَا الزَّمَانِ رَابِغَ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ السُّيُولَ أَجْحَفَتْهَا، وَهِيَ الَّتِي دَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِنَقْلِ حِمَى الْمَدِينَةِ إِلَيْهَا فَانْتَقَلَتْ إِلَيْهَا، وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِهَا طَائِرٌ إِلَّا حُمَّ، وَلِإِبْهَامِ مَوْضِعِهَا الْآنَ أَوْ قِلَّةِ مَائِهَا وَكَثْرَةِ الْخَوْفِ لِلْجَائِي إِلَيْهَا اسْتَبْدَلَ النَّاسُ الْإِحْرَامَ مِنْ رَابِغَ بِمَحَلٍّ مَشْهُورٍ قَبِيلَهَا لِأَمْنِهِ وَكَثْرَةِ مَائِهِ (وَالْأَبْوَاءِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَالْمَدِّ جَبَلٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: قَرْيَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الْفَرْعِ، وَبِهِ تُوُفِّيَتْ أُمُّ النَّبِيِّ ﷺ سُمِّيَتْ بِهَا لِتَبَوُّئِ السُّيُولِ بِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُحْفَةِ عِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثُونَ مِيلًا (إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ فَجَعَلَ) ، أَيْ طَفِقَ وَشَرَعَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِأَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) ، أَيِ الْخَلْقِ أَوْ بِئْرٍ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ (وَأَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ، أَيْ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ الْمُشْتَمِلَتَيْنِ عَلَى ذَلِكَ (وَيَقُولُ) الظَّاهِرُ: وَقَالَ، وَعَدَلَ إِلَى الِاسْتِقْبَالِ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ أَوْ لِمُشَاكَلَةِ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ وُقُوعَ التَّكْرَارِ مِنْهُ ﵊ حَثًّا لَهُ وَتَحْرِيضًا، وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ جَعَلَ الْوَاوَ لِلْحَالِ فَقَالَ: أَيْ، وَالْحَالُ إِنَّهُ كُلَّمَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِمَا يَقُولُ (يَا عُقْبَةُ تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا) ، أَيْ بَلْ هُمَا أَفْضَلُ التَّعَاوِيذِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا سُحِرَ ﵊ مَكَثَ مَسْحُورًا سَنَةً حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكَيْنِ يُعَلِّمَانِهِ أَنَّهُ يَتَعَوَّذُ بِهِمَا فَفَعَلَ فَزَالَ مَا كَانَ يَجِدُهُ مِنَ السِّحْرِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 3069

٢١٦٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبِيبٍ قَالَ: «خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَدْرَكْنَاهُ، فَقَالَ: " قُلْ " قُلْتُ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُصْبِحُ وَحِينَ تُمْسِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٢١٦٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبِيبٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ) ، أَيْ وَفِي ظُلْمَةٍ (شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ لِعَجَلَتِهِ فِي سَيْرِهِ الَّذِي هُوَ ذَاهِبٌ إِلَيْهِ (فَأَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: قُلْ) أَيِ اقْرَأْ (قُلْتُ: مَا أَقُولُ؟) ، أَيْ مَا أَقْرَأُ (قَالَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) مَحَلُّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ نُصِبَ بِاقْرَأْ مُقَدَّرًا وَقَوْلُهُ (وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَتُفْتَحُ عَطْفًا عَلَيْهِ (حِينَ تُصْبِحُ وَحِينَ تُمْسِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ) بِالتَّأْنِيثِ، أَيِ السُّوَرُ الثَّلَاثُ، وَبِالتَّذْكِيرِ، أَيْ مَا ذُكِرَ مِنَ الْقِرَاءَةِ أَوِ اللَّهِ - تَعَالَى - (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ تَدْفَعُ عَنْكَ كُلَّ سُوءٍ، فَمِنْ زَائِدَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ عَلَى مَذْهَبِ جَمَاعَةٍ وَعَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ أَيْضًا لِأَنَّ يَكْفِيكَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلنَّفْيِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَفْسِيرِهَا بِتَدْفَعُ وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، أَيْ تَدْفَعُ عَنْكَ مِنْ أَوَّلِ مَرَاتِبِ السُّوءِ إِلَى آخِرِهَا، أَوْ تَبْعِيضِيَّةً، أَيْ بَعْضُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ السُّوءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: تُغْنِيكَ عَمَّا سِوَاهَا، وَيَنْصُرُ الْمَعْنَى الثَّانِي مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَهُوَ حَدِيثُ عُقْبَةَ لِقَوْلِهِ " فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهَا " وَقَدْ تَصَحَّفَ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ بِالْآتِي فَقَالَ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْآتِيَ فِي قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَحْدَهَا، وَالْفَضَائِلُ لَا قِيَاسَ فِيهَا، فَالْوَجْهُ مَا سَأَذْكُرُهُ ثَمَّةَ، فَتَأَمَّلْ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ صَدَرَ عَنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 3070

٢١٦٤ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ سُورَةَ هُودٍ أَوْ سُورَةَ يُوسُفَ؟ قَالَ: " لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢١٦٤ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ أَقْرَأُ) بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، أَيْ أَأَقْرَأُ؟ وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يُقْرَأَ الْمَرْسُومُ بِالْمَدِّ فَيُفِيدُ الِاسْتِفْهَامَ مِنْ غَيْرِ حَذْفٍ (سُورَةَ هُودٍ) بِالصَّرْفِ وَغَيْرِهِ (أَوْ سُورَةَ يُوسُفَ) ، أَيْ أَقْرَأُ إِحْدَاهُمَا لِدَفْعِ السُّوءِ عَنِّي (قَالَ: لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ) ، أَيْ أَتَمُّ فِي بَابِ التَّعَوُّذِ لِدَفْعِ السُّوءِ وَغَيْرِهِ (عِنْدَ اللَّهِ) ، أَيْ فِي سُوَرِ كَلَامِهِ أَوْ فِي حُكْمِهِ بِمُقْتَضَى قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ (مِنْ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) ، أَيْ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مِنْ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَوَّذْ بِهِمَا إِلَخْ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْمُرَادُ التَّحْرِيضُ عَلَى التَّعَوُّذِ بِهَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ اهـ. وَكَأَنَّهُمَا أَرَادَا أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ بِإِحْدَى الْقَرِينَتَيْنِ عَنِ الْأُخْرَى وَلِيَتَّفِقَ الْحَدِيثَانِ وَيُطَابِقَا مَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ فِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ لَمْ يُرَ مِثْلَهُنَّ، وَحِينَئِذٍ يُسْتَغْنَى عَمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنَ التَّكَلُّفَاتِ الزَّائِدَةِ والتَّعَسُّفَاتِ الْبَارِدَةِ وَجَعْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ بَعِيدًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 3071

٢١٦٥ - (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ وَاتَّبِعُوا غَرَائِبَهُ، وَغَرَائِبُهُ فَرَائِضُهُ وَحُدُودُهُ» ". ــ ٢١٦٥ - (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَعْرِبُوا) ، أَيْ أَيُّهَا الْعُلَمَاءُ (الْقُرْآنَ) ، أَيْ بَيِّنُوا مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ غَرَائِبِ اللُّغَةِ وَبَدَائِعِ الْإِعْرَابِ وَلَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ (وَاتَّبَعُوا غَرَائِبَهُ) ، أَيْ غَرَائِبُ اللُّغَةِ فِيهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْرَارُ، وَالَّذِي فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ (وَغَرَائِبَهُ فَرَائِضَهُ وَحُدُودَهُ) وَالْمُرَادُ بِالْفَرَائِضِ الْمَأْمُورَاتُ وَبِالْحُدُودِ الْمَنْهِيَّاتُ أَوِ الْفَرَائِضُ الْمِيرَاثِيَّةِ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ مُطْلَقُ الْفَرَائِضِ الْقُرْآنِيَّةِ وَمَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ مِنَ الْحُدُودِ أَعْنِي الدَّقَائِقُ وَالرُّمُوزُ الْعِرْفَانِيَّةُ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى بَيِّنُوا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتُهُ مِنْ غَرَائِبِ الْأَحْكَامِ وَبَدَائِعِ الْحِكَمِ وَخَوَارِقِ الْمُعْجِزَاتِ وَمَحَاسِنِ الْآدَابِ وَالْأَخْلَاقِ وَأَمَاكِنِ الْمَوَاعِظِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَأَوْضِحُوا ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْمُتَعَلِّمِينَ لِيَعْمَلُوا بِهِ وَيَبْلُغُوا سَوَابِقَ الْخَيِّرَاتِ وَسَوَابِقَ الْكَرَمَاتِ بِسَبَبِهِ، أَوْ بَيِّنُوا إِعْرَابَ مُشْكِلِ أَلْفَاظِهِ وَعِبَارَاتِهِ وَمَحَامِلِ مُجْمِلَاتِهِ وَمَكْنُونِ إِشَارَاتِهِ وَمَا يَرْتَبِطُ بِتِلْكَ الْإِعْرَبَاتِ مِنَ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلَافِهَا لِأَنَّ الْمَعْنَى تَبَعٌ لِلْإِعْرَابِ كَمَا قِيلَ أَيْضًا لَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لِمَنْ سَأَلَهُ عَمَّنْ يَتَعَلَّمُ عِلْمَ الْعَرَبِيَّةِ لِيُقِيمَ بِهَا قِرَاءَتَهُ: حَسَنٌ ذَلِكَ يَا ابْنَ أَخِي فَتَعَلَّمْهَا، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقْرَأُ الْآيَةَ فَيَعِيَ وَجْهَهَا فَيَهْلَكُ فِيهَا، وَأَوَّلُ وَاجِبٌ عَلَى مُعْرِبِ الْقُرْآنِ أَنْ يَفْهَمَ مَعْنَى مَا يُرِيدُ إِعْرَابَهُ عَلَى مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ بِحَسَبِ مَا قَالَهُ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ فِيهَا، فَإِنَّ الْإِعْرَابَ فَرْعُ الْمَعْنَى وَلِهَذَا امْتَنَعَ إِعْرَابُ أَوَائِلِ السُّوَرِ الْمُتَشَابِهِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَشْهَرِ مِمَّا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ زَلَّتْ أَقْدَامُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُعْرِبِينَ رَاعَوْا ظَاهِرَ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَأَوْرَدَ فِي كِتَابِهِ الْمُغْنِي أَمْثِلَةً كَثِيرَةً، مِنْ جُمْلَتِهَا مَنْ جَعَلَ قَيِّمًا صِفَةَ عِوَجًا فِي أَوَّلِ الْكَهْفِ، وَتَرَحَّمْ عَلَى حَفْصٍ حَيْثُ اخْتَارَ السَّكْتَ عَلَى عِوَجًا دَفَعًا لِفَهْمِ الْعِوَجِ.

стр. 3072

٢١٦٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّسْبِيحُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ» ". ــ ٢١٦٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ) لِكَوْنِهَا مُنْضَمَّةً إِلَى عِبَادَةٍ أُخْرَى أَوْ لِكَوْنِهَا فِيهَا بِالْأَدَبِ أَقْرَبُ وَبِالْحُضُورِ أَحْرَى (أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) لِطُرُوءِ الْأَشْغَالِ الْمَانِعَةِ غَالِبًا (وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ) ، أَيْ وَأَمْثَالُهُمَا مِنْ سَائِرِ الْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ لِكَوْنِ الْقُرْآنِ كَلَامَهُ وَفِيهِ حُكْمُهُ وَأَحْكَامُهُ (وَالتَّسْبِيحُ) ، أَيْ وَنَحْوُهُ (أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ) ، أَيْ مِنَ الصَّدَقَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الذِّكْرِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَالْخَيِّرَاتِ ذِكْرُ اللَّهِ (وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ) ، أَيِ النَّفْلُ لِأَنَّهَا نَفْعٌ مُتَعَدٍّ وَهُوَ قَاصِرٌ، وَلِذَا قِيلَ: إِنَّمَا يُفِيدُ الصَّوْمُ إِذَا تَصَدَّقَ بِغِذَائِهِ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يُمْسِكَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ يَأْكُلُهُ وَحْدَهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ كُلَّ مِنْ ابْنِ آدَمَ يُضَاعِفُ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصَّوْمُ. الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَى نَفْسِ الْعِبَادَةِ كَانَتِ الصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ وَإِذَا نَظَرَ إِلَى كُلٍّ مِنْهَا وَمَا يَؤُولُ إِلَيْهَا مِنَ الْخَاصَّةِ الَّتِي لَمْ يُشَارِكْهَا غَيْرُهُ فِيهَا كَانَ الصَّوْمُ أَفْضَلَ (وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ) ، أَيْ وِقَايَةٌ مِنَ النَّارِ، أَيْ مِمَّا يَجُرُّ إِلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَمِنْ عَذَابِ اللَّهِ فِي الْعُقْبَى، وَإِذَا كَانَ هَذَا مِنْ فَوَائِدِ الصَّوْمِ الْمَفْضُولِ فَمَا بَالُكَ بِالصَّدَقَةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ؟

стр. 3073

٢١٦٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قِرَاءَةُ الرَّجُلِ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ أَلْفُ دَرَجَةٍ، وَقِرَاءَتُهُ فِي الْمُصْحَفِ تُضَعَّفُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَلْفَيْ دَرَجَةٍ» ". ــ ٢١٦٧ - (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قِرَاءَةُ الرَّجُلِ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ) ، أَيْ مِنْ حِفْظِهِ (أَلْفُ دَرَجَةٍ) ، أَيْ ذَاتِ أَلْفِ دَرَجَةٍ أَوْ ثَوَابُهَا أَلْفُ دَرَجَةٍ فِي كُلِّ دَرَجَةِ حَسَنَاتٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَلْفُ دَرَجَةٍ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ قِرَاءَةُ الرَّجُلِ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ ذَاتِ أَلْفِ دَرَجَةٍ لِيَصِحَّ الْحَمْلُ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [آل عمران: ١٦٣] ، أَيْ ذَوُو دَرَجَاتٍ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَجَعَلَ الْقِرَاءَةَ عَنْ تِلْكَ الْأَلِفِ مَجَازًا كَرَجُلٍ عَدْلٍ، فَتَأَمَّلْ (وَقِرَاءَتُهُ فِي الْمُصْحَفِ تُضَعَّفُ) بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ مُشَدَّدُ الْعَيْنِ، أَيْ يُزَادُ (عَلَى ذَلِكَ) ، أَيْ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ (إِلَى أَلْفَيْ دَرَجَةٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: لِحَظِّ النَّظَرِ فِي الْمُصْحَفِ وَحَمْلِهِ وَمَسِّهِ وَتُمَكُّنِهِ مِنَ التَّفَكُّرِ فِيهِ وَاسْتِنْبَاطِ مَعَانِيهِ اهـ يَعْنِي أَنَّهَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّاتِ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمَاهِرَ فِي الْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْبَرَرَةِ، وَرُبَّمَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ غَيْبًا عَلَى الْحَافِظِ حِفْظًا لِمَحْفُوظِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِلَى غَايَةٍ لِانْتِهَاءِ التَّضْعِيفِ أَلْفَيْ دَرَجَةٍ لِأَنَّهُ ضَمَّ إِلَى عِبَادَةِ الْقِرَاءَةِ عِبَادَةُ النَّظَرِ، أَيْ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، فَلِاشْتِمَالِ هَذِهِ عَلَى عِبَادَتَيْنِ كَانَ فِيهَا أَلْفَانِ، وَمِنْ هَذَا أَخَذَ جَمْعٌ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ نَظَرًا فِي الْمُصْحَفِ أَفْضَلُ مُطْلَقًا، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ غَيْبًا أَفْضَلُ مُطْلَقًا، وَلَعَلَّهُ عَمَلًا بِفِعْلِهِ ﵊ وَالْحَقُّ التَّوَسُّطُ فَإِنْ زَادَ خُشُوعُهُ وَتَدَبُّرُهُ وَإِخْلَاصُهُ فِي إِحْدَاهُمَا فَهُوَ الْأَفْضَلُ وَإِلَّا فَالنَّظَرُ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى التَّدَبُّرِ وَالتَّأَمُّلِ فِي الْمَقْرُوءِ أَكْثَرَ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِالْغَيْبِ.

стр. 3074

٢١٦٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ إِذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جِلَاؤُهَا؟ قَالَ: " كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ» " رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ ٢١٦٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ) ، أَيْ الَّتِي هِيَ مَرَايَا لِمُطَالَعَةِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ وَمُشَاهِدَةِ الْأَحْوَالِ وَالْغُيُوبِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ هَذِهِ الْقُلُوبُ الْمَعْلُومُ أَنَّهَا فِي غَايَةِ الرِّفْعَةِ تَارَةً وَالْخِسَّةِ أُخْرَى لِأَنَّهَا لِأَبْدَانِهَا بِمَنْزِلَةِ السَّلَاطِينِ، فَإِذَا صَلَحَتْ صَلَحَتْ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَتْ (تَصْدَأُ) بِالْهَمْزِ، أَيْ يَعْرِضُ لَهَا دَنَسٌ بِتَرَاكُمِ الْغَفَلَاتِ وَتَزَاحُمِ الشَّهَوَاتِ (كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ) ، أَيْ يَتَوَسَّخُ (إِذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ) ، أَيِ اسْتِعْمَالُهُ الْمُشَبَّهُ بِاشْتِغَالِ الْقَوْلِ بِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ وَالْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ الْمَحْبُوبِ وَفِكْرِ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ الرَّانُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جِلَاؤُهَا؟) بِكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ آلَةُ جَلَاءِ صَدَأِ الْقُلُوبِ مِنْ وَسَخِ الْغُيُوبِ الْمَانِعِ مِنْ مُقَابَلَةِ الْمَحْبُوبِ وَمُطَالَعَةِ الْمَحْبُوبِ، فَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ» (قَالَ: كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ) وَهُوَ الْوَاعِظُ الصَّامِتُ، وَيُوَافِقُهُ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ» بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ، أَيْ قَاطِعُهَا أَوْ مُزِيلُهَا مِنْ أَصْلِهَا، وَفَسَّرَ قَوْلَهُ - تَعَالَى - ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] بِأَكْثَرِ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ (وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ) بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ جَرُّهُ وَهُوَ الْوَاعِظُ النَّاطِقُ، فَهُمَا بِلِسَانِ الْحَالِ وَبَيَانِ الْقَالِ يَبْرُدَانِ عَنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ أَوْسَاخَ مَحَبَّةِ الْغَيْرِ مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةَ) ، أَيِ الْمُتَقَدِّمَةُ (فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 3075

٢١٦٩ - وَعَنْ أَيْفَعَ بْنِ عَبْدٍ الْكَلَاعِيِّ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ سُورَةِ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " قَالَ: فَأَيُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: " آيَةُ الْكُرْسِيِّ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ " قَالَ: فَأَيُّ آيَةٍ يَا نَبِيَّ اللَّهِ تُحِبُّ أَنْ تُصِيبَكَ وَأُمَّتَكَ؟ قَالَ: " خَاتِمَةُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَإِنَّهَا مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ تَحْتِ عَرْشِهِ أَعْطَاهَا هَذِهِ الْأُمَّةَ، لَمْ تَتْرُكْ خَيْرًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٢١٦٩ - (وَعَنْ أَيْفَعَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ (ابْنِ عَبْدٍ) بِالتَّنْوِينِ (الْكَلَاعِيِّ) بِفَتْحِ الْكَافِ كَمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَفَى بَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ بِالضَّمِّ كَمَا قَالَ الطِّيبِيُّ، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ: أَيْفَعَ ابْنُ نَاكُورَ مِنَ الْيَمَنِ الْمَعْرُوفُ بِذِي الْكَلَاعِ بِفَتْحِ الْكَافِ، نَاكُورَ بِالنُّونِ وَضَمِّ الْكَافِ كَانَ رَئِيسًا فِي قَوْمِهِ، أَسْلَمَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي التَّعَاوُنِ عَلَى قَتْلِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ، وَهَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَمَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ

стр. 3076

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ ذُو الْكَلَاعِ، فَلَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ لَهُ رِوَايَةً إِلَّا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ سُورَةِ الْقُرْآنِ) وَفِي نُسْخَةٍ: أَيُّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآن ِ (أَعْظَمُ) ، أَيْ فِي شَأْنِ التَّوْحِيدِ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ فِي الْفَاتِحَةِ أَنَّهَا أَفْضَلُ سُورَةِ الْقُرْآنِ، وَفِي أُخْرَى أَعْظَمُ سُورَةٍ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ حَدِيثَ الْفَاتِحَةِ طُرُقُهُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ بِخِلَافِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا أَعْظَمُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (قَالَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، قَالَ: فَأَيُّ آيَةٍ) ، أَيْ فِي الْقُرْآنِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (أَعْظَمُ؟) ، أَيْ فِي بَيَانِ صِفَاتِهِ - تَعَالَى - (قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، أَيْ إِلَى آخِرِهَا (قَالَ: فَأَيُّ آيَةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ (تُحِبُّ أَنْ تُصِيبَكَ وَأُمَّتَكَ) ثَوَابُهَا أَوْ فَائِدَتُهَا لَا نُزُولُهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لَمْ تَتْرُكْ خَيْرًا إِلَى آخِرِهِ (قَالَ: خَاتِمَةُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) ، أَيْ مِنْ آمَنَ الرَّسُولُ، أَيْ هِيَ الَّتِي أُحِبُّ أَنْ تَنَالَنِي وَأُمَّتِي فَائِدَتُهَا قَبْلَ بَقِيَّةِ الْقُرْآنِ (فَإِنَّهَا) ، أَيْ نَتَائِجُهَا أَوْ نَزَلَتْ (مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَةِ اللَّهِ مِنْ تَحْتِ عَرْشِهِ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أَيْ نُزُولُهَا مِنْ تَحْتِ عَرْشِهِ أَوِ التَّقْدِيرُ: مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَةِ اللَّهِ الْكَائِنَةِ أَوْ كَائِنَةٍ مِنْ تَحْتِ عَرْشِهِ وَهَذَا بِحَسَبِ الْإِعْرَابِ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَأَنَا عَلَى حَقِيقَةِ إِدْرَاكِهِ فِي حِجَابٍ (أَعْطَاهَا) ، أَيْ نَفْسُ الْآيَةِ أَوْ مَا فِيهَا مِنْ مَرَاتِبِ الْإِجَابَةِ (هَذِهِ الْأُمَّةُ) ، أَيْ بِخُصُوصِهَا تَشْرِيفًا لِكَاشِفِ الْغُمَّةِ (لَمْ تَتْرُكْ خَيْرًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا اشْتَمَلَتْ) ، أَيْ تِلْكَ الْخَاتِمَةُ (عَلَيْهِ) ، أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْخَيْرِ عِبَارَةً وَإِشَارَةً (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

стр. 3077

٢١٧٠ - وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ ٢١٧٠ - (وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ (مُرْسَلًا) قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ كَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ بَعْدَ الشَّعْبِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) ، أَيْ فِي آيَاتِهَا وَكَلِمَاتِهَا وَحُرُوفِهَا قِرَاءَةً وَكِتَابَةً لِلتَّعْلِيقِ وَلِلْحُسْنِ (شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ) دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ حِسِّيٍّ أَوْ مَعْنَوِيٍّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَتَنَاوَلُ دَاءَ الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَالْأَمْرَاضَ الْبَدَنِيَّةَ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) ، أَيْ مَوْقُوفًا لَكِنَّهُ مَرْفُوعٌ حُكْمًا، وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ إِلَخْ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.

стр. 3078

٢١٧١ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: مَنْ قَرَأَ آخِرَ آلِ عِمْرَانَ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ. ــ ٢١٧١ - (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: مَنْ قَرَأَ آخِرَ آلِ عِمْرَانَ) ، أَيْ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ (فِي لَيْلَةٍ) ، أَيْ أَوَّلُهَا أَوْ آخِرُهَا، وَقَدْ ثَبَتَ قِرَاءَتُهُ ﵊ أَوَّلَ مَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ مِنَ اللَّيْلِ (كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ) ، أَيْ كُتِبَ مِنَ الْقَائِمِينَ بِاللَّيْلِ.

стр. 3079

٢١٧٢ - وَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى اللَّيْلِ» . رَوَاهُمَا الدَّارِمِيُّ. ــ ٢١٧٢ - (وَعَنْ مَكْحُولٍ) تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ، قِيلَ: مَوْقُوفٌ أَيْضًا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ (قَالَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ) ، أَيْ دَعَتْ لَهُ وَاسْتَغْفَرَتْ (إِلَى اللَّيْلِ» . رَوَاهُمَا) ، أَيِ الْحَدِيثَيْنِ (الدَّارِمِيُّ) .

стр. 3080

٢١٧٣ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ خَتَمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أُعْطِيتُهُمَا مِنْ كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَعَلَّمُوهُنَّ وَعَلِّمُوهُنَّ نِسَاءَكُمْ، فَإِنَّهَا صَلَاةٌ وَقُرْبَانٌ وَدُعَاءٌ» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا. ــ ٢١٧٣ - (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ) ، أَيِ الْخَضْرَمِيُّ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ، وَنُفَيْرٌ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَبِالرَّاءِ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ فِي التَّابِعِينَ وَكَذَا ضَبَطَهُ الْمُغْنِي، فَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِاللَّامِ بَدَلَ الرَّاءِ فَمِنْ تَصْحِيفِ النَّاسِخِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَتَمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أُعْطِيتُهُمَا مِنْ كَنْزِهِ) ، أَيِ الْمَعْنَوِيِّ (الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَعَلَّمُوهُنَّ) ، أَيْ كَلِمَاتُهُمَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَمْ يُثَنَّ الضَّمِيرُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَجْمُوعُهُمَا، فَلَمَّا عَدَلَ عَنِ التَّثْنِيَةِ إِلَى الْجَمْعِيَّةِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُهُمَا لَا مَجْمُوعُهُمَا وَهَذَا نَظِيرُ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] وَ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] اهـ فِي دَعْوَى مُرَادِهِ مَعْنًى وَتَنْظِيرُهُ لَفْظًا نَظَرٌ لَا يَخْفَى (وَعَلِّمُوهُنَّ نِسَاءَكُمْ) وَلَعَلَّ تَخْصِيصَهُنَّ لِكَوْنِهِنَّ أَوْلَى بِتَعْلِيمِهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ لَا لِأَنَّ غَيْرَهُنَّ لَا يَعْلَمُهُنَّ (فَإِنَّهَا) ، أَيْ كَلِمَاتُهُمَا أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْآيَتَيْنِ (صَلَاةٌ) ، أَيِ اسْتِغْفَارٌ أَوْ مَا يُصَلِّي بِهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ دُعَاءٌ فَيَتَكَرَّرُ (وَقُرْبَانٌ) بِضَمِّ الْقَافِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ، أَيْ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مِمَّا فِيهَا مِنَ الْأَذْكَارِ وَالتَّضَرُّعِ وَالِاسْتِظْهَارِ (وَدُعَاءٌ) إِمَّا بِلِسَانِ الْحَالِ وَإِمَّا بِبَيَانِ الْمَقَالِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إِلَخْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي إِنَّهَا رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى الْجَمَاعَةِ مِنَ الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ فِي قَوْلِهِ بِآيَتَيْنِ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] وَلَمْ يُرَدْ بِالصَّلَاةِ الْأَرْكَانُ لِأَنَّهَا غَيْرُهَا وَلَا الدُّعَاءُ لِلتَّكْرَارِ، بَلْ أَرَادَ الِاسْتِغْفَارَ نَحْوَ غُفْرَانَكَ وَاغْفِرْ لَنَا، وَأَمَّا الْقُرْبَانُ فَإِمَّا إِلَى اللَّهِ كَقَوْلِهِ " وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ " وَإِمَّا إِلَى الرَّسُولِ كَقَوْلِهِ " ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] " (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا) ، أَيْ لِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا وَفِي رِوَايَتِهِ: قُرْآنٌ بَدَلُ قُرْبَانٍ، أَيْ فَإِنَّ جُمْلَةَ الْآيَتَيْنِ يُصَلِّي بِهِمَا وَيَتْلُو قُرْآنًا وَيَدْعِي بِهِمَا، وَزَادَ قَوْلُهُ وَأَبْنَاءَكُمْ بَعْدَ قَوْلِهِ نِسَاءَكُمْ.

стр. 3081

٢١٧٤ - وَعَنْ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «اقْرَءُوا سُورَةَ هُودٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٢١٧٤ - (وَعَنْ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اقْرَؤُا سُورَةَ هُودٍ» ) يُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُسَكَّنُ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْكُلِّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْفَضَائِلِ.

стр. 3082

٢١٧٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ نُورٌ مَا بَيْنَ الْجُمْعَتَيْنِ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ. ــ ٢١٧٥ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ أَضَاءَ لَهُ النُّورُ» ) ، أَيْ فِي قَلْبِهِ أَوْ قَبْرِهِ أَوْ يَوْمَ حَشْرِهِ فِي الْجَمْعِ الْأَكْبَرِ (مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ) ، أَيْ مِقْدَارُ الْجُمُعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا مِنَ الزَّمَانِ وَهَكَذَا كُلُّ جُمْعَةٍ تَلَا فِيهَا هَذِهِ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَضَاءَ إِمَّا لَازِمٌ وَبَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ ظَرْفٌ، فَيَكُونُ إِشْرَاقُ ضَوْءِ النُّورِ فِيمَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ بِمَنْزِلَةِ إِشْرَاقِ النُّورِ نَفْسِهِ مُبَالَغَةً، وَإِمَّا مُتَعَدٍّ فَيَكُونُ مَا بَيْنَ مَفْعُولًا بِهِ، وَبِهِمَا أُعْرِبَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] اهـ وَفِي الْأَخِيرِ نَظَرٌ بِحَسَبِ الْمَعْنَى الْحَدِيثِيِّ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُرْجَعًا، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مِنْ قَوْلِهِ مَوْقُوفًا ( «مَنْ قَرَأَهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» ) وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ كِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَاللَّفْظُ لِلنَّسَائِيِّ وَقَالَ: رَفُعُهُ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ ( «مَنْ قَرَأَهَا كَمَا أُنْزِلَتْ كَانَتْ لَهُ نُورٌ مِنْ مَقَامِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَمَنْ قَرَأَ الْعَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا فَخَرَجَ الدَّجَّالُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ» ) وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَاخْتَلَفَ أَيْضًا فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ ( «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ قَرَأَ بِعَشْرِ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا ثُمَّ خَرَجَ الدَّجَّالُ لَمْ يَضُرُّهُ» ) وَرَوَى الْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا ( «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ عِنْدَ مَضْجَعِهِ كَانَ لَهُ نُورًا يَتَلَأْلَأُ فِي مَكَّةَ، حَشْوُ ذَلِكَ النُّورِ مَلَائِكَةً يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَضْجَعُهُ بِمَكَّةَ كَانَ لَهُ نُورًا يَتَلَأْلَأُ فِي مَضْجَعِهِ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، حَشْوُ ذَلِكَ النُّورِ مَلَائِكَةٌ يُصَلُّونَ عَلْيِهِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» ) وَفِي الْمَدَارِكِ بِلَفْظِ ( «مَنْ قَرَأَ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إِلَخْ عِنْدَ مَضْجَعِهِ» ) وَذَكَرَ نَحْوَهُ، قُلْتُ: وَفِي هَذَا

стр. 3083

الْحَدِيثُ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ وَبِشَارَةٌ شَرِيفَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ الْقَارِئُ أَقْرَبَ إِلَى مَكَّةَ فَبِقَدْرِ مَا يَنْقُصُ مِنَ الْمَسَافَةِ السُّفْلِيَّةِ لِامْتِلَاءِ النُّورِ يُزَادُ لَهُ مِنَ الْمَسَافَةِ الْعُلْوِيَّةِ، وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الرُّقِيُّ الْعُلْوِيُّ الزَّائِدُ حِسًّا وَشَرَفًا فَإِنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسَافَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، كَذَا مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ، وَكَذَا غِلَظُ كُلِّ سَمَاءٍ وَالْبَيْتُ الْمَعْمُورِ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَغْوِيُّ فِي الْمَعَالِمِ.

стр. 3084

٢١٧٦ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: «اقْرَءُوا الْمُنْجِيَةَ وَهِيَ الم تَنْزِيلُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقْرَؤُهَا مَا يَقْرَأُ شَيْئًا غَيْرَهَا، وَكَانَ كَثِيرَ الْخَطَايَا فَنَشَرَتْ جَنَاحَهَا عَلَيْهِ، قَالَتْ: رَبِّ اغْفِرْ لَهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ قِرَاءَتِي، فَشَفَّعَهَا الرَّبُّ - تَعَالَى - فِيهِ وَقَالَ: اكْتُبُوا لَهُ بِكُلِّ خَطِيئَةٍ حَسَنَةٍ وَارْفَعُوا لَهُ دَرَجَةً، وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّهَا تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا فِي الْقَبْرِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ مِنْ كِتَابِكَ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ مِنْ كِتَابِكَ فَامْحُنِي عَنْهُ، وَإِنَّهَا تَكُونُ كَالطَّيْرِ تَجْعَلُ جَنَاحَهَا عَلَيْهِ فَتَشْفَعُ لَهُ فَتَمْنَعُهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَقَالَ فِي تَبَارَكَ مِثْلَهَا، وَكَانَ خَالُهُ لَا يَبِيتُ حَتَّى يَقْرَأَهُمَا» ، وَقَالَ طَاوُوسُ: فُضِّلَتَا عَلَى كُلِّ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ بِسِتِّينَ حَسَنَةً. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٢١٧٦ - (وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ تَابِعِيٌّ (قَالَ: اقْرَءُوا) ، أَيْ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ كَمَا يُشْعَرُ بِهِ آخِرِ الْحَدِيثِ (الْمُنْجِيَةَ) ، أَيْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعِقَابِ الْحَشْرِ (وَهِيَ الم تَنْزِيلُ فَإِنَّهُ) ، أَيِ الشَّأْنُ (بَلَغَنِي) ، أَيْ عَنِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ لَقِيَ سَبْعِينَ مِنْهُمْ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ عَلَى قَوْلٍ، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ عِنْدَ الْكُلِّ، وَوَهَمَ ابْنُ حَجَرٍ فَظَنَّ أَنَّ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا اعْتُرِضَ عَلَى الطِّيبِيِّ فِي كَلَامِهِ الْآتِي (أَنَّ رَجُلًا) ، أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ " قَالَ " يَشْعُرُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ اقْرَءُوا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الرَّسُولِ، وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا إِلَخْ إِخْبَارٌ مِنْهُ ﵊ كَمَا أَخْبَرَ فِي قَوْلِهِ إِنَّ سُورَةً فِي الْقُرْآنِ شَفَعَتْ لِرَجُلٍ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي (كَانَ يَقْرَؤُهَا) ، أَيْ يَجْعَلُهَا وِرْدًا لَهُ (مَا يَقْرَأُ شَيْئًا غَيْرَهَا) ، أَيْ لَمْ يَجْعَلْ لِنَفْسِهِ وِرْدًا غَيْرَهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ مِمَّا عَدَا الْفَاتِحَةَ غَيْرَهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا (وَكَانَ كَثِيرَ الْخَطَايَا فَنُشِرَتْ) ، أَيْ بَعْدَمَا تُصُوِّرَتِ السُّورَةُ أَوْ ثَوَابُهَا عَلَى صُورَةِ طَيْرٍ (جَنَاحُهَا عَلَيْهِ) ، أَيْ لِتُظِلَّهُ أَوْ جَنَاحُ رَحْمَتِهَا عَلَى الرَّجُلِ الْقَارِئِ حِمَايَةً لَهُ (قَالَتْ) بِلِسَانِ الْقَائِلِ أَوْ بِبَيَانِ الْحَالِ وَهُوَ بَدَلُ بَعْضٍ أَوِ اشْتِمَالٍ مِنْ نُشِرَتْ لِأَنَّ النَّشْرَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ الْحَاصِلَةِ بِقَوْلِهَا (رَبِّ اغْفِرْ لَهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ قِرَاءَتِي فَشَفَّعَهَا) بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ قَبِلَ شَفَاعَتَهَا (الرَّبُّ - تَعَالَى - فِيهِ) ، أَيْ فِي حَقِّهِ (وَقَالَ) ، أَيِ الرَّبُّ (اكْتُبُوا لَهُ بِكُلِّ خَطِيئَةٍ) ، أَيْ بَدَلَهَا (حَسَنَةً) ، أَيْ فَضْلًا وَإِحْسَانًا وَكَرَمًا وَامْتِنَانًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ، وَفِيهِ أَنَّ أُولَئِكَ هُمُ التَّائِبُونَ، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ﴾ [الفرقان: ٧٠] الْآيَةَ (وَارْفَعُوا لَهُ دَرَجَةً، وَقَالَ) ، أَيْ خَالِدٌ (أَيْضًا) ، أَيْ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ مَوْقُوفًا (إِنَّهَا) ، أَيِ السُّورَةُ الم تَنْزِيلُ (تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا) ، أَيْ مَنْ يُكْثِرُ قِرَاءَتَهَا (فِي الْقَبْرِ) ، أَيِ الشَّفَاعَةُ فِي تَسْدِيدِ سُؤَالِهِ وَتَخْفِيفِ عَذَابِهِ، أَوْ رَفْعِهِ أَوْ تَوَسِيعِ قَبْرِهِ وَتَنْوِيرِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ (تَقُولُ) بَيَانُ الْمُجَادَلَةِ، وَهَذِهِ الْمُجَادَلَةُ وَنَشْرُ الْجَنَاحِ عَلَى قَارِئِهَا كَالْمُحَاجَّةِ وَالتَّظْلِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الزَّهْرَاوَيْنِ (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ) ، أَيْ إِذَا كُنْتُ (مِنْ كِتَابِكَ) ، أَيِ الْقُرْآنُ الْمَكْتُوبُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ (فَشَفِّعْنِي) بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ فَاقْبَلْ شَفَاعَتِي (فِيهِ) ، أَيْ فِي حَقِّهِ (وَإِنْ لَمْ أَكُنْ فِي كِتَابِكَ) ، أَيْ عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ (فَامْحُنِي) بِضَمِّ الْحَاءِ (عَنْهُ) ، أَيْ عَنْ كِتَابِكَ أَوْ عَنْ صَدْرِهِ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَنَظِيرُ ذَلِكَ تَدَلُّلُ بَعْضُ خَوَاصِّ الْمَلِكِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ إِنْ كُنْتُ عَبْدَكَ فَشَفِّعْنِي فِي كَذَا، وَإِلَّا فَبِعْنِي، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ كَمَا يَقُولُ الْأَبُ لِابْنِهِ الَّذِي لَمْ يُرَاعِ حَقَّهُ: إِنْ كُنْتُ لَكَ أَبًا فَرَاعِ حَقِّي، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ لَكَ أَبًا فَلَنْ تُرَاعِيَ حَقِّي اهـ وَمُرَادُهُ أَنَّ الْمُرَاعَاةَ لَازِمَةٌ وَاقِعَةٌ الْبَتَّةَ، فَلَا تَرْدِيدَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَمَّا كَانَتْ مُرَاعَاةُ حَقِّ الْأَبِ أَلْزَمَ مِنْ مَرْعَاةِ الِابْنَ لَمْ يَقُلْ كَمَا يَقُولُ الِابْنُ لِأَبِيهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَظْهَرَ فِي الْمُنَاسَبَةِ وَأَبْيَنَ فِي الْمُشَابَهَةِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ لَكَ أَنَّ تَنْظِيرَ الطِّيبِيُّ أَحْسَنُ وَأَبْلَغُ بِمَا نَظَّرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، ثُمَّ تَبَجَّحَ وَقَالَ فِي تَنْظِيرِهِ: هَذَا أَوْلَى مِمَّا نَظَرَ بِهِ شَارِحٌ كَمَا يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ، فَتَأَمَّلْ (وَإِنَّهَا) ، أَيْ وَقَالَ خَالِدٌ: إِنَّهَا (تَكُونُ) ، أَيْ فِي الْقَبْرِ (كَالطَّيْرِ) ، أَيْ كَمَا إِنَّهَا فِي الْمَوْقِفِ كَذَلِكَ الَّذِي مَرَّ أَوَّلًا، وَلَعَلَّ تَقْدِيمَهُ لِتَعْظِيمِهِ (تَجْعَلُ جَنَاحَهَا عَلَيْهِ) حِمَايَةً لَهُ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: هُنَا لِتَظُنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِأَنَّ مَقَامَهُ فِي الْمَوْقِفِ فِي الْجُمْلَةِ (تَشْفَعُ لَهُ فَتَمْنَعُهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَقَالَ) ، أَيْ خَالِدٌ (فِي تَبَارَكَ) ، أَيْ فِي فَضِيلَةِ سُورَتِهِ (مِثْلَهُ) ، أَيْ مِثْلَ مَا قَالَ فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ (وَكَانَ خَالِدٌ لَا يَبِيتُ) ، أَيْ لَا يَرْقُدُ (حَتَّى يَقْرَأَهُمَا، وَقَالَ طَاوُوسُ) وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ (فُضِّلَتَا) بِالتَّشْدِيدِ، أَيِ السَّجْدَةُ وَالْمُلْكُ (عَلَى كُلِّ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ بِسِتِّينَ حَسَنَةً) وَهُوَ لَا يُنَافِي الْخَبَرَ الصَّحِيحَ أَنَّ الْبَقَرَةَ أَفْضَلُ سُوَرِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ; إِذْ قَدْ يَكُونُ فِي الْمَفْضُولِ مَزِيَّةٌ لَا تُوجَدُ فِي الْفَاضِلِ، أَوْ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ بِزَمَانٍ أَوْ حَالٍ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَرْبَابِ الْكَمَالِ، أَمَا تَرَى أَنَّ قِرَاءَةَ سَبِّحْ وَالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ فِي الْوَتَرِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا، وَكَذَا سُورَةُ السَّجْدَةِ وَالدَّهْرِ بِخُصُوصِ فَجْرِ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا، فَلَا يُحْتَاجُ فِي الْجَوَابِ إِلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّ ذَاكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) ، أَيْ مَوْقُوفًا، وَلَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ الْمُرْسَلِ فَإِنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ.

стр. 3085

٢١٧٧ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَرَأَ " يس " فِي صَدْرِ النَّهَارِ تَمَّتْ حَوَائِجُهُ» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا. ــ ٢١٧٧ - (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: كَانَ جَعْدَ الشَّعْرِ أَسْوَدَ أَفْطَسَ، أَشَلَّ أَعْوَرَ ثُمَّ عَمِيَ، وَكَانَ مِنْ أَجَلِّ الْفُقَهَاءِ، تَابِعِيٌّ مَكِّيٌّ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: مَاتَ يَوْمَ مَاتَ وَهُوَ أَرْضَى أَهْلِ الْأَرْضِ عِنْدَ النَّاسِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: الْعِلْمُ خَزَائِنٌ يُقَسِّمُهُ اللَّهُ لِمَنْ أَحَبَّ، لَوْ كَانَ يَخُصُّ بِالْعِلْمِ أَحَدًا لَكَانَ بِنَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْلَى، كَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ حَبَشِيًّا (قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ قَرَأَ يس ") بِالسُّكُونِ وَقِيلَ بِالْفَتْحِ (فِي صَدْرِ النَّهَارِ) ، أَيْ أَوَّلَهُ (قُضِيَتْ حَوَائِجُهُ) ، أَيْ دِينِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةٌ أَوْ آخِرَةٌ أَوْ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا) .
следующие страницы →