← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

١٨٩ - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ، فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) مُرْسَلًا. ــ ١٨٩ - (وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ) : بِفَتْحِ السِّينِ الطَّائِفِيِّ، يُعَدُّ فِي التَّابِعِينَ، ثِقَةٌ صَحِيحُ الْحَدِيثِ، حَدِيثُهُ فِي أَهْلِ مَكَّةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ وَقَّرَ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: عَظَّمَ أَوْ نَصَرَ (صَاحِبَ بِدْعَةٍ) : سَوَاءٌ كَانَ دَاعِيًا لَهَا أَمْ لَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَأَنْ قَامَ وَصَدَّرَهُ فِي مَجْلِسٍ أَوْ خَدَمَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يُلْجِئُهُ إِلَى ذَلِكَ (فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ) أَيْ: إِسْلَامِهِ أَوْ كَمَالِ إِسْلَامِهِ أَوْ عَلَى هَدْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ السُّنَّةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ، فَإِذَا كَانَ حَالُ الْمُوَقِّرِ كَذَا، فَمَا حَالُ الْمُبْتَدِعِ؟ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ سُنَّةٍ كَانَ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ، وَكَذَا مَنْ أَهَانَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ يُخَالِفُ حُكْمَهُ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مُرْسَلًا) . لِإِسْقَاطِ الصَّحَابِيِّ مِنَ السَّنَدِ.

стр. 422

١٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ كِتَابَ اللَّهِ ثُمَّ اتَّبَعَ مَا فِيهِ ; هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ فِي الدُّنْيَا، وَوَقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: مَنِ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللَّهِ لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] . رَوَاهُ رَزِينٌ. ــ ١٩٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ) أَيْ مَوْقُوفًا (مَنْ تَعَلَّمَ كِتَابَ اللَّهِ) : نَظَرًا أَوْ حِفْظًا أَوْ عِلْمًا بِمَعْنَاهُ (ثُمَّ اتَّبَعَ مَا فِيهِ) : مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ) : ضَمَّنَ هَدَى مَعْنَى آمَنَ، فَعَدَّاهُ بِمَنْ أَيْ آمَنَهُ اللَّهُ مِنِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ مَنِ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْهِدَايَةِ، وَوَقَاهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الضَّلَالَةِ مَا دَامَ يَعِيشُ (فِي الدُّنْيَا، وَوَقَاهُ) أَيْ: حَفِظَهُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ) أَيْ: مُنَاقَشَتَهُ الْمُؤَدِّيَةَ إِلَى السُّوءِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ نُوقِشَ فِي الْحِسَابِ عُذِّبَ» " قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ مَنُوطَةٌ بِمُتَابَعَةِ كِتَابِ اللَّهِ اهـ. وَمُتَابَعَتُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﵊ وَمُتَابَعَتِهِ، فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ شَرْعًا لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ. (وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ:) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (مَنِ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللَّهِ) أَيْ: فِي الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا (لَا يَضِلُّ) أَيْ: لَا يَقَعُ فِي الضَّلَالَةِ (فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى) أَيْ: لَا يَتْعَبُ وَلَا يُعَذَّبُ (فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ) اسْتِشْهَادًا لِمَا قَالَهُ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ [طه: ١٢٣] أَيْ مَا يُهْدَى بِهِ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَصْدَرُ مُبَالَغَةً، وَهُوَ الْقُرْآنُ بِقَرِينَةِ الْإِضَافَةِ أَيِ: الْهِدَايَةُ الْمَخْصُوصَةُ بِي الْمَنْسُوبَةُ إِلَيَّ، وَفِي مَعْنَاهَا الْهِدَايَةُ النَّبَوِيَّةُ وَالسُّنَّةُ الْمُصْطَفَوِيَّةُ، وَلِذَا قَالَ فِي الْمَعَالِمِ أَيِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] : ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفْيَ الضَّلَالَةِ فِي الدُّنْيَا، وَنَفْيَ التَّعَبِ فِي الْآخِرَةِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَّرِيُّ: مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى وَهُوَ مُلَازَمَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لَا يَضِلُّ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُعِدَّ التَّعَبَ الدُّنْيَوِيَّ مَعَ النَّعِيمِ الْأُخْرَوِيِّ تَعَبًا أَوْ لِانْشِرَاحِ صَدْرِهِ وَاطْمِئْنَانِ قَلْبِهِ وَتَسْلِيمِهِ تَحْتَ الْقَضَاءِ مَعَ الرِّضَا ارْتَفَعَ التَّعَبُ كُلُّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ رَزِينٌ) .

стр. 423

١٩١ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَنْ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرَخَاةٌ، وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: اسْتَقِيمُوا عَلَى الصِّرَاطِ وَلَا تَعْوَجُّوا، وَفَوْقَ ذَلِكَ دَاعٍ يَدْعُو، كُلَّمَا هَمَّ عَبْدٌ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ! لَا تَفْتَحْهُ ; فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ ". ثُمَّ فَسَّرَهُ فَأَخْبَرَ: " أَنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَأَنَّ الْأَبْوَابَ الْمُفَتَّحَةَ مَحَارِمُ اللَّهِ، وَأَنَّ السُّتُورَ الْمُرَخَاةَ حُدُودُ اللَّهِ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ مِنْ فَوْقِهِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ» ". رَوَاهُ رَزِينٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ١٩١ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) أَيْ: بَيَّنَ مَثَلًا (صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) : بَدَلٌ مِنْ مَثَلًا عَلَى إِهْدَامِ الْمُبْدَلِ، كَمَا فِي قَوْلِكَ: زِيدٌ رَأَيْتُ غُلَامَهُ رَجُلًا صَالِحًا (وَعَنْ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ) : بِفَتْحِ النُّونِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقَلَهُ مَيْرَكُ أَيْ: عَنْ طَرَفَيْهِ وَجَانِبَيْهِ يَعْنِي يَمِينَهُ وَيَسَارَهُ (سُورَانِ) : وَالْجُمْلَةُ حَالٌ عَنْ صِرَاطًا (فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ) : الْجُمْلَةُ صِفَةُ سُورَانِ أَيْ: جِدَارَانِ فَاصِلَانِ بَيْنَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَطَرَفَيْهِ الْخَارِجَيْنِ عَنِ الصِّرَاطِ الْقَوِيمِ، الْمُشَبَّهَيْنِ بِسُورِ الْبَلَدِ مِنْ جَنَبَتَيْهِ، أَحَدُ جَانِبَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَالْآخَرُ مِنَ الْعَدُوِّ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ) : جَمْعُ السِّتْرِ بِالْكَسْرِ (مُرَخَاةٌ) أَيْ: مُرْسَلَةٌ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْأَبْوَابِ فِي " مُفَتَّحَةٌ "، وَوَضْعُ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إِلَى صَاحِبِهَا لِإِفَادَةِ التَّفْخِيمِ (وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ) أَيْ: عَلَيْهِ (دَاعٍ) : عَطُوفٌ عَلَى وَعَنْ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ (يَقُولُ) : أَيِ الدَّاعِي (اسْتَقِيمُوا) : أَيِ اسْتَوُوا (عَلَى الصِّرَاطِ وَلَا تَعْوَجُّوا) : بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ مِنَ الِاعْوِجَاجِ، كَذَا فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ وَغَيْرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ، أَيْ: لَا تَمِيلُوا إِلَى الْأَطْرَافِ.

стр. 424

قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطَفَ عَلَى " اسْتَقِيمُوا " عَلَى الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، لِأَنَّ مَفْهُومَ كُلٍّ مِنْهُمَا يُقَرِّرُ مَنْطُوقَ الْآخَرِ وَبِالْعَكْسِ (وَفَوْقَ ذَلِكَ) : عَطْفٌ عَلَى: وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الصِّرَاطُ أَوِ الدَّاعِي (دَاعٍ يَدْعُو، كُلَّمَا هَمَّ عَبْدٌ) أَيْ: قَصَدَ وَأَرَادَ (أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا) أَيْ: قَدْرًا يَسِيرًا (مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ) أَيْ: سُتُورِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: كُلَّمَا ظَرْفٌ يَسْتَدْعِي الْجَوَابَ وَهُوَ: قَالَ اهـ. وَالضَّمِيرُ فِي (قَالَ) : رَاجِعٌ إِلَى الدَّاعِي (وَيْحَكَ) : زَجْرٌ لَهُ عَنْ تِلْكَ الْهِمَّةِ، وَهِيَ كَلِمَةُ تَرَحُّمٍ وَتَوَجُّعٍ تُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، يَعْنِي ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِمُجَرَّدِ الزَّجْرِ عَمَّا هَمَّ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ (لَا تَفْتَحْهُ) أَيْ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ أَيْ سُتُورِهَا. وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَبْوَابَ مَرْدُودَةٌ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ سَابِقًا " أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ ": غَيْرُ مُغْلَقَةٍ اهـ. وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ (فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ) أَيْ: تَدْخُلْهُ يَعْنِي: لَا تَقْدِرُ أَنْ تَمْلِكَ نَفْسَكَ وَتُمْسِكَهَا عَنِ الدُّخُولِ بَعْدَ الْفَتْحِ. (ثُمَّ فَسَّرَهُ) أَيْ: أَرَادَ تَفْسِيرَهُ (فَأَخْبَرَ: أَنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الْإِسْلَامُ) : وَهُوَ طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْعَبْدِ الِاسْتِقَامَةُ عَلَيْهِ (وَأَنَّ الْأَبْوَابَ الْمُفَتَّحَةَ مَحَارِمُ اللَّهِ) : فَإِنَّهَا أَبْوَابٌ لِلْخُرُوجِ عَنْ كَمَالِ الْإِسْلَامِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَالدُّخُولِ فِي الْعَذَابِ وَالْمَلَامَةِ (وَأَنَّ السُّتُورَ الْمُرَخَاةَ حُدُودُ اللَّهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَمَحَارِمِ اللَّهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] اهـ. وَالظَّاهِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ السُّتُورِ الْأُمُورُ الْمَسْتُورَةُ غَيْرُ الْمُبَيَّنَةِ مِنَ الدِّينِ الْمُسَمَّاةُ بِالشُّبْهَةِ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِ " حَوْلَ الْحِمَى " فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ. (وَأَنَّ الدَّاعِيَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَالدَّاعِي بِالرَّفْعِ (عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ مِنْ فَوْقِهِ) أَيْ: فَوْقِ الصِّرَاطِ أَوْ مِنْ فَوْقِ الدَّاعِي الْأَوَّلِ (هُوَ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ لَمَّةُ الْمَلَكِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، وَاللَّمَّةُ الْأُخْرَى هِيَ لَمَّةُ الشَّيْطَانِ اهـ. أَيِ: الَّتِي أَثَرُهَا الْهَمُّ، وَكَانَ الْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ: وَالْهَمُّ لَمَّةُ الشَّيْطَانِ. (رَوَاهُ رَزِينٌ) . أَيْ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 425

١٩٢ - وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ أَخْصَرَ مِنْهُ. ــ ١٩٢ - (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ النَّوَّاسِ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ (ابْنِ سِمْعَانَ) : بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا، وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، كِلَابِيٌّ سَكَنَ الشَّامَ، وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْهُمْ، رَوَى عَنْهُ جُبَيْرُ بْنُ نَفِيرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ الْخَوْلَانِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ. (وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ) أَيْ: رَوَى عَنِ النَّوَّاسِ (إِلَّا أَنَّهُ) : أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (ذَكَرَ أَخْصَرَ مِنْهُ) . أَيْ: مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، أَوْ أَخْصَرَ مِمَّا ذَكَرَ غَيْرُهُ.

стр. 426

١٩٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا ; فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَبَرَّهَا قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ. رَوَاهُ رَزِينٌ. ــ ١٩٣ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ: مُقْتَدِيًا بِسُنَّةِ أَحَدٍ وَطَرِيقَتِهِ (فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ) أَيْ: عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَعَلِمَ حَالَهُ وَكَمَالَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقَامَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أُخْرِجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ تَنْبِيهًا بِهِ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَتَحَرِّي طَرِيقِ الصَّوَابِ بِنَفْسِهِ بِالِاسْتِنْبَاطِ مِنْ مَعَانِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَلْيَقْتَدِ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُمْ نُجُومُ الْهُدَى وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُوصِي الْقُرُونَ الْآتِيَةَ بَعْدَ قُرُونِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِاقْتِفَاءِ أَثَرِهِمْ وَالِاهْتِدَاءِ بِسِيَرِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُوصِي التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ بِالِاقْتِدَاءِ بِالصَّحَابَةِ، لَكِنْ خَصَّ أَمْوَاتَهُمْ لِأَنَّهُ عَلِمَ اسْتِقَامَتَهُمْ عَلَى الدِّينِ وَاسْتِدَامَتَهُمْ عَلَى الْيَقِينِ بِخِلَافِ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَيًّا فَإِنَّهُ يُمْكِنُ مِنْهُمُ الِافْتِتَانُ وَوُقُوعُ الْمَعْصِيَةِ وَالطُّغْيَانِ، بَلِ الرِّدَّةُ وَالْكُفْرَانُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْخَاتِمَةِ، وَهَذَا تَوَاضُعٌ مِنْهُ فِي حَقِّهِ ﵁ لِكَمَالِ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمَّا رَأَى مِنَ الْفِتَنِ الْعَظِيمَةِ وَوُقُوعِ الْهَالِكِينَ فِيهَا وَإِلَّا فَهُوَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ ﵊ بِالْجَنَّةِ وَقَالَ: " «رَضِيتُ لِأُمَّتِي مَا رُضِيَ لَهُمْ» " وَأَنَّهُ أَفْقَهُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَلِذَا اخْتَارَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ تَشَهُّدَهُ عَلَى تَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفِتْنَةُ كَالْبَلَاءِ يُسْتَعْمَلَانِ فِيمَا يُدَافَعُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ اهـ. وَهُمَا فِي الشِّدَّةِ أَظْهَرُ، وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا قَدْ أَمِنُوا مِنَ الْفِتْنَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣] فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ (أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ : إِشَارَةٌ إِلَى مَنْ مَاتَ، أَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي " مَاتَ " نَظَرًا إِلَى اللَّفْظِ. وَقَالَ: (أُولَئِكَ) نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ وَآمَنَ بِهِ وَمَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَأَمَّا مَنْ عَاشَ مِنْهُمْ فَهُوَ فِي خَطَرٍ مِنَ الرِّدَّةِ، سَوَاءٌ آمَنَ بَعْدَهَا أَوْ لَا، فَإِنَّ بِالرِّدَّةِ تَبْطُلُ الصُّحْبَةُ فِي مَذْهَبِنَا (كَانُوا أَفَضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ) أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ وَهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ فَكَانُوا أَفْضَلَ الْأُمَمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَى انْقِرَاضِ الْعَالَمِ اهـ. أَوْ يُقَالُ: الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَوْجُودِينَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْأَفْضَلِيَّةُ عَلَى سَائِرِ الْقُرُونِ لِحَدِيثِ: " «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» " الْحَدِيثَ. (أَبِرَّهَا قُلُوبًا) أَيْ: أَطْوَعَهَا وَأَحْسَنَهَا وَأَخْلَصَهَا وَأَعْلَمَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا إِيمَانًا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الْآيَةَ. وَقَالَ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣] أَيْ ضَرَبَهَا بِأَنْوَاعِ الْمِحَنِ وَالتَّكْلِيفَاتِ الصَّعْبَةِ وَالشَّدَائِدِ الَّتِي لَا تُطَاقُ لِأَجْلِ أَنْ يَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهَا مِنَ التَّقْوَى، إِذْ لَا تَظْهَرُ حَقِيقَتُهَا إِلَّا عِنْدَ ذَلِكَ فَوَجَدَهَا مَعَ ذَلِكَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الِانْقِيَادِ وَالرِّضَا أَوْ أَخْلَصَهَا لِلتَّقْوَى مِنْ قَوْلِهِمْ: امْتَحَنْتُ الذَّهَبَ وَفَتَنْتُهُ إِذَا أَذَبْتَهُ بِالنَّارِ حَتَّى خَرَجَ خَالِصًا نَقِيًّا، أَوْ أَذْهَبَ الشَّهَوَاتِ وَالْحُظُوظَ الدُّنْيَوِيَّةَ عَنْهَا كَمَا قَالَهُ عُمَرُ ﵁. (وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا) أَيْ: أَكْثَرَهَا غَوْرًا مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ وَأَدَقَّهَا فَهْمًا وَأَوْفَرَهَا حَظًّا مِنَ

стр. 427

الْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَةِ كَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْفَرَائِضِ وَالتَّصَوُّفِ لِسَعَةِ صُدُورِهِمْ وَشَرْحِ قُلُوبِهِمْ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أُمَّةً جَامِعًا لِلشَّمَائِلِ السَّنِيَّةِ وَالْفَضَائِلِ الْبَهِيَّةِ لَا تُوجَدُ غَالِبًا إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَقَدِ افْتَرَقُوا فَبَعْضُهُمْ صَارَ مُفَسِّرًا وَبَعْضُهُمْ مُحَدِّثًا وَغَيْرُ ذَلِكَ لِعَدَمِ تِلْكَ الْقَابِلِيَّةِ الْعُظْمَى وَالِاسْتِعْدَادَاتِ الْكَامِلَةِ الْعُلْيَا، وَلِذَا اعْتَرَضَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ عَلَى الْعَلَّامَةِ التَّفْتَازَانِيِّ فِي قَوْلِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] أَنَّ الْجَوَابَ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يُدْرِكُونَ تَحْقِيقَ مَاهِيَّةِ الْأَهِلَّةِ، وَلِذَا عَدَلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] مَعَ أَنَّ السَّائِلَ مِنْ أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الَّذِي قَالَ ﵊ فِي حَقِّهِ: " هُوَ أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ". (وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا) أَيْ: فِي الْعَمَلِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَمْشُونَ حُفَاةً، وَيُصَلُّونَ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَأْكُلُونَ مِنْ كُلِّ آنِيَةٍ، وَيَشْرَبُونَ مِنْ سُؤْرِ النَّاسِ، وَكَذَا فِي الْعِلْمِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِمْ، وَيَقُولُونَ فِيمَا لَا يَدْرُونَ: لَا نَدْرِي، وَكَانُوا يَتَدَافَعُونَ الْفَتْوَى عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَيُشِيرُونَ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، وَكَذَا فِي الْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتْلُونَ الْقُرْآنَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ عَلَى لُحُونِ الْعَرَبِ مِنْ غَيْرِ النَّغَمَاتِ وَالتَّمْطِيطَاتِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا فِي الْأَحْوَالِ الْبَاطِنِيَّةِ فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَرْقُصُونَ وَلَا يَصِيحُونَ وَلَا يُطِيحُونَ وَلَا يَطْرُقُونَ، وَلَا يَجْتَمِعُونَ لِلْغِنَاءِ وَالْمَزَامِيرِ، وَلَا يَتَحَلَّقُونَ لِلْأَذْكَارِ وَالصَّلَوَاتِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا فِي بُيُوتِهِمْ، بَلْ كَانُوا فَرْشِيِّينَ بِأَبْدَانِهِمْ، عَرْشِيِّينَ بِأَرْوَاحِهِمْ، كَائِنِينَ مَعَ الْخَلْقِ فِي الظَّاهِرِ، بَائِنِينَ عَنِ الْخَلْقِ مَعَ الْحَقِّ فِي الْبَاطِنِ، وَكَانُوا يَلْبَسُونَ مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ مِنَ الصُّوفِ وَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ، غَيْرَ مُتَقَيِّدِينَ بِالْأَوْصَافِ الْمَخْصُوصَةِ وَالْمُرَقَّعَاتِ الْمُنْتَقَشَةِ، وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مَا تَهَيَّأَ لَهُمْ مِنَ الْحَلَالَاتِ وَالْمُسْتَلَذَّاتِ، غَيْرَ مُحْتَرِزِينَ مِنَ اللَّحْمِ أَوِ اللَّبَنِ أَوِ الْفَوَاكِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكُلُّ هَذَا بِتَرْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُرَبِّي الْكَامِلِ الْمُكَمَّلِ الَّذِي قَالَ: " «أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي» " كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﵁ بِقَوْلِهِ: (اخْتَارَهُمُ اللَّهُ) أَيْ: مِنْ بَيْنِ الْخَلَائِقِ (لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ) : الَّذِي كَانَ كَالْإِكْسِيرِ فِي كَمَالِ التَّأْثِيرِ (وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ) : فَإِنَّهُمْ نَقَلَةُ أَقْوَالِهِ وَحَمَلَةُ أَحْوَالِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَيْضًا جَاهَدُوا حَقَّ الْجِهَادِ حَتَّى فَتَحُوا الْبِلَادَ وَأَظْهَرُوا الدِّينَ لِلْعِبَادِ، مَعَ اشْتِغَالِهِمْ بِأَحْوَالِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، جَزَاهُمُ اللَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ فِي يَوْمِ التَّنَادِ (فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ) أَيْ: عَلَى غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ، أَيْ زِيَادَةَ قَدْرِهِمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْغَزْوِ وَالْإِنْفَاقِ وَمَزِيَّةِ الثَّوَابِ وَغَيْرِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] (وَاتَّبِعُوهُمْ) : بِتَشْدِيدِ التَّاءِ أَيْ: كُونُوا مُتَّبِعِينَ لَهُمْ حَالَ كَوْنِكُمْ مَاشِينَ (عَلَى أَثَرِهِمْ) : بِفَتْحِهِمَا وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ: عَقِبَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَإِنَّهُمُ اتَّبَعُوا أَثَرَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا شَاهَدُوا مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَلِذَا قَالَ ﷺ : " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» " (وَتَمَسَّكُوا) أَيْ: خُذُوا وَاعْمَلُوا (بِمَا اسْتَطَعْتُمْ) : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عَجْزِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنِ الْمُتَابَعَةِ الْكَامِلَةِ، لَكِنْ مَا لَا يُدْرَكُ

стр. 428

كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ وَالْمَحَبَّةُ عَلَى قَدْرِ الْمُتَابَعَةِ كَمَا أَنَّ الْمُتَابَعَةَ عَلَى قَدْرِ الْمَحَبَّةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (مِنْ أَخْلَاقِهِمْ) : الْحَمِيدَةِ (وَسِيَرِهِمُ) : السَّعِيدَةِ (فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ) : لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَتْبَاعَ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ فِي الدِّينِ الْقَوِيمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: " فَاعْرِفُوا لَهُمْ " قَدْ أَجْمَلَ هَاهُنَا ثُمَّ فَصَّلَ بِقَوْلِهِ: فَضْلَهُمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] وَالْمُرَادُ مِنَ الْعِرْفَانِ مَا يُلَازِمُهُ مِنْ مُتَابَعَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِمْ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " وَاتَّبِعُوهُمْ " عَطْفٌ عَلَى اعْرِفُوا عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ، وَقَوْلُهُ: " عَلَى أَثَرِهِمْ " حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ مِنْ فَاعِلِ " اتَّبِعُوا " نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَفْعُولِ اهـ. وَخَطَرَ بِالْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ أَنَّ هَذَا مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ شَهَادَةٌ عَلَى حَقِّيَّةِ الْأَصْحَابِ الْمُتَقَدِّمِينَ رَدًّا عَلَى الرَّافِضَةِ وَالْمُلْحِدِينَ. (رَوَاهُ رَزِينٌ) .

стр. 429

١٩٤ - وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵄، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنُسْخَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَسَكَتَ فَجَعَلَ يَقْرَأُ وَوَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَغَيَّرُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ! مَا تَرَى مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ ! فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ، رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ بَدَا لَكُمْ مُوسَى فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي لَاتَّبَعَنِي» رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ١٩٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵄ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنُسْخَةٍ) : بِضَمِّ النُّونِ أَيْ: بِشَيْءٍ نُسِخَ وَنُقِلَ (مِنَ التَّوْرَاةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ) أَيْ: فَهَلْ تَأْذَنُ لَنَا أَنْ نُطَالِعَ فِيهَا لِنَطَّلِعَ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ وَشَرَائِعِ مُوسَى ﵊. (فَسَكَتَ) : مِنْ كَمَالِ حِلْمِهِ وَغَايَةِ لِينِهِ وَرَحْمَتِهِ (فَجَعَلَ) أَيْ: شَرَعَ عُمَرُ (يَقْرَأُ) : تِلْكَ النُّسْخَةَ ظَنًّا أَنَّ السُّكُوتَ عَلَامَةُ الرِّضَا وَالْإِذْنِ (وَوَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَغَيَّرُ) : مِنْ أَثَرِ الْغَضَبِ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِعُمَرَ: ثَكِلَتْكَ) : بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ فَقَدَتْكَ (الثَّوَاكِلُ) أَيْ: مِنَ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَأَصْلُهُ دُعَاءٌ لِلْمَوْتِ، لَكِنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُهُ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ غَيْرَ قَاصِدِينَ بِهِ حَقِيقَةَ ذَلِكَ كَتَرِبَتْ يَمِينُهُ وَرَغِمَ أَنْفُهُ (مَا تَرَى) : مَا: نَافِيَةٌ بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ (مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ !) " مَا " هَذِهِ مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ (فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَعَرِفَ آثَارَ الْغَضَبِ فِيهِ (فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ) : غَضَبُ اللَّهِ تَوْطِئَةٌ لِذِكْرِ غَضَبِ رَسُولِهِ إِيذَانًا بِأَنَّ غَضَبَهُ غَضَبُهُ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَإِيمَاءً إِلَى أَنَّ التَّعَوُّذَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ حَقِيقَةٌ، وَإِنَّمَا يَتَعَوَّذُ مَنْ غَضِبِ رَسُولِهِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِغَضَبِهِ تَعَالَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا) : قَالَهُ اعْتِذَارًا عَمَّا صَدَرَ عَنْهُ، وَجُمِعَ الضَّمِيرُ إِرْشَادًا لِلسَّامِعِينَ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ إِيمَاءً إِلَى أَنِّي مَعَ الْحَاضِرِينَ فِي مَقَامِ الرِّضَا طَلَبًا لِلرِّضَا وَاجْتِنَابًا عَنِ الْغَضَبِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) أَيْ: بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ

стр. 430

(لَوْ بَدَا) : بِالْأَلِفِ دُونَ الْهَمْزَةِ، أَيْ: ظَهَرَ (لَكُمْ مُوسَى) : عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ (فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي) : لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِهِ لَا مَحْذُورَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَحْذُورُ فِي اتِّبَاعٍ يُؤَدِّي إِلَى التَّرْكِ (لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) : فَكَيْفَ مَعَ وُجُودِي وَعَدَمِ ظُهُورِ مُوسَى تَتَّبِعُونَ كِتَابَهُ الْمَنْسُوخَ وَتَتْرُكُونَ الْأَخْذَ مِنِّي (وَلَوْ كَانَ) أَيْ: مُوسَى كَمَا فِي نُسْخَةٍ (حَيًّا) أَيْ: فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ (وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي) أَيْ: زَمَانَهَا (لَاتَّبَعَنِي) : لِأَنَّ دِينَهُ صَارَ مَنْسُوخًا فِي زَمَانِي، وَلِأَخْذِ الْمِيثَاقِ مِنْهُ وَمِنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] الْآيَةَ. قِيلَ: رَسُولٌ عَامٌّ فَالتَّنْوِينُ لِلتَّنْكِيرِ، وَقِيلَ: خَاصٌّ وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ نَهْيٌ بَلِيغٌ عَنِ الْعُدُولِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى غَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْحُكَمَاءِ وَالْفَلَاسِفَةِ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

стр. 431

١٩٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ كَلَامِي وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا» " ــ ١٩٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ اللَّهِ» ) : النَّسْخُ لُغَةً التَّبْدِيلُ وَشَرْعًا بَيَانٌ لِانْتِهَاءِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُطْلَقِ، ثُمَّ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَمِنْهُ نَسْخُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِقَوْلِهِ ﵊: " «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» " وَأُجِيبَ: بِأَنَّ النَّاسِخَ إِنَّمَا هُوَ آيَةُ الْمِيرَاثِ وَفِيهِ بَحْثٌ إِذِ الْكَلَامُ فِي الْوَصِيَّةِ لَا فِي مِقْدَارِ الْمُوصَى بِهِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُ ﵊: " «نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» " (وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ كَلَامِي) : وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْجَوَازِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَمِثَالُهُ نَسْخُ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْكَعْبَةِ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ خِلَافٌ لِلْأُصُولِيِّينَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ كُلٍّ بِالْآخَرِ لِاسْتِوَائِهِمَا مِنْ حَيْثُ ظَنِّيَّةِ الدَّلَالَةِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وَلَا يَرِدُّ عَلَيْهِمْ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِتَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ أَوْ حُسْنِهِ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْسَخُ لَفْظُهُ (وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا) : وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ كَآيَاتِ الْمُسَالَمَةِ بِآيَاتِ الْقِتَالِ، وَالْمَنْسُوخُ أَنْوَاعٌ. مِنْهَا: التِّلَاوَةُ وَالْحُكْمُ مَعًا وَهُوَ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ بِالْإِنْسَاءِ، حَتَّى رُوِيَ أَنَّ سُورَةَ الْأَحْزَابِ كَانَتْ تَعْدِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَمِنْهَا: الْحُكْمُ دُونَ التِّلَاوَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] وَمِنْهَا التِّلَاوَةُ دُونَ الْحُكْمِ كَآيَةِ الرَّجْمِ وَهِيَ: " الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "، وَبَقِيَ فِي الْحَدِيثِ قِسْمٌ رَابِعٌ وَهُوَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ، وَجَوَازُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمِثَالُهُ: " «كُنْتُ

стр. 432

نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا» " فَاجْتَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ.

стр. 433

١٩٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَحَادِيثَنَا يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَنَسْخِ الْقُرْآنِ» " ــ ١٩٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ أَحَادِيثَنَا) أَيْ: بِشَرْطِ صِحَّتِهَا (يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا) أَيْ: بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ (كَنَسْخِ الْقُرْآنِ) أَيْ: كَمَا نَسَخَ بَعْضُ آيَاتِهِ بَعْضًا، وَالتَّشْبِيهُ فِي مُجَرَّدِ النَّسْخِ لَا فِي أَنْوَاعِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 434

١٩٧ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» " رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ الدَّارَقُطْنِيُّ. ــ ١٩٧ - (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ) : مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَاسْمُهُ جُرْثُومُ بْنُ نَاشِرٍ (الْخُشَنِيِّ) : بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ الْأَوْلَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ، بَطْنٌ مِنْ قُضَاعَةَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ كَذَا فِي التَّهْذِيبِ، وَأَرْسَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قَوْمِهِ فَأَسْلَمُوا، وَنَزَلَ بِالشَّامِ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَمَرْوِيَّاتُهُ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ) : بِالْهَمْزِ جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ وَالتَّاءُ لِلنَّقْلِ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ، وَهِيَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهِ الثَّوَابُ وَعَلَى تَرْكِهِ الْعِقَابُ مِنَ الْعِبَادَاتِ. قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْفَرْضُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ مَعَالِمَ وَحُدُودًا، وَاصْطِلَاحًا: هُوَ مَا يُمْدَحُ فَاعِلُهُ شَرْعًا وَيُذَمُّ تَارِكُهُ قَصْدًا مُطْلَقًا وَيُرَادِفُهُ الْوَاجِبُ، هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَالْوَاجِبُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، كَذَا فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ، وَالْوَاجِبُ عِنْدَنَا فَرْضٌ عَمَلِيٌّ أَيْضًا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ الْعِقَابُ، لَكِنْ دُونَ عِقَابِ الْفَرْضِ، وَالْمَقَامُ يُنَاسِبُ الْمَعْنَى الْأَعَمَّ، أَيْ: أَوْجَبَ أَحْكَامَهَا مَقَدَّرَةً مَقْطُوعَةً كَالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَكَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَسَائِرِ الْفَرَائِضِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، سَوَاءٌ يَكُونُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ أَوِ الْعَيْنِيَّةِ، وَسَوَاءٌ أَوْجَبَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ (فَلَا تُضَيِّعُوهَا) : بِتَرْكِهَا رَأْسًا أَوْ بِتَرْكِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا أَوْ بِالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ أَوْ بِالْعَجَبِ وَالْغُرُورِ. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَعِنْدَ الْعَارِفِينَ هِيَ الْمَعْرِفَةُ الْإِلَهِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَقْصُودُ الْخَلْقِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَقُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أَيْ: لِيَعْرِفُونِ وَلَا تَحْصُلُ الْمَعْرِفَةُ غَالِبًا إِلَّا بِالْمُجَاهَدَةِ وَهِيَ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنْ ظُلْمَةِ أَخْلَاقِهَا وَتَخْلِيَتِهَا عَنْ أَوْصَافِ الرَّذَائِلِ وَتَحْلِيَتِهَا بِأَنْوَارِ الْفَضَائِلِ كَالتَّوْبَةِ وَالتَّقْوَى وَالزُّهْدِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَالِارْتِقَاءِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالتَّصَاعُدِ مِنْ مَقَامٍ إِلَى آخَرَ حَتَّى تَنْجَلِيَ شَمْسُ صِفَاتِ الْجَلَالِ، وَتَظْهَرَ طَوَالِعُ أَنْوَارِ الْجَمَالِ، وَيَسْتَوْلِيَ سُلْطَانُ الْحَقِيقَةِ عَلَى مَمَالِكِ الْخَلِيقَةِ، وَيُطْوَى بِأَيْدِي سَطَوَاتِ الْجُودِ سُرَادِقَاتِ الْوُجُودِ فَمَا بَقِيَ الْأَرْضُ وَلَا السَّمَاءُ، وَلَا الظُّلْمَةُ وَلَا الضِّيَاءُ، وَتَلَاشَى الْعَبْدُ فِي كَعْبَةِ الْعِنْدِيَّةِ، وَنُودِيَ بِفَنَاءِ الْفَنَاءِ مِنْ عَالَمِ الْبَقَاءِ، رُفِعَتِ الْقِبْلَةُ وَمَا بَقِيَ إِلَّا اللَّهُ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وَهَذَا حَالُ السَّلِكِ الْمَجْذُوبِ أَوِ الْمَجْذُوبِ السَّالِكِ، وَمَعْنَى الْجَذْبَةِ أَنَّهُ يُنَاجِي الْمَجْذُوبَ مِنْ أَمْرِ الْمَلَكُوتِ مَا يُدْهِشُ عَقْلَهُ وَيَأْخُذُهُ عَنْ نَفْسِهِ (وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ) أَيْ: مُحَرَّمَاتٍ مِنَ الْمَعَاصِي، وَفِي الْأَرْبَعِينَ لِلنَّوَوِيِّ: وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ، أَيْ: كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ (فَلَا تَنْتَهِكُوهَا) أَيْ: لَا تَقْرَبُوهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ تَتَنَاوَلُوهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: انْتِهَاكُ الْحُرْمَةِ تَنَاوُلُهَا بِمَا لَا يَحِلُّ، وَقِيلَ: الِانْتِهَاكُ خَرْقُ مَحَارِمِ الشَّرْعِ كَذَا ذَكَرَهُ

стр. 435

السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. وَقَالَ مَيْرَكُ: وَهُوَ عِنْدَ الطَّائِفَةِ الصُّوفِيَّةِ مُتَابَعَةُ الشَّيْطَانِ وَالْهَوَى وَالْإِقْبَالُ عَلَى الدُّنْيَا وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْعُقْبَى، إِذْ يَجِبُ أَنْ يَنْقَطِعَ الْمُحِبُّ عَنْ كُلِّ مَطْلُوبٍ، بَلْ يَنْقَطِعُ عَمَّا سِوَى الْمَحْبُوبِ (وَحَدَّ حُدُودًا) أَيْ: بَيَّنَ وَعَيَّنَ حُدُودًا فِي الْمَعَاصِي مِنَ الْقَتْلِ وَالضَّرْبِ (فَلَا تَعْتَدُوهَا) أَيْ: لَا تَتَجَاوَزُوا عَنِ الْحَدِّ لَا بِالزِّيَادَةِ وَلَا بِالنُّقْصَانِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْحُدُودُ هِيَ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى وَعُقُوبَاتُهَا الَّتِي قَرَنَهَا بِالذُّنُوبِ، وَأَصْلُ الْحَدِّ الْمَنْعُ وَالْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، فَكَأَنَّ حُدُودَ الشَّرْعِ فَصَلَتْ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَمِنْهَا مَا لَا يُقْرَبُ كَالْفَوَاحِشِ الْمُحَرَّمَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] وَمِنْهَا مَا لَا تُتَعَدَّى كَالْمَوَارِيثِ الْمُعَيَّنَةِ وَتَزْوِيجِ الْأَرْبَعَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَالتَّلْخِيصُ أَنَّ حُدُودَ اللَّهِ مَا مَنَعَ مِنْ مُخَالَفَتِهَا بَعْدَ أَنْ قَدَّرَهَا بِمَقَادِيرَ مَخْصُوصَةٍ وَصِفَاتٍ مَضْبُوطَةٍ، وَمِنْهُ تَعْيِينُ الرَّكَعَاتِ وَالْأَوْقَاتِ وَمَا وَجَبَ إِخْرَاجُهُ فِي الزَّكَوَاتِ وَإِثْبَاتِهَا فِي الْحَجِّ وَحُدُودِ الْعُقُوبَاتِ، فَكَأَنَّهُ تَقْرِيرٌ وَتَأْكِيدٌ لِلْقِسْمَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ. هَذَا وَفِي كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الْعَبْدَ يَتَقَلَّبُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ عَلَى الْحُدُودِ، وَلِكُلِّ عَمَلٍ حَدٌّ، وَلِكُلِّ وَقْتٍ حَدٌّ، وَلِكُلِّ حَالٍ وَمَقَامٍ حَدٌّ، فَمَنْ تَخَطَّاهَا فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ) أَيْ: تَرَكَ ذِكْرَ أَشْيَاءَ أَيْ: حُكْمَهَا مِنَ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَالْحَلِّ (مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ) : بَلْ مِنْ رَحْمَةٍ وَإِحْسَانٍ. وَفِي الْأَرْبَعِينَ: رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ بِنَصْبِ (رَحْمَةً) عَلَى الْعِلَّةِ، وَنَصْبِ (غَيْرَ) عَلَى الْحَالِيَّةِ، وَالنِّسْيَانُ: هُوَ تَرْكُ الْفِعْلِ بِلَا قَصْدٍ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِخِلَافِ السَّهْوِ (فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا) أَيْ: لَا تُفَتِّشُوا عَنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] هَذَا وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَلَّى عَلَى عَامَّةِ عِبَادِهِ بِأَفْعَالِهِ وَآيَاتِهِ الْمُنْبَثَّةِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ وَلِخَوَاصِّ أَصْفِيَائِهِ بِصِفَاتِهِ الْعُظْمَى، وَلِأَعْظَمِ أَنْبِيَائِهِ بِذَاتِهِ وَحَقَائِقِ صِفَاتِهِ، وَخَصَّهُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ عُرَفَائِهِ رَحْمَةً لَهُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ، إِذْ مَا قَامَ عَظِيمٌ عِنْدَ عَظَمَتِهِ إِلَّا كَلَّ وَزَلَّ وَلَا اسْتَقَامَ كَبِيرٌ دُونَ كِبْرِيَائِهِ إِلَّا هَامَ وَقَامَ كَمَا قَالَ ﷻ وَعَمَّ نَوَالُهُ: لَا يَرَانِي حَيٌّ إِلَّا مَاتَ وَلَا يَابِسٌ إِلَّا تَدَهْدَهَ وَلَا رَطْبٌ إِلَّا تَفَرَّقَ، وَإِنَّمَا يَرَانِي أَهْلُ الْجَنَّةِ الَّذِينَ لَا تَمُوتُ أَعْيُنُهُمْ، وَلَا تَبْلَى أَجْسَادُهُمْ، وَلِذَا قَالَ: فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا أَيْ: لَا تَتَفَكَّرُوا فِيهَا، فَإِنَّ الْبَابَ إِلَى وُصُولِ مَعْرِفَةِ كُنْهِ الذَّاتِ مَرْدُودٌ، وَالطَّرِيقُ إِلَى كُنْهِ الصِّفَاتِ مَسْدُودٌ، «تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ» . الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إِدْرَاكُ وَالْبَحْثُ عَنْ سِرِّ ذَاتِ الرَّبِّ إِشْرَاكُ (رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ الدَّارَقُطْنِيُّ) . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَخِيرِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ.

стр. 436

[كِتَابُ الْعِلْمِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١٩٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ [٢] كِتَابُ الْعِلْمِ أَيْ: فَضْلُهُ وَفَضْلُ تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَبَيَانُ مَا هُوَ عِلْمٌ شَرْعًا، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيَكُونُ ذِكْرُهُ بَعْدَ بَابِ الِاعْتِصَامِ مِنْ بَابِ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَالْعِلْمُ نُورٌ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ مُقْتَبَسٌ مِنْ مَصَابِيحِ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَالْأَفْعَالِ الْأَحْمَدِيَّةِ، وَالْأَحْوَالِ الْمَحْمُودِيَّةِ يُهْتَدَى بِهِ إِلَى اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، فَإِنْ حَصَلَ بِوَاسِطَةِ الْبَشَرِ فَهُوَ كَسْبِيُّ، وَإِلَّا فَهُوَ الْعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ الْمُنْقَسِمُ إِلَى الْوَحْيِ وَالْإِلْهَامِ وَالْفَرَاسَةِ، فَالْوَحْيُ لُغَةً إِشَارَةٌ بِسُرْعَةٍ وَاصْطِلَاحًا كَلَامٌ إِلَهِيٌّ يَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ النَّبَوِيِّ. فَمَا أَنْزَلَ صُورَتَهُ وَمَعْنَاهُ وَلَا يَكُونُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ فَهُوَ الْكَلَامُ الْإِلَهِيُّ. وَمَا نَزَلَ مَعْنَاهُ عَلَى الشَّارِعِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِكَلَامِهِ فَهُوَ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي مَحَلِّ الشُّهُودِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] وَقَدْ يَكُونُ بِوَاسِطَةِ نُزُولِ الْمَلَكِ، أَيْ: بِنُزُولِهِ مِنَ الصُّورَةِ الْمَلَكِيَّةِ إِلَى الْهَيْئَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْحَقُّ، فَكَلَّمَ أَوَّلًا مُحَمَّدًا بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ، وَثَانِيًا أَصْحَابَهُ بِوَاسِطَةِ مُحَمَّدٍ، وَثَالِثًا التَّابِعِينَ بِوَاسِطَةِ الصَّحَابَةِ وَهَلُمَّ جَرًّا. وَقَدْ يَكُونُ بِنَفْثِهِ قِي قَلْبِهِ بِأَنْ يُلْقِيَ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِصُورَةِ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي، وَالْإِلْهَامُ لُغَةً الْإِبْلَاغُ، وَهُوَ عِلْمٌ حَقٌّ يَقْذِفُهُ اللَّهُ مِنَ الْغَيْبِ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: ٤٨] وَالْفَرَاسَةُ عِلْمٌ يَنْكَشِفُ مِنَ الْغَيْبِ بِسَبَبِ تَفَرُّسِ آثَارِ الصُّوَرِ، «اتَّقَوْا فَرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِلْهَامِ وَالْفِرَاسَةِ أَنَّهَا كَشْفُ الْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ بِوَاسِطَةِ تَفَرُّسِ آثَارِ الصُّوَرِ، وَالْإِلْهَامُ كَشْفُهَا بِلَا وَاسِطَةٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِلْهَامِ وَالْوَحْيِ أَنَّهُ تَابِعٌ لِلْوَحْيِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، ثُمَّ عِلْمُ الْيَقِينِ مَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ مَا كَانَ بِطَرِيقِ الْكَشْفِ وَالنَّوَالِ، وَحَقُّ الْيَقِينِ مَا كَانَ بِتَحْقِيقِ الِانْفِصَالِ عَنْ لَوْثِ الصَّلْصَالِ لِوُرُودِ رَائِدِ الْوِصَالِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١٩٨ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (بَلِّغُوا عَنِّي) : أَيِ: انْقُلُوا إِلَى النَّاسِ، وَأَفِيدُوهُمْ مَا أَمْكَنَكُمْ، أَوْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِمَّا سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي، وَمَا أَخَذْتُمُوهُ عَنِّي مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، أَوْ تَقْرِيرٍ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ (وَلَوْ آيَةً) أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْمُبَلَّغُ آيَةً وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْعَلَامَةُ الظَّاهِرَةُ. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَإِنَّمَا قَالَ " آيَّةً " لِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا يُفِيدُ فِي بَابِ التَّبْلِيغِ، وَلَمْ يَقُلْ حَدِيثًا لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْآيَاتِ إِذَا كَانَتْ وَاجِبَةَ التَّبْلِيغِ مَعَ انْتِشَارِهَا، وَكَثْرَةِ حَمَلَتِهَا لِتَوَاتُرِهَا، وَتَكَفُّلِ اللَّهِ تَعَالَى بِحِفْظِهَا وَصَوْنِهَا عَنِ الضَّيَاعِ وَالتَّحْرِيفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فَالْحَدِيثُ مَعَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ مِمَّا ذُكِرَ أَوْلَى بِالتَّبْلِيغِ، وَأَمَّا لِشِدَّةِ اهْتِمَامِهِ ﵊ بِنَقْلِ الْآيَاتِ لِبَقَائِهَا مِنْ سَائِرِ الْمُعْجِزَاتِ، وَلِمَسَاسِ الْحَاجَةِ إِلَى ضَبْطِهَا وَنَقْلِهَا إِذْ لَا بُدَّ مِنْ تَوَاتُرِ أَلْفَاظِهَا، وَالْآيَةُ مَا وُزِّعَتِ السُّورَةُ عَلَيْهَا اهـ. وَالثَّانِي: أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَالَ الْمَظْهَرُ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْكَلَامُ الْمُفِيدُ، نَحْوَ: مَنْ صَمَتَ نَجَا، وَالدِّينُ النَّصِيحَةُ، أَيْ: بَلِّغُوا عَنِّي أَحَادِيثِي، وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ قَالَ وَلَوْ آيَةً وَلَمْ يَقُلْ وَلَوْ حَدِيثًا مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ؟ قُلْنَا: لِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَيْضًا دَاخِلٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ لِأَنَّهُ ﵊ مُبَلِّغُهُمْ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ طِبَاعَ الْمُسْلِمِينَ مَائِلَةٌ إِلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَنَشْرِهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ اهـ.

стр. 437

وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْكَلَامُ الْمُفِيدُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا اخْتِيرَ لَفْظُ الْآيَةِ لِشَرَفِهَا، أَوِ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْحُكْمُ الْمُوحَى إِلَيْهِ ﷺ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمَتْلُوَّةِ وَغَيْرِهَا بِحُكْمِ عُمُومِ الْوَحْيِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ، أَوْ لِأَنَّ كُلَّ مَا صَدَرَ عَنْ صَدْرِهِ فَهُوَ آيَةٌ دَالَّةٌ عَلَى رِسَالَتِهِ، فَإِنَّ ظُهُورَ مِثْلِ هَذِهِ الْعُلُومِ مِنَ الْأُمِّيِّ مُعْجِزَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ، مِنْهَا: التَّحْرِيضُ عَلَى نَشْرِ الْعِلْمِ، وَمِنْهَا: جَوَازُ تَبْلِيغِ بَعْضِ الْحَدِيثِ كَمَا هُوَ عَادَةُ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ وَالْمَشَارِقِ وَلَا بَأْسَ بِهِ، إِذِ الْمَقْصُودُ تَبْلِيغُ لَفْظِ الْحَدِيثِ مُفِيدًا سَوَاءٌ كَانَ تَامًّا أَمْ لَا. (وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ) . الْحَرَجُ: الضِّيقُ وَالْإِثْمُ وَهَذَا لَيْسَ عَلَى مَعْنَى إِبَاحَةِ الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ، بَلْ دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ الْحَرَجِ فِي التَّحْدِيثِ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ صِحَّتُهُ وَإِسْنَادُهُ لِبُعْدِ الزَّمَانِ كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَتَبِعَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْمُظْهِرُ وَهُوَ مُقَيِّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ نَرَ كَذِبَ مَا قَالُوهُ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِمَا جَاءَ عَنْهُمْ، وَبَيْنَ التَّرْخِيصِ الْمَفْهُومِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحَدُّثِ هَاهُنَا التَّحَدُّثُ بِقِصَصٍ مِنَ الْآيَاتِ الْعَجِيبَةِ، كَحِكَايَةِ عِوَجِ بْنِ عُنُقٍ، وَقَتْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْفُسَهُمْ فِي تَوْبَتِهِمْ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَتَفْصِيلِ الْقِصَصِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ عِبْرَةً وَمَوْعِظَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ هُنَاكَ النَّهْيُ عَنْ نَقْلِ أَحْكَامِ كُتُبِهِمْ لِأَنَّ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ وَالْأَدْيَانِ مَنْسُوخَةٌ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا ﷺ . اهـ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَمَا رُوِيَ عَنْ عِوَجٍ أَنَّهُ رَفَعَ جَبَلًا قَدْرَ عَسْكَرِ مُوسَى ﵇ وَهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ لِيَضَعَهُ عَلَيْهِمْ، فَنَقَرَهُ هُدْهُدٌ بِمِنْقَارِهِ وَثَقَبَهُ وَوَقَعَ فِي عُنُقِهِ، فَكَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَرَوَى الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ فِيهِمْ أَعَاجِيبُ» " ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «خَرَجَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَقْبَرَةٍ فَقَالُوا: لَوْ صَلَّيْنَا ثُمَّ دَعَوْنَا رَبَّنَا حَتَّى يُخْرِجَ اللَّهُ لَنَا بَعْضَ الْمَوْتَى فَيُخْبِرَنَا عَنِ الْمَوْتِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ دَعَوْا رَبَّهُمْ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذَا رَجُلٌ قَدْ أَطْلَعَ رَأْسَهُ مَنْ قَبَرِهِ وَهُوَ أَسْوَدُ خَلَا شَيْبًا أَيْ بَيَاضُ رَأَسِهِ يُخَالِطُ سَوَادَهُ وَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ مَا أَرَدْتُمْ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ مُتُّ مُنْذُ تِسْعِينَ سَنَةً، فَمَا ذَهَبَتْ مَرَارَةُ الْمَوْتِ مِنِّي حَتَّى كَأَنَّهُ الْآنَ، فَادْعُوا اللَّهَ أَنْ يُعِيدَنِي كَمَا كُنْتُ، وَكَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ» . (وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ) ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مَعْنَى كَذَبَ عَلَيْهِ نَسَبَ الْكَلَامَ كَاذِبًا إِلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ اهـ. وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ زَعْمُ مَنْ جَوَّزَ وَضْعَ الْأَحَادِيثِ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْعِبَادَةِ، كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ الْجَهَلَةِ فِي وَضْعِ أَحَادِيثَ فِي فَضَائِلِ السُّورِ، وَفِي الصَّلَاةِ اللَّيْلِيَّةِ وَالنَّهَارِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ تَعْدِيَتَهُ بِ " عَلَيَّ " لِتَضْمِينِ مَعْنَى الِافْتِرَاءِ (مُتَعَمِّدًا) : نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَلَيْسَ حَالًا مُؤَكَّدَةً، لِأَنَّ الْكَذِبَ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى عَدَمِ دُخُولِ النَّارِ فِيهِ (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) : يُقَالُ: تَبَوَّأَ الدَّارَ إِذَا اتَّخَذَهَا مَسْكَنًا وَهُوَ أَمْرٌ مَعْنَاهُ الْخَبَرُ يَعْنِي: فَإِنَّ اللَّهَ يُبَوِّئُهُ وَتَعْبِيرُهُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لِلْإِهَانَةِ، وَلِذَا قِيلَ: الْأَمْرُ فِيهِ لِلتَّهَكُّمِ وَالتَّهْدِيدِ، إِذْ هُوَ أَبْلَغُ فِي التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ مِنْ أَنْ يُقَالَ: كَانَ مَقْعَدُهُ فِي النَّارِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ ذَلِكَ كَبِيرَةً، بَلْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: إِنَّهُ كَفَرَ يَعْنِي لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الِاسْتِخْفَافُ بِالشَّرِيعَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ قَرَأَ حَدِيثَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَلْحَنُ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي أَدَائِهِ أَوْ إِعْرَابِهِ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، لِأَنَّهُ بِلَحْنِهِ كَاذِبٌ عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ نَقَلَ حَدِيثًا وَعَلِمَ كَذِبَهُ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلنَّارِ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ، لَا مَنْ نَقَلَ عَنْ رَاوٍ عَنْهُ ﵇، أَوْ رَأَى فِي كِتَابٍ وَلَمْ يَعْلَمْ كَذِبَهُ.

стр. 438

قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِيجَابُ التَّحَرُّزِ عَنِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ لَا يُحَدِّثَ عَنْهُ إِلَّا بِمَا يَصِحُّ بِنَقْلِ الْإِسْنَادِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ شَارِحٍ مِنْ حُرْمَةِ التَّحْدِيثِ بِالضَّعِيفِ مُطْلَقًا مَرْدُودٌ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الطِّيبِيِّ بِقَوْلِهِ " إِلَّا بِمَا يَصِحُّ " - الصِّحَّةُ اللُّغَوِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنَى الثُّبُوتِ لَا الِاصْطِلَاحِيَّةُ وَإِلَّا لَأَوْهَمَ حُرْمَةَ التَّحْدِيثِ بِالْحَسَنِ أَيْضًا وَلَا يَحْسُنُ ذَلِكَ، وَلَا يُظَنُّ بِهِ هَذَا، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْفُرُوعِ حِسَانٌ، وَمِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَلَامُهُ أَيْضًا مُشْعِرٌ بِذَلِكَ إِذْ لَمْ يَقُلْ بِنَقْلِ الْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ، وَلَكِنَّهُ مُوهِمٌ أَنَّهُ لَابُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْإِسْنَادِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ إِلَّا بِمَا ثَبَتَ عَنْهُ، وَذَلِكَ الثُّبُوتُ إِنَّمَا يَكُونُ بِنَقْلِ الْإِسْنَادِ، وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ لَوْ رَوَى عَنْهُ مَا يَكُونُ مَعْنَاهُ صَحِيحًا لَكِنْ لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ عَنْهُ، وَاللَّامُ فِي الْإِسْنَادِ لِلْعَهْدِ، أَيِ: الْإِسْنَادِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ لِلْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ إِسْنَادٌ أَيْضًا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلِكَوْنِ الْإِسْنَادِ يُعْلَمُ بِهِ الْمَوْضُوعُ مَنْ غَيْرِهِ كَانَتْ مَعْرِفَتُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. قِيلَ: " بَلِّغُوا عَنِّي " يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اتِّصَالُ السَّنَدِ بِنَقْلِ الثِّقَةِ عَنْ مَثَلِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ لِأَنَّ التَّبْلِيغَ مِنَ الْبُلُوغِ وَهُوَ إِنْهَاءُ الشَّيْءِ إِلَى غَايَتِهِ. وَالثَّانِي: أَدَاءُ اللَّفْظِ كَمَا سُمِعَ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، وَالْمَطْلُوبُ فِي الْحَدِيثِ كِلَا الْوَجْهَيْنِ لِوُقُوعِ بَلِّغُوا مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ» . (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أَيْ: مَجْمُوعَ الْحَدِيثِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَنْ كَذَبَ إِلَخْ. فَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَطِيبُ وَابْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُمْ، عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: حَدِيثُ " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ " مِنَ الْمُتَوَاتِرِ، وَلَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا فِي مَرْتَبَتِهِ مِنَ التَّوَاتُرِ، فَإِنَّ نَاقِلِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمٌّ غَفِيرٌ. قِيلَ: اثْنَانِ وَسِتُّونَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِمُ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرَةُ، وَقِيلَ: لَا نَعْرِفُ حَدِيثًا اجْتَمَعَ فِيهِ الْعَشَرَةُ إِلَّا هَذَا، ثُمَّ عَدَدُ الرُّوَاةِ كَانَ فِي التَّزَايُدِ فِي كُلِّ قَرْنٍ.

стр. 439

١٩٩ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٩٩ - (وَعَنْ سَمُرَةَ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْمِيمِ (ابْنِ جُنْدُبٍ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ، الْفَزَارِيُّ، حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، كَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ آخِرَ سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ (وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَالضَّمُّ أَشْهَرُ قِيلَ: إِنَّهُ أَحْصَنَ ثَلَاثَمِائَةِ امْرَأَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، كَذَا فِي التَّهْذِيبِ، ثَقَفِيٌّ، أَسْلَمَ عَامَ الْخَنْدَقِ وَقَدِمَ مُهَاجِرًا، نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ خَمْسِينَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً. وَهُوَ أَمِيرُهَا لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ. (قَالَا) : ﵄ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ) أَيْ: وَلَوْ بِوَاحِدٍ (يُرَى) : رُوِيَ بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِرَاءَةِ. أَيْ: يَظُنُّ. وَبِفَتْحِهَا مِنَ الرَّأْيِ أَيْ يَعْلَمُ (أَنَّهُ) : أَيِ: الْحَدِيثَ (كَذِبٌ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ، وَجُوِّزَ كَسْرُ الْكَافِ وَسُكُونِ الذَّالِ يَعْنِي وَلَمْ يُبَيِّنْ كَذِبَهُ (فَهُوَ) : بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا (أَحَدُ الْكَاذِبِينَ) : جَمَعَ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ النَّقَلَةِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: سَمَّاهُ كَاذِبًا لِأَنَّهُ يُعِينُ الْمُفْتَرِيَ وَيُشَارِكُهُ بِسَبَبِ إِشَاعَتِهِ، فَهُوَ كَمَنْ أَعَانَ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ.

стр. 440

قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ: يُرَى ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الْيَاءِ، وَالْكَاذِبِينَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ عَلَى الْجَمْعِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي اللَّفْظَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الرِّوَايَةُ عِنْدَنَا عَلَى الْجَمْعِ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ عَلَى التَّثْنِيَةِ، وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ لَهُ يُشَارِكُ الْبَادِئَ بِهَذَا الْكَذِبِ، ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ الْكَاذِبَيْنِ أَوِ الْكَاذِبِينَ عَلَى الشَّكِّ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ جَوَازَ فَتْحِ الْيَاءِ مِنْ " يُرَى " بِمَعْنَى يَعْلَمُ وَهُوَ ظَاهِرٌ حَسَنٌ، فَأَمَّا مَنْ ضَمَّ الْيَاءَ فَمَعْنَاهُ يُظَنُّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَتْحُ بِمَعْنَى يَظُنُّ أَيْضًا، فَقَدْ حُكِيَ رَأَى بِمَعْنَى ظَنَّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يَأْثَمُ إِلَّا بِرِوَايَةِ مَا يَعْلَمُهُ أَوْ يَظُنُّهُ كَذِبًا، وَأَمَّا مَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَظُنُّهُ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَتِهِ وَإِنْ ظَنَّهُ غَيْرُهُ كَذِبًا أَوْ عَلِمَهُ اهـ. كَلَامُ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيِّ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ فِي تَجْوِيزِ فَتْحِ الْيَاءِ بِمَعْنَى يَعْلَمُ تَأَمَّلْ، وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّأَمُّلِ أَنَّ الظَّنَّ يَكْفِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، بَلْ أَبْلَغُ فِي إِفَادَةِ الْمَرَامِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْعِلْمِ التَّامِّ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْعِلْمُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ يَقِينِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 441

٢٠٠ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهِ يُعْطِي» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٠٠ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ) : ﵁ هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، أُمُّهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، كَانَ هُوَ وَأَبُوهُ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَهُوَ أَحَدُ الَّذِينَ كَتَبُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقِيلَ: لَمْ يَكْتُبْ لَهُ مِنَ الْوَحْيِ شَيْئًا إِنَّمَا كَتَبَ لَهُ كُتُبَهُ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ، تَوَلَّى الشَّامَ بَعْدَ أَخِيهِ يَزِيدَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَزَلْ بِهَا مُتَوَلِّيًا حَاكِمًا إِلَى أَنْ مَاتَ، وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ سَنَةً. مِنْهَا فِي أَيَّامِ عُمَرَ أَرْبَعُ سِنِينَ أَوْ نَحْوَهَا. وَمُدَّةُ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَخِلَافَةِ عَلِيٍّ وَابْنِهِ الْحَسَنِ، وَذَلِكَ تَمَامُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ اسْتُوثِقَ لَهُ الْأَمْرُ بِتَسْلِيمِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَيْهِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَدَامَ لَهُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَمَاتَ فِي رَجَبٍ بِدِمَشْقَ، وَلَهُ ثَمَانُ وَسَبْعُونَ سَنَةً. وَكَانَ أَصَابَتُهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ لَقْوَةٌ، وَكَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ: لَيْتَنِي كُنْتُ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ بِذِي طِوًى، وَلَمْ أَرَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ شَيْئًا، وَكَانَ عِنْدَهُ إِزَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِدَاؤُهُ وَقَمِيصُهُ وَشَيْءٌ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ فَقَالَ: كَفِّنُونِي فِي قَمِيصِهِ، وَأَدْرِجُونِي فِي رِدَائِهِ، وَأَزِّرُونِي بِإِزَارِهِ، وَاحْشُوا مَنْخَرَيَّ وَشِدْقَيَّ وَمَوَاضِعَ السُّجُودِ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ، وَخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا) : تَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ أَيْ خَيْرًا كَثِيرًا " (يُفَقِّهْهُ) : بِتَشْدِيدِ الْقَافِ أَيْ: يَجْعَلْهُ عَالِمًا (فِي الدِّينِ) أَيْ: أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ، وَلَا يُخَصُّ بِالْفِقْهِ الْمُصْطَلِحِ الْمُخْتَصِّ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ كَمَا ظُنَّ، فَقَدْ رَوَى الدَّارِمِيُّ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ يَوْمًا فِي شَيْءٍ قَالَهُ، يَا أَبَا سَعِيدٍ! هَكَذَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ. قَالَ: وَيْحَكَ هَلْ رَأَيْتَ فَقِيهًا قَطُّ إِنَّمَا الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ، الْبَصِيرُ بِأَمْرِ دِينِهِ، الْمُدَاوِمُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّمَا الْفَقِيهُ مَنِ انْفَقَأَتْ عَيْنَا قَلْبِهِ فَنَظَرَ إِلَى رَبِّهِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةٍ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَيُلْهِمْهُ رُشْدَهُ» ، رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) أَيْ لِلْعِلْمِ (وَاللَّهُ يُعْطِي) . أَيِ: الْفَهْمَ فِي الْعِلْمِ بِمَبْنَاهُ، وَالتَّفَكُّرَ فِي مَعْنَاهُ، وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَاوُ فِي وَإِنَّمَا لِلْحَالِ مِنْ فَاعِلِ (يُفَقِّهُ) أَوْ مَفْعُولِهِ أَيْ: أَنَا أُقَسِّمُ الْعِلْمَ بَيْنَكُمْ، فَأُلْقِي إِلَيْكُمْ جَمِيعًا مَا يَلِيقُ بِكُلِّ أَحَدٍ، وَاللَّهُ يُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ مِنْكُمْ لِفَهْمِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ ثَمَّ تَفَاوَتَتْ أَفْهَامُ الصَّحَابَةِ مَعَ اسْتِوَاءِ تَبْلِيغِهِ ﵊، بَلْ فَاقَ بَعْضُ مَنْ جَاءَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ بَعْضَهُمْ فِي الْفَهْمِ وَالِاسْتِنْبَاطِ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الْخَبَرُ الْآتِي: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» . وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَا أُقَسِّمُ الْمَالَ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ يُعْطِيهِ، فَلَا يَكُونُ فِي قُلُوبِكُمْ سُخْطٌ وَتَنَكُّرٌ عَنِ التَّفَاضُلِ فِي الْقِسْمَةِ، فَإِنَّهُ أَمْرُ اللَّهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَا أُقَسِّمُ الْعِلْمَ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ يُعْطِي الْعِلْمَ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقَامُ يَقْتَضِي الْعِلْمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قِيلَ: وَلَمْ يَقُلْ مُعْطٍ لِأَنَّ إِعْطَاءَهُ مُتَجَدِّدٌ سَاعَةً فَسَاعَةً (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

стр. 442

٢٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٠١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (النَّاسُ مَعَادِنُ) : جَمْعُ مَعْدِنٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ مُسْتَقِرُّ الْأَخْلَاقِ كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ (كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) : وَغَيْرِهِمَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْأَدْنَى، فَمَنْ كَانَ اسْتِعْدَادُهُ أَقْوَى كَانَتْ فَضِيلَتُهُ أَتَمَّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا فِي مَعَادِنِ الطِّبَاعِ مِنْ جَوَاهِرِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَخْرَجَ بِرِيَاضَةِ النُّفُوسِ كَمَا تُسْتَخْرَجُ جَوَاهِرُ الْمَعَادِنِ بِالْمُقَاسَاةِ وَالتَّعَبِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَعْدِنُ الْمُسْتَقِرُّ مَنْ عَدَنْتَ الْبَلَدَ إِذَا تَوَطَّنْتَهُ، وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ لِمُسْتَقَرِّ الْجَوَاهِرِ، وَمَعَادِنُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ إِلَّا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا عَلَى التَّشْبِيهِ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ أَسَدٌ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ بَدَلًا مِنْهُ أَيِ: النَّاسُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ، وَإِمَّا عَلَى أَنَّ الْمَعَادِنَ مَجَازٌ عَنِ التَّفَاوُتِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ يَعْنِي فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الصِّفَاتِ تَفَاوُتًا مِثْلَ تَفَاوُتِ مَعَادِنِ الذَّهَبِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّفَاوُتِ تَفَاوُتُ النَّسَبِ فِي الشَّرَفِ وَالضِّعَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵊ فِي حَدِيثٍ آخَرَ " فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَنِي؟ " قَالُوا: نَعَمْ أَيْ أُصُولُهَا الَّتِي يُنْسَبُونَ إِلَيْهَا وَيَتَفَاخَرُونَ بِهَا، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ مَعَادِنَ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الِاسْتِعْدَادَاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ، فَمِنْهَا قَابِلَةٌ لِفَيْضِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى مَرَاتِبِ الْمَعَادِنِ، وَمِنْهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ. وَقَوْلُهُ: (خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) : إِلَخْ. جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ، شَبَّهَهُمْ بِالْمَعَادِنِ فِي كَوْنِهَا أَوْعِيَةً لِلْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ وَالْفِلِزَّاتِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا، الْمَعْنِيُّ بِهَا الْعُلُومُ وَالْحِكَمُ، فَالتَّفَاوُتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِحَسَبِ الْأَنْسَابِ، وَفِي الْإِسْلَامِ بِالْأَحْسَابِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْأَوَّلُ إِلَّا بِالثَّانِي، فَالْمَعْنَى خِيَارُهُمْ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ) : أَيْضًا بِهَا (إِذَا فَقُهُوا) : بِضَمِّ الْقَافِ، وَقِيلَ بِالْكَسْرِ أَيْ: إِذَا اسْتَوَوْا فِي الْفِقْهِ، وَإِلَّا فَالشَّرَفُ لِلْأَفْقَهِ مِنْهُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: فَقِهَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ إِذَا عَلِمَ، وَفَقُهَ بِالضَّمِّ إِذَا صَارَ فَقِيهًا عَالِمًا وَجَعَلَهُ الْعَرَبُ خَاصًّا بِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَتَخْصِيصًا بِعِلْمِ الْفُرُوعِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 443

٢٠٢ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٠٢ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا حَسَدَ) : وَهُوَ تَمَنِّي زَوَالِ نِعْمَةِ أَحَدٍ وَانْتِقَالُهَا إِلَيْهِ كَذَا قِيلَ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ أَعَمُّ وَهُوَ مَذْمُومٌ إِذَا عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ مِنْ تَصْمِيمٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥] وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَتِ النِّعْمَةُ لِكَافِرٍ أَوْ فَاسْقٍ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْغِبْطَةُ وَهِيَ تَمَنِّي حُصُولِ مِثْلِهَا لَهُ، وَأُطْلِقَ الْحَسَدُ عَلَيْهَا مَجَازًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ لَا رُخْصَةَ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَوْ جَازَ الْحَسَدُ لَمَا جَازَ إِلَّا فِيمَا ذُكِرَ، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ نَوْعٍ مِنَ الْحَسَدِ لِتَضَمُّنِهِ الْمَنْفَعَةَ فِي الدِّينِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) أَيْ: فِي نَفِيسَيْنِ أَوْ خَصْلَتَيْنِ، وَرُوِيَ بِالتَّذْكِيرِ أَيْ فِي شَأْنِ اثْنَيْنِ (رَجُلٍ) : رُوِيَ مَجْرُورًا عَلَى الْبَدَلِ وَهُوَ أَوْثَقُ الرِّوَايَاتِ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مُبْتَدَأً. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: رُوِيَ: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَيْنِ فَيَكُونُ " رَجُلٍ " بَدَلًا مِنْهُ، وَرُوِيَ فِي اثْنَتَيْنِ أَيْ خَصْلَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ لِيَسْتَقِيمَ الْمَعْنَى، فَإِذَا رُوِيَ فِي اثْنَيْنِ يُقَدَّرُ فِي شَأْنِ اثْنَتَيْنِ، وَإِذَا رُوِيَ اثْنَتَيْنِ، يُقَدَّرُ خَصْلَةُ رَجُلٍ (آتَاهُ اللَّهُ) : بِالْمَدِّ أَيْ أَعْطَاهُ (مَالًا) أَيْ: مَالًا كَثِيرًا أَوْ نَوْعًا مِنَ الْمَالِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا " (فَسَلَّطَهُ) " أَيْ: وَكَّلَهُ اللَّهُ وَوَفَّقَهُ (عَلَى هَلَكَتِهِ) ": بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: إِنْفَاقِهِ وَإِهْلَاكِهِ، وَعَبَّرَ بِذَلِكَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبْقِي مِنْهُ شَيْئًا وَكَمَّلَهُ بِقَوْلِهِ: (فِي الْحَقِّ) : لِيُزِيلَ الْإِسْرَافَ الْمَذْمُومَ وَالرِّيَاءَ الْمَلُومَ، وَلَا سَرَفَ فِي الْخَيْرِ

стр. 444

كَمَا لَا خَيْرَ فِي السَّرَفِ (وَرَجُلٍ) : بِالْوَجْهَيْنِ لِلْعَطْفِ (آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ) : وَهِيَ إِصَابَةُ الْحَقِّ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ أَوْ عِلْمِ أَحْكَامِ الدِّينِ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: عَرَّفَ الْحِكْمَةَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَعْرِفَةُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ، وَأَرَادَ التَّعْرِيفَ بِلَامِ الْعَهْدِ (فَهُوَ يَقْضِي) أَيْ: يَعْمَلُ وَيَحْكُمُ (بِهَا) " أَيْ: بِالْحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيهَا (وَيُعَلِّمُهَا) . أَيْ غَيْرَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 445

٢٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٠٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ) أَيْ: أَعْمَالُهُ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْمُرَادُ فَائِدَةُ عَمَلِهِ لِانْقِطَاعِ عَمَلِهِ يَعْنِي لَا يَصِلُ إِلَيْهِ أَجْرٌ وَثَوَابٌ مِنْ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ (إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ) أَيْ: مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنَّ فَائِدَتَهَا لَا تَنْقَطِعُ عَنْهُ لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يُثِيبُ الْمُكَلَّفَ بِكُلِّ فِعْلٍ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ بِوَجْهِ مَا عَلَى كَسْبِهِ، سَوَاءٌ فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ وَالتَّسَبُّبُ (إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ) . قَالَ الطِّيبِيُّ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: أَسْقَطُوا (إِلَّا) وَهِيَ مُثْبَتَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ وَالْمَشَارِقِ، وَهُوَ إِلَى آخِرِهِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَعَلَى التَّكْرِيرِ فِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وَاعْتِنَاءٍ بِشَأْنِهِ اهـ. وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: " مِنْ " زَائِدَةٌ وَالتَّنْوِينُ عِوَضُ الْإِعْمَالِ، وَقِيلَ: بَلِ الضَّمِيرُ فِي عَنْهُ زَائِدٌ، وَمَعْنَاهُ إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْ أَعْمَالِهِ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ كِلْتَاهُمَا أَصْلِيَّتَانِ، وَمَعْنَاهُ إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ وَانْقَطَعَ هُوَ عَنْ عَمَلِهِ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَعْمَالٍ (جَارِيَةٍ) : يَجْرِي نَفْعُهَا فَيَدُومُ أَجْرُهَا كَالْوَقْفِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ، وَفِي الْأَزْهَارِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ: هِيَ الْوَقْفُ وَشِبْهُهُ مِمَّا يَدُومُ نَفْعُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الْقَنَاةُ وَالْعَيْنُ الْجَارِيَةُ الْمُسَبَّلَةُ. قُلْتُ: وَهَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْأَوَّلِ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا الْخَاصَّ لَكِنْ لَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ (أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ) أَيْ: بَعْدَ مَوْتِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قُيِّدَ الْعِلْمُ بِالْمُنْتَفَعِ بِهِ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُؤْتَى بِهِ أَجْرًا، وَالْمُرَادُ بِالْمُنْتَفَعِ بِهِ الْعِلْمُ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ عِلْمُ الْكَلَامِ، أَيِ: الْعَقَائِدُ وَالْعِلْمُ بِكُتُبِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّفْسِيرُ وَبِمَلَكُوتِ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ عِلْمُ الرِّيَاضِيِّ. أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ: وَالْعِلْمُ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّفْسِيرُ أَيْضًا، وَالْحَدِيثُ وَالْفِقْهُ وَأُصُولُهُ. قُلْتُ: الْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَخِيرِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى النَّقِيرِ الْقِطْمِيرِ. (أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ) أَيْ: مُؤْمِنٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ (يَدْعُو لَهُ) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَيَّدَ الْوَلَدَ بِالصَّالِحِ لِأَنَّ الْأَجْرَ لَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ دُعَاءَهُ تَحْرِيضًا لِلْوَلَدِ عَلَى الدُّعَاءِ لِأَبِيهِ حَتَّى قِيلَ: لِلْوَالِدِ ثَوَابٌ مِنْ عَمَلِ الْوَلَدِ الصَّالِحِ سَوَاءٌ دَعَا لِأَبِيهِ أَمْ لَا، كَمَا أَنَّ غَرْسَ شَجَرَةٍ يُجْعَلُ لِلْغَارِسِ ثَوَابٌ بِأَكْلِ ثَمَرَتِهَا، سَوَاءٌ دَعَا لَهُ الْآكِلُ أَمْ لَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ تَقْدِيرُهُ يَنْقَطِعُ عَنْهُ ثَوَابُ أَعْمَالِهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَلَا يَنْقَطِعُ ثَوَابُ أَعْمَالِهِ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يَعْنِي: إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ لَا يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ أَعْمَالِهِ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْعَمَلِ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ بِمَوْتِهِ إِلَّا فِعْلًا دَائِمَ الْخَيْرِ مُسْتَمِرَّ النَّفْعِ مِثْلَ وَقْفِ أَرْضٍ أَوْ تَصْنِيفِ كِتَابٍ أَوْ تَعْلِيمِ مَسْأَلَةٍ يُعْمَلُ بِهَا، أَوْ وُلِدٍ صَالَحٍ، وَجَعَلَ الْوَلَدَ مِنَ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِي وُجُودِهِ اهـ. وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا الْحَصْرِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﵊: " «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» " لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمَسْنُونَةَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُنْتَفَعِ بِهِ، وَكَذَا لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﵊: " «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الْمُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» " لِأَنَّ النَّامِيَ مِنْ عَمَلِ الْمُرَابِطِ مَا قَدَّمَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فَإِنَّهَا أَعْمَالٌ تَحْدُثُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا تَنْقَطِعُ عَنْهُ لِأَنَّهُ سَبَبُ تِلْكَ الْأَعْمَالِ، فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ يَلْحَقُهُ مِنْهَا ثَوَابٌ صَارَ خِلَافَ أَعْمَالِهِ الَّذِي مَاتَ عَلَيْهَا، أَوْ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ لَا يُزَادُ فِي ثَوَابِ مَا عَمِلَ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا الْغَازِيَ، فَإِنَّ ثَوَابَ مُرَابَطَتِهِ يَنْمُو وَيَتَضَاعَفُ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَمَلَهُ يُزَادُ بِضَمِّ غَيْرِهِ أَوْ لَا يُزَادُ، وَقِيلَ: يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ الْمُرَابَطَةُ دَاخِلَةً فِي الصَّدَقَةِ الْجَارِيَةِ إِذِ الْمَقْصُودُ نُصْرَةُ الْمُسْلِمِينَ اهـ. وَهُوَ الْأَظْهَرُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 446

٢٠٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمِنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ. وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ. وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٠٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ نَفَّسَ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: فَرَّجَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ فَتَحَ مَدَاخِلَ الْأَنْفَاسِ فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَنْتَ فِي نَفَسٍ أَيْ سَعَةٍ كَأَنَّ مَنْ كَانَ فِي كُرْبَةٍ سُدَّ عَنْهُ مَدَاخِلُ الْأَنْفَاسِ، فَإِذَا فُرِّجَ عَنْهُ فُتِحَتْ بِمَعْنَى مَنْ أَزَالَ وَأَذْهَبَ (عَنْ مُؤْمِنٍ) : أَيَّ مُؤْمِنٍ وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا مُرَاعَاةً لِإِيمَانِهِ (كُرْبَةً) أَيْ: أَيَّ حَزَنٍ وَعَنَاءٍ وَشِدَّةٍ وَلَوْ حَقِيرَةً (مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا) : الْفَانِيَةِ الْمُنْقَضِيَةِ، وَمِنْ: تَبْعِيضِيَّةٌ أَوِ ابْتِدَائِيَّةٌ (نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً) أَيْ: عَظِيمَةً (مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) : أَيِ: الْبَاقِيَةِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ، فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْكِمِّيَّةِ أَوِ الْكَيْفِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالَ اللَّهِ وَتَنْفِيسُ الْكُرَبِ إِحْسَانٌ فَجَزَاهُ اللَّهُ جَزَاءً وِفَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] (وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ) أَيْ: سَهَّلَ عَلَى فَقِيرٍ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، أَيْ: مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى فَقِيرٍ فَسَهَّلَ عَلَيْهِ بِإِمْهَالٍ أَوْ بِتَرْكِ بَعْضِهِ أَوْ كُلِّهِ (يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ) : بَدَّلَ تَيْسِيرَهُ عَلَى عَبْدِهِ مُجَازَاةً بِجِنْسِهِ (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أَيْ: فِي الدَّارَيْنِ أَوْ فِي أُمُورِهَا. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعْسِرَ وَصَاحِبَ الْكُرْبَةِ هُوَ الْمُرِيدُ فِي وَادِي الْغُرْبَةِ الْمُحْتَاجُ إِلَى قَطْعِ الْعَقَبَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَالْمُنَازِلِ الظُّلُمَانِيَّةِ وَالنُّورَانِيَّةِ، كَمَا اشْتُهِرَ عَنِ الْكَتَّانِيِّ: إِنَّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحَقِّ أَلْفَ مَقَامٍ مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ وَيَتَلَقَّاهُ الْوَسَاوِسُ وَالْهَوَاجِسُ، فَعَلَى شَيْخِهِ أَنْ يُنَفِّسَ كُرْبَةَ الْوَسَاوِسِ عَنْهُ بِأَمْرِهِ بِتَرْكِ الْمُبَالَاةِ بِهَا وَالتَّأَمُّلِ فِي الْحُجَجِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ إِنِ اسْتَأْهَلَهُ، وَاسْتِدَامَةِ الذِّكْرِ وَالِابْتِهَالِ إِلَى الْمَوْلَى، وَيُسَهِّلُ عَلَيْهِ سَوَاءَ الطَّرِيقِ وَيُذِيقُهُ حَلَاوَةَ التَّحْقِيقِ حَتَّى يَسْطُعَ فِي قَلْبِهِ أَنْوَارُ الْقُلُوبِ وَيَطْلُعَ فِي سِرِّهِ شُمُوسُ الْوُصُولِ إِلَى الْمَحْبُوبِ. (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا) أَيْ: فِي قَبِيحٍ يَفْعَلُهُ فَلَا يَفْضَحُهُ أَوْ كَسَاهُ ثَوْبًا (سَتَرَهُ اللَّهُ) أَيْ: عُيُوبَهُ أَوْ عَوْرَتَهُ (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) : كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَيْ سَتَرَ بَدَنَهُ بِالْإِلْبَاسِ، أَوْ عُيُوبَهُ بِعَدَمِ الْغَيْبَةِ لَهُ وَالذَّبِّ عَنْ مَعَايِبِهِ، وَهَذَا عَلَى مَنْ لَيْسَ مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ، وَأَمَّا الْمَعْرُوفُ بِهِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُرْفَعَ قِصَّتُهُ إِلَى الْوَالِي وَلَوْ رَآهُ فِي مَعْصِيَةٍ فَيُنْكِرُهَا بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ، وَإِنْ عَجَزَ يَرْفَعُهَا إِلَى الْحَاكِمِ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ لِمَنْ وَقَفَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَقَامَاتِ أَهْلِ الْعِرْفَانِ وَكَرَامَاتِ ذَوِي الْإِيقَانِ أَنْ يَحْفَظَ سِرَّهُ وَيَكْتُمَ عَنْ غَيْرِهِ أَمْرَهُ، فَإِنَّ كَشْفَ الْأَسْرَارِ عَلَى الْأَغْيَارِ يَسُدُّ بَابَ الْعِنَايَةِ وَيُوجِبُ الْحِرْمَانَ وَالْغَوَايَةَ. مَنْ أَطْلَعُوهُ عَلَى سِرٍّ فَبَاحَ بِهِ لَمْ يَأْمَنُوهُ عَلَى الْأَسْرَارِ مَا عَاشَا (وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ) : الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ تَذْيِيلٌ لِكَلَامِ السَّابِقِ (مَا كَانَ) أَيْ: مَا دَامَ (الْعَبْدُ) : مَشْغُولًا (فِي عَوْنِ أَخِيهِ) : أَيِ: الْمُسْلِمِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. أَيْ: فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى فَضِيلَةِ عَوْنِ الْأَخِ عَلَى أُمُورِهِ وَالْمُكَافَأَةِ عَلَيْهَا بِجِنْسِهَا مِنَ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ بِقَلْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ بِهِمَا لِدَفْعِ الْمَضَارِّ أَوْ جَلْبِ الْمَسَارِّ إِذِ الْكُلُّ عَوْنٌ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْحَثِّ عَلَى الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ أَتْبَعَهُ بِمَا يُنْبِئُ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ وَسِيلَةٌ إِلَى الْعَمَلِ فَقَالَ: (وَمَنْ سَلَكَ) أَيْ: دَخَلَ أَوْ مَشَى (طَرِيقًا) أَيْ: قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا. قِيلَ: التَّنْوِينُ لِلتَّعْمِيمِ؛ إِذِ النَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ قَدْ تُفِيدُ الْعُمُومَ أَيْ: بِسَبَبِ أَيِّ سَبَبٍ كَانَ مِنَ التَّعْلِيمِ وَالتَّصْنِيفِ وَمُفَارَقَةِ الْوَطَنِ وَالْإِنْفَاقِ فِيهِ (يَلْتَمِسُ فِيهِ) : حَالٌ أَوْ صِفَةٌ (عِلْمًا) : نَكِرَةٌ لِيَشْمَلَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ عُلُومِ الدِّينِ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً، إِذَا كَانَ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ وَالنَّفْعِ وَالِانْتِفَاعِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الرِّحْلَةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَقَدْ ذَهَبَ مُوسَى إِلَى الْخَضِرِ عَلَيْهِمَا

стр. 447

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَالَ لَهُ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ. كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ السُّلُوكِ أَوِ الطَّرِيقِ أَوِ الِالْتِمَاسِ أَوِ الْعِلْمِ (طَرِيقًا) أَيْ: مُوَصِّلًا وَمَنْهِيًّا (إِلَى الْجَنَّةِ) . مَعَ قَطْعِ الْعَقَبَاتِ الشَّاقَّةِ دُونَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ) أَيْ: جَمْعٌ (فِي بَيْتٍ) أَيْ: مَجْمَعٍ (مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا، وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ مَسَاجِدِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُ " يُكْرَهُ الدُّخُولُ فِيهَا وَالْعُدُولُ عَنِ الْمَسَاجِدِ إِلَى بُيُوتِ اللَّهِ لِيَشْمَلَ كُلَّ مَا يُبْنَى تَقْرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ، (يَتْلُونَ) : حَالٌ مِنْ قَوْمٍ لِتَخْصِيصِهِ (كِتَابَ اللَّهِ) : أَيِ: الْقُرْآنَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتِّلَاوَةِ مُجَرَّدَ إِجْرَاءِ الْأَلْفَاظِ عَلَى اللِّسَانِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُقَدِّرَ الْعَبْدُ أَنَّهُ يَقْرَأُ عَلَى اللَّهِ وَاقِفًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ نَاظِرٌ إِلَيْهِ، بَلْ يَشْهَدُ بِقَلْبِهِ كَأَنَّ رَبَّهُ يُخَاطِبُهُ بَلْ يَسْتَغْرِقُ بِمُشَاهَدَةِ الْمُتَكَلِّمِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى غَيْرِهِ سَامِعًا مِنْهُ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الصَّادِقُ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ حَالَةٍ لَحِقَتْهُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: مَا زِلْتُ أُرَدِّدُ الْآيَةَ عَلَى قَلْبِي حَتَّى سَمِعْتُهَا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا، فَلَمْ يَثْبُتْ جِسْمِي لِمُعَايَنَةِ قُدْرَتِهِ، ثُمَّ يَتَفَكَّرُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَيَقْتَبِسُ مَعْرِفَةَ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِهْلَاكِ الْأَعْدَاءِ وَيَقْتَبِسُ مَعْرِفَةَ الْعِزَّةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ وَالْقَهْرِ وَالْإِفْنَاءِ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَحِبَّاءِ، وَيَقْتَبِسُ مَعْرِفَةَ اللُّطْفِ وَالْفَضْلِ وَالنَّعْمَاءِ، وَفِي الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّكْلِيفِ وَالْإِرْشَادِ، وَيَقْتَبِسُ مَعْرِفَةَ اللُّطْفِ وَالْحِكَمِ وَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ (وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ) : وَالتَّدَارُسُ قِرَاءَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ تَصْحِيحًا لِأَلْفَاظِهِ أَوْ كَشْفًا لِمَعَانِيهِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتَّدَارُسِ الْمُدَارَسَةَ الْمُتَعَارَفَةَ بِأَنْ يَقْرَأَ بَعْضُهُمْ عُشْرًا مَثَلًا وَبَعْضُهُمْ عُشْرًا آخَرَ، وَهَكَذَا فَيَكُونُ أَخَصَّ مِنَ التِّلَاوَةِ أَوْ مُقَابِلًا لَهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ مَا يُنَاطُ بِالْقُرْآنِ مِنَ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ (إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ) : يَجُوزُ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ كَسْرُ الْهَاءِ وَضَمُّ الْمِيمِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَضَمُّهُمَا وَكَسْرِهُمَا. وَالسَّكِينَةُ: هِيَ الْوَقَارُ وَالْخَشْيَةُ يَعْنِي الشَّيْءَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ سُكُونُ الْقَلْبِ وَالطُّمَأْنِينَةُ وَالْوَقَارُ وَنُزُولُ الْأَنْوَارِ. قِيلَ: وَالْمُرَادُ هَنَا صَفَاءُ الْقَلْبِ بِنُورِهِ وَذَهَابُ الظُّلْمَةِ النَّفْسَانِيَّةِ وَحُصُولُ الذَّوْقِ وَالشَّوْقِ، وَقِيلَ: السَّكِينَةُ مَلَكٌ يَسْكُنُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ وَيُؤَمِّنُهُ وَيَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ، وَذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: السَّكِينَةُ مَغْنَمٌ وَتَرْكُهَا مَغْرَمٌ (وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ) أَيْ: أَتَتْهُمْ وَعَلَتْهُمْ وَغَطَّتْهُمْ (وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ) أَيْ: مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ أَحْدَقُوا وَأَحَاطُوا بِهِمْ، أَوْ طَافُوا بِهِمْ وَدَارُوا حَوْلَهُمْ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ وَدِرَاسَتَهُمْ وَيَحْفَظُونَهُمْ مِنَ الْآفَاتِ وَيَزُورُونَهُمْ وَيُصَافِحُونَهُمْ وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِمْ، قِيلَ: وَبِلِسَانِ الْإِشَارَةِ بُيُوتُ اللَّهِ عِبَارَةٌ عَمَّا يُذْكَرُ فِيهِ الْحَقُّ مِنَ النَّفْسِ وَالْقَلْبِ وَالرُّوحِ وَالسِّرِّ وَالْخَفِيِّ، فَذِكْرُ بَيْتِ النَّفْسِ الطَّاعَاتُ، وَذِكْرُ بَيْتِ الْقَلْبِ التَّوْحِيدُ وَالْمَعْرِفَةُ، وَذِكْرُ بَيْتِ الرُّوحِ الشَّوْقُ وَالْمَحَبَّةُ، وَذِكْرُ بَيْتِ السِّرِّ الْمُرَاقَبَةُ وَالشُّهُودُ، وَذِكْرُ بَيْتِ الْخَفِيِّ بَذْلُ الْوُجُودِ وَتَرْكُ الْمَوْجُودِ. وَقَوْلُهُ: إِلَّا نَزَلَتْ إِلَخْ - إِشَارَةٌ إِلَى ثَمَرَاتِ التِّلَاوَةِ وَهِيَ الْأُنْسُ وَالْحُضُورُ مَعَ اللَّهِ وَتَمَثُّلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْأَرْوَاحِ الْمُقَدَّسَةِ فِي صُوَرٍ لَطِيفَةٍ، وَالصُّعُودُ مِنْ حَضِيضِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَى ذُرْوَةِ الْمَلَكُوتِ

стр. 448

الْأَعْلَى، بَلِ الْفَرَحُ بِالْبَقَاءِ وَالدُّخُولِ تَحْتَ الْفَنَاءِ وَالْقُرْبِ مِنَ اللَّاهُوتِ وَالتَّبَرُّؤِ مِنَ النَّاسُوتِ، وَهَذَا مَقَامٌ يَضِيقُ عَنْ إِعْلَانِهِ نِطَاقُ النُّطْقِ وَلَا يَسَعُ إِظْهَارُهُ فِي ظُهُورِ الْحُرُوفِ وَإِنَّ قَمِيصًا خِيطَ مِنْ نَسْجِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ حَرْفًا مِنْ مَعَانِيهِ قَاصِرٌ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُوَالِيَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ فَتَحَ عَلَيْهِ بَابَ ذِكْرِهِ، فَإِنِ اسْتَلَذَّ بِالذِّكْرِ فَتَحَ عَلَيْهِ بَابَ الْقُرْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى مَجَالِسِ الْأُنْسِ، ثُمَّ أَجْلَسَهُ عَلَى كُرْسِيِّ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ رَفَعَ عَنْهُ الْحِجَابَ وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْفَرْدَانِيَّةِ، وَكَشَفَ لَهُ حِجَابَ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ، فَإِذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ بَقِيَ بِلَا هُوَ، فَحِينَئِذٍ صَارَ الْعَبْدُ زَمَنًا فَانِيًا فِي حِفْظِ سَبَحَاتِهِ وَبَرِئَ مِنْ دَعَاوَى نَفْسِهِ (وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) : أَيِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَالطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَذَكَرَهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُبَاهَاةِ بِهِمْ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبِيدِي يَذْكُرُونِي وَيَقْرَءُونَ كِتَابِي (وَمَنْ بَطَّأَ) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ مِنَ التَّبْطِئَةِ ضِدِّ التَّعَجُّلِ كَالْإِبْطَاءِ، وَالْبُطْءُ نَقِيضُ السُّرْعَةِ وَالْبَاءُ فِي (بِهِ) : لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: مَنْ أَخَّرَهُ وَجَعَلَهُ بَطِيئًا عَنْ بُلُوغِ دَرَجَةِ السَّعَادَةِ (عَمَلُهُ) : السَّيِّئُ فِي الْآخِرَةِ أَوْ تَفْرِيطُهُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي الدُّنْيَا (لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) . مِنَ الْإِسْرَاعِ أَيْ: لَمْ يُقَدِّمْهُ نَسَبُهُ، يَعْنِي: لَمْ يُجْبِرْ نَقِيصَتَهُ لِكَوْنِهِ نَسِيبًا فِي قَوْمِهِ، إِذْ لَا يَحْصُلُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّسَبِ بَلْ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وَشَاهِدُ ذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لَا أَنْسَابَ لَهُمْ يُتَفَاخَرُ بِهَا، بَلْ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ مَوَالٍ، وَمَعَ ذَلِكَ هُمْ سَادَاتُ الْأُمَّةِ وَيَنَابِيعُ الرَّحْمَةِ وَذَوُو الْأَنْسَابِ الْعَلِيَّةِ الَّذِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ فِي مَوَاطِنِ جَهْلِهِمْ نِسْيًا مَنْسِيًّا، وَلِذَا قَالَ ﵊: " «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الدِّينِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» " وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: " «يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ مُحَمَّدٍ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ائْتُونِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْمَالِكُمْ لَا بِأَنْسَابِكُمْ فَإِنِّي لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» " وَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أَنَّ مُرِيدًا لَهُ تَتَبَّعَ خُطَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ قَائِلًا: وَاللَّهِ وَاللَّهِ لَوْ سَلَخْتَ جِلْدَ أَبِي يَزِيدَ وَلَبِسْتَهُ لَمْ تَنَلْ مِثْقَالَ خَرْدَلٍ مِنْ مَقَامَاتِهِ مَا لَمْ تَعْمَلْ عَمَلَهُ وَأَنْشَدَ: مَا بَالُ نَفْسِكَ أَنْ تَرْضَى تُدَنِّسُهَا ... وَثَوْبُ جِسْمِكَ مَغْسُولٌ مِنَ الدَّنَسِ تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا ... إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ: بِهَذَا اللَّفْظِ.

стр. 449

٢٠٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنْ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: إِنَّكَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ ; فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٠٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ) : قِيلَ: هُوَ صِفَةٌ لِلنَّاسِ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي الْمَعْنَى، أَيْ: يُحَاسَبُ وَيُسْأَلُ عَنْ أَفْعَالِهِ قَبْلُ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ أَوَّلُ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِمْ لَا مُطْلَقًا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: ثَلَاثَةٌ (رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْ: قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (فَأَتَى بِهِ) أَيْ: بِالرَّجُلِ لِلْحِسَابِ (فَعَرَّفَهُ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: ذَكَّرَهُ تَعَالَى (نِعْمَتَهُ) : عَلَى صِيغَةِ الْمُفْرَدِ هَاهُنَا، وَالْبَاقِيَتَانِ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ هَكَذَا جَاءَ فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي الرِّيَاضِ لِلنَّوَوِيِّ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ اعْتِبَارُ الْإِفْرَادِ فِي الْأُولَى وَالْكَثْرَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْكَثْرَةِ أَصْنَافُ الْعُلُومِ وَالْأَمْوَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِفْرَادِ نِعْمَةَ الشَّهَادَةِ كَمَا يُتَوَهَّمُ فَإِنَّهُ لَا يُلَائِمُهُ مَا بَعْدَهُ، بَلِ الْمُرَادُ إِفْرَادُ جِنْسِيَّةِ النِّعْمَةِ فَإِنَّ الْمُفْرَدَ الْمُضَافَ لِلْعُمُومِ بِخِلَافِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَإِنَّهُ جُمِعَ فِيهِمَا لِإِرَادَةِ الْأَنْوَاعِ، أَوْ أَفْرَدَ فِي الْأَوَّلِ لِنِعْمَتِهِ الْبَدَنِيَّةِ فَقَطْ بِخِلَافِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَإِنَّهُ انْضَمَّ مَعَهَا النِّعْمَةُ الْمَالِيَّةُ أَوِ الْعِلْمِيَّةُ (فَعَرَفَهَا) : بِالتَّخْفِيفِ

стр. 450

أَيْ: تَذَكَّرَهَا فَكَأَنَّهُ مِنَ الْهَوْلِ وَالدَّهْشَةِ، نَسِيَهَا وَذَهَلَ عَنْهَا (فَقَالَ تَعَالَى: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟) أَيْ: فِي مُقَابَلَتِهَا شُكْرًا لَهَا أَيْ فِي أَيَّامِهَا لِيَنْفَعَكَ الْيَوْمَ (قَالَ) : أَيِ الرَّجُلُ (قَاتَلْتُ فِيكَ) أَيْ: جَاهَدْتُ فِي جِهَتِكَ خَالِصًا لَكَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. أَيْ: حَارَبْتُ لِأَجْلِكَ فَفِي تَعْلِيلِيَّةٌ (حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ) : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْمَقُولَ صَدَرَ مِنْهُ عَلَى زَعْمِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي التَّمْوِيهِ الْمُعْتَادِ بِهِ عَلَى مَا وَرَدَ: كَمَا يَعِيشُونَ يَمُوتُونَ وَكَمَا يَمُوتُونَ يُحْشَرُونَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] (قَالَ) : تَعَالَى (كَذَبْتَ) أَيْ: فِي دَعْوَى الْإِخْلَاصِ أَوْ فِي هَذَا الْقَوْلِ (وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ) أَيْ: فِي حَقِّكَ أَنَّكَ أَوْ هُوَ (جَرِيءٌ) فَعِيلٌ مِنَ الْجَرَاءَةِ فَهُوَ مَهْمُوزٌ، وَقَدْ يُدْغَمُ أَيْ: شُجَاعٌ (فَقَدْ قِيلَ) أَيْ ذَلِكَ الْقَوْلُ لَكَ وَفِي شَأْنِكَ فَحَصَلَ مَقْصُودُكَ وَغَرَضُكَ (ثُمَّ أَمَرَ بِهِ) أَيْ: قِيلَ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أَلْقُوهُ فِي النَّارِ (فَسُحِبَ) أَيْ: جُرَّ (عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ) : مُبَالَغَةً فِي تَنْكِيلِهِ (وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ) : أَيِ: الشَّرْعِيَّ (وَعَلَّمَهُ) : أَيِ: النَّاسَ، أَيْ: وَصَلَ إِلَى مَرْتَبَةِ الْكَمَالِ وَالتَّكْمِيلِ (وَقَرَأَ الْقُرْآنَ) : فَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، يَعْنِي: التَّعَلُّمُ وَالتَّعْلِيمُ لَمْ يَمْنَعَاهُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْقُرْآنِ، وَهَذَا أَظْهَرُ (فَأَتَى بِهِ) : إِلَى مَحْضَرِ الْحِسَابِ (فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ) : تَعَالَى أَوْ نِعَمَ الرَّجُلِ (فَعَرَفَهَا) : فَكَأَنَّهُ لِغَفْلَتِهِ عَنْهَا كَانَ أَنْكَرَهَا (قَالَ) : تَعَالَى (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا) أَيْ: هَلْ صَرَفْتَهَا فِي مَرْضَاتِي أَمْ فِي غَيْرِهَا (قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ) أَيْ: صَرَفْتُ نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيَّ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْقِرَاءَةِ ابْتِغَاءً لِوَجْهِكَ وَشُكْرًا لِنِعْمَتِكَ (قَالَ: كَذَبْتَ) : فِي دَعْوَى مَقَامِ الْإِخْلَاصِ أَوْ عَلَى مُقْتَضَى عَادَتِكَ (وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: إِنَّكَ عَالِمٌ) : وَلَعَلَّهُ لَمْ يَقُلْ: وَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ إِنَّكَ مُعَلِّمٌ؛ لِلِاخْتِصَارِ وَاكْتِفَاءً بِالْمُقَايَسَةِ، أَوْ لِأَنَّ أَسَاسَ الشَّيْءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْإِخْلَاصِ، فَيَبْعُدُ بِنَاؤُهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَاصِ (وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ) : لَكَ عَالِمٌ وَقَارِئٌ فَمَا لَكَ عِنْدَنَا أَجْرٌ (ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ) . نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا (وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ: كَثُرَ مَالُهُ (وَأَعْطَاهُ) : عَطْفُ بَيَانٍ (مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ) : كَالنُّقُودِ وَالْمَتَاعِ وَالْعَقَارِ وَالْمَوَاشِي (فَأَتَى بِهِ) : عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ لِلِافْتِضَاحِ (فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ) : تَعَالَى (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟) أَيْ: فِي مُقَابَلَةِ النِّعَمِ أَوْ فِي الْأَمْوَالِ (قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ) " مِنْ " زَائِدَةٌ تَأْكِيدًا لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ (تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا) : كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَإِعْطَاءِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ (إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ) أَيْ: فِي قَوْلِكَ: لَكَ (وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ) أَيْ: سَخِيُّ كَرِيمٌ (فَقَدْ قِيلَ) : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ عَمِلَ لِأَيِّ غَرَضٍ يَكُونُ (ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ) : (ثُمَّ) : هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الصَّحِيحُ مِنَ النُّسَخِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَفِي نُسْخَةٍ هُنَا أَيْضًا (حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 451

٢٠٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا ; اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَّلُوا وَأَضَلُّوا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٠٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : أَيِ: ابْنِ الْعَاصِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ ": الْمُرَادُ بِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (انْتِزَاعًا) : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَلَى مَعْنَى يَقْبِضُ نَحْوَ: رَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَقَوْلُهُ (يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ) : صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلنَّوْعِ كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: انْتِزَاعًا مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ يَعْنِي لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ مِنَ الْعِبَادِ بِأَنْ يَرْفَعَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ (وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ) أَيْ: يَرْفَعُهُ (بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ) أَيْ: بِمَوْتِهِمْ وَرَفْعِ أَرْوَاحِهِمْ (حَتَّى) : هِيَ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ وَهِيَ هُنَا الشُّرَطُ وَالْجَزَاءُ يَعْنِي (إِذَا لَمْ يُبْقِ) : أَيِ: اللَّهُ (عَالِمًا) : بِقَبْضِ رُوحِهِ مِنَ الْإِبْقَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ: حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْقَافِ، وَعَالِمٌ بِالرَّفْعِ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ: حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا (اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا) أَيْ خَلِيفَةً وَقَاضِيًا وَمُفْتِيًا وَإِمَامًا وَشَيْخًا " (جُهَّالًا) : جَمْعُ جَاهِلٍ أَيْ جَهَلَةً بِمَا يُنَاسِبُ مَنْصِبَهُ. قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ: ضَبَطْنَاهُ فِي الْبُخَارِيِّ رُءُوسًا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالتَّنْوِينِ جَمْعُ رَأْسٍ، وَضَبَطُوهُ فِي مُسْلِمٍ هُنَا بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي رُؤَسَاءُ جَمْعُ رَئِيسٍ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ (فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا) أَيْ: أَجَابُوا وَحَكَمُوا (بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا) أَيْ: صَارُوا ضَالِّينَ (وَأَضَلُّوا) أَيْ مُضِلِّينَ لِغَيْرِهِمْ فَيَعُمُّ الْجَهْلُ الْعَالَمَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 452

٢٠٧ - وَعَنْ شَقِيقٍ: ﵁ «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٠٧ - (وَعَنْ شَقِيقٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ، يُكَنَّى أَبَا وَائِلٍ الْأَسَدِيَّ، أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَهُوَ ثِقَةٌ حُجَّةٌ، رَوَى عَنْ خَلْقٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَكَانَ خِصِّيصًا بِهِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْحَدِيثِ مَاتَ زَمَنَ الْحَجَّاجِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. (قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُذَكِّرُ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: يَعِظُ (النَّاسَ) : وَيُخَوِّفُهُمْ أَيْ: يَذْكُرُ كَلَامَ اللَّهِ وَحَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ (فِي كُلِّ خَمِيسٍ) . وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّخْصِيصِ لِيَصِلَ بَرَكَتُهُ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) : يُحْتَمَلُ الرَّاوِي وَغَيْرُهُ (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ) أَيْ: أَحْبَبْتُ أَوْ تَمَنَّيْتُ (أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ) : لِغَلَبَةِ الْغَفْلَةِ عَلَيْنَا لِيَعُودَ بِتَذْكِيرِكَ الْحُضُورُ إِلَيْنَا (قَالَ: أَمَا) : بِمَعْنَى أَلَا لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنَ التَّذْكِيرِ كُلَّ يَوْمٍ (أَنِّي أَكْرَهُ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَاعِلُ يَمْنَعُنِي، أَيْ: كَرَاهَتِي (أَنْ أُمِلَّكُمْ) : مَفْعُولُ أَكْرَهُ أَيْ: إِمْلَالَكُمْ يَعْنِي إِيقَاعَكُمْ فِي الْمَلَالَةِ (وَإِنِّي) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَطْفٌ عَلَى " إِنَّهُ " أَوْ حَالٌ (أَتَخَوَّلُكُمْ) : مِنَ التَّخَوُّلِ، وَهُوَ التَّعَفُّفُ وَحَسْنُ الرِّعَايَةِ (بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا) : مِنَ التَّخَوُّلِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ تَفَقُّدُ الْحَالِ. رَوَى يَتَخَوَّنُنَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ بِمَعْنَى يَتَخَوَّلُنَا. قِيلَ: الرِّوَايَةُ بِاللَّامِ أَكْثَرُ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ يَتَحَوَّلُنَا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ فِي الصِّحَاحِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ يَتَخَوَّنُنَا وَالتَّخَوُّنُ: التَّعَهُّدُ، وَقَدْ رَدَّ عَلَى الْأَعْمَشِ رِوَايَتَهُ بِاللَّامِ، وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ يَقُولُ: ظَلَمَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَيُقَالُ: يَتَخَوَّلُنَا وَيَتَخَوَّنُنَا جَمِيعًا. كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، يَعْنِي يَتَفَقَّدُنَا (بِهَا) أَيْ: بِالْمَوْعِظَةِ فِي مَظَانِّ الْقَبُولِ، وَلَا يُكْثِرُ عَلَيْنَا وَلَا يَعِظُنَا مُتَوَالِيًا (مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) . وَفِي الْمَصَابِيحِ: كَرَاهَةَ السَّآمَةِ أَيِ الْمَلَالَةِ إِذْ لَا تَأْثِيرَ لِلْمَوْعِظَةِ عِنْدَ الْمَلَالَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ يَعِظُنَا يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ وَوَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، وَيُرْوَى بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا أَيْ: يَتَأَمَّلُ أَحْوَالَنَا الَّتِي نَنْشَطُ فِيهَا لِلْمَوْعِظَةِ فَيَعِظُنَا فِيهَا، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْمَشَايِخُ وَالْوُعَّاظُ فِي تَرْبِيَةِ الْمُرِيدِينَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 453

٢٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٠٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: غَالِبًا أَوْ أَحْيَانًا (إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ) أَيْ: بِجُمْلَةٍ مُفِيدَةٍ (أَعَادَهَا) أَيْ: كَرَّرَهَا (ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ) أَيْ: تِلْكَ الْكَلِمَةُ (عَنْهُ) أَيْ: فَهْمًا قَوِيًّا رَاسِخًا فِي النَّفْسِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلِمَةِ الْكَلَامُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ إِلَّا بِالْإِعَادَةِ، يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الثَّلَاثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُقْتَضَى مَرَاتِبِ فُهُومِ النَّاسِ مِنَ الْأَدْنَى وَالْأَوْسَطِ وَالْأَعْلَى، وَلِذَا قِيلَ: مَنْ لَمْ يَفْهَمْ فِي ثَلَاثِ مَرَّاتٍ لَمْ يَفْهَمْ أَبَدًا (وَإِذَا أَتَى) أَيْ: مَرَّ (عَلَى قَوْمٍ) : أَوْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ (فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ) أَيْ: فَأَرَادَ السَّلَامَ عَلَيْهِمْ (سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا) . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَعَلَّ هَذَا كَانَ هَدْيَهُ فِي السَّلَامِ عَلَى الْجَمْعِ الْكَثِيرِ الَّذِينَ لَا يَبْلُغُهُمْ سَلَامٌ وَاحِدٌ اهـ. وَذَلِكَ بِأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمُوَاجِهِينَ ثُمَّ يَمْنَةً ثُمَّ يَسْرَةً، وَقِيلَ: هَذَا عِنْدَ الِاسْتِئْذَانِ أَيْ: إِذَا لَمْ يُؤْذَنْ بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الِاسْتِئْذَانِ، وَقِيلَ: سَلَّمَ لِلِاسْتِئْذَانِ وَلِلتَّحِيَّةِ عِنْدَ الدُّخُولِ وَلِلْوَدَاعِ عِنْدَ الْخُرُوجِ. وَهَذِهِ التَّسْلِيمَاتُ الثَّلَاثُ سُنَّةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ أَتَى شَخْصًا أَوْ قَوْمًا، وَكَانَ ﵊ يُوَاظِبُ عَلَيْهَا كَمَا أَفَادَتْهُ " كَانَ " الْمُقْتَضِيَةُ لِتَكْرِيرِ الْفِعْلِ وَضْعًا عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَعُرْفًا عِنْدَ آخَرِينَ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 454

٢٠٩ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي فَقَالَ: (مَا عِنْدِي) . فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٠٩ - (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) : هُوَ أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ شَهِدَهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ لِأَنَّهُ نَزَلَهُ فَنُسِبُ إِلَيْهِ، وَسَكَنَ الْكُوفَةَ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ بَشِيرٌ، وَخَلْقٌ سِوَاهُ. (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ) الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (أُبْدِعَ بِي) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ يُقَالُ: أُبْدِعَتِ الرَّاحِلَةُ إِذَا انْقَطَعَتْ عَنِ السَّيْرِ لَهَا، لِكَلَالٍ جَعَلَ انْقِطَاعَهَا عَمَّا كَانَتْ مُسْتَمِرَّةً عَلَيْهِ إِبْدَاعًا عَنْهَا، أَيْ: إِنْشَاءَ أَمْرٍ خَارِجٍ عَمَّا اعْتِيدَ مِنْهَا، وَمَعْنَى أُبْدِعَ بِالرَّجُلِ، انْقَطَعَ بِهِ رَاحِلَتُهُ، كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، أَيِ: انْقَطَعَ رَاحِلَتِي بِي، وَلَمَّا حُوِّلَ لِلْمَفْعُولِ صَارَ الظَّرْفُ نَائِبَهُ كَسِيرَ بِعَمْرٍو، (فَاحْمِلْنِي) : بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ أَيْ: رَكِّبْنِي وَاجْعَلْنِي مَحْمُولًا عَلَى دَابَّةٍ غَيْرِهَا (فَقَالَ) : ﷺ (مَا عِنْدِي) أَيْ: لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ) أَيْ: مِنْ أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ كَعُثْمَانَ أَوِ ابْنِ عَوْفٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ دَلَّ) أَيْ: بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ أَوِ الْإِشَارَةِ أَوِ الْكِتَابَةِ (عَلَى خَيْرٍ) أَيْ: عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ مِمَّا فِيهِ أَجْرٌ وَثَوَابٌ (فَلَهُ) : فَلِلدَّالِّ (مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: " «الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» ". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي الْجَامِعِ، وَالضِّيَاءُ عَنْ بُرَيْدَةَ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: " «الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ وَاللَّهُ يُحِبُّ إِغَاثَةَ اللَّهْفَانِ» ". كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.

стр. 455

٢١٠ - وَعَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا فِي صَدْرِ النَّهَارِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ قَوْمٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] إِلَى آخَرِ الْآيَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ، وَالْآيَةُ الَّتِي فِي الْحَشْرِ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ حَتَّى قَالَ " وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ". قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجَزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ. حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢١٠ - (وَعَنْ جَرِيرٍ) : هُوَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَمْرٍو، أَسْلَمَ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ جَرِيرٌ: أَسْلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَنَزَلَ الْكُوفَةَ وَسَكَنَهَا زَمَانًا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى قَرْقِيسِيَا وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. (قَالَ: كُنَّا فِي صَدْرِ النَّهَارِ) أَيْ: أَوَّلِهِ (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَهُ قَوْمٌ عُرَاةٌ) أَيْ: يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الْعُرْيُ حَالَ كَوْنِهِمْ (مُجْتَابِي) : هُوَ بِالْجِيمِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ بَاءٌ أَيْ لَابِسِي (النِّمَارِ) : بِكَسْرِ النُّونِ وَهِيَ أَكْسِيَةٌ مِنْ صُوفٍ مُخَطَّطَةٍ. وَاحِدَتُهَا نَمِرَةٌ بِفَتْحِ النُّونِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ (أَوِ الْعَبَاءِ) : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، فَفِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ كِسَاءٌ مَعْرُوفٌ، وَالنَّمِرَةُ: شَمْلَةٌ فِيهَا خُطُوطٌ بِيضٌ وَسُودٌ، أَوْ بُرْدَةٌ مِنْ صُوفٍ يَلْبَسُهَا الْأَعْرَابُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ حَالٌ مُتَدَاخِلَةٌ أَوْ مُتَرَادِفَةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ مُتَقَلِّدُونَ لِلسُّيُوفِ مِنْ جَوَانِبِهِمْ (وَمُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ) : كَذَا فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ بِالْوَاوِ، وَعَلَيْهِ صَحٌّ بِالْحُمْرَةِ، لَكِنْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذِهِ الْوَاوُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ (عَامَّتُهُمْ) أَيْ: أَكْثَرُهُمْ (مِنْ مُضَرَ) : كَعُمَرَ، قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ (بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ) أَيْ مُبَالَغَةً (فَتَمَعَّرَ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: فَتَغَيَّرَ (وَجْهُ رَسُولِ ﷺ ) ، وَظَهَرَ عَلَيْهِ آثَارُ الْحُزْنِ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ) : أَيِ: الْفَقْرِ الشَّدِيدِ، وَمِنْ بَيَانٌ لِ " مَا "، يَعْنِي: لِمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يُجْبِرُ كَسْرَهُمْ وَيُغْنِي فَقْرَهُمْ وَيَكْسِبُهُمْ وَيُعْطِيهُمْ مَا يُغْنِيهِمْ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ خُصُوصًا فِي حَقِّ أُمَّتِهِ (فَدَخَلَ) أَيْ فِي بَيْتِهِ لَعَلَّهُ يَلْقَى شَيْئًا مِنْ زِيَادَةِ النَّفَقَةِ أَوْ لِتَجْدِيدِ الطَّهَارَةِ وَالتَّهْيِئَةِ لِلْمَوْعِظَةِ (ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا) أَيْ بِالْأَذَانِ (فَأَذَّنَ، وَأَقَامَ فَصَلَّى) أَيْ: إِحْدَى الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ بِدَلِيلِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا الظُّهْرُ أَوِ الْجُمُعَةُ لِقَوْلِهِ: فِي صَدْرِ النَّهَارِ (ثُمَّ خَطَبَ) أَيْ: وَعَظَ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا فَوْقَ الْمِنْبَرِ أَوْ دُونَهُ (فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [النساء: ١] : أَيِ: الْمُؤْمِنُونَ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ غَالِبِيٌّ ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] أَيْ: عَذَابَهُ أَوْ مُخَالَفَتَهُ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [النساء: ١] أَيْ: بِالْوَاسِطَةِ ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] : وَهِيَ آدَمُ (إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) : وَتَمَامُهَا ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا﴾ [النساء: ١] أَيْ: مِنْ ضِلْعِهَا زَوْجَهَا أَيْ: حَوَّاءَ، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ أَوْ لِلْحَالِ، وَقَدْ تُقَدَّرُ أَوْ لَا تُقَدَّرُ ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ [النساء: ١] أَيْ: فَرَّقَ مِنْ أَوْلَادِهِمَا بِوَسَطٍ أَوْ غَيْرِ وَسَطٍ. رُوِيَ أَنَّ بَنِي آدَمَ لِصُلْبِهِ أَرْبَعُونَ فِي عِشْرِينَ بَطْنًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وُلِدَ لِآدَمَ أَرْبَعُونَ وَلَدًا عِشْرُونَ غُلَامًا وَعِشْرُونَ جَارِيَةً " رِجَالًا " كَثِيرًا " وَنِسَاءً " أَيْ كَثِيرَةً، فَاكْتَفَى بِوَصْفِ الرِّجَالِ بِالْكَثْرَةِ عَنْ وَصْفِ النِّسَاءِ بِهَا، إِذِ الْحِكْمَةُ تَقْتَضِي أَنْ يَكُنَّ أَكْثَرَ، وَتَذْكِيرُ الْكَثِيرِ حَمْلُ الْجَمْعِ دُونَ الْجَمَاعَةِ وَلِأَنَّ الْفَعِيلَ يَسْتَوِي فِيهِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ﴾ [النساء: ١] بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ " بِهِ " أَيْ: بِاللَّهِ وَالْأَرْحَامَ بِالنَّصْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَطْفًا عَلَى الْجَلَالَةِ، أَيِ: اتَّقُوا قَطْعَهَا وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْجَارِّ وَهُوَ جَائِزٌ فَصِيحٌ، وَأَخْطَأَ مَنْ ضَعَّفَهُ، وَكَانَ الْعَرَبُ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وَبِالرَّحِمِ كَذَا. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] أَيْ: مُطَّلِعًا عَلَى أَقْوَالِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ فَرَاقِبُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا (وَالْآيَةَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا﴾ [النساء: ١] عَلَى تَأْوِيلٍ " قَالَ " بِ " قَرَأَ " أَيْ: قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ (الَّتِي فِي الْحَشْرِ) . اهـ. وَأَوَّلُهَا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٨] وَبَعْدَهُ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ﴾ [الحشر: ١٨] وَهِيَ نَكِرَةٌ تُفِيدُ الْعُمُومَ

стр. 456

أَيْ: كُلُّ نَفْسٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [الانفطار: ٥] ﴿مَا قَدَّمَتْ﴾ [الانفطار: ٥] : وَأَخَّرَتْ أَيْ: لِتَتَفَكَّرْ وَتَتَأَمَّلِ النُّفُوسُ مَا قَدَّمَتْ، أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْخَيْرَاتِ أَرْسَلَتْهُ إِلَى الْآخِرَةِ (لِغَدٍ) أَيْ: لِنَفْعِ الْغَدِ مِنَ الزَّمَانِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَتَمَامُهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ. وَهُوَ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْأَوَّلُ مَعْنَاهُ اتَّقُوا مُخَالَفَتَهُ، وَالثَّانِي اتَّقُوا عُقُوبَتَهُ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] أَيْ: عَالِمٌ بِأَعْمَالِكُمْ فَيُخْبِرُكُمْ بِهَا وَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَفِيهِ جَوَازُ تَقْطِيعِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِأَنْ يُؤْتَى بِبَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حَسَبِ الْحَاجَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ " تَصَدَّقَ رَجُلٌ ": بِفَتْحِ الْقَافِ وَتُسَكَّنُ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الظَّاهِرَ لِيَتَصَدَّقْ رَجُلٌ، وَلَامُ الْأَمْرِ لِلْغَائِبِ مَحْذُوفٌ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَنَقَلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ نَبْكِ فِي: قِفَا نَبْكِ مَجْزُومٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَمْرِ أَيْ: فَلْنَبْكِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا﴾ [الحجر: ٣] أَيْ: فَلْيَأْكُلُوا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤] أَيْ: فَلْيَغْفِرُوا وَلَوْ حَمَلَ " تَصَدَّقَ " عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي لَمْ يُسَاعِدْهُ قَوْلُهُ: " وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ " إِذِ الْمَعْنَى لِيَتَصَدَّقَ رَجُلٌ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، كَذَا قَوْلُهُ: فَجَاءَ رَجُلٌ. . إِلَخْ: لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِامْتِثَالِ أَمْرِهِ ﵊ عَقِيبَ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَلِمَنْ يُجْرِيهِ عَلَى الْإِخْبَارِ وَجْهٌ، لَكِنْ فِيهِ تَعَسُّفٌ غَيْرُ خَافٍ اهـ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَيَأْبَى عَنِ الْحَمْلِ عَلَى حَذْفِ اللَّامِ عَدَمُ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ اهـ. فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لَفْظًا وَأَمْرٌ مَعْنًى، وَإِتْيَانُ الْإِخْبَارِ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَكَلُّفٌ فَضْلًا عَنْ تَعَسُّفٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الصف: ١١] : قِيلَ: إِنَّهُمَا بِمَعْنَى آمِنُوا وَجَاهِدُوا، وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ " تَعْبُدُ اللَّهَ " بِمَعْنَى اعْبُدِ اللَّهَ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ أَبْلَغُ فَكَأَنَّهُ أَمَرَهُ وَامْتَثَلَ بِهِ فَأَخْبَرَ عَنْهُ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا يُقَالُ هَذَا الْإِخْبَارُ مُضَارِعٌ وَالْكَلَامُ فِي الْمَاضِي، لِأَنَّ الْخَبَرَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ خَبَرٌ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ مَاضِيًا أَوْ مُضَارِعًا مَعَ أَنَّ الْأَغْلَبِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ أَظْهَرُ فِي الْمَاضِي لِدَلَالَتِهِ عَلَى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْآتِيَ: " فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ " حَمَلَ بَعْضُهُمْ " أَخَذَ " الثَّانِيَ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ. (مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: مِنْ قَمْحِهِ وَحِنْطَتِهِ وَفِي مَعْنَاهُ مِنْ شَعِيرِهِ (مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ) : وَإِعَادَةُ الْعَامِلِ تُفِيدُ الِاسْتِقْلَالَ وَتَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ الصَّاعُ مِنْهُمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَجُلٌ نَكِرَةٌ وُضِعَتْ مَوْضِعَ الْجَمْعِ الْمَعْرُوفِ لِإِفَادَةِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْإِفْرَادِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَشَجَرَةٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] فَإِنَّ شَجَرَةً وَقَعَتْ مَوْقِعَ الْأَشْجَارِ، وَمِنْ ثَمَّ كَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ مِرَارًا بِلَا عَطْفٍ أَيْ: لِيَتَصَدَّقْ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، وَرَجُلٌ مِنْ دِرْهَمِهِ وَهَلُمَّ جَرًّا. وَ " مِنْ " فِي: " مِنْ دِينَارٍ "، إِمَّا تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ: لِيَتَصَدَّقْ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَإِمَّا ابْتِدَائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِعْلِ فَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ: لِيَتَصَدَّقْ بِمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (حَتَّى قَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ لِيَتَصَدَّقْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) : أَيِ: الرَّاوِي (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ) : بِالضَّمِّ، أَيْ: رَبْطَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ (كَادَتْ كَفُّهُ) أَيْ قَارَبَتْ (تَعْجِزُ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتُفْتَحُ (عَنْهَا) أَيْ: عَنْ حَمْلِ الصُّرَّةِ لِثِقَلِهَا لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا (بَلْ قَدْ عَجَزَتْ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتُكْسَرُ (ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ) أَيْ: تَوَالَوْا فِي إِعْطَاءِ الْخَيْرَاتِ وَإِتْيَانِ الْمَبَرَّاتِ (حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ) : الْكَوْمَةُ: بِالْفَتْحِ الصُّبْرَةُ (مِنْ طَعَامٍ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ هُنَا حُبُوبٌ، وَلَعَلَّ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ النُّقُودِ لِغَلَبَتِهِ (وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ) : بَدَلٌ مِنْ حَتَّى الْأُولَى أَوْ غَايَةٌ لَهَا أَيْ:

стр. 457

حَتَّى أَبْصَرْتُ (وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ) أَيْ: يَسْتَنِيرُ وَيَظْهَرُ عَلَيْهِ أَمَارَاتُ السُّرُورِ (كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، بَعْدَهُ مُوَحَّدَةٌ، فِي مَا مُوِّهَ بِالذَّهَبِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْهَاءِ وَالنُّونِ، وَهُوَ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الدُّهْمَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: صَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: مُدْهُنَةٌ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَضَمِّ الْهَاءِ وَبِالنُّونِ، وَكَذَا ضَبَطَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْمُرَادُ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الصَّفَاءُ وَالِاسْتِنَارَةُ، كَذَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً» ) أَيْ: أَتَى بِطَرِيقَةٍ مَرْضِيَّةٍ يُقْتَدَى بِهِ فِيهَا (فَلَهُ أَجْرُهَا) أَيْ: أَجْرُ تِلْكَ السُّنَّةِ، أَيْ: ثَوَابُ الْعَمَلِ بِهَا. وَفِي نُسْخَةٍ: أَجْرُهُ، أَيْ: أَجْرُ مَنْ سَنَّ، يَعْنِي أَجْرَ عَمَلِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: فَلَهُ أَجْرُهَا، وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ رِوَايَةً وَمَعْنًى إِنَّمَا الصَّوَابُ أَجْرُهُ، وَالضَّمِيرُ لِصَاحِبِ الطَّرِيقَةِ، أَيْ: لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِسُنَّتِهِ، وَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى السُّنَّةِ. (وَقَدْ وَهِمَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ رُوَاةِ الْكِتَابَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ فِي شَيْءٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُورِدْهُ الْبُخَارِيُّ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَوُجِدَ فِي نُسَخٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ مُسْلِمٍ: أَجْرُهَا. وَعَلَى هَذَا شَرْحُ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَتِهِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْأَجْرِ فَجَازَتِ الْإِضَافَةُ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ اتِّفَاقُ النُّسَخِ عَلَى وِزْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا) أَيْ: بِتِلْكَ الْحَسَنَةِ (مِنْ بَعْدِهِ) : مِنْ بَيَانِ مِنْ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بَعْدَهُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ بَعْدَ مَمَاتِ مَنْ سَنَّهَا قُيِّدَ بِهِ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ ذَلِكَ الْأَجْرَ يُكْتَبُ لَهُ مَا دَامَ حَيًّا اهـ. قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّهُ يُتَوَهَّمُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْأَجْرَ لَا يُكْتَبُ لَهُ وَهُوَ حَيٌّ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ مِنْ بَعْدِ مَا سَنَّهُ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ) : عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ وَلَازِمٌ (مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ) أَيْ: مِنَ النَّقْصِ (وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً) أَيْ: بِدْعَةً مَذْمُومَةً عَمِلَ بِهَا (كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا) أَيْ: إِثْمُهَا (وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ) أَيْ: مِنْ جِهَةِ تَبَعِيَّتِهِ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ) : تَقَدَّمَ (مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) : جَمَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى " مِنْ " كَمَا أَفْرَدَ فِي " يَنْقُصَ " بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 458

٢١١ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ: (لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي) فِي بَابِ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ــ ٢١١ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا) : نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ (إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ) : صِفَةٌ لِابْنٍ، وَهُوَ قَابِيلُ قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ حِينَ تَزَوَّجَ كُلٌّ بِأُخْتِهِ الَّتِي مَعَ الْآخَرِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ شَرِيعَةَ آدَمَ أَنَّ بُطُونَ حَوَّاءَ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْأَقَارِبِ الْأَبَاعِدِ، وَحِكْمَتُهُ تَعَذُّرُ التَّزَوُّجِ فَاقْتَضَتْ مَصْلَحَةُ بَقَاءِ النَّسْلِ تَجْوِيزَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ قَتَلَ أَخَاهُ لِأَنَّ زَوْجَتَهُ كَانَتْ أَجْمَلَ، وَبَسْطُ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي التَّفْسِيرِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا قَيَّدَ بِالْأَوَّلِ لِئَلَّا يُشْتَبَهَ إِذْ فِي بَنِي آدَمَ كَثْرَةٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَابِيلَ كَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا أَنَّ قَضِيَّتَهُمَا كَانَتْ بَعْدَ بُطُونٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْأَظْهَرُ أَنَّ اللَّامَ لِلْعَهْدِ أَيِ الْأَوَّلُ مِنَ الْقَتَلَةِ (كِفْلٌ) أَيْ: نَصِيبٌ (مِنْ دَمِهَا) أَيْ: دَمِ النَّفْسِ (لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ) : وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ: ﵁ (لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي) فِي بَابِ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) . وَتَقَدَّمَ وَجْهُهُ.

стр. 459

الْفَصْلُ الثَّانِي ٢١٢ - عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ! إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ رَسُولِ ﷺ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ وَسَمَّاهُ التِّرْمِذِيُّ قَيْسَ بْنَ كَثِيرٍ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢١٢ - (عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ) : ذَكَرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّابِعِينَ (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ أَيِ: الشَّامِ (فَجَاءَهُ) أَيْ: أَبَا الدَّرْدَاءِ (رَجُلٌ) أَيْ: مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ (فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ!) : يُقْرَأُ بِالْهَمْزَةِ بَعْدَ حَرْفِ النِّدَاءِ وَلَا يُكْتَبُ رَسْمًا (إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَرِهَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَرَسُولِ غَيْرِهِ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ الْآيَةَ. لِأَنَّ خِطَابَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ تَشْرِيفٌ لَهُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ، وَلَهُ تَعَالَى أَنْ يُخَاطِبَ عَبِيدَهُ بِمَا شَاءَ وَمِنْ ثَمَّ أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] أَنَّهُ يَحْرُمُ نِدَاؤُهُ بِاسْمِهِ كَ " يَا مُحَمَّدُ "، أَوْ بِكُنْيَتِهِ كَ " يَا أَبَا الْقَاسِمِ ". قَالَ: وَإِنَّمَا يُنَادَى بِنَحْوِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ اهـ. وَفِيهِ: أَنَّ الْقَرِينَةَ الْمَانِعَةَ مِنْ إِرَادَةِ الْإِشْرَاكِ قَائِمَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ بَلْ لَا يُتَوَهَّمُ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْوِهِ لَا سِيَّمَا إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ ﷺ (لِحَدِيثٍ) أَيْ: لِأَجْلِ تَحْصِيلِ حَدِيثٍ (بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْحَدِيثَ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ إِجْمَالًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ الْحَدِيثَ، لَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَهُ بِلَا وَاسِطَةٍ لِإِفَادَةِ الْعِلْمِ وَزِيَادَةِ يَقِينِهِ أَوْ لِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ فَإِنَّهُ مِنَ الدِّينِ (مَا جِئْتُ) : إِلَى الشَّامِ (لِحَاجَةٍ) : أُخْرَى، غَيْرَ أَنْ أُسْمِعَكَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ تَحْدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِمَا حَدَّثَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبَ الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ أَوْ يَكُونَ بَيَانًا أَنَّ سَعْيَهُ مَشْكُورٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا مَا هُوَ مَطْلُوبُهُ، وَالْأَوَّلُ أَغْرَبُ، وَالثَّانِي أَقْرَبُ (قَالَ) أَيْ: أَبُو الدَّرْدَاءِ (فَإِنِّي) أَيْ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنِّي (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ سَلَكَ) أَيْ: دَخَلَ أَوْ مَشَى، (طَرِيقًا) أَيْ: قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا (يَطْلُبُ فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ أَوْ فِي ذَلِكَ الْمَسْلَكِ أَوْ فِي سُلُوكِهِ (عِلْمًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا أَطْلَقَ الطَّرِيقَ وَالْعِلْمَ لِيَشْمَلَا فِي جِنْسِهِمَا أَيَّ طَرِيقٍ كَانَ مِنْ مُفَارَقَةِ الْأَوْطَانِ وَالضَّرْبِ فِي الْبُلْدَانِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ، وَأَيَّ عِلْمٍ كَانَ مِنْ عُلُومِ الدِّينِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا رَفِيعًا أَوْ غَيْرَ رَفِيعٍ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنِ الثَّوْرِيِّ: مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، قِيلَ لَهُ: لَيْسَ لَهُمْ نِيَّةٌ. قَالَ: طَلَبُهُمْ لَهُ نِيَّةٌ، أَيْ: سَبَبُهَا، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إِلَّا لِلَّهِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ اهـ. لِأَنَّهُ إِمَّا فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنَ النَّافِلَةِ. وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: الْعِلْمُ الْحِكْمَةُ وَهُوَ نُورٌ يَهْدِي اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَلَيْسَ بِكَثْرَةِ الْمَسَائِلِ اهـ. وَلَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَعْنَى الْآيَةِ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] " سَلَكَ اللَّهُ بِهِ ": الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ عَائِدٌ إِلَى " مَنْ " وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ: جَعَلَهُ سَالِكًا وَوَفَّقَهُ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: عَائِدٌ إِلَى الْعِلْمِ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَسَلَكَ بِمَعْنَى سَهَّلَ، وَالْعَائِدُ إِلَى " مَنْ " مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِسَبَبِ الْعِلْمِ (طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ) : فَعَلَى الْأَوَّلِ سَلَكَ مِنَ السُّلُوكِ، وَعَلَى الثَّانِي مِنَ السَّلْكِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] قِيلَ: عَذَابًا مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ نِسْبَةُ سَلَكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ طُرُقَ الْجَنَّةِ كَثِيرَةٌ، وَكُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِهَا، وَطُرُقُ الْعِلْمِ أَقْرَبُ الطُّرُقِ إِلَيْهَا وَأَعْظَمُ اهـ.

стр. 460

قُلْتُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ طَرِيقٌ إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ تَنْكِيرِهِمَا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ طُرُقَ الْجَنَّةِ مَحْصُورَةٌ فِي طُرُقِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْعِلْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَوْلُ الصُّوفِيَّةِ الطُّرُقُ إِلَى اللَّهِ بِعَدَدِ أَنْفَاسِ الْمَخْلُوقَاتِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَعْرِفَةِ وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّ طَرِيقَ غَيْرِ الْعِلْمِ هُوَ طَرِيقُ الْجَهْلِ وَمَا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلِيًّا جَاهِلًا وَلَوِ اتَّخَذَهُ لَعَلَّمَهُ. (وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ) : اللَّامُ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ أَيْ: مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كُلَّهُمْ وَهُوَ أَنْسَبُ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فِي قَوْلِهِ: (لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا) : حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ لَهُ عَلَى مَعْنَى إِرَادَةِ رِضًا لِيَكُونَ فِعْلًا لِفَاعِلِ الْفِعْلِ الْمُعَلِّلِ (لِطَالِبِ الْعِلْمِ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقٌ بِرِضًا، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ لِأَجْلِ الرِّضَا الْوَاصِلِ مِنْهَا إِلَيْهِ أَوْ لِأَجْلِ إِرْضَائِهَا الطَّالِبَ الْعِلْمَ بِمَا يَصْنَعُ مِنْ حِيَازَةِ الْوِرَاثَةِ الْعُظْمَى وَسُلُوكِ السَّنِّ الْأَسْنَى. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ وَغَيْرُهُ: قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَتَوَاضَعُ لِطَالِبِهِ تَوْقِيرًا لِعِلْمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] أَيْ: تَوَاضَعْ لَهُمَا، أَوِ الْمُرَادُ الْكَفُّ عَنِ الطَّيَرَانِ وَالنُّزُولِ لِلذِّكْرِ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: " وَحَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ " أَوْ مَعْنَاهُ الْمَعُونَةُ وَتَيْسِيرُ الْمُؤْنَةِ بِالسَّعْيِ فِي طَلَبِهِ أَوِ الْمُرَادُ تَلْيِينُ الْجَانِبِ وَالِانْقِيَادُ وَالْفَيْءُ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالِانْعِطَافِ، أَوِ الْمُرَادُ حَقِيقَتُهُ وَإِنْ لَمْ تُشَاهَدْ، وَهِيَ فَرْشُ الْجَنَاحِ وَبَسْطُهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ لِتَحْمِلَهُ عَلَيْهَا وَتُبَلِّغَهُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْبِلَادِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ بِالْبَصْرَةِ فَحَدَّثَنَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَفِي الْمَجْلِسِ شَخْصٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فَجَعَلَ يَسْتَهْزِئُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَطْرُقَنَّ غَدًا نَعْلِي وَأَطَأُ بِهَا أَجْنِحَةَ الْمَلَائِكَةِ فَفَعَلَ وَمَشَى فِي النَّعْلَيْنِ فَحَفَتْ رِجْلَاهُ وَوَقَعَتْ فِيهِمَا الْأَكَلَةُ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: سَمِعْتُ ابْنَ يَحْيَى السَّاجِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نَمْشِي فِي أَزِقَّةِ الْبَصْرَةِ إِلَى بَابِ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ فَأَسْرَعْنَا الْمَشْيَ، وَكَانَ مَعَنَا رَجُلٌ مَاجِنٌ مُتَّهَمٌ فِي دِينِهِ فَقَالَ: ارْفَعُوا أَرْجُلَكُمْ عَنْ أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ لَا تَكْسِرُوهَا كَالْمُسْتَهْزِئِ بِالْحَدِيثِ، فَمَا زَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ حَتَّى حَفَتْ رِجْلَاهُ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ اهـ. وَالْحَفَاءُ: رِقَّةُ الْقَدَمِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ «عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! جِئْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ. قَالَ: " مَرْحَبًا بِطَالِبِ الْعِلْمِ إِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَتَحُفُّ بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَتُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا فَيَرْكَبُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ حَتَّى تَبْلُغَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا يَطْلُبُ» . نَقَلَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الْقَيِّمِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ (وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مَجَازٌ مِنْ إِرَادَةِ اسْتِقَامَةِ حَالِ الْمُسْتَغْفَرِ لَهُ اهـ. وَالْحَقِيقَةُ أَوْلَى (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ) : لِأَنَّهُمْ عُرِفُوا بِتَعْرِيفِ الْعُلَمَاءِ وَعَظُمُوا بِقَوْلِهِمْ (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) : قِيلَ: فِيهِ تَغْلِيبٌ، وَالْمُرَادُ مَا فِي الْأَرْضِ لِأَنَّ بَقَاءَهُمْ وَصَلَاحَهُمْ مَرْبُوطٌ بِرَأْيِ الْعُلَمَاءِ وَفَتْوَاهُمْ وَلِذَلِكَ قِيلَ: مَا مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ حَيِّهَا وَمَيِّتِهَا إِلَّا وَلَهُ مَصْلَحَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعِلْمِ (وَالْحِيتَانُ) : جَمْعُ الْحُوتِ (فِي جَوْفِ الْمَاءِ) : خُصَّ لِدَفْعِ إِيهَامِ أَنَّ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يَشْمَلُ مَنْ فِي الْبَحْرِ أَوْ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ بِأَنْ يُرَادَ بِالْحِيتَانِ جَمِيعُ دَوَابِّ الْمَاءِ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ عَوَالِمِ الْبَرِّ لِمَا جَاءَ: أَنَّ عَوَالِمَ الْبَرِّ أَرْبَعُمِائَةِ عَالَمٍ، وَعَوَالِمُ الْبَحْرِ سِتُّمِائَةِ عَالَمٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَخُصَّ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهَا فِي الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ إِذْ هِيَ فِي الْمَاءِ اهـ. وَبَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَاقُضٌ، نَعَمْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالًا وَجَوَابًا ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ سَلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: مَنْ فِي الْأَرْضِ يَشْمَلُهَا فَذَكَرَهَا لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ مَاءٌ، وَلِذَلِكَ اسْتَغْفَرَ لِلْعَالِمِ لِأَنَّ السَّبَبَ لِبَقَائِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَاءُ الْعِلْمُ وَالْأَوْدِيَةُ الْقُلُوبُ اهـ كَلَامُهُ، وَفِيهِ مَا فِيهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تَخْصِيصُ الْحِيتَانِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ إِنْزَالَ الْمَطَرِ بِبَرَكَتِهِمْ حَتَّى إِنَّ الْحِيتَانَ تَعِيشُ بِسَبَبِهِمْ اهـ. وَفِي الْحَدِيثِ: بِهِمْ تُمْطَرُونَ وَبِهِمْ تُرْزَقُونَ (وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ) : أَيِ: الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ، وَهُوَ الَّذِي يَقُومُ بِنَشْرِ الْعِلْمِ بَعْدَ أَدَائِهِ مَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ (عَلَى الْعَابِدِ) أَيِ: الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْعِبَادَةُ، وَهُوَ الَّذِي يَصْرِفُ أَوْقَاتَهُ بِالنَّوَافِلِ مَعَ كَوْنِهِ عَالِمًا بِمَا تَصِحُّ بِهِ الْعِبَادَةُ (كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) أَيْ: لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَبِهِ أَوَّلُ " طه " عَلَى حِسَابِ الْجُمَلِ، وَأُرِيدَ بِهِ
следующие страницы →