← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

(مَا نَقَصَ ذَلِكَ) أَيِ: الْإِعْطَاءُ أَوْ قَضَاءُ حَوَائِجِهِمْ (مِنْ مُلْكِي) أَيْ: شَيْئًا أَوْ نَقْصًا (إِلَّا كَمَا) أَيْ: إِلَّا مِثْلَ نَقْصٍ فَرْضِيٍّ (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالْبَحْرِ فَغَمَسَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ أَدْخَلَ (فِيهِ إِبْرَةً ثُمَّ رَفَعَهَا) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وَهُوَ نَظِيرُ مَا فِي حَدِيثِ الْخَضِرِ لَمَّا رَكِبَ هُوَ وَمُوسَى السَّفِينَةَ، فَوَقَعَ عُصْفُورٌ عَلَى طَرَفِهَا ثُمَّ نَقَرَ مِنَ الْبَحْرِ نَقْرَةً فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ، وَاتَّفَقَ الشُّرَّاحُ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْفَرْضِ وَالتَّنْزِيلِ، أَيْ: لَوْ فُرِضَ النَّقْصُ، لَكَانَ مِقْدَارُهُ مِقْدَارَ الْمُمَثَّلِ بِهِ، فَإِنْ وُجِدَ هُنَا نَقْصٌ فِي الْبَحْرِ فَإِنَّهُ مُتَنَاهٍ، لَكِنَّهُ نَقْصٌ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُحَسَّ لِقِلَّتِهِ الْبَالِغَةِ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْقِلَّةِ، وَأَقُولُ، وَبِحَوْلِهِ أَجُولُ: إِنَّ النَّقْصَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ إِلَّا صُورَةً وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ انْتِقَالُ شَيْءٍ قَلِيلٍ مِنَ الْجِنْسِ الْكَثِيرِ إِلَى طَرَفٍ آخَرَ، فَلَا نَقْصَ فِي الْحَقِيقَةِ، بَلْ زِيَادَةَ إِفَادَةِ حَيَاةِ ذَلِكَ الْعُصْفُورِ بِتِلْكَ الْقَطْرَةِ، وَحُصُولُ وُصُولِ بَعْضِ الْعُلُومِ مِنَ الشَّرْعِيِّ وَاللَّدُنِّيِّ إِلَى مُوسَى وَالْخَضِرِ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَتَمَّ الْكَلَامُ بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ هَذَا نَوْعًا مِنَ الْبَدِيعِ، وَيُسَمَّى بَابَ تَأْكِيدِ الْحُكْمِ بِمَا يُشْبِهُ الِاسْتِثْنَاءَ كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢] وَفِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ وَجَعَلُوهُ مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (ذَلِكَ) أَيْ: عَدَمُ نَقْصِ الْمُلْكِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: قَضَاءُ الْحَوَائِجِ (بِأَنِّي جَوَادٌ) أَيْ: كَثِيرُ الْجُودِ (مَاجِدٌ) أَيْ: وَاسِعُ الْعَطَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَاجِدُ أَبْلَغُ مِنَ الْجَوَادِ لِأَنَّ الْمَجْدَ سِعَةُ الْكَرَمِ فَهُوَ تَرَقٍّ (أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ) أَيْ: لَا مَا يُرِيدُ الْخَلْقُ، وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: (يُرِيدُ وَأُرِيدُ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ) ، وَقِيلَ لِأَبِي يَزِيدَ: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ لَا أُرِيدَ، قَالَ نَدِيمٌ الْبَارِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ: هَذَا أَيْضًا إِرَادَةٌ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ. ( «عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ» ) : يَعْنِي لَا يَنْقُصُ مِنْ خَزَائِنِي شَيْءٌ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلَامِ الْأَمْرُ ( «إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ» ) أَيْ: إِيجَادَهُ (أَنْ أَقُولَ لَهُ) : إِمَّا تَحْقِيقٌ أَوْ تَمْثِيلٌ (كُنْ فَيَكُونُ) : بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ أَمْرِي، وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: عَطَائِي كَلَامٌ وَعَذَابِي كَلَامٌ. قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي مَا أُرِيدُ إِيصَالَهُ إِلَى عَبْدٍ مِنْ عَطَاءٍ أَوْ عَذَابٍ لَا أَفْتَقِرُ إِلَى كَدٍّ وَمُزَاوَلَةِ عَمَلٍ، بَلْ يَكْفِي لِحُصُولِهِ وَوُصُولِهِ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ بِهِ. الْكَشَّافُ: كُنْ مِنْ (كَانَ) التَّامَّةِ أَيِ: احْدُثْ فَيَحْدُثُ، وَهَذَا تَمْثِيلٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَا قَضَاهُ مِنَ الْأُمُورِ وَأَرَادَ كَوْنَهُ، فَإِنَّمَا يَكُونُ وَيَدْخُلُ تَحْتَ الْوُجُودِ مِنْ غَيْرِ امْتِنَاعٍ وَلَا تَوَقُّفٍ، كَالْمَأْمُورِ الْمُطِيعِ الَّذِي يُؤْمَرُ فَيَمْتَثِلُ وَلَا يَكُونُ مِنْهُ الْإِبَاءُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 3362

٢٣٥١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] قَالَ: قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَمَنِ اتَّقَانِي فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢٣٥١ - (وَعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ) أَيْ: قَوْلَهُ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] قَالَ أَيِ النَّبِيُّ (فَقَالَ رَبُّكُمْ) أَيْ: حَدِيثًا قُدُسِيًّا، أَوْ مَعْنًى تَفْسِيرِيًّا (أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى) : بِإِضَافَةِ أَهْلٍ، وَصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أَنَا حَقِيقٌ وَجَدِيرٌ، بِأَنْ يُتَّقَى مِنَ الشِّرْكِ لِي (فَمَنِ اتَّقَانِي) : زَادَ التِّرْمِذِيُّ، فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إِلَهًا (فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ) أَيْ: لِمَنِ اتَّقَى فَهُوَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ: أَغْفِرُ لَهُ مَا فَرَّطَ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ مِنْ جَنْبِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ، وَمِنْ ثَمَّ مَا وَرَدَ: إِنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ مُكَفِّرٌ لِارْتِكَابِ الصَّغَائِرِ غَيْرَ مُرْتَبِطٍ بَيْنَ الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَقَوْلِهِ مَا وَرَدَ إِلَخْ. مَعْلُولٌ لِأَنَّهُ مَا وَرَدَ، بَلْ كَمَا نَبَّهْنَا سَابِقًا أَنَّهُ مَذْهَبٌ مُعْتَزِلِيٌّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 3363

٢٣٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ يَقُولُ: " رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ " مِائَةَ مَرَّةٍ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٣٥٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنْ) : مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ (كُنَّا لَنَعُدُّ) : اللَّامُ فَارِقَةٌ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : مُتَعَلِّقٌ بِنَعُدُّ (فِي الْمَجْلِسِ) أَيِ: الْوَاحِدِ، كَمَا فِي رِوَايَةِ الْحِصْنِ (يَقُولُ) : بِالرَّفْعِ، وَيُنْصَبُ بِتَقْدِيرِ إِنَّ أَيْ قَوْلُهُ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي) : كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: أَحْضُرُ الْوَغَى (وَتُبْ عَلَيَّ) أَيِ: ارْجِعْ عَلَيَّ بِالرَّحْمَةِ، أَوْ وَفِّقْنِي لِلتَّوْبَةِ، أَوْ " اقْبَلْ " تَوْبَتِي (إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ) : صِيغَتَا مُبَالَغَةٍ (مِائَةَ مَرَّةٍ) : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِنَعُدُّ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ " إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ، وَابْنَ حِبَّانَ بِلَفْظِ ": " الرَّحِيمُ " بَدَلِ " الْغَفُورُ ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.

стр. 3364

٢٣٥٣ - وَعَنْ بِلَالِ بْنِ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، لَكِنَّهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: هِلَالُ بْنُ يَسَارٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢٣٥٣ - (وَعَنْ بِلَالٍ) : بِالْمُوَحَّدَةِ (ابْنِ يَسَارٍ) : بِالتَّحْتِيَّةِ (ابْنِ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ) : بَيَانٌ لِزَيْدٍ، وَفِي نُسْخَةٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: لَيْسَ زَيْدٌ هَذَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَالِدَ أُسَامَةَ، بَلْ هُوَ أَبُو يَسَارٍ. رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ يَسَارٌ هَذَا الْحَدِيثَ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ: زَيْدٌ وَالِدُ يَسَارٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثٌ، وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَكَانَ عَبْدًا نُوبِيًّا (قَالَ) أَيْ: بِلَالٌ (حَدَّثَنِي أَبِي) أَيْ: يَسَارٌ (عَنْ جَدِّي) أَيْ: زَيْدٍ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ» ) : رُوِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْوَصْفِ لِلَفْظِ اللَّهِ، وَبِالرَّفْعِ لِكَوْنِهِمَا بَدَلَيْنِ، أَوْ بَيَانَيْنِ لِقَوْلِهِ هُوَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَكْثَرُ وَالْأَشْهَرُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ فِي الْحَيِّ الْقَيُّومِ النَّصْبُ صِفَةً لِلَّهِ أَوْ مَدْحًا، وَالرَّفْعُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ، أَوْ عَلَى الْمَدْحِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. (وَأَتُوبُ إِلَيْهِ) : يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَلَفَّظَ بِذَلِكَ إِلَّا إِنْ كَانَ صَادِقًا، وَإِلَّا يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ كَاذِبًا مُنَافِقًا، وَلِذَا رُوِيَ: إِنَّ الْمُسْتَغْفِرَ مِنَ الذَّنْبِ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ. (غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ " قَدْ فَرَّ " وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا فِي الْحِصْنِ أَيْ: هَرَبَ (مِنَ الزَّحْفِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الزَّحْفُ الْجَيْشُ الْكَثِيرُ الَّذِي يُرَى لِكَثْرَتِهِ كَأَنَّهُ يَزْحَفُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: مِنْ زَحْفِ الصَّبِيِّ إِذَا دَبَّ عَلَى " اسْتِهِ " قَلِيلًا قَلِيلًا. قَالَ الْمُظْهِرُ: هُوَ اجْتِمَاعُ الْجَيْشِ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ أَيْ: مِنْ حَرْبِ الْكُفَّارِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ الْفِرَارُ بِأَنْ لَا يَزِيدَ الْكُفَّارُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَوَى التَّحَرُّفَ وَالتَّحَيُّزَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ قِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَبَائِرَ تُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ. اهـ. وَهُوَ إِجْمَاعٌ بِلَا نِزَاعٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، لَكِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ) : بَدَّلَ بِلَالَ بْنَ يَسَارٍ (هِلَالُ بْنُ يَسَارٍ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْإِعْرَابِ، وَبِالْجَرِّ عَلَى الْحِكَايَةِ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَيْ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَعْنِي طَرِيقَ بِلَالِ بْنِ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ مُتَّصِلٌ، فَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ بِلَالًا سَمِعَ أَبَاهُ يَسَارًا، وَهُوَ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ زَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي يَسَارٍ وَالِدِ بِلَالٍ أَنَّهُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَوْ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّهُ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُهَا ثَلَاثًا. اهـ.

стр. 3365

وَالْمَفْهُومُ مِنَ الْحِصْنِ بِزِيَادَةِ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ زَيْدٍ الْمَذْكُورِ، وَالطَّبَرَانِيِّ مَوْقُوفًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ صَاحِبُ السِّلَاحِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ فِيهِ: ثَلَاثُ مَرَّاتٍ. اهـ. أَقُولُ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: " «مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا» "، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إِيرَادِهِ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.

стр. 3366

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٣٥٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنِ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٣٥٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ الدَّرَجَةَ) أَيِ: الدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ بِلَا عَمَلٍ (لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ) أَيِ: الْمُسْلِمِ (فِي الْجَنَّةِ) : مُتَعَلِّقٌ بِيَرْفَعُ (فَيَقُولُ) أَيِ: الْعَبْدُ (يَا رَبِّ أَنَّى لِي) أَيْ: كَيْفَ حَصَلَ، أَوْ مِنْ أَيْنَ حَصَلَ لِي (هَذِهِ؟) أَيِ الدَّرَجَةُ (فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ) : حَصَلَ بِاسْتِغْفَارِ (وَلَدِكَ لَكَ) : الْوَلَدُ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 3367

٢٣٥٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ إِلَّا كَالْغَرِيقِ الْمُتَغَوِّثِ، يَنْتَظِرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ مِنْ أَبٍ، أَوْ أُمٍّ، أَوْ أَخٍ، أَوْ صَدِيقٍ، فَإِذَا لَحِقَتْهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُدْخِلُ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ مِنْ دُعَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، وَإِنَّ هَدِيَّةَ الْأَحْيَاءِ إِلَى الْأَمْوَاتِ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي: " شُعَبِ الْإِيمَانِ» ". ــ ٢٣٥٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ) أَيْ: فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الشِّدَّةِ (إِلَّا كَالْغَرِيقِ) أَيِ: الْمُشْرِفِ عَلَى الْغَرَقِ (الْمُتَغَوِّثِ) أَيِ: الْمُسْتَغِيثِ الْمُسْتَعِينِ الْمُسْتَجِيرِ، الرَّافِعِ صَوْتَهُ بِأَقْصَى مَا عِنْدَهُ بِالنِّدَاءِ لِمَنْ يُخَلِّصُهُ، الْمُتَعَلِّقِ بِكُلِّ شَيْءٍ رَجَاءً لِخَلَاصِهِ، وَفِي الْمَثَلِ: الْغَرِيقُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ حَشِيشٍ. (يَنْتَظِرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ) أَيْ: مِنْ وَرَائِهِ (مِنْ أَبٍ) أَيْ: مِنْ جِهَةِ أَبٍ (أَوْ أُمٍّ، أَوْ أَخٍ، أَوْ صَدِيقٍ) أَيْ: صَاحِبٍ أَوْ مُحِبٍّ أَوْ رَفِيقٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْوَلَدُ، (فَإِذَا لَحِقَتْهُ) أَيْ: وَصَلَتْهُ الدَّعْوَةُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِأَنْ دُعِيَ لَهُ بِهَا " فَإِنَّهُ " تَصِلُ إِلَيْهِ. بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ إِجْمَاعًا (كَانَ) أَيْ: لُحُوقُهَا إِيَّاهُ (أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) أَيْ: مِنْ مُسْتَلَذَّاتِهَا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: لَوْ عَادَ إِلَيْهَا (وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُدْخِلُ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ) أَيْ: مِمَّنْ هُوَ تَحْتَ الْأَرْضِ (مِنْ دُعَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ) أَيْ: مِمَّنْ هُوَ حَيٌّ فَوْقَ الْأَرْضِ، وَمِنْ تَعْلِيلِيَّةٌ أَوِ ابْتِدَائِيَّةٌ (أَمْثَالَ الْجِبَالِ) أَيْ: مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْغُفْرَانِ لَوْ تَجَسَّمَتْ، (وَإِنَّ هَدِيَّةَ الْأَحْيَاءِ إِلَى الْأَمْوَاتِ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ " (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 3368

٢٣٥٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ فِي " عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ". ــ ٢٣٥٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " طُوبَى) أَيِ: الْحَالَةُ الطَّيِّبَةُ، وَالْعِيشَةُ الرَّاضِيَةُ، أَوِ الشَّجَرَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ (لِمَنْ وَجَدَ) أَيْ: صَادَفَ (فِي صَحِيفَتِهِ) أَيْ: فِي الْآخِرَةِ (اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا) أَيْ: مَقْبُولًا لِأَنَّ اسْتِغْفَارَنَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ كَثِيرٍ كَمَا قَالَتْ رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ طُوبَى لِمَنِ اسْتَغْفَرَ كَثِيرًا؟ وَمَا فَائِدَةُ الْعُدُولِ؟ قُلْتُ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْهُ، فَيَدُلُّ عَلَى حُصُولِ ذَلِكَ جَزْمًا عَلَى الْإِخْلَاصِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخْلِصًا فِيهِ كَانَ هَبَاءً مَنْثُورًا، فَلَمْ يَجِدْ فِي صَحِيفَتِهِ إِلَّا مَا

стр. 3369

يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَوَبَالًا لَهُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . أَيْ: بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَالْمَعْنَى رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ. (وَرَوَى النَّسَائِيُّ) : كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَعْطِفَ وَيَقُولَ: وَالنَّسَائِيُّ، أَوْ يَقُولُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ (فِي عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: تَرْجَمَةُ كِتَابٍ صَنَّفَهُ فِي الْأَعْمَالِ الْيَوْمِيَّةِ وَاللَّيْلِيَّةِ. اهـ. وَرَوَى الْبَزَّارُ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " مَا مِنْ حَافِظَيْنِ يَرْفَعَانِ إِلَى اللَّهِ فِي يَوْمٍ صَحِيفَةً فَيَرَى - أَيِ اللَّهُ - فِي أَوَّلِ الصَّحِيفَةِ وَفِي آخِرِهَا اسْتِغْفَارًا إِلَّا قَالَ ﵎: غَفَرْتُ لِعَبْدِي مَا بَيْنَ طَرَفَيِ الصَّحِيفَةِ ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَحَبَّ أَنْ تَسُرَّهُ صَحِيفَتُهُ، فَلْيُكْثِرْ فِيهَا مِنَ الِاسْتِغْفَارِ» " أَيْ: لَعَلَّهُ يَقْبَلُ وَاحِدًا مِنْهَا.

стр. 3370

٢٣٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وَإِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي: " الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ ". ــ ٢٣٥٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذَا أَحْسَنُوا) أَيِ: الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ (اسْتَبْشَرُوا) أَيْ: فَرِحُوا بِالتَّوْفِيقِ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] (وَإِذَا أَسَاءُوا) أَحَدُهُمَا: قَصَّرُوا فِي " أَحَدِهِمَا " (اسْتَغْفَرُوا) : كَانَ ظَاهِرُ الْمُقَابَلَةِ أَنْ يُقَالَ: وَإِذَا أَسَاءُوا حَزِنُوا، فَعَدَلَ عَنِ الدَّاءِ إِلَى الدَّوَاءِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْحُزْنِ لَا يَكُونُ مُفِيدًا، وَإِنَّمَا يُفِيدُ إِذَا أَنْجَزَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ الْمُزِيلِ لِلْإِصْرَارِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) أَيْ: فِي سُنَنِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي: الدَّعَوَاتِ) .

стр. 3371

٢٣٥٨ - وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ﵄ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْآخِرُ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا - أَيْ بِيَدِهِ - فَذَبَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ، نَزَلَ فِي أَرْضٍ دَوِيَّةٍ، مَهْلَكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، فَطَلَبَهَا حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ ; فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ، عَلَيْهَا زَادُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ» "، رَوَى مُسْلِمٌ الْمَرْفُوعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ فَحَسْبُ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ الْمَوْقُوفَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا. ــ ٢٣٥٨ - (وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ: قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَثِقَاتِهِمْ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ) : نَصْبُهُ عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي (أَحَدَهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: يَرْوِي عَنْهُ (وَالْآخَرَ عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ: مَرْوِيٌّ مِنْ قَوْلِهِ. (قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: ذُنُوبُهُ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ أَيْ: كَالْجِبَالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: كَذُبَابٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْ: عَظِيمَةً ثَقِيلَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ) : وَهُوَ تَشْبِيهُ تَمْثِيلٍ شَبَّهَ حَالَهُ بِالْقِيَامِ إِلَى ذُنُوبِهِ، وَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهَا مُهْلِكَةٌ لَهُ بِحَالِهِ إِذَا كَانَ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُهُ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ فِي غَايَةِ الْخَوْفِ " وَالِاحْتِرَازِ " مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَا يُنَافِيهِ " الِاعْتِدَالُ " الْمَطْلُوبُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فِي الْمَحْبُوبِ، لِأَنَّ رَجَاءَ الْمُؤْمِنِ وَحُسْنَ ظَنِّهِ فِي رَبِّهِ فِي غَايَةٍ وَنِهَايَةٍ. (وَإِنَّ الْفَاجِرَ) أَيِ: الْمُنَافِقَ أَوِ الْفَاسِقَ يَتَسَاهَلُ حَيْثُ (يَرَى ذُنُوبَهُ) أَيْ: سَهْلَةً خَفِيفَةً (كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ) أَيْ: أَشَارَ إِلَيْهِ أَوْ فَعَلَ بِهِ (هَكَذَا - أَيْ بِيَدِهِ -) : تَفْسِيرٌ لِلْإِشَارَةِ أَيْ: دَفَعَ الذُّبَابَ بِيَدِهِ (فَذَبَّهُ عَنْهُ،) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ أَيْ: دَفَعَ الذُّبَابَ عَنْ نَفْسِهِ، وَبِهِ سُمِّيَ الذُّبَابُ ذُبَابًا لِأَنَّهُ كُلَّمَا ذُبَّ آبَ أَيْ: كُلَّمَا دُفِعَ رَجَعَ. (ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَلَّهُ) : بِفَتْحِ اللَّامِ (أَفْرَحُ) أَيْ: أَرْضَى (بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ) أَيْ: مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا صَوَّرَ حَالَ الْمُذْنِبِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ الْفَظِيعَةِ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْمَلْجَأَ هُوَ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. يَعْنِي فَحَصَلَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مِنَ الْمَوْقُوفِ وَالْمَرْفُوعِ. (مِنْ رَجُلٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَفْرَحَ (نَزَلَ بِأَرْضٍ دَوِّيَّةٍ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ نِسْبَةٌ لِلدَّوِّ أَيِ: الْهَلَاكِ وَفِي رِوَايَةٍ (دَاوِيَةٍ) بِقَلْبِ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ أَلِفًا، وَالدَّوَّةُ الْمَفَازَةُ الْخَالِيَةُ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ جَمِيعًا، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْضًا، هِيَ الْأَرْضُ الْقَفْرُ وَالْمَفَازَةُ الْخَالِيَةُ، فَالدَّوِّيَّةُ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الدَّوِّ، وَأَمَّا الدَّاوِيَّةُ فَبِإِبْدَالِ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ أَلِفًا كَالطَّائِيِّ. أَقُولُ: فِي قَوْلِهِ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ مُسَامَحَةٌ إِذْ يُنَافِيهَا الْإِبْدَالُ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ الزِّيَادَةَ اللُّغَوِيَّةَ لَا الصَّرْفِيَّةَ الْوَزْنِيَّةَ.

стр. 3372

وَقَوْلُهُ: كَالطَّائِيِّ نَظِيرٌ لَا مَثِيلٌ، فَفِي الْقَامُوسِ الطَّاءَةُ كَالطَّاعَةِ، الْإِبْعَادُ فِي الْمَرْعَى، وَمِنْهُ طَيِّئٌ أَبُو الْقَبِيلَةِ، أَوْ مِنْ طَاءَ يَطُوءُ إِذَا ذَهَبَ وَجَاءَ، وَالنِّسْبَةُ طَائِيٌّ، وَالْقِيَاسُ كَطَيِيِّ حَذَفُوا الْيَاءَ الثَّانِيَةَ فَبَقَى طَيِّئٌ، فَقَلَبُوا الْيَاءَ السَّاكِنَةَ أَلِفًا، وَوَهِمَ الْجَوْهَرِيُّ (مَهْلَكَةٍ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ وَكَسْرِهَا، مَوْضِعُ خَوْفِ الْهَلَاكِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ: تُهْلِكُ مَنْ يَحْصُلُ بِهَا وَالنِّسْبَةُ مَجَازِيَّةٌ (مَعَهُ رَاحِلَتُهُ) أَيْ: دَابَّتُهُ الَّتِي يَرْحَلُ بِهَا (عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ) أَيْ: مَحْمُولَانِ عَلَيْهَا، (فَوَضَعَ رَأْسَهُ) أَيْ: لِلِاسْتِرَاحَةِ (فَنَامَ نَوْمَةً) أَيْ: خَفِيفَةً (فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، فَطَلَبَهَا) أَيِ: اسْتَمَرَّ عَلَى طَلَبِهَا (حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ) أَيِ: الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرِ الْجُوعَ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ (أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: إِمَّا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، أَوْ قَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ، أَوْ تَنْوِيعٌ أَيِ: اشْتَدَّ الْحَرُّ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ. اهـ. كَلَامُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ " أَوْ ". بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، أَيْ: وَمَا شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذِ الْقَوْلُ بِالتَّنْوِيعِ يُوهِمُ أَنَّ الْحَرَّ وَالْعَطَشَ خَارِجَانِ مِمَّا شَاءَ اللَّهُ وَحَاشَا اللَّهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الطِّيبِيَّ قَالَ إِنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ وَالْبَلَاءِ غَيْرَ الْحَرِّ وَالْعَطَشِ. اهـ. فَمُخْتَصَرُهُ مُخِلٌّ. (قَالَ) : جَوَابُ إِذَا، أَيْ: قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ مُتَلَفِّظًا بِذَلِكَ أَوْ مُضْمِرَهُ (أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ) : لِاحْتِمَالِ أَنْ تَعُودَ الرَّاحِلَةُ إِلَيْهِ لِإِلْفِهَا لَهُ أَوْ لَا. (فَأَنَامُ) أَيِ: اضْطَجِعَ لِأَسْتَرِيحَ مِمَّا حَصَلَ لِي وَلَا أَزَالُ مُضْطَجِعًا (حَتَّى أَمُوتَ) أَيْ: أَوْ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيَّ رَاحِلَتِي، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَ اسْتِبْعَادًا لِجَانِبِ الْحَيَاةِ وَيَأْسًا عَنْ رُجُوعِ الرَّاحِلَةِ. (فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ) : عَلَى هَيْئَةِ الْمُحْتَضِرِ (لِيَمُوتَ) أَيْ: عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ (فَاسْتَيْقَظَ) أَيْ: فَنَامَ فَاسْتَنْبَهَ (فَإِذَا) : لِمُفَاجَأَةٍ (رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ) أَيْ: حَاضِرَةٌ أَوْ وَاقِفَةٌ (عَلَيْهَا زَادُهُ وَشَرَابُهُ) : الَّذِي هُوَ أَهَمُّ أَنْوَاعِ أَسْبَابِهِ (فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا) أَيْ: مِنْ فَرَحِ هَذَا الرَّجُلِ (بِرَاحِلَتِهِ وَشَرَابِهِ) : فَهَذَا " فَذْلَكَةُ " الْقِصَّةِ أُعِيدَتْ لِتَأْكِيدِ الْقَضِيَّةِ. وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَإِنَّهُمْ بِمَكَانٍ عَظِيمٍ عِنْدَ رَبٍّ كَرِيمٍ رَءُوفٍ رَحِيمٍ. قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ - نَوَّرَ اللَّهُ مَرْقَدَهُ الْعَالِي -: بَلَغَنَا عَنِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ ﵀ وَكَانَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الْعَامِلِينَ بِهِ أَنَّهُ قَالَ: دَعَوْتُ اللَّهَ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَنْ يَرْزُقَنِي تَوْبَةً نَصُوحَةً فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي، ثُمَّ تَعَجَّبْتُ فِي نَفْسِي وَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! حَاجَةٌ دَعَوْتُ اللَّهَ فِيهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً فَمَا قُضِيَتْ لِي إِلَى الْآنِ، فَرَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لِي: أَتَتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ؟ أَتَدْرِي مَاذَا تَسْأَلُ؟ إِنَّمَا تَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُحِبَّكَ، أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَهَذِهِ حَاجَةٌ هَيِّنَةٌ. اهـ. وَخَطَرَ بِالْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا بِالْحَالِ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَاتٍ لَطِيفَةً فِي طَيِّ عِبَارَاتٍ مُنِيفَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ رُوحُ إِنْسَانٍ نَزَلَ مِنْ جِهَةِ الرُّوحَانِيَّةِ الْعُلْيَا إِلَى جِهَةِ الْبَدَنِيَّةِ السُّفْلَى فِي أَرْضِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، وَهِيَ الْمَفَازَةُ الْمُهْلِكَةُ الرَّدِيَّةُ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ مِنْ قَالَبِ الْبَدَنِ الَّذِي هُوَ مَرْحَلُ الْفَرَحِ وَالْحُزْنِ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ أَيْ: تَعَبُ تَحْصِيلِهِمَا وَكَدُّ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا، فَنَامَ نَوْمَةً غَفْلَةً عَمَّا خُلِقَ لَهُ، فَاسْتَيْقَظَ مِنْ غَفْلَتِهِ وَاسْتَنْبَهَ مِنْ رَقْدَتِهِ، وَهَذِهِ الْيَقَظَةُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ، وَأَوَّلُ مَقَامٍ مِنْ مَقَامَاتِ السَّالِكِينَ، وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ أَيْ: مَرْكِبُهُ وَدَابَّتُهُ الْبَدَنِيَّةُ إِلَى مَرْعَى الشَّهَوَاتِ النَّفْسِيَّةِ، فَطَلَبَهَا الرُّوحُ غَايَةَ الطَّلَبِ، لِيَرُدَّهَا مِنَ التَّعَبِ إِلَى الْمَطْلَبِ، حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ حَرُّ الشَّوْقِ وَعَطَشُ الذَّوْقِ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْأَهْوَالِ الْمُسْتَقِلَّةِ كَالْجِبَالِ. قَالَ الرُّوحُ بَعْدَ يَأْسِهِ مِنْ مَرْكِبِ الْبَدَنِ، أَنْ يَرْجِعَ إِلَى طَرِيقِ الْوَطَنِ. (أَرْجِعُ) إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ مِنْ مَحَلِّ (الِاجْتِمَاعِ) ، فَأَنَامُ عَلَى طَرِيقِ الْإِتِّبَاعِ، لِأَنَّ الرُّوحَ الْمُجَرَّدَ لَا يَأْتِي مِنْهُ الْعَمَلُ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى الْجَسَدِ حَتَّى أَمُوتَ وَأَهْلِكَ بِالْعَذَابِ الْمُخَلَّدِ، لِأَجْلِ مَعْصِيَةِ الْبَدَنِ الْمُرْقَدِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ يَفُوتُ، فَاسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمَةِ الْغَفْلَةِ، وَتَعْبِيَةِ الْبَدَنِ بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ حَاضِرَةٌ رَاجِعَةٌ إِلَى رَبِّهِ نَاظِرَةٌ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ حَاصِلَانِ، وَلِمَطْلُوبِهِمَا وَاصِلَانِ، فَإِنَّهُمَا لَا يَنْقُصَانِ بِطَاعَةٍ، وَلَا يَزِيدَانِ بِمَعْصِيَةٍ، فَطُوبَى لَهُ ثُمَّ طُوبَى. (رَوَى مُسْلِمٌ الْمَرْفُوعَ) أَيِ: الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ) أَيْ: مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ الْمُرَكَّبِ مِنَ الْمَوْقُوفِ وَالْمَرْفُوعِ (فَحَسْبُ) أَيْ: فَقَطْ (وَرَوَى الْبُخَارِيُّ الْمَوْقُوفَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا) : وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِلَخْ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ وَالْمَوْقُوفَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ.

стр. 3373

٢٣٥٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ» ". ــ ٢٣٥٩ - (وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ) أَيِ: الْكَامِلَ فِي الْعُبُودِيَّةِ (الْمُؤْمِنَ) أَيِ: الْمُصَدِّقَ وَالْمُقِرَّ بِأَوْصَافِ الْعُبُودِيَّةِ (الْمُفَتَّنَ) : بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ أَيِ: الْمُبْتَلَى كَثِيرًا بِالسَّيِّئَاتِ، أَوْ بِالْغَفَلَاتِ، أَوْ بِالْحَجْبِ عَنِ الْحَضَرَاتِ، لِئَلَّا يُبْتَلَى بِالْعُجْبِ وَالْغُرُورِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ، وَأَكْثَرِ الْعُيُوبِ. (التَّوَّابَ) أَيْ: كَثِيرَ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَتَارَةً بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَأُخْرَى بِالْأَوْبَةِ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ، وَأُخْرَى مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ وَالْمُشَاهَدَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُفَتَّنُ الْمُمْتَحَنُ يَمْتَحِنُهُ اللَّهُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ يَتُوبُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهُ، وَهَكَذَا هُوَ صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ مَعَ وُقُوعِ الْعَوْدَةِ.

стр. 3374

٢٣٦٠ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي الدُّنْيَا بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا﴾ [الزمر: ٥٣] الْآيَةَ. فَقَالَ رَجُلٌ: فَمَنْ أَشْرَكَ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: " أَلَا وَمَنْ أَشْرَكَ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» . ــ ٢٣٦٠ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي الدُّنْيَا) أَيْ: جَمِيعَ مَا فِيهَا بِأَنْ أَتَصَدَّقَ بِخَيْرَاتِهَا، أَوْ أَتَلَذَّذَ بِلَذَّاتِهَا (بِهَذِهِ الْآيَةِ) أَيْ: بَدَلَهَا فَإِنَّ الْآيَةَ مُشْعِرَةٌ بِحُصُولِ الْمَغْفِرَةِ التَّامَّةِ وَالرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ أُمَّةٍ (يَا عِبَادِيَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهَا (الَّذِينَ أَسْرَفُوا) أَيْ: بِالْمَعَاصِي (عَلَى أَنْفُسِهِمْ) : لِأَنَّ وَبَالَهَا عَلَيْهِمْ، وَفِي نُسْخَةٍ (لَا تَقْنَطُوا) : بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا (الْآيَةَ) : بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ قَالَ الطِّيبِيُّ: هِيَ أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ، وَلِذَلِكَ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا وَحْشِيٌّ قَاتِلُ حَمْزَةَ ﵀ دُونَ سَائِرِ الْآيَاتِ. اهـ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَعَالِمِ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَى وَحْشِيٍّ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ كَيْفَ تَدْعُونِي إِلَى دِينِكَ، وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ مَنْ قَتَلَ أَوْ زَنَى أَوْ أَشْرَكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ، وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ هَذَا كُلَّهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] فَقَالَ وَحْشِيٌّ: هَذَا شَرْطٌ شَدِيدٌ لَعَلِّي لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَهَلْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَقَالَ وَحْشِيٌّ: أَرَانِي بَعْدُ فِي شُبْهَةٍ، فَلَا أَدْرِي يُغْفَرُ لِي أَمْ لَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] قَالَ وَحْشِيٌّ: نَعَمْ هَذَا. فَجَاءَ وَأَسْلَمَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: هَذَا لَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ فَقَالَ: بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» . (فَقَالَ رَجُلٌ: فَمَنْ أَشْرَكَ؟) أَيْ: أَهْوَ دَاخِلٌ فِي الْآيَةِ أَمْ خَارِجٌ عَنْهَا؟ (فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ ) : أَيْ: أَدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَانْتِظَارًا لِأَمْرِهِ، أَوْ تَفْكِيرًا وَتَأَمُّلًا فِي أَدَاءِ جَوَابِهِ، (ثُمَّ قَالَ) : إِمَّا بِالْوَحْيِ أَوْ بِالِاجْتِهَادِ (أَلَا) : بِالتَّخْفِيفِ (وَمَنْ أَشْرَكَ) أَيْ: بِالتَّوْبَةِ. كَذَا قِيلَ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ إِذْ هَذَا مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَجَابَ بِأَنَّهُ دَاخِلٌ، فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنِ الْقُنُوطِ، وَالْوَاوُ فِي (وَمَنْ) مَانِعَةٌ مِنْ حَمْلِ الْأَعْلَى عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَمُوجِبَةٌ لِحَمْلِهَا عَلَى التَّنْبِيهِ. اهـ. وَفِي كَلَامِهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّهُ إِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى التَّائِبِ مِنَ الشِّرْكِ، فَهَذَا مِنَ الْوَاضِحَاتِ عِنْدَهُمْ، فَكَيْفَ يَسْأَلُونَ عَنْهُ؟ وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى غَيْرِ التَّائِبِ فَبِظَاهِرِهِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ فِي السُّؤَالِ: فَمَنْ أَشْرَكَ مِنَ الْمَوْجُودِينَ مَا حُكْمُهُ؟ فَقَالَ: أَلَا وَمَنْ أَشْرَكَ فَحُكْمُهُ مُبْهَمٌ الْآنَ، إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِ بِالْإِيمَانِ أَوْ يُعَذِّبُهُ بِالطُّغْيَانِ. وَأَشَارَ بِعَدَمِ الْحُكْمِ إِمَّا إِلَى إِبْهَامِهِ، وَإِمَّا بِعَدَمِ الْجَوَابِ إِلَى إِعْظَامِهِ.

стр. 3375

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يَنْزِلَ السُّؤَالُ عَلَى قَوْلِهِ: يَا عِبَادِيَ يَعْنِي الْمُشْرِكَ أَدَاخَلٌ فِي هَذَا الْمَفْهُومِ وَيُنَادَى بِيَا عِبَادِي؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، أَوْ عَلَى الَّذِينَ أَسْرَفُوا أَيْ: هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ أَوْ عَلَى لَا تَقْنَطُوا فَيُنْهَوْنَ عَنِ الْقُنُوطِ. فَقِيلَ: نَعَمْ أَوْ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنِ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فَقِيلَ: نَعَمْ. اهـ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ احْتِمَالَاتٍ: الْأَوَّلُ وَالرَّابِعُ مِنْهَا يَحْتَاجُ كُلٌّ إِلَى تَأْوِيلٍ أَيْضًا، وَالثَّانِي غَيْرُ لَائِقٍ بِالسُّؤَالِ، وَالثَّالِثُ هُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ " الِاحْتِمَالِ " وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) : ظَرْفٌ لِقَالَ، وَالتَّكْرَارُ لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ، أَوْ إِشَارَةٌ إِلَى اخْتِلَافِ الْحَالَاتِ.

стр. 3376

٢٣٦١ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْحِجَابُ؟ قَالَ: " أَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ» ". رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ أَحْمَدُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَخِيرَ فِي كِتَابِ: " الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ ". ــ ٢٣٦١ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى) : وَفِي نُسْخَةٍ: (لَيَغْفِرُ) : بِلَامٍ مَفْتُوحَةٍ لِلتَّأْكِيدِ (لِعَبْدِهِ) أَيْ: مَا شَاءَ مِنَ الذُّنُوبِ (مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ) أَيِ: الْإِثْنَيْنِيَّةُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] (قَالَ: وَأَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ) : وَفِي مَعْنَى الشِّرْكِ كُلُّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ. (رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ) أَيْ: جَمِيعَهَا (أَحْمَدُ) أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَخِيرَ) أَيِ: الْحَدِيثَ الْأَخِيرَ (فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) .

стр. 3377

٢٣٦٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يَعْدِلُ بِهِ شَيْئًا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلَ جِبَالٍ ذُنُوبٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ: " الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ ". ــ ٢٣٦٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي ذَرٍّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ) أَيْ: مَنْ مَاتَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الدُّنْيَا، وَغَفَلَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ: بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ إِذِ الْإِشْرَاكُ إِنَّمَا يَكُونُ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَكُلُّ النَّاسِ فِيهَا مُؤْمِنُونَ، وَإِنْ لَمْ يَنْفَعِ الْكُفَّارَ إِيمَانُهُمْ. اهـ. وَفِيهِ إِيهَامٌ، وَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: وَإِنْ لَمْ يَنْفَعِ الْكُفَّارَ إِيمَانُهُمْ. (لَا يَعْدِلُ بِهِ) أَيْ: لَا يُسَاوِي بِاللَّهِ (شَيْئًا فِي الدُّنْيَا) أَيْ: لَا يَتَجَاوَزُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَنَصَبَ شَيْئًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ (ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِ) أَيْ: بَعْدَ الْمَوْتِ (مِثْلَ جِبَالٍ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ وَاسْمُهُ قَوْلُهُ: (ذُنُوبٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ) أَيْ: إِيَّاهَا يَعْنِي: جَمِيعَهَا إِنْ شَاءَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) .

стр. 3378

٢٣٦٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي: " شُعَبِ الْإِيمَانِ " وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّهْرَانَيُّ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " رَوَى عَنْهُ مَوْقُوفًا. قَالَ: " النَّدَمُ تَوْبَةٌ، وَالتَّائِبُ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ". ــ ٢٣٦٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ) أَيْ: تَوْبَةٌ صَحِيحَةٌ (كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ) أَيْ: فِي عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ، بَلْ قَدْ يَزِيدُ عَلَيْهِ بِأَنَّ ذُنُوبَ التَّائِبِ تُبَدَّلُ حَسَنَاتٍ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا جَاءَ عَنْ رَابِعَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهَا كَالسُّفْيَانَيْنِ وَالْفُضَيْلِ، وَتَقُولُ: إِنْ ذُنُوبِي بَلَغَتْ مِنَ الْكَثْرَةِ مَا لَمْ تَبْلُغْهُ طَاعَاتُكُمْ، فَتَوْبَتِي مِنْهَا بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ فَصِرْتُ أَكْثَرَ حَسَنَاتٍ مِنْكُمْ. اهـ. وَفِيهِ: أَنَّ هَذِهِ حَسَنَاتٌ تَقْدِيرِيَّةٌ، فَأَيْنَ هِيَ مِنْ حَسَنَاتٍ تَحْقِيقِيَّةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الزِّيَادَةُ الْمُضَاعَفَةُ، وَعِنْدِي أَنَّ حَسَنَةً وَاحِدَةً مِنَ السُّفْيَانَيْنِ

стр. 3379

مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِنَقْلِ السُّنَّةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَزِيدُ عَلَى جَمِيعِ حَسَنَاتِ رَابِعَةَ، وَإِنَّمَا كَانَا يَتَوَاضَعَانِ لَهَا فِي الْحُضُورِ عِنْدَهَا، وَطَلَبُ الدُّعَاءِ مِنْهَا اقْتِدَاءٌ بِهِ ﵊ بَلْ رُبَّمَا كَانَا يَنْفَعَانَهَا فِيمَا تَكُونُ جَاهِلَةً فِي أَمْرِ دِينِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مِنْ قَبِيلِ إِلْحَاقِ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ مُبَالَغَةً، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ كَالْأَسَدِ، إِذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمُشْرِكَ التَّائِبَ لَيْسَ كَالنَّبِيِّ الْمَعْصُومِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ، بِأَنَّ الْمُرَادَ. مِمَّنْ لَا ذَنْبَ لَهُ مَنْ هُوَ عُرْضَةٌ لَهُ لَكِنَّهُ حَفِظَ مِنْهُ، فَخَرَجَ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ، فَلَيْسُوا مَقْصُودِينَ بِالتَّشْبِيهِ. قُلْتُ: فَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ عَمِلَ ذُنُوبًا وَتَابَ مِنْهَا، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْهَا أَصْلًا أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقِيلَ: الْأَوَّلُ لِأَنَّ تَوْبَتَهُ بَعْدَ أَنْ ذَاقَ لَذَّاتَ الْمَعْصِيَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعْلَى صِدْقًا وَأَقْوَى أَيْمَانًا، لِأَنَّهُ بَاشَرَ الْمَانِعَ، ثُمَّ تَرَكَهُ بِخِلَافِ الثَّانِي، وَقِيلَ: الثَّانِي لِأَنَّهُ لَمْ يَتَدَنَّسْ بِالْمَعَاصِي بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إِمَّا عِصْمَةٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَإِمَّا تَوْبَةٌ فِي الْآخَرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَشْبَهُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ الْمَعْصُومِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ الْمَحْفُوظَيْنِ هُوَ الْأَصْلُ، لِأَنَّهُ الْعَبْدُ الْأَكْمَلُ، فَإِنَّهُ وَلَوْ غَفَرَ لَهُ لَا يَخْلُو عَنِ الْحَيَاءِ وَالْخَجْلَةِ، وَتَوَقَّفَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْمَسْأَلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) أَيْ: فِي سُنَنِهِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي: شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَقَالَ) أَيِ: الْبَيْهَقِيُّ (تَفَرَّدَ بِهِ) أَيْ: بِنَقْلِ هَذَا الْحَدِيثِ (النَّهْرَانِيُّ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ (وَهُوَ مَجْهُولٌ) : إِمَّا عَيْنُهُ أَوْ حَالُهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَعَ هَذَا لَا يَضُرُّ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْفَضَائِلِ. (وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ رَوَى) أَيِ: الْبَغَوِيُّ ﵀ وَفِي نُسْخَةٍ رُوِيَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (مَوْقُوفًا) : لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ (قَالَ: النَّدَمُ تَوْبَةٌ) أَيْ: رُكْنٌ أَعْظَمُهَا النَّدَامَةُ، إِذْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا بَقِيَّةُ الْأَرْكَانِ مِنَ الْقَلْعِ وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ، وَتَدَارُكِ الْحُقُوقِ مَا أَمْكَنَ، وَهُوَ نَظِيرُ الْحَجُّ عَرَفَةُ إِلَّا أَنَّهُ عَكْسُ مُبَالَغَةٍ، وَالْمُرَادُ النَّدَامَةُ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مَعْصِيَةٌ لَا غَيْرَ، (وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ) . وَرَوَى الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ، وَابْنُ النَّجَّارِ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظٍ: التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَإِذْ أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا لَمْ يَضُرَّهُ ذَنْبٌ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظٍ: التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، الْمُسْتَغْفِرُ مِنَ الذَّنْبِ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ، وَمَنْ أَذَى مُسْلِمًا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ مِثْلَ مَنَابِتِ النَّخْلِ. كَذَا ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَقَالَ ابْنُ الرَّبِيعِ: حَدِيثُ التَّائِبِ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِشَوَاهِدِهِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّوْبَةَ إِذَا وُجِدَتْ بِشُرُوطِهَا الْمُعْتَبَرَةِ، فَلَا شَكَّ فِي قَبُولِهَا وَتَرَتُّبِ الْمَغْفِرَةِ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] وَلَا يَجُوزُ الْخُلْفُ فِي إِخْبَارِهِ وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَأَمَّا " الِاسْتِغْفَارُ " عَلَى وَجْهِ " الِافْتِقَارِ " " وَالِانْكِسَارِ " بِدُونِ تَحَقُّقِ التَّوْبَةِ، فَقَدْ يَكُونُ مَاحِيًا لِذُنُوبٍ، وَقَدْ لَا يَكُونُ مَاحِيًا، لَكِنْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَسْأَلَةَ فِي الْبَحْثِ مَعَ بَعْضِ مُعَاصِرِيهِ، وَأَطْنَبَ كُلٌّ فِي ذِكْرِ الْأَدِلَّةِ، وَقَيَّدَهَا ابْنُ حَجَرٍ، وَأَطْلَقَهَا الْآخَرُ، وَأَلْحَقَ التَّفْصِيلَ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

стр. 3380

[بَابُ رَحْمَةِ اللَّهِ]

стр. 3381

(٥) بَابُ رَحْمَةِ اللَّهِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٣٦٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. وَفِي رِوَايَةٍ: " غَلَبَتْ غَضَبِي» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [٥] بَابٌ [رَحْمَةُ اللَّهِ] بِالرَّفْعِ مُنَوَّنًا، وَبِالْوَقْفِ مُسَكَّنًا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْعُنْوَانَ، وَغَالِبُ أَحَادِيثِهِ فِي: (رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ) الْبَاعِثَةُ عَلَى التَّوْبَةِ مِنَ الْعِصْيَانِ، وَالْمُوجِبَةُ لِلرَّجَاءِ وَعَدَمِ الْيَأْسِ مِنَ الْغُفْرَانِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٣٦٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ) أَيْ: حِينَ قَدَّرَ اللَّهُ خَلْقَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَحَكَمَ بِظُهُورِ الْمَوْجُودَاتِ، أَوْ حِينَ خَلَقَ الْخَلْقَ يَوْمَ الْمِيثَاقِ بَدَأَ خَلْقَهُمْ (كَتَبَ كِتَابًا) أَيْ: فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لِأَمْرِهِ لِلْمَلَائِكَةِ أَنْ يَكْتُبُوا، أَوْ لِلْقَلَمِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: جَفَّ الْقَلَمُ. مِمَّا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَوِ الْكِتَابَةُ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِثْبَاتِ وَالْإِبَانَةِ (فَهُوَ) أَيْ: ذَلِكَ الْكِتَابُ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ أَوْ عِلْمِهِ (عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدِيَّةُ الْمَكَانَةِ لَا عِنْدِيَّةَ الْمَكَانِ لِتَنَزُّهِهِ عَنْ سِمَاتِ الْحَدَثَانِ (فَوْقَ عَرْشِهِ) : فِيهِ تَنْبِيهٌ " نَبِيهٌ " عَلَى جَلَالَةِ قَدْرِ ذَلِكَ الْكِتَابِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنَّ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ تَحْتَ الْعَرْشِ، زَادَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّهُ فِي جَبْهَةِ إِسْرَافِيلَ رَئِيسِ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، وَالْكِتَابُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ فَوْقَ الْعَرْشِ لِجَلَالَةِ قَدْرِهِ، وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا تَحْتَ الْعَرْشِ عَالَمُ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ، وَاللَّوْحُ يَشْتَمِلُ عَلَى تَفَاصِيلِ ذَلِكَ، وَقَضِيَّةُ هَذَا الْعَالَمِ: هُوَ عَالَمُ الْعَدْلِ، وَإِلَيْهِ أَشَارٌ لِقَوْلِهِ: بِالْعَدْلِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِثَابَةَ الْمُطِيعِ وَعِقَابَ الْعَاصِي، حَسَبُ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَمَلُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي غَلَبَةَ الْغَضَبِ وَالرَّحْمَةِ لِكَثْرَةِ مُوجِبِهِ وَمُقْتَضِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] فَيَكُونُ سِعَةُ الرَّحْمَةِ شُمُولَهَا عَلَى الْبَرِّيَّةِ، وَقَبُولُ إِبَانَةِ التَّائِبِ وَالْعَفْوُ عَنِ الْمُشْتَغِلِ بِذَنْبِهِ الْمُنْهَمِكِ فِيهِ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ أَمْرًا خَارِجًا عَنْهُ، مُتَرَقِّبًا مِنْهُ إِلَى عَالَمِ الْفَضْلِ الَّذِي هُوَ الْعَرْشُ وَفِي أَمْثَالِ هَذَا الْحَدِيثِ أَسْرَارٌ إِفْشَاؤُهَا بِدْعَةٌ، فَكُنْ مِنَ الْوَاصِلِينَ إِلَى الْعَيْنِ دُونَ السَّامِعِينَ لِلْخَبَرِ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ إِمَّا الْقَضَاءُ الَّذِي قَضَاهُ اللَّهُ وَأَوْجَبَهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، أَيْ: فَعِلْمُهُ عِنْدَهُ تَعَالَى فَوْقَ الْعَرْشِ لَا يَنْسَى وَلَا يَنْسَخُهُ وَلَا يُبَدِّلُهُ، وَأَمَّا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ الْمَذْكُورُ فِيهِ الْخَلْقُ وَبَيَانُ أَحْوَالِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمُ وَالْأَقْضِيَةِ النَّافِذَةِ فِيهِمْ وَأَحْوَالِ عَوَاقِبِ أُمُورِهِمْ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَاهَا فَذِكْرُهُ عِنْدَهُ (إِنَّ رَحْمَتِي) بِالْكَسْرِ وَيُفْتَحُ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: بِفَتْحِ أَنَّ عَلَى الْإِبْدَالِ مِنَ الْكِتَابِ وَبِكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهَا حِكَايَةٌ بِمَضْمُونِ الْكِتَابِ، قُلْتُ يُؤَيِّدُ الثَّانِي رِوَايَةُ الشَّيْخَيْنِ بِلَفْظِ أَنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي (سَبَقَتْ غَضْبَى، وَفِي رِوَايَةٍ غَلَبَتْ غَضَبِي) أَيْ غَلَبَتْ آثَارُ رَحْمَتِي عَلَى آثَارِ غَضَبِي، وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَالْمُرَادُ بَيَانُ سَعَةِ الرَّحْمَةِ وَشُمُولِهَا عَلَى الْخَلْقِ حَتَّى كَأَنَّهَا السَّابِقُ وَالْغَالِبُ، وَإِلَّا فَهُمَا صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِهِ رَاجِعَتَانِ إِلَى إِرَادَتِهِ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، تُوصَفُ صِفَاتُهُ بِالسَّبْقِ وَالْغَلَبَةِ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَيْ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ حَكَمَ حُكْمًا جَازِمًا وَوَعَدَ وَعْدًا لَازِمًا لَا خَلْفَ فِيهِ بِأَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي ; فَإِنَّ الْمُبَالِغَ فِي حُكْمِهِ إِذَا أَرَادَ إِحْكَامَهُ عَقَدَ عَلَيْهِ سِجِلًّا وَحَفَظَهُ ; فَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ قَضَاءِ الْخَلْقِ وَسَبْقِ الرَّحْمَةِ أَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ لِلْعِبَادَةِ شُكْرًا لِلنِّعَمِ الْفَائِضَةِ عَلَيْهِمْ وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَدَاءِ حَقِّ الشُّكْرِ، وَبَعْضُهُمْ يُقَصِّرُونَ فِيهِ، فَسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ فِي حَقِّ الشَّاكِرِ بِأَنْ وَفَّى جَزَاءَهُ وَزَادَ عَلَيْهِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ، وَفِي حَقِّ الْمُقَصِّرِ إِذَا تَابَ وَرَجَعَ بِالْمَغْفِرَةِ وَالتَّجَاوُزِ، وَمَعْنَى سَبَقَتْ رَحْمَتِي تَمْثِيلٌ لِكَثْرَتِهَا وَغَلَبَتِهَا عَلَى الْغَضَبِ بِفَرَسَيْ رِهَانٍ تَسَابَقَتَا فَسَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3382

٢٣٦٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٣٦٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ) أَيْ غَايَتَهَا، وَهِيَ النِّعْمَةُ لِاسْتِحَالَةِ حَقِيقَةِ الرَّحْمَةِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَتَعَدُّدِهَا (أَنْزَلَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ جُمْلَةِ الْمِائَةِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ مِنْ تِلْكَ النِّعَمِ (رَحْمَةً وَاحِدَةً) أَيْ: تَعَطُّفًا رُوحَانِيًّا وَمَيَلَانًا نَفْسَانِيًّا، وَحُمِلَتِ الرَّحْمَةُ هُنَا عَلَى حَقِيقَتِهَا لِإِمْكَانِهَا فَهِيَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ تَعَالَى، وَالْإِنْزَالُ تَمْثِيلٌ مُشِيرًا إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ بَلْ هِيَ مِنَ الْأُمُورِ السَّمَاوِيَّةِ مَقْسُومَةً بِحَسَبِ قَابِلِيَّةِ الْمَخْلُوقَاتِ لِمَظَاهِرِ آثَارِ صِفَةِ الرَّحْمَانِيَّةِ الْوَاقِعَةِ (بَيْنَ الْجِنِّ) أَيْ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ (وَالْإِنْسِ) كَذَلِكَ (وَالْبَهَائِمِ) أَيْ: مَعَ أَوْلَادِهَا (وَالْهَوَامِّ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، جَمْعُ هَامَّةٍ، وَهِيَ كُلُّ ذَاتِ سُمٍّ وَقَدْ يَقَعُ عَلَى مَا يَدِبُّ مِنَ الْحَيَوَانِ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ كَالْحَشَرَاتِ وَالْقَمْلِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِرَحْمَتِهَا فِيمَا لَا تَوَالُدَ فِيهَا، وَأَمَّا أَكْلُ الْهِرِّ لِوَلَدِهَا أَحْيَانًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمَزِيدِ خَوْفِهَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهَا فَتَرَى أَنْ لَا مَلْجَأَ إِلَّا أَكْلُهُ ; فَهُوَ مِنْ مَزِيدِ رَحْمَتِهَا فِي تَخَيُّلِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُوعِهَا كَمَا يُوجَدُ لَدَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ غَيْرُ طَبِيعِيَّةٍ فَإِذَا سَلَبَتِ ارْتَفَعَتْ بِالْكُلِّيَّةِ (فَبِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ الْوَاحِدَةِ وَبِسَبَبِ خَلْقِهَا فِيهِمْ (يَتَعَاطَفُونَ) أَيْ يَتَمَايَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ (وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ) أَيْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ (وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ) أَيْ تُشْفِقُ وَتَحِنُّ (عَلَى وَلَدِهَا) أَيْ حِينَ صِغَرِهَا وَلَعَلَّ التَّخْصِيصَ بِالْأَوْلَادِ لِأَنَّهُ لَا تَعَاطُفَ فِيمَا بَيْنَهَا حَتَّى لَا تَعْطِفَ أَوْلَادُهَا عَلَى وَالِدَيْهَا، وَلَعَلَّهَا مَوْجُودَةٌ فِيهَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ (أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) وَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ ظُهُورُ النَّبَاتَاتِ، وَخَوَاصُّ الْأَشْيَاءِ، وَالْمُتْعَةُ بِالنَّارِ، وَالْهَوَاءِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ (وَأَخَّرَ اللَّهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفٌ عَلَى أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَأَظْهَرَ الْمَسْتَكِنَّ بَيَانًا لِشِدَّةِ الْعِنَايَةِ لِرَحْمَةِ اللَّهِ الْأُخْرَوِيَّةِ (تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ) أَيِ الْمُؤْمِنِينَ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَبَعْدِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا نِهَايَةَ لَهَا لَمْ يُرِدْ بِمَا ذَكَرَهُ تَحْدِيدًا بَلْ تَصْوِيرًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ قِسْطِ أَهْلِ الْإِيمَانِ مِنْهَا فِي الْآخِرَةِ وَقِسْطِ كَافَّةِ الْمَرْبُوبِينَ فِي الدُّنْيَا. اهـ. وَهُوَ فِي الْمَرْتَبَةِ الْحُسْنَى، وَلَا يُنَافِي تَفْسِيرَ الرَّحْمَةِ بِالنِّعْمَةِ فَإِنَّ نِعَمَهُ لَا تُحْصَى دُنْيَا وَعُقْبَى، وَلَا يُعَارِضُهُ تَقْسِيمُ الرَّحْمَةِ بِمَعْنَى الْمَثُوبَةِ الْعُظْمَى عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ نُزُولِ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ رَحْمَةً كُلَّ يَوْمٍ عَلَى الْكَعْبَةِ سِتِّينَ لِلطَّائِفِينَ، وَأَرْبَعِينَ لِلْمُصَلِّينَ، وَعِشْرِينَ لِلنَّاظِرِينَ، فَانْدَفَعَ بِهِ مَا تَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى الطِّيبِيِّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى سَعَةِ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3383

٢٣٦٦ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ سَلْمَانَ نَحْوُهُ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ: فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ. ــ ٢٣٦٦ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ سَلْمَانَ نَحْوُهُ) أَيْ بِمَعْنَاهُ (وَفِي آخِرِهِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا) أَيْ: أَتَمَّ الرَّحْمَةَ الْوَاحِدَةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا فِي الدُّنْيَا (بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ) أَيِ: الَّتِي أَخَّرَهَا، حَتَّى يَصِيرَ الْمَجْمُوعُ مِائَةَ رَحْمَةٍ فَرَحِمَ بِهَا عِبَادَهُ.

стр. 3384

٢٣٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ وَلَوْ يُعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٣٦٧ - (وَعَنْهُ) وَفِي نُسْخَةٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِإِيهَامِ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ أَنْ يَكُونَ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَهُوَ سَلْمَانُ، وَأَمَّا عَلَى النُّسْخَةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ فَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى الْعُنْوَانِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ) اللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ (مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ) بَيَانٌ لِمَا (مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ) أَيِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَضْلًا عَنِ الْكَافِرِينَ وَلَا بُعْدَ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ عَلَى إِطْلَاقِهِ مِنْ إِفَادَةِ الْعُمُومِ إِذْ تَصَوُّرُ ذَلِكَ وَحْدَهُ يُوجِبُ الْيَأْسَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَفِيهِ بَيَانُ كَثْرَةِ عُقُوبَتِهِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ مُؤْمِنٌ بِطَاعَتِهِ، أَوِ اعْتِمَادًا عَلَى رَحْمَتِهِ فَيَقَعُ فِي الْأَمْنِ وَلَا

стр. 3385

يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ) أَيْ: كُلُّ كَافِرٍ (مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَيُكْسَرُ (مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ) : أَيْ مِنَ الْكَافِرِينَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ الْمَلَكِ بِقَوْلِهِ: إِذَا دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حُسْنِ الْمُقَابَلَةِ عَدَمُ التَّقْيِيدِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ مَعَ (إِنْ) الشَّرْطِيَّةَ غَيْرُ لَازِمَةِ الْوُقُوعِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَدِيثُ فِي بَيَانِ صِفَتَيِ الْقَهْرِ وَالرَّحْمَةِ لِلَّهِ تَعَالَى ; فَكَمَا أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ لَا يَبْلُغُ كُنْهَ مَعْرِفَتِهَا أَحَدٌ، كَذَلِكَ عُقُوبَتَهُ وَرَحْمَتَهُ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ وَقَفَ عَلَى كُنْهِ صِفَتِهِ الْقَهَّارِيَّةِ لَظَهَرَ مِنْهَا مَا يُقَنِّطُ مِنْ تِلْكَ الْخَوَاطِرِ فَلَا يَطْمَعُ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَهَذَا مَعْنَى وَضْعِ أَحَدٍ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الْمُؤْمِنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْمُؤْمِنَ الْجِنْسُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِغْرَاقِ ; فَالتَّقْدِيرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدِ اخْتُصَّ لِأَنْ يَطْمَعَ بِالْجَنَّةِ فَإِذَا انْتَفَى الطَّمَعُ مِنْهُ فَقَدِ انْتَفَى عَنِ الْكُلِّ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ مُخْتَصٌّ بِالْقُنُوطِ فَإِذَا انْتَفَى الْقُنُوطُ عَنْهُ فَقَدِ انْتَفَى عَنِ الْكُلِّ، وَوَرَدَ الْحَدِيثُ فِي بَيَانِ كَثْرَةِ رَحْمَتِهِ وَعُقُوبَتِهِ كَيْلَا يَغْتَرَّ مُؤْمِنٌ بِرَحْمَتِهِ فَيَأْمَنَ مِنْ عَذَابِهِ، وَلَا يَيْأَسَ كَافِرٌ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَتْرُكَ بَابَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَحَاصِلُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَبْدَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ بِمُطَالَعَةِ صِفَاتِ الْجَمَالِ تَارَةً، وَبِمُلَاحَظَةِ نُعُوتِ الْجَلَالِ أُخْرَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ نُودِيَ فِي الْقِيَامَةِ أَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا، وَكَذَا فِي النَّارِ، وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُغَلِّبَ الْخَوْفَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَالرَّجَاءَ عِنْدَ الْمَمَاتِ.

стр. 3386

٢٣٦٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٣٦٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ» ) بِكَسْرِ الشِّينِ، أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: ضَرَبَ الْعَرَبُ مَثَلًا بِالشِّرَاكِ ; لِأَنَّ سَبَبَ حُصُولِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ إِنَّمَا هُوَ بِسَعْيِ الْعَبْدِ، وَيُجْرَى السَّعْيُ بِالْأَقْدَامِ، وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ خَيْرًا اسْتَحَقَّ الْجَنَّةَ بِوَعْدِهِ، وَمَنْ عَمِلَ شَرًّا اسْتَحَقَّ النَّارَ بِوَعِيدِهِ، وَمَا وَعَدَ وَأَوْعَدَ مُنْجَزَانِ فَكَأَنَّهُمَا حَاصِلَانِ. اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ فِي دَفْعِهِ ﷺ لَعَلَّهُ لَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ السَّابِقِ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَلَعَلَّهُ أَقْرَبُ لِأَنَّ الشِّرَاكَ يَقْبَلُ الِانْفِكَاكَ بِخِلَافِ الْعَمَلِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] فَالْمُعَلَّقُ بِالْعُنُقِ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ لَا شَكَّ أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنَ الْمُعَلَّقِ تَحْتَ الرِّجْلِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِإِشَارَاتِ كَلَامِ سَيِّدِ الْأَنَامِ (وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ) إِشَارَةٌ إِلَى الْمَذْكُورِ، أَيِ: النَّارُ مِثْلُ الْجَنَّةِ فِي كَوْنِهَا أَقْرَبَ مِنْ شِرَاكِ النَّعْلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ اقْتِصَارٌ مِنَ الرَّاوِي، ثُمَّ قِيلَ هَذَا لِأَنَّ سَبَبَ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَعَ الشَّخْصِ وَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالسَّيِّئُ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ إِذْ هُوَ مُجَاوِرٌ لَهُ وَالْعَمَلُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَوْ هِيَ نَفْسُهَا بِاعْتِبَارِ سُرْعَةِ انْقِضَاءِ الدُّنْيَا الَّتِي يَلِيهَا دُخُولُهَا، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ; لَكِنْ بِظَاهِرِهِ مِنْ كَوْنِهِ أَقْرَبَ مِنَ الشِّرَاكِ غَيْرُ صَحِيحٍ إِلَّا مُبَالَغَةً وَادِّعَاءً كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوْ نَزَلَ الْوَعْدُ بِهَا النَّاجِزُ لِمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مَنْزِلَةَ حُصُولِهَا نَفْسِهَا فَهُوَ عَيْنُ الْقَوْلِ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3387

٢٣٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ لِأَهْلِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ لَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٣٦٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَجُلٌ) أَيْ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَنَا (لَمْ يَعْمَلْ) صِفَةُ رَجُلٍ (خَيْرًا قَطُّ) أَيْ عَمَلًا صَالِحًا، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَمْ يَعْمَلْ، وَخَوْفُهُ مِنْ عَذَابِهِ وَغُفْرَانِهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ (لِأَهْلِهِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ عَمَلَ الْخَيْرِ يَتَعَدَّى مِنْهُ لِأَهْلِهِ وَذَوِي قَرَابَتِهِ، وَأَنَّهُ يَعْمَلُ خَيْرًا لِنَفْسِهِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَوْ عَمِلَ لِنَفْسِهِ لَتَعَدَّى مِنْهُ إِلَيْهِمُ اهـ، وَالصَّوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ لِأَهْلِهِ مُتَعَلِّقٌ بَقَالَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الطِّيبِيُّ فِيمَا سَيَأْتِي لَا بِلَمْ يَعْمَلْ كَمَا فَهِمَ هَذَا الْقَائِلُ، تَأَمَّلْ (وَفِي رِوَايَةٍ أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ: بَالَغَ فِي فِعْلِ الْمَعَاصِي فَمُؤَدَّى الرِّوَايَتَيْنِ وَاحِدٌ (فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: مَقُولُ قَالَ

стр. 3388

عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَمَعْمُولُ أَوْصَى عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَقَدْ تَنَازَعَا فِيهِ فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ. اهـ، وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (وَفِي رِوَايَةٍ) إِلَى قَوْلِهِ: (أَوْصَى) بِنْيَةُ جُمْلَةٍ مُعْتَرِضَةٍ، خِلَافًا لِمَا قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ مِنْ أَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى هَكَذَا: رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ قَطُّ خَيْرًا لِأَهْلِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ إِلَخْ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَكُونُ ابْتِدَاءُ قَوْلِ الرَّسُولِ ﵊ مِنْ: أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَكْثَرَ مِنَ الذُّنُوبِ. اهـ، ثُمَّ الْأَصْلُ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَحَرِّقُونِي. وَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْغَيْبَةِ إِعْلَامًا بِعَدَمِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ، وَأَنَّهُ قَدَّمَ مَا غَابَ بِهِ عَنْ مَرَاتِبِ السُّعَدَاءِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ فِي مَذْهَبِ بَعْضٍ، كَمَا قَالَ الطِّيبِيُّ: لَوْ حُكِيَ مَا تَلَفَّظَ بِهِ الرَّجُلُ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِذَا مُتُّ فَحَرِّقُونِي ثُمَّ لْيَذْرُوا نِصْفِي، وَلَوْ نَقَلَ مَعْنَى مَا تَلَفَّظَ بِهِ الرَّجُلُ لَقَالَ: إِذَا مَاتَ فَلْيَحْرِقْهُ قَوْمُهُ ثُمَّ لْيَذْرُوا، فَعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ إِلَى الْغَائِبِ تَحَاشِيًا عَنْ وَصْمَةِ نِسْبَةِ التَّحْرِيفِ وَتَوَهُّمِ الشَّكِّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ إِلَى نَفْسِهِ. اهـ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَكَلَامِي أَوْلَى مِمَّا قِيلَ عَدَلَ إِلَخْ، لِأَنَّ هَذَا الْعُدُولَ لَا يَمْنَعُ إِيهَامَ الشَّكِّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَغَفْلَةٌ وَذُهُولٌ عَنْ أَنَّ الْعُدُولَ وَقَعَ عَنْ قَوْلِهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ إِلَى قَوْلِهِ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الطِّيبِيُّ تَحَامِيًا أَيْضًا (ثُمَّ اذْرُوا) هَمْزَةُ وَصْلٍ مِنَ الذَّرْيِ: بِمَعْنَى التَّذْرِيَةِ، وَيَجُوزُ قَطْعُهَا يُقَالُ ذَرَتْهُ الرِّيحُ وَأَذْرَتْهُ: إِذَا أَطَارَتْهُ، أَيْ: فَرِّقُوا (نِصْفَهُ) أَيْ نِصْفَ رَمَادِهِ إِلَى الْبَرِّ (وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ) اللَّامُ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ (قَدَرَ) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَيُشَدَّدُ أَيْ: ضَيَّقَ (اللَّهُ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي نُسْخَةٍ عَلَيَّ، وَاعْتَمَدَهَا النَّوَوِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَهْوُ قَلَمٍ مِنْ بَعْضِ الْكُتَّابِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ تَحْرِيفُ الْكِتَابِ وَيَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ قَوْلُهُ (لَيُعَذِّبَنَّهُ) إِذْ لَمْ يُعْهَدِ الِالْتِفَافُ بَيْنَ أَجْزَاءِ جُمْلَتِي الشَّرْطِيَّةِ وَالْقَسَمِيَّةِ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ دَهِشًا (عَذَابًا) أَيْ تَعْذِيبًا (لَا يُعَذِّبُهُ) أَيِ ذَلِكَ الْعَذَابَ (أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) قِيلَ مَعْنَاهُ لَئِنْ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَنَاقَشَهُ فِي الْحِسَابِ مِنَ الْقَدْرِ بِمَعْنَى التَّضْيِيقِ لَا مِنَ الْقُدْرَةِ ; لِأَنَّ الشَّكَّ فِي الْقَدْرِ كُفْرٌ، وَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ (خَشْيَتُكَ) وَغَفَرَ لَهُ، وَالْكَافِرُ لَا يَخْشَاهُ وَلَا يُغْفَرُ لَهُ فَلَهُ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ (قَدَرَ) بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى ضِيَّقَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ وَقَوْلُهُ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وَالثَّانِي لَئِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ الْعَذَابَ أَيْ: قَضَاهُ مِنْ قَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ ; وَلَكِنْ رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فَلَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ أَيْ: أَفُوتُهُ، وَهَذَا يُنْبِئُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّمَنُّعَ بِالتَّحْرِيقِ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَعَ ذَلِكَ أَخْبَرَ الصَّادِقُ بِغُفْرَانِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ وَجْهٍ يُمْكِنُ الْقَوْلُ مَعَهُ بِإِيمَانِهِ، فَقِيلَ: إِنَّ الرَّجُلَ ظَنَّ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ هَذَا الصَّنِيعَ تُرِكَ، فَلَمْ يُنْشَرْ وَلَمْ يُعَذَّبْ، وَأَمَّا تَلَفُّظُهُ بِقَوْلِهِ: لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ، وَبِقَوْلِهِ فَلَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ ; فَلِأَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا بِذَلِكَ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مِثْلِهِ هَلْ يَكْفُرُ أَمْ لَا؟ بِخِلَافِ الْجَاحِدِ لِلصِّفَةِ، وَقِيلَ هَذَا وَرَدَ مَوْرِدَ التَّشَكُّكِ فِيمَا لَا يُشَكُّ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ فِي عِلْمِ الْبَلَاغَةِ بِتَجَاهُلِ الْعَارِفِ كَقَوْلِهِ ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] الْآيَةَ. وَقِيلَ لَقِيَ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ مَا أَدْهَشَهُ وَسَلَبَ عَقْلَهُ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَمْهِيدِ الْقَوْلِ وَتَخْمِيرِهِ ; فَبَادَرَ بِسَقْطٍ مِنَ الْقَوْلِ، وَأَخْرَجَ كَلَامَهُ مَخْرَجًا لَمْ يَعْتَقِدْ حَقِيقَتَهُ، وَهَذَا أَسْلَمُ الْوُجُوهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ هُوَ كَلَامٌ صَدَرَ عَنْ غَلَبَةِ حَيْرَةٍ وَدَهْشَةٍ مِنْ غَيْرِ تَدَبُّرٍ فِي كَلَامِهِ كَالْغَافِلِ وَالنَّاسِي فَلَا يُؤَاخَذُ فِيمَا قَالَ، أَقُولُ: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ كَمَا سَيَأْتِي، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقِيلَ ذَلِكَ لَا يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ، وَنَحْوَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ وَاجِدِ الضَّالَّةِ (أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ) وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ تَبَعًا لِمَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ نَصٌّ إِذْ قَوْلُ الْوَاجِدِ وَقَعَ سَهْوًا وَخَطَأً بِخِلَافِ هَذَا فَكَيْفَ يَكُونُ مَقِيسًا، وَقِيلَ إِنْكَارُ وَصْفٍ وَاحِدٍ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِمَا عَدَاهُ لَا يُوجِبُ كُفْرًا، قُلْتُ: جَهْلُ وَصْفٍ وَاحِدٍ عُذْرٌ عِنْدَ بَعْضٍ لَا إِنْكَارُهُ، وَبَوْنٌ بَيْنَ الْإِنْكَارِ لِلشَّيْءِ وَالْجَهْلِ بِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الطِّيبِيَّ قَالَ: قِيلَ إِنَّهُ جَهِلَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ جَاهِلِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَمِمَّنْ كَفَّرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَقَالَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ أَوَّلًا، وَقَالَ آخَرُونَ لَا يُكَفَّرُ بِهِ بِخِلَافِ جَحْدِهَا، وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَبُو الْحَسَنِ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ مَذْهَبُهُ، قَالَ: لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ اعْتِقَادًا يَقْطَعُ بِصَوَابِهِ وَيَرَاهُ دِينًا شَرْعًا، وَإِنَّمَا يُكَفَّرُ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ مَقَالَتَهُ حَقٌّ، وَقَالُوا لَوْ سُئِلَ النَّاسُ عَنْ

стр. 3389

الصِّفَاتِ لَوُجِدَ الْعَارِفُ بِهَا قَلِيلًا، وَقِيلَ: هَذَا مِنْ بَدِيعِ اسْتِعْمَالَاتِ الْعَرَبِ، وَيُسَمَّى مَزْجَ الشَّكِّ بِالْيَقِينِ، وَالْمُرَادُ الْيَقِينُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُحَقِّقَ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَيُقَرِّرَهُ عِنْدَهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَشُكَّ فِيهِ قَطْعًا، وَإِنَّمَا قَالَ تَهْيِيجًا وَإِلْهَابًا لَهُ لِيَحْصُلَ لَهُ مَزِيدُ ثَبَاتٍ وَرُسُوخِ قَدَمٍ فِيهِ، كَذَلِكَ هَذَا الرَّجُلُ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ أَنْ يَنْشُرَهُ وَيَبْعَثَهُ وَيُعَذِّبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (وَإِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُعَذِّبَنِي) فَأَرَادَ أَنْ يُحَرِّضَ الْقَوْمَ عَلَى إِنْفَاذِ وَصِيَّتِهِ ; فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ فِي مَعْرِضِ التَّشْكِيكِ لَهُمْ لِئَلَّا يَتَهَاوَنُوا فِي وَصِيَّتِهِ فَيَقُومُوا بِهَا حَقَّ الْقِيَامِ. اهـ، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ ; لِأَنَّ الْآيَةَ مِنْ كَلَامِهِ تَعَالَى خِطَابًا لِنَبِيِّهِ مَبْنِيًّا عَلَى فَرْضِهِ وَتَقْدِيرِهِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ شَكٌّ فِي وُقُوعِهِ، وَلِذَا قَالَ ﵊: " لَا أَشُكُّ وَلَا أَسْأَلُ "، وَالْحَدِيثُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِ مَعْصُومٍ خِطَابًا لِمَنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الشَّكُّ ابْتِدَاءً أَوِ انْتِهَاءً، وَلَا تَأْيِيدَ لِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِنَّهَا مَعْنًى صَحِيحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ مُبَايِنٌ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهَا مُوهِمَةٌ، نَعَمْ تِلْكَ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَيَحْتَاجُ كَلَامُهُ إِلَى تَأْوِيلٍ، وَإِنَّ أَحْسَنَ التَّأْوِيلِ مَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وَرِوَايَةُ (أُضِلُّ اللَّهَ) تُحْمَلُ عَلَى مَعْنَى: أُضَيِّعُ طَاعَتَهُ، وَ (لَعَلَّ) لِلْإِشْفَاقِ الدَّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: " مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ " لَا أَنَّهُ لِلتَّرَجِّي كَمَا حَمَلُوا عَلَيْهِ وَأَشْكَلُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَنَسَبُوا الْكُفْرَ إِلَيْهِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ أَتَى بِالْمُضَارِعِ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ وَلَا مَحْظُورَ لَدَيْهِ، وَقِيلَ: كَانَ هَذَا الرَّجُلُ فِي زَمَانِ فَتْرَةٍ حِينَ يَنْفَعُ مُجَرَّدُ التَّوْحِيدِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَا تَكْلِيفَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَكْلِيفٌ، وَالتَّوْحِيدُ مُتَحَقِّقٌ فَلَا مَعْنَى لِلْخَوْفِ، مَعَ أَنَّ كَلَامَ الطِّيبِيِّ لَيْسَ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، فَإِنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا تَكْلِيفَ فِيهِ بِتَوْحِيدٍ وَغَيْرِهِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ (فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا) أَيْ أَهْلُهُ أَوْ بَنُوهُ (مَا أَمَرَهُمْ) مِنَ التَّحْرِيقِ وَالتَّذْرِيَةِ (فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ) أَيْ: مِنْ أَجْزَاءِ الرَّجُلِ ; إِظْهَارًا لِلْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ وَالْقُوَّةِ الشَّامِلَةِ (ثُمَّ قَالَ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا) أَيْ: مَا ذَكَرَ مِنَ الْوَصِيَّةِ (قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ) قِيلَ: إِنَّمَا وَصَّى بِذَلِكَ تَحْقِيرًا لِنَفْسِهِ وَعُقُوبَةً لَهَا بِعِصْيَانِهَا رَجَاءَ أَنْ يَرْحَمَهُ اللَّهُ فَيَغْفِرَ لَهُ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ قَوْلَهُ: (لَئِنْ قَدَرَ) بِمَعْنَى ضَيَّقَ ; فَانْدَفَعَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَنَّ تَحْقِيرَ النَّفْسِ لَا يُبِيحُ مِثْلَ ذَلِكَ (فَغَفَرَ لَهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ وَجَدَهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفْعَلْ بِهِ مَا فُعِلَ ; فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ، وَرَفَعَ عَنْهُ أَعْبَاءَ ذَنْبِهِ ; لَعَذَّبَهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، أَوْ لَئِنْ ضَيَّقَ عَلَيْهِ وَنَاقَشَهُ فِي الْحِسَابِ لَعَذَّبَهُ أَشَدَّ الْعَذَابِ، وَفِيهِ مَعَ بُعْدِهِ عَنِ السِّبَاقِ وَاللِّحَاقِ، وَعَلَى تَسْلِيمٍ أَنَّهُ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ كَلَامِ الرَّجُلِ يَأْبَاهُ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَوَاللَّهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: الْمُرَادُ لَئِنْ بَعَثَنِي، وَإِنْ هُنَا بِمَعْنَى إِذَا، أَوْ إِنْ عَلَى حَدِّ ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] فَمَرْدُودٌ بِأَنَّ اللَّامَ الْمُوطِئَةَ لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى الشَّرْطِ وَالْجَوَابِ لِلْقَسَمِ، وَيَسُدُّ مَسَدَّ الشَّرْطِ مَعَ عَدَمِ مُلَاءَمَةِ الْمَعْنَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكَلَامِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ فَتَدَبَّرْ يَظْهَرْ، ثُمَّ أَغْرَبَ بِقَوْلِهِ وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَجْوِبَةِ عِنْدِي، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ مُسْلِمٍ " فَلَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ " أَيْ: أَغِيبُ عَنْهُ، قِيلَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَعَمُّدِهِ لِحَقِيقَةِ مَدْلُولِ قَوْلِهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ. اهـ، وَيُرَدُّ بِمَنْعِ دَلَالَتِهِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الدَّهِشَ يَتَخَيَّلُ غَيْرَ الْوَاقِعِ كَثِيرًا. اهـ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ سَنَدًا لِلْمَنْعِ ; بَلْ دَلِيلٌ عَلَى تَحَقُّقِهِ، وَدَلَالَتُهُ وَغَايَتُهُ أَنَّهُ قَدْ يُعْتَبَرُ عُذْرًا فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لَا مَنْعًا، فَإِنْ قُلْتَ تُعَارِضُ رِوَايَةُ " لَئِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ " رِوَايَةَ " وَأَنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُعَذِّبَنِي " قُلْتُ: هَذِهِ لَا تُقَاوِمُ تِلْكَ وَبِفَرْضِ صِحَّتِهَا فَيُجْمَعُ عَلَى قَضِيَّتَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَوْصَى مَرَّتَيْنِ مَرَّةً كَانَ فِيهَا ثَابِتَ الْعَقْلِ، وَأُخْرَى مَدْهُوشَ الْعَقْلِ مَذْهُوبَ الْقَلْبِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3390

٢٣٧٠ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: «قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ ; فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحَلَّبَ ثَدْيُهَا تَسْعَى إِذْ وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ، أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ فَقُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٣٧٠ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ) هُوَ: مَا يُسْبَى مِنَ الْعَدُوِّ مِنَ الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ (فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحَلَّبَ) مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ أَيْ: مَالَ (ثَدْيُهَا) أَيْ: يَبُسَ ثَدْيُهَا

стр. 3391

لِكَثْرَتِهِ لِعَدَمِ وَلَدِهَا مَعَهَا (تَسْعَى) أَيْ: تَعْدُو فِي طَلَبِ الْوَلَدِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ فَقَالَ: أَيْ تَسْعَى بِمَا تُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ، وَرُوِيَ تَسْقِي أَيْ: تُرْضِعُ الْوَلَدَ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ: بِسَقْيٍ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَتَنْوِينِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَلِلْبَاقِينَ تَسْعَى بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ السَّعْيِ، قَالَ شَارِحٌ: أَيْ تَعْدُو، وَرُوِيَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ تَبْتَغِي أَيْ: تَطْلُبُ وَلَدَهَا، وَأَمَا تَسْقِي عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ لِلْمَصَابِيحِ وَالْبُخَارِيِّ أَيْضًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، قُلْتُ: نِسْبَتُهُ إِلَى الْبُخَارِيِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْعَسْقَلَانِيِّ مِنْ أَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ مُنْحَصِرَةٌ فِي الصِّيغَتَيْنِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ قَالَ الْقَاضِي: الصَّوَابُ مَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ تَسْقِي بِالْقَافِ مِنَ السَّقْيِ، أَقُولُ: قَوْلُهُ: وَفِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ تَسْقِي، كَمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ إِنْ كَانَ رَدًّا لِلرِّوَايَةِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ مِنْ حَيْثُ الدِّرَايَةُ فَغَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّ (تَسْقِي) إِذَا جُعِلَ حَالًا مُقَدَّرَةً مِنْ ضَمِيرِ الْمَرْأَةِ بِمَعْنَى قَدْ تَحَلَّبَ ثَدْيُهَا مُقَدِّرَةً السَّقْيَ فَأَيُّ بُعْدٍ فِيهِ. اهـ كَلَامُهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الْقَاضِي: الصَّوَابُ مَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ تَسْقِي بِالْقَافِ مِنَ السَّقْيِ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ بِقَوْلِهِ: الصَّوَابُ مَا فِي الْبُخَارِيِّ تَسْقِي بِالسِّينِ مِنَ السَّقْيِ هُوَ رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ لِيُطَابِقَ نَقْلَ الْعَسْقَلَانِيِّ، وَقَوْلُهُمَا مِنَ السَّقْيِ بِالْقَافِ احْتِرَازٌ مِنَ السَّعْيِ بِالْعَيْنِ وَلَا دَلَالَةَ فِي كَلَامِهِمَا عَلَى أَنَّهُ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ الْمَدْخُولِ عَلَيْهِ حَرْفُ الْجَرِّ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ ; فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِهِمَا عَلَى الْأَوَّلِ جَمْعًا بَيْنَ النُّقُولِ، وَأَمَّا الشَّارِحُ الَّذِي زَيَّفَ مَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَكِتَابِ الْبُخَارِيِّ فَهُوَ تَسْقِي بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ مِنَ السَّقْيِ بِالْقَافِ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ، فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ زَلَلٍ، وَانْدَفَعَ بِهِ كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ، وَعَجِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْجَسَارَةِ عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ وَرَدِّهَا بِمُجَرَّدِ مُخَيَّلٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ (إِذْ وَجَدَتْ) أَيْ: فَاجَأَتْ (صَبِيًّا فِي السَّبْيِ) أَيْ: فِي جُمْلَةِ صِبْيَانِ السَّبْيِ (أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا، وَأَرْضَعَتْهُ) أَيْ: مَحَبَّةً لِوَلَدِهَا وَرَحْمَةً وَشَفَقَةً عَلَى وَلَدِ غَيْرِهَا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَتُرَوْنَ) بِضَمِّ التَّاءِ أَيْ: أَتَظُنُّونَ (هَذِهِ) أَيِ: الْمَرْأَةَ مَعَ مَا عِنْدَهَا مِنْ عِظَمِ الرَّحْمَةِ حَتَّى عَلَى أَوْلَادِ غَيْرِهَا (طَارِحَةً) أَيْ: مُلْقِيَةً (وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ فَقُلْنَا: لَا) أَيْ: لَا نَظُنُّ أَنَّهَا طَارِحَةٌ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ: لَا تَطْرَحُهُ (وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ) الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَفَائِدَةُ هَذَا الْحَالِ أَنَّهَا إِنِ اضْطُرَّتْ يُمْكِنُ طَرْحُهَا، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الِاضْطِرَارِ فَلَا يَطْرَحُ عَبْدَهُ فِي النَّارِ أَلْبَتَّةَ (فَقَالَ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ) أَيِ: الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ مُطْلَقًا (مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا) وَهُنَا يُفْتَحُ بَابُ الْقَدَرِ وَالْقَضَاءِ، وَيَمُوجُ بَحْرُ السِّرِّ الْإِلَهِيِّ الَّذِي يَضِيقُ فِيهِ الْقَضَاءُ فَالتَّسْلِيمُ فِيهِ أَسْلَمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلِابْنِ حَجَرٍ هُنَا اعْتِرَاضٌ وَكَلَامٌ مِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ فِي الْمَقَامِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3392

٢٣٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا، وَرُوحُوا بِشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٣٧١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَنْ يُنْجِيَ) أَيْ: مِنَ النَّارِ وَلَنْ لِمُجَرَّدِ النَّفْيِ، وَقِيلَ لِتَوْكِيدِهِ، وَمَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهَا لِتَأْبِيدِهِ، وَالْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ هُنَا (أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ) يَعْنِي بَلْ فَضْلُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ ; فَإِنَّ لَهُ تَعَالَى أَنْ يُعَذِّبَ الطَّائِعَ وَيُثِيبَ الْعَاصِيَ، وَأَيْضًا فَالْعَمَلُ وَإِنْ بَلَغَ مَا بَلَغَ لَا يَخْلُو عَنْ نَوْعٍ مِنَ التَّقْصِيرِ الْمُقْتَضِي لِرَدِّهِ لَوْلَا تَفَضُّلُ اللَّهِ بِقَبُولِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَوْهِينَ أَمْرِ الْعَمَلِ وَنَفْيَهُ، بَلْ تَوْقِيفَ الْعِبَادِ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ كَيْلَا يَتَكَلَّمُوا عَلَى أَعْمَالِهِمُ اغْتِرَارًا بِهَا، وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: يَعْنِي أَنَّ النَّجَاةَ وَالْفَوْزَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَالْعَمَلُ فِيهَا غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهِمَا إِيجَابًا، وَالْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ وَالْمُرَادُ مَعْشَرُ بَنِي آدَمَ، أَوِ الْمُكَلَّفِينَ تَغْلِيبًا (قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ وَلَا إِيَّاكَ، أَيْ لِلْعَطْفِ عَلَى (أَحَدًا) فَعَدَلَ إِلَى الْجُمْلَةِ الْإِسْمِيَّةِ أَيْ مِنَ الْفِعْلِيَّةِ الْمُقَدَّرَةِ مُبَالَغَةً، أَيْ: وَلَا أَنْتَ مِمَّنْ يُنْجِيهِ عَمَلُهُ: اسْتِبْعَادٌ عَنْ هَذِهِ النِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ فَهِمُوا قَوْلَهُ ﷺ : لَنْ يُنْجِيَ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا التَّثْبِيتَ فِيمَا فَهِمُوهُ وَحَيْثُ يَتَأَيَّدُ بِهِ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ، وَأَنَّ خِطَابَ الْأُمَّةِ يَشْمَلُهُ، وَهُمَا مَسْئَلَتَانِ مَذْكُورَتَانِ فِي الْأُصُولِ (قَالَ وَلَا أَنَا) مُطَابِقُ وَلَا أَنْتَ، أَيْ: وَلَا أَنَا مِمَّنْ يُنْجِيهِ عَمَلُهُ (إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ) أَيْ: يَسْتُرَنِي (مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ) وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ أَيْ: إِلَّا أَنْ يُلْبِسَنِي لِبَاسَ رَحْمَتِهِ فَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ

стр. 3393

وَالتَّغَمُّدُ السَّتْرُ أَيْ: يَسْتُرُنِي بِرَحْمَتِهِ وَيَحْفَظُنِي كَمَا يُحْفَظُ السَّيْفُ بِالْغِمْدِ بِكَسْرِ الْغَيْنِ، وَهُوَ الْغِلَافُ، وَيَجْعَلُ رَحْمَتَهُ مُحِيطَةً بِي إِحَاطَةَ الْغِلَافِ لِلسَّيْفِ، وَحَاصِلُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَمَلَ الْمُجَرَّدَ لَا يَنْفَعُ وَإِنَّمَا يُفِيدُ إِذَا كَانَ مَقْرُونًا بِالْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ النَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ وَالْفَوْزُ بِالثَّوَابِ لِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَالْعَمَلُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ يُعِدُّ الْعَامِلَ لِأَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ وَيُقَرِّبَ الرَّحْمَةَ إِلَيْهِ، وَلِذَا قَالَ: (فَسَدِّدُوا) أَيْ: بَالِغُوا فِي التَّسْدِيدِ وَإِصَابَةِ الصَّوَابِ، وَفِعْلِ السَّدَادِ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] أَيْ: صَوَابًا وَعَدْلًا (وَقَارِبُوا) أَيْ: حَافِظُوا الْقَصْدَ فِي الْأُمُورِ بِلَا غُلُوٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ، أَوْ تَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ بِكَثْرَةِ الْقُرُبَاتِ ; لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ لَكُمُ الْمَلَالَةُ فِي الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ (وَاغْدُوا وَرُوحُوا) أَيِ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَاذْكُرُوهُ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ) بِضَمِّ الدَّالِ وَسُكُونِ اللَّامِ كَذَا فِي النُّسَخِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الدُّلْجَةُ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ: سَيْرُ اللَّيْلِ: وَفِي الْقَامُوسِ: الدُّلْجَةُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ: السَّيْرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَقَدْ أَدْلَجُوا فَإِنْ سَارُوا مِنْ آخِرِهِ فَادَّلَجُوا بِالتَّشْدِيدِ، وَشَيْءٌ مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مُقَدَّرٌ أَيِ: اعْمَلُوا فِيهِ، أَوْ مَطْلُوبٌ عَمَلُكُمْ فِيهِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ وَلْيَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَجْرُورٌ لِعَطْفِهِ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيِ: اعْمَلُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: (شَيْئًا) مَنْصُوبٌ لِمَحْذُوفٍ أَيِ: افْعَلُوا. اهـ. لَكِنْ يُسَاعِدُهُ رَسْمُ الْكِتَابِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ هَذِهِ الْأَوْقَاتَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَوَجُّهٌ إِلَى مَقْصِدٍ وَسَعْيٌ لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ بِالسُّلُوكِ وَالسَّيْرِ وَقَطْعِ الْمَسَافَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ (وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ) أَيِ: الْزَمُوا التَّوَسُّطَ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ، وَقِيلَ: أَيِ الْزَمُوا الْقَصْدَ فِي الْعَمَلِ، وَهُوَ اسْتِقَامَةُ الطَّرِيقِ، وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا غُلُوَّ وَلَا تَقْصِيرَ (يَبْلُغُوا) أَيِ: الْمَنْزِلَ مَجْزُومٌ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: بَيَّنَ أَوَّلًا أَنَّ الْعَمَلَ لَا يُنْجِي إِيجَابًا لِئَلَّا يَتَّكِلُوا عَلَيْهِ، وَحَثَّ آخِرًا عَلَى الْعَمَلِ لِئَلَّا يُفَرِّطُوا فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ ; بَلِ الْعَمَلُ أَدْنَى إِلَى النَّجَاةِ فَكَأَنَّهُ مُعِدٌّ وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3394

٢٣٧٢ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَا يُدْخِلُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ وَلَا يُجِيرُهُ مِنَ النَّارِ، وَلَا أَنَا إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٣٧٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُدْخِلُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ) فَاعِلُهُ (الْجَنَّةَ، وَلَا يُجِيرُهُ) أَيْ: لَا يُخَلِّصُهُ وَلَا يُنَجِّيهِ (مِنَ النَّارِ وَلَا أَنَا) أَيْ: إِيَّايَ (إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ) أَيْ: إِلَّا عَمَلًا مَقْرُونًا بِرَحْمَتِهِ ; فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، فَدُخُولُ الْجَنَّةِ بِمَحْضِ الْفَضْلِ، وَدَرَجَاتُهَا عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِ أَصْحَابِهَا بِمُقْتَضَى الْعَدْلِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3395

٢٣٧٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ; يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ الْقِصَاصِ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٣٧٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ) أَيْ: بِالْإِخْلَاصِ فِيهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مُنَافِقًا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ اسْتَقَامَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَدَّى حَقَّهُ وَأَخْلَصَ فِي عَمَلِهِ ; لِإِيهَامِهِ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِسْلَامِ الصَّحِيحِ لَا يُكَفِّرُ فَإِنَّهُ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا قَوْلُهُ (يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَّفَهَا) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: قَدَّمَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْقُرْبُ وَالتَّقَدُّمُ (وَكَانَ بَعْدُ) بِضَمِّ الدَّالِ أَيْ: بَعْدَ الْإِسْلَامِ، أَوْ بَعْدَ التَّكْفِيرِ بِهِ (الْقِصَاصُ) بِالرَّفْعِ أَيِ: الْمُجَازَاةُ عَلَى الْأَعْمَالِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْدَ إِسْلَامِهِ، أَوِ اتِّبَاعُ كُلِّ عَمَلِهِ بِمِثْلِهِ، وَاخْتِصَاصُ الْحَسَنَةِ بِالزِّيَادَةِ مِنْ فَضْلِهِ، وَأُخِذَ الْقِصَاصُ مِنَ الْقَصَصِ الَّذِي هُوَ تَتَبُّعُ الْأَثَرِ، وَهُوَ رُجُوعُ الرَّجُلِ مِنْ حَيْثُ جَاءَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] وَسُمِّيَ الْقَوَدُ قصَاصًا لِمُجَازَاةِ الْجَانِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِإِضَافَةِ (بَعْدُ) إِلَى الْقِصَاصِ وَسَيَأْتِي وَجْهُهُ (الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا)

стр. 3396

الْجُمْلَةُ بَيَانٌ وَتَفْسِيرٌ لِلْقِصَاصِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَالْحَسَنَةُ) بِوَاوِ الْعَطْفِ يَعْنِي: وَكَانَتِ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَخْ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً فِي الْكُفْرِ ثُمَّ أَسْلَمَ يُعْطَى لِكُلِّ حَسَنَةٍ ثَوَابَ حَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ. اهـ. وَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ وَبُرْهَانٍ لِأَنَّ الْكَافِرَ حَالَ كُفْرِهِ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ حَسَنَةٌ إِلَّا صُورَةً (إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) أَيْ: تَنْتَهِي إِلَى ذَلِكَ وَتَمْتَدُّ (إِلَى أَضْعَافٍ) أَيْ: أَمْثَالٍ (كَثِيرَةٍ) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً (وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا) عَدْلًا وَرَحْمَةً ; وَلَوْ بِالْحَرَمِ خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ (إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا) أَيْ: بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، أَوْ بِالْعَفْوِ عَنِ الْجَرِيمَةِ، قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ ﵀: فِي بَعْضِ النُّسَخِ (بَعْدُ) بِالْبِنَاءِ، وَالْقِصَاصُ بِالرَّفْعِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْإِضَافَةِ، وَفِي بَعْضِهَا وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَاوُ الْعَطْفِ وَفِي بَعْضِهَا بِدُونِهَا، فَمَعْنَى الْأَوَّلِ مَعَ الْعَطْفِ وَكَانَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَيْ: يَثْبُتُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ الْقِصَاصُ إِنْ جَنَى عَلَى أَحَدٍ، أَوْ كَانَ بَعْدُ الْقِصَاصُ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ حَقٌّ مَالِيٌّ، وَيُثْبِتُ لَهُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا، وَمَعْنَاهُ بِدُونِ الْعَطْفِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْحَسَنَةَ إِلَخْ يَكُونُ بَيَانًا لِلْقِصَاصِ، أَيِ: الْمُجَازَاةِ وَالتَّتَبُّعِ الَّذِي يُفْعَلُ مَعَهُ فِي حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ، وَمَعْنَى الثَّانِي مَعَ الْعَطْفِ: وَكَانَ أَيِ الْمَذْكُورُ مِنْ تَكْفِيرِ اللَّهِ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا بَعْدَ الْقِصَاصِ أَيِ: الْإِسْلَامِ، وَعَقِيبَهُ دُونَ التَّمَهُّلِ وَالتَّرَاخِي إِلَى ظُهُورِ حَسَنٍ، وَكَانَ لَهُ أَيْضًا عَقِيبَ إِسْلَامِهِ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ; فَالْحَسَنَةُ عَلَى هَذَا عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي كَانَ، وَجَازَ بِدُونِ تَوْكِيدِهِ بِمُنْفَصِلٍ لِلْفَصْلِ بِالظَّرْفِ، وَمَعْنَاهُ بِدُونِ الْعَاطِفِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ فَاعِلُ (كَانَ) وَالْقِصَاصُ بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ كَمَا مَرَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقَوَدُ أَيْضًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3397

٢٣٧٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِنِ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٣٧٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) أَيْ: أَثْبَتَهَا فِي سَابِقِ عِلْمِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِكَتْبِهِمَا فِي اللَّوْحِ أَوْ بَيَّنَهُمَا وَعَيَّنَهُمَا فِي كِتَابِهِ، أَوْ قَضَاهُمَا وَقَدَّرَهُمَا أَوْ أَمَرَ الْحَفَظَةَ بِكِتَابَتِهِمَا لِيُوَازِنَهُمَا، أَوْ صُحُفُهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنَاتِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ، وَبِالسَّيِّئَاتِ مَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْعِقَابَ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَرْبَعِينَ " ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ " أَيْ: مِقْدَارَهُمَا، وَعَيَّنَ مَبْلَغَهُمَا لِلسَّفَرَةِ الْكِرَامِ بِأَنَّ بَعْضَهَا يُجَازَى بِعَشْرٍ أَوْ سَبْعِينَ أَوْ سَبْعِمِائَةٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ بَيَّنَهُ فِي التَّنْزِيلِ، أَوْ فَصَّلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ الْإِجْمَالَ بِمَا بَعْدَهُ فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْكُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَذِكْرُ اسْمِ الْإِشَارَةِ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ (فَمَنْ هَمَّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ لِلتَّفْصِيلِ لِأَنَّ قَوْلَهُ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ مُجْمَلٌ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ كَيْفِيَّةَ الْكِتَابَةِ أَيْ: فَمَنْ قَصَدَ (بِحَسَنَةٍ) وَصَمَّمَ عَلَى فِعْلِهَا (فَلَمْ يَعْمَلْهَا) أَيْ: لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ عَمَلُهَا لِعُذْرٍ (كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً) مَفْعُولٌ ثَانٍ بِاعْتِبَارِ تَضْمِينِ مَعْنَى التَّصْبِيرِ، أَوْ حَالٍ مُوطِئَةٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالنِّيَّةِ وَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ ; فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى النِّيَّةِ بِدُونِ الْعَمَلِ وَلَا يُثَابُ عَلَى الْعَمَلِ بِدُونِ النِّيَّةِ، لَكِنْ لَا يُضَاعَفُ ثَوَابُ الْحَسَنَةِ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ (فَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا) بِأَنْ جَمْعَ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ (كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ) أَيْ: لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ تَفَضُّلًا وَإِحْسَانًا، وَهَذِهِ الْمَرَاتِبُ بِحَسَبِ التَّفَاوُتِ فِي الْعَمَلِ إِخْلَاصًا وَمُرَاعَاةً بِشَرَائِطِهِ وَآدَابِهِ، قَالَ السَّيِّدُ: إِنَّ هَذَا التَّضْعِيفَ لَا يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ هُوَ وَمَا هُوَ، وَإِنَّمَا أَبْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُبْهَمِ مِنْ بَابِ التَّرْغِيبِ أَقْوَى مِنْ ذِكْرِ الْمَحْدُودِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) (وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً) جُوزِيَ بِحَسَنَةٍ كَامِلَةٍ لِأَنَّهُ مِمَّنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَهَا بَعْدَ أَنْ هَمَّ بِهَا مُرَاقَبَةً لِلَّهِ وَحَذَرًا مِنْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، لَا إِنْ هَمَّ فَلَمْ يَعْمَلْ لِلْعَجْزِ (فَإِنْ هُوَ) أَيِ: الشَّأْنُ أَوْ مُرِيدُ الْعَمَلِ (هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا) أَيْ: جَمَعَ بَيْنَ الْقَصْدِ وَالْعَمَلِ احْتِرَازًا مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَلَيْسَ لَفْظُ (هُوَ) فِي الْأَرْبَعِينَ بَلْ لَفْظُهُ (وَإِنْ)

стр. 3398

هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا (كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ رَحْمَتَهُ أَكْثَرُ مِنْ غَضَبِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا مُؤَاخَذَةَ بَالْهَمِّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ الْمُؤَاخَذَةَ بِهِ، وَالْكَلَامُ كَمَا عَلِمْتَ مِنَ الْحَدِيثِ فِي الْهَمِّ الَّذِي لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ تَصْمِيمٌ، أَمَّا الْمُنْضَمُّ إِلَيْهِ ذَلِكَ فَهُوَ سَيِّئَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ أَيْضًا. اهـ. وَلَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ بَلِ التَّحْقِيقُ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ فِيمَا لَا اخْتِيَارَ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وَلِقَوْلِهِ ﷺ : ( «إِنَّمَا يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» ) وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِالْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ إِلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ لِأَجْلِهِ تَعَالَى فَيَمْحُوَهُ، أَوْ يُبَاشِرَهُ فَيُكْتَبَ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً فَضْلًا مِنْهُ تَعَالَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ: فَانْظُرْ يَا أَخِي - وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ - إِلَى عِظَمِ لُطْفِ اللَّهِ، وَتَأَمُّلْ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ. وَقَوْلُهُ: (عِنْدَهُ) إِشَارَةٌ إِلَى الِاعْتِنَاءِ بِهَا وَقَوْلُهُ: (كَامِلَةً) لِلتَّوْكِيدِ وَشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِهَا، وَقَالَ فِي السَّيِّئَةِ الَّتِي هَمَّ بِهَا ثُمَّ تَرَكَهَا: كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَأَكَّدَهَا بِكَامِلَةٍ، وَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبَهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً فَأَكَّدَ تَقْلِيلَهَا بِوَاحِدَةٍ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

стр. 3399

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ٢٣٧٥ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ قَدْ خَنَقَتْهُ ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ ثُمَّ عَمِلَ أُخْرَى فَانْفَكَّتْ أُخْرَى حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى الْأَرْضِ» " رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. ــ (الْفَصْلُ الثَّانِي) ٢٣٧٥ - (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ، ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ) أَيْ صِفَتَهُ (كَمَثَلِ رَجُلٍ) قُيِّدَ بِهِ لِمُنَاسَبَتِهِ بِالدِّرْعِ (كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ قَدْ خَنَقَتْهُ) أَيْ: عَصَرَتْ حَلْقَهُ، فَإِنَّهُ بِعَمَلِ السَّيِّئَاتِ يَضِيقُ صَدْرُهُ، وَيُحَيِّرُهُ فِي الْأُمُورِ، وَيُبَغِّضُهُ إِلَى النَّاسِ، وَبِعَمَلِ الْحَسَنَاتِ يَنْشَرِحُ صَدْرُهُ، وَتَتَيَسَّرُ أُمُورُهُ، وَيَصِيرُ مَحْبُوبًا فِي قُلُوبِ النَّاسِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً) أَيْ: أَيَّ حَسَنَةٍ كَانَتْ، وَالتَّنْوِينُ لِلتَّنْكِيرِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ أَوْصَلَ نِعْمَةً لِمَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى فَكِّ حِلَقِ تِلْكَ الدِّرْعِ فَجَازَاهُ بِفَكِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فَمُوهِمٌ لِلتَّخْصِيصِصِ، وَمُخْرِجٌ لِلْحَدِيثِ مِنَ التَّمْثِيلِ الْمَعْنَوِيِّ إِلَى الْأَمْرِ الْحِسِّيِّ، وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَمَا قَرَّرْتُهُ فِي عَمَلِ حَسَنَةٍ هُوَ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ تَرْتِيبُ الْحَدِيثِ وَيَتَّضِحُ بِهِ التَّمْثِيلُ، بِخِلَافِ مَا أَوْهَمَ كَلَامُ شَارِحٍ مِنْ بَقَاءِ الْحَسَنَةِ عَلَى مَعْنَاهَا مِنْ مُجَرَّدِ عَمَلِ الْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ عَمَلِهَا وَفَكِّ تِلْكَ الْحَلَقِ فَتَأَمَّلْهُ. اهـ. فَتَأَمَّلْنَا فَوَجَدْنَا كَلَامَهُ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى لِأَنَّ الْإِحْسَانَ إِلَى شَخْصٍ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى بِأَنْ يَفُكَّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ حَلَقَةً مِنْ حِلَقِ الدِّرْعِ مُتَعَسِّرٌ، بَلْ مُتَعَذِّرٌ عَادَةً، وَأَيْضًا الَّذِي لَبِسَ دِرْعًا ضَيِّقَةً تَخَنَّقَتْ يَقْدِرُ عَلَى خَلْعِهَا وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنَّهُ يَفْعَلُ أَنْوَاعًا مِنَ الْإِحْسَانِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَزْمَانِ حَتَّى يُخَلِّصَهُ مِنَ اخْتِنَاقِ دِرْعِهِ (فَانْفَكَّتْ) أَيِ: انْحَلَّتْ (حَلْقَةٌ) بِسُكُونِ اللَّامِ وَيُفْتَحُ (ثُمَّ عَمِلَ أُخْرَى) أَيْ: حَسَنَةً (فَانْفَكَّتْ أُخْرَى) أَيْ: حَلْقَةٌ، وَهَكَذَا تَنْفَكُّ وَاحِدَةٌ بِوَاحِدَةٍ بَعْدَ أُخْرَى (حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى الْأَرْضِ) أَيْ: حَتَّى تُسْقِطَ الدِّرْعَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ حَتَّى تَنْحَلَّ وَتَنْفَكَّ بِالْكُلِّيَّةِ وَيَخْرُجَ صَاحِبُهَا مِنْ ضِيقِهَا، فَقَوْلُهُ: تَخْرُجُ إِلَى الْأَرْضِ كِنَايَةٌ عَنْ سُقُوطِهَا. اهـ. وَالْحَدِيثُ تَمْثِيلٌ وَبَيَانٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ.

стр. 3400

٢٣٧٦ - «وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ الثَّانِيَةَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ، فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَإِنْ، رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٢٣٧٦ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُصُّ) أَيِ: النَّاسَ وَيَعِظُهُمْ (عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ) أَيْ: وَالْحَالُ إِنَّهُ (يَقُولُ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ) أَيْ: مَوْقِفَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ الْعِبَادُ لِلْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ أَيْ: وَلِمَنْ خَافَ مِنَ الْقِيَامِ بِحَضْرَةِ رَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَائِمٌ عَلَيْهِ أَيِ: حَافِظٌ مُهَيْمِنٌ مِنْ قَوْلِهِ ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٣] الْآيَةَ فَهُوَ يُرَاقِبُ ذَلِكَ وَلَا يَجْرُأُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي مَوْقِفَ عَرْضِ الْأَعْمَالِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (جَنَّتَانِ) أَيْ: جَنَّتَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ إِلَى آخِرِ صِفَاتِهِمَا الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ الْمُبَيِّنَةِ أَنَّهُمَا أَعْلَى مِنَ الْجَنَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ بَعْدَهَا مِنَ الْجِنَانِ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ وَمِنْ دُونِهِمَا أَيْ: فِي الْمَرْتَبَةِ وَالنَّعِيمِ وَالشَّرَفِ وَذَلِكَ لِأَنَّ خَوْفَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى دَوَامِ مُرَاقَبَةِ الْحَقِّ وَإِدْمَانِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُوصِلَةِ لَهُ إِلَى مَقَامَيْنِ عَالِيَيْنِ، قِيلَ: جَنَّةٌ لِعَمَلِ الطَّاعَةِ وَجَنَّةٌ لِتَرْكِ السَّيِّئَةِ، وَقِيلَ: جَنَّةٌ لِلثَّوَابِ بِطَرِيقِ الْعَدْلِ، وَجَنَّةٌ لِلِاقْتِرَابِ بِطَرِيقِ الْفَضْلِ، وَقَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: جَنَّةٌ مُعَجَّلَةٌ فِي الدُّنْيَا بِالْحُضُورِ مَعَ الْمَوْلَى وَجَنَّةٌ مُؤَجَّلَةٌ فِي الْآخِرَةِ بِلِقَاءِ الْمَوْلَى وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ جَنَّةٌ مِنَ الذَّهَبِ آنِيَتُهَا وَقُصُورُهَا وَحُلِيُّهَا وَغَيْرُهَا، وَجَنَّةٌ مِنَ الْفِضَّةِ كَذَلِكَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ جَنَّةٌ لِلسَّابِقِينَ وَجَنَّةٌ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ جَنَّةٌ عَنْ يَمِينِهِمْ وَجَنَّةٌ عَنْ يَسَارِهِمْ (قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) (إِنْ) وَصَلْيَةٌ أَيْ: وَلَوْ زَنَى وَسَرَقَ، الْخَائِفُ لَهُ جَنَّتَانِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَإِنْ سَبَقَ مِنْهُ قَبْلَ هَذَا الْخَوْفِ نَحْوُ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، وَيَصِحُّ عَلَى بُعْدٍ وَإِنْ فَعَلَهَا مَعَ هَذَا الْخَوْفِ وَوَجَّهَ بَعْدَهُ اجْتِمَاعَ هَذَا الْخَوْفِ وَفِعْلَ ذَيْنِكَ وَأَمْثَالِهِمْ. اهـ. وَالثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ الْمُفِيدُ لِلْمُبَالَغَةِ ; فَإِنَّ مَا سَبَقَ مِنَ الْخَوْفِ عَلَى الرُّجُوعِ وَالتَّوْبَةِ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ وَلَا يُسْتَغْرَبُ مِنْهُ (فَقَالَ الثَّانِيَةَ) أَيْ: فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ زِيَادَةٌ فِي التَّأْكِيدِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ، فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ الثَّالِثَةَ: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَإِنَّ، رَغِمَ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ، أَيْ: لَصِقَ بِالتُّرَابِ ذُلًّا وَهَوَانًا (أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ) وَضُبِطَ بِفَتْحِهَا، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ ذَلَّ، وَقِيلَ اضْطَرَبَ، وَقِيلَ غَضِبَ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مِنْ عَلَى عُمُومِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَائِفِ الْمُؤْمِنُ، فَيَكُونُ نَظِيرَ حَدِيثٍ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا ( «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنَّ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ» ) كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: هَذَا يَعْنِي مَنْ خَافَ اللَّهَ فِي مَعْصِيَةٍ فَتَرَكَهَا يُعْطِيهُ اللَّهُ أَجْرَ غَفْرِ تِلْكَ الزَّنْيَةَ وَالسَّرِقَةَ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
следующие страницы →