← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

٢٣٠٥ - وَعَنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ صَبَاحٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مُنَادٍ يُنَادِي: سَبِّحُوا الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ» " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . ــ ٢٣٠٥ - (وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ صَبَاحٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ ": قَالَ الطِّيبِيُّ: (صَبَاحٍ) نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَضُمَّتْ إِلَيْهَا (مِنْ) الْاسْتِغْرَاقِيَّةُ لِإِفَادَةِ الشُّمُولِ، ثُمَّ جِيءَ بِقَوْلِهِ: (يُصْبِحُ) صِفَةً مُؤَكِّدَةً لِمَزِيدِ الْإِحَاطَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] (إِلَّا مُنَادٍ يُنَادِي: سَبِّحُوا) أَيْ: نَزِّهُوا (الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ) أَيْ: عَمَّا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ، وَالْمَعْنَى اعْتَقِدُوا أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إِنْشَاءَ تَنْزِيهٍ، لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ أَزَلًا وَأَبَدًا، أَوِ اذْكُرُوهُ بِالتَّسْبِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: قُولُوا: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، أَوْ قُولُوا: سُبُوحٌ قُدُّوسُ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، أَيْ: وَنَحْوِهَا مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 3292

٢٣٠٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٣٠٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ) : وَفِي رِوَايَةٍ: هِيَ أَفْضَلُ الْحَسَنَاتِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ التَّهْلِيلَ أَفْضَلَ الذِّكْرِ، لِأَنَّ لِلتَّهْلِيلِ تَأْثِيرًا فِي تَطْهِيرِ الْبَاطِنِ عَنِ الْأَوْصَافِ الذَّمِيمَةِ الَّتِي هِيَ مَعْبُودَاتٌ فِي بَاطِنِ الذَّاكِرِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] فَيُفِيدُ نَفْيَ عُمُومِ الْآلِهَةِ بِقَوْلِهِ: لَا إِلَهَ، وَيُثْبِتُ الْوَحْدَةَ بِقَوْلِهِ: إِلَّا اللَّهُ، وَيَعُودُ الذِّكْرُ عَنْ ظَاهِرِ لِسَانِهِ إِلَى بَاطِنِ قَلْبِهِ، فَيَتَمَكَّنُ فِيهِ وَيَسْتَوْلِي عَلَى جَوَارِحِهِ، وَجَدَ حَلَاوَةَ هَذَا مَنْ ذَاقَ ( «وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» ) : لِأَنَّ الدُّعَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَأَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ حَاجَتَهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَشْمَلُهُمَا فَإِنَّ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ يَحْمَدُهُ عَلَى نِعْمَتِهِ، وَالْحَمْدُ عَلَى النِّعْمَةِ طَلَبُ الْمَزِيدِ وَهُوَ رَأْسُ الشُّكْرِ. اهـ. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وَلِذَا جَعَلَ الْفَاتِحَةَ أُمَّ الْقُرْآنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِطْلَاقُ الدُّعَاءِ عَلَى الْحَمْدِ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ، وَلَعَلَّهُ جُعِلَ أَفْضَلَ الدُّعَاءِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سُؤَالٌ لَطِيفٌ يَدِقُّ مَسْلَكُهُ، كَمَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ الصَّلْتِ حِينَ خَرَجَ إِلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ يَطْلُبُ نَائِلَتَهُ:

стр. 3293

إِذَا أَثْنَى عَلَيْكُمُ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مِنْ بَابِ التَّلْمِيحِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وَأَيُّ دُعَاءٍ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ وَأَجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 3294

٢٣٠٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، مَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لَا يَحْمَدُهُ» ". ــ ٢٣٠٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْحَمْدُ) أَيْ: لِلَّهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (رَأْسُ الشُّكْرِ) فَكَأَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ (مَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لَا يَحْمَدُهُ) : فَكَانَ التَّارِكُ لَهُ كَالْمُعْرِضِ عَنِ الشُّكْرِ رَأْسًا. قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ وَحْدَهُ وَالشُّكْرُ بِهِ وَبِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، فَهُوَ إِحْدَى شُعَبِ الشُّكْرِ، وَرَأْسُ الشَّيْءِ بَعْضُهُ، فَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بَعْضُ الشُّكْرِ، وَجُعِلَ رَأْسُهُ لِأَنَّ ذِكْرَ النِّعْمَةِ بِاللِّسَانِ وَالثَّنَاءَ عَلَى مُولِيهَا أَشْيَعُ لَهَا، وَأَدَلُّ عَلَى مَكَانِهَا لِخَفَاءِ الِاعْتِقَادِ، وَلِمَا فِي أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ مِنَ الِاحْتِمَالِ، بِخِلَافِ عَمَلِ اللِّسَانِ وَهُوَ النُّطْقُ الَّذِي يُفْصِحُ عَنِ الْكُلِّ.

стр. 3295

٢٣٠٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ» " (رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . ــ ٢٣٠٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى ": أَيْ بِالدُّخُولِ (إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) أَيْ: فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، أَوِ الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، أَوِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ، يَعْنِي: الَّذِينَ يَرْضَوْنَ عَنْ مَوْلَاهُمْ بِمَا أَجْرَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُكْمِ غِنًى كَانَ أَوْ فَقْرًا شِدَّةً كَانَ أَوْ رَخَاءً، فَالْمُرَادُ الدَّوَامُ فَهُوَ مِنْ أَسَالِيبِ الْبَدِيعِ الْغَرِيبَةِ (رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 3296

٢٣٠٩ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قَالَ مُوسَى ﵇: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ، وَأَدْعُوكَ بِهِ. فَقَالَ: يَا مُوسَى قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَالَ، يَا رَبِّ كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُ هَذَا، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ وُضِعْنَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ لَمَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ". رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. ــ ٢٣٠٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَالَ مُوسَى ﵊ يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا) أَيْ: مِنَ الْأَذْكَارِ (أَذْكُرُكَ بِهِ) : بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ اسْتِئْنَافًا أَيْ: أَنَا أَذْكُرُكَ بِهِ، كَذَا قِيلَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ بَلْ هُوَ صِفَةٌ وَلَيْسَ جَوَابًا لِلْأَمْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (أَوْ أَدْعُوكَ) بِحَرْفِ الْعَطْفِ، وَهُوَ: " أَوْ " عَلَى الْأَصَحِّ الْأَكْثَرِ، وَبِالْوَاوِ عَلَى الْأَقَلِّ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ بِلَا خِلَافٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ الْجَزْمُ وَعَطْفُ أَدْعُوكَ بِالْجَزْمِ عَلَى مِنْوَالِ قَوْلِهِ: [وَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدِ] . اهـ. وَالْأَوْلَى حَمْلُ نُسْخَةِ الْجَزْمِ عَلَى لُغَةٍ حُمِلَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرْ عَلَى قِرَاءَةِ إِثْبَاتِ الْيَاءِ - وَجَزْمِ (يَصْبِرْ) اتِّفَاقًا ثُمَّ (أَوْ) فِي الْحَدِيثِ ظَاهِرُهُ التَّنْوِيعُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْوَاوِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّكِّ أَوِ التَّقْدِيرِ شَيْئًا مِنَ الذِّكْرِ أَوِ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ كُلَّ دُعَاءٍ ذِكْرٌ وَكُلُّ ذِكْرٍ دُعَاءٌ، وَلِأَنَّهُ سُؤَالٌ لَطِيفٌ، أَوِ الدُّعَاءُ بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ أَيْ: أَعْبُدُكَ بِذِكْرِهِ أَوْ بِمَضْمُونِهِ. (فَقَالَ: يَا مُوسَى، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) : فَإِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِكُلِّ ذِكْرٍ وَدُعَاءٍ سِوَاهُ مَعَ زِيَادَةِ دَلَالَةٍ عَلَى تَوْحِيدِ ذَاتِهِ وَتَفْرِيدِ صِفَاتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: طَلَبَ مُوسَى مَا بِهِ يَفُوقُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الذِّكْرِ أَوِ الدُّعَاءِ، فَمَا مُطَابَقَةُ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ؟ قُلْتُ: كَأَنَّهُ قَالَ: طَلَبْتَ شَيْئًا مُحَالًا إِذْ لَا ذِكْرَ وَلَا دُعَاءَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا. (فَقَالَ: يَا رَبِّ، كُلُّ عِبَادِكَ) أَيْ:

стр. 3297

الْمُوَحِّدِينَ (يَقُولُ) أُفْرِدَ رِعَايَةً لِلَفْظِ (كُلُّ) دُونَ مَعْنَاهُ (هَذَا) أَيْ: هَذَا الْكَلَامَ، أَوْ هَذَا الذِّكْرَ (إِنَّمَا أُرِيدَ شَيْئًا تَخُصُّنِي) أَيْ: أَنْتَ (بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْ بَيْنِ عُمُومِ عِبَادِكَ، فَإِنَّهُ مِنْ طَبْعِ الْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَفْرَحَ فَرَحًا شَدِيدًا إِلَّا إِذَا اخْتُصَّ بِشَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا إِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ جَوْهَرَةٌ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ غَيْرِهِ، وَكَذَا مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالدَّعَوَاتِ وَالْعُلُومِ الْغَرِيبَةِ وَالصَّنَائِعِ الْعَجِيبَةِ، مَعَ أَنَّ مِنْ سُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي بِهَا جَرَتِ الْعَادَةُ، وَهِيَ مِنْ رَحْمَتِهِ الشَّامِلَةِ وَرَأْفَتِهِ الْكَامِلَةِ أَنَّ أَعَزَّ الْأَشْيَاءِ أَكْثَرُهَا وُجُودًا، كَالْعُشْبِ وَالْمِلْحِ وَالْمَاءِ دُونَ اللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَمِثْلَ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، وَهُوَ أَعَزُّ الْكُتُبِ يُوجَدُ أَكْثَرَ وَأَرْخَصَ مِنْ غَيْرِهِ، وَعِلْمُ الْكِيمْيَاءِ وَنَحْوُهُ مِمَّا هُوَ خَيَالَاتٌ فَاسِدَةٌ، وَصَاحِبُهَا مِنْ جَهْلِهِ يَفْرَحُ بِهِ مَا لَا يَفْرَحُ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. وَالْحَجَرُ الْأَسْوَدُ الَّذِي يَمِينُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ قَدَمُهُ ﵊ وَالْعَوَامُّ الْآنَ يَفْرَحُونَ بِزِيَارَةِ الْمَقَامِ أَكْثَرَ مِنِ اسْتِلَامِ الرُّكْنِ الْأَسْعَدِ. وَمِنْهَا: الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكَلِمَةُ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ الْكَلِمَاتِ، وَأَنْفَسُ الْعِبَادَاتِ، وَأَفْضَلُ الْأَذْكَارِ، وَأَكْمَلُ الْحَسَنَاتِ، وَهِيَ أَكْثَرُ وُجُودًا وَأَيْسَرُ حُصُولًا، وَالْعَوَامُّ يَتْرُكُونَهَا وَيَتَّبِعُونَ مُوَاظَبَةَ الْأَسْمَاءِ الْغَرِيبَةِ، وَالدَّعَوَاتِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي غَالِبُهَا لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَلَى لِسَانِ سَيِّدِنَا الْكَلِيمِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْجَوَابِ مِنَ الرَّبِّ الْعَظِيمِ لِتَظْهَرَ جَلَالَةُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عِنْدَ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِ، وَيَعْتَنُونَ بِهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَقَامٍ لِتَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ وَالْمَرَامِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّهَا قُطْبُ دَائِرَةِ الْأَذْكَارِ وَمَرْكَزُ نُقْطَةِ الْأَسْرَارِ، وَلِهَذَا وَرَدَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَيْسَ لَهَا حِجَابٌ دُونَ اللَّهِ حَتَّى تَخْلُصَ إِلَيْهِ (قَالَ يَا مُوسَى: لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتَ السَّبْعَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: حَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ مَا طَلَبْتَ مِنْ أَمْرٍ مُخْتَصٍّ بِكَ فَائِقٍ عَلَى الْأَذْكَارِ كُلِّهَا مُحَالٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ تُرَجَّحُ عَلَى الْكَائِنَاتِ كُلِّهَا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَسُكَّانِهَا، وَالْأَرَضِينَ وَقُطَّانِهَا. اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ حَاصِلَ الْجَوَابِ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ أَفْضَلُ الذِّكْرِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِنَّمَا خُصُوصِيَّةُ الْخَوَاصِّ بِاعْتِبَارِ فَهْمِ مَبَانِيهَا، وَتَحْقِيقِ مَبَانِيهَا، وَالتَّحَقُّقِ بِمَا فِيهَا وَالتَّخَلُّقِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا، وَالْإِخْلَاصِ فِي ذِكْرِهَا، وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا، وَالْمَحَبَّةِ وَالْمَيْلِ إِلَيْهَا، وَالتَّلَذُّذِ وَالسُّرُورِ بِهَا. وَالْمُرَاقَبَةِ وَالْحُضُورِ وَالْمُشَاهَدَةِ بِصَاحِبِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بَقِيَّةِ أَحْكَامِهَا (وَعَامِرَهُنَّ) : بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى السَّمَاوَاتِ، قِيلَ: عَامِرُ الشَّيْءِ حَافِظُهُ وَمُصْلِحُهُ وَمُدَبِّرُهُ الَّذِي يُمْسِكُهُ مِنَ الْخَلَلِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ سَاكِنُ الْبَلَدِ وَالْمُقِيمُ بِهِ عَامِرَهُ مِنْ عَمَّرْتُ الْمَكَانَ: إِذَا أَقَمْتَ فِيهِ، وَالْمُرَادُ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لِيَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ تَعَالَى مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (غَيْرِي) : قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَيْ سَاكَنَهُنَّ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، أَوْ مُمْسِكَهُنَّ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] وَقِيلَ: الْمُرَادُ هُنَا جِنْسُ مَنْ يُعَمِّرُهَا مِنَ الْمَلَكِ وَغَيْرِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى عَامِرُهَا خَلْقًا وَحِفْظًا، وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صَلَاحُهَا تَوَقُّفَهُنَّ عَلَى السَّاكِنِ، وَلِذَا اسْتَثْنَى وَقَالَ: غَيْرِي أَوْ يُرَادُ بِالْعَامِرِ حَاضِرٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى حَاضِرٌ فِيهِنَّ عِلْمًا وَاطِّلَاعًا (وَالْأَرَضِينَ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ (السَّبْعَ) أَيِ: الطِّبَاقَ، وَقِيلَ: الْأَقَالِيمُ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] وَلِمَا وَرَدَ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهَا طِبَاقٌ. (وُضِعْنَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فِي كِفَّةٍ) : بِكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ مِنْ كِفَّتَيِ الْمِيزَانِ يُطْلَقُ لِكُلِّ مُسْتَدِيرٍ، (وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أَيْ: مَفْهُومُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَوْ ثَوَابُهَا وُضِعَ (فِي كِفَّةٍ) : وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبِطَاقَةِ (لَمَالَتْ بِهِنَّ) أَيْ: لَرَجَحَتْ عَلَيْهِمْ وَغَلَبَتْهُنَّ، لِأَنَّ جَمِيعَ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّظَرِ إِلَى وُجُودِهِ تَعَالَى كَالْمَعْدُومِ، إِذْ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، وَالْمَعْدُومُ لَا يُوَازِنُ الثَّابِتَ الْمَوْجُودَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ: " وَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ " (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) : وَهُوَ مِنْ بَابِ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعَجُّبِ أَوْ تَكْرِيرًا لِلتَّلْقِينِ

стр. 3298

(رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : أَيْ بِإِسْنَادِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَالْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ مَالَتْ بِهِمْ» ) أَيْ: لَرَجَحَتْ وَزَادَتْ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: أَمَالَتْهُنَّ، وَكَانَ التَّفْسِيرُ بِالرُّجْحَانِ وَالزِّيَادَةِ تَفْسِيرًا بِاللَّازِمِ، وَضَمِيرُ ذَوِي الْعُقُولِ تَشْرِيفًا لَهُمْ كَمَا أَنَّ عَكْسَهُ تَغْلِيبًا لِكَثْرَتِهِنَّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْرَحُ صَرِيحٍ عَلَى أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَفْضَلُ الذِّكْرِ، إِذْ لَا ثَوَابَ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِهَا.

стр. 3299

٢٣١٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، صَدَّقَهُ رَبُّهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَقُولُ اللَّهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي، لَا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الْمَلِكُ وَلَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِيَ الْمُلْكُ وَلِيَ الْحَمْدُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي " وَكَانَ يَقُولُ: " مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ» " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) . ــ ٢٣١٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا) أَيْ: كِلَاهُمَا (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، صَدَّقَهُ رَبُّهُ. قَالَ) أَيْ: رَبُّهُ بَيَانًا لِتَصْدِيقِهِ أَيْ: قَرَّرَهُ بِأَنْ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ) : وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يَقُولَ: صَدَقْتَ (وَإِذَا قَالَ) أَيِ: الْعَبْدُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَقُولُ اللَّهُ أَيْ: تَصْدِيقًا لِعَبْدِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي) أَيْ: فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، وَحَذْفُ (صَدَّقَهُ رَبُّهُ) هُنَا لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا قَبْلَهُ، وَعَبَّرَ هُنَا بِيَقُولُ وَثَمَّةَ، وَفِيمَا يَأْتِي بِقَالَ تَفَنُّنًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ وَجْهُهُ اسْتِحْضَارُ تِلْكَ الْحَالَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ أَزَلًا وَأَبَدًا لِلْإِيمَاءِ إِلَى خُصُوصِيَّةِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ مِمَّا بَيْنَ أَخَوَاتِهَا بِالتَّوْحِيدِ الْمَحْضِ وَالتَّفْرِيدِ الصِّرْفِ (وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) أَيْ: لَا لِغَيْرِهِ كَمَا أَفْهَمَهُ تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ. وَاللَّامُ لِلْمِلْكِ، وَالِاسْتِحْقَاقِ وَالِاخْتِصَاصِ (قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِيَ الْمُلْكُ وَلِيَ الْحَمْدُ) أَيْ: كَمَا قَالَ عَبْدِي: (وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) : وَالْوَاوُ فِي (وَلَا حَوْلَ) إِمَّا لِلْعَطْفِ أَوْ لِلْحَالِ، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَلِذَا تُرِكَ فِي قَوْلِهِ: (قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا حَوْلَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: (وَلَا حَوْلَ) مُطَابِقًا لِمَا قَبْلَهُ (وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي) أَيْ: كَمَا أَقَرَّ بِهِ عَبْدِي (وَكَانَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (يَقُولُ: مَنْ قَالَهَا) أَيْ: هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مِنْ دُونِ الْجَوَابَاتِ (فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ (لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ) أَيْ: لَمْ تَمَسَّهُ أَوْ لَمْ تَحْرِقْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: لَمْ تَأْكُلْهُ، اسْتَعَارَ الطُّعْمَ لِلْإِحْرَاقِ مُبَالَغَةً (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 3300

٢٣١١ - «وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى، تُسَبِّحُ بِهِ فَقَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ؟ سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ» " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . ــ ٢٣١١ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ) أَيْ: مَحْرَمٍ لَهُ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الدُّخُولِ الرُّؤْيَةُ، وَلَا مِنْ وُجُودِ الرُّؤْيَةِ حُصُولُ الشَّهْوَةِ (وَبَيْنَ يَدَيْهَا) : الْوَاوُ لِلْحَالِ (نَوًى) : جَمْعُ نَوَاةٍ وَهِيَ عَظْمُ التَّمْرِ (أَوْ حَصًى) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (تُسَبِّحُ) أَيِ: الْمَرْأَةُ (بِهِ) أَيْ: بِمَا ذَكَرَ مِنَ النَّوَى أَوِ الْحَصَى، وَهَذَا أَصْلٌ صَحِيحٌ لِتَجْوِيزِ السِّبْحَةِ بِتَقْرِيرِهِ ﷺ فَإِنَّهُ فِي مَعْنَاهَا، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَنْظُومَةِ وَالْمَنْثُورَةِ فِيمَا يُعَدُّ بِهِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِ مَنْ عَدَّهَا بِدْعَةً، وَقَدْ قَالَ الْمَشَايِخُ: إِنَّهَا سَوْطُ الشَّيْطَانِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ رُئِيَ مَعَ الْجُنَيْدِ سُبْحَةٌ فِي يَدِهِ حَالَ انْتِهَائِهِ، فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: شَيْءٌ وَصَلْنَا بِهِ إِلَى اللَّهِ كَيْفَ نَتْرُكُهُ؟ وَلَعَلَّ هَذَا أَحَدُ مَعَانِي قَوْلِهِمُ: النِّهَايَةُ هِيَ الرُّجُوعُ إِلَى الْبِدَايَةِ (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ) أَيْ: أَسْهَلُ

стр. 3301

وَأَخَفُ (عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا) أَيْ: مِنْ هَذَا الْجَمْعِ وَالتَّعْدَادِ (أَوْ أَفْضَلُ؟) قِيلَ " أَوْ " لِلشَّكِّ مِنْ سَعْدٍ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ، وَقِيلَ: بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَقِيلَ بِمَعْنَى (بَلْ) وَهُوَ الْأَظْهَرُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ: وَإِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ لِأَنَّهُ اعْتِرَافٌ بِالْقُصُورِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُحْصِيَ ثَنَاءَهُ، وَفِي الْعَدِّ بِالنَّوَى إِقْدَامٌ عَلَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْإِحْصَاءِ. اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَدِّ هَذَا الْإِقْدَامُ، وَلَا يَقْدُمُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى إِلَّا الْعَوَامُّ كَالْأَنْعَامِ، بَلِ الْمُرَادُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ ﷺ تَرَقِّيَهَا مِنْ عَالَمِ كَثْرَةِ الْأَلْفَاظِ وَالْمَبَانِي إِلَى وَحْدَةِ الْحَقَائِقِ وَالْمَعَانِي، وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْأَعْدَادِ، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَدَدِ الْأَمْدَادِ، أَوِ الْعَدُّ فِي الْأَذْكَارِ يَجْعَلُ شَأْنًا لَهَا فِي الْبَالِ، وَيَخْطُرُ بِالْبَالِ فِي كُلِّ حَالٍ، هَذَا مُعَابٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْكَمَالِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِمَنْ يَذْكُرُ اللَّهَ بِالْعَدَدِ: تَذْكُرُ اللَّهَ بِالْحِسَابِ، وَتُذْنِبُ بِالْجُزَافِ وَتَعْصِيهِ بِلَا كِتَابٍ، أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمَّا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ بِالنِّعْمَةِ بِلَا إِحْصَاءٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] فَيَنْبَغِي حُسْنُ الْمُقَابَلَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُمَاثَلَةِ أَنْ يَذْكُرَهُ السَّالِكُ بِغَيْرِ اسْتِقْصَاءٍ، أَوْ فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى مَقَامِ الْمُكَاشَفَةِ بِتَسْبِيحِ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١] . (سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ) : فِيهِ تَغْلِيبٌ لِكَثْرَةِ غَيْرِ ذَوِي الْعُقُولِ الْمَلْحُوظَةِ فِي الْمَقَامِ (فِي السَّمَاءِ) أَيْ: فِي عَالَمِ الْعُلْوِيَّاتِ جَمِيعِهَا (وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ) أَيْ: فِي عَالَمِ السُّفْلِيَّاتِ كُلِّهَا، كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ الْمَعْهُودَتَانِ لِقَوْلِهِ: (وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ: مَا بَيْنَ مَا ذَكَرَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالْهَوَاءِ وَالْمَطَرِ وَالسَّحَابِ وَغَيْرِهَا، (وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ) أَيْ: خَالِقُهُ أَوْ خَالِقٌ لَهُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَهُوَ أَظْهَرُ، لَكِنَّ الْأَدَقَّ الْأَخْفَى مَا قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: مَا هُوَ خَالِقٌ لَهُ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ وَالْمُرَادُ الِاسْتِمْرَارُ فَهُوَ إِجْمَالٌ بَعْدَ التَّفْصِيلِ، لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ إِذَا أُسْنِدَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يُفِيدُ الِاسْتِمْرَارَ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ إِلَى الْأَبَدِ، كَمَا تَقُولُ: اللَّهُ قَادِرٌ عَالِمٌ. فَلَا تَقْصِدُ زَمَانًا دُونَ زَمَانٍ (وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: مَنْصُوبٌ نَصْبَ عَدَدٍ فِي الْقَرَائِنِ السَّابِقَةِ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِنَصْبِ مِثْلَ، أَيِ: اللَّهُ أَكْبَرُ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقُهُ أَيْ بِعَدَدِهِ، فَجَعَلَ مَرْجِعَ الْإِشَارَةِ أَقْرَبَ مَا ذُكِرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ اللَّهُ أَكْبَرُ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ: عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ (وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ: عَلَى هَذَا الْحَالِ (وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ: كَذَلِكَ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا مِنِ اخْتِصَارِ الرَّاوِي، فَنَقَلَ آخِرَ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى خَشْيَةً لِلْمَلَالِهِ بِالْإِطَالَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا بَعْضُ الْآثَارِ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَفِي نُسْخَةٍ. حَسَنٌ غَرِيبٌ.

стр. 3302

٢٣١٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ مِائَةً بِالْغَدَاةِ وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ ; كَانَ كَمَنْ حَجَّ مِائَةَ حَجَّةٍ، وَمَنْ حَمِدَ اللَّهَ مِائَةً بِالْغَدَاةِ وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ ; كَانَ كَمَنْ حَمَلَ عَلَى مِائَةِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ هَلَّلَ اللَّهَ مِائَةً بِالْغَدَاةِ وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ ; كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ مِائَةً بِالْغَدَاةِ وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ ; لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحَدٌ بِأَكْثَرِ مِمَّا أَتَى بِهِ إِلَّا مَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، أَوْ زَادَ عَلَى مَا قَالَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٢٣١٢ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ مِائَةً) أَيْ: مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مِائَةَ مَرَّةٍ (بِالْغَدَاةِ) : بِفَتْحَتَيْنِ بَعْدَهَا أَلِفٌ، وَيَجُوزُ ضَمُّ الْأَوَّلِ وَسُكُونُ الثَّانِي وَبَعْدَهُ " وَاوٌ " (وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ) أَيْ: أَوَّلَ النَّهَارِ وَأَوَّلَ اللَّيْلِ، أَوْ فِي الْمَلَوَيْنِ (كَانَ كَمَنْ حَجَّ مِائَةَ حَجَّةٍ) أَيْ: نَافِلَةٍ. دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ بِشَرْطِ الْحُضُورِ مَعَ اللَّهِ بِسُهُولَتِهِ أَفْضَلُ مِنَ الْعِبَادَاتِ الشَّاقَّةِ بِغَفْلَتِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ

стр. 3303

يَكُونَ الْحَدِيثُ مِنْ بَابِ إِلْحَاقِ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ مُبَالَغَةً فِي التَّرْغِيبِ، أَوْ يُرَادُ التَّسَاوِي بَيْنَ التَّسْبِيحِ الْمُضَاعَفِ بِالْحِجَجِ الْغَيْرِ مُضَاعَفَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَمَنْ حَمِدَ اللَّهَ مِائَةً بِالْغَدَاةِ وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ كَانَ كَمَنْ حَمَلَ) : بِالتَّخْفِيفِ أَيْ: رَكَّبَ مِائَةَ نَفْسٍ (عَلَى مِائَةِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: فِي نَحْوِ الْجِهَادِ إِمَّا صَدَقَةٌ أَوْ عَارِيَةٌ، وَفِيهِ تَرْغِيبٌ لِلذَّاكِرِ فِي الذِّكْرِ لِئَلَّا يَلْتَفِتَ إِلَى الدُّنْيَا، وَيَجْمَعَ هِمَّتَهُ عَلَى الْحُضُورِ مَعَ الْمَوْلَى، إِذِ الْمَقْصُودُ مِنْ جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، وَالْمُرَكَّبِ مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ لَا غَيْرُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَحْسَنُ مِنَ الْوَسِيلَةِ. (وَمَنْ هَلَّلَ اللَّهَ) أَيْ: قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (مِائَةً بِالْغَدَاةِ وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ ; كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ) : وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلذَّاكِرِينَ مِنَ الْفُقَرَاءِ الْعَاجِزِينَ عَنِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَا الْأَغْنِيَاءُ، (مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) : بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِفَتْحِهِمَا، يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، وَالْمُرَادُ مِنْ أَوْلَادِ إِسْمَاعِيلَ الْعَرَبِ، لِأَنَّهُمْ أَفْضَلُ الْأَصْنَافِ لِكَوْنِهِمْ مِنْ أَقَارِبِ نَبِيِّنَا ﷺ فَهُوَ تَتْمِيمٌ وَمُبَالَغَةٌ فِي مَعْنَى الْعِتْقِ. (وَمِنْ كَبَّرَ اللَّهَ مِائَةً بِالْغَدَاةِ وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحَدٌ) أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ (بِأَكْثَرَ) أَيْ: بِثَوَابٍ أَكْثَرَ، أَوِ الْمُرَادُ بِعَمَلٍ أَفْضَلَ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِأَكْثَرَ لِأَنَّهُ مَعْنَى أَفْضَلَ (مِمَّا أَتَى بِهِ) أَيْ: جَاءَ بِهِ أَوْ بِمِثْلِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ مَا قَبْلَهُ، وَالَّذِي دَلَّتِ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْكَثِيرَةُ أَنَّ أَفْضَلَ هَذَا: التَّهْلِيلُ فَالتَّحْمِيدُ فَالتَّكْبِيرُ فَالتَّسْبِيحُ، فَحِينَئِذٍ يُئَوَّلُ بِأَنْ يُقَالَ: لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحَدٌ غَيْرُ الْمُهَلِّلِ وَالْحَامِدِ الْمَذْكُورَيْنِ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَتَى بِهِ. (إِلَّا مَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ زَادَ عَلَى مَا يُقَالُ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .

стр. 3304

٢٣١٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ مَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلَؤُهُ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَيْسَ لَهَا حِجَابٌ دُونَ اللَّهِ حَتَّى تَخْلُصَ إِلَيْهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ. ــ ٢٣١٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ) أَيْ: ثَوَابُهُ بَعْدَ تَجَسُّمِهِ يَمْلَأُ نِصْفَ الْمِيزَانِ، وَالْمُرَادُ بِهِ إِحْدَى كِفَّتَيْهِ الْمَوْضُوعَةِ لِوَضْعِ الْحَسَنَاتِ فِيهَا، (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلَؤُهُ) أَيِ: الْمِيزَانُ أَوْ نِصْفُهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّ الْأَذْكَارَ تَنْحَصِرُ فِي نَوْعَيْنِ: التَّنْزِيهُ وَالتَّحْمِيدُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَيَكُونُ الْحَمْدُ نِصْفَهُ الْآخَرَ، فَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ. وَيُلَائِمُهُ حَدِيثُ: " ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ " وَيُحْتَمَلُ تَفْضِيلُ الْحَمْدِ بِأَنَّهُ يَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَحْدَهُ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى التَّنْزِيهِ ضِمْنًا لِأَنَّ الْوَصْفَ بِالْكَمَالِ مُتَضَمِّنٌ نَفْيَ النُّقْصَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَيْسَ لَهَا حِجَابٌ دُونَ اللَّهِ) : فَإِنَّهَا تَتَضَمَّنُ التَّحْمِيدَ وَالتَّنْزِيهَ، وَلِذَا صَارَتْ مُوجِبَةً لِلْقُرْبِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (حَتَّى تَخْلُصَ) : بِضَمِّ اللَّامِ (إِلَيْهِ) أَيْ: تَصِلُ عِنْدَهُ، وَتَنْتَهِي إِلَى مَحَلِّ الْقَبُولِ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا وَأَمْثَالِهِ سُرْعَةُ الْقَبُولِ وَالْإِجَابَةِ، وَكَثْرَةُ الْأَجْرِ وَالْإِثَابَةِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَفْضَلُ مِنْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) أَيْ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، لَكِنْ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ.

стр. 3305

٢٣١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا قَالَ عَبْدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا قَطُّ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى الْعَرْشِ مَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢٣١٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا قَالَ عَبْدٌ) أَيْ: مُسْتَشْعِرًا لِعُبُودِيَّتِهِ وَحُدُوثِ وَجُودِهِ، وَمُسْتَذْكِرًا لِأُلُوهِيَّةِ رَبِّهِ وَتَوْحِيدِ مَعْبُودِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ أَوْ مُؤْمِنًا غَيْرَ مُنَافِقٍ (قَطُّ إِلَّا فُتِحَتْ) : بِالتَّخْفِيفِ وَتُشَدَّدُ (لَهُ) أَيْ: لِهَذَا الْكَلَامِ أَوِ الْقَوْلِ (أَبْوَابُ السَّمَاءِ

стр. 3306

حَتَّى يُفْضِيَ) : بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ: يَصِلَ (إِلَى الْعَرْشِ مَا اجْتَنَبَ) أَيْ: صَاحِبُهُ (الْكَبَائِرَ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَرَفْعِ الْكَبَائِرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَدِيثُ السَّابِقُ دَلَّ عَلَى تَجَاوُزِهِ مِنَ الْعَرْشِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ سُرْعَةُ الْقَبُولِ وَالِاجْتِنَابُ عَنِ الْكَبَائِرِ شَرْطٌ لِلسُّرْعَةِ، لَا لِأَجْلِ الثَّوَابِ وَالْقَبُولِ. اهـ. أَوْ لِأَجْلِ كَمَالِ الثَّوَابِ، وَأَعْلَى مَرَاتِبِ الْقَبُولِ لِأَنَّ السَّيِّئَةَ لَا تُحْبِطُ الْحَسَنَةَ، بَلِ الْحَسَنَةُ تُذْهِبُ السَّيِّئَةَ، وَهَذَا الْمَعْنَى لِهَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْمُطَابِقُ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَيْ: لِرُوحِهِ عَقِبَ مَوْتِهِ. تَقْدِيرٌ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَيْهِ، ثُمَّ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ يُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، بِخِلَافِ الْكُفَّارِ لَا يُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ. غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِتَقْيِيدِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: " مَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ " عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ.

стр. 3307

٢٣١٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، غَرِيبٌ إِسْنَادًا. ــ ٢٣١٥ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ: الْخَلِيلَ ﵊ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي) : بِالْإِضَافَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَنْوِينِ (لَيْلَةً) أَيْ: لَيْلَةً أُسْرِيَ فِيهَا بِي، وَهِيَ لَيْلَةُ الْمِعْرَاجِ (فَقَالَ) أَيْ: إِبْرَاهِيمُ، وَهُوَ فِي مَحَلِّهِ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ) أَيْ: أَوْصِلْهُمْ وَبَلِّغْهُمْ (مِنِّي السَّلَامَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: " اقْرَأَ أُمَّتَكَ مِنِّي " أَيْ: مِنْ جَانِبِي، وَمِنْ عِنْدِي السَّلَامَ. فِي النِّهَايَةِ: يُقَالُ: اقْرَأْ فَلَانًا السَّلَامَ، وَاقْرَأْ ﵇ كَأَنَّهُ حِينَ يُبَلِّغُهُ سَلَامَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَقْرَأَ السَّلَامَ وَيَرُدَّهُ. وَفِي الْمُقَدِّمَةِ نَحْوُهُ، لَكِنْ فِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ: أَنَّ قَرَأَهُ السَّلَامَ وَأَقْرَأَهُ السَّلَامَ بِمَعْنًى، وَعَلَى كُلٍّ فَيَنْبَغِي لِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. (وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ) وَهِيَ التُّرَابُ، فَإِنَّ تُرَابَهَا الْمِسْكُ وَالزَّعْفَرَانُ، وَلَا أَطْيَبَ مِنْهُمَا (عَذْبَةُ الْمَاءِ) أَيْ: لِلنُّمُوِّ، وَحُلْوٌ لَذِيذٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] أَيْ: غَيْرِ مُتَغَيِّرٍ بِمُلُوحَةٍ وَلَا غَيْرِهَا (وَأَنَّهَا) : بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ أَيِ: الْجَنَّةَ (قِيعَانٌ) : بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ قَاعٍ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ الْخَالِيَةُ مِنَ الشَّجَرِ (وَأَنَّ) : بِالْوَجْهَيْنِ (غِرَاسَهَا) : بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، جَمْعُ غَرْسٍ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ مَا يُغْرَسُ أَيْ: يَسْتُرُ تُرَابَ الْأَرْضِ مِنْ نَحْوِ الْبَذْرِ لِيَنْبُتَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ التُّرْبَةُ طَيِّبَةً وَمَاؤُهَا عَذْبًا كَانَ الْغِرَاسُ أَطْيَبَ، لَا سِيَّمَا وَالْغَرْسُ الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ. (سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ) : وَالْمَعْنَى أَعْلِمْهُمْ بِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَنَحْوَهَا سَبَبٌ لِدُخُولِ قَائِلِهَا الْجَنَّةَ وَلِكَثْرَةِ أَشْجَارِ مَنْزِلِهِ فِيهَا، لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَرَّرَهَا نَبَتَتْ لَهُ أَشْجَارٌ بِعَدَدِهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ تُورِثُ قَائِلَهَا الْجَنَّةَ، فَأَطْلَقَ السَّبَبَ وَأَرَادَ الْمُسَبَّبَ. اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَقُولُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَرْضَ الْجَنَّةِ خَالِيَةٌ عَنِ الْأَشْجَارِ وَالْقُصُورِ، وَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ خَالِيَةٍ عَنْهَا، لِأَنَّهَا إِنَّمَا سُمِّيَتْ جَنَّةً لِأَشْجَارِهَا الْمُتَكَاثِفَةِ الْمُظِلَّةِ بِالْتِفَافِ أَغْصَانِهَا. وَالْجَوَابُ: أَنَّهَا كَانَتْ قِيعَانًا، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَدَ بِفَضْلِهِ فِيهَا أَشْجَارًا وَقُصُورًا، بِحَسَبِ أَعْمَالِ الْعَامِلِينَ لِكُلِّ عَامِلٍ مَا يَخْتَصُّ بِهِ بِسَبَبِ عَمَلِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا يَسَّرَهُ لِمَا خُلِقَ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ لِيَنَالَ بِذَلِكَ الثَّوَابَ جَعَلَهُ كَالْغَارِسِ لِتِلْكَ الْأَشْجَارِ مَجَازًا إِطْلَاقًا لِلسَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ. وَأُجِيبَ أَيْضًا: بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْخُلُوِّ الْكُلِّيِّ مِنَ الْأَشْجَارِ وَالْقُصُورِ، لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِهَا قِيعَانًا أَنَّ أَكْثَرَهَا مَغْرُوسٌ، وَمَا عَدَاهُ مِنْهَا أَمْكِنَةٌ وَاسِعَةٌ بِلَا غَرْسٍ لِيَنْغَرِسَ بِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ، وَيَتَمَيَّزَ غَرْسُهَا الْأَصْلِيُّ الَّذِي بِلَا سَبَبٍ، وَغَرْسُهَا الْمُسَبَّبُ عَنْ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ.

стр. 3308

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَكْثَرَهَا مَغْرُوسٌ لِيَكُونَ مُقَابِلًا لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ غَيْرَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، وَبَقِيَّتُهَا تَغْرَسُ بِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ لِيَمْتَازَ ثَوَابُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لِعِظَمِ فَضْلِهَا، كَمَا عُلِمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ عَنْ ثَوَابِ غَيْرِهَا. اهـ. وَفِي كَوْنِ هَذَا حَاصِلَ الْجَوَابِينَ أَوْ أَحَدِهِمَا نَظَرٌ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْ، وَيَخْطُرُ بِالْبَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَقَلَّ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْ لَهُ جَنَّتَانِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] فَيُقَالُ: جَنَّةٌ فِيهَا أَشْجَارٌ وَأَنْهَارٌ وَحُورٌ وَقُصُورٌ خُلِقَتْ بِطَرِيقِ الْفَضْلِ، وَجَنَّةٌ يُوجَدُ فِيهَا مَا ذُكِرَ بِسَبَبِ حُدُوثِ الْأَعْمَالِ وَالْأَذْكَارِ مِنْ بَابِ الْعَدْلِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: جَنَّةٌ فِي الدُّنْيَا، وَجَنَّةٌ فِي الْعُقْبَى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، غَرِيبٌ إِسْنَادًا) : وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " يُغْرَسُ لَكَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ ".

стр. 3309

٢٣١٦ - وَعَنْ يُسَيْرَةَ ﵂ وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ، قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ، وَالتَّقْدِيسِ، وَاعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ، فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ، وَلَا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٣١٦ - (وَعَنْ يُسَيْرَةَ) : - بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ السِّينِ - وَيُقَالُ أُسَيْرَةَ بِالْهَمْزِ، أُمُّ يَاسِرٍ صَحَابِيَّةٌ مِنَ الْأَنْصَارِيَّاتِ، وَيُقَالُ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: كَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُطَابِقُ لِقَوْلِهِ: (وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ) : وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ: إِنَّهَا بِنْتُ يَاسِرٍ فَهُوَ سَهْوُ قَلَمٍ. (قَالَتْ: قَالَ لَنَا) أَيْ: مَعْشَرِ النِّسَاءِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَلَيْكُنَّ) : اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْزَمْنَ وَأَمْسِكْنَ (بِالتَّسْبِيحِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَالتَّقْدِيسِ) أَيْ: قَوْلِ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، أَوْ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالتَّقْدِيسِ التَّكْبِيرُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ فِي الْمَعْدُودَاتِ عَلَى وَفْقِ نَظَائِرِهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا عَادَةُ الْعَرَبِ أَنَّ الْكَلِمَةَ إِذَا تَكَرَّرَتْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمُ اخْتَصَرُوهَا لِيَسْهُلَ تَكَرُّرُهَا بِضَمِّ بَعْضِ حُرُوفِ إِحْدَاهَا إِلَى الْأُخْرَى، كَالْحَوْقَلَةِ وَالْحَيْعَلَةِ وَالْبَسْمَلَةِ وَكَالتَّهْلِيلِ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُقَالُ: هَيْلَلَ الرَّجُلُ وَهَلَّلَ إِذَا قَالَ ذَلِكَ. اهـ. وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ مِنْ وُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْبَسْمَلَةَ وَنَحْوَهَا مِنَ الْكَلِمَاتِ الْمَصْنُوعَةِ لَا الْعَرَبِيَّةِ الْمَوْضُوعَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا مُسَلَّمٌ فِي الْحَوْقَلَةِ وَالْحَيْعَلَةِ وَالْبَسْمَلَةِ، وَأَمَّا التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ فَمَصْدَرَانِ قِيَاسِيَّانِ، وَكَذَا التَّقْدِيسُ، وَمَعْنَاهَا جَعْلُ اللَّهِ مُسَبَّحًا وَمُقَدَّسًا أَيْ: مُنَزَّهًا بِالذِّكْرِ وَالِاعْتِقَادِ عَنْ صِفَاتِ الْحُدُوثِ وَالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَمُهَلِّلًا أَيْ: مَرْفُوعَ الصَّوْتِ بِذِكْرِ تَوْحِيدِهِ وَإِثْبَاتِ تَفْرِيدِهِ، نَعَمْ هَيْلَلَ مِنْ قَبِيلِ بَسْمَلَ، وَكَذَا سَبْحَلَ، وَكَذَا قَدْسَلَ، لَوْ سُمِعَ أَوْ بُنِيَ لِوُجُودِ دَلَالَةِ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى كَلِمَةٍ فِي مُقَابَلَتِهَا، بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، وَأَيْضًا فَهَذِهِ مَصَادِرُ بَابِ التَّفْعِيلِ عَلَى طِبْقِ الْمَوْضُوعِ. وَالْمَصْدَرُ الْمَصْنُوعُ مُخْتَصٌّ بِبَابِ الْفَعْلَلَةِ مُلْحَقٌ بِهِ فِي التَّصْرِيفِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ وَمُحَقَّقٌ، وَلَا يَضُرُّنَا تَفْسِيرُهُمُ التَّسْبِيحَ بِسُبْحَانَ اللَّهِ وَالتَّهْلِيلَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالتَّقْدِيسَ بِسُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، فَإِنَّهُ تَفْسِيرٌ مَعْنَوِيٌّ مُجَزَّأٌ مِنْ مَعْنًى كُلِّيٍّ هُوَ الْمَفْهُومُ الْمَصْدَرِيُّ (وَاعْقِدْنَ) : بِكَسْرِ الْقَافِ أَيِ: اعْدُدْنَ عَدَدَ مَرَّاتِ التَّسْبِيحِ وَمَا عَطَفَ عَلَيْهِ (بِالْأَنَامِلِ) أَيْ: بِعَقْدِهَا أَوْ بِرُءُوسِهَا يُقَالُ: عَقْدُ الشَّيْءِ بِالْأَنَامِلِ عَدُّهُ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ عَدُّهُنَّ، أَوِ التَّقْدِيرُ: اعْدُدْنَ. لَا وَجْهَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَرَّضَهُنَّ ﷺ عَلَى أَنْ يُحْصِينَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ بِأَنَامِلِهِنَّ لِيَحُطَّ عَنْهَا بِذَلِكَ مَا اجْتَرَحَتْهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ يَعْرِفْنَ عَقْدَ الْحِسَابِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ عَلَى مَذْهَبِ جَمَاعَةٍ. وَهُوَ وَهْمٌ، وَانْتِقَالٌ مِنْهُ مِنَ الْبَاءِ إِلَى " مِنْ " وَإِلَّا فَزِيَادَةُ الْبَاءِ فِي الْمَفْعُولِ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ اتِّفَاقًا عَلَى مَا فِي الْمُغْنِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] ، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] ، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥] ، ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ﴾ [ص: ٣٣] ، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَقَوْلِهِ: فَكَفَى بِنَا فَضْلًا عَلَى مَنْ عَيَّرَنَا حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا، وَالْأَنَامِلُ جَمْعُ أُنْمُلَةٍ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ وَالْهَمْزِ تِسْعُ لُغَاتٍ فِيهَا الظُّفْرُ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَصَابِعُ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْبَعْضِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ عَكْسُ مَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] لِمُبَالَغَةٍ، وَفِيهِ

стр. 3310

جَوَازُ عَدِّ الْأَذْكَارِ وَمَأْخَذُ سُبْحَةِ الْأَبْرَارِ، وَقَدْ كَانَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ خَيْطٌ فِيهِ عُقَدٌ كَثِيرَةٌ يُسَبِّحُ بِهَا، وَزَعْمُ أَنَّهَا بِدْعَةٌ غَيْرُ صَحِيحٍ لِوُجُودِ أَصْلِهَا فِي السُّنَّةِ وَلِقَوْلِهِ ﷺ " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ " وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْعَقْدَ بِالْأَنَامِلِ دَلَالَةً عَلَى الْأَفْضَلِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنَّهُنَّ) أَيِ: الْأَنَامِلَ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ (مَسْئُولَاتٌ) أَيْ: يُسْأَلْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا اكْتَسَبْنَ وَبِأَيِّ شَيْءٍ اسْتُعْمِلْنَ، (مُسْتَنْطَقَاتٌ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْ: مُتَكَلِّمَاتٌ بِخَلْقِ النُّطْقِ فِيهَا فَيَشْهَدْنَ لِصَاحِبِهِنَّ أَوْ عَلَيْهِ بِمَا اكْتَسَبَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] ، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَعْضَاءِ فِيمَا يُرْضِي الرَّبَّ تَعَالَى وَتَعْرِيضُ التَّحَفُّظِ عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالْآثَامِ. (وَلَا تَغْفُلْنَ) : بِضَمِّ الْفَاءِ، وَالْفَتْحِ لَحْنٌ أَيْ: عَنِ الذِّكْرِ يَعْنِي لَا تَتْرُكْنَ الذِّكْرَ، (فَتَنْسَيْنَ) : بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ: فَتَتْرُكْنَ (الرَّحْمَةَ) : بِسَبَبِ الْغَفْلَةِ، وَالْمُرَادُ بِنِسْيَانِ الرَّحْمَةِ نِسْيَانُ أَسْبَابِهَا أَيْ: لَا تَتْرُكْنَ الذِّكْرَ، فَإِنَّكُنَّ لَوْ تَرَكْتُنَّ الذِّكْرَ لَحُرِمْتُنَّ ثَوَابَهُ، فَكَأَنَّكُنَّ تَرَكْتُنَّ الرَّحْمَةَ. قَالَ تَعَالَى: فَاذْكُرُونِي أَيْ: بِالطَّاعَةِ أَذْكُرْكُمْ أَيْ: بِالرَّحْمَةِ. وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِصِيغَةٍ مَجْهُولَةٍ مِنَ الْإِنْسَاءِ، أَيْ: إِنَّكُنَّ اسْتُحْفِظْتُنَّ ذِكْرَ الرَّحْمَةِ وَأُمِرْتُنَّ بِسُؤَالِهَا، فَإِذَا غَفَلْتُنَّ فَقَدْ ضَيَّعْتُنَّ مَا اسْتُودِعْتُنَّ فَتُرِكْتُنَّ سُدًى عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: (لَا تَغْفُلْنَ) نَهْيٌ لِأَمْرَيْنِ أَيْ: لَا تَغْفُلْنَ عَمَّا ذَكَرْتُ، لَكِنْ مِنَ اللُّزُومِ عَلَى الذِّكْرِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ وَالْعَقْدِ بِالْأَصَابِعِ تَوْثِيقًا، وَقَوْلُهُ: فَتَنْسَيْنَ جَوَابُ " لَوْ " أَيْ: إِنَّكُنَّ لَوْ تَغْفُلْنَ عَمَّا ذَكَرْتُ لَكُنَّ لَتُرِكْتُنَّ سُدًى عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] أَوْ لَا يَكُنْ مِنْكُنَّ الْغَفْلَةُ فَيَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَرْكُ الرَّحْمَةِ، فَعَبَّرَ بِالنِّسْيَانِ عَنْ تَرْكِ الرَّحْمَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦] . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .

стр. 3311

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٣١٧ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ، قَالَ: " قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ". فَقَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي، فَمَا لِي؟ فَقَالَ: " قُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي» ". شَكَّ الرَّاوِي فِي " عَافِنِي ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٣١٧ - (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَامًا) أَيْ: ذِكْرًا (أَقُولُهُ) أَيْ: أَذْكُرُهُ وِرْدًا (قَالَ: " قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) بَدَأَ بِالتَّوْحِيدِ عَلَى وَجْهِ التَّفْرِيدِ، فَإِنَّهُ مَبْدَأُ كُلِّ عِبَادَةٍ وَمَخْتَمُ كُلِّ سَعَادَةٍ لِلْمُرَادِ وَالْمُرِيدِ (اللَّهُ أَكْبَرُ) أَيْ: مِنْ كُلِّ كَبِيرٍ أَوْ مِنْ أَنْ يُحَاطَ بِكُنْهِ كِبْرِيَائِهِ وَهُوَ الْأَوْلَى (كَبِيرًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: كَبَّرْتُ كَبِيرًا، أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُؤَكِّدَةً (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا) أَيْ: حَمْدًا كَثِيرًا (سُبْحَانَ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَسُبْحَانَ اللَّهِ (رَبِّ الْعَالَمِينَ) أَيْ: جَمِيعِ الْخَلَائِقِ، وَتَغْلِيبُ ذَوِي الْعِلْمِ لِشَرَفِهِمْ (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) : وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ بِلَفْظِ: " الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ " وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ فِي الصَّحِيحِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَمْ يَرِدْ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ إِلَّا عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَإِنَّهُ أَرْدَفَهَا بِقَوْلِهِ: " الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ". (قَالَ) أَيِ: الْأَعْرَابِيُّ (فَهَؤُلَاءِ) أَيِ: الْكَلِمَاتُ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: هَؤُلَاءِ (لِرَبِّي) أَيْ: مَوْضُوعَةٌ لِذِكْرِهِ (فَمَا لِي؟) أَيْ مِنَ الدُّعَاءِ لِنَفْسِي (فَقَالَ: " قُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) أَيْ: بِمَحْوِ السَّيِّئَاتِ (وَارْحَمْنِي) أَيْ: بِتَوْفِيقِ الطَّاعَاتِ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ (وَاهْدِنِي) أَيْ: لِأَحْسَنِ الْأَحْوَالِ (وَارْزُقْنِي) أَيِ: الْمَالَ الْحَلَالَ (وَعَافِنِي) أَيْ: مِنَ الِابْتِلَاءِ بِمَا يَضُرُّ فِي الْمَآلِ (شَكَّ الرَّاوِي

стр. 3312

فِي " عَافِنِي) أَيْ: فِي إِثْبَاتِهِ وَنَفْيِهِ، وَالْأَوْلَى الْإِثْبَاتُ لِعَدَمِ مَضَرَّتِهِ بَعْدَ تَمَامِ دَعْوَتِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: شَكَّ الرَّاوِي فِي لَفْظِ " عَافِنِي " هَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ لَا فَهُوَ بِظَاهِرِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ هُوَ الصَّحَابِيُّ، وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الرُّوَاةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: فَيُؤْتَى بِهِ احْتِيَاطًا لِرِعَايَةِ احْتِمَالِ أَنَّهُ ﷺ قَالَهُ، مُسَلَّمٌ. أَمَّا قَوْلُهُ: وَنَظِيرُهُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا إِلَخْ. رُوِيَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ، فَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَقُولَ كَبِيرًا كَثِيرًا لِيَكُونَ قَدْ أَتَى بِالْوَارِدِ يَقِينًا ; فَمُعْتَرَضٌ بِأَنَّ الْجَمْعَ بِهَذَا الْمِنْوَالِ غَيْرُ وَارِدٍ، وَالصَّحِيحُ فِي الْجَمْعِ أَنْ يَقُولَ: كَبِيرَا مَرَّةً وَكَثِيرًا أُخْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3313

٢٣١٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى شَجَرَةٍ يَابِسَةِ الْوَرَقِ، فَضَرَبَهَا بِعَصَاهُ، فَتَنَاثَرَ الْوَرَقُ، فَقَالَ: " إِنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، تُسَاقِطُ ذُنُوبَ الْعَبْدِ كَمَا تَسَاقَطَ وَرَقُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢٣١٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى شَجَرَةٍ يَابِسَةِ الْوَرَقِ، فَضَرَبَهَا) أَيْ: أَغْصَانَ الشَّجَرَةِ (بِعَصَاهُ، فَتَنَاثَرَ الْوَرَقُ) أَيْ: تَسَاقَطَ (فَقَالَ: " إِنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ أَوْ عَلَى الِابْتِدَائِيَّةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ وَهُوَ ضَعِيفٌ (وَسُبْحَانَ اللَّهِ) : وَنَصْبُهُ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ (وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذِهِ الْكَلِمَاتُ كُلُّهَا بِالنَّصْبِ عَلَى اسْمِ إِنَّ: وَخَبَرُهَا (تُسَاقِطُ) : بِضَمِّ التَّاءِ (ذُنُوبَ الْعَبْدِ) أَيِ: الْمُتَكَلِّمِ بِهَا وَالْمُغَالَبَةُ لِلْمُبَالَغَةِ (كَمَا يَتَسَاقَطُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: تُسَاقِطُ فَتَسَاقَطَ كَمَا يَتَسَاقَطُ (وَرَقُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) : وَقَوْلُهُ كَمَا يَتَسَاقَطُ إِنْ جُعِلَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لَمْ تَبْقَ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ الْمَصْدَرَيْنِ، وَلَوْ جُعِلَ حَالًا مِنَ الذُّنُوبِ اسْتَقَامَ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ تُسَاقِطُ الذُّنُوبَ مُشَبَّهًا تَسَاقُطُهَا بِتَسَاقُطِ الْوَرَقِ، كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: الْأَصَحُّ أَنَّ " مَا " زَائِدَةٌ، وَالْكَافُ بِمَعْنَى مِثْلِ، حَالٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالتَّقْدِيرُ حَالَ كَوْنِ تَسَاقُطِ الذُّنُوبِ مِثْلَ تَسَاقُطِ وَرَقِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا سَلَكَهُ الشَّارِحُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّهُ بِعَيْنِهِ فِي التَّقْدِيرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 3314

٢٣١٩ - وَعَنْ مَكْحُولٍ، «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ» ". قَالَ مَكْحُولٌ: فَمَنْ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا مَنْجًى مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ; كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الضُّرِّ، أَدْنَاهَا الْفَقْرُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، وَمَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ــ ٢٣١٩ - (وَعَنْ مَكْحُولٍ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، كَانَ مِنَ السُّودَانِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: الْعُلَمَاءُ أَرْبَعَةٌ: ابْنُ الْمُسَيَّبِ بِالْمَدِينَةِ، وَالشَّعْبِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَالْحَسَنُ بِالْبَصْرَةِ، وَمَكْحُولٌ بِالشَّامِ، كَانَ مُفْتِيًا بِالشَّامِ، وَكَانَ لَا يُفْتِي حَتَّى يَقُولَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، وَأَبِي هِنْدٍ الْوَزَّانِ وَغَيْرِهِمْ، وَسَمِعَ مِنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْعَسَّالُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ) أَيْ: عَنْ دَفْعِ الضُّرِّ (وَلَا قُوَّةَ) أَيْ: عَلَى جَلْبِ النَّفْعِ (إِلَّا بِاللَّهِ) أَيْ: بِحِفْظِهِ وَقُدْرَتِهِ (فَإِنَّهَا مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ) أَيْ: مِنْ ذَخَائِرِهَا وَنَفَائِسِهَا تَنْفَعُ صَاحِبَهَا يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. (قَالَ مَكْحُولٌ) أَيْ: مَوْقُوفًا عَلَيْهِ (فَمَنْ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا مَنْجَا) : بِالْأَلِفِ أَيْ: لَا مَهْرَبَ وَلَا مَخْلَصَ (مِنَ اللَّهِ) : أَيْ: مِنْ سُخْطِهِ وَعُقُوبَتِهِ (إِلَّا إِلَيْهِ) أَيْ: بِالرُّجُوعِ إِلَى رِضَاهُ وَرَحْمَتِهِ (كَشَفَ اللَّهُ) أَيْ: دَفَعَ (عَنْهُ سَبْعِينَ بَابًا) أَيْ: نَوْعًا (مِنَ الضُّرِّ) : بِضَمِّ الضَّادِ وَتُفْتَحُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ التَّحْدِيدَ وَالتَّكْثِيرَ (أَدْنَاهُ) أَيْ: أَقَلُّ الضَّرَرِ بِمَعْنَى جِنْسِهِ (الْفَقْرُ) أَيْ: ضَرَرُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (أَدْنَاهَا) أَيْ: أَحَطُّ السَبْعِينَ، وَأَدْنَى مَرَاتِبِ الْأَنْوَاعِ نَوْعُ مَضَرَّةِ الْفَقْرِ، وَالْمُرَادُ الْفَقْرُ الْقَلْبِيُّ الَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، لِأَنَّ قَائِلَهَا إِذَا تَصَوَّرَ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ تَقَرَّرَ عِنْدَهُ، وَتَيَقَّنَ فِي قَلْبِهِ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَأَنْ لَا نَفْعَ وَلَا ضُرَّ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا عَطَاءَ وَلَا مَنْعَ إِلَّا بِهِ، فَصَبَرَ عَلَى الْبَلَاءِ وَشَكَرَ عَلَى النَّعْمَاءِ، وَفَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَرَضِيَ بِالْقَدَرِ وَالْقَضَاءِ فَصَارَ مِنْ زُبْدَةِ الْأَوْلِيَاءِ، وَعُمْدَةِ الْأَصْفِيَاءِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا) أَيْ: صَدْرُ الْحَدِيثِ (حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ) :

стр. 3315

وَبَيَّنَ عَدَمَ الِاتِّصَالِ بِقَوْلِهِ: (وَمَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَذَا فِي السَّمْعِ، وَالْمَشْهُورُ " مِنْ ". قُلْتُ الْمَشْهُورُ تَعْدِيَتُهُ بِنَفْسِهِ إِلَى وَاحِدٍ، وَقِيلَ: إِلَى اثْنَيْنِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَمْ يَسْمَعْ مَكْحُولٌ الْحَدِيثَ نَاقِلًا أَوْ رَاوِيًا عَنْ (أَبِي هُرَيْرَةَ) : وَهَذَا نُكْتَةُ ذِكْرِ مَكْحُولٍ فِي عُنْوَانِ الْحَدِيثِ عَلَى خِلَافِ جَرْيِ عَادَةِ الْمُؤَلِّفِ، لِيَكُونَ إِشَارَةً إِلَى الِانْقِطَاعِ، لَكِنْ يُقَوِّيهِ أَنَّهُ وَرَدَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا: " «قُلْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ السِّتَّةُ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مَعَ لَا مَنْجَا مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ» ".

стр. 3316

٢٣٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ دَوَاءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دَاءً أَيْسَرُهَا الْهَمُّ» ". ــ ٢٣٢٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ دَوَاءٌ) أَيْ: مَعْنَوِيٌّ تَأْثِيرُهُ قَوِيٌّ (مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دَاءً) أَيْ: مِنَ الْأَدْوَاءِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ (أَيْسَرُهَا) أَيْ: أَقَلُّهَا وَأَسْهَلُهَا (الْهَمُّ) أَيْ: جِنْسُ الْهَمِّ الْمُتَعَلِّقُ بِالدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا، أَوْ هَمُّ الْمَعَاشِ وَغَمُّ الْمَعَادِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْهَمَّ مُوجِبٌ لِغَمِّ النَّفْسِ وَضِيقِ النَّفَسِ، وَسَبَبٌ لِضَعْفِ الْقُوَى وَاخْتِلَالِ الْأَعْضَاءِ، وَمِنْ ثَمَّ امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ يُونُسَ ﵊ بِمُعَافَاتِهِ مِنَ الْغَمِّ حَيْثُ قَالَ: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] .

стр. 3317

٢٣٢١ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَسْلَمَ عَبْدِي، وَاسْتَسْلَمَ» ". رَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ. ــ ٢٣٢١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ صِفَةُ كَلِمَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مِنْ) ابْتِدَائِيَّةً أَيْ: تِلْكَ الْكَلِمَةُ نَاشِئَةٌ كَائِنَةٌ مِنْ تَحْتِهِ، وَ (مِنْ) فِي: " مِنْ كَنَزِ الْجَنَّةِ " بَيَانِيَّةٌ، وَإِذَا جُعِلَ الْعَرْشُ سَقْفَ الْجَنَّةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةَ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ. اهـ. وَالْمَعْنَى أَنَّهَا مِنَ الْكُنُوزِ الْمَعْنَوِيَّةِ الْعَرْشِيَّةِ، وَذَخَائِرِ الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ الْعُلْوِيَّةِ، لَا مِنَ الْكُنُوزِ الْفَانِيَةِ الْحِسِّيَّةِ السُّفْلِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: كَلِمَةٌ أُنْزِلَتْ مِنَ الْكَنْزِ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ تَحْتَهُ كَنْزًا، وَأَنَّ أَوَاخِرَ الْبَقَرَةِ نَزَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْكَنْزِ، وَهِيَ أَيْضًا مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ، فَـ (مِنْ) تَبْعِيضِيَّةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ حَدِيثُ مَكْحُولٍ. (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) أَيْ: فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ فَضِيلَةِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ وَفَضْلِ قَائِلِهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: إِذَا قَالَ الْعَبْدُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ لِمَلَائِكَتِهِ مُعْلِمًا لَهُمْ بِكَمَالِ قَائِلِهَا الْمُتَحَلِّي بِمَعْنَاهَا: (أَسْلَمَ عَبْدِي) أَيِ: انْقَادَ وَتَرَكَ الْعِنَادَ، أَوْ أَخْلَصَ فِي الْعُبُودِيَّةِ بِالتَّسْلِيمِ لِأُمُورِ الرُّبُوبِيَّةِ، (وَاسْتَسْلَمَ) أَيِ: انْقَادَ انْقِيَادًا كَامِلًا، أَوْ بَالَغَ فِي الِانْقِيَادِ وَقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْعِبَادِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: فَوَّضَ أُمُورَ الْكَائِنَاتِ إِلَى اللَّهِ بِأَسْرِهَا وَانْقَادَ هُوَ بِنَفْسِهِ لِلَّهِ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) : وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: وَرَوَى الْأَوَّلَ مِنْهُمَا الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ.

стр. 3318

٢٣٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ هِيَ صَلَاةُ الْخَلَائِقِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَسْلَمَ وَاسْتَسْلَمَ. رَوَاهُ رَزِينٌ. ــ ٢٣٢٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ) أَيْ: مَوْقُوفًا عَلَيْهِ (سُبْحَانَ اللَّهِ هِيَ صَلَاةُ الْخَلَائِقِ) أَيْ: عِبَادَتُهَا وَانْقِيَادُهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ : ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] وَالتَّسْبِيحُ إِمَّا بِالْقَالِ أَوْ بِالْحَالِ، حَيْثُ يَدُلُّ عَلَى الصَّانِعِ وَعَلَى قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ. (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ) أَيْ: عُمْدَتُهُ وَرَأْسُهُ كَمَا سَبَقَ، (وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ) أَيْ: كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ الْمُوجِبَةُ خَلَاصَ قَائِلِهَا مِنَ النَّارِ، أَوْ كَلِمَةٌ لَا تَنْفَعُ إِلَّا مَقْرُونَةً بِالصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ، (وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَمْلَأُ) : بِالتَّأْنِيثِ بِاعْتِبَارِ الْكَلِمَةِ، وَتُذَكَّرُ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ أَيْ: يَمْلَأُ ثَوَابُهَا أَوْ عَظَمَتُهُ (مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) : إِذْ لَا كَبِيرَ فِيهِمَا إِلَّا حَقِيرٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ (وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) أَيْ: وَتَصَوَّرَ مَبْنَاهُ وَتَحَقَّقَ بِمَعْنَاهُ (قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: أَسْلَمَ) أَيْ: إِسْلَامًا كَامِلًا (وَاسْتَسْلَمَ) أَيِ: انْقَادَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (رَوَاهُ رَزِينٌ) .

стр. 3319

[بَابُ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٣٢٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَاللَّهِ إِنِّي لِأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ (بَابُ الِاسْتِغْفَارِ) أَيْ: طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ، وَهُوَ قَدْ يَتَضَمَّنُ التَّوْبَةَ وَقَدْ لَا يَتَضَمَّنُ، وَلِذَا قَالَ: (وَالتَّوْبَةُ) : أَوِ: الِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّوْبَةُ بِالْجَنَانِ، وَهِيَ الرُّجُوعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، أَوْ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ، وَمِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ، ثُمَّ هِيَ أَهَمُّ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَأَوَّلُ مَقَامَاتِ سَالِكِي الْآخِرَةِ، وَالْمَغْفِرَةُ مِنْهُ تَعَالَى لِعَبْدِهِ سَتْرُهُ لِذَنْبِهِ فِي الدُّنْيَا، بِأَنْ لَا يُطْلِعَ عَلَيْهِ أَحَدًا، وَفِي الْآخِرَةِ بِأَنْ لَا يُعَاقِبَهُ عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالتَّوْبَةُ فِي الشَّرْعِ تَرْكُ الذَّنْبِ لِقُبْحِهِ، وَالنَّدَمُ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُ، وَالْعَزِيمَةُ عَلَى تَرْكِ الْمُعَاوَدَةِ وَتَدَارُكِ مَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَدَارَكَ مِنَ الْأَعْمَالِ بِالْإِعَادَةِ. هَذَا كَلَامُ الرَّاغِبِ، وَزَادَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: إِنْ كَانَ الذَّنْبُ مُتَعَلِّقًا بِبَنِي آدَمَ، فَلَهَا شَرْطٌ آخَرُ، وَهُوَ رَدُّ الْمَظْلَمَةِ إِلَى صَاحِبِهَا أَوْ تَحْصِيلُ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثُمَّ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ كَقَضَاءِ صَلَاةٍ فَلَا يُسَامَحُ بِصَرْفِ وَقْتٍ فِي نَفْلٍ وَفَرْضِ كِفَايَةٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْفِسْقِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ، فَمَتَى تَنَفَّلَ مَثَلًا كَانَ بَاقِيًا فِي الْفِسْقِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ، وَالْبَقَاءُ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ فِسْقٌ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ. قُلْتُ: كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] قَالَ: يَتَسَامَحُ فِي صَرْفِ الْوَقْتِ إِلَى كَسْبِ مَا يَقُومُ بِمُؤَنِهِ وَمُؤَنِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ لَا فِي أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ مِنْهُ ﵁ وَكُنْتُ أَعْتَقِدُ بِمَضْمُونِهِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٣٢٣ - (عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " وَاللَّهِ) : قَسَمٌ لِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ (إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أَيْ: مِنْ تَقْصِيرِي فِي الطَّاعَةِ، أَوْ مِنْ رُؤْيَةِ نَفْسِي فِي الْعِبَادَةِ، وَلِذَا كَانَ يُعَقِّبُ صَلَاتَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ عَلَى طَرِيقِ التَّرْجِيعِ وَالتَّكْرَارِ (وَأَتُوبُ إِلَيْهِ) أَيْ: أَرْجِعُ إِلَى أَحْكَامِهِ بَعْدَ إِحْكَامِ شَرَائِعِهِ وَإِعْلَامِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفَارُ إِيمَاءً إِلَى التَّفْرِقَةِ وَالتَّوْبَةُ إِلَيْهِ إِشَارَةً إِلَى الْجَمْعِ، أَوِ الِاسْتِغْفَارُ اشْتِغَالٌ بِالْخَلْقِ، وَالتَّوْبَةُ الْتِفَاتٌ إِلَى الْحَقِّ، وَهُوَ مَرْتَبَةٌ لِجَمْعِ الْجَمْعِ، أَوِ الِاسْتِغْفَارُ مُرَاقَبَةٌ وَالتَّوْبَةُ مُشَاهَدَةٌ، أَوِ الِاسْتِغْفَارُ فَنَاءٌ وَالتَّوْبَةُ بَقَاءٌ. (فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ

стр. 3320

سَبْعِينَ مَرَّةً) : يَحْتَمِلُ التَّحْدِيدَ لِلرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا جَمِيعًا التَّكْثِيرُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَوْبَتُهُ ﷺ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً وَاسْتِغْفَارُهُ لَيْسَ لِذَنْبٍ، لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ، بَلْ لِاعْتِقَادِ قُصُورِهِ فِي الْعُبُودِيَّةِ عَمَّا يَلِيقُ بِحَضْرَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَحَثٌّ لِلْأُمَّةِ عَلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّهُ ﷺ مَعَ كَوْنِهِ مَعْصُومًا، وَكَوْنِهِ خَيْرَ الْمَخْلُوقَاتِ إِذَا اسْتَغْفَرَ وَتَابَ إِلَى رَبِّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَكَيْفَ بِالْمُذْنِبِينَ، وَالِاسْتِغْفَارُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ بِالْمَقَالِ وَالْفِعَالِ جَمِيعًا، وَالْمَغْفِرَةُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَصُونَ الْعَبْدَ مِنْ أَنْ يَمَسَّهُ عَذَابٌ. قَالَ عَلِيٌّ ﵁: كَانَ فِي الْأَرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَرُفِعَ أَحَدُهُمَا فَدُونَكُمُ الْآخَرَ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ. أَمَّا الْمَرْفُوعُ، فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا الْبَاقِي مِنْهُمَا فَالِاسْتِغْفَارُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] أَقُولُ: إِذَا كَانَ الِاسْتِغْفَارُ يَنْفَعُ الْكُفَّارَ، فَكَيْفَ لَا يُفِيدُ الْمُؤْمِنِينَ الْأَبْرَارَ، وَقِيلَ: اسْتِغْفَارُهُ ﷺ مِنْ ذُنُوبِ الْأُمَّةِ فَهُوَ كَالشَّفَاعَةِ لَهُمْ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3321

٢٣٢٤ - وَعَنِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٣٢٤ - (عَنِ الْأَغَرِّ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (الْمُزَنِيِّ) : نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ مُزَيْنَةَ مُصَغَّرًا، وَقِيلَ الْجُهَنِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (لَيُغَانُ) : بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ: يُطْبِقُ وَيَغْشَى، أَوْ يَسْتُرُ وَيُغَطِّي (عَلَى قَلْبِي) أَيْ: عِنْدَ إِرَادَةِ رَبِّي (وَإِنِّي لِأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أَيْ: لِذَلِكَ الْغَيْنِ عَنْ نَظَرِ الْعَيْنِ بِحِجَابِ الْبَيْنِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الْأَيْنِ (فِي الْيَوْمِ) أَيِ: الْوَقْتِ الَّذِي أَرَادَ أَوِ الْوَقْتِ الَّذِي يَغِيبُ الْمُرِيدُ فِي الْمُرَادِ، وَهُوَ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ الصُّوفِيَّةُ بِقَوْلِهِمُ: الصُّوفِيُّ ابْنُ الْوَقْتِ أَوْ أَبُو الْوَقْتِ، وَقَدْ رُئِيَ لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَلَكِ جِبْرِيلُ، وَالنَّبِيِّ الْمُرْسَلِ نَفْسُهُ الْجَلِيلُ (مِائَةَ مَرَّةٍ) : أُرِيدَ بِهِ الْكَثْرَةُ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ بَسْطَ الزَّمَانِ وَطَيَّ اللِّسَانِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: تُطْبِقُ إِطْبَاقَ الْغَيْنِ وَهُوَ الْغَيْمُ، يُقَالُ: غَيِنَتِ السَّمَاءُ تَغَانُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْغَيْنُ هُوَ الْغَيْمُ، يُقَالُ: غَيَّنَ عَلَيْهِ كَذَا أَيْ: غَطَّى عَلَيْهِ، وَعَلَى قَلْبِي: مَرْفُوعٌ عَلَى نِيَابَةِ الْفِعْلِ، يَعْنِي لَيَغْشَى عَلَى قَلْبِهِ، مَا لَا يَخْلُو بَشَرٌ عَنْهُ مِنْ سَهْوٍ وَالْتِفَاتٍ إِلَى حُظُوظِ النَّفْسِ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَنْكُوحٍ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهُ كَحِجَابٍ وَغَيْمٍ يُطْبِقُ عَلَى قَلْبِهِ، فَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى حَيْلُولَةً مَا، فَيَسْتَغْفِرُ تَصْفِيَةً لِلْقَلْبِ وَإِزَاحَةً لِلْغَاشِيَةِ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَنْبًا، لَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِرِ أَحْوَالِهِ نَقْصٌ وَهُبُوطٌ إِلَى حَضِيضِ الْبَشَرِيَّةِ يُشَابِهُ الذَّنْبَ فَيُنَاسِبُهُ الِاسْتِغْفَارُ. قَالَ عِيَاضٌ: الْمُرَادُ فَتَرَاتٌ وَغَفَلَاتٌ فِي الذِّكْرِ الَّذِي شَأْنُهُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ، فَإِذَا فَتَرَ أَوْ غَفَلَ عَنْهُ عَدَّهُ ذَنْبًا وَاسْتَغْفَرَ، وَقِيلَ هَمُّهُ بِسَبَبِ أُمَّتِهِ وَمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ فَيَسْتَغْفِرُ لَهُ، وَقِيلَ: اشْتِغَالُهُ بِالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِ أُمَّتِهِ وَمُحَارَبَةِ أَعْدَائِهِ وَتَأْلِيفِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مُعَاشَرَةِ الْأَزْوَاجِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَحْجُبُهُ عَنْ عِظَمِ مَقَامِهِ، وَهُوَ حُضُورُهُ فِي حَضِيرَةِ الْقُدُسِ فَيَعُدُّهُ ذَنْبًا وَيَسْتَغْفِرُ مِنْهُ، وَقِيلَ: كَمَا أَنَّ إِطْبَاقَ الْجَفْنِ عَلَى الْبَاصِرَةِ مِصْقَلَةٌ لَهَا وَحِفْظٌ عَنِ الْغُبَارِ وَالدُّخَانِ وَمَا يَضُرُّهَا، كَذَلِكَ مَا كَانَ يَرِدُ عَلَى قَلْبِهِ وِقَايَةً لَهُ وَحِفْظًا لَهُ عَنْ غُبَارِ الْأَغْيَارِ وَصِقَالَةً لَهُ، فَكَانَ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَالًا، وَإِنْ كَانَ فِي صُورَةِ النُّقْصَانِ كَإِطْبَاقِ الْجَفْنِ، وَبَعْدَ الصَّقْلِ كَانَ يَرَى قُصُورَاتٍ لَازِمَةً لِلْبَشَرِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قِيلَ: لَمَّا كَانَ أَتَمَّ الْقُلُوبِ صَفَاءً وَأَكْثَرَهَا ضِيَاءً، وَكَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ النُّزُولِ إِلَى الرُّخَصِ وَالِالْتِفَاتِ إِلَى حُظُوظِ النَّفْسِ مِنْ مُعَاشَرَةِ الْأَزْوَاجِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَنَحْوِهَا، وَكَانَ إِذَا أَعْطَى شَيْئًا نَفْسَهُ أَسْرَعَ كُدُورَتُهُ إِلَى الْقَلْبِ لِكَمَالِ رِقَّتِهِ وَفَرْطِ نُورَانِيَّتِهِ، فَكَانَ إِذَا أَحَسَّ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَلُومُ نَفْسَهُ بِتَرْكِ كَمَالِ الْحُضُورِ وَيَعُدُّهُ تَقْصِيرًا وَيَسْتَغْفِرُ مِنْهُ. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ فَسَّرَ فِي مَقَالِهِ بِمُقْتَضَى حَالِهِ وَفَهْمِ مَعَانِيهِ وَتَحْقِيقِ مَعَانِيهِ، فَكُلُّ إِنَاءٍ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ، وَلَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُحَقِّقِينَ أَنْ لَا يُقَاسَ الْمُلُوكُ بِالْحَدَّادِينَ، فَكَذَا لَا يُقَاسُ أَحْوَالُ الْقَلْبِ السَّلِيمِ بِمَا يَجْرِي عَلَى الْقَلْبِ السَّقِيمِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُنَزِّهَ قَلْبَهُ عَنِ الذُّنُوبِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَيُئَوِّلَ الِاسْتِغْفَارَ وَالتَّوْبَةَ فِي حَقِّهِ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ تَأْوِيلًا حَسَنًا، وَتَفْصِيلُ أَحْوَالِهِ وَبَيَانُ انْتِقَالِهِ مِنْ نُقْصَانِهِ إِلَى كَمَالِهِ يُوكَلُ إِلَى خَالِقِ الْقُلُوبِ وَعَلَّامِ الْغُيُوبِ، وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: عَنْ قَلْبِ مَنْ تَرْوُونَ هَذَا؟ فَقَالُوا: عَنْ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَ: لَوْ كَانَ عَنْ قَلْبِ غَيْرِهِ لَكُنْتُ أُفَسِّرُهُ لَكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلِلَّهِ دَرُّهُ فِي انْتِهَاجِهِ مَنْهَجَ الْأَدَبِ وَإِحْلَالِ الْقَلْبِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ مَوْقِعَ وَحْيِهِ، وَمَنْزِلَةَ تَنْزِيلِهِ، وَبَعْدُ فَإِنَّ قَلْبَهُ مَشْرَبٌ سُدَّ عَنْ أَهْلِ اللِّسَانِ مَوَارِدُهُ، وَفُتِحَ لِأَهْلِ السُّلُوكِ مَسَالِكُهُ. اهـ. فَالْمُخْتَارُ مَا قَالَ بَعْضُ الْأَخْيَارِ مِنْ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ هَذَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يُخَاضُ فِي مَعْنَاهُ، وَمُجْمَلُ الْكَلَامِ مَا قَالَهُ الْقُطْبُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ ﵀: هُوَ غَيْنُ أَنْوَارٍ لَا غَيْنُ أَغْيَارٍ، وَأَقُولُ: هُوَ غَيْنُ الْعَيْنِ لَا غَيْنُ الْغَيْنِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3322

٢٣٢٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٣٢٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ» ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] وَفِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ دَلِيلٌ وَشَاهِدٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ فِي مَقَامِهِ وَحَالِهِ يَحْتَاجُ إِلَى الرُّجُوعِ لِتَرْقِيَةِ كَمَالِهِ، وَأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مُقَصِّرٌ فِي الْقِيَامِ بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ كَمَا قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: (فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ) أَيْ: أَرْجِعُ رُجُوعًا يَلِيقُ بِهِ إِلَى شُهُودِهِ أَوْ سُؤَالِهِ أَوْ إِظْهَارِ الِافْتِقَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ (فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ) : فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِأَنْ تَرْجِعُوا إِلَيْهِ فِي سَاعَةٍ أَلْفَ مَرَّةٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3323

٢٣٢٦ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنِ اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: " «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ ; فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ ; فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ ; فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ; مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ ; مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ. يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا. فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ. وَمِنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٣٢٦ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِي) أَيْ: بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، يَقَظَةً أَوْ مَنَامًا، بِاللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى (عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ) أَيْ: تَكَاثَرَ خَيْرُهُ وَظَهَرَ فِي هَذَا الْخَيْرِ بَعْضُ أَثَرِهِ، (وَتَعَالَى) أَيْ: عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ فِي الرِّوَايَةِ وَغَيْرِهَا (أَنَّهُ) : ضُبِطَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا، فَتَأَمَّلْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا (قَالَ: " يَا عِبَادِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْخِطَابُ لِلثَّقَلَيْنِ لِتَعَاقُبِ التَّقْوَى وَالْفُجُورِ فِيهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْمَلَائِكَةَ فَيَكُونُ ذِكْرُهُمْ مُدْرَجًا فِي الْجِنِّ لِشُمُولِ الِاجْتِنَانِ لَهُمْ، وَتَوَجُّهُ هَذَا الْخِطَابِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى صُدُورِ الْفُجُورِ، وَلَا عَلَى إِمْكَانِهِ. اهـ. وَكَذَا الْجُوعُ وَالْعُرْيُ، لَكِنَّ الْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْإِمْكَانِ الْعَقْلِيِّ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْخِطَابِ التَّغْلِيبِيِّ ( «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» ) أَيْ: تَقَدَّسْتُ عَنْهُ وَتَعَالَيْتُ، فَهُوَ فِي حَقِّي كَالْمُحَرَّمِ فِي حَقِّ النَّاسِ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ ظُلْمٌ، سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّ الظُّلْمَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ، أَوْ أَنَّهُ التَّعَدِّي فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، لِأَنَّ فِعْلَهُ إِمَّا عَدْلٌ، وَإِمَّا فَضْلٌ. (وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ تَحْرِيمًا غَلِيظًا جِدًّا، فَهُوَ آكَدُ مِنْ حُرْمَتِهِ عَلَيْكُمْ، فَلِذَا عَدَلَ إِلَيْهِ. اهـ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعُدُولَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ الْمُشَارَكَةَ فِي مَعْنَى التَّحْرِيمِ السَّابِقِ، (فَلَا تَظَالَمُوا) : بِفَتْحِ التَّاءِ حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا أَيْ: لَا يَظْلِمُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَإِنِّي أَنْتَقِمُ لِلْمَظْلُومِ مِنْ ظَالِمِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﷻ لَأَنْتَصِرَنَّ لِلْمَظْلُومِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» ". وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] فَهُوَ يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِلُ (يَا عِبَادِي) : كَرَّرَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى فَخَامَتِهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ. قَالَهُ

стр. 3324

ابْنُ حَجَرٍ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِيمَاءٌ إِلَى مُقْتَضَى الْعُبُودِيَّةِ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى مُرَاعَاةِ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ (كُلُّكُمْ ضَالٌّ) أَيْ: عَنْ كُلِّ كَمَالٍ وَسَعَادَةٍ دِينِيَّةٍ وَدُنْيَوِيَّةٍ (إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ) : قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ وَصْفُهُمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَا أَنَّهُمْ خُلِقُوا فِي الضَّلَالَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُمْ لَوْ تُرِكُوا بِمَا فِي طِبَاعِهِمْ لَضَلُّوا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊: " «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ» "، وَهُوَ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ ﵊: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ " فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ التَّوْحِيدُ، وَالْمُرَادَ بِالضَّلَالَةِ جَهَالَةُ تَفْصِيلِ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ وَحُدُودِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ [الضحى: ٧] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَاشِقًا (فَاسْتَهْدُونِي) أَيِ: اطْلُبُوا الْهِدَايَةَ مِنِّي أَيَّ نَوْعٍ مِنْهَا (أَهْدِكُمْ) : إِذْ لَا هَادِيَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الِامْتِنَانِ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ شَرَعَ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ تَكْمِيلًا لِلْمَرْتَبَتَيْنِ، مُقْتَصِرًا عَلَى الْأَمْرَيْنِ الْأَهَمَّيْنِ مِنْهَا، وَهُوَ الْأَكْلُ وَاللُّبْسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْجَنَّةِ: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩] وَلَعَلَّ تَرْكَ الظَّمَأِ اكْتِفَاءٌ بِدَلَالَةِ الْمُقَابَلَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أَيْ: وَالْبَرْدَ، وَتَرْكُ الْمَأْوَى لِشُمُولِ الْكُسْوَةِ الَّتِي هِيَ السُّتْرَةُ لَهُ إِيمَاءٌ أَوْ إِشَارَةٌ (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ) أَيْ: مُحْتَاجٌ إِلَى الطَّعَامِ (إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ) أَيْ: مَنْ أَطْعَمْتُهُ وَبَسَطْتُ عَلَيْهِ الرِّزْقَ وَأَغْنَيْتُهُ، فَلَا يَشْكُلُ أَنَّ الْإِطْعَامَ عَامٌّ لِلْجَمِيعِ، فَكَيْفَ يَسْتَثْنِي (فَاسْتَطْعِمُونِي) أَيِ: اطْلُبُوا الطَّعَامَ مِنْ جَنَابِي وَتَيْسِيرَ الْقُوتِ وَالْقُوَّةَ مِنْ بَابِي، (أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ) أَيْ: مُحْتَاجٌ إِلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ وَإِلَى التَّنَعُّمِ بِأَنْوَاعِ لِبَاسِهِ وَزِينَتِهِ (إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي) أَيِ: اطْلُبُوا مِنِّي الْكُسْوَةَ (أَكْسُكُمْ) : بِضَمِّ السِّينِ أَيْ: أُيَسِّرْ لَكُمْ حَالَاتِكُمْ، وَأُزِيلُ عَنْكُمْ مَسَاوِئَ كَشْفِ سَوْآتِكُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ وَكَسَوْتُهُ، إِذْ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مَحْرُومًا مِنْهُمَا قُلْتُ: الْإِطْعَامُ وَالْكُسْوَةُ لَمَّا كَانَا مُعَبِّرَيْنِ عَنِ النَّفْعِ التَّامِّ وَالْبَسْطِ فِي الرِّزْقِ وَعَدَمُهُمَا عَنِ التَّقْتِيرِ وَالتَّضْيِيقِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٦] سَهَّلَ التَّخَيُّلَ عَنِ الْجَوَابِ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إِثْبَاتِ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ نَفْيَ الشِّبَعِ وَالْكُسْوَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَيْسَ فِي الْمُسْتَثْنَى إِثْبَاتُ الشِّبَعِ وَالْكُسْوَةِ مُطْلَقًا، بَلِ الْمُرَادُ بَسْطُهُمَا وَتَكْثِيرُهُمَا، وَيُوَضِّحُهُ الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي، أَنَّهُ وَضَعَ قَوْلَهُ: كُلُّكُمْ فُقَرَاءُ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُهُ فِي مَوْضِعِهِ. اهـ. وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبَهَاءِ، وَهُوَ عَيْنُ مَا أَخَذَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَنْهُ، ثُمَّ أَغْرَبَ وَقَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَرَّرْتُهُ أَوْلَى مِمَّا سَلَكَهُ شَارِحٌ فَتَأَمَّلْهُ. (يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِهِمَا، وَقِيلَ يَجُوزُ ضَمُّهُمَا تَخْفِيفًا بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ. فِي الْقَامُوسِ: خَطَأَ فِي ذَنْبِهِ وَأَخْطَأَ: سَلَكَ سَبِيلَ الْخَطَأِ عَامِدًا أَوْ غَيْرَهُ، أَوِ الْخَاطِئُ مُتَعَمِّدُهُ، وَأَخْطَيْتُ لُغَةٌ أَوْ لُثْغَةٌ، هِيَ تَحَوُّلُ اللِّسَانِ مِنْ حَرْفٍ إِلَى حَرْفٍ، وَالْمَعْنَى تُذْنِبُونَ بِالْفِعْلِ، بِاعْتِبَارِ أَكْثَرِهِمْ، وَبِالْقُوَّةِ بِاعْتِبَارِ أَقَلِّهِمْ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: غَيْرُ الْمَعْصُومِينَ إِذْ لَيْسُوا مُرَادِينَ بِهَذَا فَهُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ لِعُمُومِ عِبَادِي الشَّامِلِ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ فِي السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، نَعَمْ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، وَاسْتِغْفَارُهُمْ غَيْرُ اسْتِغْفَارِ الْمُذْنِبِينَ. (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أَيْ: فِي هَذَيْنِ الزَّمَانَيْنِ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ النَّهَارِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] لِغَلَبَةِ الذَّنْبِ فِيهِ. (وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) أَيْ: بِالتَّوْبَةِ أَوْ مَا عَدَا الشِّرْكَ إِنْ شَاءَ جَمْعًا بَيْنَ آيَتِي الزُّمَرِ وَالنِّسَاءِ، أَوْ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالْأَذْكَارِ وَنَحْوِهِمَا. (فَاسْتَغْفِرُونِي) أَيِ: اطْلُبُوا الْمَغْفِرَةَ مِنِّي (أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي) : بِفَتْحِ الضَّادِ وَضَمِّهِ (فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي) : حَذْفُ نُونِ الْإِعْرَابِ مِنْهُمَا فِي نَصْبِهِمَا عَلَى جَوَابِ النَّفْيِ، أَيْ: لَا يَصِحُّ مِنْكُمْ ضُرِّي وَلَا نَفْعِي، فَإِنَّكُمْ لَوِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى عِبَادَتِي أَقْصَى مَا يُمْكِنُ مَا نَفَعْتُمُونِي فِي مُلْكِي، وَلَوِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى عِصْيَانِي أَقْصَى مَا يُمْكِنُ لَمْ تَضُرُّونِي، بَلْ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ

стр. 3325

أَسَأْتُمْ فَلَهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ) أَيْ: مِنَ الْمَوْجُودِينَ (وَآخِرَكُمْ) : مِمَّنْ سَيُوجَدُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: مِنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُكُمْ (وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ) : تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِلتَّأْكِيدِ، أَوْ تَفْصِيلٌ وَتَبْيِينٌ (كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ) أَيْ: لَوْ كُنْتُمْ عَلَى غَايَةِ التَّقْوَى بِأَنْ تَكُونُوا جَمِيعًا عَلَى تَقْوَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ. وَقَالَ الْقَاضِي: أَيْ: عَلَى تَقْوَى أَتْقَى أَحْوَالِ قَلْبِ رَجُلٍ، أَيْ: كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ لِيَسْتَقِيمَ أَنْ يَقَعَ أَتْقَى خَبَرًا لِكَانَ، ثُمَّ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّ كُلَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ هُوَ أَتْقَى النَّاسِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمْعِ بِمَنْزِلَتِهِ لِأَنَّ هَذَا أَبْلَغُ كَقَوْلِكَ: رَكِبُوا فَرَسَهُمْ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فِي وَجْهِ إِضَافَةِ أَفْعَلَ إِلَى نَكِرَةٍ مُفْرَدَةٍ تَدُلُّ أَنَّكَ لَوْ تَقَصَّيْتَ قَلْبَ رَجُلٍ مِنْ كُلِّ الْخَلَائِقِ لَمْ تَجِدْ أَتْقَى قَلْبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ. اهـ. وَلِهَذَا فُسِّرَ بِقَلْبِ نَبِيِّنَا ﷺ وَقَلْبُ الْأَشْقَى بِقَلْبِ إِبْلِيسَ. (مَا زَادَ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ (فِي مُلْكِي شَيْئًا) : إِمَّا مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ مَصْدَرٌ، وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى (لَنْ يَبْلُغُوا) فَفِي (فَتَنْفَعُونِي) نَشْرٌ مُشَوَّشٌ اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ السَّامِعِ، وَلِمُقَارَبَةِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْمُتَوَسِّطِينَ وَيُسَمَّى تَرَقِّيًا وَتَدَلِّيًا وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الْآيَةَ. (يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ) أَيْ: فُجُورِ أَفْجَرِ، أَوْ عَلَى أَفْجَرِ أَحْوَالِهِمْ (قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ) : بِالتَّخْفِيفِ (ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ (مِنْ مُلْكِي شَيْئًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ. إِنْ قُلْنَا: إِنَّ (نَقَصَ) مُتَعَدٍّ، وَمَفْعُولًا مُطْلَقًا إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَازِمٌ أَيْ نَقَصَ نُقْصَانًا قَلِيلًا، وَالتَّنْكِيرُ فِيهِ لِلتَّحْقِيرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي بَدَلَهُ: (جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: لَنْ يَبْلُغُوا ضُرِّي فَيَضُرُّونِي، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: (نَقَصَ) مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ فِي الْأَفْصَحِ، وَ (شِيئًا) مَفْعُولُهُ الثَّانِي نَحْوُ: لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا. اهـ. وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَفْعُولٌ آخَرُ حَتَّى يَكُونَ (شَيْئًا) مَفْعُولَهُ الثَّانِي، وَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ وَهُوَ خَطَأٌ لِفَسَادِ الْمَعْنَى، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ فَاعِلُ نَقَصَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَتَعَيَّنَ مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، مَعَ أَنَّ اسْتِدْلَالَهُ بِالْآيَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ (شَيْئًا) فِيهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ أَيْ: شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ نَصْبَهُ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْ: شَيْئًا مِنْ شُرُوطِ الْعَهْدِ، وَحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ كَوْنُ (يَنْقُصُوكُمْ) مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، أَيْ: لَمْ يَنْقُصُوا مِنْكُمْ أَيْ مِنْ عُهُودِكُمْ شَيْئًا. قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الْجُمْهُورُ بِالصَّادِ، وَقُرِئَ بِالضَّادِ أَيْ: عُهُودُكُمْ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَ (شَيْئًا) فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا) أَيْ: وَقَفُوا أَوِ اسْتَمَرُّوا (فِي صَعِيدٍ) أَيْ: مَقَامٍ (وَاحِدٍ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الصَّعِيدُ يُطْلَقُ عَلَى التُّرَابِ وَعَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. قُلْتُ: فَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ أَيْضًا مُطَابَقَةً لِمَا بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ بَعْضَهُمَا يُفَسِّرُ بَعْضًا (فَسَأَلُونِي) أَيْ: كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَيَّدَ السُّؤَالَ بِالِاجْتِمَاعِ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ تَزَاحُمَ السُّؤَالِ وَازْدِحَامَهُمْ مِمَّا يُدْهِشُ الْمَسْئُولَ وَيُهِمُّ وَيَعْسُرُ عَلَيْهِ إِنْجَاحُ مَآرِبِهِمْ وَإِسْعَافُ مَطَالِبِهِمْ، (فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ) أَيْ: فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَفِي مَكَانٍ وَاحِدٍ (مَا نَقَصَ ذَلِكَ) أَيِ: الْإِعْطَاءُ (مِمَّا عِنْدِي) : قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] (إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ) أَيْ: كَالنَّقْصِ أَوِ الشَّيْءِ الَّذِي يَنْقُصُهُ (الْمِخْيَطُ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ أَيِ: الْإِبْرَةُ (إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِلْإِدْخَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَا يَنْقُصُهُ الْمِخْيَطُ مَحْسُوسًا وَلَا مُعْتَدًّا بِهِ عِنْدَ الْعَقْلِ، بَلْ كَانَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ كَانَ أَقْرَبَ الْمَحْسُوسَاتِ وَأَشْبَهَهَا بِإِعْطَاءِ حَوَائِجِ الْخَلْقِ كَافَّةً، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِمَّا عِنْدَهُ شَيْئًا. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَوْ يُقَالُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ، يَعْنِي لَوْ فُرِضَ النَّقْصُ فِي مُلْكِ اللَّهِ لَكَانَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ (يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ) أَيِ: الْقِصَّةُ (أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا) أَيْ: أَحْفَظُهَا وَأَكْتُبُهَا (عَلَيْكُمْ) : كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ بِلَفْظِ: عَلَيْكُمْ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمَقَامِ، وَوَقَعَ فِي أَصْلِ

стр. 3326

ابْنِ حَجَرٍ: لَكُمْ. وَقَالَ وَفِي نُسْخَةٍ: عَلَيْكُمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ جَزَاءُ أَعْمَالِكُمْ، تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ الْمُبْهَمِ، وَقِيلَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ، وَعَلَى أَفْجَرَ قَلْبِ رَجُلٍ، وَهُوَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَالطَّالِحَةُ، أَيْ: لَيْسَ نَفْعُ أَعْمَالِكُمْ رَاجِعًا إِلَيَّ بَلْ إِلَيْكُمْ (ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا) : التَّوْفِيَةُ إِعْطَاءُ حَقٍّ وَاحِدٍ عَلَى التَّمَامِ أَيْ: أُعْطِيكُمْ جَزَاءَ أَعْمَالِكُمْ وَافِيًا تَامًّا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌ. (فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا) أَيْ: تَوْفِيقَ خَيْرٍ مِنْ رَبِّهِ وَعَمَلَ خَيْرٍ مِنْ نَفْسِهِ (فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ) أَيْ: عَلَى تَوْفِيقِهِ إِيَّاهُ لِلْخَيْرِ لِأَنَّهُ الْهَادِي (وَمِنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ) أَيْ: شَرًّا أَوْ أَعَمَّ مِنْهُ (فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) : لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى ضَلَالِهِ الَّذِي أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: كُلُّكُمْ ضَالٌّ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخَيْرَ مِنَ اللَّهِ، وَالشَّرَّ مِنَ النَّفْسِ. وَهَذَا غَرِيبٌ وَعَجِيبٌ مِنْهُ إِذْ تَقَرَّرَ فِي الْمُعْتَقَدِ، وَتَحَرَّرَ فِي الْمُعْتَمَدِ، أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ كُلَّهُ مِنَ اللَّهِ خَلْقًا، وَمِنَ الْعَبْدِ كَسْبًا، خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ، نَعَمْ يُنْسَبُ الشَّرُّ إِلَى النَّفْسِ أَدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : " «الْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ". وَكَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ إِذَا حَدَّثَ هَذَا الْحَدِيثَ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ تَعْظِيمًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3327

٢٣٢٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا، ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ، فَأَتَى رَاهِبًا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: أَلَهَ تَوْبَةٌ؟ قَالَ: لَا ; فَقَتَلَهُ، وَجَعَلَ يَسْأَلُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٣٢٧ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ) أَيْ: مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا) أَيْ: ظُلْمًا (ثُمَّ خَرَجَ) أَيْ: مِنْ بَيْنِهِمْ بَعْدَ يَأْسِهِ مِنْهُمْ مُتَرَدِّدًا (يَسْأَلُ) أَيْ: يَسْتَفْتِي النَّاسَ عَنْ قَبُولِ تَوْبَتِهِ (فَأَتَى رَاهِبًا) أَيْ: عَابِدًا زَاهِدًا مُعْتَزِلًا عَنِ الْخَلْقِ مُقْبِلًا عَلَى الْحَقِّ غَالِبًا عَلَيْهِ الْخَوْفُ. قَالَ: وَمَنْ لَازِمِهِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا (فَسَأَلَهُ، فَقَالَ) أَيِ: الْقَاتِلُ (أَلَهَ) أَيْ: لِهَذَا الْفِعْلِ أَوْ لِهَذَا الْفَاعِلِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ لَهُ: أَيْ: بَعْدَ أَنْ قَصَّ الْقِصَّةَ غَيْرَ مُسْنِدِهَا لِنَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَتَلَ إِلَخْ. أَلَهَ أَيِ الْقَاتِلِ الْمَذْكُورِ (تَوْبَةٌ؟) أَيْ: صَحِيحَةٌ. قِيلَ: لَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ الْهَمْزَةُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ قَوْلَهُ: لَهُ تَوْبَةٌ حُذِفَ مِنْهُ أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِيهِ تَجْرِيدٌ لِأَنَّ حَقَّ الْقِيَاسِ أَنْ يَقُولَ: أَلِي تَوْبَةٌ؟ وَرَوَى هَلْ لِي تَوْبَةٌ؟ وَفِي نُسْخَةٍ كَمَا فِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ: أَلِي تَوْبَةٌ؟ (قَالَ) أَيِ: الرَّاهِبُ فِي جَوَابِهِ (لَا) أَيْ: لَا تَوْبَةَ لَهُ، أَوْ لَكَ ; إِمَّا جَهْلًا مِنْهُ بِعِلْمِ التَّوْبَةِ، وَإِمَّا لِغَلَبَةِ الْخَشْيَةِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا لِتَصَوُّرِ عَدَمِ إِمْكَانِ إِرْضَاءِ خُصُومِهِ عَنْهُ. (فَقَتَلَهُ) : لَعَلَّهُ لِكَوْنِهِ أَوْهَمَهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ التَّوْبَةُ مِنْهَا وَإِنْ رَضِيَ مُسْتَحِقُّوهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّا إِنْ قُلْنَا: لَا، فَقَدْ خَالَفْنَا نُصُوصًا، أَوْ نَعَمْ خَالَفْنَا أَيْضًا أَصْلَ الشَّرْعِ، فَإِنَّ حُقُوقَ بَنِي آدَمَ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، بَلْ تَوْبَتُهَا أَدَاؤُهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا أَوِ الِاسْتِحْلَالُ مِنْهَا. فَالْجَوَابُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا رَضِيَ عَنْهُ وَقَبِلَ تَوْبَتَهُ يُرْضِي خَصْمَهُ. (وَجَعَلَ) أَيْ: شَرَعَ (يَسْأَلُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا) : بِاسْمِهَا (وَكَذَا) : بِوَصْفِهَا أَيِ: الْقَرْيَةُ الْفُلَانِيَّةُ الَّتِي أَهْلُهَا صُلَحَاءُ وَتُبْ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ فَقَصَدَ تِلْكَ الْقَرْيَةَ. (فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ) أَيْ: أَمَارَاتُهُ وَسَكَرَاتُهُ، فَالْفَاءُ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ: فَقَصَدَهَا وَسَارَ نَحْوَهَا وَقَرُبَ مِنْ وَسَطِ طَرِيقِهَا (فَنَاءَ) أَيْ: نَهَضَ وَمَالَ (بِصَدْرِهِ) : لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِقْبَالِ فَجَعَلَهُ (نَحْوَهَا) أَيْ: نَحْوَ الْقَرْيَةِ الْفُلَانِيَّةِ (فَاخْتَصَمَتْ) أَيْ: تَخَاصَمَتْ (فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ) : يَعْنِي: قَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: نَحْنُ نَذْهَبُ بِهِ إِلَى الرَّحْمَةِ لِأَنَّهُ تَائِبٌ لِتَوَجُّهِهِ إِلَى هَذِهِ الْقَرْيَةِ لِلتَّوْبَةِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: نَحْنُ نَذْهَبُ بِهِ إِلَى الْعَذَابِ لِأَنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ وَلَمْ يَتُبْ بَعْدُ. (فَأَوْحَى اللَّهُ) أَيْ: أَلْهَمَ (إِلَى هَذِهِ) أَيِ الْقَرْيَةِ الَّتِي تَوَجَّهَ إِلَيْهَا لِلتَّوْبَةِ وَأَمَرَهَا (أَنْ تَقَرَّبِي) : بِفَتْحِ التَّاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِمَا فِي الْوَحْيِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ أَيْ: تَقَرَّبِي إِلَى الْمَيِّتِ (وَإِلَى هَذِهِ) أَيِ: الْقَرْيَةِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا. قَالَهُ الطِّيبِيُّ: أَوِ الْقَرْيَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيهَا

стр. 3328

الرَّاهِبَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، (أَنْ تَبَاعَدِي) : بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ: عَنِ الْمَيِّتِ، فَهَذَا فَضْلٌ فِي صُورَةِ عَدْلٌ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ نِيَّةَ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، وَمَنْ قَالَ هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَدْ خَالَفَ الرِّوَايَةَ وَالدِّرَايَةَ. (فَقَالَ) أَيِ: اللَّهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (قِيسُوا) : الْخِطَابُ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُتَخَاصِمِينَ أَيْ قَدِّرُوا (مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ، فَإِلَى أَيِّ قَرْيَةٍ أَقْرَبَ فَإِلْحَاقُهُ بِأَهْلِهَا أَوْجَبُ. (فَوُجِدَ) أَيِ: الْمَيِّتُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (إِلَى هَذِهِ) أَيِ: الْقَرْيَةِ الَّتِي تَوَجَّهَ إِلَيْهَا، وَهِيَ قَرْيَةُ الصَّالِحِينَ (أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ) : دَلَّ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِطَالِبِ التَّوْبَةِ، فَضْلًا عَنِ التَّائِبِ، رَزَقَنَا اللَّهُ تَعَالَى تَوْبَةً نَصُوحًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْ عَبْدِهِ أَرْضَى عَنْهُ خُصُومَهُ، وَرَدَّ مَظَالِمَهُ، فَفِي الْحَدِيثِ تَرْغِيبٌ فِي التَّوْبَةِ، وَمَنْعُ النَّاسِ عَنِ الْيَأْسِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَفِيهِ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ: «فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلَقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ ; فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ» . اهـ. وَفِيهِ تَفْضِيلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ.

стр. 3329

٢٣٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ - " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . ــ ٢٣٢٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أَيْ: إِيجَادُهَا وَإِمْدَادُهَا بِقُدْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ (لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا) أَيْ: أَيُّهَا الْمُكَلَّفُونَ، أَوْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ (لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ) أَيْ: آخَرِينَ مِنْ جِنْسِكِمْ أَوْ مِنْ غَيْرِكُمْ (يُذْنِبُونَ) أَيْ: يُمْكِنُ وُقُوعُ الذَّنْبِ مِنْهُمْ وَيَقَعُ بِالْفِعْلِ عَنْ بَعْضِهِمْ (فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ) أَيْ: فَيَتُوبُونَ، أَوْ يَطْلُبُونَ الْمَغْفِرَةَ مُطْلَقًا (فَيَغْفِرُ لَهُمْ) : لِاقْتِضَاءِ صِفَةِ الْغَفَّارِ وَالْغَفُورِ ذَلِكَ. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: فِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى اسْتِيلَاءِ الرَّجَاءِ عَلَى الْخَوْفِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ الْحَدِيثُ تَسْلِيَةً لِلْمُنْهَمِكِينَ فِي الذُّنُوبِ، كَمَا يَتَوَهَّمُهُ أَهْلُ الْغِرَّةِ بِاللَّهِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - إِنَّمَا بُعِثُوا لِيَرْدَعُوا النَّاسَ عَنْ غِشْيَانِ الذُّنُوبِ، بَلْ بَيَانٌ لِعَفْوِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَجَاوُزِهِ عَنِ الْمُذْنِبِينَ لِيَرْغَبُوا فِي التَّوْبَةِ، وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ كَمَا أَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ الْمُحْسِنِينَ أَحَبَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنِ الْمُسِيئِينَ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَسْمَائِهِ: الْغَفَّارُ، الْحَلِيمُ، التَّوَّابُ، الْعَفُوُّ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْعَلَ الْعِبَادَ شَأْنًا وَاحِدًا، كَالْمَلَائِكَةِ مَجْبُولِينَ عَلَى التَّنَزُّهِ مِنَ الذُّنُوبِ، بَلْ يَخْلُقُ فِيهِمْ مَنْ يَكُونُ بِطَبْعِهِ مَيَّالًا إِلَى الْهَوَى مُتَلَبِّسًا بِمَا يَقْتَضِيهِ، ثُمَّ يُكَلِّفُهُ التَّوَقِّي عَنْهُ، وَيُحَذِّرُهُ عَنْ مُدَانَاتِهِ، وَيُعَرِّفُهُ التَّوْبَةَ بَعْدَ الِابْتِلَاءِ، فَإِنْ وَفَّى فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَإِنْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ فَالتَّوْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ أَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ مَجْبُولِينَ عَلَى مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يَتَأَتَّى مِنْهُمُ الذَّنْبُ، فَيَتَجَلَّى عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، فَإِنَّ الْغَفَّارَ يَسْتَدْعِي مَغْفُورًا، كَمَا أَنَّ الرَّزَّاقَ يَسْتَدْعِي مَرْزُوقًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَصْدِيرُ الْحَدِيثِ بِالْقَسَمِ رَدٌّ لَمْ يُنْكِرْ صُدُورَ الذَّنْبِ عَنِ الْعِبَادِ وَيَعُدُّهُ نَقْصًا فِيهِمْ مُطْلَقًا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ مِنَ الْعِبَادِ صُدُورَهُ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ، فَنَظَرُوا إِلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ مَفْسَدَةٌ، وَلَمْ يَقِفُوا عَلَى سِرِّهِ أَنَّهُ مُسْتَجْلِبٌ لِلتَّوْبَةِ الَّتِي هِيَ تُوقِعُ مَحَبَّةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَلَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، الْحَدِيثَ. وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي هَذَا إِظْهَارُ صِفَةِ الْكَرَمِ وَالْحِلْمِ وَالْغُفْرَانِ، وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ لَانْثَلَمَ طَرَفٌ مِنْ ظُهُورِ صِفَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَالْإِنْسَانُ إِنَّمَا هُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ يَتَجَلَّى لَهُ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَالْقَهْرِ وَاللُّطْفِ وَالْإِنْعَامِ، وَالْمَلَائِكَةُ لَمَّا نَظَرُوا إِلَى الْقَهْرِ وَالْجَلَالِ قَالُوا: ﴿أَتُجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] .

стр. 3330

(وَاللَّهُ تَعَالَى حِينَ نَظَرَ إِلَى صِفَةِ اللُّطْفِ وَالْإِكْرَامِ قَالَ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يُلْمِحُ قَوْلُهُ ﷺ : " لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ " وَلَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: " وَلَمْ يُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ ". اهـ. فَهُوَ نَظِيرُ مَا وَرَدَ: " كُلُّكُمْ خَطَّاءُونَ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ". (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
следующие страницы →