Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
ابْنِ حَجَرٍ: لَكُمْ. وَقَالَ وَفِي نُسْخَةٍ: عَلَيْكُمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ جَزَاءُ أَعْمَالِكُمْ، تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ الْمُبْهَمِ، وَقِيلَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ، وَعَلَى أَفْجَرَ قَلْبِ رَجُلٍ، وَهُوَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَالطَّالِحَةُ، أَيْ: لَيْسَ نَفْعُ أَعْمَالِكُمْ رَاجِعًا إِلَيَّ بَلْ إِلَيْكُمْ (ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا) : التَّوْفِيَةُ إِعْطَاءُ حَقٍّ وَاحِدٍ عَلَى التَّمَامِ أَيْ: أُعْطِيكُمْ جَزَاءَ أَعْمَالِكُمْ وَافِيًا تَامًّا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌ. (فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا) أَيْ: تَوْفِيقَ خَيْرٍ مِنْ رَبِّهِ وَعَمَلَ خَيْرٍ مِنْ نَفْسِهِ (فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ) أَيْ: عَلَى تَوْفِيقِهِ إِيَّاهُ لِلْخَيْرِ لِأَنَّهُ الْهَادِي (وَمِنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ) أَيْ: شَرًّا أَوْ أَعَمَّ مِنْهُ (فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) : لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى ضَلَالِهِ الَّذِي أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: كُلُّكُمْ ضَالٌّ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخَيْرَ مِنَ اللَّهِ، وَالشَّرَّ مِنَ النَّفْسِ. وَهَذَا غَرِيبٌ وَعَجِيبٌ مِنْهُ إِذْ تَقَرَّرَ فِي الْمُعْتَقَدِ، وَتَحَرَّرَ فِي الْمُعْتَمَدِ، أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ كُلَّهُ مِنَ اللَّهِ خَلْقًا، وَمِنَ الْعَبْدِ كَسْبًا، خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ، نَعَمْ يُنْسَبُ الشَّرُّ إِلَى النَّفْسِ أَدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : " «الْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ". وَكَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ إِذَا حَدَّثَ هَذَا الْحَدِيثَ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ تَعْظِيمًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3327
٢٣٢٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا، ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ، فَأَتَى رَاهِبًا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: أَلَهَ تَوْبَةٌ؟ قَالَ: لَا ; فَقَتَلَهُ، وَجَعَلَ يَسْأَلُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٣٢٧ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ) أَيْ: مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا) أَيْ: ظُلْمًا (ثُمَّ خَرَجَ) أَيْ: مِنْ بَيْنِهِمْ بَعْدَ يَأْسِهِ مِنْهُمْ مُتَرَدِّدًا (يَسْأَلُ) أَيْ: يَسْتَفْتِي النَّاسَ عَنْ قَبُولِ تَوْبَتِهِ (فَأَتَى رَاهِبًا) أَيْ: عَابِدًا زَاهِدًا مُعْتَزِلًا عَنِ الْخَلْقِ مُقْبِلًا عَلَى الْحَقِّ غَالِبًا عَلَيْهِ الْخَوْفُ. قَالَ: وَمَنْ لَازِمِهِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا (فَسَأَلَهُ، فَقَالَ) أَيِ: الْقَاتِلُ (أَلَهَ) أَيْ: لِهَذَا الْفِعْلِ أَوْ لِهَذَا الْفَاعِلِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ لَهُ: أَيْ: بَعْدَ أَنْ قَصَّ الْقِصَّةَ غَيْرَ مُسْنِدِهَا لِنَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَتَلَ إِلَخْ. أَلَهَ أَيِ الْقَاتِلِ الْمَذْكُورِ (تَوْبَةٌ؟) أَيْ: صَحِيحَةٌ. قِيلَ: لَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ الْهَمْزَةُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ قَوْلَهُ: لَهُ تَوْبَةٌ حُذِفَ مِنْهُ أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِيهِ تَجْرِيدٌ لِأَنَّ حَقَّ الْقِيَاسِ أَنْ يَقُولَ: أَلِي تَوْبَةٌ؟ وَرَوَى هَلْ لِي تَوْبَةٌ؟ وَفِي نُسْخَةٍ كَمَا فِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ: أَلِي تَوْبَةٌ؟ (قَالَ) أَيِ: الرَّاهِبُ فِي جَوَابِهِ (لَا) أَيْ: لَا تَوْبَةَ لَهُ، أَوْ لَكَ ; إِمَّا جَهْلًا مِنْهُ بِعِلْمِ التَّوْبَةِ، وَإِمَّا لِغَلَبَةِ الْخَشْيَةِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا لِتَصَوُّرِ عَدَمِ إِمْكَانِ إِرْضَاءِ خُصُومِهِ عَنْهُ. (فَقَتَلَهُ) : لَعَلَّهُ لِكَوْنِهِ أَوْهَمَهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ التَّوْبَةُ مِنْهَا وَإِنْ رَضِيَ مُسْتَحِقُّوهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّا إِنْ قُلْنَا: لَا، فَقَدْ خَالَفْنَا نُصُوصًا، أَوْ نَعَمْ خَالَفْنَا أَيْضًا أَصْلَ الشَّرْعِ، فَإِنَّ حُقُوقَ بَنِي آدَمَ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، بَلْ تَوْبَتُهَا أَدَاؤُهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا أَوِ الِاسْتِحْلَالُ مِنْهَا. فَالْجَوَابُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا رَضِيَ عَنْهُ وَقَبِلَ تَوْبَتَهُ يُرْضِي خَصْمَهُ. (وَجَعَلَ) أَيْ: شَرَعَ (يَسْأَلُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا) : بِاسْمِهَا (وَكَذَا) : بِوَصْفِهَا أَيِ: الْقَرْيَةُ الْفُلَانِيَّةُ الَّتِي أَهْلُهَا صُلَحَاءُ وَتُبْ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ فَقَصَدَ تِلْكَ الْقَرْيَةَ. (فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ) أَيْ: أَمَارَاتُهُ وَسَكَرَاتُهُ، فَالْفَاءُ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ: فَقَصَدَهَا وَسَارَ نَحْوَهَا وَقَرُبَ مِنْ وَسَطِ طَرِيقِهَا (فَنَاءَ) أَيْ: نَهَضَ وَمَالَ (بِصَدْرِهِ) : لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِقْبَالِ فَجَعَلَهُ (نَحْوَهَا) أَيْ: نَحْوَ الْقَرْيَةِ الْفُلَانِيَّةِ (فَاخْتَصَمَتْ) أَيْ: تَخَاصَمَتْ (فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ) : يَعْنِي: قَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: نَحْنُ نَذْهَبُ بِهِ إِلَى الرَّحْمَةِ لِأَنَّهُ تَائِبٌ لِتَوَجُّهِهِ إِلَى هَذِهِ الْقَرْيَةِ لِلتَّوْبَةِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: نَحْنُ نَذْهَبُ بِهِ إِلَى الْعَذَابِ لِأَنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ وَلَمْ يَتُبْ بَعْدُ. (فَأَوْحَى اللَّهُ) أَيْ: أَلْهَمَ (إِلَى هَذِهِ) أَيِ الْقَرْيَةِ الَّتِي تَوَجَّهَ إِلَيْهَا لِلتَّوْبَةِ وَأَمَرَهَا (أَنْ تَقَرَّبِي) : بِفَتْحِ التَّاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِمَا فِي الْوَحْيِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ أَيْ: تَقَرَّبِي إِلَى الْمَيِّتِ (وَإِلَى هَذِهِ) أَيِ: الْقَرْيَةِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا. قَالَهُ الطِّيبِيُّ: أَوِ الْقَرْيَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيهَا
стр. 3328
الرَّاهِبَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، (أَنْ تَبَاعَدِي) : بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ: عَنِ الْمَيِّتِ، فَهَذَا فَضْلٌ فِي صُورَةِ عَدْلٌ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ نِيَّةَ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، وَمَنْ قَالَ هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَدْ خَالَفَ الرِّوَايَةَ وَالدِّرَايَةَ. (فَقَالَ) أَيِ: اللَّهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (قِيسُوا) : الْخِطَابُ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُتَخَاصِمِينَ أَيْ قَدِّرُوا (مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ، فَإِلَى أَيِّ قَرْيَةٍ أَقْرَبَ فَإِلْحَاقُهُ بِأَهْلِهَا أَوْجَبُ. (فَوُجِدَ) أَيِ: الْمَيِّتُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (إِلَى هَذِهِ) أَيِ: الْقَرْيَةِ الَّتِي تَوَجَّهَ إِلَيْهَا، وَهِيَ قَرْيَةُ الصَّالِحِينَ (أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ) : دَلَّ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِطَالِبِ التَّوْبَةِ، فَضْلًا عَنِ التَّائِبِ، رَزَقَنَا اللَّهُ تَعَالَى تَوْبَةً نَصُوحًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْ عَبْدِهِ أَرْضَى عَنْهُ خُصُومَهُ، وَرَدَّ مَظَالِمَهُ، فَفِي الْحَدِيثِ تَرْغِيبٌ فِي التَّوْبَةِ، وَمَنْعُ النَّاسِ عَنِ الْيَأْسِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَفِيهِ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ: «فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلَقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ ; فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ» . اهـ. وَفِيهِ تَفْضِيلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ.
стр. 3329
٢٣٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ - " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
٢٣٢٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أَيْ: إِيجَادُهَا وَإِمْدَادُهَا بِقُدْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ (لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا) أَيْ: أَيُّهَا الْمُكَلَّفُونَ، أَوْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ (لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ) أَيْ: آخَرِينَ مِنْ جِنْسِكِمْ أَوْ مِنْ غَيْرِكُمْ (يُذْنِبُونَ) أَيْ: يُمْكِنُ وُقُوعُ الذَّنْبِ مِنْهُمْ وَيَقَعُ بِالْفِعْلِ عَنْ بَعْضِهِمْ (فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ) أَيْ: فَيَتُوبُونَ، أَوْ يَطْلُبُونَ الْمَغْفِرَةَ مُطْلَقًا (فَيَغْفِرُ لَهُمْ) : لِاقْتِضَاءِ صِفَةِ الْغَفَّارِ وَالْغَفُورِ ذَلِكَ. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: فِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى اسْتِيلَاءِ الرَّجَاءِ عَلَى الْخَوْفِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ الْحَدِيثُ تَسْلِيَةً لِلْمُنْهَمِكِينَ فِي الذُّنُوبِ، كَمَا يَتَوَهَّمُهُ أَهْلُ الْغِرَّةِ بِاللَّهِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - إِنَّمَا بُعِثُوا لِيَرْدَعُوا النَّاسَ عَنْ غِشْيَانِ الذُّنُوبِ، بَلْ بَيَانٌ لِعَفْوِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَجَاوُزِهِ عَنِ الْمُذْنِبِينَ لِيَرْغَبُوا فِي التَّوْبَةِ، وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ كَمَا أَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ الْمُحْسِنِينَ أَحَبَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنِ الْمُسِيئِينَ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَسْمَائِهِ: الْغَفَّارُ، الْحَلِيمُ، التَّوَّابُ، الْعَفُوُّ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْعَلَ الْعِبَادَ شَأْنًا وَاحِدًا، كَالْمَلَائِكَةِ مَجْبُولِينَ عَلَى التَّنَزُّهِ مِنَ الذُّنُوبِ، بَلْ يَخْلُقُ فِيهِمْ مَنْ يَكُونُ بِطَبْعِهِ مَيَّالًا إِلَى الْهَوَى مُتَلَبِّسًا بِمَا يَقْتَضِيهِ، ثُمَّ يُكَلِّفُهُ التَّوَقِّي عَنْهُ، وَيُحَذِّرُهُ عَنْ مُدَانَاتِهِ، وَيُعَرِّفُهُ التَّوْبَةَ بَعْدَ الِابْتِلَاءِ، فَإِنْ وَفَّى فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَإِنْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ فَالتَّوْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ أَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ مَجْبُولِينَ عَلَى مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يَتَأَتَّى مِنْهُمُ الذَّنْبُ، فَيَتَجَلَّى عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، فَإِنَّ الْغَفَّارَ يَسْتَدْعِي مَغْفُورًا، كَمَا أَنَّ الرَّزَّاقَ يَسْتَدْعِي مَرْزُوقًا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَصْدِيرُ الْحَدِيثِ بِالْقَسَمِ رَدٌّ لَمْ يُنْكِرْ صُدُورَ الذَّنْبِ عَنِ الْعِبَادِ وَيَعُدُّهُ نَقْصًا فِيهِمْ مُطْلَقًا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ مِنَ الْعِبَادِ صُدُورَهُ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ، فَنَظَرُوا إِلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ مَفْسَدَةٌ، وَلَمْ يَقِفُوا عَلَى سِرِّهِ أَنَّهُ مُسْتَجْلِبٌ لِلتَّوْبَةِ الَّتِي هِيَ تُوقِعُ مَحَبَّةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَلَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، الْحَدِيثَ. وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي هَذَا إِظْهَارُ صِفَةِ الْكَرَمِ وَالْحِلْمِ وَالْغُفْرَانِ، وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ لَانْثَلَمَ طَرَفٌ مِنْ ظُهُورِ صِفَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَالْإِنْسَانُ إِنَّمَا هُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ يَتَجَلَّى لَهُ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَالْقَهْرِ وَاللُّطْفِ وَالْإِنْعَامِ، وَالْمَلَائِكَةُ لَمَّا نَظَرُوا إِلَى الْقَهْرِ وَالْجَلَالِ قَالُوا: ﴿أَتُجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] .
стр. 3330
(وَاللَّهُ تَعَالَى حِينَ نَظَرَ إِلَى صِفَةِ اللُّطْفِ وَالْإِكْرَامِ قَالَ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يُلْمِحُ قَوْلُهُ ﷺ : " لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ " وَلَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: " وَلَمْ يُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ ". اهـ. فَهُوَ نَظِيرُ مَا وَرَدَ: " كُلُّكُمْ خَطَّاءُونَ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ". (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3331
٢٣٢٩ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» ،. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٣٢٩ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ) : قِيلَ: بَسْطُ الْيَدِ عِبَارَةٌ عَنِ الطَّلَبِ، لِأَنَّ عَادَةَ النَّاسِ إِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمْ شَيْئًا مِنْ أَحَدٍ بَسَطَ إِلَيْهِ كَفَّهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْبَسْطُ كِنَايَةٌ عَنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ وَعَرْضِهَا، فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ يَنْحَلُّ إِلَى أَنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ إِلَخْ. فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا، إِذْ قَبُولُ التَّوْبَةِ بِاللَّيْلِ لَيْسَ عِلَّةً لِتَوْبَةِ النَّهَارِ وَعَكْسِهِ، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَبُولِهِ التَّوْبَةَ قَبْلَ وُجُودِهَا، فَالْمَعْنَى يَدْعُو الْمُذْنِبِينَ إِلَى التَّوْبَةِ (بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ) أَيْ لَا يُعَاجِلُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ، يُمْهِلُهُمْ لِيَتُوبُوا (وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ) وَقِيلَ: الْبَسْطُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّوَسُّعِ فِي الْجُودِ وَالْعَطَاءِ وَالتَّنَزُّهِ عَنِ الْمَنْعِ. وَفِي الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى سَعَةِ رَحْمَتِهِ وَكَثْرَةِ تَجَاوُزِهِ عَنِ الذُّنُوبِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تَمْثِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ مَطْلُوبَةٌ عِنْدَهُ مَحْبُوبَةٌ لَدَيْهِ كَأَنَّهُ يَتَقَاضَاهَا مِنَ الْمُسِيءِ (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) : فَحِينَئِذٍ يُغْلَقُ بَابُهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَشْبَاهِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُقْبَلُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: هَذَا مَخْصُوصٌ لِمَنْ شَاهَدَ طُلُوعَهَا، فَمَنْ وُلِدَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ بَلَغَ وَكَانَ كَافِرًا وَآمَنَ، أَوْ مُذْنِبًا فَتَابَ يُقْبَلُ إِيمَانُهُ وَتَوْبَتُهُ لِعَدَمِ الْمُشَاهَدَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3332
٢٣٣٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -: " «إِنَّ الْعَبَدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ ; تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٣٣٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ) أَيْ: أَقَرَّ بِكَوْنِهِ مُذْنِبًا وَعَرَفَ ذَنْبَهُ (ثُمَّ تَابَ) : أَتَى بِأَرْكَانِ التَّوْبَةِ مِنَ النَّدَمِ وَالْخَلْعِ وَالْعَزْمِ وَالتَّدَارُكِ (تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ: قَبِلَ تَوْبَتَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] قَالَ الطِّيبِيُّ: وَحَقِيقَتُهُ، أَنَّ اللَّهَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِرَحْمَتِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3333
٢٣٣١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٣٣١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا حَدٌّ لِقَبُولِ التَّوْبَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] وَلِقَبُولِهَا حَدٌّ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ أَنْ يُغَرْغِرَ وَيَرَى بَأْسَ اللَّهِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3334
٢٣٣٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ، كَانَتْ رَاحِلَتُهُ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ ; أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٣٣٢ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَلَّهُ) : بِفَتْحِ لَامِ الِابْتِدَاءِ أَوِ الْقَسَمِ (أَشَدُّ فَرَحًا) أَيْ: رِضًا يَعْنِي: أَرْضَى (بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ) أَيْ: مِنْ فَرَحِ أَحَدِكُمْ وَسُرُورِهِ وَرِضَاهُ، يَعْنِي
стр. 3335
تَقَعُ التَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقَبُولِ وَالرِّضَا مَوْقِعًا يَقَعُ فِي مِثْلِهِ مَا يُوجِبُ فَرْطَ الْفَرَحِ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ كَمَالُ الرِّضَا، لِأَنَّ الْفَرَحَ الْمُتَعَارَفَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعَالَى، وَالْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَهِمُوا مِنْ أَمْثَالِ ذَلِكَ مَا يُرَغِّبُ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَيَكْشِفُ عَنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَلَمْ يُفَتِّشُوا عَنْ مَعَانِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَهَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ السَّلِيمَةُ، وَقَلَّمَا يَزِيغُ عَنْهُ قَدَمُ الرَّاسِخِ. (كَانَ رَاحِلَتُهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: كَانَتْ رَاحِلَتُهُ (بِأَرْضِ فَلَاةٍ) : بِالْإِضَافَةِ وَبِنُونٍ أَيْ: مَفَازَةٌ (فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ) أَيْ: نَفَرَتْ (وَعَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى ظَهْرِهَا (طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ) : خُصَّا لِأَنَّهُمَا سَبَبَا حَيَاتِهِ (فَأَيِسَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ وِجْدَانِ الرَّاحِلَةِ بَعْدَ طَلَبِهَا (فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا) : حَالَ كَوْنِهِ (وَقَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ) أَيْ: مِنْ حُصُولِهَا وَوُصُولِهَا (فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ) أَيْ: فِي هَذَا الْحَالِ مُنْكَسِرُ الْبَالِ (وَإِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ) أَيْ: إِذَا الرَّجُلُ حَاضِرٌ بِتِلْكَ الرَّاحِلَةِ حَالَ كَوْنِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَلَا تَعَبٍ (فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا) أَيْ: زِمَامِهَا فَرِحًا بِهَا فَرَحًا لَا نِهَايَةَ لَهُ، ( «ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ» ) : أَيْ: بِسَبْقِ اللِّسَانِ عَنْ نَهْجِ الصَّوَابِ وَهُوَ: أَنَا عَبْدُكَ وَأَنْتَ رَبِّي (مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) كَرَّرَهُ لِبَيَانِ عُذْرِهِ وَسَبَبِ صُدُورِهِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْفَرَحِ وَالْحُزْنِ رُبَّمَا يَقْتُلُ صَاحِبَهُ وَيُدْهِشُ عَقْلَهُ، حَتَّى مَنَعَ صَاحِبَهُ مِنْ إِدْرَاكِ الْبَدِيهِيَّاتِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3336
٢٣٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْهُ ; فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْهُ ; فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، قَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي ; فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٣٣٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ عَبْدًا) أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى أَذْنَبَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: خَبَرُ إِنَّ إِذَا كَانَ اسْمُهَا نَكِرَةً مَوْصُوفَةً (رَبِّ) أَيْ: يَا رَبِّ (أَذْنَبْتُ) أَيْ: ذَنْبًا (فَاغْفِرْهُ) أَيِ: الذَّنْبَ. الْفَاءُ سَبَبِيَّةٌ جَعَلَ اعْتِرَافَهُ بِالذَّنْبِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ حَيْثُ أَوْجَبَ اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ لِلتَّائِبِينَ الْمُعْتَرِفِينَ بِالسَّيِّئَاتِ عَلَى سَبِيلِ الْوَعْدِ، وَيَصِحُّ الْأَخْذُ بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ سَأَلَ الْمَغْفِرَةَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ (فَقَالَ رَبُّهُ) أَيْ: لِلْمَلَائِكَةِ (أَعَلِمَ عَبْدِي) : بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَفِعْلٍ مَاضٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قِيلَ: إِمَّا اسْتِخْبَارٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ لِلْمُبَاهَاةِ، وَإِمَّا اسْتِفْهَامٌ لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّعْجِيبِ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْخِطَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَعَلِمْتَ عَبْدِي إِلَى الْغَيْبَةِ شُكْرًا لِصَنِيعِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَإِحْمَادًا لَهُ عَلَى فِعْلِهِ (أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ) أَيْ: إِذَا شَاءَ لِمَنْ شَاءَ (وَيَأْخُذُ بِهِ؟) أَيْ: يُؤَاخِذُ وَيُعَاقِبُ فَاعِلَهُ إِذَا شَاءَ لِمَنْ شَاءَ (غَفَرْتُ لِعَبْدِي) أَيْ: ذَنْبُهُ (ثُمَّ مَكَثَ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا (مَا شَاءَ اللَّهُ) أَيْ: لَبِثَ مُطِيعًا مُدَّةَ مَشِيئَةِ اللَّهِ (ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا) أَيْ: آخَرَ فَاغْفِرْهُ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَ التَّوْبَةِ وَبِدُونِهَا (فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا) أَيْ: عَظِيمًا (يَغْفِرُ الذَّنْبَ) أَيِ: الْعَظِيمَ أَوْ جِنْسَ الذَّنْبِ تَارَةً (وَيَأْخُذُ بِهِ؟) أَيْ: أُخْرَى (غَفَرْتُ لِعَبْدِي) أَيْ: لِتَوْبَتِهِ، أَوْ لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ (ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ) أَيْ: مِنَ الزَّمَانِ (ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا) : تُفِيدُ (ثُمَّ) تَرَاخِيَ الذُّنُوبِ، وَالثَّانِيَةُ يُؤَكِّدُهَا، هَذَا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ الْمُذْنِبِ وَأَنَّ طَاعَتَهُ تَغْلِبُ مَعْصِيَتَهُ وَأَنَّهُ سَرِيعُ الرُّجُوعِ إِلَى طَلَبِ مَغْفِرَتِهِ (فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ) أَيْ: مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ (فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ) أَيْ: بِالِاسْتِغْفَارِ.
стр. 3337
(وَيَأْخُذُ بِهِ؟) أَيْ: عَلَى الْإِصْرَارِ (غَفَرْتُ لِعَبْدِي) أَيْ: لِأَنَّهُ عَبْدِي بِقَوْلِهِ فِي كُلِّ ذَنْبٍ: رَبِّي (فَلْيَفْعَلْ) : وَفِي نُسْخَةٍ، وَهِيَ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ: فَلْيَعْمَلْ (مَا شَاءَ) أَيْ: إِذَا كَانَ عَلَى هَذَا الْحَالِ بِهَذَا الْمِنْوَالِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ مَا شَاءَ مِنَ الذَّنْبِ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْعِبَادِ، ثُمَّ لْيَتُبْ وَهُوَ تَقْيِيدٌ بِلَا دَلِيلٍ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، ثُمَّ هَذِهِ الصِّيغَةُ لِلتَّلَطُّفِ وَإِظْهَارِ الْعِنَايَةِ وَالشَّفَقَةِ أَيْ: إِنْ فَعَلْتَ أَضْعَافَ مَا كُنْتَ تَفْعَلُ، وَاسْتَغْفَرْتَ مِنْهُ غَفَرْتُ لَكَ، فَإِنِّي أَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊: " «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَلَوْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» ". وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ هُنَا: أَيْ مَا دُمْتَ تَتُوبُ وَتَسْتَغْفِرُ عَنْهَا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى الذَّنْبِ. اهـ. لِأَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ شَرْطًا هُوَ مِنْ أَرْكَانِ التَّوْبَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ اعْمَلْ مَا شِئْتَ مَا دُمْتَ تُذْنِبُ ثُمَّ تَتُوبُ فَسَوْفَ أَغْفِرُ لَكَ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي مَقَامِ السُّخْطِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] مُرَادًا هُنَا، وَفِي مَقَامِ الْحَفَاوَةِ يَعْنِي مَقَامَ التَّلَطُّفُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَفِي قَوْلِهِ ﷺ فِي حَقِّ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: " «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ". وَكَمَا تَقُولُ لِمَنْ تُحِبُّهُ وَيُؤْذِيكَ: اصْنَعْ مَا شِئْتَ فَلَسْتُ بِتَارِكٍ لَكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ الْحَثُّ عَلَى الْفِعْلِ بَلْ إِظْهَارِ الْحَفَاوَةِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَائِدَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَوْدَ إِلَى الذَّنْبِ وَإِنْ كَانَ أَقْبَحَ مِنَ ابْتِدَائِهِ، لِأَنَّهُ أَضَافَ إِلَى مُلَابَسَةِ الذَّنْبِ نَقْضَ التَّوْبَةِ، لَكِنَّ الْعَوْدَ إِلَى التَّوْبَةِ أَحْسَنُ مِنَ ابْتِدَائِهَا، لِأَنَّهُ أَضَافَ إِلَيْهَا مُلَازِمَةَ الطَّلَبِ مِنَ الْكَرِيمِ وَالْإِلْحَاحِ فِي سُؤَالِهِ، وَالِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُ لَا غَافِرَ لِلذَّنْبِ سِوَاهُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الذُّنُوبَ وَإِنْ تَكَرَّرَتْ مِائَةَ مَرَّةٍ بَلْ أَلْفًا أَوْ أَكْثَرَ وَتَابَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ. وَلَوْ تَابَ مِنَ الْجَمِيعِ تَوْبَةً وَاحِدَةً صَحَّتْ تَوْبَتُهُ. قُلْتُ: هَذَا الْأَخِيرُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا خَالَفَ مَنْ خَالَفَ إِذَا تَابَ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ، أَوْ إِذَا نَقَضَ التَّوْبَةَ، وَالصَّحِيحٌ صِحَّتُهَا. وَقَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ: الِاسْتِغْفَارُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ بِاللِّسَانِ أَوْ بِالْقَلْبِ أَوْ بِهِمَا. الْأَوَّلُ فِيهِ نَفْعٌ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنَ السُّكُوتِ، وَلِأَنَّهُ يَعْتَادُ فِعْلَ الْخَيْرِ، وَالثَّانِي نَافِعٌ جِدًّا، وَالثَّالِثُ أَبْلَغُ مِنْهُ، لَكِنَّهُمَا لَا يُمَحِّصَانِ الذَّنْبَ حَتَّى تُوجَدَ التَّوْبَةُ، فَإِنَّ الْعَاصِيَ الْمُصِرَّ يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وُجُودَ التَّوْبَةِ مِنْهُ. قُلْتُ: قَوْلُهُ لَا يُمَحِّصَانِ الذَّنْبَ حَتَّى تُوجَدَ التَّوْبَةُ، مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يُمَحِّصَانِهِ قَطْعًا وَجَزْمًا، لَا أَنَّهُ لَا يُمَحِّصَانِهِ أَصْلًا، لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ دُعَاءٌ، وَقَدْ يَسْتَجِيبُ اللَّهُ دُعَاءَ عَبْدِهِ فَيُمَحِّصُ ذَنْبَهُ، وَلِأَنَّ التَّمْحِيصَ قَدْ يَكُونُ بِفَضْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَوْ بِطَاعَةٍ مِنَ الْعَبْدِ، أَوْ بِبَلِيَّةٍ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِغْفَارِ غَيْرُ مَعْنَى التَّوْبَةِ هُوَ بِحَسَبِ وَضْعِ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ غَلَبَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ لَفْظَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مَعْنَاهُ التَّوْبَةُ، فَمَنْ كَانَ ذَلِكَ مُعْتَقَدَهُ فَهُوَ يُرِيدُ التَّوْبَةَ لَا مَحَالَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالِاسْتِغْفَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣] وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ. اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ الشُّرَّاحِ هُنَا حَمَلُوا الِاسْتِغْفَارَ عَلَى التَّوْبَةِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اعْتِرَافَ الْعَبْدِ بِذَلِكَ سَبَبٌ لِلْغُفْرَانِ، وَلَا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ، بَلْ فِي الْحَدِيثِ تَعْرِيضٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى لَا يَغْفِرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُعْتَزِلِيُّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
стр. 3338
٢٣٣٤ - وَعَنْ جُنْدُبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ: " «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنِّي لَا أَغْفِرُ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» ". أَوْ كَمَا قَالَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٣٣٤ - (وَعَنْ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ) أَيْ: حَكَى لِأَصْحَابِهِ (أَنَّ رَجُلًا) : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ) : قَالَهُ اسْتِكْثَارًا، أَوِ اسْتِكْبَارًا لِذَنْبِهِ، أَوْ تَعْظِيمًا لِنَفْسِهِ حِينَ جَنَى عَلَيْهِ، كَمَا يَصْدُرُ عَنْ بَعْضِ جَهَلَةِ الصُّوفِيَّةِ (وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيْ: وَحَدَّثَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - وَبِكَسْرِهَا. أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ:
стр. 3339
يَتَحَكَّمُ عَلَيَّ وَيَحْلِفُ بِاسْمِي (أَنِّي لَا أَغْفِرُ لِفُلَانٍ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ) أَيْ: رَغْمًا لِأَنْفِكَ (وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ: أَبْطَلْتُ قَسَمَكَ وَجَعَلْتُ حَلِفَكَ كَاذِبًا، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: " «مَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ يُكَذِّبْهُ» " فَلَا مُتَمَسَّكَ لِلْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ ذَا الْكَبِيرَةِ مَعَ عَدَمِ الِاسْتِحْلَالِ يَخْلُدُ فِي النَّارِ، كَالْكُفْرِ يُحْبِطُ عَمَلَهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: أَنْتَ الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْخِطَابِ أَوَّلًا شِكَايَةً لِصَنِيعِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِعْرَاضًا عَنْهُ عَلَى عَكْسِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْجَزْمُ بِالْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلَّا لِمَنْ وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ، كَالْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ قَوْلَهُ مِنْ هَذَا كُفْرٌ فَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ، ظَاهِرٌ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مَعْصِيَةٌ فَكَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى التَّغْلِيظِ. اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَبْعُدُ كَوْنُهُ كُفْرًا، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَقَوْلُهُ ظَاهِرٌ أَيْ: عَلَى مَذْهَبِنَا، لِأَنَّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يُشْتَرَطُ لِلْإِحْبَاطِ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ، لَا يَعْرِفُ فِي مَذْهَبِهِ الْمُعْتَزِلِيِّ أَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ تُحْبِطُ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ، ثُمَّ حَمَلَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى التَّغْلِيظِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (أَوْ كَمَا قَالَ) : شَكَّ الرَّاوِي أَيْ: قَالَ الرَّسُولُ أَوْ غَيْرُهُ مَا ذَكَرْتُهُ، أَوْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى النَّقْلِ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ الْأَوْلَى لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ نَقْلُ اللَّفْظِ أَيْضًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3340
٢٣٣٥ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعَتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» ". قَالَ: " وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٣٣٥ - (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتُعِيرَ لَفْظُ السَّيِّدِ مِنَ الرَّئِيسِ الْمُقَدَّمِ الَّذِي يُعْمَدُ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ لِهَذَا الَّذِي هُوَ جَامِعٌ لِمَعَانِي التَّوْبَةِ كُلِّهَا، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ التَّوْبَةَ غَايَةُ الِاعْتِذَارِ. اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِغْفَارِ إِنَّمَا هُوَ التَّوْبَةُ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ الْإِطْلَاقُ، مَعَ أَنَّ جَامِعِيَّتَهُ لِمَعَانِي التَّوْبَةِ مَمْنُوعَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى، إِذَ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الِاعْتِرَافُ بِالذَّنْبِ النَّاشِئُ عَنِ النَّدَامَةِ، وَأَمَّا الْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ وَأَدَاءُ الْحُقُوقِ لِلَّهِ وَالْعِبَادِ، فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَصْلًا (أَنْ تَقُولَ) أَيْ: أَيُّهَا الرَّاوِي، أَيْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ خِطَابًا عَامًّا (اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي) : أَيْ: وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ بِالْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) أَيْ: لِلْعِبَادِ (خَلَقْتَنِي) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِلتَّرْبِيَةِ (وَأَنَا عَبْدُكَ) أَيْ: مَخْلُوقُكَ وَمَمْلُوكُكَ، وَهُوَ حَالٌ كَقَوْلِهِ: (وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ) أَيْ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِ الْمِيثَاقِ، وَأَنَا مُوقِنٌ بِوَعْدِكَ يَوْمَ الْحَشْرِ وَالتَّلَاقِ (مَا اسْتَطَعْتُ) أَيْ: بِقَدْرِ طَاقَتِي، وَقِيلَ: أَيْ عَلَى مَا عَاهَدْتُكَ وَوَعَدْتُكَ مِنَ الْإِيمَانِ بِكَ، وَالْإِخْلَاصُ مِنْ طَاعَتِكَ، وَأَنَا مُقِيمٌ عَلَى مَا عَهِدْتَ إِلَيَّ مِنْ أَمْرِكَ وَمُتَمَسِّكٌ بِهِ وَمُنْجِزٌ وَعْدَكَ فِي الْمَثُوبَةِ وَالْأَجْرِ عَلَيْهِ، وَاشْتِرَاطُ الِاسْتِطَاعَةِ اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ وَالْقُصُورِ عَنْ كُنْهِ الْوَاجِبِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، أَيْ: لَا أَقْدِرُ أَنْ أَعْبُدَكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، لَكِنْ أَشْهَدُ بِقَدْرِ طَاقَتِي. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَاسْتَثْنَى بِقَوْلِهِ: مَا اسْتَطَعْتُ مَوْضِعَ الْقَدْرِ السَّابِقِ لِأَمْرِهِ أَيْ: إِنْ كَانَ قَدْ جَرَى الْقَضَاءُ عَلَى أَنْ أَنْقُضَ الْعَهْدَ يَوْمًا، فَإِنِّي لَا أَمِيلُ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى الِاعْتِذَارِ بِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي دَفْعِ مَا قَضَيْتُ. (أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ) أَيْ: مِنْ أَجْلِ شَرِّ صُنْعِي بِأَنْ لَا تُعَامِلَنِي بِعَمَلِي (أَبُوءُ لَكَ) أَيْ: أَلْتَزِمُ وَأَرْجِعُ وَأُقِرُّ (بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ: الذَّنْبِ الْعَظِيمِ الْمُوجِبِ لِلْقَطِيعَةِ لَوْلَا وَاسِعُ عَفْوِكَ وَجَامِعُ فَضْلِكَ. اهـ. وَهُوَ ذُهُولٌ وَغَفْلَةٌ مِنْهُ أَنَّ هَذَا لَفْظُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ مَعْصُومٌ حَتَّى عَنِ الزَّلَّةِ. وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ طَعَنَ فِي عِبَارَةِ الطِّيبِيِّ، مَعَ كَمَالِ حُسْنِهَا حَيْثُ قَالَ: اعْتَرَفَ أَوَّلًا بِأَنَّهُ تَعَالَى أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ لِيَشْمَلَ كُلَّ الْإِنْعَامِ، ثُمَّ اعْتَرَفَ بِالتَّقْصِيرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِأَدَاءِ شُكْرِهَا، وَعَدَّهُ ذَنْبًا مُبَالَغَةً فِي هَضْمِ النَّفْسِ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ (فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ) أَيْ: مَا عَدَا الشِّرْكَ (إِلَّا أَنْتَ ". قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (وَمَنْ قَالَهَا) أَيْ: هَذِهِ الْكَلِمَاتِ (مِنَ النَّهَارِ) أَيْ: فِي بَعْضِ
стр. 3341
أَجْزَائِهِ (مُوقِنًا بِهَا) : نُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُعْتَقِدًا لِجَمِيعِ مَدْلُولِهَا إِجْمَالًا أَوْ تَفْصِيلًا (فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ) : احْتِيجَ إِلَيْهِ مَعَ كَوْنِ الْفَاءِ لِلتَّعْقِيبِ، لِأَنَّ تَعْقِيبَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ كَتَزَوَّجَ فَوُلِدَ لَهُ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ قَوْلَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ) أَيْ تَغْرُبَ شَمْسُهُ، فَهُوَ زِيَادَةُ إِيضَاحٍ وَتَأْكِيدٍ (فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيْ: يَمُوتُ مُؤْمِنًا فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَا مَحَالَةَ، أَوْ مَعَ السَّابِقِينَ ( «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ) . (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْحِصْنِ: سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ إِذَا جَلَسَ فِي صَلَاتِهِ.
стр. 3342
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٣٣٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٣٣٦ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي) : " مَا " مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ أَيْ: مَا دُمْتَ تَدْعُونِي وَتَرْجُونِي يَعْنِي فِي مُدَّةِ دُعَائِكَ وَرَجَائِكَ (غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ) أَيْ: حَالَ كَوْنِكَ مُسْتَمِرًّا عَلَى مَا وَجَدْتُهُ فِيكَ مِنَ الذَّنْبِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الشِّرْكُ لِخَبَرِهِ تَعَالَى وَلِمَا سَيَأْتِي، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَلَوْ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَلَا أُبَالِي) أَيْ: وَالْحَالُ أَنِّي لَا أَتَعَظَّمُ مَغْفِرَتَكَ عَلَيَّ وَإِنْ كَانَ ذَنْبًا كَبِيرًا أَوْ كَثِيرًا، فَإِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ أَوْ غَلَبَتْ غَضَبِي. قَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَلَا أُبَالِي مَعْنَى: لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ (ابْنَ آدَمَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: يَا ابْنَ آدَمَ أَيْ هَذَا الْجِنْسَ فَيَشْمَلُ آدَمَ، (لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ: سَحَابَهَا، وَقِيلَ: مَا عَلَا مِنْهَا أَيْ: ظَهَرَ لَكَ مِنْهَا إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ إِلَى السَّمَاءِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَنَانُ: السَّحَابُ، وَإِضَافَتُهَا إِلَى السَّمَاءِ تَصْوِيرٌ لِارْتِفَاعِهِ، وَأَنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغَ السَّمَاءِ، وَيُرْوَى أَعْنَانَ السَّمَاءِ أَيْ: نَوَاحِيَهَا جَمْعُ عَنَنٍ، وَقِيلَ: إِضَافَتُهُ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: السَّمَاءُ تُطْلَقُ عَلَى الْجِرْمِ الْمَعْهُودِ، وَعَلَى كُلِّ مَا ارْتَفَعَ كَالسَّحَابِ، فَالْإِضَافَةُ حِينَئِذٍ بَيَانِيَّةٌ أَيْ: سَحَابٌ هُوَ السَّمَاءُ. فَغَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ بِمَعْنَى " مِنَ " الْبَيَانِيَّةِ إِنَّمَا تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمُضَافِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ، وَعَلَى غَيْرِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُضَافُ أَيْضًا صَادِقًا عَلَى غَيْرِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ كَخَاتَمِ فِضَّةٍ، وَالْمَعْنَى: لَوْ تَجَسَّمَتْ ذُنُوبُكَ وَمَلَأَتْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. (ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ) أَيْ: إِنْ شِئْتُ (وَلَا أُبَالِي) أَيْ: مِنْ أَحَدٍ وَفِيهِ مَعَ تَكْرِيرِهِ رَدٌّ بَلِيغٌ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ (ابْنَ آدَمَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: يَا ابْنَ آدَمَ (إِنَّكَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ) : بِضَمِّ الْقَاف ِ وَيُكْسَرُ أَيْ: بِمِثْلِهَا (خَطَايَا) : تَمْيِيزُ قُرَابِ أَيْ: بِتَقْدِيرِ تَجَسُّمِهَا (ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ عَلَى حِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ لِعَدَمِ الشِّرْكِ وَقْتَ اللُّقِيِّ (لَأَتَيْتُكَ) : وَفِي رِوَايَةٍ. لَآتِيكَ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمُتَكَلِّمِ (بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً) : تَمْيِيزٌ أَيْضًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: (ثُمَّ) هَذِهِ لِلتَّرَاخِي فِي الْأَخْبَارِ، وَإِنَّ عَدَمَ الشِّرْكِ مَطْلُوبٌ أَوْلَى، وَلِذَلِكَ قَالَ: لَقِيتَنِي وَقُيِّدَ بِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ يَكْفِي أَنْ يُقَالَ: خَطَايَا لَا تُشْرِكُ بِي.
أَقُولُ: فَائِدَةُ التَّقَيُّدِ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ عَلَى التَّوْحِيدِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ.
стр. 3343
٢٣٣٧ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٢٣٣٧ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ) .
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
стр. 3344
٢٣٣٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي، مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا» ". رَوَاهُ فِي: " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
٢٣٣٨ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْتُ لَهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: دَلَّ عَلَى أَنَّ اعْتِرَافَ الْعَبْدِ بِذَلِكَ سَبَبٌ لِلْغُفْرَانِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: " أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ": فِي قَوْلِهِ: " ذُو قُدْرَةٍ " تَعْرِيضٌ " بِالْوَعِيدِيَّةِ " لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّعْرِيضِ قَوْلُهُ: (وَلَا أُبَالِي) : وَأَمَّا تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: (مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا) : فَهُوَ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا، وَإِلَّا فَلَا مَانِعَ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ وَكَمَالِ الْفَضْلِ، وَلَعَلَّهَا اقْتِضَاءُ الْأَسْمَاءِ الْجَلَالِيَّةِ وَالصِّفَاتِ الْجَبَرُوتِيَّةِ مِنَ الْقَهَّارِ وَالْمُنْتَقِمِ وَشَدِيدِ الْعِقَابِ وَأَمْثَالِهَا، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنَ الْمَظَاهِرِ لِآثَارِ السُّخْطِ وَالْغَضَبِ، كَمَا أَنَّ لِلْأَسْمَاءِ الْجَمَالِيَّةِ وَالنُّعُوتِ " الرَّحَمُوتِيَّةِ " مَظَاهِرُ، " وَلِلْغَفَّارِيَّةِ وَالْغَفُورِيَّةِ " مَظَاهِرُ مِمَّنْ يُذْنِبُ وَيَسْتَغْفِرُ فَيُغْفَرُ، وَلِحُصُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْفَضْلِ وَالْعَدْلِ. . . رُوِيَ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ عَادَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ: أَتُرَى اللَّهَ يَغْفِرُ لِمِثْلِي؟ فَقَالَ حَمَّادٌ: لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ مُحَاسَبَةِ اللَّهِ إِيَّايَ وَبَيْنَ مُحَاسَبَةِ أَبَوَيَّ لَاخْتَرْتُ مُحَاسَبَةَ اللَّهِ عَلَى مُحَاسَبَةِ أَبَوَيَّ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَرْحَمُ بِي مِنْ أَبَوَيَّ. اهـ. وَهُوَ جَوَابٌ فِي ضِمْنِ فَصْلِ الْخِطَابِ. (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ) : بِإِسْنَادِهِ.
стр. 3345
٢٣٣٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٣٣٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَمَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ) أَيْ: عِنْدَ صُدُورِ مَعْصِيَةٍ وَظُهُورِ بَلِيَّةٍ، أَوْ مَنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ فِي كُلِّ نَفَسٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَلِذَا قَالَ ﷺ : " «طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ، (جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ) أَيْ: شَدَّةٍ وَمِحْنَةٍ (فَرَجًا) أَيْ: طَرِيقًا وَسَبَبًا يُخْرِجُ إِلَى سِعَةٍ وَمِنْحَةٍ، وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمَامِ وَكَذَا، (وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ) أَيْ: لَا: هَمٌّ يُهِمُّهُ (فَرَجًا) أَيْ: خَلَاصًا (وَرَزَقَهُ) أَيْ: حَلَالًا طَيِّبًا (مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) أَيْ: لَا يَظُنُّ وَلَا يَرْجُو وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الْمَعْلُومَ شُؤْمٌ، وَلَعَلَّهُ لِتَعَلُّقِ الْقَلْبِ إِلَيْهِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، ولَا يَنْبَغِي التَّعَلُّقُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى الْحَيِّ الْمُطْلَقِ، وَالْحَدِيثُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] فَتَأَمَّلْ فِي الْآيَةِ فَإِنَّ فِيهَا كُنُوزًا مِنَ الْأَنْوَارِ وَرُمُوزًا مِنَ الْأَسْرَارِ، وَالْحَدِيثُ إِمَّا تَسْلِيَةٌ لِلْمُذْنِبِينَ، فَنَزَلُوا مَنْزِلَةَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ أَرَادَ بِالْمُسْتَغْفِرِينَ التَّائِبِينَ، فَهُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ لِأَنَّ الْمُلَازِمَيْنِ لِلِاسْتِغْفَارِ لَمَّا حَصَلَ لَهُمْ مَغْفِرَةُ الْغَفَّارِ، فَكَأَنَّهُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَنْ " دَاوَمَ الِاسْتِغْفَارَ " وَأَقَامَ بِحَقِّهِ كَانَ مُتَّقِيًا وَنَاظِرًا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا - يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١] الْآيَةَ. رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَيْهِ الْجَدْبَ فَقَالَ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَشَكَا إِلَيْهِ آخَرُ الْفَقْرَ، وَآخَرُ قِلَّةَ النَّسْلِ، وَآخَرُ قِلَّةَ رِيعِ أَرْضِهِ، فَأَمَرَهُمْ كُلَّهُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ ; فَقِيلَ لَهُ: شَكَوْا إِلَيْكَ أَنْوَاعًا، فَأَمَرْتَهُمْ كُلَّهُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ، فَتَلَا الْآيَةَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ.
стр. 3346
٢٣٤٠ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنَّ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٣٤٠ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا أَصَرَّ) : " مَا " نَافِيَةٌ أَيْ: مَا دَامَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (مَنِ اسْتَغْفَرَ) أَيْ: مِنْ كُلِّ سَيِّئَةٍ (وَإِنْ عَادَ) : أَيْ: وَلَوْ رَجَعَ إِلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ أَوْ غَيْرِهِ (فِي الْيَوْمِ) : أَوِ اللَّيْلَةِ (سَبْعِينَ مَرَّةً) : ظَاهِرُهُ التَّكْثِيرُ وَالتَّكْرِيرُ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: الْمُصِرُّ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْتَغْفِرْ وَلَمْ يَنْدَمْ عَلَى الذَّنْبِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ إِكْثَارُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْإِصْرَارُ: الثَّبَاتُ وَالدَّوَامُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، يَعْنِي مَنْ عَمِلَ مَعْصِيَةً ثُمَّ اسْتَغْفَرَ فَنَدِمَ عَلَى ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُصِرًّا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الِاسْتِغْفَارُ يَرْفَعُ الذُّنُوبَ، وَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ، فَقَدْ قِيلَ: حَدُّ الْإِصْرَارِ أَنْ يَتَكَرَّرَ مِنْهُ الصَّغِيرَةُ تَكْرَارًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالِاسْتِغْفَارِ التَّوْبَةُ، وَحِينَئِذٍ فَنَفْيُ الْإِصْرَارِ ظَاهِرٌ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ لَفْظُهُ مَعَ الذِّلَّةِ وَالِاسْتِصْغَارِ، لِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ قَدْ يَمْحُو الذَّنْبَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ وَيَشْعُرُ بِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ كَإِشْعَارِ الْكَبِيرَةِ، وَكَذَا إِذَا اجْتَمَعَتْ صَغَائِرُ مُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاعِ بِحَيْثُ يُشْعِرُ مَجْمُوعُهَا بِمَا يُشْعِرُ بِهِ أَصْغَرُ الْكَبَائِرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 3347
٢٣٤١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٣٤١ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ) أَيْ: كَثِيرُ الْخَطَأِ، أَفْرَدَ نَظَرًا إِلَى لَفْظِ الْكُلِّ، وَفِي رِوَايَةٍ: خَطَّاءُونَ نَظَرًا إِلَى مَعْنَى الْكُلِّ. قِيلَ: أَرَادَ الْكُلَّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلٌّ، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ، وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَإِمَّا مَخْصُوصُونَ عَنْ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ صَغَائِرَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، فَإِنَّ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْأَوْلَى، أَوْ مِنْ قَبِيلِ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، أَوْ يُقَالُ: الزَّلَّاتُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ بَعْضِهِمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ قَصْدٌ إِلَى الْعِصْيَانِ. ( «وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» ) أَيِ: الرَّجَّاعُونَ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، أَوْ بِالْإِنَابَةِ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ، أَوْ بِالْأَوْبَةِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ.
стр. 3348
٢٣٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكُمُ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ــ
٢٣٤٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ) أَيْ: ذَنْبًا وَاحِدًا (كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ) أَيْ: حَدَثَتْ فَهِيَ تَامَّةٌ، وَالنُّكْتَةُ: الْأَثَرُ. وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ، فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى السَّيِّئَةِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِالذَّنْبِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ كَانَتْ نُكْتَةٌ أَيِ: الذَّنْبُ بِتَأْوِيلِ السَّيِّئَةِ، وَرُوِيَ بِرَفْعِ نُكْتَةٍ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ فَيُقَدَّرُ (مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الذَّنْبِ. (فِي قَلْبِهِ) أَيْ: كَقَطْرَةِ مِدَادٍ تَقْطُرُ فِي الْقِرْطَاسِ، وَيَخْتَلِفُ عَلَى حَسَبِ الْمَعْصِيَةِ وَقَدْرِهَا، وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ حَيْثُ قِيلَ: شَبَّهَ الْقَلْبَ بِثَوْبٍ فِي غَايَةِ النَّقَاءِ وَالْبَيَاضِ، وَالْمَعْصِيَةَ بِشَيْءٍ فِي غَايَةِ السَّوَادِ أَصَابَ ذَلِكَ الْأَبْيَضَ، فَبِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ يَذْهَبُ ذَلِكَ الْجَمَالُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ إِذَا أَصَابَ الْمَعْصِيَةَ صَارَ كَأَنَّهُ حَصَلَ ذَلِكَ السَّوَادُ فِي ذَلِكَ الْبَيَاضِ، (فَإِنْ تَابَ) أَيْ: مِنَ الذَّنْبِ (وَاسْتَغْفَرَ) أَيْ: أَنَابَ إِلَى الرَّبِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لَفْظَ الِاسْتِغْفَارِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّوْبَةِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ كَمَالٌ فِيهَا (صُقِلَ قَلْبُهُ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: نَظُفَ وَصَفِيَ مِرْآةُ قَلْبِهِ لِتَجَلِّيَاتِ رَبِّهِ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمِصْقَلَةِ تَمْحُو وَسَخَ الْقَلْبِ وَسَوَادَهُ حَقِيقِيًّا أَوْ تَمْثِيلِيًّا. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ بِلَا شَكٍّ. (وَإِنْ زَادَ) أَيْ: فِي
стр. 3349
الذَّنْبِ أَيْ: بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنَ الذُّنُوبِ (زَادَتْ) أَيِ النُّكْتَةُ السَّوْدَاءُ أَوْ يَظْهَرُ لِكُلِّ ذَنْبٍ نُكْتَةٍ (حَتَّى تَعْلُوَ) أَيِ: النُّكَتُ (قَلْبَهُ) أَيْ: تُطْفِئُ نُورَ قَلْبِهِ فَتُعْمِي بَصِيرَتَهُ، فَلَا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْحِكَمِ الرَّائِعَةِ، وَتَزُولُ عَنْهُ الشَّفَقَةُ وَالرَّحْمَةُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأُمَّةِ، وَيَثْبُتُ فِي قَلْبِهِ آثَارُ الظُّلْمَةِ وَالْفِتْنَةِ وَالْجَرَاءَةِ عَلَى الْأَذِيَّةِ وَالْمَعْصِيَةِ (فَذَلِكُمُ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ: فِي كِتَابِهِ (كَلَّا) أَيْ: حَقًّا (بَلْ رَانَ) أَيْ: غَلَبَ وَاسْتَوْلَى (عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أَيْ: مِنَ الذُّنُوبِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهَا خَيْرٌ قَطُّ. قِيلَ: الْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ. أَيْ: فَذَلِكُمُ الْأَثَرُ الْمُسْتَقْبَحُ الْمُسْتَعْلِي، وَإِدْخَالُ اللَّامِ عَلَى رَانَ، وَهُوَ فِعْلٌ إِمَّا لِقَصْدِ حِكَايَةِ اللَّفْظِ وَإِجْرَائِهِ مَجْرَى الِاسْمِ، وَإِمَّا لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الْمَصْدَرِ، وَالرَّانُ: بِمَعْنَى الرَّيْنِ وَهُوَ الطَّبْعُ وَالتَّغْطِيَةُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الرَّانُ وَالرَّيْنُ سَوَاءٌ كَالْعَابِ وَالْعَيْبِ، وَالْآيَةُ فِي الْكُفَّارِ إِلَّا أَنَّ الْمُؤْمِنَ بِارْتِكَابِ الذَّنْبِ يُشْبِهُهُمْ فِي اسْوِدَادِ الْقَلْبِ، وَيَزْدَادُ ذَلِكَ بِازْدِيَادِ الذَّنْبِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذِهِ الْآيَةُ مَذْكُورَةٌ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ، لَكِنْ ذَكَرَهَا ﷺ تَخْوِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ كَيْ يَحْتَرِزُوا عَنْ كَثْرَةِ الذَّنْبِ كَيْلَا تَسْوَدَّ قُلُوبُهُمْ كَمَا اسْوَدَّتْ قُلُوبُ الْكُفَّارِ، وَلِذَا قِيلَ: الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .
стр. 3350
٢٣٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٣٤٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ) : ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِالْكَافِرِ (مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) أَيْ: مَا لَمْ تَبْلُغِ الرُّوحُ إِلَى الْحُلْقُومِ، يَعْنِي: مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ بِالْمَوْتِ فَإِنَّ التَّوْبَةَ بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِالْمَوْتِ لَا يُعْتَدُّ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨] قِيلَ: وَأَمَّا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ حُضُورَهُ بِمُعَايَنَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ، فَحُكْمٌ أَغْلَبِيٌّ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَرَاهُ، وَكَثِيرًا يَرَاهُ قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: وَرُدَّ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَرَاهُ فَمُدَّعِي الْعَدَمَ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ. اهـ. وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى الرُّؤْيَةِ، وَالْمَانِعُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الدَّلِيلُ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ: ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مَا لَمْ يُعَايِنِ الرَّجُلُ مَلَكَ الْمَوْتِ، وَمَوْقُوفُهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّ مِثْلَهُ مَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، أَوْ كَلَامُهُ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ إِمَامُ الْمُفَسِّرِينَ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ بِظَاهِرِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] وَتُشِيرُ الْآيَةُ الْمَاضِيَةُ بِأَنَّ الْحُضُورَ حَقِيقَةً لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْمَلَكِ، وَأَمَّا لِلْمَوْتِ فَمَجَازٌ، وَالنِّسْبَةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَوْلَى مِنَ الْمَجَازِيَّةِ، فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَالتَّقْدِيرُ حَضَرَ أَحَدَهُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَخْصِيصُ غَيْرِهِ بِدَعْوَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَرَاهُ مُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ كَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ، قِيلَ: جَعَلَ ابْتِدَاءَ قَبْضِ الرُّوحِ مِنَ الرِّجْلِ لِيَبْقَى الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ ذَاكِرًا، وَلِيَتُوبَ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا، وَلِيَسْتَحِلَ مِنَ النَّاسِ عَنِ الْمَظَالِمِ، وَلِيُوَصِّيَ بِالْخَيْرِ، وَلِيَكُونَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْغَرْغَرَةُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَشْرُوبُ فِي الْفَمِ، وَيُرَدَّدَ إِلَى أَصْلِ الْحَلْقِ وَلَا يُبْتَلَعَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّوْبَةِ الْعَزْمَ عَلَى تَرْكِ الذَّنْبِ الْمَتُوبِ مِنْهُ وَعَدَمِ الْمُعَاوَدَةِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعَ تَمَكُّنِ التَّائِبِ مِنْهُ وَبَقَاءِ أَوَاَنِ الِاخْتِيَارِ، فَإِذَا تَيَقَّنَ الْمَوْتَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، وَهَذَا فِي التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، لَكِنَّ لَوِ اسْتَحَلَّ مِنْ مَظْلَمَةٍ صَحَّ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ أَوْ نَصَّبَ وَلِيًّا عَلَى طِفْلِهِ أَوْ عَلَى خَيْرٍ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ. اهـ. وَجَعْلُهُ عَدَمَ الْمُعَاوَدَةِ شَرْطُ التَّوْبَةِ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ الْمَسْطُورِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: لَوْ أَوْصَى إِلَخْ. فَإِنَّهُ تَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْأَحْكَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 3351
٢٣٤٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، فَقَالَ الرَّبُّ : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٢٣٤٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الشَّيْطَانَ) أَيْ: إِبْلِيسَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ: (قَالَ: بِعِزَّتِكَ يَا رَبِّ) ! أَيْ: أُقْسِمُ بِعِزَّتِكَ الَّتِي لَا تُرَامُ، وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ وَجَلَالِكَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ رَئِيسُ الضَّلَالِ وَمَظْهَرُ " الْجَلَالِ "، كَمَا أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ مَظْهَرُ الْعِنَايَةِ وَالْجَمَالِ، وَسَيِّدُ أَهْلِ الْهِدَايَةِ وَالْكَمَالِ (لَا أَبْرَحُ) أَيْ: لَا أَزَالُ (أُغْوِي عِبَادَكَ) : بَنِي آدَمَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ: أُضِلُّهُمْ. (مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، فَقَالَ الرَّبُّ : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي) أَيْ: عُلُوِّ مَرْتَبَتِي وَرِفْعَةِ مَكَانِي (لَا أَزَالُ) : وَفِي رِوَايَةٍ: لَا أَبْرَحُ، وَالْأُولَى أَوْلَى لِلتَّفَنُّنِ وَلِلتَّبْيِينِ (أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي) .
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ - قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ - لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٥] فَإِنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمُخْلَصِينَ هُمُ النَّاجُونَ فَحَسْبُ، وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُخْلَصِينَ هُمْ أَيْضًا نَاجُونَ. قُلْتُ: قَيْدُ قَوْلِهِ تَعَالَى: مِمَّنْ تَبِعَكَ أَخْرَجَ الْعَاصِينَ الْمُسْتَغْفِرِينَ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي اتَّبَعَكَ: اسْتَمَرَّ عَلَى الْمُتَابَعَةِ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى اللَّهِ وَلَمْ يَسْتَغْفِرِ. اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى التَّوْبَةِ. وَالْأَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُقَالَ فِي دَفْعِ هَذَا الْإِشْكَالِ الَّذِي مِنْ أَصْلِهِ لِأَهْلِ الِاعْتِزَالِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُخْلَصِينَ الْمُوَحِّدُونَ الَّذِينَ أَخْلَصَهُمُ اللَّهُ مِنَ الشِّرْكِ، وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي إِيرَادِ لَفْظِ الْمُخْلَصِينَ تَحْصِينُ الْخَوْفِ فِي قُلُوبِ الْمُخْلَصِينَ مِنْ دُخُولِ النَّارِ مَعَ الْكَافِرِينَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . وَكَذَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ.
стр. 3352
٢٣٤٥ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا، عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ، لَا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٣٤٥ - (وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، صَحَابِيٌّ مَعْرُوفٌ، نَزَلَ الْكُوفَةَ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا) أَيْ: حِسِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا (عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا) أَيْ: فَكَيْفَ طُولُهُ، وَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي تَوْسِعَتِهِ (لِلتَّوْبَةِ) أَيْ: مَفْتُوحَةٌ لِأَصْحَابِ التَّوْبَةِ، أَوْ عَلَامَةٌ لِصِحَّةِ التَّوْبَةِ وَقَبُولِهَا (لَا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ) أَيْ: مِنْ جَانِبِ الْبَابِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَفَائِدَةُ إِغْلَاقِهِ إِعْلَامُ الْمَلَائِكَةِ بِسَدِّ بَابِ التَّوْبَةِ وَأَنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ فِي فُسْحَةٍ وَوُسْعَةٍ عَنْهَا مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ سُدَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ إِيمَانٌ وَلَا تَوْبَةٌ، لِأَنَّهُمْ إِذَا عَايَنُوا ذَلِكَ وَاضْطَرُّوا إِلَى الْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ، فَلَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ، كَمَا لَا يَنْفَعُ الْمُحْتَضِرَ، وَلَمَّا كَانَ سُدَّ الْبَابُ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ جُعِلَ فَتْحُ الْبَابِ مَنْ قِبَلِهِ أَيْضًا، وَقَوْلُ: مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا مُبَالَغَةٌ فِي التَّوْسِعَةِ، أَوْ تَقْدِيرٌ لِعَرْضِ الْبَابِ بِمِقْدَارِ مَا يَسُدُّهُ جِرْمُ الشَّمْسِ الطَّالِعُ مِنَ الْمَغْرِبِ. (وَذَلِكَ) أَيْ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ (قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ: مَعْنَى قَوْلِهِ:
стр. 3353
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أَيْ: بَعْضُ عَلَامَاتٍ يُظْهِرُهَا رَبُّكَ إِذَا قَرُبَتِ الْقِيَامَةُ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] أَيْ: حِينَئِذٍ حَالَ كَوْنِهَا ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أَيْ: مِنْ قَبْلِ إِتْيَانِ بَعْضِ آيَاتِهِ وَهُوَ الطُّلُوعُ الْمَذْكُورُ، وَتَتِمَّةُ الْآيَةِ: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] عَطْفًا عَلَى آمَنَتْ أَيْ: أَوْ لَمْ تَكُنِ النَّفْسُ كَسَبَتْ فِي حَالِ إِيمَانِهَا تَوْبَةً مِنْ قَبْلُ، وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ تَظْهَرُ الْمُنَاسَبَةُ التَّامَّةُ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ، وَيَكُونُ مُعَايَنَةُ طُلُوعِ الشَّمْسِ نَظِيرَ مُعَايَنَةِ حُضُورِ الْمَوْتِ فِي عَدَمِ نَفْعِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ عِنْدَ حُصُولِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَبِهِ يَنْدَفِعُ اسْتِدْلَالُ أَهْلِ الِاعْتِزَالِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الْمُجَرَّدَ عَنِ الْأَعْمَالِ لَا يَنْفَعُ شَيْئًا فِي الْمَآلِ، فَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ لِلْكَشَّافِ: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (نَفْسًا) وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] عَطْفٌ عَلَى (آمَنَتْ) وَالْمَعْنَى أَنَّ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ إِذَا جَاءَتْ وَهِيَ آيَاتٌ لِمَجِيئِهِ ذَهَبَ أَوَانُ التَّكْلِيفِ عِنْدَهَا، فَلَمْ يَنْفَعِ الْإِيمَانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا غَيْرَ مُقَدِّمَتِهِ مِنْ قَبْلِ ظُهُورِ الْآيَاتِ، أَوْ مُقَدِّمَةِ إِيمَانِهَا غَيْرَ كَاسِبَةٍ خَيْرًا فِي إِيمَانِهَا، فَلَمْ يُفَرِّقْ كَمَا تَرَى بَيْنَ النَّفْسِ الْكَافِرَةِ، إِذَا آمَنَتْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْإِيمَانِ، وَبَيْنَ النَّفْسِ الَّتِي آمَنَتْ فِي وَقْتِهَا وَلَمْ تَكْسِبْ خَيْرًا، لِيُعْلَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٨٢] جَمْعٌ بَيْنَ قَرِينَتَيْنِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَنْفَكَّ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى، حَتَّى يَفُوزَ صَاحِبُهَا وَيُسْعَدَ، وَإِلَّا فَالشَّقَاوَةُ وَالْهَلَاكُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِنْ حُمِلَ عَلَى مَا قَالَ لَمْ يُفِدْ قَوْلُهُ: (فِي إِيمَانِهَا) لِمَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَطْفِ عَلَى (آمَنَتْ) حُصُولُ الْكَسْبِ فِي الْإِيمَانِ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ بِأَنْ يُقَالَ: لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا حِينَئِذٍ أَوْ كَسْبُهَا فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا مِنْ قَبْلُ، وَالْإِيجَازُ مِنْ حِلْيَةِ التَّنْزِيلِ. اهـ. وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ: ابْنُ عَطِيَّةَ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ هِشَامٍ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ تَقْرِيرِي وَتَحْرِيرِي أَيْضًا الْحَدِيثُ الْآتِي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 3354
٢٣٤٦ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٣٤٦ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَنْقَطِعُ) : بِالتَّأْنِيثِ وَيُذَكَّرُ (الْهِجْرَةُ) أَيْ: مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى التَّوْبَةِ (حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ) أَيْ: صِحَّتُهَا بِأَنْ يُغَرْغِرَ صَاحِبُهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِالْهِجْرَةِ هُنَا الِانْتِقَالَ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَمِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى التَّوْبَةِ. قُلْتُ: الْأَخِيرُ تَعْمِيمٌ يَشْمَلُ الْكُلَّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يُرِدِ الْهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِأَنَّهَا انْقَطَعَتْ، وَلَا الْهِجْرَةَ مِنَ الذُّنُوبِ كَمَا وَرَدَ: وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الذُّنُوبَ وَالْخَطَايَا لِأَنَّهَا نَفْسُ التَّوْبَةِ. قُلْتُ: لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَعْمَالَ الْكَمَالِ لَا تَنْقَطِعُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَالَ: بَلِ الْهِجْرَةُ مِنْ مَكَانٍ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةِ حُدُودِ اللَّهِ، أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً، وَفِيهِ أَنَّ كَوْنَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مَعَ كَوْنِ خُرُوجِهِ عَنْهُ مِنَ الْإِمْكَانِ مَعْصِيَةً خَاصَّةً، وَالْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ أَوْلَى مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ لَا يُلَائِمُ الْغَايَةَ لِقَوْلِهِ: حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَالِاسْتِشْهَادُ بِالْآيَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ. لِأَنَّهُ نَزَلَ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: لَمْ تَنْقَطِعْ وُجُوبًا حَتَّى يَنْقَطِعَ قَبُولُهَا. (وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ) أَيْ: صِحَّتُهَا أَوْ قَبُولُهَا (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 3355
٢٣٤٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَحَابَّيْنِ، أَحَدُهُمَا مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، وَالْآخَرُ يَقُولُ: مُذْنِبٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَقْصِرْ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ، فَيَقُولُ: خَلِّنِي وَرَبِّي. حَتَّى وَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ. فَقَالَ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّيَ، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا، وَلَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظِرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟ فَقَالَ: لَا يَا رَبِّ. قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٢٣٤٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ) أَيْ: مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (مُتَحَابَّيْنِ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا أَوْ لِأَمْرٍ مَا، لَا فِي اللَّهِ لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ وَالْمُلَاءَمَةِ بَيْنَ الْمُطِيعِ وَالْعَاصِي وَالْجِنْسِيَّةُ عِلَّةُ الضَّمِّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] وَيُمْكِنُ أَنَّهُمَا كَانَا مُتَحَابَّيْنِ أَوَّلًا، ثُمَّ وَقَعَ أَحَدُهُمَا فِي الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، ثُمَّ تَمَّ عَقْدُ الْأُخُوَّةِ وَالْعَمَلِ بِالنَّصِيحَةِ، وَهُوَ أَوْلَى عِنْدَ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ مِنْ قَطْعِ الْحَصْبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] حَيْثُ لَمْ يَقُلْ مِنْكُمْ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْكُمْ مُقَدِّرًا، وَمِمَّا تَعْمَلُونَ عِلَّةٌ لِلْبَرَاءَةِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَدِيثِ الْحُبِّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضِ فِي اللَّهِ، وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الِابْتِدَاءِ خِلَافُ ظَاهِرِ الْإِطْلَاقِ. (أَحَدُهُمَا مُجْتَهِدٌ) أَيْ: مُبَالِغٌ (فِي الْعِبَادَةِ، وَالْآخَرُ يَقُولُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ أَيِ: الرَّسُولُ ﷺ (مُذْنِبٌ) أَيْ: هُوَ مُذْنِبٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ تَبَعًا لِلْمُظْهِرِ أَيْ: يَقُولُ الْآخَرُ: أَنَا مُذْنِبٌ أَيْ مُعْتَرِفٌ بِالذَّنْبِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: (يَقُولُ) فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى حِسِّهِ الْمُقَابَلَةِ بِأَنْ يُقَالَ أَيْ مُجْتَهِدٌ فِي الْمَعْصِيَةِ، حَيْثُ قَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَعْنَى وَالْآخَرُ مُنْهَمِكٌ فِي الذَّنْبِ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ: مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، لِأَنَّ الْقَوْلَ كَثِيرًا مَا يُعَبَّرُ بِهِ فِي الْأَفْعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ بِحَسَبِ الْمَقَامِ. اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَخْلَ لِلْقَوْلِ حِينَئِذٍ فِي الْمَقَامِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَفْهَامِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ قَوْلِهِ: وَالْآخَرُ مُذْنِبٌ بِإِدْخَالِ (يَقُولُ) بَيْنَهُمَا، لِأَنْ يُنْسَبُ الْقَوْلُ إِلَيْهِ مُرَاعَاةً لِلْأَدَبِ مَعَهُ، لِعِلْمِهِ ﵊ بِأَنَّهُ سَعِيدٌ عِنْدَ رَبِّهِ فِي غُفْرَانِ ذَنْبِهِ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ بِعَيْنِهَا قَالَ: مُجْتَهِدٌ وَلَمْ يَقُلْ صَالِحٌ أَوْ عَابِدٌ. (فَجَعَلَ) أَيْ: طَفِقَ وَشَرَعَ الْمُجْتَهِدُ (يَقُولُ) أَيْ: لِلْمُذْنِبِ (أَقْصِرْ) : أَمْرٌ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ أَيْ أَمْسِكْ وَامْتَنِعْ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَقْصِرْ أَقْصِرْ (عَمَّا أَنْتَ فِيهِ) أَيْ: مِنَ الذَّنْبِ (فَيَقُولُ:) أَيِ: الْآخَرُ (خَلِّنِي وَرَبِّي) أَيِ: اتْرُكْنِي مَعَهُ، فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَتَكَرَّرَ هَذَا الْكَلَامُ وَالْجَوَابُ (حَتَّى وَجَدَهُ) أَيِ: الْمُجْتَهِدُ الْمُذْنِبَ (يَوْمًا) أَيْ: وَقْتًا مَا (عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ) أَيِ: الْمُجْتَهِدُ ذَلِكَ الذَّنْبَ (فَقَالَ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ بِالِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ أَيْ أَرْسَلَكَ اللَّهُ (عَلَيَّ رَقِيبًا؟) أَيْ: حَافِظًا (فَقَالَ) أَيِ الْمُجْتَهِدُ مِنْ كَمَالِ غُرُورِهِ وَعُجْبِهِ، وَحَقَارَةِ صَاحِبِهِ لِارْتِكَابِ عَظِيمِ ذَنَبِهِ ( «وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا، وَلَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ» ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ عُقُوبَةٍ، فَهُوَ مُبَالَغَةٌ غَايَةَ الْمُبَالَغَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ عَدَمَ الْغُفْرَانِ لَازِمٌ لِعَدَمِ دُخُولِ الْجَنَّةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُذْنِبَ قَدْ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ فَيُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ، كَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ. (فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا، فَقَبَضَ) أَيْ: أَرْوَاحَهُمَا (عِنْدَهُ) أَيْ: فِي مَحَلِّ حُكْمِهِ، وَهُوَ الْبَرْزَخُ أَوْ تَحْتَ عَرْشِهِ (فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي) أَيْ: جَزَاءً لِحُسْنِ ظَنِّكَ بِي (وَقَالَ لِلْآخَرِ) : وَفِي الْعُدُولِ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالْمُجْتَهِدِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى، وَهِيَ أَنَّ اجْتِهَادَهُ فِي الْعِبَادَةِ ضَاعَ لِقِلَّةِ عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِصِفَاتِ رَبِّهِ، فَانْقَلَبَ الْأَمْرُ وَصَارَ فِي الذَّنْبِ كَالْآخَرِ، وَالْمُذْنِبُ بِحُسَنِ عَقِيدَتِهِ وَاعْتِرَافِهِ بِالتَّقْصِيرِ فِي مَعْصِيَتِهِ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْمُجْتَهِدِ (أَتَسْتَطِيعُ) : الْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ أَيْ: أَتَقْدِرُ (أَنْ تَحْظُرَ) : بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: تَمْنَعُ وَتَحْرِمُ (عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟) أَيِ: الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، وَخُصَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْعُقْبَى (فَقَالَ: لَا يَا رَبِّ) : اعْتَرَفَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ الِاعْتِرَافُ (قَالَ) أَيِ: الرَّبُّ (اذْهَبُوا بِهِ) : خِطَابًا لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالنَّارِ، أَوْ لِذَلِكَ الْمَلَكِ، وَالْجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ لِكِبَرِهِ كَأَنَّهُ جُمِعَ (إِلَى النَّارِ) : حَتَّى يَذُوقَ الْعَذَابَ جَزَاءً عَلَى غُرُورِهِ وَعُجْبِهِ
стр. 3356
بِالْعُجَابِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى كُفْرِهِ، لِيَكُونَ مُخَلَّدًا فِي النَّارِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: إِدْخَالُهُ النَّارَ كَانَ مُجَازَاةً لَهُ عَلَى قَسَمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لِلْمُذْنِبِ ذَنْبَهُ، لِأَنَّهُ جَعَلَ النَّاسَ آيِسِينَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَحَكَمَ بِأَنَّ اللَّهَ غَيْرُ غَفُورٍ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنْ كَلَامِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَالِغٌ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَصَدَرَ هَذَا الْكَلَامُ عَنْهُ فِي حَالِ غَضَبِهِ، وَلَوْ كَانَ لِلَّهُ لَسُومِحَ بِهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَغْرُورًا بِاجْتِهَادِهِ مُحْتَقِرًا لِلْمُذْنِبِ لِأَجْلِ الْإِصْرَارِ عَلَى ذَنْبِهِ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ، وَلِذَا قِيلَ: مَعْصِيَةٌ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَاسْتِصْغَارًا خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أَوْجَبَتْ عُجْبًا وَاسْتِكْبَارًا.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا يَا رَبِّ " أَكْذَبَ نَفْسَهُ وَحَلِفَهُ فَاسْتَحَقَّ الْعِقَابَ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ لِأَنَّهُ آيَسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْهَا كُفْرٌ لِمَنِ اسْتَحَلَّهُ كَهَذَا الرَّجُلِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَلِفُهُ السَّابِقُ الْمُتَضَمِّنُ لِلْحُكْمِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَعَلَى صَاحِبِهِ بِأَنَّهُ يَئِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ يَأْسِ الْمُجْتَهِدِ وَاسْتِحْلَالِهِ وَكُفْرِهِ، غَيْرُ صَحِيحٍ، مَعَ أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ التَّنْزِيلِ يَكُونُ عَلَى مُعْتَقَدِ الْمُعْتَزِلِيِّ مِنْ عَدَمِ تَجْوِيزِ غُفْرَانِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ، وَعَلَيْهِ ظَوَاهِرُ كَثِيرَةٌ مِنَ الْآيَاتِ فِي الْوَعِيدِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِتَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. نَعَمْ فِي الْحَدِيثِ رَدٌّ بَلِيغٌ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ، حَيْثُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَفَرَ لِلْمُذْنِبِ وَأَدْخَلَهُ جَنَّتَهُ بِرَحْمَتِهِ مِنْ غَيْرِ رُجُوعِ الْمُذْنِبِ وَتَوْبَتِهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
وَرَوَى الْبَغَوِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي الْمَعَالِمِ، عَنْ ضَمْضَمَ بْنِ جَوْسٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَنَادَانِي شَيْخٌ فَقَالَ لِي: يَا يَمَامِيٌّ تَعَالَ. وَمَا أَعْرِفُهُ، فَقَالَ: لَا تَقُولَنَّ لِرَجُلٍ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا وَلَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَمَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ. قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ يَقُولُهَا أَحَدُنَا لِبَعْضِ أَهْلِهِ إِذَا غَضِبَ أَوْ لِزَوْجَتِهِ أَوْ لِخَادِمَتِهِ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ رَجُلَيْنِ " الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ بِدُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ. اهـ. وَتَعْلِيلُ ابْنِ حَجَرٍ هُنَا بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهَا صَيَّرَتْهُ إِلَى النَّارِ الْمُؤَبَّدَةِ عَلَيْهِ خَطَأٌ ظَاهِرٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
стр. 3357
٢٣٤٨ - «وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا " وَلَا يُبَالِي» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَفِي: " شَرْحِ السُّنَّةِ " " يَقُولُ " بَدَلَ: " يَقْرَأُ ".
ــ
٢٣٤٨ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ) أَيِ: ابْنِ السَّكَنِ ( «قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: يَا عِبَادِيَ» : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهَا ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] أَيْ: بِالْمَعَاصِي لَا تَقْنَطُوا: بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا أَيْ لَا تَيْأَسُوا ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ [الزمر: ٥٣] : اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] أَيْ: ذُنُوبَ الْكُفَّارِ بِالتَّوْبَةِ، وَذُنُوبَ الْأَبْرَارِ بِهَا وَبِالْمَشِيئَةِ (وَلَا يُبَالِي) أَيْ: مِنْ أَحَدٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْوَعِيدِيَّةِ، وَهُوَ يَحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْآيَةِ فَنُسِخَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً مِنْ عِنْدِهِ ﵊ كَالتَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَاهُ كَفَّارَةً، فَنَزَلَتْ» هَذِهِ الْآيَةُ. اهـ. فَالْخِطَابُ لِلْكَفَّارِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ذُنُوبَهُمْ بِالْإِيمَانِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " يَقُولُ) أَيْ: يَا عِبَادِي إِلَخْ (بَدَل َ " يَقْرَأُ) أَيِ: السَّابِقَ فِي رِوَايَةِ الْأَوَّلِينَ، فَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ.
стр. 3358
٢٣٤٩ - «- وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
ــ
٢٣٤٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] أَيْ: فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ [النجم: ٣٢] قِيلَ: مِنْ كُلِّ ذَنَبٍ فِيهِ حَدٌّ، وَالْفَوَاحِشُ مَا فِيهِ وَعِيدٌ أَوْ مُخْتَصٌّ بِالزِّنَا أَوِ الْبُخْلِ ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] بِفُتْحَتَيْنِ أَيِ الصَّغَائِرَ: فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَجْتَنِبُوهَا لِأَنَّ اللَّمَمَ غَيْرُ مَعْصُومِينَ مِنْهُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنَّهَا
стр. 3359
تُغْفَرُ لَهُمْ بِالطَّاعَةِ وَالتَّوْبَةِ. اهـ. وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلتَّوْبَةِ بِاللَّمَمِ، وَأَيْضًا آخِرُ الْحَدِيثِ يَأْبَى عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، فَإِنَّ اللَّمَمَ مَا قَلَّ وَمَا صَغُرَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: أَلَمَّ بِالْمَكَانِ: إِذَا قَلَّ لُبْثُهُ فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (اللَّمَمَ) صِفَةً، وَ (إِلَّا) بِمَعْنَى غَيْرِ، فَقِيلَ: هُوَ النَّظْرَةُ وَالْغَمْزَةُ وَالْقُبْلَةُ، الْخَطْرَةُ مِنَ الذَّنْبِ، وَقِيلَ: كُلُّ ذَنْبٍ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ فِيهِ حَدًّا وَلَا عَذَابًا. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيِ: اسْتِشْهَادًا بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَخْلُو مِنَ اللَّمَمِ: ( «إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا» ) : بِأَلِفٍ بَعْدَ مِيمٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ كَثِيرًا كَبِيرًا (وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا) : فِعْلٌ مَاضٍ مُفْرَدٌ، وَالْأَلِفُ لِلْإِطْلَاقِ أَيْ: لَمْ يُلِمَّ بِمَعْصِيَةٍ يُقَالُ: لَمَّ؛ أَيْ: نَزَلَ، وَأَلَمَّ إِذَا فَعَلَ اللَّمَمَ، وَمَعْنَى بَيْتِ أُمَيَّةَ أَنَّ: إِنْ تَغْفِرْ ذُنُوبَ عِبَادِكَ، فَقَدْ غَفَرْتَ ذُنُوبًا كَثِيرَةً، فَإِنَّ عِبَادَكَ كُلَّهُمْ خَطَّاءُونَ، وَأَشَارَ تَعَالَى إِلَيْهِ فِي الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] إِنْشَاؤُهُ لَا إِنْشَادُهُ لِأَنَّهُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: هُوَ شَاعِرٌ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مُتَمَثِّلًا بِشِعْرِ أُمَيَّةَ، لَا قَصْدًا لِأَنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهِ إِنْشَاءُ الشِّعْرِ، وَكَذَا رِوَايَتُهُ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ غَفْلَةً عَنْ كَلَامِ أَئِمَّتِهِ، فَمَحَلُّ ذَلِكَ إِنْ قَالَهُ عَلَى قَصْدِ الرِّوَايَةِ. اهـ. وَهُوَ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَيَتَمَثَّلُ بِقَوْلِهِ:
وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ
وَقَدْ قَالَ: أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: "
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ
" نَعَمْ وَرَدَ أَنَّهُ أَصَابَ حَجَرٌ أُصْبُعَهُ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ فَقَالَ:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ وَهُوَ إِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَنْ شِعْرِ غَيْرِهِ وَتَمَثَّلَ بِهِ، لَكِنْ لَمَّا تَتَبَّعُوا وَلَمْ يَجِدُوا قَائِلَهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الرَّجَزِ الَّذِي جَرَى عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَوْقَاتِهِ، وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الرَّجَزَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الشِّعْرَ، إِذْ لَمْ يَقْصِدْ صُدُورَهُ عَنْ نِيَّةٍ لَهُ وَرَوِيَّةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اتِّفَاقُ كَلَامٍ يَقَعُ أَحْيَانًا وَقَدْ وُجِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَيْتُ لِأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ أَنْشَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: مِنْ شَأْنِكَ اللَّهُمَّ أَنْ تَغْفِرَ غُفْرَانًا كَثِيرًا لِلذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ، وَأَمَّا الْجَرَائِمُ الصَّغِيرَةُ، فَلَا تُنْسَبُ إِلَيْكَ لِأَنَّهَا لَا يَخْلُو عَنْهَا أَحَدٌ، وَإِنَّهَا مُكَفَّرَةٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ انْتَهَى. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا التَّكْفِيرَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَ (إِنْ) لَيْسَ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّعْلِيلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أَيْ: لِأَجْلِ أَنَّكُمْ مُؤْمِنُونَ لَا تَهِنُوا، فَالْمَعْنَى لِأَجْلِ أَنَّكَ غَفَّارٌ اغْفِرْ جَمًّا كَمَا تَقُولُ لِلسُّلْطَانِ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَأَعْطِ الْجَزِيلَ. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: (إِنْ) بِمَعْنَى: (إِذْ) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] فَسَقَطَ مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُؤَدَّى وَاحِدٌ، فَإِنَّ (إِذْ) لِلتَّعْلِيلِ أَيْضًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩] فَلِكُلِّ سَاقِطٍ لَاقِطٌ. انْتَهَى. وَعَلَى تَقْدِيرِ تَقْرِيرِ صِحَّةِ الظَّرْفِيَّةِ فِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لَا يَمْتَنِعُ إِرَادَةُ التَّعْلِيلِ أَيْضًا، فَلَا وَجْهَ لِلسُّقُوطِ مَعَ أَنَّ الظَّرْفِيَّةَ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ فِي الْبَيْتِ لِعَدَمِ تَقْيِيدِ " غَفَّارِيَّتِهِ " تَعَالَى بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَلِذَا قَالَ بِنَفْسِهِ نَاقِضًا لِكَلَامِهِ تَابِعًا لِلطِّيبِيِّ فِي مَرَامِهِ: فَالْمَعْنَى لِأَجْلِ أَنَّكَ غَفَّارٌ إِلَخْ. ثُمَّ قَالَ: وَالْبَيْتُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَحَاسِنَ. مِنْهَا: اتِّحَادُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فَغَفْلَةٌ مَا عَنْ تَقْيِيدِهِ بِجَمًّا، وَكَانَ أُمَيَّةُ هَذَا مُتَعَبِّدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمُتَدَيِّنًا وَمُؤْمِنًا بِالْبَعْثِ، أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ وَلَمْ يُسْلِمْ، وَلَمَّا كَانَ فِي شِعْرِهِ يَنْطِقُ بِالْحَقَائِقِ قَالَ ﷺ فِي حَقِّهِ: " «كَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ» ".
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) .
стр. 3360
٢٣٥٠ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ ; فَاسْأَلُونِي الْهُدَى أَهْدِكُمْ. وَكُلُّكُمْ فُقَرَاءُ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ ; فَاسْأَلُونِي أُرْزَقْكُمْ، وَكُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ ; فَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ، وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ، وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ. وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ، وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ، وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي ; مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ، وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْكُمْ ; مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إِلَّا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالْبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً، ثُمَّ رَفَعَهَا ; ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ، عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ كُنْ، فَيَكُونُ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٣٥٠ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي) : خِطَابٌ عَامٌّ يَشْمَلُ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَفِيهِ تَأْنِيسٌ تَامٌّ (كُلٌّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ) : كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤] ، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧] ، ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] (فَاسْأَلُونِي) : بِالْهَمْزِ وَحَذْفِهِ (الْهُدَى) أَيِ: اطْلُبُوا الْهِدَايَةَ مِنِّي لَا مِنْ غَيْرِي وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ (أَهْدِكُمْ) : فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فِي طَلَبِ الْهِدَايَةِ هَدَاهُ اللَّهُ (وَكُلُّكُمْ فُقَرَاءُ) أَيْ: ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ) : وَهُوَ أَيْضًا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ لَمْحَةً لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى الْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ كُلَّ لَحْظَةٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨] (فَاسْأَلُونِي أُرْزَقْكُمْ) أَيْ: حَلَالًا طَيِّبًا إِذِ الرِّزْقُ الْمَضْمُونُ يُنَالُ بِلَا سُؤَالٍ (وَكُلُّكُمْ مُذْنِبٌ) أَيْ: يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الذَّنْبُ (إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ) أَيْ: مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ أَيْ: عَصَمْتُ وَحَفِظْتُ، وَإِنَّمَا قَالَ: (عَافَيْتُ) تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ مَرَضٌ ذَاتِيٌّ وَصِحَّتُهُ عِصْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحِفْظُهُ مِنْهُ، أَوْ كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ بِالْفِعْلِ وَذَنْبُ كُلٍّ بِحَسَبِ مَقَامِهِ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ وَالْأَوْبَةِ، ( «فَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ» ) أَيْ: جَمِيعَ ذُنُوبِهِ وَلَوْ بِلَا تَوْبَةٍ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِثْنَاءِ الشِّرْكِ لِأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ إِلَّا مِنَ الْمُؤْمِنِ (وَلَا أُبَالِي) : فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلِيِّ (وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ) : يُرَادُ بِهِ الْإِحَاطَةُ وَالشُّمُولُ (وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ) : تَأْكِيدٌ لِإِرَادَةِ الِاسْتِيعَابِ كَقَوْلِهِ: (وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ) أَيْ: شَبَابَكُمْ وَشُيُوخَكُمْ، أَوْ عَالِمَكُمْ وَجَاهِلَكُمْ، أَوْ مُطِيعَكُمْ وَعَاصِيَكُمْ.
وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ فَقَالَ: أَرَادَ بِالرَّطْبِ النَّبَاتَ وَالشَّجَرَ، وَبِالْيَابِسِ الْمَدَرَ وَالْحَجَرَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا الْبَحْرُ وَالْبَرُّ أَيْ: أَهْلُهُمَا، أَوْ لَوْ صَارَ كُلُّ مَا فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ مِنَ الشَّجَرِ وَالْحَجَرِ وَالْحِيتَانِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ آدَمِيًّا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُمَا عِبَارَتَانِ عَنِ الِاسْتِيعَابِ التَّامِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وَالْإِضَافَةُ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الِاسْتِيعَابُ فِي نَوْعِ الْإِنْسَانِ، فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِلشُّمُولِ بَعْدَ تَأْكِيدٍ، وَتَقْرِيرًا بَعْدَ تَقْرِيرٍ. انْتَهَى. وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِإِدْخَالِ الْمَلَائِكَةِ وَعِصْمَتِهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فَعَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي) : وَهُوَ نَبِيُّنَا ﷺ (مَا زَادَ ذَلِكَ) أَيِ: الِاجْتِمَاعُ (فِي مُلْكِي) وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ مُلْكِي (جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) أَيْ: قَدْرِهِ، وَفِيهِ إِظْهَارُ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَكَمَالِ الْغِنَى وَالِاسْتِغْنَاءِ ( «وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ، وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ، وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي» ) وَهُوَ إِبْلِيسُ اللَّعِينُ (مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) : فَإِنَّ قَبُولَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ نَقْصٌ لِقَبُولِ الْحَدَثَانِ ( «وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ، وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ، وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ) أَيْ: مَحِلٍّ (وَاحِدٍ، فَسَأَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ» ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ: مُشْتَهَاهُ، وَجَمْعُهَا الْمُنَى وَالْأَمَانِي يَعْنِي كُلَّ حَاجَةٍ تَخْطُرُ بِبَالِهِ (فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْكُمْ) أَيْ: مَقَاصِدَهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ
стр. 3361
(مَا نَقَصَ ذَلِكَ) أَيِ: الْإِعْطَاءُ أَوْ قَضَاءُ حَوَائِجِهِمْ (مِنْ مُلْكِي) أَيْ: شَيْئًا أَوْ نَقْصًا (إِلَّا كَمَا) أَيْ: إِلَّا مِثْلَ نَقْصٍ فَرْضِيٍّ (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالْبَحْرِ فَغَمَسَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ أَدْخَلَ (فِيهِ إِبْرَةً ثُمَّ رَفَعَهَا) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وَهُوَ نَظِيرُ مَا فِي حَدِيثِ الْخَضِرِ لَمَّا رَكِبَ هُوَ وَمُوسَى السَّفِينَةَ، فَوَقَعَ عُصْفُورٌ عَلَى طَرَفِهَا ثُمَّ نَقَرَ مِنَ الْبَحْرِ نَقْرَةً فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ، وَاتَّفَقَ الشُّرَّاحُ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْفَرْضِ وَالتَّنْزِيلِ، أَيْ: لَوْ فُرِضَ النَّقْصُ، لَكَانَ مِقْدَارُهُ مِقْدَارَ الْمُمَثَّلِ بِهِ، فَإِنْ وُجِدَ هُنَا نَقْصٌ فِي الْبَحْرِ فَإِنَّهُ مُتَنَاهٍ، لَكِنَّهُ نَقْصٌ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُحَسَّ لِقِلَّتِهِ الْبَالِغَةِ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْقِلَّةِ، وَأَقُولُ، وَبِحَوْلِهِ أَجُولُ: إِنَّ النَّقْصَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ إِلَّا صُورَةً وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ انْتِقَالُ شَيْءٍ قَلِيلٍ مِنَ الْجِنْسِ الْكَثِيرِ إِلَى طَرَفٍ آخَرَ، فَلَا نَقْصَ فِي الْحَقِيقَةِ، بَلْ زِيَادَةَ إِفَادَةِ حَيَاةِ ذَلِكَ الْعُصْفُورِ بِتِلْكَ الْقَطْرَةِ، وَحُصُولُ وُصُولِ بَعْضِ الْعُلُومِ مِنَ الشَّرْعِيِّ وَاللَّدُنِّيِّ إِلَى مُوسَى وَالْخَضِرِ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَتَمَّ الْكَلَامُ بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ هَذَا نَوْعًا مِنَ الْبَدِيعِ، وَيُسَمَّى بَابَ تَأْكِيدِ الْحُكْمِ بِمَا يُشْبِهُ الِاسْتِثْنَاءَ كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢] وَفِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
وَجَعَلُوهُ مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (ذَلِكَ) أَيْ: عَدَمُ نَقْصِ الْمُلْكِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: قَضَاءُ الْحَوَائِجِ (بِأَنِّي جَوَادٌ) أَيْ: كَثِيرُ الْجُودِ (مَاجِدٌ) أَيْ: وَاسِعُ الْعَطَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَاجِدُ أَبْلَغُ مِنَ الْجَوَادِ لِأَنَّ الْمَجْدَ سِعَةُ الْكَرَمِ فَهُوَ تَرَقٍّ (أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ) أَيْ: لَا مَا يُرِيدُ الْخَلْقُ، وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: (يُرِيدُ وَأُرِيدُ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ) ، وَقِيلَ لِأَبِي يَزِيدَ: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ لَا أُرِيدَ، قَالَ نَدِيمٌ الْبَارِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ: هَذَا أَيْضًا إِرَادَةٌ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ. ( «عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ» ) : يَعْنِي لَا يَنْقُصُ مِنْ خَزَائِنِي شَيْءٌ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلَامِ الْأَمْرُ ( «إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ» ) أَيْ: إِيجَادَهُ (أَنْ أَقُولَ لَهُ) : إِمَّا تَحْقِيقٌ أَوْ تَمْثِيلٌ (كُنْ فَيَكُونُ) : بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ أَمْرِي، وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: عَطَائِي كَلَامٌ وَعَذَابِي كَلَامٌ. قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي مَا أُرِيدُ إِيصَالَهُ إِلَى عَبْدٍ مِنْ عَطَاءٍ أَوْ عَذَابٍ لَا أَفْتَقِرُ إِلَى كَدٍّ وَمُزَاوَلَةِ عَمَلٍ، بَلْ يَكْفِي لِحُصُولِهِ وَوُصُولِهِ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ بِهِ. الْكَشَّافُ: كُنْ مِنْ (كَانَ) التَّامَّةِ أَيِ: احْدُثْ فَيَحْدُثُ، وَهَذَا تَمْثِيلٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَا قَضَاهُ مِنَ الْأُمُورِ وَأَرَادَ كَوْنَهُ، فَإِنَّمَا يَكُونُ وَيَدْخُلُ تَحْتَ الْوُجُودِ مِنْ غَيْرِ امْتِنَاعٍ وَلَا تَوَقُّفٍ، كَالْمَأْمُورِ الْمُطِيعِ الَّذِي يُؤْمَرُ فَيَمْتَثِلُ وَلَا يَكُونُ مِنْهُ الْإِبَاءُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 3362
٢٣٥١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] قَالَ: قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَمَنِ اتَّقَانِي فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٣٥١ - (وَعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ) أَيْ: قَوْلَهُ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] قَالَ أَيِ النَّبِيُّ (فَقَالَ رَبُّكُمْ) أَيْ: حَدِيثًا قُدُسِيًّا، أَوْ مَعْنًى تَفْسِيرِيًّا (أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى) : بِإِضَافَةِ أَهْلٍ، وَصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أَنَا حَقِيقٌ وَجَدِيرٌ، بِأَنْ يُتَّقَى مِنَ الشِّرْكِ لِي (فَمَنِ اتَّقَانِي) : زَادَ التِّرْمِذِيُّ، فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إِلَهًا (فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ) أَيْ: لِمَنِ اتَّقَى فَهُوَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ: أَغْفِرُ لَهُ مَا فَرَّطَ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ مِنْ جَنْبِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ، وَمِنْ ثَمَّ مَا وَرَدَ: إِنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ مُكَفِّرٌ لِارْتِكَابِ الصَّغَائِرِ غَيْرَ مُرْتَبِطٍ بَيْنَ الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَقَوْلِهِ مَا وَرَدَ إِلَخْ. مَعْلُولٌ لِأَنَّهُ مَا وَرَدَ، بَلْ كَمَا نَبَّهْنَا سَابِقًا أَنَّهُ مَذْهَبٌ مُعْتَزِلِيٌّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 3363
٢٣٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ يَقُولُ: " رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ " مِائَةَ مَرَّةٍ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٣٥٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنْ) : مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ (كُنَّا لَنَعُدُّ) : اللَّامُ فَارِقَةٌ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : مُتَعَلِّقٌ بِنَعُدُّ (فِي الْمَجْلِسِ) أَيِ: الْوَاحِدِ، كَمَا فِي رِوَايَةِ الْحِصْنِ (يَقُولُ) : بِالرَّفْعِ، وَيُنْصَبُ بِتَقْدِيرِ إِنَّ أَيْ قَوْلُهُ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي) : كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: أَحْضُرُ الْوَغَى (وَتُبْ عَلَيَّ) أَيِ: ارْجِعْ عَلَيَّ بِالرَّحْمَةِ، أَوْ وَفِّقْنِي لِلتَّوْبَةِ، أَوْ " اقْبَلْ " تَوْبَتِي (إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ) : صِيغَتَا مُبَالَغَةٍ (مِائَةَ مَرَّةٍ) : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِنَعُدُّ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ " إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ، وَابْنَ حِبَّانَ بِلَفْظِ ": " الرَّحِيمُ " بَدَلِ " الْغَفُورُ ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
стр. 3364
٢٣٥٣ - وَعَنْ بِلَالِ بْنِ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، لَكِنَّهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: هِلَالُ بْنُ يَسَارٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٢٣٥٣ - (وَعَنْ بِلَالٍ) : بِالْمُوَحَّدَةِ (ابْنِ يَسَارٍ) : بِالتَّحْتِيَّةِ (ابْنِ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ) : بَيَانٌ لِزَيْدٍ، وَفِي نُسْخَةٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: لَيْسَ زَيْدٌ هَذَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَالِدَ أُسَامَةَ، بَلْ هُوَ أَبُو يَسَارٍ. رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ يَسَارٌ هَذَا الْحَدِيثَ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ: زَيْدٌ وَالِدُ يَسَارٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثٌ، وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَكَانَ عَبْدًا نُوبِيًّا (قَالَ) أَيْ: بِلَالٌ (حَدَّثَنِي أَبِي) أَيْ: يَسَارٌ (عَنْ جَدِّي) أَيْ: زَيْدٍ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ» ) : رُوِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْوَصْفِ لِلَفْظِ اللَّهِ، وَبِالرَّفْعِ لِكَوْنِهِمَا بَدَلَيْنِ، أَوْ بَيَانَيْنِ لِقَوْلِهِ هُوَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَكْثَرُ وَالْأَشْهَرُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ فِي الْحَيِّ الْقَيُّومِ النَّصْبُ صِفَةً لِلَّهِ أَوْ مَدْحًا، وَالرَّفْعُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ، أَوْ عَلَى الْمَدْحِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. (وَأَتُوبُ إِلَيْهِ) : يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَلَفَّظَ بِذَلِكَ إِلَّا إِنْ كَانَ صَادِقًا، وَإِلَّا يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ كَاذِبًا مُنَافِقًا، وَلِذَا رُوِيَ: إِنَّ الْمُسْتَغْفِرَ مِنَ الذَّنْبِ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ. (غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ " قَدْ فَرَّ " وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا فِي الْحِصْنِ أَيْ: هَرَبَ (مِنَ الزَّحْفِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الزَّحْفُ الْجَيْشُ الْكَثِيرُ الَّذِي يُرَى لِكَثْرَتِهِ كَأَنَّهُ يَزْحَفُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: مِنْ زَحْفِ الصَّبِيِّ إِذَا دَبَّ عَلَى " اسْتِهِ " قَلِيلًا قَلِيلًا. قَالَ الْمُظْهِرُ: هُوَ اجْتِمَاعُ الْجَيْشِ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ أَيْ: مِنْ حَرْبِ الْكُفَّارِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ الْفِرَارُ بِأَنْ لَا يَزِيدَ الْكُفَّارُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَوَى التَّحَرُّفَ وَالتَّحَيُّزَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ قِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَبَائِرَ تُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ. اهـ. وَهُوَ إِجْمَاعٌ بِلَا نِزَاعٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، لَكِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ) : بَدَّلَ بِلَالَ بْنَ يَسَارٍ (هِلَالُ بْنُ يَسَارٍ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْإِعْرَابِ، وَبِالْجَرِّ عَلَى الْحِكَايَةِ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَيْ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَعْنِي طَرِيقَ بِلَالِ بْنِ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ.
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ مُتَّصِلٌ، فَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ بِلَالًا سَمِعَ أَبَاهُ يَسَارًا، وَهُوَ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ زَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي يَسَارٍ وَالِدِ بِلَالٍ أَنَّهُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَوْ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّهُ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُهَا ثَلَاثًا. اهـ.
стр. 3365
وَالْمَفْهُومُ مِنَ الْحِصْنِ بِزِيَادَةِ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ زَيْدٍ الْمَذْكُورِ، وَالطَّبَرَانِيِّ مَوْقُوفًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ صَاحِبُ السِّلَاحِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ فِيهِ: ثَلَاثُ مَرَّاتٍ. اهـ. أَقُولُ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: " «مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا» "، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إِيرَادِهِ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
следующие страницы →