← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

٢٩٥٣ - وَعَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا. فَإِنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٩٥٣ - (وَعَنِ الْحَسَنِ) أَيِ: الْبَصْرِيِّ (عَنْ سَمُرَةَ) مَرَّ ذِكْرُهُ قَرِيبًا (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ ") قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَتَى مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ وَعَدَّاهُ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى نَزَلَ، وَجَعَلَ الْمَاشِيَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمُضِيفِ، وَفِيهِ مَعْنَى حُسْنِ التَّعْلِيلِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الضَّيْفُ النَّازِلُ مُضْطَرًّا (" فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ ") ،

стр. 4167

بِسُكُونِ اللَّامِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَلْيُصَوِّتْ ") بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ: فَلْيَصِحْ (ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (" فَإِنْ أَجَابَهُ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَجُبْهُ أَحَدٌ فَلْيَحْتَلِبْ ") أَيْ: إِذَا كَانَ مُضْطَرًّا (" وَلْيَشْرَبْ ") أَيْ: بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ (" وَلَا يَحْمِلْ ") أَيْ: مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: " هَذَا إِنَّمَا يَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ بِأَنْ يَخَافَ الْمَوْتَ مِنَ الْجُوعِ أَوِ انْقِطَاعِهِ مِنَ السَّبِيلِ وَيَرُدُّ قِيمَتَهُ لِمَالِكِهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ قِيمَتِهِ " اه. وَقَالَ أَحْمَدُ: " يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ "، وَقَدْ تَقَدَّمَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4168

٢٩٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ وَلَا يَتَّخِذْ خُبْنَةً» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢٩٥٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ» ") أَيْ: مِنْ ثِمَارِهِ (" وَلَا يَتَّخِذْ خُبْنَةً ") بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَهَا نُونٌ، وَهِيَ طَرْفُ الثَّوْبِ، أَيْ: لَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فِي ثَوْبِهِ، وَهَذِهِ الرُّخْصَةُ لِابْنِ السَّبِيلِ الْمُضْطَرِّ أَيْضًا، وَإِلَّا فَلَا تُقَاوِمُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ نُصُوصًا وَرَدَتْ فِي تَحْرِيمِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَقَدْ سَبَقَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَيْ: مَتْنًا أَوْ إِسْنَادًا.

стр. 4169

٢٩٥٥ - وَعَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁: أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرَاعَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدَ؟ قَالَ " بَلْ عَارِيَةً مَضْمُونَةً» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٩٥٥ - (وَعَنْ أُمَيَّةَ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ صَفْوَانَ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (عَنْ أَبِيهِ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: " هُوَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ الْقُرَشِيُّ، هَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ وَابْنُهُ وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّنَهُ وَأَعْطَاهُمَا رِدَاءَهُ أَمَانًا لَهُ، فَأَدْرَكَهُ وَهْبٌ فَرَدَّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ قَالَ: هَذَا وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ زَعَمَ أَنَّكَ أَمَّنْتَنِي عَلَى أَنْ أَسِيرَ شَهْرَيْنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ " فَقَالَ: لَا حَتَّى تُبَيِّنَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " انْزِلْ فَلَكَ أَنْ تَسِيرَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ " فَنَزَلَ وَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى حُنَيْنٍ فَشَهِدَهَا وَشَهِدَ الطَّائِفَ كَافِرًا، فَأَعْطَاهُ مِنَ الْغَنَائِمِ فَأَكْثَرَ، فَقَالَ صَفْوَانٌ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا طَابَ هَذَا إِلَى نَفْسِ نَبِيٍّ، فَأَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» "، وَكَانَ صَفْوَانُ أَحَدَ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ، فَلَمَّا أَسْلَمَ صَفْوَانُ أَقَرَّا عَلَى نِكَاحِهِمَا، مَاتَ صَفْوَانُ بِمَكَّةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَرَوَى عَنْهُ نَفَرٌ، وَكَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ مِنْ أَفْصَحِ قُرَيْشٍ لِسَانًا (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرَاعَهُ) جَمْعُ دِرْعٍ أَيْ: أَرَادَ أَخْذَهَا عَارِيَةً مِنْهُ (يَوْمَ حُنَيْنٍ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " كَانَ صَاحِبُ الْأَدْرَاعِ كَافِرًا دَخَلَ الْمَدِينَةَ بِإِذْنِهِ ﵊ لِيَسْمَعَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَيَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ الدِّينِ بِشَرْطِ أَنَّهُ إِنِ اخْتَارَ دِينَ الْإِسْلَامِ أَسْلَمَ، وَإِلَّا رَجَعَ إِلَى وَطَنِهِ بِلَا لُحُوقِ أَذِيَّةٍ لَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَظَنَّ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا وَلَا يَرُدُّهَا (فَقَالَ: أَغَصْبًا) وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنِ الْمُصَنِّفِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " قَوْلُهُ: غَصْبًا مَعْمُولٌ مَدْخُولُ الْهَمْزَةِ أَيْ: أَتَأْخُذُهَا غَصْبًا لَا تَرُدُّهَا عَلَيَّ (يَا مُحَمَّدُ؟) قِيلَ: هَذَا النِّدَاءُ لَا يَصْدُرُ عَنْ مُؤْمِنٍ قَالَ تَعَالَى:

стр. 4170

﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] فَغَيْرُ مُنَاسِبٍ بِالْمَقَامِ وَغَيْرُ مُلَائِمٍ بِالْمَرَامِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: أَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا وَقَدْ أَخَذَ بِمَجَامِعِ قَلْبِهِ الْحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةُ (قَالَ: " بَلْ عَارِيَةً ") بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ وَبِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ وَكَذَا قَوْلُهُ (" مَضْمُونَةً ") أَيْ: مَرْدُودَةً وَالْمَعْنَى أَنْ أَسْتَعِيرَهَا وَأَرُدَّهَا، فَوَضَعَ الضَّمَانَ مَوْضِعَ الرَّدِّ مُبَالَغَةً فِي الرَّدِّ، أَيْ: كَيْفَ لَا أَرُدُّهَا وَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيَّ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ نَظَرَ إِلَى ظَاهِرِ الْكَلَامِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا مَضْمُونَةٌ نَظَرَ إِلَى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " قَوْلُهُ: مَضْمُونَةً مُؤَوَّلٌ بِضَمَانِ الرَّدِّ أَيْ: يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ رَدِّهَا إِلَى مَالِكِهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ أَدَاءِ عَيْنِهَا عِنْدَ قِيَامِهَا. قَالَ الْقَاضِي: " هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، فَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵄، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ. وَذَهَبُ شُرَيْحٌ، وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ ﵃ إِلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ لَا تُضْمَنُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَأَوَّلَ قَوْلَهُ: مَضْمُونَةً بِضَمَانِ الرَّدِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: الْوَدِيعَةُ مَرْدُودَةٌ، وَلَا يُقَالُ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ، وَإِنْ صَحَّ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، فَحَمْلُ اللَّفْظِ هُنَا عَلَيْهِ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ بِلَا دَلِيلٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: " إِنْ خَفِيَ تَلَفُهُ أَيْ: لَمْ يَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى تَلَفِهِ ضُمِنَ، وَإِلَّا فَلَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4171

٢٩٥٦ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالْمِنْحَةٌ مَرْدُودَةٌ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٩٥٦ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الْعَارِيَّةُ ") بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ (" مُؤَادَةٌ ") بِالْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: " أَيْ: تُؤَدَّى إِلَى صَاحِبِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الضَّمَانِ، فَالْقَائِلُ بِالضَّمَانِ يَقُولُ تُؤَدَّى عَيْنًا حَالَ الْقِيَامِ وَقِيمَةً عِنْدَ التَّلَفِ، وَفَائِدَةُ التَّأْدِيَةِ عِنْدَ مَنْ يَرَى خِلَافَهُ إِلْزَامُ الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةَ رَدِّهَا إِلَى مَالِكِهَا (" وَالْمِنْحَةُ ") بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، مَا يَمْنَحُهُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ أَيْ: يُعْطِيهِ مِنْ ذَاتِ دَرٍّ لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا، أَوْ شَجَرَةٍ لِيَأْكُلَ ثَمَرَهَا، أَوْ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: الْمَنِيحَةُ (" مَرْدُودَةٌ ") إِعْلَامٌ بِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ لَا تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ (" وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ ") أَيْ: يَجِبُ قَضَاؤُهُ (" وَالزَّعِيمُ ") أَيِ: الْكَفِيلُ (" غَارِمٌ ") أَيْ: يُلْزِمُ نَفْسَهُ مَا ضَمِنَهُ، وَالْغُرْمُ أَدَاءُ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ضَامِنٌ وَمَنْ ضَمِنَ دَيْنًا لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالضِّيَاءُ.

стр. 4172

٢٩٥٧ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: " «كُنْتُ غُلَامًا أَرْمِي نَخْلَ الْأَنْصَارِ فَأُتِيَ بِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " يَا غُلَامُ! لِمَ تَرْمِي النَّخْلَ؟ " قُلْتُ: آكُلُ. قَالَ: " فَلَا تَرْمِ، وَكُلْ مِمَّا سَقَطَ فِي أَسْفَلِهَا " ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ فَقَالَ " اللَّهُمَّ أَشْبِعْ بَطْنَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِي " بَابِ اللُّقَطَةِ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ــ ٢٩٥٧ - (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: " عِدَادُهُ فِي الْبَصْرِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُدَيْثَةَ فِي أَكْلِ التَّمْرِ (قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا) أَيْ: وَلَدًا صَغِيرًا (أَرْمِي نَخْلَ الْأَنْصَارِ) أَيْ: يَرْمِي الْأَحْجَارَ لِطَرْحِ الْأَثْمَارِ (فَأُتِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: فَجِيءَ (بِيَ النَّبِيَّ ﷺ ) بِالنَّصْبِ أَيْ: أَتَى بِيَ الْأَنْصَارُ إِلَى النَّبِيِّ (وَقَالَ) وَفِي نُسَخَةٍ فَقَالَ، وَفِي أُخْرَى قَالَ أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (" يَا غُلَامُ! لِمَ ") أَيْ: لِأَيِّ شَيْءٍ (" تَرْمِي النَّخْلَ؟ "،: أَيْ: ثَمَرَهُ (فَقُلْتُ: آكُلُ) أَيْ: لِآكُلَهُ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ (قَالَ: " فَلَا تَرْمِ ") أَيْ: فَإِنَّهُ ضَرَرٌ وَتَعَدٍّ (" وَكُلْ مِمَّا سَقَطَ فِي أَسْفَلِهَا ") أَيْ: لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ غَالِبًا بِمُسَامَحَةِ السَّاقِطِ لِلَّاقِطِ، لَا سِيَّمَا لِلصِّغَارِ الْمَائِلِينَ إِلَى الثِّمَارِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: " إِنَّمَا أَجَازَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا سَقَطَ لِلِاضْطِرَارِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا سَقَطَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ مَالُ الْغَيْرِ كَالرُّطَبِ عَلَى رَأْسِ النَّخْلِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " لَوْ كَانَ مُضْطَرًّا لَجَازَ أَنْ يَأْكُلَ مَا رَمَاهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَرْضِ شَيْءٌ " (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ فَقَالَ: " «اللَّهُمَّ أَشْبِعْ بَطْنَهُ» ") قِيلَ: يَدُلُّ هُنَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 4173

(وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ) كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا (فِي بَابِ اللُّقَطَةِ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وَيُسَكَّنُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) وَفِيهِ اعْتِرَاضٌ فِعْلِيٌّ.

стр. 4174

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٩٥٨ - عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٩٥٨ - (عَنْ سَالِمٍ - عَنْ أَبِيهِ) أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا ") وَفِي نُسْخَةٍ شِبْرًا (" بِغَيْرِ حَقِّهِ ") أَيْ: ظُلْمًا (" خُسِفَ ") عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَالْجُمْلَةُ إِخْبَارٌ أَوْ إِنْشَاءٌ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: (" يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ ") بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ، وَفِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ الْأَرْضَ فِي الْآخِرَةِ أَيْضًا سَبْعُ طِبَاقٍ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 4175

٢٩٥٩ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا الْمَحْشَرَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٢٩٥٩ - (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ) بِضَمِّ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ: " هُوَ الثَّقَفِيُّ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَخَيْبَرَ وَالْفَتْحَ وَحُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَعِدَادَهُ فِي الْكُوفِيِّينَ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا ") أَيْ " ظُلْمًا كَمَا فِي رِوَايَةٍ (" كُلِّفَ ") أَيْ: أُمِرَ (" أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا الْمَحْشَرَ ") بِفَتْحِ الشِّينِ وَيُكْسَرُ وَفِي نُسْخَةٍ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْحَشْرِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْحَشْرُ الْجَمْعُ يَحْشُرُ وَيَحْشِرُ أَيْ: بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَالْمَحْشِرُ وَيُفْتَحُ مَوْضِعُهُ اه. وَفِي كَلَامِهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْكَسْرَ أَقْوَى، لَكِنَّ اللُّغَةَ الْقُرْآنِيَّةَ الَّتِي هِيَ الْفُصْحَى بِضَمِّ شِينِ الْمُضَارِعِ فِي الْقِرَاءَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَكَسْرِهَا مِنَ الشَّوَاذِّ، فَالْفَتْحُ فِي الْمَحْشَرِ أَفْصَحُ وَهُوَ أَخَفُّ وَأَشْهَرُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " لَا يُقَالُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَيْسَ زَمَانَ التَّكْلِيفِ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ مَنْعُ تَكْلِيفِ تَعْجِيزٍ لِلْإِيذَاءِ لَا تَكْلِيفِ ابْتِلَاءٍ لِلْجَزَاءِ، وَمَنْعُ تَكْلِيفِ الْمُصَوِّرِينَ عَلَى نَفْخِ الْأَرْوَاحِ فِيمَا صَوَّرُوهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَالضِّيَاءُ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْحَارِثِ وَلَفْظُهُ: «مَنْ أَخَذَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» .

стр. 4176

٢٩٦٠ - وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ كَلَّفَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَ سَبْعِ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطَوَّقَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٢٩٦٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ يَعْلَى (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ ") قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " الْمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ "، وَقَوْلُهُ: (شِبْرًا) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا أَوْ مَفْعُولًا فِيهِ، أَيْ: مِقْدَارًا أَوْ ظُلْمَ شِبْرٍ (" مِنَ الْأَرْضِ ") " مِنْ " بَيَانِيَّةٌ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ (" كَلَّفَهُ اللَّهُ عَزَّ ") أَيْ: غَلَبَ عَلَى أَمْرِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ (" وَجَلَّ ") أَيْ: تَعَالَى وَتَعَظَّمَ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ مِنْ غَيْرِ حِكْمَةٍ (" أَنْ يَحْفِرَهُ ") أَيِ: الشِّبْرَ مِنَ الْأَرْضِ (" حَتَّى يَبْلُغَ ") أَيْ: يَصِلَ فِي حَفْرِهِ (" آخِرَ سَبْعِ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطَوَّقَهُ ") بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ أَيْ: يُجْعَلُ مُطَوَّقًا بِهِ (" إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ") أَيْ: يَكُونُ التَّكْلِيفُ بِالْحَفْرِ فِي قَبْرِهِ مُنْتَهِيًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (" حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ") أَيْ: إِلَخْ، فَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى اسْتِمْرَارِ الْعَذَابِ وَعَدَمِ خَلَاصِهِ مِنِ الْعِقَابِ، وَيُقْضَى بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى. هَذَا مَا سَنَحَ لِي مِنْ حَلِّ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ.

стр. 4177

وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ثُمَّ يُطَوَّقَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَحَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ؟ قُلْتَ: إِلَى تُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ مُطْلَقًا، فَأَمَّا دُخُولُهَا فِي الْحُكْمِ وَخُرُوجُهَا فَأَمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ، فَمَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْخُرُوجِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ; لِأَنَّ الْإِعْسَارَ عِلَةُ الْإِنْظَارِ وَبِوُجُودِ الْمَيْسَرَةِ تَزُولُ الْعِلَّةُ، وَمَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الدُّخُولِ قَوْلُكَ: حَفِظْتُ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ لِحِفْظِهِ الْقُرْآنَ كُلَّهُ، كَذَا فِي الْكَشَّافِ، وَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ الْغَايَةُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْحُكْمِ إِلَى قَضَاءِ الْحَقِّ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَكُونُ حَتَّى يُقْضَى كَالْبَيَانِ لِلْغَايَةِ اه، وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 4178

[بَابُ الشُّفْعَةِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٩٦١ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ( ١٢ -) بَابُ الشُّفْعَةِ بِضَمِّ أَوَّلِهَا، فِي الْمُغْرِبِ: الشُّفْعَةُ اسْمٌ لِلْمِلْكِ الْمَشْفُوعِ بِمِلْكِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: كَانَ وِتْرًا فَشَفَعْتُهُ بِآخَرَ أَيْ جَعَلْتُهُ زَوْجًا لَهَا، وَنَظِيرُهَا الْأَكْلَةُ وَاللُّقْمَةُ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِعْلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ هَذَا أَصْلُهَا، ثُمَّ جُعِلَ عِبَارَةً عَنْ تَمَلُّكٍ مَخْصُوصٍ أَيْ: بِمَا قَامَ عَلَى الْمُشْتَرَى، وَقَدْ جَمَعَهُمَا الشَّعْبِيُّ فِي قَوْلِهِ: مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٩٦١ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقَسَّمْ» ) فِيهِ بَيَانُ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْتَمَلَ الْقِسْمَةِ، كَالدُّورِ وَالْأَرَاضِي أَوَّلًا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: لَا شُفْعَةَ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ بِعُمُومِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ تَخْصِيصَ مَا لَمْ يُقَسَّمْ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ (فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ) أَيْ: إِذَا قُسِّمَ الْمَلَكِ الْمُشْتَرَى وَوَقَعَتِ الْحُدُودُ أَيِ: الْحَوَاجِزُ وَالنِّهَايَاتُ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: عُيِّنَتْ وَظَهَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِالْقِسْمَةِ وَالْإِفْرَازِ (وَصُرِفَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: بُيِّنَتْ (الطُّرُقُ) بِأَنْ تَعَدَّدَتْ، وَحَصَلَ لِكُلِّ نَصِيبٍ طَرِيقٌ مَخْصُوصٌ (فَلَا شُفْعَةَ) أَيْ: بَعْدَ الْقِسْمَةِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الشُّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ دُونَ الْجَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا مَنْ يَرَى الشُّفْعَةَ لِلْجِوَارِ لِأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ يَقُولُ: " إِنَّ قَوْلَهُ: فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ لَيْسَ مِنَ الْحَدِيثِ ; بَلْ شَيْءٌ زَادَهُ جَابِرٌ فَأَوْصَلَهُ بِمَا حَكَاهُ، وَالْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ أَوْلَى تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ لَا حَقَّ فِي الْمَبِيعِ لِارْتِفَاعِهَا بِصَرْفِ الطُّرُقِ» " كَذَا حَقَّقَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنْ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ. قَالَ الْمَالِكِيُّ: مَعْنَى صُرِفَتِ الطُّرُقُ أَيْ: خَلُصَتْ وَبُيِّنَتْ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الصِّرْفِ وَهُوَ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: " هَذَا الْحَدِيثُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ، أَيْ: بِلَفْظِ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ وَهُوَ الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ إِلَخْ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ مُسْلِمٌ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْآخَرَ الَّذِي يَتْلُو هَذَا الْحَدِيثَ، وَكَانَ عَلَى مُؤَلِّفِ الْمَصَابِيحِ لَمَّا أَوْرَدَ الْحَدِيثَ فِي قِسْمٍ هُوَ مِمَّا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُعَدِّلَ فِي اللَّفْظِ عَنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، فَإِنَّ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ بَوْنًا بَعِيدًا، وَلَا يَكَادُ يَتَسَامَحُ فِيهِ ذُو عِنَايَةٍ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا فِي غَيْرِ الْكِتَابَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ الْقَاضِي: " هَذَا الْحَدِيثُ مَذْكُورٌ فِي مُسْنَدِ الْأَمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيِّ، كَذَا الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: «كَذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ» إِلَخْ. فَاخْتَارَ الشَّيْخُ عِبَارَتَهُ إِلَّا أَنَّهُ بَدَّلَ قَوْلَهُ: " «قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ» "، بِقَوْلِهِ: " قَالَ: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ» "، لَمَّا لَمْ يَجِدْ بَيْنَهُمَا مَزِيدَ تَفَاوَتٍ فِي الْمَعْنَى. وَقَدْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَبِهِ انْدَفَعَ اعْتِرَاضُ مَنْ شَنَّعَ عَلَيْهِ.

стр. 4179

فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ سَوَّيْتَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ يَقْتَضِي الْحَصْرَ عُرْفًا، وَمَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ لَا يَقْتَضِيهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةَ حَالٍ وَاقِعَةٍ، وَقَضَاءً فِي قَضِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ؟ قُلْتُ: كَفَى لِدَفْعِ هَذَا الِاحْتِمَالِ مَا ذُكِرَ عَقِيبَهُ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِحَرْفِ التَّعْقِيبِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْحَدِيثِ، بَلْ شَيْءٌ زَادَهُ الرَّاوِي فَأَوْصَلَهُ بِمَا حَكَاهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَلْبِيسًا وَتَدْلِيسًا، وَمَنْصِبُ هَذَا الرَّاوِي وَالْأَئِمَّةِ الَّذِينَ دَوَّنُوهُ وَسَاقُوا الرِّوَايَةَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ إِلَيْهِ أَعْلَى مِنْ أَنْ يُتَصَوَّرَ فِي شَأْنِهِمْ أَمْثَالُ ذَلِكَ، وَالْحَدِيثُ كَمَا تَرَى يَدُلُّ بِمَنْطُوقِهِ صَرِيحًا عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ فِي مُشْتَرَكٍ مُشَاعٍ، لَمْ يُقَسَّمْ بَعْدُ فَإِذَا قُسِّمَ وَتَمَيَّزَتِ الْحُقُوقُ لَمْ يَبْقَ لِلشُّفْعَةِ مَجَالٌ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الشُّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ دُونَ الْجَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، وَقَوْمٍ نَزْرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بِعْدَهُمْ مَالُوا إِلَى ثُبُوتِهَا لِلْجَارِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ: " «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: " لَمَّا لَمْ يَجِدْ بَيْنَهُمَا مَزِيدَ تَفَاوُتٍ فِي الْمَعْنَى إِلَخْ، لَا يَرْفَعُ الْإِنْكَارَ لِأَنَّ أَهْلَ هَذِهِ الصَّنْعَةِ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَوْ مُسْلِمٌ مَثَلًا جَازَ لَهُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى، وَأَمَّا إِذَا قَالَ: فِي كِتَابِ فُلَانٍ كَذَا كَذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ صَرِيحِ لَفْظِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي خُطْبَةِ الْمَصَابِيحِ. وَأَعْنِي بِالصِّحَاحِ مَا أَوْرَدَهُ الشَّيْخَانِ فِي جَامِعَيْهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَفَى لِدَفْعِ هَذَا الِاحْتِمَالِ إِلَخْ، فَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْحَصْرَ هَاهُنَا لَيْسَ بِالْأَدَاةِ وَالتَّقْدِيمِ وَتَعْرِيفِ الْخَبَرِ، بَلْ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ، وَقَوْلُهُ: الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ مَفْهُومُهُ لَا شُفْعَةَ فِيمَا قُسِّمَ، فَيَكُونُ مَا بَعْدَهُ بَيَانًا لَهُ وَتَقْرِيرًا، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقَسَّمْ لَمْ يَقْضِ فِيمَا قُسِّمَ، فَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ.

стр. 4180

٢٩٦٢ - وَعَنْهُ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَرِكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ: رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ: " لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٩٦٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَرِكَةٍ» ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ: ذِي شَرِكَةٍ بِمَعْنَى مُشْتَرِكَةٍ (لَمْ تُقَسَّمْ) صِفَتُهَا (رَبْعَةٍ) بِفَتْحِ رَاءٍ فَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ: دَارٍ وَمَسْكَنٍ وَضَيْعَةٍ (أَوْ حَائِطٍ) أَيْ: بُسْتَانٍ، وَهُمَا بَدَلٌ مِنْ شَرِكَةٍ، وَقِيلَ هُمَا مَرْفُوعَانِ عَلَى أَنَّهُمَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هِيَ. فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا فِيمَا لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ، كَالْأَرَاضِي وَالدُّورِ وَالْبَسَاتِينِ دُونَ مَا يُمْكِنُ كَالْأَمْتِعَةِ وَالدَّوَابِّ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " قَالُوا: الْحِكْمَةُ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ إِزَالَةُ الضَّرَرِ عَنِ الشَّرِيكِ، وَخُصَّتْ بِالْعَقَارِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَا شُفْعَةَ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ وَسَائِرِ الْمَنْقُولَاتِ، وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا فِي عَقَارٍ مُتَحَمِّلٍ لِلْقِسْمَةِ بِخِلَافِ الْحَمَّامِ وَالرَّحَى وَنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ الشَّرِكَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِ بَلْ تَعُمُّ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَأَحْمَدُ: لَا شُفْعَةَ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ (" لَا يَحِلُّ لَهُ ") أَيْ: لِكُلِّ شَرِيكٍ (" أَنْ يَبِيعَ ") أَيْ: حِصَّتَهُ (" حَتَّى يُؤْذِنَ ") بِسُكُونِ الْهَمْزِ وَيُبْدَلُ، أَيْ: حَتَّى يُعْلِمَ (" شَرِيكَهُ ") فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ الْعَرْضِ عَلَى الشَّرِيكِ إِذَا أَرَادَ الْبَيْعَ (" فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ") أَيْ: أَعْطَاهُ غَيْرَهُ (" وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ") أَيْ: طَلَبَ الشُّفْعَةَ، قِيلَ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ بِدُونِ الْإِعْلَامِ بَاطِلٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ صَحِيحٌ لَكِنْ يَنْتَقِلُ مِنْ جَانِبِ الْمُشْتَرِي إِلَى الشَّفِيعِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (" فَإِذَا بَاعَ فَلَمْ يُؤْذِنْ فَهُوَ ") أَيْ: الشَّرِيكُ (" أَحَقُّ ") أَيْ: مِنَ الْمُشْتَرِي (" بِهِ ") أَيْ: بِأَخْذِ الْمَبِيعِ، وَأُجِيبَ عَنِ الْإِشْكَالِ: بِأَنَّ الْحَلَالَ هُنَا بِمَعْنَى الْمُبَاحُ، وَالْبَيْعَ الْمَذْكُورَ مَكْرُوهٌ، وَالْمَكْرُوهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ حَلَالًا بِهَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمُبَاحَ مَا يَسْتَوِي طَرَفَاهُ، وَالْمَكْرُوهَ رَاجِحُ التَّرْكِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " وَاخْتُلِفَ فِيمَا لَوْ أُعْلِمَ الشَّرِيكُ بِالْبَيْعِ فَأَذِنَ لَهُ، ثُمَّ أَرَادَ الشَّرِيكُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ وَغَيْرُهُمْ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: لَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 4181

٢٩٦٣ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٩٦٣ - (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ ") بِفَتْحَتَيْنِ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: " يَجُوزُ فَتْحُ الْقَافِ وَإِسْكَانُهَا، وَهُوَ الْقُرْبُ وَالْمُلَاصَقَةُ ". اه قِيلَ: " وَرُوِيَ بِالسِّينِ وَالصَّادِ أَيْضًا وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْقُرْبُ أَيْ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسَبَبِ قُرْبِهِ لِلشُّفْعَةِ مِنْ غَيْرِ الْجَارِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الشُّفْعَةَ لِلْخَبَرِ الْآتِي: الْجَارُ أَحَقُّ بِشَفُعَتِهِ، احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ بِالْخَبَرِ السَّابِقِ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ، وَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالْجَارِ الشَّرِيكُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الشُّفْعَةَ لِلشَّرِيكِ ثَابِتَةٌ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ اتِّفَاقًا وَلَوْ حُمِلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَيْهِ يَلْزَمُ الْإِعَادَةُ وَالْإِفَادَةُ خَيْرٌ مِنْهَا، وَيُحْمَلُ حَدِيثُ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ لَا شُفْعَةَ مِنْ جِهَةِ الْقِسْمَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مِمَّا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْمَعْنَى أَنَّ الْجَارَ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ إِذَا كَانَ جَارًا مُلَاصِقًا وَالْبَاءُ فِي " بِسَقَبِهِ " صِلَةُ " أَحَقُّ " لِأَنَّهُ لِلتَّسَبُّبِ، وَأُرِيدَ بِالسَّقَبِ السَّاقِبُ عَلَى مَعْنَى ذُو سَقَبٍ مِنْ دَارِهِ أَيْ: قُرْبِهِ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ قِيلَ: وَمَا سَقَبُهُ؟ قَالَ: " شُفْعَتُهُ» " قَالَ الْخَطَابِيُّ: " يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْبِرُّ وَالْمَعُونَةُ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا "، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: " وَيَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا سُلَيْمَانَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ جَدِيرًا بِهَذَا التَّعَسُّفِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّحَابِيِّ فِي قِصَّةٍ صَارَ الْبَيَانُ مُقْتَرِنًا بِهِ، وَلِهَذَا أَوْرَدَهُ عُلَمَاءُ النَّقْلِ فِي كُتُبِ الْأَحْكَامِ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ، وَأَوَّلُهُمْ وَأَفْضَلُهُمُ الْبُخَارِيُّ، ذَكَرَهُ بِقِصَّتِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ إِلَى آخِرِهِ اه. وَتَمَحَّلَ الطِّيبِيُّ فِي الْجَوَابِ بِالْعَسْفِ وَالْإِطْنَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» " بِالصَّادِّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، وَالْأَخِيرَانِ عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ أَيْضًا.

стр. 4182

٢٩٦٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٩٦٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَمْنَعْ ") بِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّهَا نَاهِيَةٌ، وَلِأَبِي ذَرٍّ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَلِأَحْمَدَ: " لَا يَمْنَعَنَّ " بِزِيَادَةِ نُونِ التَّوْكِيدِ، وَهِيَ تُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْجَزْمِ، رَوَاهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَالْمَعْنَى لَا يَمْنَعْ مُرُوءَةً وَنَدْبًا (" جَارٌ جَارَهُ ") أَيْ: إِذَا احْتَاجَ (" أَنْ يَغْرِزَ ") بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: يَضَعَ (" خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ") أَيْ: جِدَارِ دَارِهِ إِذَا لَمْ يَضُرُّهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ هَلْ هُوَ عَلَى النَّدْبِ إِلَى تَمْكِينِ الْجَارِ وَوَضْعِ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِ دَارِهِ، أَمْ عَلَى الْإِيجَابِ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ أَصَحُّهُمَا النَّدْبُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي الْإِيجَابُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ: " «مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ، وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ» "، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَوَقَّفُوا عَنِ الْعَمَلِ بِهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: " «فَنَكَّسُوا رُءُوسَهُمْ " فَقَالَ: " مَالِي أَرَاكُمْ أَعْرَضْتُمْ» ؟ أَيْ: عَنْ هَذِهِ السُّنَّةِ أَوِ الْخَصْلَةِ أَوِ الْمَوْعِظَةِ أَوِ الْكَلِمَاتِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ (لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ) أَقْضِي بِهَا وَأُصَرِّحُهَا وَأُوجِعُكُمْ بِالتَّقْرِيعِ بِهَا، كَمَا يُضْرَبُ الْإِنْسَانُ بِالشَّيْءِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ إِعْرَاضَهُمْ إِنَّمَا كَانُوا لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْهُ النَّدْبَ لَا الْإِيجَابَ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا أَطْبَقُوا عَلَى الْإِعْرَاضِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: " وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: لَأَرْمِيَنَّ بِهَا إِلَى الْخَشَبَةِ وَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْ إِلْزَامِهِمْ بِالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ أَيْ: لَا أَقُولُ: إِنَّ الْخَشَبَةَ تُرْمَى عَلَى الْجِدَارِ، بَلْ بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ لِمَا وَصَّى ﷺ بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ فِي حَقِّ الْجَارِ وَحَمْلِ أَثْقَالِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4183

٢٩٦٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٩٦٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ جُعِلَ عَرْضُهُ» ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: حُكِمَ بِجَعْلِ عَرْضِ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (" سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ") قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ سَبْعَ أَذْرُعٍ، وَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ لِأَنَّ الذِّرَاعَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ اه، قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: " هُوَ مِنِ الْمِرْفَقِ إِلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ، ثُمَّ سَمَّى بِهِ الْخَشَبَةَ الَّتِي يُزْرَعُ بِهَا مَجَازًا، وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَالتَّأْنِيثُ أَفْصَحُ "، قَالَ النَّوَوِيُّ: " أَمَّا قَدْرُ الطَّرِيقِ فَإِنْ جَعَلَ الرَّجُلُ بَعْضَ أَرْضِهِ الْمَمْلُوكَةِ طَرِيقًا مُسَبَّلَةً لِلْمَارِّينَ فَقَدْرُهَا إِلَى

стр. 4184

خِيَرَتِهِ، فَالْأَفْضَلُ تَوْسِيعُهَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ مُرَادَةً بِالْحَدِيثِ، فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ بَيْنَ أَرْضِ قَوْمٍ أَرَادُوا عِمَارَتَهَا، فَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ فَذَاكَ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ جُعِلَ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ وَهَذَا مُرَادُ الْحَدِيثِ، أَمَّا إِذَا وَجَدْنَا طَرَفًا مَسْلُوكًا وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، لَكِنَّ لَهُ عِمَارَةَ مَا حَوَالَيْهِ مِنَ الْمَوَاتِ وَيَمْلِكُهُ بِالْإِحْيَاءِ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ الْمَارِّينَ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَعْنَى الْإِرْفَاقِ، فَإِنْ كَانَتِ السِّكَّةُ غَيْرَ نَافِذَةٍ فَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا، فَلَا يَبْنِي فِيهَا وَلَا يُضَيَّقُ وَلَا يَفْتَحُ إِلَيْهَا بَابًا إِلَّا بِإِذْنِ جَمَاعَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ نَافِذَةً فَحَقُّ الْمَمَرِّ فِيهَا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِذَا بَنَى أَوْ قَعَدَ لِلْبَيْعِ فِي النَّافِذِ بِحَيْثُ يَبْقَى لِلْمَارَّةِ مِنْ عَرْضِ الطَّرِيقِ فَلَا يُمْنَعُ، لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ يُزِيلُ ضَرَرَ الْمَادَّةِ، وَكَذَا فِي أَرَاضِي الْقُرَى الَّتِي تُزْرَعُ إِذَا خَرَجُوا مِنْ حُدُودِ أَرَاضِيهِمْ إِلَى سَاحَتِهَا لَمْ يُمْنَعُوا إِذَا تَرَكُوا لِلْمَارَّةِ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، أَمَّا الطَّرِيقُ إِلَى الْبُيُوتِ الَّتِي يُقَسِّمُونَهَا فِي دَارٍ يَكُونُ مِنْهَا مَدْخَلُهُمْ، فَيُقَدَّرُ بِمِقْدَارٍ لَا يَضِيقُ عَنْ مَآرِبِهِمُ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهَا، كَمَمَرِّ السَّقَاءِ وَالْحَمَّالِ وَمَسْلَكِ الْجِنَازَةِ وَنَحْوِهَا اه. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمِقْدَارَ الْمُقَدَّرَ إِنَّمَا هُوَ بِنَاءٌ عَلَى الْغَالِبِ الْأَكْثَرِ، وَإِلَّا فَالْأَمْرُ مُخْتَلِفٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبُلْدَانِ وَالسُّكَّانِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي أَزِقَّةِ مَكَّةَ وَأَسْوَاقِهَا حَالَ مَوْسِمِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ بِلَفْظِ: «إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ نَقَلَ بِالْمَعْنَى لَفْظَ الْكِتَابِ، وَتَمَحَّلَ الطِّيبِيُّ فِي الْجَوَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 4185

الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٩٦٦ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ حُرَيْثٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ بَاعَ مِنْكُمْ دَارًا أَوْ عَقَارًا، قَمِنٌ أَنْ لَا يُبَارَكُ لَهُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مِثْلِهِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٩٦٦ - (عَنْ سَعِيدِ بْنِ حُرَيْثٍ) بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ، شَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَقَبْرُهُ بِهَا، وَقَالَ عَبْدُ الْبَرِّ: قَبْرُهُ بِالْجَزِيرَةِ وَلَا عَقِبَ لَهُ، رَوَى عَنْهُ أَخُوهُ عَمْرٌو (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ بَاعَ مِنْكُمْ دَارًا أَوْ عَقَارًا» ) ، وَهُوَ الضَّيْعَةُ أَوْ كُلُّ مَالٍ لَهُ أَصْلٌ مِنْ دَارٍ أَوْ ضَيْعَةٍ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، فَ " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ (" قَمِنٌ ") بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: جَدِيرٌ وَحَقِيقٌ (" أَنْ لَا يُبَارَكَ ") بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: لَا يَجْعَلَ الْبَرَكَةَ فِي ثَمَنِ مَبِيعِهِ (" لَهُ ") أَيْ: لِلْبَائِعِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (" إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ ") أَيْ: ثَمَنَ بَيْعِهِ (" فِي مِثْلِهِ ") أَيْ: مِثْلِ مَا ذُكِرَ مِنْ دَارٍ وَعَقَارٍ، قَالَ الْمُظْهِرُ: " يَعْنِي: بَيْعُ الْأَرَاضِي وَالدُّورِ وَصَرْفُ ثَمَنِهَا إِلَى الْمَنْقُولَاتِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، لِأَنَّهَا كَثِيرَةُ الْمَنَافِعِ قَلِيلَةُ الْآفَةِ لَا يَسْرِقُهَا سَارِقٌ وَلَا يَلْحَقُهَا غَارَةٌ بِخِلَافِ الْمَنْقُولَاتِ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا تُبَاعَ وَإِنْ بَاعَهَا فَالْأَوْلَى صَرْفُ ثَمَنِهَا إِلَى أَرْضٍ أَوْ دَارٍ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَالضِّيَاءُ عَنْ حُذَيْفَةَ بِلَفْظِ: «مَنْ بَاعَ دَارًا ثُمَّ لَمْ يَجْعَلْ ثَمَنَهَا فِي مِثْلِهَا لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهَا» ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ بِلَفْظِ: «مَنْ بَاعَ دَارًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَى ثَمَنِهَا تَلَفًا يُتْلِفُهُ» .

стр. 4186

٢٩٦٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢٩٦٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ» ") أَيْ: بِشُفْعَةِ جَارِهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (" يُنْتَظَرُ ") بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيِ: الْجَارُ (" بِهَا ") أَيْ: بِشَفْعَتِهِ (" وَإِنْ كَانَ غَائِبًا ") بِالْوَاوِ، فَ " إِنْ " وَصْلِيَّةٌ، وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِحَذْفِ الْوَاوِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الصَّحِيحَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: " بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ فِي التِّرْمِذِيِّ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَبِإِسْقَاطِهَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ " (" إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا ") أَيْ: طَرِيقُ الْجَارَيْنِ أَوِ الدَّارَيْنِ (" وَاحِدًا ") رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) وَقَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَتَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " يَخَافُ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْفُوظًا "، وَقَالَ الشَّيْخُ: " احْتَجَّ مَنْ يُثْبِتُ الشُّفْعَةَ فِي الْمَقْسُومِ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ مُشْتَرَكًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِقَوْلِهِ: فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الطَّرِيقُ فِي الْمُشَاعِ فَإِنَّ الطَّرِيقَ فِيهِ يَكُونُ شَائِعًا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَدْخُلُ مِنْ حَيْثُ يَشَاءُ، فَإِذَا قُسِّمَ الْعَقَارُ بَيْنَهُمْ مُنِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَطَرَّقَ شَيْئًا مِنْ حَقِّ صَاحِبِهِ فَيَصِيرُ الطَّرِيقُ فِي الْقِسْمَةِ مَصْرُوفًا "، قَالَ الْقَاضِي: " هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ سَلِمَ مِنَ الطَّعْنِ فَلَا يُعَارِضُ مَا ذَكَرْنَا فَضْلًا عَنْ أَنْ يُرَجِّحَ، وَمَعَ هَذَا فَهَؤُلَاءِ لَا يَقُولُونَ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا سَبَقَ ".

стр. 4187

٢٩٦٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الشَّرِيكُ شَفِيعٌ وَالشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: ــ ٢٩٦٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الشَّرِيكُ شَفِيعٌ، وَالشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ» ") أَيْ: مِنْ غَيْرِ الْمَنْقُولَاتِ، أَوْ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَحْتَمِلُ الشُّفْعَةَ، وَالْمَعْنَى فِي كُلِّ عَقَارٍ مُشْتَرَكٍ وَقَدْ مَضَى بَحْثُهُ، وَشَذَّ بَعْضٌ فَأَثْبَتَ الشُّفْعَةَ فِي الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانَاتِ أَيْضًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ) أَيِ: التِّرْمِذِيُّ.

стр. 4188

٢٩٦٩ - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، وَهُوَ أَصَحُّ. ــ ٢٩٦٩ - (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا وَهُوَ) أَيِ: الْإِرْسَالُ (أَصَحُّ) أَيْ: مِنْ الِاتِّصَالِ وَهُوَ لَا يَضُرُّ، لِأَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَإِذَا اعْتَضَدَ يَكُونُ حُجَّةً اتِّفَاقًا، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَعُلَمَائِهِمْ وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ.

стр. 4189

٢٩٧٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبَيْشٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: " هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ يَعْنِي: «مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً فِي فَلَاةٍ يَسْتَظِلُّ بِهَا ابْنُ السَّبِيلِ وَالْبَهَائِمُ غَشْمًا وَظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ يَكُونُ لَهُ فِيهَا ; صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ» ". ــ ٢٩٧٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبَيْشٍ ) بِالتَّصْغِيرِ وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ فِي هَامِشِ الْكِتَابِ: صَوَابُهُ حُبْشِيٌّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فَيَاءِ النِّسْبَةِ، وَهُوَ ذَلِكَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ، وَكَذَا فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِلْمُصَنِّفِ حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ وَقَالَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُبْشِيٍّ الْخَثْعَمِيُّ لَهُ رِوَايَةٌ، وَعِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ، سَكَنَ مَكَّةَ - شَرَّفَهَا اللَّهُ -، وَرَوَى عَنْهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ - مُصَغَّرَانِ -، وَغَيْرُهُ، وَفِي الْمُغْنِي: الْحُبْشِيُّ بِضَمِّ حَاءٍ وَسُكُونٍ

стр. 4190

مُوَحَّدَةٍ مَنْسُوبٌ إِلَى الْحُبْشِ حَيٍّ مِنَ الْيَمَنِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ قَطَعَ ") بِالتَّخْفِيفِ (" سِدْرَةً ") بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ: شَجَرَةً مِنْ شَجَرِ النَّبِقِ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (" صَوَّبَ اللَّهُ ") بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ: نَكَّسَ وَخَفَضَ (" رَأْسَهُ فِي النَّارِ ") قِيلَ: الْمُرَادُ سِدْرَةُ مَكَّةَ لِأَنَّهَا حَرَمٌ، وَقِيلَ: سِدْرَةُ الْمَدِينَةِ نَهَى عَنْ قَطْعِهَا لِيُسْتَظَلَّ بِهَا، وَلِئَلَّا يَتَوَحَّشَ مَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهَا أَنَّ ظِلَّهَا أَبْرَدُ مَنْ ظِلِّ غَيْرِهَا، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَا بَلْ عَامٌّ فِي كُلِّ شَجَرٍ يَسْتَظِلُّ بِهِ النَّاسُ وَالْبَهَائِمُ بِالْجُلُوسِ تَحْتَهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا الضِّيَاءُ (وَقَالَ) أَيْ: أَبُو دَاوُدَ (هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ) أَيْ: مَعْنًى فَمَعْنَاهُ مُوجَزٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ، وَلِذَا لَمْ يَقُلْ مُقْتَصِرًا (يَعْنِي: مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً فِي فَلَاةٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ: مَفَازَةٍ (يَسْتَظِلُّ بِهَا ابْنُ السَّبِيلِ) أَيْ: مُلَازِمُ الطَّرِيقِ وَهُوَ الْمُسَافِرُ (وَالْبَهَائِمُ) أَيْ: فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ (غَشْمًا) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ هُوَ الظُّلْمُ (وَظُلْمًا) عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَجَمَعَ بَيْنِهِمَا تَأْكِيدًا (بِغَيْرِ حَقٍّ يَكُونُ لَهُ فِيهَا) صِفَةُ حَقٍّ، وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ النَّفْعُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَظْلِمُ أَحَدٌ ظُلْمًا، وَيَكُونُ لَهُ فِيهِ نَفْعٌ وَهُنَا بِخِلَافِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] (صَوَّبَ اللَّهُ) أَيْ: أَلْقَى (رَأْسَهُ) أَيِ: ابْتَلَاهُ أَوْ رَمَاهُ بِرَأْسِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ بَدَنُهُ جَمِيعُهُ (فِي النَّارِ) .

стр. 4191

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٩٧١ - عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: «إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا وَلَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فَحْلِ النَّخْلِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٩٧١ - (عَنْ عُثْمَانِ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: «إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا» ) سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ (وَلَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: " لِمَا ثَبَتَ أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا فِي عَقَارٍ مُحْتَمِلٍ لِلْقِسْمَةِ " (وَلَا فَحْلِ النَّخْلِ) فِي النِّهَايَةِ: " فَحْلُ النَّخْلِ ذَكَرُهَا تُلَقَّحُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانَتْ لَهُمْ نَخِيلٌ فِي حَائِطٍ فَيَتَوَارَثُونَهَا وَيَقْتَسِمُونَهَا وَلَهُمْ فَحْلٌ يُلَقِّحُونَ مِنْهُ نَخِيلَهُمْ، فَإِذَا بَاعَ أَخَذَهُمْ نَصِيبَهُ الْمَقْسُومَ مِنْ ذَلِكَ الْحَائِطِ بِحُقُوقِهِ مِنَ الْفَحْلِ وَغَيْرِهِ فَلَا شُفْعَةَ لِلشُّرَكَاءِ فِي الْفَحْلِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ (رَوَاهُ مَالِكٌ) .

стр. 4192

[بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٩٧٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَطْرُ ثَمَرِهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَعْطَى خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا» . ــ (١٣) بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ الْمُسَاقَاةُ: هِيَ أَنْ يُعَامِلَ إِنْسَانًا عَلَى شَجَرَةٍ يَتَعَهَّدُهَا بِالسَّقْيِ وَالتَّرْبِيَةِ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ الثَّمَرَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا بِجُزْءٍ مُعَيَّنٍ، وَكَذَا الْمُزَارَعَةُ فِي الْأَرَاضِي. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٩٧٢ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ ﷺ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ) مَوْضِعٍ قُرِيبَ الْمَدِينَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ (نَخِيلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا) أَيْ: بَعْدَ مَا مَلَكَهَا قَهْرًا حَيْثُ فُتِحَتْ خَيْبَرُ عَنْوَةَ فَصَارَ أَهْلُهَا

стр. 4193

عَبِيدًا لَهُ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ أَهْلِهَا الْيَهُودِ مِنْهَا، وَالْتَمَسُوا مِنْهُ ﷺ أَنْ يُقِرَّهُمْ (عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا) أَيْ: يَسْعَوْا فِيهَا بِمَا فِيهِ عِمَارَةُ أَرْضِهَا وَإِصْلَاحِهَا، وَيَسْتَعْمِلُوا آلَاتِ الْعَمَلِ كُلَّهَا مِنَ الْفَأْسِ وَالْمِنْجَلِ وَغَيْرِهَا (مِنْ أَمْوَالِهِمْ) نِسْبَةٌ مَجَازِيَّةٌ (وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَطْرُ ثَمَرِهَا) أَيْ: نَصِفُهُ وَكَانَ الْمُرَادُ مِنَ الثَّمَرِ مَا يَعُمُّ الزَّرْعَ ; وَلِذَا اكْتَفَى بِهِ أَوْ تَرَكَ مَا يُقَابِلُهُ لِلْمُقَايَسَةِ فَقَالَ ﷺ : (نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ " فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ وَخِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ إِلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى أَرِيحَاءَ وَأَذْرَعَاتِ الشَّامِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . (وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا) أَيْ: عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا (وَيَزْرَعُوهَا) تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ (وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) أَيْ: مِنَ التَّمْرِ وَالزَّرْعِ، وَقِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ حِصَّةَ الْعَمَلِ وَسَكَتَ عَنْ حِصَّةِ نَفْسِهِ جَازَ وَلَوْ عَكَسَ، قِيلَ: يَجُوزُ قِيَاسًا عَلَى الْعَكْسِ، قَالَ الْقَاضِي: " لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنَعَ مِنَ الْمُسَاقَاةِ مُطْلَقًا غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَالدَّلِيْلُ عَلَى جَوَازِهَا فِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَشَاعَ عَنْهُ حَتَّى تَوَاتَرَ أَنَّهُ سَاقَى أَهْلَ خَيْبَرَ بِنَخِيلِهَا عَلَى الشَّطْرِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ. وَتَأْوِيلُهُ بِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا اسْتَعْمَلَهُمْ فِي ذَلِكَ بَدَلَ الْجِزْيَةِ، وَأَنَّ الشَّطْرَ الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِمْ كَانَ مِنْحَةً مِنْهُ ﷺ وَمَعُونَةً لَهُمْ عَلَى مَا كَلَّفَهُمْ بِهِ مِنَ الْعَمَلِ، بِعِيدٌ كَمَا تَرَى، أَقُولُ: التَّأْوِيلُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعِيدًا حَيْثُ يُرَى، وَإِنَّمَا يُلْجَأُ إِلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى مَا يُرْوَى، قَالَ: وَأَمَّا الْمُزَارَعَةُ وَهِيَ أَنْ تُسَلِّمَ الْأَرْضَ لِيَزْرَعَهَا بِبَذْرِ الْمَالِكِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الرُّبْعُ بَيْنَهُمَا مُسَاهَمَةً فَهِيَ عِنْدَنَا جَائِزَةٌ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ إِذَا كَانَ الْبَيَاضُ خِلَالَ النَّخْلِ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَوْ يَعْسُرُ إِفْرَازُهَا بِالْعَمَلِ كَمَا فِي خَيْبَرَ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا يَجُوزُ إِفْرَادُهَا ; لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَا كُنَّا نَرَى بِالْمُزَارَعَةِ بَأْسًا حَتَّى سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: " إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا "، وَمَنَعَ مِنْهَا مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - مُطْلَقًا، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَعُمْرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، وَمِنَ التَّابِعِينَ: كَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَطَاوُسٍ وَغَيْرِهِمْ، كَالزُّهْرِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - إِلَى جَوَازِهَا مُطْلَقًا ; لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمُسَاقَاةِ وَالْمُضَارَبَةِ اه. وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا قَالَ النَّوَوِيُّ: " فِي الْأَحَادِيثِ جَوَازُ الْمُسَاقَاةِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَتَأَوَّلَ الْأَحَادِيثَ بِأَنَّ خَيْبَرَ فُتِحَتَ عَنْوَةً فَمَا أَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ: " عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ "، وَبِقَوْلِهِ: " «أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ» " وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَبِيدًا، وَفِي كَوْنِهِ صَرِيحًا نَظَرٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي خَيْبَرَ هَلْ فُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، أَوْ بِجَلَاءِ أَهْلِهَا عَنْهَا بِغَيْرِ قِتَالٍ، أَوْ بَعْضُهَا صُلْحًا وَبَعْضُهَا عَنْوَةً وَبَعْضُهَا بِجَلَاءِ أَهْلِهَا؟ وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ اه فَيُحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ أَنَّ ذَلِكَ لِبَعْضِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْمُزَارَعَةُ غَيْرَ مَا أَخَذُوا عَنْوَةً، لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ مَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ. قَالَ: وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ إِلَى جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ إِذَا كَانَتْ لِلْمُسَاقَاةِ، وَلَا تَجُوزُ إِذَا كَانَتْ مُنْفَرِدَةً كَمَا جَرَى فِي خَيْبَرَ. وَقَالَ مَالِكٌ: " لَا تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ مُنْفَرِدَةً وَلَا تَبَعًا إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ بَيْنَ الشَّجَرِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - إِلَى أَنَّ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُسَاقَاةَ فَاسِدَتَانِ مُطْلَقًا، وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ مُجْتَمِعَتَيْنِ وَمُنْفَرِدَتَيْنِ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ لِحَدِيثِ خَيْبَرَ، وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَى كَوْنِ الْمُزَارَعَةِ فِي خَيْبَرَ إِنَّمَا جَاءَتْ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ، بَلْ جَاءَتْ مُسْتَقِلَّةً وَلِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزَ لِلْمُسَاقَاةِ مَوْجُودٌ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَقِيَاسًا عَلَى الْقِرَاضِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ كَالْمُزَارَعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ; وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ مُسْتَمِرُّونَ عَلَى الْعَمَلِ بِالْمُزَارَعَةِ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُخَابَرَةِ فَأُجِيبَ عَنْهَا: بِأَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا اشْتَرَطَ لِكُلِّ وَاحِدٍ قِطْعَةً مُعَيَّنَةً مِنَ الْأَرْضِ، وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ خُزَيْمَةَ كِتَابًا فِي جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَاسْتَقْصَى فِيهِ وَأَجَادَ وَأَجَابَ عَنْ أَحَادِيثِ النَّهْيِ اهـ كَلَامُهُمْ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَنَّهُ مَائِلٌ إِلَى جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ مُطْلَقًا كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.

стр. 4194

٢٩٧٣ - وَعَنْهُ قَالَ: «كُنَّا نُخَابِرُ وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى زَعَمَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا فَتَرَكْنَاهَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٩٧٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا) أَيْ: نُزَارِعُ، أَوْ نَقُولُ بِجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَنَعْتَقِدُ صِحَّتَهَا (حَتَّى زَعَمَ) أَيْ: قَالَ (رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ) شَهِدَ أُحُدًا وَأَكْثَرَ الْمَشَاهِدِ بَعْدَهَا (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا فَتَرَكْنَاهَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) أَيِ: النَّهْيِ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " لَا تَجُوزُ الْمُخَابَرَةُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْمُسَاقَاةِ، لِأَنَّ الْبَذْرَ فِي الْمُخَابَرَةِ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ فَالْمُزَارَعَةُ اكْتِرَاءُ الْعَامِلِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْمُخَابَرَةُ: اكْتِرَاءُ الْعَامِلِ الْأَرْضَ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ كَمَا سَبَقَ اه. قَالَ الشَّمَنِيُّ: " لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْمُزَارَعَةُ وَالْمُسَاقَاةُ لِأَنَّهَا مُخَابَرَةٌ يَعْنِي وَهِيَ مَنْهِيَّةٌ، وَأَمَّا مَا أَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ، فَإِنَّمَا هُوَ خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ بِطُرُقِ الْمَنِّ وَالصُّلْحِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمُ الْمُدَّةَ، وَالْمُزَارَعَةُ لَا تَجُوزُ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهَا إِلَّا بِبَيَانِ الْمُدَّةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: وَمِمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْضِ التَّمْرِ وَالْأَرْضِ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْجِزْيَةِ، أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَلَا أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَلَا عُمَرُ إِلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جِزْيَةً لَأَخَذَ مِنْهُمْ حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 4195

٢٩٧٤ - وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: " «أَخْبَرَنِي عَمَّايَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الْأَرْبَعَاءِ أَوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الْأَرْضِ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ، وَكَأَنَّ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٩٧٤ - (وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ) أَيْ: الزُّرَقِيِّ الْأَنْصَارِيِّ مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَتَابِعِيهِمْ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمَّايَ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ تَثْنِيَةُ الْعَمِّ مُضَافًا إِلَى يَاءِ الْإِضَافَةِ (أَنَّهُمْ) أَيِ: الصَّحَابَةَ أَوِ النَّاسَ أَوْ أَعْمَامَهُ (كَانُوا يُكْرُونَ) بِضَمِّ الْيَاءِ: يُؤَجِّرُونَ (الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) رَسُولِ اللَّهِ ( ﷺ " بِمَا يَنْبُتُ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (عَلَى الْأَرْبَعَاءِ) بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ مَمْدُودًا جَمْعِ رَبِيعٍ، وَهُوَ النَّهْرُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَسْقِي الْمَزَارِعَ، فَقَالَ: رَبِيعٌ وَأَرْبَعَاءُ وَأَرْبِعَةٌ كَنَصِيبٍ وَأَنْصِبَاءَ وَأَنْصِبَةٍ قَالَ الْقَاضِي ﵀: " مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهُ الْعَامِلُ بِبِذْرِهِ، وَيَكُونَ مَا يَنْبُتُ عَلَى أَطْرَافِ الْجَدَاوِلِ وَالسَّوَاقِي لِلْمُكْرِي أُجْرَةً لِأَرْضِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ يَكُونُ لِلْمُكْتَرِي فِي مُقَابَلَةِ بَذْرِهِ وَعَمَلِهِ (أَوْ بِشَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الْأَرْضِ) كَأَنْ يَقُولُ: مَا يَنْبُتُ فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ بِعَيْنِهَا فَهُوَ لِلْمُكْرِي، وَمَا يَنْبُتُ فِي غَيْرِهَا فَهُوَ لِلْمُكْتَرِي، (فَنَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ) وَلَعَلَّ الْمُقْتَضِي لِلنَّهْيِ مَا فِيهِ مِنَ الْخَطَرِ وَالْغَرَرِ إِذْ رُبَّمَا تَنْبُتُ الْقِطْعَةُ الْمُسَمَّاةُ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَيَفُوزُ صَاحِبُهَا بِكُلِّ مَا حَصَلَ وَيَضِيعُ حَقُّ الْآخَرِ بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ ثِمَارَ بَعْضِ النَّخِيلِ لِنَفْسِهِ وَبَعْضَهَا لِلْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ (فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ) أَيِ: الْمُخَابَرَةُ (بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ) إِذْ لَيْسَ فِيهِ خَطَرٌ (وَكَأَنَّ) بِالشَّدِيدِ (الَّذِي نُهِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَنْ ذَلِكَ مَا) أَيْ: هُوَ الَّذِي (لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ) بِوَاوَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الرِّوَايَةُ بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ كَذَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ذَوُو الْفَهْمِ بِوَاوَيْنِ أُرِيدَ بِهِ الْجَمْعُ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالَّذِي حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ (لَمْ يُجِيزُوهُ) وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ (ذُو الْفَهْمِ) بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِيَّةِ فِيهِ عُمُومٌ فَيُجِيزُ الضَّمِيرَ فِي لَمْ يُجِيزُوهُ اه وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي رِوَايَةِ [النَّسَفِيِّ وَابْنِ شَبُوَيْهِ] : ذُو الْفَهْمِ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ لِإِرَادَةِ الْجِنْسِ وَقَالَ: لَمْ يُجِزْهُ [لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ] أَيِ: الْغَرَرِ وَالتَّوَرُّطِ فِيمَا لَا يَحِلُّ لِكَوْنِ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مَجْهُولَةً، وَالْمُخَاطَرَةُ مِنَ الْخَطَرِ الَّذِي هُوَ الْإِشْرَافُ عَلَى الْهَلَاكِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ رَافِعٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أُدْرِجَتْ فِي حَدِيثِهِ، وَعَلَى هَذَا السِّيَاقِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لِي أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الرُّوَاةِ أَمْ مِنْ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اسْمُ كَانَ الْمَوْصُولُ مَعَ الصِّلَةِ وَخَبَرُهُ الْمَوْصُولُ الثَّانِي وَالْوَاوُ حَالٌ مِنْ خَبَرِ لَيْسَ، فَإِنَّ رَافِعًا لَمَّا اسْتُفْتِيَ عَنْ الِاكْتِرَاءِ بِالدِّرْهَمِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَصٌّ فِيهِ وَلَمْ يَرَ الْعِلَّةَ فِيهَا جَامِعَةً لِيُقَاسَ بِهَا بَيَّنَ بِقَوْلِهِ وَكَأَنَّ الَّذِي نُهِيَ إِلَخْ، وَلَوْ بِالدِّرْهَمِ إِلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ لَمْ يَرْتَبِطْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقَاضِي: وَالظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ رَافِعٍ وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الثَّانِي فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4196

٢٩٧٥ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: «كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلًا وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ؟ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ » -. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٩٧٥ - (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلًا) بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ قَافٍ، فِي الْمُغْرِبِ: " الْحَقْلُ الزَّرْعُ وَالْمُحَاقَلَةُ: بِيعُ الطَّعَامِ فِي سُنْبُلِهِ بِالْبُرِّ، وَقِيلَ: اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ، وَقِيلَ: الْمُزَارَعَةُ بِالثُّلْثِ وَالرُّبْعِ وَغَيْرِهِمَا وَقِيلَ: كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ (كَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ) أَيْ: أَحَدُنَا (هَذِهِ الْقِطْعَةُ) أَيْ: مَا يَخْرُجُ مِنْهَا (لِي وَهَذِهِ لَكَ) أَيْ: بِعَمَلِكَ (فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ) بِسُكُونِ الْهَاءِ وَبِإِشْبَاعِهَا قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " إِشَارَةٌ إِلَى الْقِطْعَةِ مِنَ الْأَرْضِ وَهِيَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ الَّتِي يُشَارُ بِهَا إِلَى الْمُؤَنَّثِ يُقَالُ ذِي وَذِهْ وَالْهَاءُ سَاكِنَةٌ، هَذَا قَوْلُ رَافِعٍ، بَيَانٌ لِعَدَمِ الْجَوَازِ لِحُصُولِ الْمُخَاطَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، يَعْنِي فَرُبَّمَا تُخْرِجُ هَذِهِ الْقِطْعَةُ الْمُسْتَثْنَاةُ وَلَمْ تُخْرِجْ سِوَاهَا أَوْ بِالْعَكْسِ فَيَفُوزُ صَاحِبُ هَذِهِ بِكُلِّ مَا حَصَلَ وَيَضِيعُ الْآخَرُ بِالْكُلِّيَّةِ (فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ: لِلْغَرَرِ الْمُتَضَمِّنِ لِلضَّرَرِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4197

٢٩٧٦ - وَعَنْ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ لِطَاوُسٍ، لَوْ تُرِكَتِ الْمُخَابَرَةُ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ قَالَ أَيْ: عَمْرٌو: إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأُعِينُهُمْ وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أَخْبَرَنِي - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَقَالَ: «إِنْ يَمْنَحْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٩٧٦ - (وَعَنْ عَمْرٍو) قِيلَ: هُوَ ابْنُ دِينَارٍ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: " عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى، رَوَى عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ الْحَمَّادَانِ وَمُعْتَمِرٌ، وَعِدَّةٌ ضَعَّفُوهُ، وَعَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ هُوَ الدِّمَشْقِيُّ رَوَى عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَعِدَّةٍ، وَعَنْهُ النُّفَيْلِيُّ وَهُشَامُ بْنُ عَمَّارٍ تَرَكُوهُ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَأَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يَلْقَهُ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي كِبَارِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَعَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ قُلْتُ: لِطَاوُسٍ لَوْ تُرِكَتِ الْمُخَابَرَةُ) أَيْ: لَكَانَ حَسَنًا أَوْ لَوْ لِلتَّمَنِّي (فَإِنَّهُمْ) أَيْ: عَامَّةَ النَّاسِ (يَزْعُمُونَ) أَيْ: يَقُولُونَ وَيَظُنُّونَ وَلَا يَتَيَقَّنُونَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُخَابَرَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الزَّرْعِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ (قَالَ) أَيْ: طَاوُسٌ (أَيْ عَمْرُو) أَيْ: يَا عَمْرُو (إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأُعِينُهُمْ) مِنِ الْإِعَانَةِ (وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ) أَيْ: أَعْلَمَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالصَّحَابَةِ الَّذِينَ فِي زَمَنِهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: " الضَّمِيرُ فِي أَعْلَمِهِمْ إِلَى مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ الضَّمِيرُ فِي يَزْعُمُونَ وَهُمْ جَمَاعَةٌ ذَهَبُوا إِلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ طَاوُسٌ مِنْ فِعْلِ الْمُخَابَرَةِ وَلِذَلِكَ أَتَى بِلَفْظِ الزَّعْمِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ عِلْمًا (أَخْبَرَنِي يَعْنِي) يَعْنِي يُرِيدُ طَاوُسٌ بِأَعْلَمِهِمْ (ابْنَ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ رَافِعٍ (وَلَكِنْ قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (أَنْ يَمْنَحَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ عَلَى أَنَّهَا تَعْلِيلِيَّةٌ وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَوَّلَ مَصْدَرِيَّةٌ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَائِيَّةِ، وَيَمْنَحَ بِفَتْحَتَيْنِ وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ وَالْفَاعِلُ قَوْلُهُ (أَحَدُكُمْ) وَالْمَعْنَى إِعْطَاءُ أَحَدِكُمْ أَرْضَهُ (أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا أَيْ أَجْرًا (مَعْلُومًا) لِاحْتِمَالِ أَنْ تُمْسِكَ السَّمَاءُ مَطَرَهَا أَوِ الْأَرْضُ رِيحَهَا فَيَذْهَبَ مَالُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: " أَحَادِيثُ الْمُزَارَعَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْمُؤَلِّفُ وَمَا يَثْبُتُ مِنْهَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ فِي ظَوَاهِرِهَا تَبَايُنٌ وَاخْتِلَافٌ، وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي الْوَجْهِ الْجَامِعِ بَيْنَهَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ سَمِعَ أَحَادِيثَ فِي النَّهْيِ وَعِلَلُهَا مُتَنَوِّعَةٌ فَنَظَمَ سَائِرَهَا فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ فَلِهَذَا مَرَّةً يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَتَارَةً يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُمُومَتِي وَأُخْرَى وَأَخْبَرَنِي عَمَّايَ، وَالْعِلَّةُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا فَاسِدَةً، وَيَتَعَامَلُونَ عَلَى أُجْرَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ فَنُهُوا عَنْهَا، وَفِي الْبَعْضِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَازَعُونَ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ حَتَّى أَفْضَى بِهِمْ إِلَى التَّقَابُلِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ» "، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي حَدِيثِهِ، وَفِي الْبَعْضِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْلِمُ خَرْجًا مَعْلُومًا مِنْ أَخِيهِ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ تُمْسِكُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا أَوْ تُخْلِفُ الْأَرْضُ رَيْعَهَا فَيَذْهَبُ مَالُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ ; فَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ التَّنَافُرُ وَالْبَغْضَاءُ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَنَا ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا» " الْحَدِيثَ، وَذَلِكَ مِنْ طُرُقِ الْمُرُوءَةِ وَالْمُوَاسَاةِ، وَفِي الْبَعْضِ أَنَّهُ كَرِهَ لَهُمُ الِافْتِتَانَ بِالْحِرَاثَةِ وَالْحِرْصَ عَلَيْهَا وَالتَّفَرُّغَ لَهَا فَتُقْعِدُهُمْ عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَتُفَوِّتُهُمُ الْحَظَّ عَلَى الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ الِاضْطِرَابُ الْمَرْوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لِمَا فِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مِنْ الِاضْطِرَابِ ; مَرَّةً يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَرَّةً يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُمُومَتِي لَا عَلَى الِاضْطِرَابِ الْمُصْطَلَحِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّعْفِ، وَجُلُّ جَنَابِ الشَّيْخَيْنِ أَنْ يُورِدَا فِي الْكِتَابَيْنِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ شَيْئًا.

стр. 4198

٢٩٧٧ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٩٧٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ) ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا» ) أَمْرُ إِبَاحَةٍ أَيْ: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا بِأَنْ يَزْرَعَهَا (أَوْ لِيَمْنَحْهَا) أَيْ: لِيُعْطِهَا مَجَّانًا (أَخَاهُ) أَيْ: لِيَزْرَعَهَا هُوَ لِنَفْسِهِ (فَإِنْ أَبَى) أَيْ: صَاحِبُ الْأَرْضِ عَنِ الْأَمْرَيْنِ (فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ) فَالْأَمْرُ لِلتَّوْبِيخِ أَوِ التَّهْدِيدِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَإِنْ أَبَى أَخُوهُ عَنْ قَبُولِ الْعَارِيَةِ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ فَالْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَا تَقْصِيرَ لَهُ فِيهِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: " يَعْنِي يَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لِلْإِنْسَانِ نَفْعٌ مِنْ مَالِهِ فَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَيَزْرَعُهَا حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ نَفْعٌ مِنْهَا أَوْ لِيُعْطِهَا أَخَاهُ لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ وَهَذَا تَوْبِيخٌ لِمَنْ لَهُ مَالٌ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ نَفْعٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " بَلْ هُوَ تَوْبِيخٌ عَلَى الْعُدُولِ عَنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ إِلَى الثَّالِثِ مِنَ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَنَحْوِهِمَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: " جَوَّزَ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ الْإِجَارَةَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَنَحْوِهِمَا وَتَأَوَّلُوا أَحَادِيثَ النَّهْيِ تَأْوِيلَيْنِ أَحَدُهُمَا إِجَارَتُهَا بِمَا يَزْرَعُ عَلَى الْمَاذِيَّانَاتِ وَهِيَ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقَ وَهِيَ مَسَايِلُ الْمَاءِ وَقِيلَ: مَا يَنْبُتُ عَلَى حَافَّتَيِ الْمَسِيلِ وَالسَّوَاقِي وَهِيَ مُعَرَّبَةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4199

٢٩٧٨ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: «وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ الذُّلَّ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٩٧٨ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: وَرَأَى سِكَّةً) الْوَاوُ لِلْحَالِ وَالسِّكَّةُ بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ الْحَدِيدَةُ الَّتِي تُشَقُّ وَتُحْرَثُ بِهَا الْأَرْضُ (وَشَيْئًا) أَيْ آخَرَ (مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ النَّبِيَّ ( ﷺ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ هَذَا) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ آلَةِ الْحَرْثِ (بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ) أَيِ: اللَّهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (الذُّلَّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيِ: الْمَذَلَّةَ بِأَدَاءِ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ، وَالْمَقْصُودُ التَّرْغِيبُ وَالْحَثُّ عَلَى الْجِهَادِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: " وَإِنَّمَا جَعَلَ آلَةَ الْحَرْثِ مَذَلَّةً لِلذُّلِّ لِأَنَّ أَصْحَابَهَا يَخْتَارُونَ ذَلِكَ إِمَّا بِالْجُبْنِ فِي النَّفْسِ، أَوْ قُصُورٍ فِي الْهِمَّةِ، ثُمَّ إِنَّ أَكْثَرَهُمْ مَلْزُومُونَ بِالْحُقُوقِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ، وَلَوْ آثَرُوا الْخَرَاجَ لَدَرَّتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ وَاتَّسَعَتْ عَلَيْهِمُ الْمَذَاهِبُ، وَجَبَى لَهُمُ الْأَمْوَالَ مَكَانَ مَا يُجْبَى عَنْهُمْ. قِيلَ: قَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى حَدِيثُ " «الْعِزُّ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ وَالذُّلُّ فِي أَذْنَابِ الْبَقَرِ» "، وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ: " ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الزِّرَاعَةَ تُورِثُ الْمَذَلَّةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الزِّرَاعَةَ مُسْتَحَبَّةٌ لِأَنَّ فِيهَا نَفْعًا لِلنَّاسِ، وَلِخَبَرِ: «اطْلُبُوا الْأَرْضَ مِنْ جَثَايَاهَا» ; بَلْ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ الصَّحَابَةُ بِالْعِمَارَاتِ وَبِتَرْكِ الْجِهَادِ فَيَغْلِبَ عَلَيْهِمُ الْكُفَّارُ. وَأَيُّ ذُلٍّ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: هَذَا فِي حَقِّ مَنْ يُقَرِّبُ الْعَدُوَّ لِأَنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِالْحَرْثِ وَتَرَكَ الْجِهَادَ لَأَدَّى إِلَى الْإِذْلَالِ بِغَلَبَةِ الْعَدُوِّ عَلَيْهِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 4200

٢٩٧٩ - (الْفَصْلُ الثَّانِي) عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢٩٧٩ - (الْفَصْلُ الثَّانِي) (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ» ") أَيْ: أَمْرِهِمْ وَرِضَاهُمْ (فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ) يَعْنِي مَا حَصَلَ مِنَ الزَّرْعِ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ إِلَّا بَذْرُهُ، إِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا حَصَلَ مِنَ الزَّرْعِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ نُقْصَانُ الْأَرْضِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ مِنْ يَوْمِ غَصْبِهَا إِلَى يَوْمِ تَفْرِيغِهَا، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُظَّهَرُ (وَلَهُ نَفَقَتُهُ) أُجْرَةُ عَمَلِهِ، وَقِيلَ: خَرْجُهُ بَعْدَ الْحَاصِلِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " هَذَا حَدِيثٌ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَيُحْكَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ زَادَ أَبُو إِسْحَاقَ: " بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ "، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرُهُ هَذَا الْحَرْفَ، وَأَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: " إِذَا زَرَعَ الزَّارِعُ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَلِلزَّارِعِ الْأُجْرَةُ ".

стр. 4201

٢٩٨٠ - (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمُ، وَعُرْوَةُ، وَآلُ بَكْرٍ، وَآلُ عُمَرَ، وَآلُ عَلِيٍّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ، وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى: إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ. كَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٩٨٠ - (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) أَيِ: الْجَدَلِيِّ بِفَتْحَتَيْنِ، الْكُوفِيِّ، رَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ، مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ) أَيْ: مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ لِأَنَّهُ تَبَقَّرَ فِي الْعِلْمِ أَيْ: تَوَسَّعَ، سَمِعَ أَبَاهُ زَيْنَ الْعَابِدِينَ وَجَابِرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ وَغَيْرُهُ (قَالَ) أَيْ: أَبُو جَعْفَرٍ (مَا بِالْمَدِينَةِ) أَيْ: لَيْسَ بِهَا (أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ) أَيْ: إِلَّا أَنَّهُمْ يُزَارِعُونَ (عَلَى الثُّلُثِ) بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي وَكَذَا قَوْلُهُ (وَالرُّبُعِ) وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ ثُمَّ خَصَّ بَعْضَهُمْ بَعْدَ التَّعْمِيمِ بِقَوْلِهِ (وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) مِنْ خِيَارِ التَّابِعِينَ (وَالْقَاسِمُ) أَيِ: ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ (وَعُرْوَةُ) أَيِ ابْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ وَأَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ بِالْمَدِينَةِ (وَآلُ أَبِي بَكْرٍ) تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ) بِالرَّفْعِ وَهُوَ مِنْ فُضَلَاءِ التَّابِعِينَ (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ) أَيِ: الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ الْحِجَازِيُّ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ مِنْ تَابِعِيِّ الْمَدِينَةِ وَثِقَاتِهِمْ عَزِيزُ الْحَدِيثِ (كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) أَيِ: الْأَسْلَمِيَّ الْمَدَنِيَّ ضَعَّفُوهُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّابِعِينَ (فِي الزَّرْعِ) أَيْ: بِالْمُزَارَعَةِ (وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ) أَيْ: عَامَلَهُمْ بِالْمُزَارَعَةِ أَيْضًا (عَلَى إِنْ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ) أَيْ: نِصْفُ الْحَاصِلِ (وَإِنْ جَاءُوا) أَيِ: النَّاسُ (بِالْبَذْرِ) أَيْ: مِنْ عِنْدِهِمْ (فَلَهُمْ كَذَا) أَيِ: الشَّطْرُ أَوْ نَحْوُهُ، وَكَذَا كِنَايَةٌ عَنْ مِقْدَارٍ مَعْرُوفٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ عَلَى أَنْ جَاءَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ عَامَلَ، وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مَجْرُورَةُ الْمَحَلِّ عَلَى الْحِكَايَةِ أَيْ: عَامَلَهُمْ بِنَاءً عَلَى هَذَا الشَّرْطِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مَيْرَكُ شَاهْ ﵀: " الْمَفْهُومُ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَشُرُوحِهِ أَنَّ كَلَامَ أَبِي جَعْفَرٍ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ " وَالرُّبُعِ "، وَالْبَاقِي مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ وَكُلُّ هَذِهِ الْآثَارِ مُعَلَّقَاتٌ أَوْرَدَهَا الْبُخَارِيُّ بِلَا إِسْنَادٍ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.

стр. 4202

[بَابُ الْإِجَارَةِ] ٢٩٨١ - (بَابُ الْإِجَارَةِ) (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: زَعَمَ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ (بَابُ الْإِجَارَةِ) بِالْكَسْرِ فَدَكَى ضَمَّهَا وَهِيَ لُغَةً الْإِثَابَةُ، يُقَالُ: آجَرْتُهُ بِالْمَدِّ، وَغَيْرِ الْمَدِّ إِذَا أَثْبَتَهُ، ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَفِي الْمُغْرِبِ: " الْإِجَارَةُ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ شَرْعًا، وَفِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلْأُجْرَةِ وَهِيَ كِرَاءُ الْأَجِيرِ وَقَدْ أَجَرَهُ إِذَا أَعْطَاهُ أَجْرَتَهُ. ٢٩٨١ - (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ قَافٍ، وَنُسِبَ إِلَى شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ: الْمُسَمَّى بِعُقَلَ عِدَّةٌ، وَبِمُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ عَلَى وَزْنِ مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ الصَّحَابِيُّ فَرْدٌ، قُلْتُ: وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَرَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنُهُ اه وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ إِلَّا الْمُزَنِيَّ، وَقَالَ: كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ سَكَنَ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَ أَحَدَ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ عُمَرُ إِلَى الْبَصْرَةِ يُفَقِّهُونَ النَّاسَ، وَمَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ سَنَتَيْنِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَالَ: مَا نَزَلَ الْبَصْرَةَ أَشْرَفُ مِنْهُ (قَالَ: زَعَمَ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ) بِتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَبُو يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَهُوَ صَغِيرٌ وَمَاتَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ» ) بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّعْرِيفُ فِيهِمَا لِلْعَهْدِ فَالْمَعْنَى بِالْمُزَارَعَةِ مَا عُلِمَ عَدَمُ جَوَازِهِ وَبِالْمُؤَاجَرَةِ عَكْسُ ذَلِكَ (وَقَالَ) أَيْ: ثَابِتٌ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ (لَا بَأْسَ بِهَا) أَيْ بِالْمُؤَاجَرَةِ الْمَعْرُوفَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَى أَحْمَدُ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ.

стр. 4203

٢٩٨٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ، فَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَاسْتَعَطَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٩٨٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ فَأَعْطَى الْحَجَّامَ» ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ (أَجْرَهُ) دَلَّ عَلَى إِبَاحَةِ إِجَارَةِ الْحِجَامَةِ (وَاسْتَعَطَ) بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ أَدْخَلَ فِي أَنْفِهِ الدَّوَاءَ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ السَّعُوطُ بِالْفَتْحِ الدَّوَاءُ يُصَبُّ فِي الْأَنْفِ، يُقَالُ: أَسَعَطْتُ الرَّجُلَ وَاسْتَعَطَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَلَا يُقَالُ اسْتُعِطَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَفِيهِ صِحَّةُ الِاسْتِئْجَارِ وَجَوَازُ الْمُدَاوَاةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4204

٢٩٨٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَى عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٩٨٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ» ) قَالَ الْمُظْهِرُ: عِلَّةُ رَعْيِهِمُ الْغَنَمَ أَنَّهُمْ إِذَا خَالَطُوا الْغَنَمَ زَادَ لَهُمُ الْحِلْمُ وَالشَّفَقَةُ، فَإِنَّهُمْ إِذَا صَبَرُوا عَلَى مَشَقَّةِ رَعْيِهَا وَدَفَعُوا عَنْهَا السُّبُعَ الضَّارِيَةَ وَالْيَدَ الْخَاطِفَةَ وَعَلِمُوا اخْتِلَافَ طِبَاعِهَا وَعَلَى جَمْعِهَا مَعَ تَفَرُّقِهَا فِي الْمَرْعَى وَالْمَشْرَبِ وَعَرَفُوا ضَعْفَهَا وَاحْتِيَاجَهَا إِلَى النَّقْلِ مِنْ مَرْعًى إِلَى مَرْعًى وَمِنْ مَسْرَحٍ إِلَى مَسْرَحٍ عَرَفُوا مُخَالَطَةَ النَّاسِ مَعَ اخْتِلَافِ أَصْنَافِهِمْ وَطِبَاعِهِمْ وَقِلَّةِ عُقُولِ بَعْضِهِمْ، وَرَزَانَتَهَا فَصَبَرُوا عَلَى لُحُوقِ الْمَشَقَّةِ مِنَ الْأُمَّةِ إِلَيْهِمْ، فَلَا تَنْفِرُ طِبَاعُهُمْ وَلَا تَمَلُّ نُفُوسُهُمْ بِدَعْوَتِهِمْ إِلَى الدِّينِ لِاعْتِيَادِهِمُ الضَّرَرَ وَالْمَشَقَّةَ وَعَلَى هَذَا شَأْنُ السُّلْطَانِ مَعَ الرَّعِيَّةِ (فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟) أَيْ رَعَيْتَ أَيْضًا؟ (فَقَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَى عَلَى قَرَارِيطَ) جَمْعُ قِيرَاطٍ وَهُوَ نِصْفُ دَانَقٍ وَهُوَ سُدُسُ دِرْهَمٍ (لِأَهْلِ مَكَّةَ) أَيِ اسْتَأْجَرَنِي أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى رَعْيِ الْغَنَمِ كُلَّ يَوْمٍ بِقِيرَاطٍ، وَذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ أَرَادَ قِسْطَ الشَّهْرِ مِنْ أُجْرَةِ الرَّعْيِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَبْلُغُ الدِّينَارَ أَوْ لَمْ يَرَ أَنْ يُذَكَرَ مِقْدَارُهَا اسْتِهَانَةً بِالْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ أَوْ لِأَنَّهُ نَسِيَ الْكَمِّيَّةَ فِيهَا، وَعَلَى الْأَحْوَالِ فَإِنَّهُ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى وَتَصْرِيحًا بِمِنَنِهِ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَفِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ لِابْنِ الْمَلَكِ فِيهِ اسْتِئْجَارُ الْأَحْرَارِ. وَمَنْ قَالَ: الْقَرَارِيطُ مَوْضِعٌ بِمَكَّةَ " وَعَلَى " بِمَعْنَى " فِي " لِاسْتِعْظَامِهِ أَنْ يَأْخُذَ النَّبِيُّ ﷺ أُجْرَةً عَلَى عَمَلِهِ فَقَدْ تَعَسَّفَ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِنَّمَا يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ فِيمَا يَعْمَلُونَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، لَا لِأَنْفُسِهِمْ، عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ فَعَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ لَا يَتَّجِهُ إِيرَادُهُ فِي هَذَا الْبَابِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 4205

٢٩٨٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٩٨٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: أَبِي هُرَيْرَةَ: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ) أَيْ رِجَالٌ أَوْ أَشْخَاصٌ (أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْخَصْمُ مَصْدَرُ خَصَمْتُهُ أَخْصِمُهُ: نَعْتٌ فِي لِلْمُبَالَغَةِ كَالْعَدْلِ، زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ أَيْ: غَلَبْتُهُ فِي الْخُصُومَةِ (رَجُلٌ أَعْطَى بِي) أَيْ عَهِدَ بِاسْمِي وَحَلَفَ بِي أَوْ أَعْطَى الْأَمَانَ بِاسْمِي أَوْ بِمَا شَرَعْتُهُ مِنْ دِينِي (ثُمَّ غَدَرَ) أَيْ: نَقَضَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَهُوَ قَرِينٌ لِخُصُوصِيَّةِ الْإِعْطَاءِ بِالْعَهْدِ فَقَوْلُهُ بِي حَالٌ أَيْ: مَوْثِقًا بِي لِأَنَّ الْعَهْدَ مِمَّا يُوثَقُ بِهِ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] ، (وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ) زِيدَ هَذَا الْقَيْدُ لِمَزِيدِ التَّوْبِيخِ (وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ) أَيْ: مَا أَرَادَ بِهِ مِنَ الْعَمَلِ أَتَى بِهِ تَهَجِينًا لِلْأَمْرِ وَزِيَادَةً لِلتَّقْرِيعِ (وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَيْ لَمْ يُعْطَهِ أَجْرَهُ وَافِيًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
следующие страницы →