← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

٢٥١٨ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ: إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ٢٥١٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ» ) عَلَى زِنَةِ عُمَرَ لَكِنَّهُ مَصْرُوفٌ جَمْعُ عُمْرَةٍ (كُلُّهُنَّ) أَيْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ (فِي ذِي الْقَعْدَةِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَيُكْسَرُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْمَرَّةِ أَوِ الْهَيْئَةِ (إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا (عُمْرَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِهِ (مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ) بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ أَحَدُ حُدُودِ الْحَرَمِ عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ (فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ) وَهِيَ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ (فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مِنَ الْجِعْرَانَةِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَهُوَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ أَوْ تِسْعَةِ أَمْيَالٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ (حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ) أَيْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ (فِي ذِي الْقَعْدَةِ) أَيْ كَانَتْ فِيهَا (وَعُمْرَةً) أَيْ مَقْرُونَةً مَعَ حَجَّتِهِ وَهِيَ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ إِحْرَامِهَا كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فَإِنَّهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَفْعَالِهَا، وَحِينَئِذٍ يُرَدُّ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ مِنْ تَدَاخُلِ الْأَفْعَالِ لِلْقَارِنِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِهَا حَقِيقَةً بَلْ حُكْمًا، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ، ثُمَّ قَوْلُ أَنَسٍ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ هَمَّ بِالدُّخُولِ مُحْرِمًا بِهَا، إِلَّا أَنَّهُ ﵊ صُدَّ عَنْهُ وَأُحْصِرَ مِنْهُ، فَفِي الْجُمْلَةِ إِطْلَاقُ الْعُمْرَةِ عَلَيْهَا مَعَ عَدَمِ أَفْعَالِهَا، بِاعْتِبَارِ النِّيَّةِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الْمَثُوبَةُ. ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ بَيْنَ حِدَّةٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَمَكَّةَ، تُسَمَّى الْآنَ بِئْرَ شُمَيْسٍ بِالتَّصْغِيرِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ سِتَّةُ فَرَاسِخَ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ ثَلَاثُ فَرَاسِخَ وَكَذَا كَانَ إِحْرَامُ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَتَأْوِيلُ الشَّافِعِيَّةِ الْقَضَاءَ بِالْقَضِيَّةِ مِنَ الْمُقَاضَاةِ وَالتَّقَاضِي وَهُوَ الصُّلْحُ نَشَأَ مِنَ الْمَادَّةِ التَّعَصُّبِيَّةِ، وَبَحْثُهُ يَطُولُ فَأَعْرَضْنَا عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، مَعَ أَنَّهُ فِي قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مُحْرِمًا، وَأَنَّهُمْ يُمَكِّنُونَهُ مِنْ مَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيْامٍ حَتَّى يَقْضِيَ عُمْرَتَهُ: حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ وَبَيِّنَةٌ بَاهِرَةٌ عَلَيْهِ وَمَنْ مَالَ إِلَيْهِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَمَّا قَدِمَ ﵊ مِنَ الطَّائِفِ، نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ وَقَسَّمَ فِيهَا الْغَنَائِمَ، ثُمَّ اعْتَمَرَ مِنْهَا وَذَلِكَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ شَوَّالٍ» ، فَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمُحَدِّثِينَ مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3607

٢٥١٩ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . ــ ٢٥١٩ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ» ) لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا وَلَمْ يَفْعَلْ أَفْعَالَهَا لِكَوْنِهِ مُحْصَرًا وَالْعُمْرَةُ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ لَمْ تَكُنْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَّا بِاعْتِبَارِ إِحْرَامِهَا، وَأَمَّا أَفْعَالُهَا فَكَانَتْ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَتَأْوِيلُنَا هَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ لِمَا مَرَّ فِيهَا أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ أَنْكَرَهَا لِخَفَائِهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3608

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ٢٥٢٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ لَوْ قُلْتُهَا نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا. وَالْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ» (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) . ــ (الْفَصْلُ الثَّانِي) ٢٥٢٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَيُّهَا النَّاسُ) خِطَابٌ عَامٌّ يَخْرُجُ مِنْهُ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ) أَيْ فَرَضَ (عَلَيْكُمُ الْحَجَّ) أَيْ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ أَفِي كُلِّ عَامٍ) أَيِ أَكُتِبَ فِي كُلِّ عَامٍ (يَا رَسُولَ اللَّهِ) قِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَالثَّانِي طَاعَةٌ مَالِيَّةٌ وَالْحَجُّ مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا (قَالَ لَوْ قُلْتُهَا) أَيْ فِي جَوَابِ كَلِمَةِ الْأَقْرَعِ (نَعَمْ) أَيْ بِالْوَحْيِ أَوِ الِاجْتِهَادِ (لَوَجَبَتْ) أَيِ الْحَجَّةُ فِي كُلِّ عَامٍ (وَلَوْ وَجَبَتْ) أَيْ بِالْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ ابْتِدَاءً أَوْ بِنَاءً عَلَى الْجَوَابِ (لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا) أَيْ لِكَمَالِ الْمَشَقَّةِ فِيهَا (وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا) أَيْ وَلَمْ تُطِيقُوا لَهَا وَلَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا فَهُوَ إِمَّا عَطْفُ تَفْسِيرٍ

стр. 3609

وَالْخِطَابُ إِجْمَالِيٌّ لِلْأُمَّةِ أَوْ لِلْحَاضِرِينَ وَالْبَاقُونَ عَلَى التَّبَعِيَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ فِي رِوَايَةٍ وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا أَيْ كُلُّكُمْ مِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعُ وَإِمَّا عَطْفُ تَغَايُرٍ وَعَدَمُ الِاسْتِطَاعَةِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ الْحَرَمِ، وَهَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ أُرِيدَ بِهَا الْقُدْرَةُ عَلَى الْفِعْلِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هِيَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ لَوْ قُلْتُهَا نَعَمْ إِنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ لِمَا عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ وَهُوَ حَجَّةٌ كُلَّ عَامٍ فَلَا طَائِلَ تَحْتَهُ، لَا بِحَسَبِ الْمَبْنَى وَلَا بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى (الْحَجُّ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ وَالْحَجُّ (مَرَّةٌ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ وُجُوبُهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ (وَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ) أَيْ وَمَنْ زَادَ عَلَى مَرَّةٍ فَحَجَّتُهُ أَوْ فَزِيَادَتُهُ تَطَوُّعٌ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا الْحَجُّ فَرْضُ كِفَايَةٍ بَعْدَ أَدَاءِ فَرْضِ الْعَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فِي الشَّرْعِ، نَعَمْ يُنْدَبُ لِلْقَادِرِ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْحَجَّ فِي كُلِّ خَمْسِ سِنِينَ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ أَنَّهُ ﵊ " «قَالَ إِنَّ عَبْدًا صَحَّحْتُ لَهُ جِسْمَهُ وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِي الْمَعِيشَةِ يَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لَا يَفِدُ إِلَيَّ فَهُوَ مَحْرُومٌ» " وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ بِوُجُوبِهِ فِي كُلِّ خَمْسِ سِنِينَ وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا زَعْمُ وُجُوبِهِ كُلَّ سَنَةٍ عَلَى مَا نَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ فَمِنَ الْمُحَالِ إِمْكَانُهُ لِأَنَّهُ فِي حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ عَلَى هَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) أَيْ فِي مُسْنَدِهِ (وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَقَالَ الشُّمُنِّيُّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 3610

٢٥٢١ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] » (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ وَالْحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ) . ــ ٢٥٢١ - (وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً» ) أَيْ وَلَوْ بِالْإِجَارَةِ (تُبَلِّغُهُ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِهَا أَيْ تَوَصِّلُهُ، وَالضَّمِيرُ الْمُؤَنَّثُ لِلرَّاحِلَةِ وَتَقْيِيدُهَا يُغْنِي عَنْ تَقْيِيدِ الزَّادِ أَوِ الْمَجْمُوعِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الِاسْتِطَاعَةِ (إِلَى بَيْتِ اللَّهِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الْمَوَاقِفِ الْعِظَامِ، وَتَرَكَ ذِكْرَ نَفَقَةِ الْعُودِ لِلظُّهُورِ أَوْ لِعَدَمِ لُزُومِ الرُّجُوعِ (وَلَمْ يَحُجَّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَكَسْرُهَا وَكَأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَمْ تَكُنْ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ فَقَدَّرَ ثُمَّ تَرَكَ الْمَجِيءَ إِلَيْهِ لِلْحَجِّ (فَلَا عَلَيْهِ) أَيْ فَلَا بَأْسَ وَلَا مُبَالَاةَ وَلَا تَفَاوُتَ عَلَيْهِ (أَنْ يَمُوتَ) أَيْ فِي أَنْ يَمُوتَ أَوْ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ (يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا) فِي الْكُفْرِ إِنِ اعْتَقَدَ عَدَمَ الْوُجُوبِ وَفِي الْعِصْيَانِ إِنِ اعْتَقَدَ الْوُجُوبَ، وَقِيلَ هَذَا مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ الشَّدِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْوَعِيدِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا خَصَّ الطَّائِفَتَيْنِ بِالذِّكْرِ لِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِمَا بِالْحَجِّ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَاصَّةً اهـ. وَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ ظَاهِرَةٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ وَجْهَ التَّخْصِيصِ كَوْنُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ عَامِلَيْنِ بِهِ فَشُبِّهَ بِهِمَا مَنْ تَرَكَ الْحَجَّ حَيْثُ لَمْ يَعْمَلْ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ كَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْمَعْنَى أَنَّ وَفَاتَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ: وَوَفَاتَهُ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ سَوَاءٌ، وَالْمَقْصُودُ التَّغْلِيظُ فِي الْوَعِيدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " وَمَنْ كَفَرَ " اهـ. يَعْنِي حَيْثُ إِنَّهُ وَقَعَ مَوْضِعَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ حَيْثُ عَدَلَ عَنْ (عَنْهُ) إِلَى عَنِ الْعَالَمِينَ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ: غَنِيٌّ عَنْهُ وَعَنْهُمْ وَعَنْ عِبَادَتِهِمْ، وَإِنَّمَا هُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ إِيجَادًا وَإِمْدَادًا وَنَفْعُ الطَّاعَةِ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ وَالْقِيَامُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ. هَذَا وَقَدْ قَدَّرَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ فَلَا تَفَاوُتَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ الْحَجِّ، وَأَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَيْ كَافِرًا لِاسْتِوَاءِ هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ حَقِيقَةً: إِنْ تَرَكَ الْحَجَّ مَعَ الْقُدْرَةِ مُسْتَحِلًّا لِعَدَمِ وُجُوبِهِ وَجَعَلَهُ عَلَى وِزَانِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] فِي التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ الْأَكِيدِ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ صِحَّتِهِ، وَتَقْرِيرُهُ مَعَ التَّكَلُّفِ فِي تَقْدِيرِهِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي تَحْرِيرِهِ، وَلَمْ يُفِدْ فَائِدَةً فِي تَعْبِيرِهِ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَبْلَغُ فِي مَقَامِ تَحْذِيرِهِ، وَأَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ مَا فِي ضَمِيرِهِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَى الْحَجِّ الْمُوجِبِ لِتَكْفِيرِهِ بَعْدَ تَكْفِيرِهِ، ثُمَّ فِي رِوَايَةٍ: فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، يُبْطِلُ تَقْدِيرَ ابْنِ حَجَرٍ فَتَدَبَّرْ فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّقْدِيرِ إِذَا كَانَ الْكَلَامُ صَحِيحًا بِدُونِ التَّغْيِيرِ، (وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ شَرْطِ الزَّادِ

стр. 3611

وَالرَّاحِلَةِ وَالْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ لِأَنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ) أَيْ تَكَاثَرَ خَيْرُهُ وَبِرُّهُ عَلَى بَرِيَّتِهِ (وَتَعَالَى) عَظَمَتُهُ وَغِنَاهُ عَلَى خَلِيقَتِهِ (يَقُولُ) أَيْ فِي كِتَابِهِ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٧] أَيْ وَاجِبٌ ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَيُبْدَلُ مِنَ النَّاسِ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] أَيْ طَرِيقًا وَفَسَّرَهُ ﷺ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ. كَذَا فِي الْجَلَالَيْنِ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا وَاقْتَصَرَ الرَّاوِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ بِتَمَامِهَا، لِأَنَّ تَمَامَ الِاسْتِدْلَالِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَمَامِهَا وَكَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الطِّيبِيُّ وَبَيَّنَ وَجْهَهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ) قِيلَ: قَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي أَمُامَةَ، وَالْحَدِيثُ إِذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا يَقْوَى عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ) قَالَ الذَّهَبِيُّ قَدْ جَاءَ بِإِسْنَادٍ أَصَحَّ مِنْهُ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَدْ أَخْطَأَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِالْوَضْعِ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَهْلِ الرَّاوِي وَضْعُ الْحَدِيثِ (وَالْحَارِثُ يُضْعَفُ) أَيْ يُنْسَبُ إِلَى الضَّعْفِ (فِي الْحَدِيثِ) قَالَ الْقَاضِي لَا الْتِفَاتَ إِلَى حُكْمِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ بِالْوَضْعِ كَيْفَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَقَدْ قَالَ إِنَّ كُلَّ حَدِيثٍ فِي كِتَابِهِ مَعْمُولٌ بِهِ إِلَّا حَدِيثَيْنِ وَلَيْسَ هَذَا أَحَدَهُمَا، هَذَا فِي رِوَايَةِ مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ الْحَجِّ حَاجَةٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لَكِنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.

стр. 3612

٢٥٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَامِ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . ــ ٢٥٢٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَامِ» ) وَهُوَ بِالصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ هُوَ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ قَطُّ أَيْ: مَنْ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ فَدَلَّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنَّ مَنْ يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَمْ يَحُجَّ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ كَامِلٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالصَّرُورَةِ التَّبَتُّلُ وَتَرْكُ النِّكَاحِ أَيْ: لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ بَلْ هُوَ فِي الرَّهْبَانِيَّةِ، وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنَ الصَّرِّ وَهُوَ الْحَبْسُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا أَنَّ يُقَالَ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ صَرُورَةٌ، فَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ وَذَكَرَهُ بِأَنَّ فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ نَظَرًا إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ.

стр. 3613

٢٥٢٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُعَجِّلْ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) . ــ ٢٥٢٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُعَجِّلْ» ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْحَجِّ فَلْيَغْتَنِمِ الْفُرْصَةَ وَقِيلَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ اهـ. وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا رَوَى ابْنُ شُجَاعٍ عَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ يَجِدُ مَا يَحُجُّ بِهِ وَقَصَدَ التَّزَوُّجَ أَنَّهُ يَحُجُّ بِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي إِلَّا أَنْ يَظُنَّ فَوَاتَهُ لَوْ أَخَّرَهُ لِأَنَّ الْحَجَّ وَقْتُهُ الْعُمْرُ نَظَرًا إِلَى ظَاهِرِ الْحَالِ فِي بَقَاءِ الْإِنْسَانِ، فَكَانَ كَالصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إِلَى آخِرِ الْعُمْرِ كَمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا، إِلَّا أَنَّ جَوَازَ تَأْخِيرِهِ مَشْرُوطٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ بِأَنْ لَا يَفُوتُ يَعْنِي لَوْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَثِمَ، وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَجَّ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ مِنَ السَّنَةِ وَالْمَوْتُ فِيهَا لَيْسَ بِنَادِرٍ، فَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ لِلِاحْتِيَاطِ لَا لِانْقِطَاعِ التَّوَسُّعِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَوْ حَجَّ فِي الْعَامِ الثَّانِي كَانَ مُؤَدِّيًا بِاتِّفَاقِهِمَا، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْعَامِ الثَّانِي كَانَ آثِمًا بِاتِّفَاقِهِمَا، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ تَفْسِيقِ الْمُؤَخِّرِ وَرَدِّ شَهَادَتِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْفَوْرِ وَعَدَمِ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالتَّرَاخِي، كَذَا حَقَّقَهُ الشُّمُنِّيُّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) وَكَذَا الْحَاكِمُ. وَقَدْ وَرَدَ «حُجُّوا قَبْلَ أَنْ لَا تَحُجُّوا» ، أَيْ قَبْلَ أَنْ يَحْدُثَ بَاعِثٌ عَلَى تَرْكِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُ الْحَدِيثِ، «فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى حَبَشِيٍّ أَصْمَعَ أَفْدَعَ بِيَدِهِ مِعْوَلٌ يَهْدِمُهَا حَجَرًا حَجَرًا» ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَالْأَصْمَعُ الصَّغِيرُ الْأُذُنِ وَالْأَفْدَعُ مَنْ فِي يَدِهِ وَرِجْلِهِ زَيْغٌ وَاعْوِجَاجٌ.

стр. 3614

٢٥٢٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةَ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) . ــ ٢٥٢٤ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ» ) أَيْ قَارِبُوا بَيْنَهُمَا إِمَّا بِالْقِرَانِ أَوْ بِفِعْلِ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إِذَا اعْتَمَرْتُمْ فَحُجُّوا، وَإِذَا حَجَجْتُمْ فَاعْتَمِرُوا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: بِحَيْثُ يُسَمَّى مُتَابِعًا لَهُ عُرْفًا، فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لُغَةً وَلَا شَرْعًا (فَإِنَّهُمَا) أَيِ الْحَجَّ وَالِاعْتِمَارَ (يَنْفِيَانِ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي تَجْوِيزِ جَمْعِهِمَا (الْفَقْرَ) أَيْ يُزِيلَانِهِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْفَقْرَ الظَّاهِرَ بِحُصُولِ غِنَى الْيَدِ، وَالْفَقْرَ الْبَاطِنَ بِحُصُولِ غِنَى الْقَلْبِ (وَالذُّنُوبَ) أَيْ يَمْحُوَانِهَا، قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الصَّغَائِرُ وَلَكِنْ يَأْبَاهُ قَوْلُهُ (كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ) وَهُوَ مَا يَنْفُخُ فِيهِ الْحَدَّادُ لِاشْتِعَالِ النَّارِ لِلتَّصْفِيَةِ (خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) أَيْ وَسَخَهَا الْمُشَبَّهَ بِوَسَخِ الْمَعْصِيَةِ، فَيُحْمَلُ عَلَى صُدُورِهِمَا مِنَ التَّائِبِ، أَوْ يُقَالُ: مَحْوُ الذُّنُوبِ عَلَى قَدْرِ الِاشْتِغَالِ فِي إِزَالَةِ الْعُيُوبِ ( «وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةَ» ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) أَيْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِكَمَالِهِ.

стр. 3615

٢٥٢٥ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ إِلَى قَوْلِهِ خَبَثَ الْحَدِيدِ. ــ ٢٥٢٥ - رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ إِلَى قَوْلِهِ: خَبَثَ الْحَدِيدِ) وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُنْذِرِيُّ قَوْلَهُ ﵊ «مَنْ جَاءَ حَاجًّا يُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَشُفِّعَ فِيمَنْ دَعَا لَهُ» ، وَقَوْلَهُ ﵊: «مَنْ قَضَى نُسُكَهُ وَسَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» ، وَقَوْلَهُ ﵊: «إِذَا خَرَجَ الْحَاجُّ مِنْ بَيْتِهِ كَانَ فِي حِرْزِ اللَّهِ، فَإِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ نُسُكَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَإِنْفَاقُ الدِّرْهَمِ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ يَعْدِلُ أَلْفَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِيمَا سِوَاهُ» .

стр. 3616

٢٥٢٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُوجِبُ الْحَجَّ قَالَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) . . ــ ٢٥٢٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُوجِبُ الْحَجَّ» ) أَيْ مَا شَرْطُ وُجُوبِ الْحَجِّ، وَإِلَّا فَالْمُوجَبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى (قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ) يَعْنِي: الْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ وَجَدَهُمَا ذَهَابًا وَإِيَابًا، وَاقْتَصَرَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الشُّرُوطِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْأَهَمُّ الْمُقَدَّمُ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا عَنْ أَحَدٍ فِي كَوْنِهِ شَرْطَ الْوُجُوبِ اهـ. وَالْمُرَادُ بِالرَّاحِلَةِ مَحْمَلٌ أَوْ شِقُّ مَحْمَلٍ أَوْ زَامِلَةٌ، لَا قَدْرُ مَا يُكْتَرَى عُقْبَةً وَيُمْشِي الْبَاقِيَ، وَالْحَدِيثُ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ الْمَكِّيَّ وَغَيْرَهُ خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَهُ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ حَيْثُ أَوْجَبَ الْحَجَّ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ وَعَلَى الْشَحْذَةِ أَوِ الْكَسْبِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَى الْحَاكِمُ «عَنْ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَبَاقِي الْأَحَادِيثِ بِطُرُقِهَا عَمَّنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيَّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَابْنِ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ لَا تَسْلَمُ مِنْ ضَعْفٍ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَدِيثِ طُرُقٌ صَحِيحَةٌ ارْتَفَعَ بِكَثْرَتِهَا إِلَى الْحَسَنِ فَكَيْفَ وَمِنْهَا الصَّحِيحُ اهـ. وَبِهِ بَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَفِي سَنَدِهِ ضَعِيفٌ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ، فَإِنَّهُ حَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ الْحَدِيثَ، وَقَدْ يُحْمَلُ ضِعْفُ الْبَيْهَقِيِّ وَابْنِ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيِّ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فَهُوَ حُسْنٌ لِغَيْرِهِ وَالْحَسَنُ قَدْ يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ أَيْضًا فَارْتَفَعَ النِّزَاعُ.

стр. 3617

٢٥٢٧ - وَعَنْهُ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا الْحَاجُّ. قَالَ: الشَّعِثُ التَّفِلُ فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ قَالَ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ قَالَ: زَادٌ وَرَاحِلَةٌ» (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ) . ــ ٢٥٢٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا الْحَاجُّ» ) أَيِ الْكَامِلُ، وَالْمَعْنَى مَا صِفَةُ الْحَاجِّ الَّذِي يَحُجُّ، أَوْ يَكُونُ مَا بِمَعْنَى مَنْ قَالَ الطِّيبِيُّ يُسْأَلُ بِمَا عَنِ الْجِنْسِ وَعَنِ الْوَصْفِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي بِجَوَابِهِ ﷺ ، (قَالَ: الشَّعِثُ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيِ الْمُغَبَّرُ الرَّأْسِ مِنْ عَدَمِ الْغَسْلِ، مُفَرَّقُ الشَّعْرِ مِنْ عَدَمِ الْمَشْطِ، وَحَاصِلُهُ تَارِكُ الزِّينَةِ، (التَّفِلُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ تَارِكُ الطِّيبِ، فَيُوجَدُ مِنْهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ مِنْ تَفَلَ الشَّيْءَ مِنْ فِيهِ إِذَا رَمَى بِهِ مُتَكَرِّهًا لَهُ، (فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْحَجِّ) أَيْ أَعْمَالِهِ أَوْ خِصَالِهِ بَعْدَ أَرْكَانِهِ، (أَفْضَلُ) أَيْ أَكْثَرُ ثَوَابًا، (قَالَ الْعَجُّ وَالثَّجُّ) بِتَشْدِيدِهِمَا وَالْأَوَّلُ رَفَعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّانِي سَيَلَانُ دِمَاءِ الْهَدْيِ، وَقِيلَ دِمَاءِ الْأَضَاحِي. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ عَنْ نَفْسِ الْحَجِّ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ مَا فِيهِ الْعَجُّ وَالثَّجُّ، وَقِيلَ عَلَى هَذَا يُرَادُ بِهِمَا الِاسْتِيعَابُ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلَهُ الَّذِي هُوَ الْإِحْرَامُ، وَآخِرَهُ الَّذِي هُوَ التَّحَلُّلُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ، اقْتِصَارًا بِالْمَبْدَأِ وَالْمُنْتَهَى عَنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ، أَيِ الَّذِي اسْتَوْعَبَ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ مِنَ الْأَرْكَانِ وَالْمَنْدُوبَاتِ، (فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ) أَيِ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَقَوْلُ ابْنِ مَالِكٍ أَيْ مَا اسْتِطَاعَةُ السَّبِيلِ غَيْرُ صَحِيحٍ، (قَالَ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ) أَيْ بِحَسَبِ مَا يَلِيقَانِ بِكُلِّ أَحَدٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْوَسَطُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِ الْحَاجِّ، (رَوَاهُ) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ، (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيِ الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ مُسْنَدًا، (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ) أَيِ الْحَدِيثَ وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (فِي سُنَنِهِ إِلَّا أَنَّهُ) أَيِ ابْنَ مَاجَهْ لَمْ يَذْكُرِ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ) أَيْ مِنَ الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ الْآخَرُ مِنْ قَوْلِهِ فَقَامَ آخَرُ، وَالْفَصْلُ هُنَا بِمَعْنَى الْفِقْرَةِ فِي الْكَلَامِ فَتَدَبَّرْ.

стр. 3618

٢٥٢٨ - وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ، وَلَا الظَّعْنَ قَالَ: حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) . ــ ٢٥٢٨ - (وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ (الْعَقِيلِيِّ) «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ» ) أَيْ أَفْعَالَهُمَا، (وَلَا الظَّعْنَ) أَيِ الرِّحْلَةَ إِلَيْهِمَا وَهُوَ بِالسُّكُونِ وَالْفَتْحِ السَّفَرُ، وَالْمَعْنَى انْتَهَى بِهِ كِبَرُ السِّنِّ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقْوَى عَلَى السَّيْرِ وَلَا عَلَى الرُّكُوبِ، (قَالَ: حِجَّ) بِالْحَرَكَاتِ فِي الْجِيمِ وَالْفَتْحُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، (عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ) دَلَّ عَلَى جَوَازِ النِّيَابَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعُمْرَةَ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْجَدِيدِ إِنَّهَا فَرْضٌ لِقِرَانِهَا بِالْحَجِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلِمَا رَوَى الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَدِيثَ، وَلَنَا مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ قَالَ لَا وَأَنْ تَعْتَمِرُوا هُوَ أَفْضَلُ» ، وَأُجِيبَ عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّ الْقِرَانَ فِي الذِّكْرِ لَا يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فِي الْحُكْمِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَقِرَانُهَا بِالْحَجِّ فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْإِتْمَامِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الشُّرُوعِ. وَعَنْ حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ بِأَنَّهُ ﵊ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ عَنْ أَبِيهِ وَحَجُّهُ وَاعْتِمَارُهُ عَنْ أَبِيهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ أَبِي رَزِينٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِهَا عَلَى أَبِيهِ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ فِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ لِلِاسْتِحْبَابِ، كَذَا وَذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ النِّيَابَةِ عَنِ الْمَيِّتِ، فَغَيْرُ مُتَوَجِّهٍ، بَلِ الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ دَلَّ عَلَى جَوَازِ النِّيَابَةِ عَنِ الْحَيِّ فَعَنِ الْمَيِّتِ بِالْأَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى.

стр. 3619

٢٥٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ قَالَ: مَنْ شُبْرُمَةُ قَالَ: أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي قَالَ: أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ قَالَ: لَا، قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) . ــ ٢٥٢٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ» ) بِضَمِّ الشِّينِ وَالرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ( «قَالَ مَنْ شُبْرُمَةُ قَالَ أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي» ) شَكَّ الرَّاوِي، (قَالَ أَحَجَجْتَ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، (عَنْ نَفْسِكَ) أَيْ أَوَّلًا، ( «قَالَ لَا. قَالَ حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: دَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّرُورَةَ لَا يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ لِأَنَّ إِحْرَامَهُ عَنْ غَيْرِهِ يَنْقَلِبُ عَنْ نَفْسِهِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ إِلَى أَنَّهُ يَحُجُّ اهـ. إِلَّا أَنَّهُ يُغَيِّرُهُ فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ وَالْعَمَلُ بِالْأَوْلَى، (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ﵀: هَذَا إِسْنَادٌ لَيْسَ فِي الْبَابِ أَصَحُّ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا لَمْ يُجَوِّزِ الشَّافِعِيُّ لِلصَّرُورَةِ، قُلْنَا هَذَا الْحَدِيثُ مُضْطَرِبٌ فِي وَقْفِهِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَفْعِهِ، وَقَدْ بُسِطَ بَسْطًا وَسِيعًا، ثُمَّ قَالَ وَلِأَنَّ ابْنَ الْمُفْلِسِ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ بِالْبَصْرَةِ، فَيَجْعَلُ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ كَانَ بِالْكُوفَةِ يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَذَا يُفِيدُ اشْتِبَاهَ الْحَالِ عَلَى سَعِيدٍ، وَقَدْ عَنْعَنَهُ قَتَادَةُ وَنُسِبَ إِلَيْهِ تَدْلِيسٌ فَلَا تُقْبَلُ عَنْعَنَتُهُ، وَلَوْ سُلِّمَ فَحَاصِلُهُ أَمْرُهُ بِأَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ النَّدْبَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ بِدَلِيلٍ وَهُوَ إِطْلَاقُهُ ﵊ قَوْلَهُ لِلْخَثْعَمِيَّةِ حُجِّي عَنْ أَبِيكِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِخْبَارِهَا عَنْ حَجِّهَا لِنَفْسِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَحَدِيثُ شُبْرُمَةَ يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ تَقْدِيمِ حَجَّةِ نَفْسِهِ، وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الْجَمْعُ وَيَثْبُتُ أَوْلَوِيَّةُ تَقَدُّمِ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ مَعَ جَوَازِهِ اهـ. مُلَخَّصًا لَكِنْ بَقِيَ فِيهِ إِشْكَالٌ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِنَا مِنْ أَنَّ الشَّخْصَ إِذَا تَلَبَّسَ بِإِحْرَامٍ عَنْ غَيْرِهِ: لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِانْتِقَالِ عَنْهُ إِلَى الْإِحْرَامِ عَنْ نَفْسِهِ لِلُّزُومِ الشَّرْعِيِّ بِالشُّرُوعِ، وَعَدَمِ تَجْوِيزِ الِانْقِلَابِ بِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ فِي إِطَاعَةِ الْأَمْرِ سَوَاءً قُلْنَا إِنَّهُ لِلْوُجُوبِ أَوِ الِاسْتِحْبَابِ، فَلَا مُخَلِّصَ عَنْهُ إِلَّا بِتَضْعِيفِ الْحَدِيثِ أَوْ نَسْخِهِ، لِأَنَّ حَدِيثَ الْخَثْعَمِيَّةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَوْ بِتَخْصِيصِ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 3620

٢٥٣٠ - وَعَنْهُ قَالَ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) . ــ ٢٥٣٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، (قَالَ وَقَّتَ) أَيْ عَيَّنَ وَحَدَّ وَبَيَّنَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ) أَيْ لِإِحْرَامِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ مَنْزِلُهُ خَارِجَ الْحَرَمِ مِنْ شَرْقِيَّ مَكَّةَ إِلَى أَقْصَى بِلَادِ الشَّرْقِ وَهُمُ الْعِرَاقِيُّونَ، (الْعَقِيقَ) وَهُوَ مَوْضِعٌ بِحِذَاءِ ذَاتِ الْعِرْقِ مِمَّا وَرَاءَهُ، وَقِيلَ دَاخِلٌ فِي حَدِّ ذَاتِ الْعِرْقِ، وَأَصْلُهُ كُلُّ مَسِيلٍ شَقَّهُ السَّيْلُ فَوَسَّعَهُ مِنَ الْعَقِّ وَهُوَ الْقَطْعُ وَالشَّقُّ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِيهِ ضَعْفًا.

стр. 3621

٢٥٣١ - وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) . ــ ٢٥٣١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ كَأَنَّهُ ﷺ عَيَّنَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ مِيقَاتَيْنِ الْعَقِيقَ وَذَاتَ عِرْقٍ، فَمَنْ أَحْرَمَ مِنَ الْعَقِيقِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى ذَاتِ عِرْقٍ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ جَاوَزَهُ فَأَحْرَمَ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ جَازَ: وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وَكَذَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ أَمَّا تَوْقِيتُ ذَاتِ عِرْقٍ، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَحْسَبُ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، إِلَى أَنْ قَالَ وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ» ، وَفِيهِ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي فِي رَفْعِهِ هَذِهِ الْمَرَّةَ، وَرَوَاهُ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى مَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَمْ يَشُكَّ، وَلَفْظُهُ: «وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّرْقِ ذَاتُ عِرْقٍ» إِلَّا أَنَّ فِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ يَزِيدَ الْخُوزِيَّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» وَزَادَ فِيهِ النَّسَائِيُّ بَقِيَّةً، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ لَمْ يُوَقِّتِ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَهْلُ شَرْقٍ حِينَئِذٍ فَوَقَّتَ النَّاسُ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا كَمَا قَالَ طَاوُسٌ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبُخَارِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ لَمَّا فُتِحَ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ، فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهِيَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِذَا أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا قَالَ انْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ، فَحَدَّ لَهُمْ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ، الْمِصْرَانِ هُمَا الْبَصْرَةُ وَالْكُوفَةُ، وَحَذْوُهَا مَا يَقْرُبُ مِنْهَا قَالَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ مُجْتَهَدٌ فِيهِ: لَا مَنْصُوصَةٌ اهـ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَبْلُغْهُ تَوْقِيتُ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ عِرْقٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْأَحَادِيثُ بِتَوْقِيتِهِ حَسَنَةً، فَقَدْ وَافَقَ اجْتِهَادُهُ تَوْقِيتَهُ ﵊ وَإِلَّا فَهُوَ اجْتِهَادِيٌّ.

стр. 3622

٢٥٣٢ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) . ــ ٢٥٣٢ - (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، (قَالَتْ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ أَهَلَّ» ) أَيْ أَحْرَمَ، (بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، (مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) قِيلَ إِنَّمَا خَصَّ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى لِفَضْلِهِ، وَبِرَغْمِ الْمِلَّةِ الَّتِي مَحَجُّهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ، ( «إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» ) أَيْ مِنَ الصَّغَائِرِ وَيُرْجَى الْكَبَائِرِ، (أَوْ وَجَبَتْ) أَيْ ثَبَتَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) أَيِ ابْتِدَاءً، وَأَوْ لِلشَّكِّ قِيلَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْإِحْرَامِ مَتَى كَانَ أَبْعَدَ كَانَ الثَّوَابُ أَكْثَرَ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ تَقْدِيمَ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمَوَاقِيتِ وَمِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَفْضَلُ عِنْدَنَا، وَالشَّافِعِيُّ ﵀ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ الَّذِي صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ بِأَنْ لَا يَقَعَ فِي مَحْظُورٍ، وَإِلَّا فَالتَّأْخِيرُ إِلَى الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ بِخِلَافِ تَقْدِيمِ الْإِحْرَامِ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ أَنَّهُ يَنْقَلِبُ عُمْرَةً وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ رَوَى الْحَاكِمُ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ مِنَ الْمُسْتَدْرَكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الْمُرِّيِّ قَالَ سُئِلَ عَلِيٌّ ﵁ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَقَالَ أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ، وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ اهـ. وَقَالَ ﵊ مَنْ «أَهَلَّ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِنَحْوِهِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَعِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَابْنَ عَبَّاسٍ مِنَ الشَّامِ، وَابْنَ مَسْعُودٍ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ وَهِيَ قَرِيبُ الْكُوفَةِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ الْمَتْنِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَآخَرُونَ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهُ حَسَنٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الْحَسَنَ لِغَيْرِهِ يُقَالُ فِيهِ إِنَّ إِسْنَادَهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ لَا يَصِحُّ تَقَدُّمُ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمِيقَاتِ فَمَرْدُودٌ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى الصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ.

стр. 3623

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ٢٥٣٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ فَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٥٣٣ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ) أَيْ يَقْصِدُونَ الْحَجَّ قَصْدًا مُعَظَّمًا بِتَرْكِ الْأَسْبَابِ، (فَلَا يَتَزَوَّدُونَ) أَيْ لَا يَأْخُذُونَ الزَّادَ مَعَهُمْ مُطْلَقًا، أَوْ يَأْخُذُونَ مِقْدَارَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي الْبَرِّيَّةِ، (وَيَقُولُونَ) بِطَرِيقِ الدَّعْوَى لَيْسَ تَحْتَهَا الْمَعْنَى، (نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ) وَالْحَالُ أَنَّهُمُ الْمُتَأَكِّلُونَ، أَوِ الْمُعْتَمِدُونَ عَلَى النَّاسِ، زَادَ الْبَغَوِيُّ يَقُولُونَ نَحُجُّ بَيْتَ اللَّهِ وَلَا يُطْعِمُنَا؟ ! ، (فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ) أَيْ أَهْلَ مَكَّةَ أَوْ أَعَمَّ مِنْهُمْ حَيْثُ فَرَغَتْ زُوَادَتُهُمْ، أَوْ سَأَلُوا فِي مَكَّةَ كَمَا سَأَلُوا فِي الطَّرِيقِ، زَادَ الْبَغَوِيُّ وَرُبَّمَا يُفْضِي بِهِمُ الْحَالُ إِلَى النَّهْبِ وَالْغَصْبِ، (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَزَوَّدُوا) أَيْ خُذُوا زَادَكُمْ مِنَ الطَّعَامِ، وَاتَّقُوا الِاسْتِطْعَامَ وَالتَّثْقِيلَ عَلَى الْأَنَامِ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ أَيْ مَا تَبْلُغُونَ بِهِ وَتَكُفُّونَ بِهِ وُجُوهَكُمْ، وَقَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ الْكَعْكَ، وَالزَّبِيبَ، وَالسَّوِيقَ، وَالتَّمْرَ وَنَحْوَهَا ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] أَيْ مِنَ السُّؤَالِ وَالنَّهْبِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي هِيَ كَالزَّادِ إِلَى سَفَرِ الْآخِرَةِ، فَمَفْعُولُ تَزَوَّدُوا مَحْذُوفٌ هُوَ التَّقْوَى، وَلَمَّا حَذَفَ مَفْعُولَهُ أَتَى بِخَبَرِ إِنَّ ظَاهِرًا لِيَدُلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ، وَمِنَ التَّقْوَى الْكَفُّ عَنِ السُّؤَالِ وَالْإِبْرَامُ، كَذَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ مَعِينُ الدِّينِ الصَّفَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ. فَفِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ارْتِكَابَ الْأَسْبَابِ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ عَلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ، بَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ مِنَ الْكَمَلِ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ التَّوَكُّلَ الْمُجَرَّدَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُسْتَقِيمًا فِي حَالِهِ، غَيْرَ مُضْطَرِبٍ فِي مَالِهِ، حَيْثُ لَا يَخْطُرُ الْخَلْقُ بِبَالِهِ، وَإِنَّمَا ذَمَّ مَنْ ذَمَّ لِأَنَّهُمْ مَا قَامُوا فِي طَرِيقِ التَّوَكُّلِ حَقَّ الْقِيَامِ، حَيْثُ اعْتَمَدُوا عَلَى جِرَابِ اللِّئَامِ، وَغَفَلُوا عَنْ أَنَّهُ قَسَمَ الْقِسَامَ وَالنَّاسُ نِيَامٌ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3624

٢٥٣٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . ــ ٢٥٣٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ» ) بِحَذْفِ الِاسْتِفْهَامِ، ( «قَالَ نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ» ) بَلْ فِيهِ اجْتِهَادٌ وَمَشَقَّةُ سَفَرٍ، وَتَحَمُّلُ زَادٍ، وَمُفَارَقَةُ أَهْلٍ وَبِلَادٍ كَمَا فِي الْجِهَادِ، (الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) بَدَلٌ مِنْ جِهَادٌ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَيَجُوزُ نَصْبُهُمَا بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ أَحَدُهَا عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ وَاجِبَةٌ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3625

٢٥٣٥ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ، فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا» (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) . ــ ٢٥٣٥ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ» ) أَيْ فَقْدُ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ فَإِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ شَرْطُ الْوُجُوبِ بِلَا خِلَافٍ، (أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ) أَيْ ظَالِمٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْعَهُ بِطَرِيقِ الْجَوْرِ وَالْعُنْفِ، فَلَا عِبْرَةَ بِمَنْعِهِ عَلَى سَبِيلِ الْمَحَبَّةِ وَاللُّطْفِ. وَأَيْضًا مِنَ الْمَوَانِعِ لِلْوُجُوبِ إِذَا كَانَ فِي الطَّرِيقِ سُلْطَانٌ جَائِرٌ بِالْقَتْلِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، فَالسَّلَامَةُ مِنْهُمَا مِنْ شُرُوطِ الْأَدَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ، نَعَمْ إِذَا كَانَ الْأَمْنُ غَالِبًا فَيَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ، (أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ) أَيْ مَانِعٌ مِنَ السَّفَرِ لِشِدَّتِهِ، فَسَلَامَةُ الْبَدَنِ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْعِلَلِ شَرْطُ الْوُجُوبِ فَحَسْبُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ شَرْطُ الْأَدَاءِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ الْحَجُّ، وَلَا الْإِحْجَاجُ، وَلَا الْإِيصَاءُ بِهِ عَلَى الْأَعْمَى، وَالْمُقْعَدِ، وَالْمَفْلُوجِ، وَالزَّمِنِ وَالْمَقْطُوعِ الرِّجْلَيْنِ، وَالْمَرِيضِ، وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، ( «فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا» ) أَيْ شَبِيهًا بِهِمَا، حَيْثُ يَتْرُكَانِ الْعَمَلَ بِالْكِتَابِ مَعَ إِيمَانِهِمْ بِهِ، وَتِلَاوَتِهِمْ وَعِلْمِهِمْ بِمَوَاضِعِ الْخِطَابِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ مِنَ الْعِقَابِ، (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وَفِي نُسْخَةِ التِّرْمِذِيِّ بَدَلُهُ.

стр. 3626

٢٥٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْحَاجُّ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ وَإِنِ اسْتَغْفَرُوا غَفَرَ لَهُمْ» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . . ــ ٢٥٣٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الْحَاجُّ) أَيِ الْفَرِيقُ الْحَاجُّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، (وَالْعُمَّارُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ جَمْعُ الْعَامِرِ بِمَعْنَى الْمُعْتَمِرِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ نَسْمَعْ عَمَرَ بِمَعْنَى اعْتَمَرَ، وَلَكِنْ عَمَرَ اللَّهَ بِمَعْنَى عَبَدَهُ، وَلَعَلَّ غَيْرَنَا سَمِعَهُ وَاسْتَعْمَلَ بَعْضَ تَصَارِيفِهِ دُونَ بَعْضٍ، (وَفْدُ اللَّهِ) الْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وَالْمُرَادُ وَفْدُ حَرَمِهِ، أَيْ كَجَمَاعَةٍ قَادِمُونَ عَلَيْهِ، وَنَازِلُونَ لَدَيْهِ، وَمُقَرَّبُونَ إِلَيْهِ، ( «إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ، وَإِنِ اسْتَغْفَرُوا غَفَرَ لَهُمْ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَجْهُ إِفْرَادِ الْحَاجِّ وَجَمْعِ مَا بَعْدَهُ الْإِشَارَةُ إِلَى تَمَيُّزِ الْحَجِّ بِأَنَّ الْمُتَلَبِّسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ: يَصْلُحُ لِأَنْ يَكُونَ قَائِمًا مَقَامَ الْوَفْدِ الْكَثِيرِينَ بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ، فَإِنَّهَا لِتَرَاخِي مَرْتَبَتِهَا عَنِ الْحَجِّ لَا يَكُونُ الْمُتَلَبِّسُ بِهَا وَحْدَهُ قَائِمًا مَقَامَ أُولَئِكَ اهـ. وَهُوَ وَجْهٌ وَجِيهٌ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَذْهَبِنَا أَنَّ الْعُمْرَةَ سُنَّةٌ، وَإِلَّا عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، فَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ التَّفَاوُتِ فِي الْفَرِيضَةِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ وَالظَّنِّيَّةِ، وَلِاسْتِدْلَالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهُمَا مُسْتَوَيَانِ فِي اقْتِضَاءِ الْآمِرِيَّةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ إِنَّ هَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ إِنَّ هَذَا مِنْ إِطْلَاقِ الْمُفْرِدِ عَلَى الْجَمْعِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى لِلْجِنْسِ مَجَازٌ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ تَبِعَهُ فِي قَوْلِهِ الْحَاجُّ مُفْرَدُ الْحُجَّاجِ وَأُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ بِدَلِيلِ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ مَا تَنَبَّهَ إِلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ، وَدَوْرٌ عَلَى الدَّاعِي إِلَيْهِ، وَهُوَ كَالْمُنَادَى فِيمَا لَدَيْهِ.

стр. 3627

٢٥٣٧ - وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ الْغَازِي وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ» (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . ــ ٢٥٣٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ» ) أَيْ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ أَوْ أَجْنَاسٍ، (الْغَازِي) أَيِ الْمُجَاهِدُ مَعَ الْكُفَّارِ لِإِعْلَاءِ الدِّينِ، (وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ) الْمُتَمَيِّزُونَ عَنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ بِتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ الْبَدَنِيَّةِ، وَالْمَالِيَّةِ، وَمُفَارَقَةِ الْأَهْلِينَ، وَفِي النِّهَايَةِ الْوَفْدُ الْقَوْمُ يَجْتَمِعُونَ وَيَرِدُونَ الْبِلَادَ، أَوْ يَقْصِدُونَ الرُّؤَسَاءَ لِلزِّيَارَةِ، أَوِ اسْتِرْفَادًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ قَوْمٌ مُعَظَّمُونَ عِنْدَ الْكُرَمَاءِ، وَمُكَرَّمُونَ عِنْدَ الْعُظَمَاءِ، تُعْطَى مَطَالِبُهُمْ وَتُقْضَى مَآرِبُهُمْ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَفِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 3628

٢٥٣٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا لَقِيتَ الْحَاجَّ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَصَافِحْهُ، وَمُرْهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، فَإِنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ» (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . ــ ٢٥٣٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَقِيتَ الْحَاجَّ) أَيِ الْفَارِغَ مِنَ الْحَجِّ، وَفِي مَعْنَاهُ الْمُعْتَمِرَ وَالزَّائِرَ وَالْغَازِيَ وَطَالِبَ الْعِلْمِ، (فَسَلِّمْ عَلَيْهِ) أَيْ مُبَادَرَةً إِلَيْهِ، (وَصَافِحْهُ) أَيْ تَوَاضُعًا إِلَيْهِ، (وَمُرْهُ) أَمْرٌ مِنْ أَمَرَ وَحَذَفَ هَمْزَتَهُ تَخْفِيفًا، أَيِ الْتَمِسْ مِنْهُ، (أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ) وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ عَظِيمَةٌ فِي حَقِّهِ، حَيْثُ تُرْجَى مَغْفِرَةُ غَيْرِهِ بِاسْتِغْفَارِهِ، (قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ) وَيَشْتَغِلَ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِهِ وَيَتَلَوَّثَ بِمُوجِبَاتِ غَفْلَتِهِ، (فَإِنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ) وَمَنْ دَعَا لَهُ مَغْفُورٌ لَهُ غُفِرَ لَهُ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وَأَمَّا حَدِيثُ مَنْ أَكَلَ مَعَ مَغْفُورٍ لَهُ غُفِرَ لَهُ مَوْضُوعٌ.

стр. 3629

٢٥٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًا ثُمَّ مَاتَ فِي طَرِيقِهِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْغَازِي وَالْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ» (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . ــ ٢٥٣٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًا» ) أَيْ قَاصِدًا لِلْغَزْوِ، (ثُمَّ مَاتَ فِي طَرِيقِهِ) أَيْ قَبْلَ الْعَمَلِ ( «كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْغَازِي وَالْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ» ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] قِيلَ فَمَنْ قَالَ إِنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَأَخَّرَهُ ثُمَّ قَصَدَ بَعْدَ زَمَانٍ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ كَانَ عَاصِيًا، فَقَدْ خَالَفَ هَذَا النَّصَّ، وَذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَفِيهِ بَحْثٌ، إِذْ لَيْسَ نَصٌّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَطْلُوبِهِ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إِذَا خَرَجَ حَاجًّا فِي أَوَّلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَخَرَجَ أَهْلُ بَلَدِهِ لِلْحَجِّ، أَوْ عَلَى مَا إِذَا تَأَخَّرَ لِحُدُوثِ عَارِضٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ عَدَمِ أَمْنٍ فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ خَرَجَ فَمَاتَ فَإِنَّهُ يَمُوتُ مُطِيعًا، وَأَمَّا إِذَا تَأَخَّرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، عَلَى اخْتِلَافٍ فِي أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ وَمَعَ هَذَا يُمْكِنُ أَنْ نَقُولَ لَهُ أُجِرُ الْحَاجِّ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا مِنْ وَجْهٍ، وَمُطِيعًا مِنْ وَجْهٍ، وَاللَّهُ وَلِي التَّوْفِيقِ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا مِنْ سُوءِ أَدَبِهِ عَلَى إِمَامِهِ الشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ مَذْهَبِهِ، وَعَلَى مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَفُضَلَاءِ الْخَلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 3630

[بَابُ الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ]

стр. 3631

(بَابُ الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ) (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ٢٥٤٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ (بَابُ الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ) حَقِيقَةُ الْإِحْرَامِ الدُّخُولُ فِي الْحُرْمَةِ، وَالْمُرَادُ الدُّخُولُ فِي حُرُمَاتٍ مَخْصُوصَةٍ أَيِ الْتِزَامُهَا وَالْتِزَامُهَا شَرْطُ الْحَجِّ شَرْعًا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ ثُبُوتُهُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، فَعَطْفُ التَّلْبِيَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ أَوْ مَبْنِيُّ عَلَى الْقَوَاعِدِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْإِحْرَامَ هُوَ النِّيَّةُ فَقَطْ أَوِ الْمُرَادُ بِالتَّلْبِيَةِ غَيْرِ الْمَقْرُونَةِ بِالنِّيَّةِ مِنْ بَيَانِ أَلْفَاظِهَا وَأَحْوَالِهَا وَفَضَائِلِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ هُوَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِجْمَاعًا، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِيهِ قَوْلًا بِأَنَّهُ شَرْطٌ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَقَعْ فِي خُصُوصِ الرُّكْنِيَّةِ بَلْ عَلَى مُطْلَقِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ، إِذْ هُوَ الَّذِي مِنَ الْأَرْكَانِ لِخَبَرِ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ اهـ. وَفِيهِ أَبْحَاثٌ لَا تَخْفَى مِنْهَا دَعْوَاهُ أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْأَرْكَانِ إِجْمَاعًا، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ إِجْمَاعَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، بَلْ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ دَأْبِهِمْ تَبْيِينُ الرُّكْنِ مِنَ الشَّرْطِ وَنَحْوِهِمَا هُنَاكَ، وَإِنْ كَانَ إِجْمَاعُ الْخَلَفِ فَنَاهِيكَ بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَالْهُمَامِ الْأَقْدَمِ بِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا رُكْنٌ، ثُمَّ جَوَابُهُ عَنِ الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَقَعْ عَلَى خُصُوصِ الرُّكْنِيَّةِ بَلْ عَلَى مُطْلَقِ الْوُجُوبِ: فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْغَرَابَةِ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرُّكْنِ وَمُطْلَقِ الْوَاجِبِ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنَّ كُلَّ رُكْنٍ وَاجِبٌ وَلَيْسَ كُلُّ وَاجِبٍ رُكْنًا، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ وَمُحَرَّرٌ فِي الْمَحْصُولِ، ثُمَّ تَفْسِيرُهُ بِنِيَّةِ الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ وَاسْتِدْلَالُهُ بِحَدِيثِ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» مَرْدُودٌ عَلَيْهِ: بِمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٥٤٠ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ) أَيْ: أُعَطِّرُ، (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ) أَيْ لِأَجْلِ دُخُولِهِ فِي الْإِحْرَامِ، أَوْ لِأَجْلِ إِحْرَامِ حَجِّهِ، (قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْهُ أَخَذَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يُسَنُّ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى الشَّابَّةِ وَغَيْرِهَا إِلَّا الْمُحِدَّةِ: أَنْ يَتَطَيَّبَ بَعْدَ الْغُسْلِ إِلَّا فِي بَدَنِهِمَا، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ التَّطَيُّبُ عِنْدَ خُرُوجِهِنَّ لِنَحْوِ الْجُمْعَةِ وَالْجَمَاعَةِ لِضِيقِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فِي ذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُهُنَّ اجْتِنَابُ الرِّجَالِ بِخِلَافِ ذَلِكَ هُنَا اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمُدَّعَى، (وَلِحِلِّهِ) أَيْ لِخُرُوجِهِ مِنَ الْإِحْرَامِ، (قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) أَيْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحِلِّهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ يَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ خِلَافًا لِمَنْ أَلْحَقَهُ بِالْجِمَاعِ (بِطِيبٍ) مُتَعَلِّقٌ بِأُطَيِّبُ، (فِيهِ مِسْكٌ) يَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ ذَرِيرَةٌ وَلَا تَنَافِي، إِذْ لَا مَانِعَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْلِطُونَ الذَّرِيرَةَ بِالْمِسْكِ وَفِي الْقَامُوسِ الذُّرُورُ عِطْرٌ كَالذَّرِيرَةِ، (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ) أَيْ لَمَعَانِهِ وَبَرِيقِهِ، (فِي مَفَارِقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ مَفْرِقٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا، وَهُوَ وَسَطُ الرَّأْسِ الَّذِي يُفْرَقُ فِيهِ شَعْرُ الرَّأْسِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ عَلَى لَفْظِ الْجَمْعِ تَعْمِيمًا لِسَائِرِ جَوَانِبِ الرَّأْسِ الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كَأَنَّهُمْ سَمَّوْا كُلَّ مَوْضِعٍ مِنْهُ مَفْرِقًا وَفِي بَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ مَفْرِقٌ عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (وَهُوَ مُحْرِمٌ) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ دَلَّ عَلَى أَنَّ بَقَاءَ أَثَرِ الطِّيبِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَا يَضُرُّ، وَلَا يُوجِبُ فِدْيَةً كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَوْجَبَ الْفِدْيَةَ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْأَثَرِ اهـ. وَقَدْ سَبَقَ أَبُو حَنِيفَةَ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ فِي ذَلِكَ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، هَذَا وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ ﵀ وَالْمُرَادُ بِوَبِيصِ الطِّيبِ فِيهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ أَنَّ فُتَاتَ الطِّيبِ كَانَ يَبْقَى عَلَيْهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِحَيْثُ يَلْمَعُ فِيهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَا قَالَهُ غَيْرُ لَازِمٍ، فَإِنَّ الْبَرِيقَ قَدْ يَحْصُلُ مِنَ الْأَثَرِ وَإِنْ لَمْ تَبْقَ عَيْنُهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَيُؤَيِّدُهُ طَيَّبْتُهُ طِيبًا لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ، فَوَجْهُهُ لَا يَظْهَرُ فَتَدَبَّرْ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا «طَيَّبْتُهُ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا يَنْضَحُ طِيبًا» ، وَفِي أُخْرَى لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ تَأْوِيلُ رِوَايَةِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِأَنَّ التَّطَيُّبَ لَمْ يَكُنْ لِلْإِحْرَامِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَمِمَّا يَدْفَعُهُ أَيْضًا قَوْلُهَا كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَخْ. فَظَاهِرُ الدَّفْعِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَكَذَا قَوْلُهُ وَزَعَمَ أَنَّ الْمَرْئِيَّ أَثَرٌ لَا جِرْمٌ لِذَهَابِهِ بِالْغُسْلِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ اهـ.

стр. 3632

وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيِّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ وَاحِدَةٌ مِنَّا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ » ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اسْتَدَامَتَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَيْسَ كَاسْتِدَامَةِ لُبْسِ الْمَخِيطِ، خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَ النَّصَّ الْوَارِدَ وَقَاسَ هَذَا الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ، ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَطَيُّبِ النِّسَاءِ لَا مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا وَمَنْ لَمْ يَرَ التَّطَيُّبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِطِيبٍ يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَمَالِكٍ فَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِالطِّيبِ الدُّهْنُ الْمُطَيِّبُ، أَوِ الطِّيبُ الَّذِي لَا يَبْقَى جِرْمُهُ وَتَبْقَى رَائِحَتُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَطَيُّبِ ثِيَابِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ نَدْبِهِ بَلْ كَرَاهَتُهُ فَيَتَأَكَّدُ تَرْكُهُ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ الَّذِي هُوَ مُسْتَحَبٌّ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ حَرَّمَهُ بَعْضُهُمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَدَلِيلُ مَالِكٍ وَمُحَمَّدٍ مَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ لَهُ ﵊ أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ» ، وَمِنْ هَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ حِلَّ الطِّيبِ كَانَ خَاصًّا بِهِ ﵊، لِأَنَّهُ فَعَلَهُ وَمَنَعَ غَيْرَهُ، وَدُفِعَ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِلرَّجُلِ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ لِحُرْمَةِ الطِّيبِ وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُ لِخُصُوصِ ذَلِكَ الطِّيبِ بِأَنْ كَانَ خَلُوقًا، فَلَا يُفِيدُ مَنْعُهُ الْخُصُوصِيَّةَ، فَنَظَرْنَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ وَقَدْ نُهُوْا عَنِ التَّزَعْفُرِ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ مُقَدَّمٌ» عَلَى مَا فِي أَبِي دَاوُدَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ» ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ الْقَطَّانِ صَحَّحَهُ لِأَنَّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَقْوَى خُصُوصًا وَهُوَ مَانِعٌ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُبِيحِ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ اغْسِلْ عَنْكَ هَذَا الزَّعْفَرَانَ، وَلِلِاخْتِلَافِ اسْتَحَبُّوا أَنْ يُذِيبَ جِرْمَ الْمِسْكِ إِذْ تَطَيَّبَ بِهِ بِمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ.

стр. 3633

٢٥٤١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا، يَقُولُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ٢٥٤١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ» ) أَيْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، (مُلَبِّدًا) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا، أَيْ شَعْرَهَ بِالصَّمْغِ أَوِ الْحِنَّاءِ أَوِ الْخِطْمِيِّ وَلَعَلَّهُ كَانَ بِهِ عُذْرٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: التَّلْبِيدُ هُوَ إِلْصَاقُ شَعْرِ الرَّأْسِ بِالصَّمْغِ أَوِ الْخِطْمِيِّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَيْ لَا يَتَخَلَّلَهُ الْغُبَارُ، وَلَا يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ الْهَوَامِّ، وَيَقِيَهَا مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ، وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَعِنْدَنَا يَلْزَمُهُ دَمٌ إِنْ لَبَّدَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ لِأَنَّهُ كَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَدَمَانِ إِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَا ذَكَرَهُ رَشِيدُ الدِّينِ الْبَصْرِيُّ: وَحَسَنٌ أَنْ يُلَبِّدَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مُشْكِلٌ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِصْحَابُ التَّغْطِيَةِ الْكَائِنَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الطِّيبِ اهـ. وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ مَعَ الْحَدِيثِ عَلَى التَّلْبِيدِ اللُّغَوِيِّ مِنْ جَمْعِ الشَّعْرِ وَلَفِّهِ وَعَدَمِ تَخْلِيَتِهِ مُتَفَرِّقًا، فَفِي الْقَامُوسِ تَلَبَّدَ الصُّوفُ وَنَحْوَهُ تَدَاخَلَ وَلَزِقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، (يَقُولُ) بَدَلٌ مِنْ يُهِلُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّاطِبِيِّ فِي مَسَائِلِ النَّحْوِ، (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ) أَيْ أَلْبَبْتُ يَا رَبِّ بِخِدْمَتِكَ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ، مَنْ أَلَبَّ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ، أَيْ أَقَمْتُ عَلَى طَاعَتِكَ إِقَامَةً، وَقِيلَ أَيْ أَجَبْتُ إِجَابَتَكَ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ، وَالْمُرَادُ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أَيْ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، وَحَذَفَ الزَّوَائِدَ لِلتَّخْفِيفِ وَحَذَفَ النُّونَ لِلْإِضَافَةِ. قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ التَّلْبِيَةَ جَوَابُ الدُّعَاءِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الدَّاعِي مَنْ هُوَ، فَقِيلَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقِيلَ هُوَ الْخَلِيلُ ﵊، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. أَقُولُ وَالصَّوَابُ أَنَّ خِطَابَ الْجَوَابِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ الدَّاعِي إِمَّا حَقِيقَةً، وَإِمَّا حُكْمًا، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى الْقَوْلِ بِالتَّفَاوُتِ، ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُنَادِيَ إِبْرَاهِيمُ ﵊، قِيلَ وَقَفَ عَلَى مَقَامِهِ أَوْ بِالْحَجُونِ أَوْ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ) فَالتَّلْبِيَةُ الْأُولَى الْمُؤَكَّدَةُ بِالثَّانِيَةِ لِإِثْبَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَهَذِهِ بِطَرَفَيْهَا لِنَفْيِ الشَّرِكَةِ النِّدِّيَّةِ وَالْمِثْلِيَّةِ فِي وُجُوبِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ (إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ) وَإِنَّ بِالْكَسْرِ هُوَ الْمُخْتَارُ رِوَايَةً وَدِرَايَةً وَقَدْ رُوِيَ بِالْفَتْحِ وَالْمَعْنَى أُلَبِّي لِأَنَّكَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ.

стр. 3634

قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْفَتْحُ رِوَايَةُ الْعَامَّةِ وَهُمَا مَشْهُورَانِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ الْكَسْرُ أَجْوَدُ لِأَنَّ مَعْنَى الْفَتْحِ لَبَّيْكَ بِهَذَا السَّبَبِ، وَمَعْنَى الْكَسْرِ مُطْلَقٌ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ النِّعْمَةَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْأَفْصَحِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ أَيِ الْإِنْعَامُ، أَوْ أَثَرُهُ الْوَاصِلُ إِلَى الْأَنَامِ، فَغَفْلَةٌ عَنْ قَوَاعِدِ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْأَعْلَامِ، وَهِيَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَى مَحَلِّ اسْمِ إِنَّ إِلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْخَبَرِ فَتَدَبَّرْ، (وَالْمُلْكَ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الْحَمْدِ، وَلِذَا يُسْتَحَبُّ الْوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْمُلْكَ وَيُبْتَدَأُ، (لَا شَرِيكَ لَكَ) أَيْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَمْدِ، وَإِيصَالِ النِّعْمَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] وَفِي تَقْدِيمِ الْحَمْدِ عَلَى النِّعْمَةِ إِيمَاءٌ إِلَى عُمُومِ مَعْنَى الْحَمْدِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ بِذَاتِهِ يَسْتَحِقُ الْحَمْدَ سَوَاءً أَنْعَمَ أَوْ لَمْ يُنْعِمْ، هَذَا وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُلْكُ مَرْفُوعًا وَخَبَرُهُ لَا شَرِيكَ لَكَ، أَيْ فِيهِ وَأَمَّا تَعْلِيلُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀ الْوَقْفَةَ اللَّطِيفَةَ بِأَنَّ إِيصَالَهَا بِلَا الَّتِي بَعْدَهَا رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا نَفْيٌ لِمَا قَبْلَهَا وَذَلِكَ كُفْرٌ، فَوَهْمٌ نَشَأَ مِنَ الذُّهُولِ عَمَّا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، وَاخْتُلِفَ فِي التَّلْبِيَةِ فَعِنْدَنَا أَنَّهَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ، وَقَالَ مَالِكٌ لَا تَجِبُ لَكِنْ فِي تَرْكِهَا دَمٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ سُنَّةٌ لَا دَمَ بِتَرْكِهَا، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَاجِبَةٌ يُجْبَرُ بِتَرْكِهَا بِدَمٍ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ التَّلْبِيَةَ أَثْنَاءَ النُّسُكِ وَاجِبَةٌ. (لَا يَزِيدُ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، (عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ النَّقْصُ عَنْهَا مَكْرُوهٌ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَالْمُخْتَارُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تُغَيِّرُهُ، بَلْ تَحْسُنُ أَوْ تُسْتَحَبُّ لِمَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ بِأَنْ يَقُولَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ، وَالْعَمَلُ لَكَ لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، لَبَّيْكَ تَعَبُّدًا وَرِقًّا، لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفَعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَأَخَذَ دَاوُدُ مِنْ خَبَرِ مُسْلِمٍ «إِذَا تَوَجَّهْتُمْ إِلَى مِنًى فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ» ، وَالْإِهْلَالُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، يُدْفَعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ فَأَهِلُّوا أَيْ أَحْرِمُوا بِالْحَجِّ، وَالْإِحْرَامُ يَكُونُ بِالنِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَبِالنِّيَّةِ فَقَطْ كَمَا عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ.

стр. 3635

٢٥٤٢ - وَعَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ٢٥٤٢ - (وَعَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ» ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ، أَيِ الرِّكَابِ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خَشَبٍ، (وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ) أَيْ رَفَعَتْهُ مُسْتَوِيًا عَلَى ظَهْرِهَا، فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَقِيلَ بِهِ حَالٌ وَكَذَا قَوْلُهُ، (قَائِمَةً أَهَلَّ) أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ وَنَوَى أَحَدَ النُّسُكَيْنِ أَوْ بِهِمَا، (مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: يُرِيدُ بَدَأَ بِإِهْلَالٍ مِنْهُ، وَهَذَا مِنْهُ خِلَافٌ لِلْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ وَيُصَلِّيَ عَقِبَ رَكْعَتَيِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ جَالِسٌ اهـ. وَقَوْلُهُ خِلَافٌ لِلْمَذْهَبِ خِلَافَ مُرَاعَاةِ الْأَدَبِ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ ﷺ فِي حَالِ إِهْلَالِهِ، وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهَا بِقَوْلِهِ أَهَلَّ فِي مُصَلَّاهُ ثُمَّ رَكِبَ نَاقَتَهُ، فَأَهَلَّ أَيْضًا ثُمَّ أَهَلَّ لَمَّا اسْتَقْبَلَتْ بِهِ الْبَيْدَاءُ اهـ. وَلِذَا قَالُوا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ التَّلْبِيَةِ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَجَاءَ فِي خَبَرٍ «أَنَّهُ ﵊ أَهَلَّ مِنْ دُبُرِ الصَّلَاةِ» ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التِّرْمِذِيَّ حَسَّنَهُ، وَمَالَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي ذَلِكَ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِأَنَّهُ «أَحْرَمَ عَقِبَ صِلَاتِهِ فَسَمِعَهُ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظُوهُ، ثُمَّ رَكِبَ وَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ فَسَمِعَهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظُوهُ، وَقَالُوا إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَئِذٍ ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا عَلَا الْبَيْدَاءَ أَهَلَّ فَسَمَّعَهُ أَقْوَامٌ فَقَالُوا إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَئِذٍ» ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ إِلَيْهِ إِرْسَالًا، وَأَجَابَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ هَذَا بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ لِمَذْهَبِهِ بِخَبَرِ مُسْلِمٍ إِذَا رُحْتُمْ إِلَى مِنًى مُتَوَجِّهِينَ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَفِي أَنَّ التَّقْدِيرَ إِذَا أَرَدْتُمُ الرَّوَاحَ إِلَيْهَا مُتَوَجِّهِينَ إِلَى عَرَفَاتٍ.

стр. 3636

٢٥٤٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . ــ ٢٥٤٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَصْرُخُ» ) بِالضَّمِّ حَالٌ أَيْ نَرْفَعُ أَصْوَاتَنَا بِالتَّلْبِيَةِ (بِالْحَجِّ صُرَاخًا) بِضَمِّ الصَّادِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، وَلَعَلَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى ذِكْرِ الْحَجِّ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ، أَوْ لِأَنَّهُ الْمَبْدُوءُ بِهِ ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةُ، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا حَالُ الرَّاوِي وَمَنْ وَافَقَهُ وَأَمَّا حَالُهُ ﵊ فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ يُعْرَفُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ، فَلَا يُنَافِي مَا سَيَأْتِي (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَذْكُرُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فِي أَوَّلِ تَلْبِيَتِهِ فَقَطْ.

стр. 3637

٢٥٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ: قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّهُمْ لَيَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . ــ ٢٥٤٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ أَبِي طَلْحَةَ) أَيْ رَاكِبًا خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ وَزَوْجُ أُمِّهِ (وَإِنَّهُمْ) أَيِ الصَّحَابَةَ وَالنَّبِيَّ مَعَهُمْ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (لَيَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي بِهِمَا، وَالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُمَا، وَالنَّصْبُ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ أَوِ الرَّاوِي عَنْهُ قَالَ ابْنُ الْمَلِكَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ، وَبِهِ قُلْنَا لِأَنَّهُ يَبْعُدُ مُخَالَفَةُ الصَّحَابَةِ ﵃ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ مَعَهُ فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3638

٢٥٤٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ: قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ٢٥٤٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ» ) أَيْ لَبَّى بِهَا بِأَنْ قَالَ: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ، وَلَعَلَّهُ كَانَ مِمَّنْ حَجَّ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى صَرَفَ سَفَرَهُ هَذَا إِلَى الْعُمْرَةِ، أَوْ عَمِلَ بِالْجَوَازِ أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهَا ( «وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ» ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ سَمِعَهُ يَقُولُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَخَفِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَعُمْرَةٍ، فَحَكَى أَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا، وَسَمِعَهُ آخَرُ يَقُولُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ: فَقَالَ: كَانَ قَارِنًا وَلَا تُنْكَرُ الزِّيَادَاتُ فِي الْأَخْبَارِ كَمَا لَا تُنْكَرُ فِي الشَّهَادَاتِ، وَأَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ تَئُولُ إِلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، أَقُولُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَارِنَا وَيَقُولُ تَارَةً لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَتَارَةً لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَتَارَةً لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَكُلٌ حَكَى مَا سَمِعَهُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى قَوْلِهِ وَخَفِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَعُمْرَةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَهُوَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ لِلشَّافِعِيِّ بِأَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ أَنْوَاعِ الْحَجِّ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ بِقَوْلِهِ: وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَيْفَ يَتَأَتَّى الْقَطْعُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الْإِشَارَاتِ وَنَحْنُ عَلَى عُلَالَةٍ فِي الصَّرَائِحِ مِنَ الْعِبَارَاتِ (فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ) أَيْ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ (فَحَلَّ) أَيْ خَرَجَ مِنَ الْعُمْرَةِ بَعْدَ أَنْ طَافَ وَسَعَى حَلَّ لَهُ جَمِيعُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ (وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) أَيْ فِي نِيَّتِهِ أَوْ بِإِدْخَالِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى (فَلَمْ يَحِلُّوا) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ لَمْ يَخْرُجُوا مِنَ الْإِحْرَامِ (حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ) فَفِي يَوْمِ النَّحْرِ بِرَمْيِهِمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَالْحَلْقِ حَلَّ لَهُمْ كُلُّ الْمَحْظُورَاتِ إِلَّا مُبَاشَرَةَ النِّسَاءِ، فَحَلَّ لَهُمْ ذَلِكَ بِطَوَافِ الرُّكْنِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3639

٢٥٤٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ٢٥٤٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» ) حَالٌ مِنَ الْعُمْرَةِ أَيْ تَمَتَّعَ بِهَا مُنْضَمَّةً إِلَى الْحَجِّ (بَدَأَ) أَيِ ابْتَدَأَ النُّسُكَ (فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: تَمَتَّعَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ فَأَتَى بِأَفْعَالِهَا، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ أَفْرَدَ الْحَجَّ، وَرُويَ أَنَّهُ تَمَتَّعَ، وَرُويَ أَنَّهُ قَرَنَ، قُلْنَا فِي التَّوْفِيقِ: إِنَّهُ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ، فَمَضَى فِيهَا مُتَمَتِّعًا، ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ قَبْلَ طَوَافِهِ وَأَفْرَدَ لَهَا الْإِحْرَامَ فَصَارَ بِهِ قَارِنَا، كَذَا رُويَ عَنِ الطَّحَاوِيُّ، انْتَهَى وَكَلَامُهُ الْأَخِيرُ يُنَاقِضُ حَمْلَهُ الْأَوَّلَ فَتَأَمَّلْ.

стр. 3640

(وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيِ اسْتَمْتَعَ بِالْعُمْرَةِ مُنْضَمَّةً إِلَى الْحَجِّ وَانْتَفَعَ بِهَا، وَقِيلَ إِذَا حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ يَنْتَفِعُ بِاسْتِبَاحَةِ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ. وَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵄ يَنْهَيَانِ عَنِ التَّمَتُّعِ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ يِعْنِي أَوَّلَ الْقِرَانِ، وَقَالَ عَلَيٌّ ﵁ «تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ» ، قِيلَ دَلَّ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مُفْرِدًا، وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ قَارِنَا حَيْثُ قَالَ لَيَصْرُخُونَ بِهِمَا، وَأَرَادَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ. وَفِّي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» ، وَدَلَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ الْفِعْلَ يُنْسَبُ إِلَى الْأَمْرِ كَقَوْلِهِمْ بَنَى فُلَانٌ دَارًا إِذَا أَمَرَ بِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْ بِنَفْسِهِ إِلَّا نَوْعًا وَاحِدًا، وَكَانَ فِي أَصْحَابِهِ ﷺ قَارِنٌ، وَمُفْرِدٌ، وَمُتَمَتِّعٌ، كُلُّ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ ﷺ ، فَجَازَ نِسْبَةُ الْكُلِّ إِلَيْهِ وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَفِيهِ بَحْثٌ، إِذْ لَمْ يُحْفَظْ أَنَّهُ ﵊ أَمَرَ أَحَدًا بِنَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ أَصْنَافِ الْحَجِّ، نَعَمْ أَقَرَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا عَلَى صَنِيعِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا أَوَّلًا: ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَصَارَ قَارِنًا، وَمَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ، فَإِنَّ الْقَارِنَ يَرْتَفِقُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ اهـ. أَوْ سَفْرٍ وَاحِدٍ قَالَ الشُّمُنِّيُّ وَقَدْ وَضَعَ ابْنُ حَزْمٍ كِتَابًا فِي أَنَّهُ ﵊ كَانَ قَارِنًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَتَأَوَّلَ بَاقِي الْأَحَادِيثِ وَالْقِرَانُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا وَقَالَ، أَحْمَدُ التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْإِفْرَادَ بِالْحَجِّ إِنَّمَا يَكُونُ أَفْضَلَ إِذَا أَتَى بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ بَعْدَهُ. وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ أَفْرَدَ ثُمَّ اعْتَمَرَ مِنَ التَّنْعِيمِ غَلَطٌ فَاحِشٌ مِنْهُ، وَكَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ أَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا تَمَتُّعًا حَلَّ مِنْهُ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ غَلَّطُوا رِوَايَةَ مُعَاوِيَةَ فِيهِ بِأَنَّهُ ﵊ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ، وَهَذَا خَبَرٌ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَدْخُلُهُ الْوَهْمُ، وَلَا الْغَلَطُ بِخِلَافِ خَبَرِ غَيْرِهِ عَنْهُ.

стр. 3641

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ٢٥٤٧ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) . . ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٥٤٧ - (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ) أَيْ عَنِ الْمَخِيطِ وَلَبِسَ إِزَارًا وَرِدَاءً، (لِإِهْلَالِهِ) أَيْ لِإِحْرَامِهِ كَمَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، (وَاغْتَسَلَ) أَيْ لِلْإِحْرَامِ وَهُوَ مِنْ سُنَّتِهِ ﵇، وَلَعَلَّهُ يَكُونُ تَفَاؤُلًا عَنْ غَسْلِ الْآثَامِ، وَقَالَ بِوُجُوبِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: وَيَنْبَغِي أَنْ يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ إِنْ كَانَ يُحْرِمُ مِنْ دَارِهِ، لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ ارْتِفَاقٌ لَهُ أَوْ لَهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَسْنَدَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ يَطُوفُ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا» .

стр. 3642

٢٥٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْغِسْلِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . ــ ٢٥٤٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْغِسْلِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ: مَا يُغْسَلُ بِهِ مِنَ الْخِطْمِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِذِكْرِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، لِابْتِنَائِهِ عَلَى فَهْمِهِ وَفِقْهِهِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَيُوَافِقُهُ خَبَرُ الدَّارَقُطْنِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَيْضًا أَنَّهُ ﵊ «- كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ غَسَلَ رَأْسَهُ بِأُشْنَانٍ وَخِطْمِيٍّ» .

стр. 3643

٢٥٤٩ - وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ أَوِ التَّبِعَةِ، (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) . . ــ ٢٥٤٩ - (وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ) صَحَابِيَّانِ، (عَنْ أَبِيهِ) أَيِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ الْخَزْرَجَيِّ، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنَّ آمُرَ أَصْحَابِي) أَيْ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ، (أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ أَوِ التَّلْبِيَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ هَكَذَا فِي النُّسَخِ كُلِّهَا، وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِالْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، أَقُولُ بَلْ هُوَ تَحْرِيفٌ وَمَنْشَؤُهُ وَهْمٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْإِهْلَالَ كَثِيرًا مَا يَأْتِي بِمَعْنَى الْإِحْرَامِ، فَوَهِمَ النَّاسِخُ وَنَقَلَ بِالْمَعْنَى، وَغَفَلَ أَنَّهُ يَأْتِي بِمَعْنَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَجُرِّدَ هُنَا عَنِ الرَّفْعِ أَوْ أُرِيدَ الْمُبَالَغَةُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ سُنَّةٌ، فَإِنْ تَرَكَهُ كَانَ مُسِيئًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يُبَالِغُ فِيهِ فَيُجْهِدَ نَفْسَهُ كَيْلَا يَتَضَرَّرَ، ثُمَّ قَالَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِنَا لَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ بِشِدَّةِ رَفْعِ الصَّوْتِ: وَبَيْنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِشِدَّةٍ، إِذْ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْإِجْهَادِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ عَالِيَهُ طَبْعًا: فَيَحْصُلُ الرَّفْعُ الْعَالِي مَعَ عَدَمِ تَعَبِهِ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ الْمَالِكِيِّ: وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى يَعْقِرُوا حُلُوقَهُمْ، وَبَعْضُهُمْ يَخْفِضُونَ أَصْوَاتَهُمْ حَتَّى لَا يَكَادُ يُسْمَعُ، وَالسُّنَّةُ فِي ذَلِكَ التَّوَسُّطُ اهـ. وَالْمُرَادُ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بَلْ تُسْمِعُ نَفْسَهَا لَا غَيْرَ، كَذَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ، (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ وَيُسَنُّ لِلْمُلَبِّي أَنْ يَضَعَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ.

стр. 3644

٢٥٥٠ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) . . ــ ٢٥٥٠ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ» ) مِنْ بَيَانُ مَنْ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ لَمَّا نَسَبَ التَّلْبِيَةَ إِلَيْهِ عَبَّرَ عَنْهَا بِمَا يُعَبِّرُ عَنْ أُولِي الْعَقْلِ اهـ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا عَنْ يَمِينِهِ فَلَا إِشْكَالَ، (حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَرْضُ) أَيْ تَنْتَهِي، (مِنْ هَاهُنَا) أَيْ شَرْقًا، (وَهَاهُنَا) أَيْ غَرْبًا، إِلَى مُنْتَهَى الْأَرْضِ مِنْ جَانِبِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، مِمَّا يَبْلُغُ صَوْتُهُ، وَتَخْصِيصُ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ، فَلَا يُنَافِي الْقُدَّامَ وَالْوَرَاءَ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ يُوَافِقُهُ فِي التَّلْبِيَةِ جَمِيعُ مَا فِي الْأَرْضِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى إِدْرَاكِ الْجَمَادَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ الْأُمُورَ الْوَاقِعَةَ فِي الْكَائِنَاتِ، وَعِلْمِهَا بِرَبِّهَا مِنْ تَوْحِيدِ الذَّاتِ وَكَمَالِ الصِّفَاتِ، وَأَنَّ تَلْبِيَتَهَا وَتَسْبِيحَهَا بِلِسَانِ الْقَالِ كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَالِ، فَإِنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّسْبِيحَ يَأْبَى عَنْهُ التَّلْبِيَةُ بِالتَّصْرِيحِ، فَيَكُونُ بِلِسَانِ الْقَالِ هُوَ الصَّحِيحُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 3645

٢٥٥١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ ﷺ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَيَقُولُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ) . ــ ٢٥٥١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكَعُ) أَيْ يُصَلِّي، (بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ سُنَّةَ الْإِحْرَامِ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ، يَقْرَأُ فِيهِمَا الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصَ، وَيَنْوِي وَيُلَبِّي عَقِيبَهُمَا، (ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ) أَيْ رَفَعَ صَوْتَهَ، (بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) يَعْنِي التَّلْبِيَةَ الْمَشْهُورَةَ، وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي قَوْلِهِ يَأْتِ التَّلْبِيَةَ السَّابِقَةَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْإِشَارَةَ فِيهَا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، (وَيَقُولُ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ زِيَادَةً عَلَيْهَا، وَذَهَبَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي إِرْجَاعِ ضَمِيرِهِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ أَبِيهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ بِالْأَمْرَيْنِ، فَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْ نَافِعٍ وَلَفْظُهُمَا عَنْهُ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ» ، وَفِي
следующие страницы →