← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

٢٦٤٥ - وَعَنْ نُبَيْشَةَ ﵁: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِنَّا كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ لُحُومِهَا أَنْ تَأْكُلُوهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ لِكَيْ تَسَعَكُمْ. جَاءَ اللَّهُ بِالسَّعَةِ، فَكُلُوا، وَادَّخِرُوا وَائْتَجِرُوا. أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، [وَبِعَالٍ] وَذِكْرِ اللَّهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٦٤٥ - (وَعَنْ نُبَيْشَةَ) : بِضَمِّ النُّونِ، وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ نُبَيْشَةُ الْخَيْرِ الْهُذَلِيُّ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ. ( «قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنَّا كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ لُحُومِهَا» ) : أَيِ: الْأَضَاحِيِّ أَوِ الْهَدَايَا، فَيَظْهَرُ وَجْهُ الْمَنَاسِكِ لِلْبَابِ (أَنْ تَأْكُلُوهَا) : بَدَلُ اشْتِمَالٍ (فَوْقَ ثَلَاثٍ) : أَيْ: لَيَالٍ، وَفِي نُسْخَةٍ: ثَلَاثَةٍ؛ أَيْ: أَيَّامٍ (لِكَيْ تَسَعَكُمْ) : أَيْ: لِتَكْفِيَكُمْ وَفُقَرَاءَكُمْ (جَاءَ اللَّهَ بِالسَّعَةِ) : بِفَتْحِ السِّينِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِتَغْيِيرِ الْحُكْمِ أَيْ: أَتَى اللَّهُ بِالْخِصْبِ، وَسَعَةِ الْخَيْرِ، وَأَتَى بِالرَّخَاءِ، وَكَثْرَةِ اللَّحْمِ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ (فَكُلُوا، وَادَّخِرُوا، وَائْتَجِرُوا) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: افْتِعَالٌ مِنَ الْأَجْرِ أَيِ: اطْلُبُوا بِالتَّصَدُّقِ، وَلَيْسَ مِنَ التِّجَارَةِ، وَإِلَّا لَكَانَ مُشَدَّدًا، وَأَيْضًا لَا يَصِحُّ بَيْعُ لُحُومِهَا، بَلْ يُؤَكِّدُ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ. (أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ (وَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ) : أَيْ: أَيَّامَ مِنًى وَهِيَ أَرْبَعَةٌ (أَيَّامُ أَكْلٍ) : فَيَحْرُمُ الصِّيَامُ فِيهَا (وَشُرْبٍ) : بِضَمِّ الشِّينِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعَةِ (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) : وَجُوِّزَ كَسْرُهَا فِي رِوَايَةٍ (. " وَبِعَالٍ) : أَيْ: جِمَاعٍ، وَذَلِكَ كُلُّهُ لِحُرْمَةِ الصَّوْمِ فِيهَا، لِكَوْنِ الْخَلْقِ حِينَئِذٍ أَضْيَافُ الْحَقِّ. (وَذِكْرِ اللَّهِ " أَيْ: كَثْرَةِ ذِكْرِهِ - تَعَالَى - لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] وَلِقَوْلِهِ : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] : وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى الْهَدَايَا حِينَ ذَبْحِهَا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَأْخَذُ لِتَحْرِيمِ الصِّيَامِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِذِكْرِ اللَّهِ مَا يُذْكَرُ عِنْدَ الرَّمْيِ، أَوْ تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ، وَقَدْ سَبَقَ التَّحْقِيقُ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ (رَوَاهُ) أَبُو دَاوُدَ.

стр. 3782

[بَابُ الْحَلْقِ]

стр. 3783

(٨) بَابُ الْحَلْقِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٦٤٦ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (٨) بَابُ الْحَلْقِ أَيْ: وَالْقَصْرِ، اكْتُفِيَ بِأَفْضَلِهِمَا. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٦٤٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ» ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِهَا أَيْ: أَمَرَ بِحَلْقِهِ (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) : أَيْ: حَلَقُوا، وَ " مِنْ " بَيَانِيَّةٌ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ) : بِتَشْدِيدِ الصَّادِ، وَقِيلَ: بِتَخْفِيفِهَا أَيْ: بَعْضُ النَّاسِ، أَوْ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ أَيْ: عُمْرَتَهُمْ قَبْلَ حَجَّتِهِمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهَا: «أَنَّهُ ﷺ قَصَّرَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ» ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ كُلٍّ مِنْهُمَا، إِلَّا أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ، وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَغَيْرُهُ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَالسَّلَفِ ﵏، وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﵊: " «خُذُوا عَنَّي مَنَاسِكَكُمْ» " وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ ﵊ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ الِاكْتِفَاءُ بِبَعْضِ شَعْرِ الرَّأْسِ. وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَنَّ الْمَسْحَ فِيهَا فِيهِ الْبَاءُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّبْعِيضِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثُ النَّاصِيَةِ الْمُشْعِرُ بِجَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِالْبَعْضِ، وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَلَى مَنْعِ مَسْحِ الْبَعْضِ، بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي بَابِ الْحَلْقِ، فَإِنَّهُ قَالَ - تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] وَلَا تَحْلِقُوا رَأْسَكُمْ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ - وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ قَطُّ أَنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِحَلْقِ بَعْضِ الرَّأْسِ، أَوْ تَقْصِيرِهِ، بَلْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقَزَعَةِ حَتَّى لِلصِّغَارِ، وَهِيَ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَتَخْلِيَةُ بَعْضِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِحْرَامِ إِلَّا بِالِاسْتِيعَابِ كَمَا قَالَ بِهِ مَالِكٌ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ مِمَّا خَطَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنَ التَّحْقِيقِ النَّاشِئِ عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ التَّدْقِيقِ، أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] : لِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: لَا تَحْلِقُوا بِدُونِهَا أَنَّ الْفِعْلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْعِبًا، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ يَشْمَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ مُطْلَقًا.

стр. 3784

٢٦٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «قَالَ لِي مُعَاوِيَةُ: إِنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الْمَرْوَةَ بِمِشْقَصٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٦٤٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي مُعَاوِيَةُ) : أَيِ: ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ ( «إِنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رَأْسِ النَّبِيِّ» ) : أَيْ: شَعْرِ رَأْسِهِ ﷺ عِنْدَ الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْقَافِ، أَيْ: نَصْلٍ طَوِيلٍ عَرِيضٍ، أَوْ غَيْرِ عَرِيضٍ لَهُ حِدَّةٌ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْمِقَصُّ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُقَصِّرْ فِي حَجَّتِهِ، بَلْ حَلَقَ، فَيَكُونُ التَّقْصِيرُ الَّذِي رَوَاهُ مُعَاوِيَةُ فِي عُمْرَتِهِ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ، فَلَوْ كَانَ ﷺ حَاجًّا لَقَالَ بِمِنًى. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كَانَ ذَلِكَ فِي عُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ، اعْتَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ، وَأَرَادَ الرُّجُوعَ مِنْهَا فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، أَوْ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ إِنْ صَحَّ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَسْلَمْتُ عَامَ الْقَضِيَّةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ ﵊ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَأَنَّهُ أَحَلَّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، «قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ» ، قَالُوا: وَمُعَاوِيَةُ أَسْلَمَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا فِي الْفَتْحِ، فَلَزِمَ كَوْنُهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَكَوْنُهُ عَنْ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ قَوْلِهِ: " عِنْدَ الْمَرْوَةِ " وَالتَّقْصِيرُ فِي الْحَجِّ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مِنًى، فَدَفَعَهُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى عَدَمِ إِحْلَالِهِ جَاءَتْ مَجِيئًا مُتَظَافِرًا يَقْرُبُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ مِنْ

стр. 3785

الشُّهْرَةِ الَّتِي هِيَ قَرِيبَةٌ مِنَ التَّوَاتُرِ، كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ، وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَتْحِ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ الثَّابِتِ فِي مُسْلِمٍ، وَغَيْرِهِ، وَلَوِ انْفَرَدَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، فَكَيْفَ وَالْحَالُ مَا أَعْلَمْنَاكَ، فَلَزِمَ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ الشُّذُوذُ عَنِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ، فَإِمَّا هُوَ خَطَأٌ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى عُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ إِذْ ذَاكَ، وَهِيَ عُمْرَةٌ خَفِيَتْ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ لَيْلًا عَلَى مَا فِي التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، أَنَّهُ ﵊ خَرَجَ إِلَى الْجِعِرَّانَةِ لَيْلًا مُعْتَمِرًا، فَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا فَقَضَى عُمْرَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ؛ الْحَدِيثَ: قَالَ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ خَفِيَتْ عَلَى النَّاسِ، وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ الْحُكْمُ عَلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، بِالْخَطَأِ، وَلَوْ كَانَتْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِمَّا لِلنِّسْيَانِ مِنْ مُعَاوِيَةَ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ عَنْهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَأَنْتَ عَلِمْتَ مَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِ الْمُحَقِّقِ، قَوْلُهُ: " عِنْدَ الْمَرْوَةِ " لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، بَلْ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ.

стр. 3786

٢٦٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ ". قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٦٤٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كَانَ هَذَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَذْكُورُ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْحَلْقِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا طَمَعًا فِي دُخُولِ مَكَّةَ. قُلْتُ: لَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ( «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ» ) : حَيْثُ عَمِلُوا بِالْأَفْضَلِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي قَوْلِهِ ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] أَكْمَلُ، وَقَضَاءَ التَّفَثِ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي قَوْلِهِ : ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] يَكُونُ بِهِ أَجْمَلَ، وَبِكَوْنِهِ فِي مِيزَانِ الْعَمَلِ أَثْقَلَ (قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) : عَطْفٌ تَلْقِينِيٌّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] : أَيْ: وَاجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي أَئِمَّةً لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّلْقِينِ، كَمَا وَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ، فَإِنَّهُ دُعَاءٌ مُسْتَقِلٌّ لَا مُتَفَرِّعٌ عَنْ كَلَامٍ سَابِقٍ، وَأَمَّا تَقْدِيرُهُ: وَجَاعِلٌ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي، فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى كَافِ " جَاعِلُكَ " فَلَا وَجْهَ لَهُ، نَعَمْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّلْقِينِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ١٢٦] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦] فَإِنَّهُ يَصِحُّ التَّقْدِيرُ: وَارْزُقْ مَنْ كَفَرَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَأَرْزُقُ مَنْ كَفَرَ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ، أَوْ " مَنْ كَفَرَ " مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ " فَأُمَتِّعُهُ " (قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ) : وَتَغَافَلَ عَنِ الْعَطْفِ عَلَى وَجْهِ الْعَطْفِ دُونَ الْعُنْفِ (قَالُوا) : تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِدْعَاءِ، وَهَلْ هُوَ قَوْلُ الْمُحَلِّقِينَ، أَوِ الْمُقَصِّرِينَ، أَوْ قَوْلُهُمَا جَمِيعًا، احْتِمَالَاتٌ ثَلَاثٌ: أَظْهَرُهَا بَعْضُ الْكُلِّ مِنَ النَّوْعَيْنِ (وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ) : أَيْ: فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ. (وَالْمُقَصِّرِينَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَذَكَرَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ (وَالْمُقَصِّرِينَ) ، ثُمَّ قَالَ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ، قَالَ: " وَالْمُقَصِّرِينَ " اهـ. فَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ إِمَّا تَقْصِيرٌ مِنْهُ، أَوْ رِوَايَةٌ أُخْرَى، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ، وَيَدُلُّ الْأَوَّلُ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ، وَهُوَ قَوْلُهُ:

стр. 3787

٢٦٤٩ - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهِ ﵂، «أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً وَاحِدَةً» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٦٤٩ - (وَعَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهِ) : أَيْ: أُمِّ الْحُصَيْنِ بِنْتِ إِسْحَاقَ الْأَحْمَسِيَّةِ شَهِدَتْ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. ( «أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً وَاحِدَةً» ) : وَهِيَ فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ، عَلَى عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، أَوْ يُحْمَلُ كَلَامُ كُلِّ رَاوٍ عَلَى مَا سَمِعَ بِهِ، وَتَحَقَّقَ عِنْدَهُ وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.

стр. 3788

قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُحَلِّقِينَ أَوَّلًا بِالدُّعَاءِ دُونَ الْمُقَصِّرِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ أَخَذُوا مِنْ أَطْرَافِ شُعُورِهِمْ، وَلَمْ يَحْلِقُوا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ أَحْرَمَ مَعَهُ ﵊ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَكَانَ ﵊ قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَمَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَإِنَّهُ لَا يَحْلِقُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، فَلَمَّا أَمَرَ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَحْلِقَ وَيَحِلَّ، وَوَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الْمُقَامِ عَلَى إِحْرَامِهِمْ حَتَّى يُكْمِلُوا الْحَجَّ، وَكَانَتْ طَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْلَى لَهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنَ الْإِحْلَالِ كَانَ التَّقْصِيرُ فِي نُفُوسِهِمْ أَخَفَّ مِنَ الْحَلْقِ، فَمَالَ أَكْثَرُهُمْ إِلَيْهِ، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ بَادَرَ إِلَى الطَّاعَةِ وَحَلَقَ، وَلَمْ يُرَاجِعْ، فَلِذَا قَدَّمَ الْمُحَلِّقِينَ، وَأَخَّرَ الْمُقَصِّرِينَ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ ﵊ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَلُّلِ لَا بِخُصُوصِ الْحَلْقِ، وَإِنَّمَا اخْتَارُوا الْقَصْرَ لِقُرْبِ الزَّمَانِ مِنَ الْوُقُوفِ إِبْقَاءً لِلشَّعْرِ لِلْحَلْقِ، أَوِ الْقَصْرِ بَعْدَ الْحَجِّ، وَجَمْعًا بَيْنَ الْعَمَلَيْنِ، وَهُمَا الرُّخْصَةُ، وَالْعَزِيمَةُ، وَالرُّخْصَةُ أَوْلَى بِعْدَ الْعُمْرَةِ، وَأَمَّا الْمُقَصِّرِينَ فِي الْحَجِّ، فَعَمِلُوا بِالرُّخْصَةِ إِبْقَاءً فِي شَعْرِهِمْ لِلزِّينَةِ، بِخِلَافِ الْمُحَلِّقِينَ، فَإِنَّهُمُ اخْتَارُوا الْعَزِيمَةَ فِي الْقَضِيَّةِ، فَاسْتَحَقُّوا الْأَفْضَلِيَّةَ، وَلِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ، وَحُسْنِ الطَّوِيَّةِ، وَالتَّذَلُّلِ فِي مَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ: وَوَجْهُ أَفْضَلِيَّةِ الْحَلْقِ أَنَّ الْمُقَصِّرَ أَبْقَى عَلَى نَفْسِهِ الزِّينَةَ لِشَعْرِهِ، وَالْحَاجَّ مَأْمُورٌ بِتَرْكِ الزِّينَةِ، فَغَرِيبٌ مِنْهُ، وَكَذَا اسْتِحْسَانُ ابْنِ حَجَرٍ مِنْهُ عَجِيبٌ، فَإِنَّ الْحَاجَّ لَيْسَ مَأْمُورًا بِتَرْكِ الزِّينَةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجَّةِ، أَوِ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ لَا يُنَافِي مَا حَكَاهُ عِيَاضٌ، عَنْ بَعْضِهِمْ، أَنَّهُ كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ حِينَ أَمَرَهُمْ بِالْحَلْقِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا طَمَعًا بِدُخُولِ مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُمْ: " «أَمَرَهُمْ بِالْحَلْقِ» " فَغَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَلُّلِ، فَاخْتَارَ بَعْضُهُمُ الْحَلْقَ لِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ، وَاخْتَارَ آخَرُونَ الْقَصْرَ حَتَّى يُحَلِّقُوا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ جَمْعًا بَيْنَ الْقَضِيَّتَيْنِ، وَحِيَازَةً لِلْفَضِيلَتَيْنِ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «حَلَقَ رِجَالُ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَصَّرَ آخَرُونَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ بِمَا ذَكَرَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ مَا بَالُ الْمُحَلِّقِينَ ظَاهَرْتَ لَهُمْ بِالتَّرَحُّمِ؟ قَالَ: " لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا» ، يَعْنِي لَمْ يَطْمَعُوا فِي دُخُولِ مَكَّةَ، يَوْمَئِذٍ مُسْتَدِلِّينَ " بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَدْ أَجَابَ الصِّدِّيقُ مِنْ أَرْبَابِ التَّحْقِيقِ عَنْهُ، بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ تَقْيِيدٌ بِهَذِهِ السُّنَّةِ، ثُمَّ نَصَّ ﵊ بِهَذَا الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، هَذَا، وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْحَلْقَ، أَوِ التَّقْصِيرَ نُسُكٌ، إِمَّا وَاجِبٌ، وَإِمَّا رُكْنٌ، لَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ مِنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ إِلَّا بِهِ، وَلِلشَّافِعِيِّ ﵀ تَعَالَى - قَوْلٌ شَاذٌّ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِاسْتِبَاحَةِ مَحْظُورٍ، كَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، وَالصَّوَابُ هُوَ الْأَوَّلُ.

стр. 3789

٢٦٥٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ، فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى، وَنَحَرَ نُسُكَهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْحَلَّاقِ، وَنَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ،. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ، فَقَالَ: " احْلِقْ " فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: " اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٦٥٠ - (عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ) : أَيْ: جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى بِمَنْزِلِهِ بِمِنًى) : وَهُوَ الْآنَ يُسَمَّى مَسْجِدَ الْخَيْفِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ مَا بَيْنَ مَسْجِدِ الْخَيْفِ، وَمَحَلِّ نَحْرِهِ الْمَشْهُورِ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ إِلَى عَرَفَةَ (وَنَحَرَ نُسُكَهُ) : بِسُكُونِ السِّينِ، وَيُضَمُّ جَمْعُ نَسِيكَةٍ، وَهِيَ الذَّبِيحَةُ، وَالْمُرَادُ بُدْنَهُ ﵊، وَقَدْ نَحَرَ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَنْحَرَ بَقِيَّةَ الْمِائَةِ (ثُمَّ دَعَا بِالْحَلَّاقِ) : وَهُوَ الْمُزَيِّنُ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ، وَقِيلَ: غَيْرُهُ (وَنَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ) : أَيْ: جَانِبَهُ (الْأَيْمَنَ) : أَيْ: مِنَ الرَّأْسِ (فَحَلَقَهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الِابْتِدَاءُ بِالْأَيْمَنِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الْأَيْسَرُ اهـ. أَيْ: لِيَكُونَ أَيْمَنَ الْحَالِقِ، وَنُسِبَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ هَذَا، وَسَبَبُ ذَلِكَ قَاسَ أَوَّلًا يَمِينَ الْفَاعِلِ، كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنَ التَّيَامُنِ، وَلِمَا بَلَغَهُ أَنَّهُ ﵊ اعْتَبَرَ يَمِينَ الْمَفْعُولِ، رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمَعْقُولِ إِلَى صَرِيحِ الْمَنْقُولِ، إِذَا لَحِقَ بِالِاتِّبَاعِ أَحَقُّ، وَلَوْ وَقَفَ الْحَالِقُ خَلْفَ الْمَحْلُوقِ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَيْمَنَيْنِ. (ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ) : هُوَ عَمُّ أَنَسٍ وَزَوْجُ أُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَكَانَ لَهُ ﵊ بِأَبِي طَلْحَةَ، وَأَهْلِهِ مَزِيدُ خُصُوصِيَّةٍ وَمَحَبَّةٍ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَبْرَارِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَهُوَ الَّذِي حَفَرَ قَبْرَهُ الشَّرِيفَ وَلَحَدَ لَهُ وَبَنَى فِيهِ اللَّبِنَ، وَخَصَّهُ بِدَفْنِهِ لِبِنْتِهِ أُمِّ كُلْثُومٍ وَزَوْجُهَا عُثْمَانُ حَاضِرٌ،

стр. 3790

(فَأَعْطَاهُ) : أَيْ: أَبَا طَلْحَةَ (إِيَّاهُ) : أَيِ: الشَّعْرَ الْمَحْلُوقَ (ثُمَّ نَاوَلَ) : أَيِ: الْحَالِقَ (شِقَّهُ الْأَيْسَرَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: الشِّقَّ الْأَيْسَرَ (فَقَالَ) : بِلِسَانِ الْقَالِ، أَوِ الْحَالِ (احْلِقْ " فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: " اقْسِمْهُ ": أَيِ: الْمَجْمُوعَ (بَيْنَ النَّاسِ) دَلَّ عَلَى طَهَارَةِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ خِلَافًا لِمَنْ شَذَّ، وَأَنْ يُتَبَرَّكَ بِأَشْعَارِهِ ﵊ وَبَاقِي أَثَارِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ، فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى، فَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ: خُذْ، وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْحَلْقِ: الْبُدَاءَةُ بِيَمِينِ الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَذْهَبِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ اهـ. وَقَالَ السُّرُوجِيُّ: وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْمَحْلُوقِ، وَذَكَرَ كَذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَلَمْ يَعْزُ إِلَى أَحَدٍ، وَالسُّنَّةُ أَوْلَى، وَقَدْ أَخَذَ الْإِمَامُ بِقَوْلِ الْحَلَّاقِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَلَوْ كَانَ مَذْهَبُهُ خِلَافَهُ لَمَا وَافَقَهُ، وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ الْعَجَمِيِّ وَالْبَحْرِ: هُوَ الْمُخْتَارُ، وَقَالَ فِي " النُّخْبَةِ ": هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدْ رُوِيَ رُجُوعُ الْإِمَامِ عَمَّا نَقَلَ عَنْهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: أَخْطَأْتُ فِي الْحَجِّ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، وَذَكَرَ مِنْهُ الْبُدَاءَةَ بِيَمِينِ الْحَالِقِ، فَصَحَّ تَصْحِيحُ قَوْلِهِ الْأَخِيرِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يُقَلِّمَ بَعْدَ الْحَلْقِ، أَوِ التَّقْصِيرِ أَظْفَارَهُ لِلِاتِّبَاعِ، كَمَا صَحَّ عَنْهُ ﵊، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ. أَقُولُ: وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] .

стр. 3791

٢٦٥١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ (بِطِيبٍ) فِيهِ مِسْكٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٦٥١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» ) : أَيْ: بِالْحَجِّ، أَوِ الْعُمْرَةِ، أَوْ بِهِمَا (وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) " أَيْ: بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ بِالْحَلْقِ (بِطِيبٍ) مُتَعَلِّقٍ بِـ " أُطَيِّبُ " (فِيهِ) : أَيْ: فِي أَجْزَائِهِ (مِسْكٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ جَعَلَ الطِّيبَ تَابِعًا لِلْجِمَاعِ.

стр. 3792

٢٦٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٦٥٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ) : أَيْ: نَزَلَ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ رَمْيِهِ وَذَبْحِهِ، فَطَافَ طَوَافَ الْفَرْضِ وَقْتَ الضُّحَى (ثُمَّ رَجَعَ) : أَيْ: فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالَّذِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ الثَّابِتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ السُّنَنِ خِلَافُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ وَهْمٌ، وَإِذَا تَعَارَضَا؛ وَلَا بُدَّ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي أَحَدِ الْمَكَانَيْنِ، فَفِي مَكَّةَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِثُبُوتِ مُضَاعَفَةِ الْفَرَائِضِ فِيهِ أَوْلَى اهـ. وَالْحَمْلُ عَلَى أَنَّهُ أَعَادَ الظُّهْرَ - بِمَعْنَى مُقْتَدِيًا عَلَى مَذْهَبِنَا، أَوْ إِمَامًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالظُّهْرِ حِينَ انْتَظَرُوهُ - أَوْلَى مِنَ الْحَمْلِ عَلَى الْوَهْمِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَزُورُ الْبَيْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، فَلْيُحْمَلْ عَلَى يَوْمٍ آخَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَوْجِيهَاتٌ أُخَرُ، فَتَدَبَّرْ، وَأَمَّا خَبَرُ التِّرْمِذِيِّ الَّذِي حَسَّنَهُ، «أَنَّهُ ﷺ أَخَّرَ طَوَافَهُ إِلَى اللَّيْلِ» ، فَمُئَوَّلٌ بِأَنَّهُ أَخَّرَ طَوَافَ نِسَائِهِ إِلَى اللَّيْلِ، أَوْ جَوَّزَ تَأْخِيرَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ إِلَى اللَّيْلِ، أَوِ الْمَعْنَى: أَخَّرَ طَوَافَهُ الْكَائِنَ مَعَ نِسَائِهِ إِلَى اللَّيْلِ لِرِوَايَةِ: ( «أَنَّهُ ﵊ زَارَ مَعَ نِسَائِهِ لَيْلًا» ) ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ: رَمْيُهُ وَحَلْقُهُ قَبَلَ الظُّهْرِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ كَوْنُهُ بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى، إِذِ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالْإِفَاضَةِ مُعْتَبَرٌ، فَظَهَرَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْبَابِ، وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَتَدَبَّرْ ﵏ تَعَالَى -.

стр. 3793

الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٦٥٣ - عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ ﵄، قَالَا: «نَهَى رَسُولُ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٦٥٣ - (عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» ) : أَيْ: فِي التَّحَلُّلِ، أَوْ مُطْلَقًا إِلَّا لِضَرُورَةٍ، فَإِنَّ حَلْقَهَا مِثْلُهُ كَحَلْقِ اللِّحْيَةِ لِلرَّجُلِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَكَذَا النَّسَائِيُّ.

стр. 3794

٢٦٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ. [وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ مِنَ الْفَصْلِ الثَّالِثِ] ــ ٢٦٥٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ» ) : أَيْ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ الْحَلْقُ فِي التَّحَلُّلِ ( «إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ الْتَقْصِيرُ» ) أَيْ: إِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ، بِخِلَافِ الرِّجَالِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَحَدُهُمَا، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ، ثُمَّ قِيلَ: أَقَلُّ التَّقْصِيرِ ثَلَاثُ شُعَيْرَاتٍ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَعِنْدَنَا: التَّقْصِيرُ هُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رُءُوسِ شَعْرِ رَأْسِهِ مِقْدَارَ أُنْمُلَةٍ، رَجُلًا كَانَ، أَوِ امْرَأَةً، وَيَجِبُ مِقْدَارُ الرُّبْعِ عَلَى مَا هُوَ الْمُقَرَّرُ فِي الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ: وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ، وَادَّعَى أَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ كَمَا تَقَدَّمَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ: وَالتِّرْمِذِيُّ بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَفِي نُسْخَةِ الْعَفِيفِ: بِلَا وَاوٍ بَدَلَ الدَّارِمِيِّ. وَفِي نُسْخَةٍ: وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاعْتِذَارِ، وَلَعَلَّهُ لِدَفْعٍ وَهُوَ الْإِسْقَاطُ.

стр. 3795

[بَابٌ فِي تَقْدِيمِ وَتَأْخِيرِ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٦٥٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ. فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَقَالَ: " اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ ". فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: " ارْمِ، وَلَا حَرَجَ ". فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ، وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: " افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (٩) [بَابٌ فِي تَقْدِيمِ وَتَأْخِيرِ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ] بِالتَّنْوِينِ، وَالسُّكُونِ، وَفِي نُسْخَةٍ: بَابُ جَوَازِ التَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ فِي بَعْضِ أُمُورِ الْحَجِّ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: بَابٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْحَلْقِ، فَلِذَا لَمْ يُؤْتَ بِالتَّرْجَمَةِ فَغَرِيبٌ، مَعَ أَنَّ الْبَابَ مُشْتَمِلٌ عَلَى ذِكْرِ الْحَلْقِ، وَالرَّمْيِ، وَالذَّبْحِ، وَالْإِفَاضَةِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٦٥٥ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْوَاوِ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا (بِمِنًى لِلنَّاسِ) : أَيْ: لِأَجْلِهِمْ (يَسْأَلُونَهُ) : حَالٌ مِنْ فَاعِلِ " وَقَفَ " أَوْ مِنَ " النَّاسِ " أَوِ اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ عِلَّةِ الْوُقُوفِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُؤَيِّدُ الْأَخِيرَ رِوَايَةُ: " وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ "؛ (فَجَاءَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَجَاءَهُ بِالضَّمِيرِ (رَجُلٌ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ) : أَيْ: مَا عَرَفْتُ تَقْدِيمَ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ وَتَأْخِيرَهَا، فَيَكُونُ جَاهِلًا

стр. 3796

لِقُرْبِ وُجُوبِ الْحَجِّ، أَوْ فَعَلْتُ مَا ذَكَرْتُ مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ لِكَثْرَةِ الِاشْتِغَالِ ; فَيَكُونُ مُخْطِئًا ( «فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَقَالَ: " اذْبَحْ» ) : أَيِ: الْآنَ " وَلَا حَرَجَ ": أَيْ: لَا إِثْمَ عَلَيْكَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْفِدْيَةِ ( «فَجَاءَ آخَرُ، قَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: " ارْمِ وَلَا حَرَجَ، فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ» ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: وَحَقُّهُ التَّأْخِيرُ (وَلَا أُخِّرَ) : أَيْ: وَلَا عَنْ شَيْءٍ حَقُّهُ التَّقْدِيمُ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ " لَا " فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] . وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا: أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ دَاخِلًا فِي تِلْكَ الْقَاعِدَةِ، وَهِيَ أَنَّ " لَا " إِنْ كَانَ مَا بَعْدَهَا فِعْلًا مَاضِيًا وَجَبَ تَكْرَارُهَا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١] وَمِنْهَا: أَنَّ الْآيَةَ أَيْضًا خَارِجَةٌ عَنْهَا لِمَا فِي الْمَعْنَى وَغَيْرِهِ أَنَّ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ " لَا " إِنْ كَانَ فِعْلًا مُضَارِعًا لَمْ يَجِبْ تَكْرَارُهَا نَحْوُ ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٤٨] وَ ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ إِيرَادِهِ الْآيَةَ؛ نَظِيرُ الْوُجُودِ تَكْرَارُ " مَا " النَّافِيَةِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ عِبَارَتِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ " مَا " فِي مَا يَفْعَلُ لَيْسَتْ بِنَافِيَةٍ، بَلْ هِيَ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، أَوْ مَوْصُولَةٌ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ جَاءَ تَرْكُ التَّكْرَارِ فِي: لَا شُلَّتْ يَدَاكَ، بِلَا تَكْرَارٍ، وَكَذَا لَا فَضَّ اللَّهُ فَاكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الدُّعَاءُ، فَالْفِعْلُ مُسْتَقْبَلٌ فِي الْمَعْنَى، وَمِنْهَا: أَنَّهُ شَذَّ تَرْكُ التَّكْرَارِ فِي قَوْلِهِ: إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا وَمِنْهَا: أَنَّ تَقْدِيرَ " لَا " فِي الْأَوَّلِ، أَوِ الْآخِرِ فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ. (إِلَّا قَالَ: " افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ " قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَفْعَالُ يَوْمِ النَّحْرِ أَرْبَعَةٌ: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ الذَّبْحُ، ثُمَّ الْحَلْقُ، ثُمَّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ، فَقِيلَ: هَذَا التَّرْتِيبُ سُنَّةٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، لِهَذَا الْحَدِيثِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهِ دَمٌ، وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: إِنَّهُ وَاجِبٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: " وَلَا حَرَجَ " عَلَى دَفْعِ الْإِثْمِ لِجَهْلِهِ دُونَ الْفِدْيَةِ اهـ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَوْجَبَ الدَّمَ، فَلَوْلَا أَنَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ لَمَا أَمَرَ بِخِلَافِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «أَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: " ارْمِ، وَلَا حَرَجَ " وَأَتَاهُ آخَرُ، قَالَ: أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: (ارْمِ، وَلَا حَرَجَ» ) : اعْلَمْ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الرَّمْيِ، وَالذَّبْحِ، وَالْحَلْقِ لِلْقَارِنِ، وَالْمُتَمَتِّعِ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُنَّةٌ عِنْدَهُمَا، وَكَذَا تَخْصِيصُ الذَّبْحِ بِأَيَّامِ النَّحْرِ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ الذَّبْحِ بِالْحَرَمِ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ بِالِاتِّفَاقِ، فَلَوْ ذَبَحَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَلَا يَسْقُطُ مَا لَمْ يَذْبَحْ فِي الْحَرَمِ، وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالطَّوَافِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَكَذَا بَيْنَ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ، فَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ، وَالطَّوَافِ وَاجِبٌ: فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.

стр. 3797

٢٦٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَيَقُولُ: لَا حَرَجَ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ. فَقَالَ: " لَا حَرَجَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٦٥٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى» ) : أَيْ: عَنِ التَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ ( «فَيَقُولُ: " لَا حَرَجَ " فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ، فَقَالَ: " لَا حَرَجَ» : أَيْ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: بَعْدَ الْعَصْرِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَوَهُّمُ تَقْصِيرٍ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى فِي أَوَّلِ أَيَّامِ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا غَرُبَتِ الشَّمْسُ فَاتَ وَقْتُ الرَّمْيِ، وَلَزِمَهُ دَمٌ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ اهـ. وَأَمَّا مَذْهَبُنَا، فَفِي أَيَّامِ الرَّمْيِ تَفْصِيلٌ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ: إِنَّ مَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَقْتُ الْجَوَازِ مَعَ الْإِسَاءَةِ، وَمَا بَعْدُ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ وَقْتٌ مَسْنُونٌ، وَمَا بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَى الْغُرُوبِ وَقْتُ

стр. 3798

الْجَوَازِ بِلَا إِسَاءَةٍ، وَاللَّيْلُ وَقْتُ الْجَوَازِ مَعَ الْإِسَاءَةِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ مَحَلِّ ثُبُوتِ الْإِسَاءَةِ عَدَمَ الْعُذْرِ، حَتَّى لَا يَكُونَ رَمْيُ الضَّعَفَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَرَمْيُ الرِّعَاءِ لَيْلًا يُلْزِمُهُمُ الْإِسَاءَةَ، وَكَيْفَ بِذَلِكَ بَعْدَ التَّرْخِيصِ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الرِّعَاءِ، وَأَمَّا فِي الضَّعَفَةِ، فَضَعِيفٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي حَقِّهِمْ: " «لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» " ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: وَلَوْ أَخَّرَهُ إِلَى غَدِهِ رَمَاهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خِلَافًا لَهُمْ. اهـ. فَقَوْلُهُ: أَمْسَيْتُ ضِدُّ أَصْبَحْتُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَأَمَّا تَفْسِيرُ الطِّيبِيِّ ﵀ بِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ فَغَرِيبٌ، ثُمَّ الْوَقْتُ الْمَسْنُونُ فِي الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقْتٌ مَكْرُوهٌ، وَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَ وَقْتُ الْأَدَاءِ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا، وَبَقِيَ وَقْتُ الْقَضَاءِ اتِّفَاقًا، وَإِذَا غَرُبَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَقَدْ فَاتَ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ بِالْإِجْمَاعِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3799

الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٦٥٧ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «أَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ، فَقَالَ: " احْلِقْ، أَوْ قَصِّرْ، وَلَا حَرَجَ ". وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: " ارْمِ، وَلَا حَرَجَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٦٥٧ - (عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: أَتَاهُ) : أَيِ: النَّبِيَّ ﷺ (رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَفَضْتُ) : أَيْ: طُفْتُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ (قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ، قَالَ: " احْلِقْ، أَوْ قَصِّرْ) : " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ (وَلَا حَرَجَ) : أَيْ: لَا إِثْمَ، وَلَا فِدْيَةَ (وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَالَ: " ارْمِ وَلَا حَرَجَ) : أَيْ: لَا إِثْمَ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَى الْمُفْرِدِ، وَأَمَّا الْقَارِنُ، وَالْمُتَمَتِّعُ فَلَيْسَ عَلَيْهِمَا الْإِثْمُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ لَكِنْ عَلَيْهِمَا الْكَفَّارَةُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 3800

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٦٥٨ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ ﵁، قَالَ: «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ ﷺ حَاجًّا، فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ، فَمِنْ قَائِلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ، أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا، أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا، فَكَانَ يَقُولُ: " لَا حَرَجَ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ اقْتَرَضَ عِرْضَ مُسْلِمٍ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَذَلِكَ الَّذِي حَرَجَ وَهَلَكَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٦٥٨ - (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ) : بِفَتْحِ الشِّينِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاجًّا) : أَيْ: مُرِيدَ الْحَجِّ (فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ فَمِنْ قَائِلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعَيْتُ) : أَيْ: لِلْحَجِّ عَقِيبَ الْإِحْرَامِ بَعْدَ طَوَافِ قُدُومِ الْآفَاقِيِّ، أَوْ طَوَافِ نَفْلٍ لِلْمَكِّيِّ (قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ) : أَيْ: طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُهُ يَشْمَلُ الْآفَاقِيَّ، وَالْمَكِّيَّ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا عَلَى اخْتِلَافٍ فِي أَفْضَلِيَّةِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ حَيْثُ قَيَّدَهُ بِالْأَفَاقِيِّ (أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا، أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا) : أَيْ: فِي أَفْعَالِ أَيَّامِ مِنًى (فَكَانَ يَقُولُ: لَا حَرَجَ ": أَيْ: لَا إِثْمَ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ) : الِاسْتِثْنَاءُ يُؤَيِّدُ أَنَّ مَعْنَى الْحَرَجِ هُوَ: الْإِثْمُ (اقْتَرَضَ) : بِالْقَافِ أَيِ: اقْتَطَعَ (عِرْضَ مُسْلِمٍ) : أَيْ: نَالَ مِنْهُ وَقَطَعَهُ بِالْغِيبَةِ، أَوْ غَيْرِهَا (وَهُوَ) : أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ (ظَالِمٌ) : فَيَخْرُجُ حَرَجُ الرُّوَاةِ، وَالشُّهُودِ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ (فَذَلِكَ الَّذِي) : أَيِ: الرَّجُلُ الْمَوْصُوفُ (حَرِجَ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ: وَقَعَ مِنْهُ حَرَجٌ (وَهَلَكَ) : أَيْ: بِالْإِثْمِ، وَالْعَطْفُ تَفْسِيرِيٌّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَقَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيثَ: " إِنَّ سِتًّا وَثَلَاثِينَ زَنْيَةً بِالْأُمِّ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ أَهْوَنُ مِنْ عِرْضِ مُسْلِمٍ ".

стр. 3801

[بَابٌ خُطْبَةُ يَوْمِ النَّحْرِ وَرَمْيُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالتَّوْدِيعُ]

стр. 3802

(١٠) بَابٌ: خُطْبَةُ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْيُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعُ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٦٥٩ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، قَالَ: «خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: " إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ، ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) . وَقَالَ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ: " أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ " قُلْنَا: بَلَى. قَالَ " أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ " قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟ ". قُلْنَا بَلَى. قَالَ: " فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: " أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ " قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: " فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ. عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بِعْدِي ضُلَّالًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [١٠] بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ الْخُطْبَةُ: الْمُرَاجَعَةُ فِي الْكَلَامِ، وَمِنْهُ: الْخُطْبَةُ وَالْخِطْبَةُ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ بِالضَّمِّ مُخْتَصَّةٌ بِالْمَوْعِظَةِ، وَالْخِطْبَةِ بِالْكَسْرِ بِطَلَبِ الْمَرْأَةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (وَرَمْيُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) : عَطْفٌ عَلَى خُطْبَةٍ (وَالتَّوْدِيعُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: عَطْفٌ عَلَى " التَّشْرِيقِ " أَيِ: الْأَيَّامِ الَّتِي تَسْتَتْبِعُ طَوَافَ الْوَدَاعِ اهـ. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ: عَطْفٌ عَلَى " رَمْيُ " أَوْ " خُطْبَةُ " فَإِنَّهُ مَا وَقَعَ طَوَافُ وَدَاعِهِ ﵊ إِلَّا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي بَعْدَ أَيَّامٍ، وَلِلِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِهِ فِي أَيَّامٍ، وَمَا بَعْدَهَا، بَلِ الْأَوْلَى عِنْدَ الْكُلِّ تَأْخِيرُهُ إِلَى حِينِ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ، فَلَا وَجْهَ لِتَقْيِيدِهِ بِأَيَّامٍ، مَعَ أَنَّهُ تَكْرَارٌ مَحْضٌ لَا إِفَادَةَ فِي إِعَادَتِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٦٥٩ - (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) : أَيِ: الثَّقَفِيِّ (قَالَ: خَطَبَنَا) : أَيْ: وَعَظَنَا (النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ) : يُسْتَحَبُّ الْخُطْبَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَعِنْدَنَا فِي الثَّانِي مِنْ أَيَّامِهِ، وَتَقْيِيدُهُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَنَا، وَبِهِ اسْتَشْكَلَ النَّوَوِيُّ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مِنْ قَوْلِهِمْ: يُسَنُّ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ، أَوْ نَائِبُهُ النَّاسَ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى خُطْبَةً فَرْدَةً، يُعَلِّمُ فِيهَا الْمَنَاسِكَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَقَوْلُهُمْ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهَا كَانَتْ تُضَحِّي اهـ. فَالصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْخُطْبَةَ كَانَتْ خُطْبَةَ مَوْعِظَةٍ، وَأَنَّ الْخُطْبَةَ الْمَعْرُوفَةَ كَانَتْ ثَانِيَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ: إِنَّ الزَّمَانَ) : هُوَ اسْمٌ لِقَلِيلِ الْوَقْتِ وَكَثِيرِهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا السَّنَةُ. (قَدِ اسْتَدَارَ) : أَيْ: دَارَ (كَهَيْئَتِهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْهَيْئَةُ صُورَةُ الشَّيْءِ وَشَكْلُهُ وَحَالَتُهُ، وَالْكَافُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيِ: اسْتَدَارَ اسْتِدَارَةً مِثْلَ حَالَتِهِ (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ) : أَيْ: وَمَا فِيهَا مِنَ النَّيِّرَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا تُعْرَفُ الْأَيَّامُ، وَاللَّيَالِي، وَالسَّنَةُ وَالْأَشْهُرُ، وَفِي نُسْخَةٍ: " كَهَيْئَةِ يَوْمٍ " بِالْإِضَافَةِ، وَهُوَ خِلَافُ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ (وَالْأَرْضَ) : أَيْ: عَادَ وَرَجَعَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، يَعْنِي: الزَّمَانَ فِي انْقِسَامِهِ إِلَى الْأَعْوَامِ، وَالْأَعْوَامَ إِلَى الْأَشْهُرِ عَادَ إِلَى أَصْلِ الْحِسَابِ، وَالْوَضْعِ الَّذِي اخْتَارَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَوَضَعَهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ عُلَمَائِنَا: أَيْ: دَارَ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي اخْتَارَهُ اللَّهُ، وَوَضَعَهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ عَامٍ اثْنَى عَشَرَ شَهْرًا، وَكُلُّ شَهْرٍ مَا بَيْنَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ إِلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ غَيَّرُوا ذَلِكَ ; فَجَعَلُوا عَامًا اثْنَى عَشَرَ شَهْرًا، وَعَامًا ثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُنْسِئُونَ الْحَجِّ فِي كُلِّ عَامَيْنِ مِنْ شَهْرٍ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ بَعْدَهُ، وَيَجْعَلُونَ الشَّهْرَ الَّذِي أَنْسَئُوهُ مُلْغًى، فَتَصِيرُ تِلْكَ السَّنَةُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَتَتَبَدَّلُ أَشْهُرُهَا، فَيُحِلُّونَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ، وَيُحَرِّمُونَ غَيْرَهَا، كَمَا قَالَ - تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] الْآيَةَ. فَأَبْطَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - ذَلِكَ، وَقَرَّرَهُ عَلَى مَدَارِهِ الْأَصْلِيِّ، فَالسَّنَةُ الَّتِي حَجَّ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ هِيَ السَّنَةُ الَّتِي وَصَلَ ذُو الْحِجَّةِ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ) يَعْنِي أَمَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يَكُونُ ذُو الْحِجَّةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَاحْفَظُوهُ، وَاجْعَلُوا الْحَجَّ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَلَا تُبَدِّلُوا شَهْرًا بِشَهْرٍ كَعَادَةِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ اهـ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: كَانُوا إِذَا جَاءَ شَهْرٌ حَرَامٌ، وَهُمْ مُحَارِبُونَ أَحَلُّوهُ، وَحَرَّمُوا مَكَانَهُ شَهْرًا آخَرَ، حَتَّى رَفَضُوا خُصُوصَ الْأَشْهُرِ، وَاعْتَبَرُوا مُجَرَّدَ الْعَدَدِ اهـ. فَكَأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ فِي النَّسِيءِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. (السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) : قَالَ - تَعَالَى: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) .

стр. 3803

قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ ﵀: أَيْ: بِهَتْكِ حُرْمَتِهَا، وَارْتِكَابِ حَرَامِهَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ حُرْمَةَ الْمُقَاتَلَةِ فِيهَا مَنْسُوخَةٌ، وَأَوَّلُوا الظُّلْمَ بِارْتِكَابِ الْمَعَاصِي فِيهِنَّ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ وِزْرًا كَارْتِكَابِهَا فِي الْحَرَمِ، وَحَالَ الْإِحْرَامِ. وَعَنْ عَطَاءٍ: لَا يَحِلُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَغْزُوا فِي الْحَرَمِ وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، إِلَّا أَنْ يُقَاتَلُوا، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ حَاصَرَ الطَّائِفَ، وَغَزَا هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ فِي شَوَّالٍ وَذِي الْقَعْدَةِ (ثَلَاثٌ) : أَيْ: لَيَالِي (مُتَوَالِيَاتٌ) : أَيْ: مُتَتَابِعَاتٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اعْتَبَرَ ابْتِدَاءَ الشُّهُورِ مِنَ اللَّيَالِي، فَحَذَفَ التَّاءَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ تَغْلِيبٌ لِلَّيَالِي هُنَا كَمَا فِي " أَرْبَعَةٌ " تَغْلِيبٌ لِلْأَيَّامِ. (ذُو الْقَعْدَةِ) : بِفَتْحِ الْقَافِ، وَيُكْسَرُ (وَذُو الْحِجَّةِ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَقَدْ يُحْذَفُ مِنْهَا ذُو (وَالْمُحَرَّمُ) : عَطْفٌ عَلَى " ذُو الْقَعْدَةِ " كَانَ الْعَرَبُ يُؤَخِّرُونَ الْمُحَرَّمَ إِلَى صَفَرٍ مَثَلًا، لِيُقَاتِلُوا فِيهِ، وَهُوَ النَّسِيءُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ، وَهَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَيَدُورُ الْمُحَرَّمُ فِي جَمِيعِ الشُّهُورِ، فَفِي سَنَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَادَ الْمُحَرَّمُ إِلَى أَصْلِهِ قَبْلُ، فَلِذَلِكَ أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَجَّ إِلَى تِلْكَ السَّنَةِ اهـ. لَكِنْ يُشْكِلُ حَيْثُ أَمَّرَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، وَأَمَرَهُ بِالْحَجِّ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مَعَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يُصْبِحُ فِي غَيْرِ الْحَجَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ كَتَبْتُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ ﵀ وَافَقَنِي فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: وَمِمَّا يَتَعَيَّنُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ الْحَجَّ سَنَةَ ثَمَانٍ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ أَمِيرُ مَكَّةَ، وَسَنَةَ تِسْعٍ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ، إِنَّمَا كَانَتْ فِي الْحِجَّةِ، كَانَ الزَّمَانُ اسْتَدَارَ فِيهِمَا لِاسْتِحَالَةِ أَمْرِهِ ﷺ لِلنَّاسِ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ الْحِجَّةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُنَافِي ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " قَدِ اسْتَدَارَ " صَادِقٌ بِهَذِهِ الْحِجَّةِ وَمَا قَبْلَهَا، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى الْعَامِلِينَ قَبْلَهَا أَيْضًا، كَمَا قَطَعَتْ بِهِ الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ. (وَرَجَبُ مُضَرَ) : عَلَى وَزْنِ عُمَرَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ. قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الْعَرَبِ أُضِيفَ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ فَوْقَ مَا يُعَظِّمُونَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَشْهُرِ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَهُ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ، وَلَا يُوَافِقُونَ غَيْرَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ فِي اسْتِحْلَالِهِ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى " ثَلَاثٌ " وَأَمَّا تَعْرِيفُهُ بِقَوْلِهِ: (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَبَعْدَهُ أَلِفٌ، وَرَسْمُهُ بِالْيَاءِ (وَشَعْبَانَ) : فَلِإِزَاحَةِ الِارْتِيَابِ الْحَادِثِ فِيهِ مِنَ النَّسِيءِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ (وَقَالَ: " أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟) : أَرَادَ بِهَذَا الِاسْتِفْهَامِ أَنْ يُقَرِّرَ فِي نُفُوسِهِمْ حُرْمَةَ الشَّهْرِ، وَالْبَلْدَةِ، وَالْيَوْمِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ مَا أَرَادَهُ (قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) : رِعَايَةً لِلْأَدَبِ، وَتَحَرُّزًا عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَوَقُّفًا فِيمَا لَا يُعْلَمُ الْغَرَضُ مِنَ السُّؤَالِ عَنْهُ (فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ: أَلَيْسَ) : أَيْ: هَذَا الشَّهْرُ أَوِ اسْمُهُ (ذَا الْحِجَّةِ) قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: " أَيُّ بَلَدٍ هَذَا " قُلْنَا: (اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ) : بِلَا فَاءٍ (أَلَيْسَ) : أَيِ: الْبَلَدُ (الْبَلْدَةَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: غَلَبَتِ الْبَلْدَةُ عَلَى مَكَّةَ كَالْبَيْتِ عَلَى الْكَعْبَةِ اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيِ: الْبَلْدَةَ الَّتِي تَعْلَمُونَهَا مَكَّةَ، وَقِيلَ: هِيَ اسْمُ مَكَّةَ اهـ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَلَدِ الْأَرْضُ بِقَرِينَةِ الْإِشَارَةِ بِهَذَا فِي مِنًى، وَالْبَلْدَةُ وَإِنْ كَانَتِ اسْمَ مَكَّةَ لَكِنْ قَدْ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا أَرْضُ الْحَرَمِ كُلُّهَا مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْجُزْءِ، وَإِرَادَةِ الْكُلِّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١] وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّحْرِيمَ يَعُمُّ مَوَاضِعَ الْحَرَمِ كُلَّهَا (وَقُلْنَا: بَلَى. قَالَ: " فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: " أَلَيْسَ) : أَيْ: هَذَا الْيَوْمُ (يَوْمَ النَّحْرِ؟) قُلْنَا: (بَلَى) : وَلَعَلَّ فَائِدَةَ السُّؤَالِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ مَعَ تَكَرُّرِ الْحَالِ ; لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي الْقَلْبِ، وَأَحْفَظَ فِي النَّفْسِ (قَالَ: " فَإِنَّ دِمَائَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ) : أَيْ: تَعَرُّضَكُمْ لِبَعْضِكُمْ فِي دِمَائِكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ، وَأَعْرَاضِكُمْ:

стр. 3804

الْعِرْضُ - بِالْكَسْرَةِ - مَوْضِعُ الْمَدْحِ، وَالذَّمِّ مِنَ الْإِنْسَانِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِهِ، أَوْ سَلَفِهِ (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ) : أَيْ: مُحَرَّمٌ حُرْمَةً شَدِيدَةً (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) : وَالْمُشَبَّهُ بِهِ قَدْ لَا يَكُونُ أَقْوَى بَأَنْ يَكُونَ أَشْهَرَ، وَأَظْهَرَ، وَكَانَ كَذَلِكَ سُنَّةُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ (وَفِي بَلَدِكُمْ هَذَا) : فَالْمَعْصِيَةُ بِهِ عَظِيمَةٌ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵀، وَجَمْعٌ مِنْ أَتْبَاعِهِ بِمُضَاعَفَةِ السَّيِّئَاتِ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ بِهَا، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ السَّيِّئَةَ بِهَا تُضَاعَفُ كَيْفِيَّةً لَا كَمِّيَّةً، لِئَلَّا يُخَالِفَ حَصْرَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] : وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِلتَّعَدُّدِ الَّذِي ادَّعُوهُ، بَلْ لِلْعِظَمِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) : إِنَّمَا شَبَّهَهَا فِي الْحُرْمَةِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ اسْتِبَاحَةَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، وَانْتِهَاكَ حُرْمَتِهَا بِحَالٍ (وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ) : أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ (فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ) : أَيِ: الْقَلِيلَةِ وَالْكَثِيرَةِ (أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ (فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي) : أَيْ: لَا تَصِيرُوا بَعْدَ وَفَاتِي (ضُلَّالًا) : بِضَمِّ الضَّادِ، وَتَشْدِيدِ اللَّامِ جَمْعُ ضَالٍّ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيُرْوَى كُفَّارًا أَيْ: مُشَبَّهِينَ بِهِمْ فِي الْأَعْمَالِ (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ أَوْ حَالٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ (أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ (هَلْ بَلَّغْتُ؟) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، أَيْ: أَعْلَمْتُكُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيَّ مِنْ رَبِّي؟ (قَالُوا) : نَعَمْ قَالَ: " اللَّهُمَّ اشْهَدْ) : أَيْ: لِي وَعَلَيْهِمْ (فَلْيُبَلِّغِ) : بِالتَّشْدِيدِ، وَيُخَفَّفُ، أَيْ: لِيُخْبِرِ (الشَّاهِدُ) : أَيِ: الْحَاضِرُ (الْغَائِبَ) : أَيْ: حَقِيقَةً، أَوْ حُكْمًا (فَرُبَّ مُبَلَّغٍ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ، أَيْ: مَنْ يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ (أَوْعَى) أَيْ: أَحْفَظُ لِمَبْنَاهُ، وَأَفْهَمُ لِمَعْنَاهُ (مِنْ سَامِعٍ) : فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْغَائِبِينَ، وَتَقْوِيَةٌ لِلتَّابِعِينَ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ بَابَ اللَّهِ مَفْتُوحٌ لِلسَّالِكِينَ، وَلَا يَطْرُدُ عَنْ بَابِهِ إِلَّا الْهَالِكِينَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3805

٢٦٦٠ - وَعَنْ وَبَرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄: مَتَى أَرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهِ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ فَقَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٦٦٠ - (وَعَنْ وَبَرَةَ) : بِفَتَحَاتٍ، وَقِيلَ: بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ وَهُوَ: ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّابِعِيُّ (قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ: مَتَى أَرْمِي الْجِمَارَ؟) : أَيْ: فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ (قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ) : أَيِ: اقْتَدِ فِي الرَّمْيِ بِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ بِوَقْتِ الرَّمْيِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ تَبِعَ عَالِمًا لَقِيَ اللَّهَ سَالِمًا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، أَيِ: الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ إِنْ حَضَرَ الْحَجَّ، وَإِلَّا فَأَمِيرُ الْحَجِّ، فَفِيهِ أَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي زَمَانِنَا. (فَارْمِهِ) : بِهَاءِ الضَّمِيرِ، أَوِ السَّكْتِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ تَقْدِيرُهُ: " ارْمِ " مَوْضِعَ " الْجَمْرَةِ " أَوِ ارْمِ الرَّمْيَ أَوِ الْحَصَى (فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ) : أَرَدْتُ تَحْقِيقَ وَقْتِ رَمْيِ الْجَمْرَةِ (فَقَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ) : أَيْ: نَطْلُبُ الْحِينَ وَالْوَقْتَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: نَنْتَظِرُ دُخُولَ وَقْتِ الرَّمْيِ (فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا) : بِلَا ضَمِيرٍ أَيِ: الْجَمْرَةَ، وَفِي نُسْخَةٍ: رَمَيْنَاهُ أَيِ: الْحَصَى، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِتَقْدِيمِ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3806

٢٦٦١ - وَعَنْ سَالِمٍ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي جَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ إِثْرَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ طَوِيلًا، وَيَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِذَاتِ الشِّمَالِ، فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٦٦١ - (وَعَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) : أَيْ: أَبِيهِ (أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي جَمْرَةَ الدُّنْيَا) : أَيِ: الْبُقْعَةَ الْقُرْبَى، وَهِيَ الْجَمْرَةُ الْأُولَى لِأَنَّهَا أَقْرَبُ مَنَازِلِ النَّازِلِينَ عِنْدَ مَسْجِدِ الْخَيْفِ، وَهُنَاكَ كَانَ مُنَاخُ النَّبِيُّ ﷺ (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) : فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِفَتْحِهِمَا، أَيْ: عَقِيبَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْحَصَى، وَفِي رِوَايَةٍ " كُلِّ حَصَاةٍ " وَفِي رِوَايَةٍ " عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ " وَهُوَ أَعَمُّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ: خُرُوجُ الْجَمْرَةِ مِنَ الْيَدِ، فَهُوَ مَعَ الرَّمْيِ بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ، أَوْ أَثَرِهِ بِاعْتِبَارِ الِانْتِهَاءِ. قَالَهُ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀. كَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرُ الْمَرْوِيَّاتِ مِنْ ذَلِكَ الِاقْتِصَارُ عَلَى " اللَّهُ أَكْبَرُ " يَعْنِي وَفِي بَعْضِهَا زِيَادَةُ: بِسْمِ.

стр. 3807

اللَّهِ، وَفِي بَعْضِهَا رَغْمًا لِلشَّيْطَانِ، وَرِضًا لِلرَّحْمَنِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا. (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ) : أَيْ: يَذْهَبُ قَلِيلًا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (حَتَّى يُسْهِلَ) : بِضَمِّ الْيَاءِ، وَكَسْرِ الْهَاءِ، أَيْ: يَدْخُلَ الْمَكَانَ السَّهْلَ، وَهُوَ اللَّيِّنُ ضِدَّ الْحَزْنِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ أَيِ: الصَّعْبِ (فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُقَابِلَ الْكَعْبَةِ، وَفِي التَّعْبِيرِ بِالْقِبْلَةِ إِشْعَارٌ بِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ (فَيَقُومُ) : مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى " يَتَقَدَّمُ " (طَوِيلًا) : أَيْ: قِيَامًا، أَوْ زَمَانًا طَوِيلًا، وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ (وَيَدْعُو) : أَيْ: (قَدْرَ) سُورَةِ الْبَقَرَةِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) : خِلَافًا لِمَالِكٍ (ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى) : أَيِ: الْجَمْرَةَ الَّتِي بَيْنَ الْأُولَى وَالْأُخْرَى (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَلْ هَذَا التَّرْتِيبُ مُتَعَيَّنٌ، أَوْ أَوْلَى؟ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالَّذِي يَقْوَى عِنْدِي اسْتِنَانُ التَّرْتِيبِ لَا تَعْيِينُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَقُولُ: وَالْأَحْوَطُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُوَالَاةَ سُنَّةٌ كَمَا فِي الْوُضُوءِ، أَوْ وَاجِبٌ وَفْقَ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ هُنَالِكَ (يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ) : ظَاهِرُهُ تَأْخِيرُ التَّكْبِيرِ عَنِ الرَّمْيِ، لَكِنْ يُئَوَّلُ بِمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ يَأْخُذُ بِذَاتِ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ) : أَيْ: يَذْهَبُ عَلَى شِمَالِ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى حَتَّى يَصِلَ إِلَى مَوْضِعٍ سَهْلٍ (وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا) كَمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ) : بِإِضَافَةِ الْجَمْرَةِ (مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) : فِي " الْهِدَايَةِ ": لَوْ رَمَاهَا مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ أَجْزَأَهُ، إِلَّا أَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فَفِعْلُهُ ﵊ مِنْ أَسْفَلِهَا سُنَّةٌ لَا أَنَّهُ الْمُتَعَيَّنُ، وَلِذَا ثَبَتَ رَمْيُ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ أَعْلَاهَا، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ، وَلَا أَعْلَنُوا بِالنِّدَاءِ بِذَلِكَ فِي النَّاسِ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ نَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَكَانَ وَجْهُ اخْتِيَارِهِ ﵊ لِذَلِكَ هُوَ وَجْهُ اخْتِيَارِهِ حَصَى الْخَذْفِ، فَإِنَّهُ يُتَوَقَّعُ الْأَذَى إِذَا رَمَوْا مِنْ أَعْلَاهَا لِمَنْ أَسْفَلَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ مُرُورِ النَّاسِ فَيُصِيبُهُمْ، بِخِلَافِ الرَّمْيِ مِنْ أَسْفَلَ مَعَ الْمَارِّينَ مِنْ فَوْقِهَا اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ جَوَازُ الرَّمْيِ مِنَ الْجَوَانِبِ سَائِرَ الْجِهَاتِ، مَعَ أَنَّهُ ﵊ مَا رَمَى إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ (يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَلَا يَقِفُ) : أَيْ: لِلدُّعَاءِ (عِنْدَهَا) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: وَلَمْ تَظْهَرْ حِكْمَةُ تَخْصِيصِ الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ بِغَيْرِهَا مِنَ الْجَمْرَتَيْنِ، فَإِنْ تَخَايَلَ أَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لِكَثْرَةِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الشُّغْلِ كَالذَّبْحِ، وَالْحَلْقِ، وَالْإِفَاضَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَهُوَ مُنْعَدِمٌ فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَوْنُ الْوُقُوفِ يَقَعُ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي الطَّرِيقِ، فَيُوجِبُ قَطْعَ سُلُوكِهَا عَلَى النَّاسِ وَشِدَّةَ ازْدِحَامِ الْوَاقِفِينَ، وَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى ضَرَرٍ عَامٍّ بِخِلَافِهِ فِي بَاقِي الْجِمَارِ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ فِي نَفْسِ الطَّرِيقِ، بَلْ بِمَعْزِلٍ مُعْتَصَمٍ عَنْهُ (ثُمَّ يَنْصَرِفُ) : أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : ﵀ تَعَالَى -.

стр. 3808

٢٦٦٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٦٦٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ» ) : أَيِ: الَّتِي بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، الْمَمْلُوءَةِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ الْمَنْدُوبِ الشُّرْبُ مِنْهَا عَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَغَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَتَيَسَّرِ الشُّرْبُ مِنَ الْبِئْرِ لِلْخَلْقِ الْكَثِيرِ، وَهِيَ الْآنَ بِرْكَةٌ، وَكَانَتْ حِيَاضًا فِي يَدِ قُصَيٍّ، ثُمَّ مِنْهُ لِابْنِهِ عَبْدِ مَنَافٍ، ثُمَّ مِنْهُ لِابْنِهِ هَاشِمٍ، ثُمَّ مِنْهُ لِابْنِهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ مِنْهُ لِابْنِهِ الْعَبَّاسِ، ثُمَّ مِنْهُ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ مِنْهُ لِابْنِهِ عَلِيٍّ، وَهَكَذَا إِلَى الْآنَ، لَكِنْ لَهُمْ نُوَّابٌ يَقُومُونَ بِهَا. قَالُوا: وَهِيَ لِآلِ عَبَّاسٍ أَبَدًا (فَأَذِنَ لَهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: يَجُوزُ لِمَنْ هُوَ مَشْغُولٌ بِالِاسْتِقَاءِ مِنْ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ لِأَجْلِ النَّاسِ أَنْ يَتْرُكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِيَ مِنًى، وَيَبِيتَ بِمَكَّةَ، وَلِمَنْ لَهُ عُذْرٌ شَدِيدٌ أَيْضًا اهـ. فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ السُّنَّةِ إِلَّا بِعُذْرٍ، وَمَعَ الْعُذْرِ تَرْتَفِعُ عَنْهُ الْإِسَاءَةُ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَيَجِبُ الْمَبِيتُ فِي أَكْثَرِ اللَّيَالِي، وَمِنَ الْأَعْذَارِ: الْخَوْفُ عَلَى نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ ضَيَاعُ مَرِيضٍ، أَوْ حُصُولُ مَرَضٍ لَهُ يَشُقُّ مَعَهُ الْمَبِيتُ مَشَقَّةً لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً.

стр. 3809

٢٦٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ، فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: " اسْقِنِي " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ. قَالَ: " اسْقِنِي " فَشَرِبَ فِيهِ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ، وَهُمْ يَسْقُونَ، وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: " اعْمَلُوا، فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ " ثُمَّ قَالَ: " لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا، لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ ". وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٦٦٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ» ) : أَيْ: سِقَايَةِ الْحَاجِّ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ (فَاسْتَسْقَى) : أَيْ: طَلَبَ الْمَاءَ بِلِسَانِ الْقَالِ، أَوْ بَيَانِ الْحَالِ (فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ، فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَرَابٍ) : أَيْ: مَاءٍ خَالِصٍ خَاصٍّ مَا وَصَلَهُ اسْتِعْمَالٌ (مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﵊ (اسْقِنِي) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ، أَوْ قَطْعٍ، أَيْ: مِنْ هَذَا الْمَاءِ الْحَاضِرِ فِي السِّقَايَةِ (فَقَالَ) : أَيِ: الْعَبَّاسُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ) : أَيِ النَّاسَ (يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ) : أَيْ: فِي هَذَا الْمَاءِ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِمْ عَدَمُ النَّظَافَةِ. (قَالَ: " اسْقِنِي " فَشَرِبَ مِنْهُ) : وَيُوَافِقُهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُحِبُّ الشُّرْبَ مِنْ فَضْلِ وُضُوءِ النَّاسِ تَبَرُّكًا بِهِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " الْإِفْرَادِ " مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، عَنْ أَنَسٍ: " «مِنَ التَّوَاضُعِ أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ مِنْ سُؤْرِ أَخِيهِ» ". وَأَمَّا حَدِيثُ «سُؤْرِ الْمُؤْمِنِ شِفَاءٌ» ، فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ. (ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ، وَهُمْ يَسْقُونَ) : أَيِ: النَّاسَ عَلَيْهَا (وَيَعْمَلُونَ) : أَيْ: يَكْدَحُونَ (فِيهَا) : أَيْ: بِالْجَذْبِ، وَالصَّبِّ (فَقَالَ: " اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ) : أَيْ: قَائِمُونَ، أَوْ ثَابِتُونَ أَيْ: تَسْعَوْنَ عَلَى عَمَلٍ (صَالِحٍ) : أَيْ: خَيْرٍ لِأَنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ (ثُمَّ قَالَ: " لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا) : أَيْ: لَوْلَا كَرَاهَةُ أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ، وَيَأْخُذُوا هَذَا الْعَمَلَ الصَّالِحَ مِنْ أَيْدِيكُمْ (لَنَزَلْتُ) : أَيْ: عَنْ نَاقَتِي (حَتَّى أَضَعَ) : بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ (الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ ". وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ) : وَهُوَ أَحَدُ طَرَفَيْ رَقَبَتِهِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى زَمْزَمَ، فَنَزَعْنَا لَهُ دَلْوًا فَشَرِبَ، ثُمَّ مَجَّ فِيهَا، ثُمَّ أَفْرَغْنَهَا فِي زَمْزَمَ، ثُمَّ قَالَ: " لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهِ لَنَزَعْتُ بِيَدِي» " وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ ﷺ (لَمَّا أَفَاضَ نَزَعَ الدَّلْوَ) أَيْ: مِنْ زَمْزَمَ، وَلَمْ يَنْزِعْ مَعَهُ أَحَدٌ، فَشَرِبَ، ثُمَّ أَفْرَغَ بَاقِيَ الدَّلْوِ فِي الْبِئْرِ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ لَا يَخْفَى.

стр. 3810

٢٦٦٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعَشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٦٦٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً» ) : أَيْ: نَامَ نَوْمَةً خَفِيفَةً (بِالْمُحَصَّبِ) : بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُشَدَّدَةِ، تَنَازَعَ فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ صَلَّى وَرَقَدَ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ كُلُّ مَوْضِعٍ كَثُرَ حَصَاؤُهُ، وَالْمُرَادُ الشِّعْبُ الَّذِي أَحَدُ طَرَفَيْهِ مِنًى، وَالْآخَرُ مُتَّصِلٌ بِالْأَبْطَحِ. وَيَنْتَهِي عِنْدَهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُفَرِّقِ الرَّاوِي بَيْنَهُمَا، فَرُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ صَلَّى بِالْمُحَصَّبِ، وَفِي حَدِيثِهِ الْآخَرِ أَنَّهُ صَلَّى بِالْأَبْطَحِ، وَيُقَالُ لَهُ الْبَطْحَاءُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ، قَالَ فِي الْإِمَامِ: وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى، وَهُوَ إِلَى مِنًى أَقْرَبُ، وَهَذَا لَا تَحْدِيدَ فِيهِ أَيْ: لَا تَحْقِيقَ لَهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ فِنَاءُ مَكَّةَ وَحْدَهُ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ الْمُتَّصِلَيْنِ بِالْمَقَابِرِ إِلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لِذَلِكَ مُصْعِدًا فِي الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مِنًى مُرْتَفِعًا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَيْسَتِ الْمَقْبَرَةُ مِنَ الْمُحَصَّبِ، وَيُسَمَّى أَيْضًا خَيْفَ بَنِي كِنَانَةَ، وَأَصْلُ الْخَيْفِ مَعْنَاهُ سَفْحُ الْجَبَلِ مُطْلَقًا. (ثُمَّ رَكِبَ) : أَيْ: مِنَ الْمُحَصَّبِ مُتَوَجِّهًا (إِلَى الْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ) : أَيْ: طَوَافَ الْوَدَاعِ يُحْتَمَلُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: التَّحْصِيبُ هُوَ أَنَّهُ إِذَا نَفَرَ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ لِلتَّوْدِيعِ ; يَنْزِلُ بِالشِّعْبِ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ إِلَى الْأَبْطَحِ، وَيَرْقُدُ فِيهِ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَاهُ سُنَّةً، وَهُوَ الْأَصَحُّ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يَحْتَرِزُ بِهِ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ قَصْدًا، فَلَا يَكُونُ سُنَّةً لِمَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَنْزِلَ الْأَبْطَحَ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى، وَلَكِنْ جِئْتُ، وَضَرَبْتُ قُبَّتَهُ فَجَاءَ فَنَزَلَ، وَوَجْهُ الْمُخْتَارِ مَا أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِي حَجَّتِكَ؟ فَقَالَ: " هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا " ثُمَّ قَالَ: " «نَحْنُ نَازِلُونَ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ " يَعْنِي: الْمُحَصَّبَ» ، الْحَدِيثَ.

стр. 3811

وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِمِنًى: نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ " وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ، حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ» اهـ. فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ نَوَاهُ قَصْدًا لِيَرَى لُطْفَ صُنْعِ اللَّهِ بِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ فِيهِ نِعَمَهُ - سُبْحَانَهُ - عَلَيْهِ عِنْدَ مُقَايَسَتِهِ نُزُولَهُ بِهِ الْآنَ إِلَى حَالِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، أَعْنِي حَالَ انْحِصَارِهِ مِنَ الْكُفَّارِ فِي ذَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَهَذَا أَمْرٌ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْعِبَادَةِ، ثُمَّ هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي شَمِلَتْهُ ﵊ مِنَ النَّصْرِ، وَالِاقْتِدَارِ عَلَى إِقَامَةِ التَّوْحِيدِ، وَتَقْرِيرِ قَوَاعِدِ الْوَضْعِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي دَعَا اللَّهُ - تَعَالَى - إِلَيْهِ عِبَادَهُ ; لِيَنْتَفِعُوا بِهِ فِي دُنْيَاهُمْ، وَمَعَادِهِمْ، لَا شَكَّ فِي أَنَّهَا النِّعْمَةُ الْعُظْمَى عَلَى أُمَّتِهِ، لِأَنَّهُمْ مَظَاهِرُ الْمَقْصُودِ مِنْ ذَلِكَ الْمُؤَيَّدِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَدِيرٌ بِتَفَكُّرِهَا، وَالشُّكْرِ التَّامِّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ أَيْضًا، فَكَانَ سُنَّةً فِي حَقِّهِمْ ; لِأَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي هَذَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِمْ أَيْضًا، وَعَنْ هَذَا حَصَبَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ. أَخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْأَبْطَحَ، وَأُخْرِجَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً، وَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالْمُحَصَّبِ، قَالَ نَافِعٌ: قَدْ حَصَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ اهـ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَكُونُ كَالرَّمَلِ، وَلَا عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْإِرَاءَةَ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يُرَادَ بِهَا إِرَاءَةُ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ مُشْرِكٌ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، بَلِ الْمُرَادُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانَ لَهُمْ عِلْمٌ بِالْحَالِ الْأَوَّلِ.

стр. 3812

٢٦٦٥ - وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: «سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى؟ [قَالَ] : فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالْأَبْطَحِ. ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٦٦٥ - (وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، أَسَدِيٌّ مَكِّيٌّ، سَكَنَ الْكُوفَةَ، وَهُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ، وَثِقَاتِهِمْ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قُلْتُ) : بَدَلٌ مِنْ " سَأَلْتُ " أَوْ بَيَانٌ (أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ) : بِفَتْحِ الْقَافِ، أَيْ: عَلِمْتَهُ، وَحَفِظْتَهُ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟) : أَيِ: الْيَوْمَ الثَّامِنَ (قَالَ: بِمِنًى، قَالَ) : فِيهِ الْتِفَاتٌ، إِذْ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: [قَالَ] : " فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟) أَيِ: الثَّانِيَ، وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. (قَالَ: بِالْأَبْطَحِ) : الْمُتَبَادِرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﵊ أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فِي الْأَبْطَحِ هُوَ الْعَصْرُ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ السَّابِقُ عَلَيْهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ الظُّهْرُ، لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لَهُ أَنَّهُ ﷺ فِي تَقْدِيمِ الظُّهْرِ عَلَى الرَّمْيِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ رَمْيَهُ ﵊ كَانَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الزَّوَالِ، وَإِنَّ جَوَازَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ مَعَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُ، وَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: الْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِ ظُهْرِهِ حِينَ نَفَرَ إِظْهَارُ الرُّخْصَةِ بَعْدَ بَيَانِ الْعُزْلَةِ، وَالْإِيمَاءُ إِلَى السُّرْعَةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَ نَوْعٍ مِنَ التَّعْجِيلِ وَالتَّأَخُّرِ فِي الْآيَةِ اللَّامِعَةِ. (ثُمَّ قَالَ) : أَيْ: أَنَسٌ (افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ) : أَيْ: لَا تُخَالِفْهُمْ، فَإِنْ نَزَلُوا بِهِ فَانْزِلْ بِهِ، وَإِنْ تَرَكُوهُ فَاتْرُكْهُ حَذَرًا مِمَّا يَتَوَلَّدُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ مِنَ الْمَفَاسِدِ، فَيُفِيدُ أَنَّ تَرْكَهُ لِعُذْرٍ لَا بَأْسَ بِهِ، لَا كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀، يَعْنِي مَا ذَكَرَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِنُسُكٍ مِنَ الْمَنَاسِكِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْكَ فِعْلُهُ، نَعَمْ غَيْرُ وَاجِبٍ إِجْمَاعًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ سُنَّةً أَمْ لَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3813

٢٦٦٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: نُزُولُ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّمَا «نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٦٦٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نُزُولُ الْأَبْطَحِ) : أَيِ: النُّزُولُ فِيهِ (لَيْسَ بِسُنَّةٍ) : أَيْ: قَصْدِيَّةٍ، أَوْ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ، بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الصَّحِيحَةِ عَنْهَا لَيْسَ مِنَ الْمَنَاسِكِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهَا لَيْسَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، أَوْ مِنَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَاتِ (إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ) : أَيْ: أَسْهَلَ (لِخُرُوجِهِ) : أَيْ: إِلَى الْمَدِينَةِ (إِذَا خَرَجَ) : أَيْ: إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ، وَقِيلَ: أَسْهَلَ لِخُرُوجِهِ وَقْتَ الْخُرُوجِ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ فِيهِ ثِقَلَهُ وَمَتَاعَهُ، أَيْ: كَانَ نُزُولُهُ بِالْأَبْطَحِ لِيَتْرُكَ ثِقَلَهُ وَمَتَاعَهُ هُنَاكَ، وَيَدْخُلَ مَكَّةَ، فَيَكُونُ خُرُوجُهُ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ أَسْهَلَ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ مَا يُنَافِيهِ قَصْدُ النُّزُولِ بِهِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَقَدْ وَافَقَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنَّهُ عَبَّرَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀، لَكِنَّ الْمَعْنَى لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَنَاسِكِ، أَوْ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَلْزَمُ، وَخَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، فَكَانَ يَرَاهُ سُنَّةً، وَيَسْتَدِلُّ بِأَنَّهُ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَنْزِلُونَ بِهِ.

стр. 3814

٢٦٦٧ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «أَحْرَمْتُ مِنَ التَّنْعِيمِ بِعُمْرَةٍ، فَدَخَلْتُ، فَقَضَيْتُ عُمْرَتِي، وَانْتَظَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى فَرَغْتُ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ، فَخَرَجَ، فَمَرَّ بِالْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ» ". هَذَا الْحَدِيثُ مَا وَجَدْتُهُ بِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ، بَلْ بِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مَعَ اخْتِلَافٍ يَسِيرٍ فِي آخِرِهِ. ــ ٢٦٦٧ - (وَعَنْهَا) : أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: أَحْرَمْتُ مِنَ التَّنْعِيمِ، بِعُمْرَةٍ، فَدَخَلْتُ) : أَيْ: مَكَّةَ (فَقَضَيْتُ عُمْرَتِي) : أَيِ: الْعُمْرَةَ الَّتِي تَحَلَّلْتُ مِنْهَا بِسَبَبِ حَيْضِهَا (وَانْتَظَرَنِي) بِالنُّونِ، وَفِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ بِاللَّامِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مَعَ احْتِيَاجِهِ إِلَى تَأْوِيلِ " انْتَظَرَ لِأَجْلِي " (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَبْطَحِ حَتَّى فَرَغْتُ) : أَيْ: مِنَ الْعُمْرَةِ (فَأَمَرَ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ، فَخَرَجَ) : أَيْ: مِنَ الْأَبْطَحِ (فَمَرَّ بِالْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ) : أَيْ: طَوَافَ الْوَدَاعِ (قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، أَوْ بَعْدَهَا. (هَذَا الْحَدِيثُ مَا وَجَدْتُهُ بِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ) : أَيْ: أَحَدِهِمَا (بَلْ) : أَيْ: وَجَدْتُهُ (بِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مَعَ اخْتِلَافٍ يَسِيرٍ) : أَيْ: بَيْنَهُ، وَبَيْنَ رِوَايَةِ الْمَصَابِيحِ (فِي آخِرِهِ) : فِيهِ اعْتِرَاضَانِ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ حَيْثُ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَحَيْثُ خَالَفَ لَفْظَ أَبِي دَاوُدَ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.

стр. 3815

٢٦٦٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٦٦٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ) : أَيْ: بَعْدَ حَجِّهِمْ (يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ) : أَيْ: طَرِيقٍ طَائِفًا، وَغَيْرِ طَائِفٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ) : أَيِ: النَّفْرَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ، أَوْ لَا يَخْرُجْنَّ أَحَدُكُمْ مِنْ مَكَّةَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْآفَاقِيُّ (حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتَ) : أَيْ: بِالطَّوَافِ بِهِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: دَلَّ عَلَى وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَخَالَفَ فِيهِ مَالِكًا (إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: طَوَافُ الْوَدَاعِ (عَنِ الْحَائِضِ) : وَفِي مَعْنَاهَا النُّفَسَاءُ، وَعَلَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: طَوَافُ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَهُ آخِرَ طَوَافِهِ فِي " الْكَافِي " لِلْحَاكِمِ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقِيمَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ طَوَافُهُ حِينَ يَخْرُجُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَالْحَسَنِ، وَإِذَا اشْتَغَلَ بَعْدَهُ بِعَمَلٍ بِمَكَّةَ يُعِيدُهُ لِلصَّدْرِ، وَإِنَّمَا يُعْتَدُّ بِهِ إِذَا فَعَلَهُ حِينَ يَصْدُرُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَدِمَ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ، فَحِينَ تَمَّ فَرَاغُهُ مِنْهُ جَاءَ أَوَانُ السَّفَرِ، فَطَوَافُهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ إِذِ الْحَالُ أَنَّهُ عَلَى عَزْمِ الرُّجُوعِ. نَعَمْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ إِذَا طَافَ لِلصَّدْرِ، ثُمَّ أَقَامَ إِلَى الْعِشَاءِ قَالَ: أُحِبُّ أَنْ يَطُوفَ طَوَافًا آخَرَ كَيْلَا يَكُونَ بَيْنَ طَوَافِهِ، وَنَفْرِهِ حَائِلٌ، لَكِنَّ هَذَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ تَحْصِيلًا لِمَفْهُومِ الِاسْمِ عَقِيبَ مَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَتْمٍ إِذْ لَا يُسْتَغْرَبُ فِي الْعُرْفِ تَأْخِيرُ السَّفَرِ عَنِ الْوَدَاعِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ، وَكَذَا مَنِ اتَّخَذَ مَكَّةَ دَارًا، ثُمَّ بَدَا لَهُ الْخُرُوجُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ طَوَافُ صَدْرٍ، وَكَذَا فَائِتُ الْحَجِّ لِأَنَّ الْعَوْدَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ صَارَ كَالْمُعْتَمِرِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُعْتَمِرِ طَوَافُ الصَّدْرِ - ذَكَرَهُ فِي التُّحْفَةِ. وَفِي إِثْبَاتِهِ عَلَى الْمُعْتَمِرِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي " الْبَدَائِعِ " قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَطُوفَ الْمَكِّيُّ طَوَافَ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ لَخَتْمِ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجَدُ وَفِي أَهْلِ مَكَّةَ.

стр. 3816

٢٦٦٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ، فَقَالَتْ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَقْرَى حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ " قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: " فَانْفِرِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٦٦٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ) : أَيْ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ الْيَهُودِيِّ الْخَيْبَرِيِّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ سِبْطِ هَارُونَ أَخِي مُوسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (لَيْلَةَ النَّفْرِ) : أَيْ: لَيْلَةَ يَوْمِ النَّفْرِ؛ لِأَنَّ النَّفْرَ لَمْ يُشْرَعْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بَلْ فِي يَوْمِهَا، وَالنَّفْرُ يَحْتَمِلُ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ، فَتَدَبَّرْ. (فَقَالَتْ) : أَيْ: صَفِيَّةُ لِلنَّبِيِّ ﵊ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الْكِرَامِ: (مَا أُرَانِي) : بِصِيغَةُ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِرَاءَةِ أَيْ: مَا أَظُنُّ نَفْسِي (إِلَّا حَابِسَتَكُمْ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَفَتْحِ التَّاءِ نَصْبًا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَفِي

стр. 3817

نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ: مَانِعَتُكُمْ عَنِ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، بَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَى أَنْ أَظْهَرَ، فَأَطُوفَ طَوَافَ الْوَدَاعِ، ظَنًّا مِنْهَا أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ كَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِالْأَعْذَارِ، وَلَمَّا ظَنَّ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ حَدِيثُهَا أَنَّهَا قَالَتْ قَوْلَهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَطُفْ لِلزِّيَارَةِ ( «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَقْرَى حَلْقَى» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَكَذَا رُوِيَ عَلَى وَزْنِ فَعْلَى بِلَا تَنْوِينٍ، وَالظَّاهِرُ عَقْرًا، وَحَلْقًا بِالتَّنْوِينِ، أَيْ: عَقَرَهَا وَحَلَّقَهَا اللَّهُ حَلْقًا، يَعْنِي قَتَلَهَا وَجَرَحَهَا، أَوْ أَصَابَ حَلْقَهَا بِوَجَعٍ، وَهَذَا دُعَاءٌ لَا يُرَادُ وُقُوعُهُ، بَلْ عَادَةُ الْعَرَبِ: التَّكَلُّمُ بِمِثْلِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ، وَقِيلَ: هُمَا صِفَتَانِ لِلْمَرْأَةِ، يَعْنِي أَنَّهَا تُحَلِّقُ قَوْمَهَا، وَتَعْقِرُهُمْ، أَيْ: تَسْتَأْصِلُهُمْ مِنْ شُؤْمِهَا اهـ. وَقِيلَ: إِنَّهُمَا مَصْدَرَانِ، وَالْعَقْرُ الْجَرْحُ وَالْقَتْلُ وَقَطْعُ الْعَصَبِ، وَالْحَلْقُ إِصَابَةُ وَجَعٍ فِي الْحَلْقِ أَوِ الضَّرْبُ عَلَى الْحَلْقِ، أَوِ الْحَلْقُ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ عِنْدَ شِدَّةِ الْمُصِيبَةِ، وَحَقُّهُمَا أَنْ يُنَوَّنَا، لَكِنْ أُبْدِلَ التَّنْوِينُ بِالْأَلِفِ إِجْرَاءً لِلْوَصْلِ مَجْرَى الْوَقْفِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُسَاعِدُهُ رَسْمُهَا بِالْيَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا تَأْنِيثُ فَعْلَانَ، أَيْ: جَعَلَهَا عَقْرَى، أَيْ: عَاقِرًا أَيْ: عَقِيمًا، وَحَلْقَى أَيْ: جَعَلَهَا صَاحِبَةَ وَجَعِ الْحَلْقِ، ثُمَّ هَذَا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِثْلُ: تَرِبَتْ يَدَاهُ، وَثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، مِمَّا يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَهْوِيلِ الْخَبَرِ، وَأَنَّ مَا سَمِعَهُ لَا يُوَافِقُهُ لَا لِلْقَصْدِ إِلَى وَقُوعِ مَدْلُولِهِ الْأَصْلِيِّ، وَالدَّلَالَةِ عَلَى الْتِمَاسِهِ (أَطَافَتْ) : أَيْ: صَفِيَّةُ (يَوْمَ النَّحْرِ) أَيْ: طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَلَمَّا أَعْرَضَ عَنْهَا، وَسَأَلَ مِنْ غَيْرِهَا ظَنًّا أَنَّهَا قَصَّرَتْ فِي تَأْخِيرِ طَوَافِ فَرْضِهَا (قَالَ: نَعَمْ) : فِي جَوَابِهِ ثُمَّ لَمَّا الْتَفَتَ إِلَيْهَا حِينَ تَبَيَّنَ عَدَمَ تَقْصِيرِهَا (قَالَ) : إِذَا كُنْتِ طُفْتِ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ (فَانْفِرِي) : بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيِ اخْرُجِي إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ طَوَافِ الْوَدَاعِ، فَإِنَّ وُجُوبَهُ سَاقِطٌ بِالْعُذْرِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3818

الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٦٧٠ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ ﵁، قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: " فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَدًا، وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تُحَقِّرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٦٧٠ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) : أَيْ: يَوْمَ النَّحْرِ كَمَا سَبَقَ (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) : قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ [التوبة: ٣] أَيْ: إِعْلَامٌ ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَيْ: يَوْمَ الْعِيدِ لِأَنَّ فِيهِ تَمَامُ الْحَجِّ، وَمُعْظَمُ أَفْعَالِهِ، وَلِأَنَّ الْإِعْلَامَ كَانَ فِيهِ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الْجَمَرَاتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (فَقَالَ: " وَهَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ". وَقِيلَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، لِقَوْلِهِ ﷺ : (الْحَجُّ عَرَفَةُ) ، وَوَصَفَ الْحَجَّ بِالْأَكْبَرِ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ، أَوْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَجِّ مَا يَقَعُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ أَعْمَالِهِ، فَإِنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ بَاقِي الْأَعْمَالِ، أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَجَّ اجْتَمَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَوَافَقَ عَلَيْهِ أَعْيَادُ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ لِأَنَّهُ ظَهَرَ فِيهِ عِزُّ الْمُسْلِمِينَ، وَذُلُّ الْمُشْرِكِينَ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، إِذْ مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، أَوْ يُسَمَّى بِالْحَجِّ الْأَكْبَرِ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ حَجُّ الْمَسَاكِينِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ حَجُّ الْمُسْلِمِينَ - ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ - أَوْ لِأَنَّهُ وَافَقَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الْمُشْتَهِرُ بِالْحَجِّ الْأَكْبَرِ الَّذِي وَرَدَ فِي حَقِّهِ: إِنَّ حَجَّهُ كَسَبْعِينَ حَجَّةً، وَفِيهِ: كَتَبْتُ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً، أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَجَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ قَوْلُهُمْ: يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ بِظَاهِرِهِ يُنَافِي جَوَابَهُمُ السَّابِقَ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. وَلَعَلَّ هَذَا فِي يَوْمٍ آخَرَ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، أَوْ أَحَدُ الْجَوَابَيْنِ صَدَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ. (قَالَ: " فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ) : احْتِرَازٌ عَنِ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ (حَرَامٌ) : أَيْ: مُحَرَّمٌ مَمْنُوعٌ (كَحُرْمَةِ يَوْمِكِمْ هَذَا فِي بَلَدِكِمْ) : أَيْ: حَرَمِكُمْ (هَذَا) : وَلَعَلَّ تَرْكَ الشَّهْرِ اقْتِصَارٌ مِنَ الرَّاوِي.

стр. 3819

(أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أَيْ: لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ كَمَا صَدَرَ عَنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ، وَهُوَ نَفْيٌ مَعْنَاهُ نَهْيٌ نَحْوُ قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] كَمَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ وَنَظِيرُهُ الدُّعَاءُ: بِغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ مِنِ اغْفِرْهُ وَارْحَمْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: خَبَرٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ، يَعْنِي كَأَنَّهُ نَهَاهُ، فَقَصَدَ أَنْ يَنْتَهِيَ فَأَخْبَرَهُ بِهِ، وَالْمُرَادُ الْجِنَايَةُ عَلَى الْغَيْرِ، إِلَّا أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا لِلْجِنَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ أَنْذَرَهَا فِي صُورَتِهَا لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى الِامْتِنَاعِ، وَيَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ خَبَرًا بِحَسْبِ الْمَعْنَى. (أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ ( «لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ» ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَزِيدِ قُبْحٍ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَأْكِيدَ " لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ "، فَإِنَّ عَادَتَهُمْ جَرَتْ بِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَقَارِبَ الشَّخْصِ بِجِنَايَتِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا ظُلْمٌ يُؤَدِّي إِلَى ظُلْمٍ آخَرَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا نَفْيٌ فَيُوَافِقُ قَوْلَهُ - تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَإِنَّمَا خُصَّ الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ لِأَنَّهُمَا أَقْرَبُ الْأَقَارِبِ، فَإِذَا لَمْ يُؤَاخَذْ بِفِعْلِهِ فَغَيْرُهُمَا أَوْلَى، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيمَةِ أَبِيهِ وَضُبِطَ بِالْوَجْهَيْنِ (أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ) : وَهُوَ إِبْلِيسُ الرَّئِيسُ، أَوِ الْجِنْسُ الْخَسِيسُ (قَدْ يَئِسَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: أَيِسَ أَيْ قَنَطَ (أَنْ يُعْبَدَ) : أَيْ: مِنْ أَنْ يُطَاعَ فِي عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ عَبَدَهُ أَحَدٌ مِنَ الْكُفَّارِ (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) : أَيْ: مَكَّةَ (لَا أَبَدًا) : أَيْ: عَلَانِيَةً إِذْ قَدْ يَأْتِي الْكُفَّارُ مَكَّةَ خِفْيَةً (وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ) : أَيِ انْقِيَادٌ أَوْ إِطَاعَةٌ (فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ) : أَيْ: مِنَ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْكَبَائِرِ وَتَحْقِيرِ الصَّغَائِرِ، (فَسَيَرْضَى) : بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَجْهُولِ أَيِ: الشَّيْطَانُ (بِهِ) : أَيْ: بِالْمُحْتَقَرِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الذَّنْبُ الْأَكْبَرُ، وَلِهَذَا تَرَى الْمَعَاصِيَ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَنَحْوِهِمَا تُوجَدُ كَثِيرًا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقَلِيلًا فِي الْكَافِرِينَ، لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنَ الْكُفَّارِ بِالْكُفْرِ فَلَا يُوَسْوِسُ لَهُمْ فِي الْجُزْئِيَّاتِ، وَحَيْثُ لَا يَرْضَى عَنِ الْمُسْلِمِينَ بِالْكُفْرِ فَيَرْمِيهِمْ فِي الْمَعَاصِي. وَرُويَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: الصَّلَاةُ الَّتِي لَيْسَ لَهَا وَسْوَسَةٌ إِنَّمَا هِيَ صَلَاةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَمِنَ الْأَمْثَالِ: لَا يَدْخُلُ اللِّصُّ فِي بَيْتٍ إِلَّا فِيهِ مَتَاعٌ نَفِيسٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: (فِيمَا تَحْتَقِرُونَ) أَيْ مِمَّا يَتَهَجَّسُ فِي خَوَاطِرِكُمْ، وَتَتَفَوَّهُونَ عَنْ هَنَّاتِكُمْ وَصَغَائِرِ ذُنُوبِكُمْ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى هَيْجِ الْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ كَقَوْلِهِ ﷺ : " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحَرُّشِ بَيْنَهُمْ " (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .

стр. 3820

٢٦٧١ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلِيٌّ يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٦٧١ - (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ) : نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ مُزَيْنَةَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى) : أَيْ: أَوَّلَ النَّحْرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ) : أَيْ: بَيْضَاءَ يُخَالِطُهَا قَلِيلُ سَوَادٍ، وَلَا يُنَافِيهِ حَدِيثُ قُدَامَةَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ صَهْبَاءَ. (وَعَلِيٌّ يُعَبِّرُ عَنْهُ) : أَيْ: يُبَلِّغُ حَدِيثَهُ مَنْ هُوَ بَعِيدٌ عَنِ النَّبِيِّ، فَهُوَ ﵁ وَقَفَ حَيْثُ يَبْلُغُهُ صَوْتُ النَّبِيِّ ﷺ وَيَفْهَمُهُ فَيُبَلِّغُهُ لِلنَّاسِ وَيُفْهِمَهُمْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: بِزِيَادَةِ بَيَانٍ فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ (وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ) : أَيْ بَعْضُهُمْ قَاعِدُونَ وَبَعْضُهُمْ قَائِمُونَ، وَهُمْ كَثِيرُونَ حَيْثُ بَلَغُوا مِائَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)
следующие страницы →