← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

٢٩٨٠ - (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمُ، وَعُرْوَةُ، وَآلُ بَكْرٍ، وَآلُ عُمَرَ، وَآلُ عَلِيٍّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ، وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى: إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ. كَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٩٨٠ - (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) أَيِ: الْجَدَلِيِّ بِفَتْحَتَيْنِ، الْكُوفِيِّ، رَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ، مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ) أَيْ: مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ لِأَنَّهُ تَبَقَّرَ فِي الْعِلْمِ أَيْ: تَوَسَّعَ، سَمِعَ أَبَاهُ زَيْنَ الْعَابِدِينَ وَجَابِرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ وَغَيْرُهُ (قَالَ) أَيْ: أَبُو جَعْفَرٍ (مَا بِالْمَدِينَةِ) أَيْ: لَيْسَ بِهَا (أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ) أَيْ: إِلَّا أَنَّهُمْ يُزَارِعُونَ (عَلَى الثُّلُثِ) بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي وَكَذَا قَوْلُهُ (وَالرُّبُعِ) وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ ثُمَّ خَصَّ بَعْضَهُمْ بَعْدَ التَّعْمِيمِ بِقَوْلِهِ (وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) مِنْ خِيَارِ التَّابِعِينَ (وَالْقَاسِمُ) أَيِ: ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ (وَعُرْوَةُ) أَيِ ابْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ وَأَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ بِالْمَدِينَةِ (وَآلُ أَبِي بَكْرٍ) تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ) بِالرَّفْعِ وَهُوَ مِنْ فُضَلَاءِ التَّابِعِينَ (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ) أَيِ: الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ الْحِجَازِيُّ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ مِنْ تَابِعِيِّ الْمَدِينَةِ وَثِقَاتِهِمْ عَزِيزُ الْحَدِيثِ (كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) أَيِ: الْأَسْلَمِيَّ الْمَدَنِيَّ ضَعَّفُوهُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّابِعِينَ (فِي الزَّرْعِ) أَيْ: بِالْمُزَارَعَةِ (وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ) أَيْ: عَامَلَهُمْ بِالْمُزَارَعَةِ أَيْضًا (عَلَى إِنْ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ) أَيْ: نِصْفُ الْحَاصِلِ (وَإِنْ جَاءُوا) أَيِ: النَّاسُ (بِالْبَذْرِ) أَيْ: مِنْ عِنْدِهِمْ (فَلَهُمْ كَذَا) أَيِ: الشَّطْرُ أَوْ نَحْوُهُ، وَكَذَا كِنَايَةٌ عَنْ مِقْدَارٍ مَعْرُوفٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ عَلَى أَنْ جَاءَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ عَامَلَ، وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مَجْرُورَةُ الْمَحَلِّ عَلَى الْحِكَايَةِ أَيْ: عَامَلَهُمْ بِنَاءً عَلَى هَذَا الشَّرْطِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مَيْرَكُ شَاهْ ﵀: " الْمَفْهُومُ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَشُرُوحِهِ أَنَّ كَلَامَ أَبِي جَعْفَرٍ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ " وَالرُّبُعِ "، وَالْبَاقِي مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ وَكُلُّ هَذِهِ الْآثَارِ مُعَلَّقَاتٌ أَوْرَدَهَا الْبُخَارِيُّ بِلَا إِسْنَادٍ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.

стр. 4202

[بَابُ الْإِجَارَةِ] ٢٩٨١ - (بَابُ الْإِجَارَةِ) (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: زَعَمَ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ (بَابُ الْإِجَارَةِ) بِالْكَسْرِ فَدَكَى ضَمَّهَا وَهِيَ لُغَةً الْإِثَابَةُ، يُقَالُ: آجَرْتُهُ بِالْمَدِّ، وَغَيْرِ الْمَدِّ إِذَا أَثْبَتَهُ، ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَفِي الْمُغْرِبِ: " الْإِجَارَةُ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ شَرْعًا، وَفِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلْأُجْرَةِ وَهِيَ كِرَاءُ الْأَجِيرِ وَقَدْ أَجَرَهُ إِذَا أَعْطَاهُ أَجْرَتَهُ. ٢٩٨١ - (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ قَافٍ، وَنُسِبَ إِلَى شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ: الْمُسَمَّى بِعُقَلَ عِدَّةٌ، وَبِمُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ عَلَى وَزْنِ مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ الصَّحَابِيُّ فَرْدٌ، قُلْتُ: وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَرَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنُهُ اه وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ إِلَّا الْمُزَنِيَّ، وَقَالَ: كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ سَكَنَ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَ أَحَدَ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ عُمَرُ إِلَى الْبَصْرَةِ يُفَقِّهُونَ النَّاسَ، وَمَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ سَنَتَيْنِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَالَ: مَا نَزَلَ الْبَصْرَةَ أَشْرَفُ مِنْهُ (قَالَ: زَعَمَ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ) بِتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَبُو يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَهُوَ صَغِيرٌ وَمَاتَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ» ) بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّعْرِيفُ فِيهِمَا لِلْعَهْدِ فَالْمَعْنَى بِالْمُزَارَعَةِ مَا عُلِمَ عَدَمُ جَوَازِهِ وَبِالْمُؤَاجَرَةِ عَكْسُ ذَلِكَ (وَقَالَ) أَيْ: ثَابِتٌ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ (لَا بَأْسَ بِهَا) أَيْ بِالْمُؤَاجَرَةِ الْمَعْرُوفَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَى أَحْمَدُ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ.

стр. 4203

٢٩٨٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ، فَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَاسْتَعَطَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٩٨٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ فَأَعْطَى الْحَجَّامَ» ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ (أَجْرَهُ) دَلَّ عَلَى إِبَاحَةِ إِجَارَةِ الْحِجَامَةِ (وَاسْتَعَطَ) بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ أَدْخَلَ فِي أَنْفِهِ الدَّوَاءَ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ السَّعُوطُ بِالْفَتْحِ الدَّوَاءُ يُصَبُّ فِي الْأَنْفِ، يُقَالُ: أَسَعَطْتُ الرَّجُلَ وَاسْتَعَطَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَلَا يُقَالُ اسْتُعِطَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَفِيهِ صِحَّةُ الِاسْتِئْجَارِ وَجَوَازُ الْمُدَاوَاةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4204

٢٩٨٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَى عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٩٨٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ» ) قَالَ الْمُظْهِرُ: عِلَّةُ رَعْيِهِمُ الْغَنَمَ أَنَّهُمْ إِذَا خَالَطُوا الْغَنَمَ زَادَ لَهُمُ الْحِلْمُ وَالشَّفَقَةُ، فَإِنَّهُمْ إِذَا صَبَرُوا عَلَى مَشَقَّةِ رَعْيِهَا وَدَفَعُوا عَنْهَا السُّبُعَ الضَّارِيَةَ وَالْيَدَ الْخَاطِفَةَ وَعَلِمُوا اخْتِلَافَ طِبَاعِهَا وَعَلَى جَمْعِهَا مَعَ تَفَرُّقِهَا فِي الْمَرْعَى وَالْمَشْرَبِ وَعَرَفُوا ضَعْفَهَا وَاحْتِيَاجَهَا إِلَى النَّقْلِ مِنْ مَرْعًى إِلَى مَرْعًى وَمِنْ مَسْرَحٍ إِلَى مَسْرَحٍ عَرَفُوا مُخَالَطَةَ النَّاسِ مَعَ اخْتِلَافِ أَصْنَافِهِمْ وَطِبَاعِهِمْ وَقِلَّةِ عُقُولِ بَعْضِهِمْ، وَرَزَانَتَهَا فَصَبَرُوا عَلَى لُحُوقِ الْمَشَقَّةِ مِنَ الْأُمَّةِ إِلَيْهِمْ، فَلَا تَنْفِرُ طِبَاعُهُمْ وَلَا تَمَلُّ نُفُوسُهُمْ بِدَعْوَتِهِمْ إِلَى الدِّينِ لِاعْتِيَادِهِمُ الضَّرَرَ وَالْمَشَقَّةَ وَعَلَى هَذَا شَأْنُ السُّلْطَانِ مَعَ الرَّعِيَّةِ (فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟) أَيْ رَعَيْتَ أَيْضًا؟ (فَقَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَى عَلَى قَرَارِيطَ) جَمْعُ قِيرَاطٍ وَهُوَ نِصْفُ دَانَقٍ وَهُوَ سُدُسُ دِرْهَمٍ (لِأَهْلِ مَكَّةَ) أَيِ اسْتَأْجَرَنِي أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى رَعْيِ الْغَنَمِ كُلَّ يَوْمٍ بِقِيرَاطٍ، وَذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ أَرَادَ قِسْطَ الشَّهْرِ مِنْ أُجْرَةِ الرَّعْيِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَبْلُغُ الدِّينَارَ أَوْ لَمْ يَرَ أَنْ يُذَكَرَ مِقْدَارُهَا اسْتِهَانَةً بِالْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ أَوْ لِأَنَّهُ نَسِيَ الْكَمِّيَّةَ فِيهَا، وَعَلَى الْأَحْوَالِ فَإِنَّهُ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى وَتَصْرِيحًا بِمِنَنِهِ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَفِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ لِابْنِ الْمَلَكِ فِيهِ اسْتِئْجَارُ الْأَحْرَارِ. وَمَنْ قَالَ: الْقَرَارِيطُ مَوْضِعٌ بِمَكَّةَ " وَعَلَى " بِمَعْنَى " فِي " لِاسْتِعْظَامِهِ أَنْ يَأْخُذَ النَّبِيُّ ﷺ أُجْرَةً عَلَى عَمَلِهِ فَقَدْ تَعَسَّفَ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِنَّمَا يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ فِيمَا يَعْمَلُونَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، لَا لِأَنْفُسِهِمْ، عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ فَعَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ لَا يَتَّجِهُ إِيرَادُهُ فِي هَذَا الْبَابِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 4205

٢٩٨٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٩٨٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: أَبِي هُرَيْرَةَ: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ) أَيْ رِجَالٌ أَوْ أَشْخَاصٌ (أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْخَصْمُ مَصْدَرُ خَصَمْتُهُ أَخْصِمُهُ: نَعْتٌ فِي لِلْمُبَالَغَةِ كَالْعَدْلِ، زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ أَيْ: غَلَبْتُهُ فِي الْخُصُومَةِ (رَجُلٌ أَعْطَى بِي) أَيْ عَهِدَ بِاسْمِي وَحَلَفَ بِي أَوْ أَعْطَى الْأَمَانَ بِاسْمِي أَوْ بِمَا شَرَعْتُهُ مِنْ دِينِي (ثُمَّ غَدَرَ) أَيْ: نَقَضَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَهُوَ قَرِينٌ لِخُصُوصِيَّةِ الْإِعْطَاءِ بِالْعَهْدِ فَقَوْلُهُ بِي حَالٌ أَيْ: مَوْثِقًا بِي لِأَنَّ الْعَهْدَ مِمَّا يُوثَقُ بِهِ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] ، (وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ) زِيدَ هَذَا الْقَيْدُ لِمَزِيدِ التَّوْبِيخِ (وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ) أَيْ: مَا أَرَادَ بِهِ مِنَ الْعَمَلِ أَتَى بِهِ تَهَجِينًا لِلْأَمْرِ وَزِيَادَةً لِلتَّقْرِيعِ (وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَيْ لَمْ يُعْطَهِ أَجْرَهُ وَافِيًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 4206

٢٩٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ إِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ " «أَصَبْتُمُ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا» ". ــ ٢٩٨٥ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفَرًا) أَيْ: جَمَاعَةً (مِنْ) أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بِمَاءٍ) قَالَ الْقَاضِي: يُرِيدُ بِالْمَاءِ أَهْلَ الْمَاءِ بِمَعْنَى الْحَيِّ النَّازِلِينَ عَلَيْهِ (فِيهِمْ) الضَّمِيرُ لِلْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ (لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَاللَّدِيغُ الْمَلْدُوغُ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَنْ لَدَغَهُ الْعَقْرَبُ، وَالسَّلِيمُ فِيمَنْ لَسَعَتْهُ الْحَيَّةُ تَفَاؤُلًا (فَعَرَضَ) أَيْ: ظَهَرَ (لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟) اسْمُ فَاعِلٍ مَنْ رَقَى يَرْقِي بِالْفَتْحِ فِي الْمَاضِي وَالْكَسْرِ فِي الْمُضَارِعِ مَنْ يَدْعُو بِالرُّقْيَةِ (إِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا أَوْ سَلِيمَا) اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ (فَانْطَلَقَ) أَيْ: فَذَهَبَ (رَجُلٌ مِنْهُمْ) قِيلَ: هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ (فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ) جَمْعُ شَاةٍ (فَبَرَأَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيُكْسَرُ فِي النِّهَايَةِ بَرَأَ الْمَرِيضُ يَبْرَأُ بَرْأً بِالْفَتْحِ فَهُوَ بَارِئٌ وَأَبْرَأَهُ اللَّهُ، وَغَيْرُ أَهْلِ الْحِجَازِ بَرِئَ بِالْكَسْرِ بَرُأَ بِالضَّمِّ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لَهُمْ: أَنَا أَرْقِي هَذَا اللَّدِيغَ بِشَرْطِ أَنْ تُعْطُونِي كَذَا رَأْسًا مِنَ الْغَنَمِ فَرَضُوا فَقَرَأَ عَلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ بِنَاءً عَلَى مَا وَرَدَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ فَبَرَأَ بِبَرَكَةِ كَلَامِ اللَّهِ، قِيلَ: كَانَتْ ثَلَاثِينَ غَنَمًا وَهُمْ ثَلَاثُونَ نَفَرًا (فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوا ذَلِكَ) أَيْ: أَخْذَهُ (وَقَالُوا) أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا؟) أَيْ: وَكَانُوا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ (حَتَّى قَدِمُوا) قَالَ الطِّيبِيُّ: " مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: قَالُوا أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَمَعْنَاهُ لَا يَزَالُونَ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ) فَالْغَايَةُ أَيْضًا دَاخِلَةٌ فِي الْمُغَيَّا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ السَّمَكَةِ (أَخَذَ) أَيِ: الرَّجُلُ (عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) أَيْ: أَيُّهَا الْأُمَّةُ (كِتَابُ اللَّهِ) قَالَ الْقَاضِي: " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالرُّقْيَةِ بِهِ وَجَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقَ ﵏ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْآتِي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ وَبِذِكْرِ اللَّهِ وَأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُبَاحَةِ، وَبِهِ تَمَسَّكَ مَنْ رَخَّصَ بَيْعَ الْمَصَاحِفِ وَشِرَاءَهَا وَأَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى كِتَابَتِهَا وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لَهُ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ (أَصَبْتُمْ) أَيْ: فَعَلْتُمْ صَوَابًا (اقْسِمُوا) بِهَمْزِ وَصْلٍ وَكَسْرِ سِينٍ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُرُوآتِ وَالتَّبَرُّعَاتِ وَمُوَاسَاةِ الْأَصْحَابِ وَالرِّفَاقِ، وَإِلَّا فَجَمِيعُ الشَّاءِ مِلْكٌ لِلرَّاقِي (وَاضْرِبُوا) أَيِ: اجْعَلُوا (لِي مَعَكُمْ سَهْمًا) أَيْ: نَصِيبًا مِنْهَا، قَالَهُ تَطَيُّبًا لِقُلُوبِهِمْ وَمُبَالَغَةً فِي تَعْرِيفِهِمْ أَنَّهُ حَلَالٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ.

стр. 4207

٢٩٨٦ - (الْفَصْلُ الثَّانِي) عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: «أَقْبَلْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْنَا عَلَى حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ فَقَالُوا: إِنَّا أُنْبِئْنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ فَهَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رُقْيَةٍ فَإِنَّ عِنْدَنَا مَعْتُوهًا فِي الْقُيُودِ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ فَجَاءُوا بِمَعْتُوهٍ فِي الْقُيُودِ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً أَجْمَعُ بُزَاقِي ثُمَّ أَتْفُلُ، قَالَ: فَكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَأَعْطَوْنِي جُعْلًا فَقُلْتُ: لَا حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: كُلْ فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٩٨٦ - (الْفَصْلُ الثَّانِي) (عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ تَابِعِيٌّ رَوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ عَمِّهِ، وَعَنْهُ الشَّعْبِيُّ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ (عَنْ عَمِّهِ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ بِاسْمِهِ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فَجَهَالَتُهُ لَا تَضُرُّ (قَالَ) أَيْ: عَمُّهُ (أَقْبَلْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: رَجَعْنَا مِنْ حَضْرَتِهِ (فَأَتَيْنَا عَلَى حَيٍّ) أَيْ: قَبِيلَةٍ (مِنَ الْعَرَبِ) أَيْ: مِنْ أَحْيَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ (فَقَالُوا) أَيْ: بَعْضُ أَهْلِ الْحَيِّ (إِنَّا أُنْبِئْنَا) أَيْ: أُخْبِرَنَا (أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ) أَيِ: الرَّسُولِ ﷺ (بِخَيْرٍ) أَيْ: بِالْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ (فَهَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رُقْيَةٍ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلشَّكِّ (فَإِنَّ عِنْدَنَا مَعْتُوهًا؟) أَيْ: مَجْنُونًا وَفِي الْمُغْرِبِ هُوَ نَاقِصُ الْعَقْلِ، وَقِيلَ: الْمَدْهُوشُ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ (فِي الْقُيُودِ فَقُلْنَا: نَعَمْ فَجَاءُوا) وَفِي نُسْخَةٍ: قَالَ

стр. 4208

أَيْ عَمُّهُ فَجَاءُوا (بِمَعْتُوهٍ فِي الْقُيُودِ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) لِمَا وَرَدَ: «فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً) أَيْ: أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ أَوْ نَهَارًا وَلَيْلًا (أَجْمَعُ) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ (بُزَاقِي) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مَاءُ الْفَمِ (ثُمَّ أَتْفُلُ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَيُكْسَرُ أَيْ أَبْصُقُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي الِاقْتِطَافِ: التَّفْلُ شَبِيهٌ بِالْبُزَاقِ، يُقَالُ: بَزَقَ ثُمَّ تَفَلَ ثُمَّ نَفَثَ ثُمَّ نَفَخَ، وَفِي النِّهَايَةِ: التَّفْلُ نَفْخٌ مَعَهُ رِيقٌ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنَ النَّفْثِ (قَالَ) أَيْ: عَمُّهُ (فَكَأَنَّمَا أُنْشِطَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُطْلِقَ ذَلِكَ الرَّجُلُ (مِنْ عِقَالٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ مِنْ حَبْلٍ مَشْدُودٍ بِهِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ زَالَ عَنْهُ ذَلِكَ الْجُنُونُ فِي الْحَالِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: " يُقَالُ: نَشَطْتُ الْحَبْلَ أَنْشُطُهُ نَشْطًا أَيْ عَقَدْتُهُ وَأَنْشَطْتُهُ أَيْ حَلَلْتُهُ وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْنِي أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي خَلَاصِ الْمَوْثُوقِ وَزَوَالِ الْمَكْرُوهِ فِي أَدْنَى سَاعَةٍ "، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " الْكَلَامُ فِيهِ التَّشْبِيهُ شَبَّهَ سُرْعَةَ بُرْئِهِ مِنَ الْجُنُونِ بِوَاسِطَةِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالتَّفْلِ بِجَمَلٍ مَعْقُولٍ بَرَأَ مِنْ عِقَالٍ فَتَرَاهُ سَرِيعَ النُّهُوضِ " (فَأَعْطَوْنِي جُعْلًا) بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ أَجْرًا (فَقُلْتُ لَا) أَيْ: لَا آخُذُ (حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " كُلْ ") عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ وَسَأَلَتْهُ فَقَالَ: كُلْ (فَلَعَمْرِي) بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ لَحَيَاتِي وَاللَّامُ فِيهِ لَامُ الِابْتِدَاءِ وَفِي قَوْلِهِ (لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ) جَوَابُ الْقَسَمِ أَيْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَأْكُلُ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ كَذِكْرِ الْكَوَاكِبِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهَا وَبِالْجِنِّ (لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ) بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِهِ وَإِنَّمَا حَلَفَ بِعُمْرِهِ لَمَّا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَالَ الْمُظْهِرُ: " هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا أَيْ حَيَاتِي وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَسَمِ إِلَّا مَفْتُوحَ الْعَيْنِ، وَاللَّامُ فِي لِمَنْ أَكَلَ جَوَابُ الْقَسَمِ أَيْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَرْقِي بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ وَيَأْخُذُ عَلَيْهَا عِوَضًا أَمَّا أَنْتَ فَقَدَ رَقَيْتَ بِرُقْيَةِ حَقَّ اه وَهَذَا حَاصِلُ الْمَعْنَى فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ فُقِدَ بِالْفَاءِ، بَلِ اللَّامِ كَمَا سَيَأْتِي، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَقْسَمَ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ؟ قُلْنَا: لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْقَسَمَ بَلْ جَرَى كَذَا اللَّفْظُ فِي كَلَامِهِ عَلَى رَسْمِهِمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: " لَعَلَّهُ كَانَ مَأْذُونًا بِهَذَا الْإِقْسَامِ وَإِنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى " ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] " قِيلَ: أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاتِهِ وَمَا أَقْسَمَ بِحَيَاةِ أَحَدٍ قَطُّ كَرَامَةً لَهُ " وَمَنْ " فِي " لَمَنْ أَكَلَ " شَرْطِيَّةٌ وَاللَّامُ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ وَالثَّانِيَةُ جَوَابٌ لِلْقَسَمِ سَادٌّ مَسَدَّ الْجَزَاءِ ; أَيْ لَعَمْرِي لَئِنْ كَانَ نَاسٌ يَأْكُلُونَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ لَأَنْتَ أَكَلَتْ بِرُقْيَةِ حَقٍّ، وَإِنَّمَا أَتَى بِالْمَاضِي فِي قَوْلِهِ " أَكَلْتَ " بَعْدَ قَوْلِهِ " كُلْ " دَلَالَةً عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ، وَأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ وَأُجْرَتُهُ صَحِيحَةٌ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) ﵏.

стр. 4209

٢٩٨٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٩٨٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ (عَرَقُهُ) بِالرَّفْعِ، يُقَالُ جَفَّ الثَّوْبُ كَضَرَبَ وَيَبَسَ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فِي إِسْرَاعِ الْإِعْطَاءِ وَتَرْكِ الْإِمْطَالِ فِي الْإِيفَاءِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) أَيْ: بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ جَابِرٍ، وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ.

стр. 4210

٢٩٨٨ - وَعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي الْمَصَابِيحِ مُرْسَلٌ. ــ ٢٩٨٨ - (وَعَنِ الْحُسَيْنِ) وَفِي نُسْخَةِ: الْحَسَنِ بِفَتْحَتَيْنِ (ابْنِ عَلِيٍّ) ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ) أَيْ: لَا تَرُدُّهُ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ يَلْتَمِسُ مِنْكَ طَعَامَهُ وَعَلَفَ دَابَّتِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: " السَّائِلُ الطَّالِبُ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالسَّائِلِ إِذَا تَعَرَّضَ لَكَ وَأَنْ لَا تُخَيِّبَهُ بِالتَّكْذِيبِ وَالرَّدِّ مَعَ إِمْكَانِ الصِّدْقِ أَيْ لَا تُخَيَّبِ السَّائِلَ وَإِنْ رَابَكَ مَنْظَرُهُ وَجَاءَ رَاكِبًا عَلَى فَرَسٍ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ فَرَسٌ وَرَاءَ عَائِلَةٍ أَوْ دَيْنٍ يَجُوزُ مَعَهُ أَخَذُ صَدَقَةٍ أَوْ يَكُونُ مِنَ الْغُزَاةِ أَوْ مِنَ الْغَارِمِينَ وَلَهُ فِي الصَّدَقَةِ سَهْمٌ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا الضِّيَاءُ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيٍّ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدَيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَفْظُهُ: " «أَعْطَوُا السَّائِلَ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» " وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى أَبِي دَاوُدَ: " وَرُوِيَ أَنَّ عِيسَى ﵊ قَالَ: لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ مُطَوَّقٍ بِالْفِضَّةِ " اه قَالَ الْقَاضِي ﵀: " أَيْ لَا تَرُدَّ السَّائِلَ وَإِنْ جَاءَكَ عَلَى حَالٍ يَدُلُّ عَلَى غِنَاهُ وَأَحْسَبُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خُلَّةٌ دَعَتْهُ إِلَى السُّؤَالِ لَمَا بَذَلَ وَجْهَهُ " (وَفِي الْمَصَابِيحِ مُرْسَلٌ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: " وُصِفَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمَصَابِيحِ بِالْإِرْسَالِ فَلَا أَدْرِي أَثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْأَصْلِ أَمْ هُوَ شَيْءٌ أُلْحِقَ بِهِ؟ وَقَدْ وَجَدْتُهُ مُسْنَدًا إِلَى ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَقَدْ أَوْرَدَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لِلسَّائِلِ حَقٌّ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " الْخَبْطُ لَازِمٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْحَدِيثَيْنِ مُتَّصِلٌ مُسْتَقِلٌّ وَقَدْ جَعَلَهُمَا فِي الْمَصَابِيحِ حَدِيثًا وَاحِدًا مُرْسَلًا وَعَلَى اسْتِقْلَالِهِمَا لَا يَدْخُلُ الْحَدِيثُ الثَّانِي فِي الْبَابِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ وَثُبُوتِ الْإِرْسَالِ مِنْ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ أَنْ يُرْوَى مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ مُرْسَلًا عَلَى أَنَّهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ ".

стр. 4211

" الْفَصْلُ الثَّالِثُ " ٢٩٨٩ - عَنْ عُتْبَةَ بْنِ الْمُنْذِرِ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ " طسم " حَتَّى بَلَّغَ قِصَّةَ مُوسَى، قَالَ: إِنَّ مُوسَى ﵇ آجَرَ نَفْسَهُ ثَمَانِ سِنِينَ أَوْ عَشْرًا عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ وَطَعَامِ بَطْنِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٩٨٩ - (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) (عَنْ عُتْبَةَ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ (ابْنِ الْمُنْذِرِ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ مِنِ الْإِنْذَارِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ، قَالَ مَيْرَكُ: " كَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ الصَّوَابُ " اه وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ وَكَذَا صَاحِبُ الْمُغْنِي (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ طسم) أَيْ: مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْقَصَصِ (حَتَّى بَلَغَ قِصَّةَ مُوسَى) أَيِ: اجْتِمَاعَهُ مَعَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: إِنَّ مُوسَى) ﵇ (آجَرَ نَفْسَهُ ثَمَانِ سِنِينَ أَوْ عَشْرًا) أَيْ: بَلْ عَشْرًا لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ " أَنَّهُ قَضَى أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ وَمَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَشْرًا أُخَرَ ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ " (عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ) بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدِ فَاءٍ أَيْ لِأَجْلِ عَفَافِ نَفْسِهِ (وَطَعَامِ بَطْنِهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: " كَنَّى بِهِ عَنِ النِّكَاحِ تَأَدُّبًا وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ يُعَدُّ مَالًا لِاكْتِسَابِ الْعِفَّةِ بِهِ وَفِيهِ خِلَافٌ، قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: لَا يَجُوزُ تَزَوُّجُ امْرَأَةٍ بِأَنْ يَخْدِمَهَا سَنَةً، وَجَوَّزُوا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَنْ يَخْدِمَهَا عَبْدُهُ سَنَةً وَقَالُوا: لَعَلَّ ذَلِكَ جَائِزًا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ شَيْئًا آخَرَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ رَاعِيَ غَنَمِهِ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَدَ جَوَّزَ التَّزَوُّجَ عَلَى إِجَارَتِهِ لِبَعْضِ الْأَعْمَالِ وَالْخِدْمَةِ إِذَا كَانَ الْمُسْتَأْجَرُ لَهُ أَوِ الْمَخْدُومُ فِيهِ أَمْرًا مَعْلُومًا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 4212

٢٩٩٠ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ فَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٩٩٠ - (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا) أَيْ: أَعْطَانِيهَا هَدِيَّةً، وَقَدْ عَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ الْقَوْسَ فِي قَصِيدَتِهِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْ تَأْنِيثِهِ (مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ) أَيِ: الْقُرْآنَ وَيُحْتَمِلُ الْكِتَابَةَ (وَالْقُرْآنَ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ) أَيْ: عَظِيمٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: " الْجُمْلَةُ حَالٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْسًا لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ صِرْفَةٌ فَيَكُونُ حَالًا مِنْ فَاعِلِ أَهْدَى أَوْ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ " يُرِيدُ أَنَّ الْقَوْسَ لَمْ يَعْهَدْ فِي التَّعَارُفِ أَنْ تُعَدَّ مِنَ الْأُجْرَةِ أَوْ لَيْسَتْ بِمَالٍ أَقْتَنِيهِ لِلْبَيْعِ بَلْ هِيَ عُدَّةٌ (فَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ تَجْعَلُ الْقَوْسَ (طَوْقًا) أَيْ: تُطَوَّقُ أَنْتَ بِطَوْقٍ (مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا) وَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " وَوَجْهُهُ أَنَّ عُبَادَةَ لَمْ يَرَ أَخْذَ الْأُجْرَةِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَاسْتَفْتَى أَنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلَهُ أَهْوَ مِنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ أَمْ لَا، أَنْتَهِي عَنْهُ أَوْ أَنَّهُ مِمَّا لَا بَأْسَ بِهِ فَآخُذُهُ؟ فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْأُجْرَةِ فِي شَيْءٍ لِتَأْخُذَ حَقًّا لَكَ، بَلْ هُوَ مِمَّا يُبْطِلُ إِخْلَاصَكَ الَّذِي نَوَيْتَهُ فِي التَّعْلِيمِ فَانْتَهِ عَنْهُ اه كَلَامُهُ وَهُوَ مِمَّا لَا يُلَائِمُ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ وَمَرَامِهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: " «مَنْ أَخَذَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ قَوْسًا قَلَّدَهُ اللَّهُ مَكَانَهُ قَوْسًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".

стр. 4213

[بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالشِّرْبِ] ٢٩٩١ - (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ، قَالَ عُرْوَةُ: " قَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ (بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (وَالشِّرْبِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، فِي الْمُغْرِبِ: " الْمَوَاتُ الْأَرْضُ الْخَرَابُ وَخِلَافُهُ الْعَامِرُ "، وَعَنِ الطَّحَاوِيِّ: هُوَ مَا لَيْسَ بِمِلْكٍ لِأَحَدٍ وَلَا هِيَ مِنْ مَرَافِقِ الْبَلَدِ وَكَانَتْ خَارِجَةَ الْعَامِرِ سَوَاءٌ قَرُبَتْ مِنْهُ أَوْ بَعُدَتْ، وَالشِّرْبُ بِالْكَسْرِ النَّصِيبُ مِنَ الْمَاءِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ نَوْبَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَاءِ سَقْيًا لِلْمَزَارِعِ أَوِ الدَّوَابِّ. ٢٩٩١ - (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) (عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ عَمَرَ أَرْضًا) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِهَا، وَفِي بَعْضِ نَسْخِ الْمَصَابِيحِ بِزِيَادَةِ أَلْفٍ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ أَعْمَرْتُ الْأَرْضَ وَجَدْتُهَا عَامِرَةً وَمَا جَاءَ بِمَعْنَى عَمَّرَ، وَفِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ " مَنْ عَمَرَ "، وَقِيلَ: جَوَابُهُ أَنَّهُ جَاءَ أَعْمَرَ اللَّهُ بِكَ مَنْزِلَكَ. بِمَعْنَى عَمَّرَ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ أَعْمَرْتُ الْأَرْضَ بِمَعْنَى عَمَّرْتُهَا إِذِ الْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ وَفِي الْحَقَائِقِ اطِّرَادُهَا، قَالَ الْإِشْرَافُ: " وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ الْجَوْهَرِيَّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَهُ " أَعْمَرَ اللَّهُ بِكَ مَنْزِلَكَ "، " وَعَمَّرَ اللَّهُ بِكَ "، ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ أَعْمَرَ الرَّجُلُ مَنْزِلَهُ بِالْأَلِفِ رِوَايَةً عَنْ أَبِي زَيْدٍ. وَفِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْعَسْقَلَانِيِّ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: " مَنْ أَعْمَرَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ كَذَا وَقَعَ، وَالصَّوَابُ عَمَرَ ثُلَاثِيًّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩] ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ جَعَلَهُ أَيْ نَفْسِهِ فِيهَا عَمَارًا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: " وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ مِنَ اعْتَمَرَ أَرْضًا أَيِ اتَّخَذَهَا وَسَقَطَتِ التَّاءُ مِنَ الْأَصْلِ " وَقَالَ

стр. 4214

غَيْرُهُ: قَدْ سُمِعَ فِيهِ الرُّبَاعِيُّ يُقَالُ: أَعْمَرَ اللَّهُ بِكَ مَنْزِلَكَ، فَالْمُرَادُ مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا بِالْإِحْيَاءِ (لَيْسَتْ) أَيْ: تِلْكَ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً (لِأَحَدٍ) بِأَنْ يَكُونَ مَوَاتًا (فَهُوَ) أَيِ: الْعَامِرُ (أَحَقُّ) أَيْ: بِهَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ يَعْنِي بِتِلْكَ الْأَرْضِ لَكِنْ بِشَرْطِ إِذْنِ الْإِمَامِ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِخَبَرِ " لَيْسَ لِلْمَرْءِ إِلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِهِ "، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ أَنْ يُحْمَلَ السَّاكِتُ عَلَى النَّاطِقِ إِذَا كَانَ فِي حَادِثَةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ أَحَقُّ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا أَيْ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: مَنْ أُعْمِرَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَعْمَرُهُ غَيْرُهُ، وَكَانَ الْمُرَادُ بِالْغَيْرِ الْإِمَامَ وَذَكَرَهُ الْحَمِيدِيُّ فِي جَامِعِهِ بِلَفْظِ: مَنْ عَمَرَ مِنَ الثُّلَاثِيِّ وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ "، وَقَالَ الْقَاضِي: " مَنْطُوقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِمَارَةَ كَافِيَةٌ فِي التَّمْلِيكِ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنِ السُّلْطَانِ، وَمَفْهُومُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ التَّحَجُّرِ وَالْإِعْلَامِ لَا يُمَلِّكُ بَلْ مِنَ الْعِمَارَةِ وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ (قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ) أَيْ: حَكَمَ بِذَلِكَ (عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ) أَيْ: بِلَا إِنْكَارٍ عَلَيْهِ فَلَا نَسْخَ لِهَذَا الْحَدِيثِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 4215

٢٩٩٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٩٩٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ اللَّيْثِيُّ كَانَ يَنْزِلُ وَدَّانَ وَالْأَبْوَاءَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا حِمَى) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ بِمَعْنَى الْمَحْمِيِّ وَهُوَ مَكَانٌ يُحْمَى مِنَ النَّاسِ وَالْمَاشِيَةِ لِيَكْثُرَ كَلَؤُهُ (إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) أَيْ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْمِي لِخَيْلِ الْجِهَادِ وَإِبِلِ الصَّدَقَةِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: " كَانَتْ رُؤَسَاءُ الْأَحْيَاءِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَحْمُونَ الْمَكَانَ الْخَصِيبَ لِخَيْلِهِمْ وَإِبِلِهِمْ وَسَائِرِ مَوَاشِيهِمْ فَأَبْطَلَهُ ﷺ وَمَنَعَهُ أَنْ يَحْمِيَ إِلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ " وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَإِنَّمَا حَمَى النَّقِيعَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلِلْخَيْلِ الْمُعَدَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ فِي بَلَدٍ لَمْ يَكُنْ وَاسِعًا فَتَضِيقُ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ ﷺ أَنْ يَحْمِيَ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَحْمِي لِلْمَصَالِحِ؟ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ لِلْحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ عَلَى نَحْوِ مَا حَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ لَا يَتَبَيَّنُ ضَرَرُهُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " الْمَعْنَى لَا حِمَى لِأَحَدٍ عَلَى الْوَجْهِ الْخَاصِّ بَلْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي حَمَاهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ " وَفِي النِّهَايَةِ قِيلَ: " كَانَ الشَّرِيفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا نَزَلَ أَرْضًا فِي حَيِّهِ اسْتَعْوَى كَلْبًا فَحَمَى مَدْعُوَاءَ الْكَلْبِ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَهُوَ يُشَارِكُ الْقَوْمَ فِي سَائِرِ مَا يَرْعَوْنَ فِيهِ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَأَضَافَ الْحِمَى إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ أَيْ إِلَّا مَا يُحْمَى لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْصَدُ لِلْجِهَادِ وَالْإِبِلِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِبِلِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا كَمَا حَمَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّقِيعَ لِنِعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْخَيْلِ الْمُعَدَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَذَا أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.

стр. 4216

٢٩٩٣ - وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: «خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ فَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ وَكَانَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَمْرٍ لَهُمَا فِيهِ سَعَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٩٩٣ - (عَنْ عُرْوَةَ) أَيِ: ابْنِ الزُّبَيْرِ وَسَبَقَ ذِكْرُهُ (قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ) أَيِ: ابْنُ الْعَوَّامِ بْنِ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهُوَ بْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً ; فَعَذَّبَهُ عَمُّهُ بِالدُّخَانِ ; لِيَتْرُكَ الْإِسْلَامَ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَلَّ السَّيْفَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ أَحَدُ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ، قَتَلَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزَ بِسَفَوَانَ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْفَاءِ فِي أَرْضِ الْبَصْرَةِ سَنَةَ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِوَادِي السِّبَاعِ ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَقَبَرُهُ مَشْهُورٌ بِهَا، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ وَغَيْرُهُمَا. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ حَاكَمَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فِي شِرَاجٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْجِيمِ مَسَايِلُ الْمَاءِ أَحَدُهَا شُرْجَةٌ (مِنَ الْحَرَّةِ) أَيْ: أَرْضٍ ذَاتِ الْحِجَارَةِ السُّودِ إِذْ كَانَا يَسْقِيَانِ مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ جَارٍ فَتَنَازَعَا فِي تَقْدِيمِ السَّقْيِ فَتَدَافَعَا إِلَيْهِ

стр. 4217

- ﷺ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اسْقِ يَا زُبَيْرُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الْمَقْطُوعَةِ وَبِكَسْرِهَا الْمَوْصُولَةِ (ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ) فَإِنَّ أَرْضَ الزُّبَيْرِ كَانَتْ أَعْلَى مِنْ أَرْضِ الْأَنْصَارِيِّ (فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: أَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ حَكَمْتَ بِذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ أَوْ بِسَبَبِ أَنْ (كَانَ) أَيِ: الزُّبَيْرُ (ابْنَ عَمَّتِكَ) قَالَ الْقَاضِي: " وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِأَنْ أَوْ لِأَنْ وَحَرْفُ الْجَرِّ يُحْذَفُ مَعَهَا لِلتَّخْفِيفِ كَثِيرًا فَإِنَّ فِيهَا مَعَ صِلَتِهَا طُولًا أَيْ وَهَذَا التَّقْدِيمُ وَالتَّرْجِيحُ لِأَنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ) وَبِسَبَبِهِ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] أَيْ لَا تُطِعْهُ مَعَ هَذِهِ الْمَثَالِبِ لِأَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَلِهَذَا الْمَقَالِ نُسِبَ الرَّجُلُ إِلَى النِّفَاقِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: وَقَدِ اجْتَرَأَ جَمْعٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ بِنِسْبَةِ الرَّجُلِ تَارَةً إِلَى النِّفَاقِ قَالَ: وَأُخْرَى إِلَى الْيَهُودِيَّةِ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ زَائِغٌ عَنِ الْحَقِّ إِذْ قَدْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ أَنْصَارِيًّا وَلَمْ يَكُنِ الْأَنْصَارُ مِنْ جُمْلَةِ الْيَهُودِ، وَلَوْ كَانَ مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي دِينِهِ لَمْ يَصِفُوهُ بِهَذَا الْوَصْفِ فَإِنَّهُ وَصْفُ مَدْحٍ، وَالْأَنْصَارُ وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ مَنْ يُرْمَى بِالنِّفَاقِ فَإِنَّ الْقَرْنَ الْأَوَّلَ وَالسَّلَفَ بَعْدَهُمْ تَحَرَّجُوا وَاحْتَرَزُوا أَنَّ يُطْلِقُوا عَلَى مَنْ ذُكِرَ بِالنِّفَاقِ وَاشْتُهِرَ بِهِ الْأَنْصَارِيَّ، وَالْأَوْلَى بِالشَّحِيحِ بِدِينِهِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا قَوْلٌ أَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ فِيهِ بِتَمَكُّنِهِ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَغَيْرُ مُسْتَبْدَعٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْبَشَرِيَّةِ الِابْتِلَاءُ بِأَمْثَالِ ذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ: " قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: حَكَى الدَّاوُدِيُّ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ مُنَافِقًا وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ أَنْصَارِيٌّ لَا يُخَالِفُ هَذَا لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ قَبِيلَتِهِمْ لَا مِنَ الْأَنْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] الْآيَةَ فَلِهَذَا قَالَتْ طَائِفَةٌ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: لَوْ صَدَرَ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ إِنْسَانٍ كَانَ كَافِرًا وَجَرَتْ عَلَى قَائِلِهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ مِنَ الْقَتْلِ، وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يَتَأَلَّفُ النَّاسَ وَيَدْفَعُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ وَيَقُولُ: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (فَتَلَوَّنُ وَجْهُهُ) أَيْ: تَغَيَّرَ مِنَ الْغَضَبِ لِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ النُّبُوَّةِ وَقُبْحِ كَلَامِ هَذَا الرَّجُلِ (ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ) أَيِ: امْسِكْهُ وَامْنَعْهُ (حَتَّى يَرْجِعَ) أَيْ: يَصِلَ الْمَاءُ (إِلَى الْجَدْرِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَرُوِيَ بِضَمَّتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ جِدَارٍ، قِيلَ: إِنَّهُ الْمُسَنَّاةُ وَهِيَ لِلْأَرْضِ كَالْجِدَارِ لِلدَّارِ يَعْنِي الْحَائِلَ بَيْنَ الْمَشَارِبِ، وَقِيلَ: هُوَ الْجِدَارُ وَقِيلَ: هُوَ أَصْلُ الْجِدَارِ وَقَدَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بِأَنْ يَرْتَفِعَ الْمَاءُ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا حَتَّى يَبْلُغَ كَعْبَ رِجْلِ الْإِنْسَانِ (ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ) أَمَرَهُ بِمَدَى الْحُكْمِ (فَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ ﷺ حَقَّهُ) أَيِ: اسْتَوْفَاهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوِعَاءِ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ الْأَشْيَاءُ كَأَنَّهُ جَمَعَهُ فِي وِعَائِهِ، وَالْمَعْنَى أَعْطَى الزُّبَيْرَ حَقَّهُ تَامًّا (فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ) أَيْ: أَغْضَبَ (وَكَانَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (أَشَارَ) أَيْ: أَوَّلًا (لَهُمَا بِأَمْرٍ فِيهِ سَعَةٌ) أَيْ: مَنْفَعَةٌ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " قَوْلُهُ ﷺ : اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ إِلَى جَارِكَ كَانَ أَمْرًا لِلزُّبَيْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَأَخْذًا بِالْمُسَامَحَةِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ بِتَرْكِ بَعْضِ حَقِّهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا مِنْهُ، فَلَمَّا رَأَى الْأَنْصَارِيَّ يَجْهَلُ مَوْضِعَ حَقِّهِ أَمَرَ ﷺ الزُّبَيْرَ بِاسْتِيفَاءِ تَمَامِ حَقِّهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنِ التَّعْزِيرِ حَيْثُ لَمْ يُعَزِّرِ الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِمَا أَغْضَبَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقِيلَ: كَانَ قَوْلُهُ الْآخَرُ عُقُوبَةً فِي مَالِهِ وَكَانَتِ الْعُقُوبَةُ إِذْ ذَاكَ يَقَعُ بَعْضُهَا فِي الْأَمْوَالِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ حَكَمَ عَلَى الْأَنْصَارِيِّ فِي حَالِ غَضَبِهِ مَعَ نَهْيِهِ الْحَاكِمَ أَنْ يَحْكُمَ وَهُوَ غَضْبَانُ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْصُومًا مِنْ أَنْ يَقُولَ فِي السُّخْطِ وَالرِّضَا إِلَّا حَقًّا، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ مِيَاهَ الْأَوْدِيَةِ وَالسُّيُولِ الَّتِي لَا يُمْلَكُ مَنَابِعُهَا وَمَجَارِيهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَالنَّاسُ شَرْعٌ وَسَوَاءٌ وَإِنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْبِ الْأَعْلَى مُقَدَّمُونَ عَلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ لِسَبْقِهِمْ إِلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ عَمَّنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ بَعْدَمَا أَخَذَ مِنْهُ حَاجَتَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4218

٢٩٩٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لَا تَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلَأِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٩٩٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا فَضْلَ الْكَلَأِ» ) أَيِ: الْمُبَاحِ، وَمَضَى شَرْحُهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ بَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنَ الْبُيُوعِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4219

٢٩٩٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَذُكِرَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي بَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ. ــ ٢٩٩٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: كَلَامَ الرِّضَا دُونَ كَلَامِ الْمُلَازَمَةِ (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أَيْ: نَظَرَ رَحْمَةٍ دُونَ نَظَرِ نِقْمَةٍ (رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ) بِالْكَسْرِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ وَهُوَ كَاذِبٌ) كِلَا الْفِعْلَيْنِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَهَذَا مَا حَلَفَ بِهِ الرَّجُلُ، وَلَوْ حَكَى قَوْلَهُ لَقِيلَ: قَدْ أُعْطِيتَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَيْتَهُ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ بِنَاءٌ لِلْمَفْعُولِ وَالثَّانِي لِلْفَاعِلِ، أَيْ طُلِبَ مِنِّي هَذَا الْمَتَاعِ قَبْلَ هَذَا بِأَزْيَدَ مِمَّا طَلَبَتْهُ (وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ) أَيْ: بِيَمِينٍ أَوْ عَلَى مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ غَيْرِ وَاقِعٍ وَهُوَ عَالِمٌ (بَعْدَ الْعَصْرِ) إِنَّمَا خُصَّ بِهِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ الْمُغَلَّظَةَ تَقَعُ فِيهِ وَقِيلَ: لِأَنَّهُ وَقْتُ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ بِغَيْرِ رِبْحٍ فَحَلَفَ كَاذِبًا بِالرِّبْحِ، وَقِيلَ: ذَكَرَهُ لِشَرَفِ الْوَقْتِ فَيَكُونُ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ أَغْلَظَ وَأَشْنَعَ ; وَلِذَا كَانَ ﷺ يَقْعُدُ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ (لِيَقْتَطِعَ) أَيْ: لِيَأْخُذَ لِنَفْسِهِ (بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) وَكَذَا حَكَمَ مَالَ الذِّمِّيِّ (وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ) وَفِي رِوَايَةٍ فَضْلَ مَائِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، وَالْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ وَالْأَرْبَعَةِ " «وَرَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ» " (فَيَقُولُ اللَّهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَاءٍ) بِالْهَمْزِ (لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ) صِفَةُ مَاءٍ وَالرَّاجِعُ مَحْذُوفٌ أَيْ فِيهِ قَالَ الْمُظْهِرُ أَيْ: خَرَجَ بِقُدْرَتِي لَا بِسَعْيِكَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَذُكِرَ حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁) أَيْ: قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ» (فِي بَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ) يَعْنِي فَإِنَّهُ أَنْسَبُ بِذَلِكَ الْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 4220

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ٢٩٩٦ - عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى الْأَرْضِ فَهُوَ لَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٩٩٦ - (الْفَصْلُ الثَّانِي) (عَنِ الْحَسَنِ) أَيِ: الْبَصْرِيِّ (عَنْ سَمُرَةَ) أَيِ: ابْنِ جُنْدُبٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا) أَيْ: جَعَلَ وَأَدَارَ حَائِطًا أَيْ جِدَارًا (عَلَى الْأَرْضِ) أَيْ: حَوْلَ أَرْضٍ مَوَاتٍ فَهُوَ أَيْ فَصَارَ ذَلِكَ الْمَحُوطُ (لَهُ) أَيْ: مِلْكًا لَهُ أَيْ مَا دَامَ فِيهِ كَمَنْ سَبَقَ إِلَى مُبَاحٍ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: " يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَرَى التَّمْلِيكَ بِالتَّحْجِيرِ وَلَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ إِنَّمَا هُوَ بِالْإِحْيَاءِ وَتَحْجِيرُ الْأَرْضِ وَإِحَاطَتِهِ بِالْحَائِطِ لَيْسَ مِنَ الْإِحْيَاءِ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ إِنَّ قَوْلَهُ عَلَى الْأَرْضِ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْبَيَانِ إِذْ لَيْسَ كُلُّ أَرْضٍ تُمَلَّكُ بِالْإِحْيَاءِ " قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " كَفَى بِهِ بَيَانًا قَوْلُهُ أَحَاطَ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَنَى حَائِطًا مَانِعًا مُحِيطًا بِمَا يَتَوَسَّطُهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ نَحْوَ أَنْ يَبْنِي حَائِطًا لِحَظِيرَةِ غَنَمٍ أَوْ زَرِيبَةٍ لِلدَّوَابِّ "، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " إِذَا أَرَادَ زَرِيبَةً لِلدَّوَابِّ أَوْ حَظِيرَةً يُجَفِّفُ فِيهَا الثِّمَارَ أَوْ يَجْمَعُ فِيهَا الْحَطَبَ وَالْحَشِيشَ اشْتُرِطَ التَّحْوِيطُ وَلَا يَكْفِي نَصْبُ سَعَفٍ وَأَحْجَارٍ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4221

٢٩٩٧ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْطَعَ لِلزُّبَيْرِ نَخِيلًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٩٩٧ - (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ: زَوْجَةِ الزُّبَيْرِ ﵃ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْطَعَ) أَيْ: أَعْطَى (لِلزُّبَيْرِ نَخِيلًا) قَالَ الْقَاضِي ﵀: " الْإِقْطَاعُ تَعْيِينُ قِطْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ لِغَيْرِهِ " وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " الْإِقْطَاعُ نَوْعَانِ بِحَسَبِ مَحَلِّهِ إِقْطَاعُ تَمَلُّكٍ وَهُوَ الَّذِي تُمَلَّكُ فِيهِ بِالْإِحْيَاءِ كَمَا مَرَّ وَإِقْطَاعُ إِرْفَاقٍ وَهُوَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَمَلُّكُ ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِحَالٍ كَإِقْطَاعِ الْإِمَامِ مَقْعَدًا مِنْ مَقَاعِدِ السُّوقِ أَحَدًا لِيَقْعُدَ لِلْمُعَامَلَةِ وَنَحْوِهَا، وَكَانَ إِقْطَاعُ الزُّبَيْرِ مِنِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: " النَّخْلُ مَالٌ ظَاهِرُ الْعَيْنِ حَاضِرُ النَّفْعِ كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْخُمْسِ الَّذِي سَهْمُهُ أَوْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَوَاتِ الَّذِي لَمْ يَمْلِكْهُ أَحَدٌ فَيُتَمَلَّكُ بِالْإِحْيَاءِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4222

٢٩٩٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ لِلزُّبَيْرِ حُضْرَ فَرَسِهِ فَأَجْرَى فَرَسَهَ حَتَّى قَامَ ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ فَقَالَ: أَعْطُوهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٩٩٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَقْطَعَ لِلزُّبَيْرِ حُضْرَ فَرَسِهِ» ) بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ أَيْ: عَدْوَهَا وَنَصْبُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: قَدْرِ مَا تَعْدُو عَدْوَةً وَاحِدَةً (فَأَجْرَى فَرَسَهُ حَتَّى قَامَ) أَيْ: وَقَفَ مَرْكُوبُهُ وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَمْشِي (ثُمَّ رَمَى) أَيِ: الزُّبَيْرَ (بِسَوْطِهِ) الْبَاءُ زَائِدَةُ أَيْ حَذَفَهُ، فَقَالَ أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (أَعْطُوهُ) أَمَرَ بِالْإِعْطَاءِ (مِنْ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ) قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " فِي هَذَا دَلِيلٌ لِجَوَازِ إِقْطَاعِ الْإِمَامِ الْأَرْضَ الْمَمْلُوكَةَ لِبَيْتِ الْمَالِ لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ إِلَّا بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ ثُمَّ تَارَةً يَقْطَعُ رَقَبَتَهَا وَيُمَلِّكُهَا الْإِنْسَانَ بِمَا يَرَى فِيهِ مَصْلَحَةً فَيَجُوزُ تَمْلِيكُهَا كَمَا يَمْلِكُ مَا يُعْطِيهِ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَغَيْرِهَا، وَتَارَةً يُقْطِعُهُ مَنْفَعَتَهَا فَيَسْتَحِقُّ بِهَا الِانْتِفَاعَ مُدَّةَ الِاقْتِطَاعِ وَأَمَّا الْمَوَاتُ فَيَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ إِحْيَاؤُهُ وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنِ الْإِمَامِ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْجُمْهُورِ " اه وَقَدْ سَبَقَ فِي كَلَامِ الْبَغَوِيِّ وَالْمُظَهَّرِ أَنَّ إِقْطَاعَ الزُّبَيْرِ يُحْمَلُ عَلَى الْمَوَاتِ فَهُوَ دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَالْأَحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4223

٢٩٩٩ - «وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ، قَالَ: فَأَرْسَلَ مَعِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: أَعْطِهَا إِيَّاهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢٩٩٩ - (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ) بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ (عَنْ أَبِيهِ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَبِالرَّاءِ الْحَضْرَمِيُّ كَانَ قَيْلًا مِنْ أَقْيَالِ حَضْرَمَوْتَ وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ مُلُوكِهِمْ، وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيُقَالُ إِنَّهُ بَشَّرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ قَبْلَ قُدُومِهِ وَقَالَ: «يَأْتِيكُمْ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ مِنْ أَرْضٍ بَعِيدَةٍ مِنْ حَضْرَمَوْتَ طَائِعًا رَاغِبًا فِي اللَّهِ » - وَفِي رَسُولِهِ، وَهُوَ بَقِيَّةُ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَحَّبَ بِهِ وَأَدْنَاهُ مِنْ نَفْسِهِ وَبَسَطَ لَهُ رِدَاءَهُ فَأَجْلَسَهُ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي وَائِلٍ وَوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ» ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَقْيَالِ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، رَوَاهُ عَنْهُ ابْنَاهُ عَلْقَمَةُ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ وَغَيْرُهُمَا (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ) أَيْ: وَائِلًا (أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ) اسْمُ بَلَدٍ بِالْيَمَنِ وَهُمَا اسْمَانِ جُعِلَا اسْمًا وَاحِدًا فَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ بِالْعَلَمِيَّةِ وَالتَّرْكِيبِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَالْمِيمِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ بَلَدٌ وَقَبِيلَةٌ، وَيُقَالُ: حَضْرَ مَوْتَ وَيُضَافُ، فَيُقَالُ هَذَا حَضْرُ مَوْتَ، بِضَمِّ الرَّاءِ، وَإِنْ شِئْتَ لَا تُنَوِّنُ الثَّانِي، قَالَ السُّيُوطِيُّ: " نُقِلَ أَنَّ صَالِحًا لَمَّا هَلَكَ قَوْمُهُ جَاءَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ مَاتَ فَقِيلَ: حَضَرَ مَوْتٌ، وَذَكَرَ الْمُبَرِّدُ أَنَّهُ لَقَبُ عَامِرٍ جَدِّ الْيَمَانِيَةِ كَانَ لَا يَحْضُرُ حَرْبًا إِلَّا كَثُرَتْ فِيهِ الْقَتْلَى فَقَالَ عَنْهُ مَنْ رَآهُ: حَضَرَ مَوْتٌ، بِتَحْرِيكِ الضَّادِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ فَسَكَنَتْ (قَالَ) أَيْ: وَائِلٌ (فَأَرْسَلَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (مَعِي مُعَاوِيَةَ قَالَ) أَيْ: لِمُعَاوِيَةَ (أَعْطِهَا إِيَّاهُ) أَيْ: وَائِلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ مُعَاوِيَةَ هُوَ ابْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ أَوِ ابْنُ جَاهِمَةَ السُّلَمِيُّ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ وَأَبُوهُ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ثُمَّ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِلْمَرَامِ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقُ هَذَا الِاسْمِ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ مَقَامٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 4224

٣٠٠٠ - «عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالِ الْمَأْرِبِيِّ أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ الَّذِي بِمَأْرِبَ فَأَقْطَعُهُ إِيَّاهُ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَقْطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ قَالَ: فَرَجَّعَهُ مِنْهُ، قَالَ: وَسَأَلَهُ مَاذَا يُحْمَى مِنَ الْآرَاكِ، قَالَ: لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الْإِبِلِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٣٠٠٠ - (عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ (الْمَأْرِبِيِّ) الْمَنْسُوبِ إِلَى مَأْرِبَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَقِيلَ: بِفَتْحِهَا مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَى مَأْرِبَ لِنُزُولِهِ فِيهِ وَكَانَ اسْمُهُ أَسْوَدَ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبْيَضَ، وَقِيلَ: مَأْرِبُ مِنْ بِلَادِ الْأَزْدِ وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: مَدِينَةٌ بِالْيَمَنِ مِنْ صَنْعَاءَ (أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) هُوَ قَلِيلُ الْحَدِيثِ (فَأَسْتَقْطَعَهُ) أَيْ: سَأَلَهُ أَنْ يَقْطَعَهُ إِيَّاهُ (الْمِلْحَ) أَيْ: مَعْدِنِ الْمِلْحِ (الَّذِي بِمَأْرِبَ) مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ غَيْرُ مَصْرُوفٍ فَأَسْعَفَ إِلَى مُلْتَمِسِهِ (فِي قَطْعِهِ) أَيْ: بِالْمِلْحِ (إِيَّاهُ) أَيْ: لِظَنِّهِ ﷺ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمِلْحُ بِعَمَلٍ وَكَدٍّ (فَلَمَّا وَلَّى) أَيْ: أَدْبَرَ (قَالَ رَجُلٌ) وَهُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسِ التَّيْمِيمِيُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَقِيلَ: إِنَّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَقْطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ وَالْعِدُّ الْمُهَيَّأُ (قَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَبْيَضُ الرَّاوِي (فَرَجَّعَهُ) أَيْ: فَرَدَّ الْمِلْحَ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ أَبْيَضَ، أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ فَاعِلَ قَالَ هُوَ الرَّجُلُ وَإِلَّا فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَهُ فَرَجَّعَهُ مِنِّي وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مِثْلُ الْمَاءِ الْمُهَيَّأِ رَجَعَ فِيهِ، وَمِنْ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ إِقْطَاعَ الْمَعَادِنِ إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا كَانَتْ بَاطِنَةً لَا يُنَالُ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا بِتَعَبٍ وَمُؤْنَةٍ كَالْمِلْحِ وَالنِّفْطِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَالْكِبْرِيتِ وَنَحْوِهَا، وَمَا كَانَتْ ظَاهِرَةً يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ كَدٍّ وَصَنْعَةٍ لَا يَجُوزُ إِقْطَاعُهَا، بَلِ النَّاسُ فِيهَا شَرَعٌ كَالْكَلَأِ وَمِيَاهِ الْأَوْدِيَةِ، وَأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا حَكَمَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْحَقَّ فِي خِلَافِهِ يَنْقُضُ حُكْمَهُ وَيَرْجِعُ عَنْهُ (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (وَسَأَلَهُ) أَيِ: الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ (مَاذَا يُحْمَى) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ وَإِسْنَادُهُ إِلَى مَا اسْتَكَنَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ الْعَائِدِ إِلَى (مِنَ الْآرَاكِ) بَيَانٌ لِمَا هُوَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْأَرْضِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْأَرْضُ الَّتِي فِيهَا الْآرَاكٌ، قَالَ الْمُظْهِرُ: " الْمُرَادُ مِنَ الْحِمَى هُنَا الْإِحْيَاءُ إِذِ الْحِمَى الْمُتَعَارَفُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصَّهُ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (مَا لَمْ تَنَلْهُ) بِفَتْحِ النُّونِ أَيْ لَمْ تَصِلْهُ (أَخْفَافُ الْإِبِلِ) وَمَعْنَاهُ مَا كَانَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الْمَرَاعِي وَالْعِمَارَاتِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا إِحْيَاءَ بِقُرْبِ الْعِمَارَةِ لِاحْتِيَاجِ الْبَلَدِ إِلَيْهِ لِمَرْعَى مَوَاشِيهِمْ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الْإِبِلِ أَيْ لِيَكُنِ الْإِحْيَاءُ فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الْإِبِلُ السَّارِحَةُ، وَفِي الْفَائِقِ قِيلَ: الْأَخْفَافُ مَسَانُّ الْإِبِلِ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْخُفُّ الْجَمَلُ الْمُسِنُّ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا قَرُبَ مِنَ الْمَرْعَى لَا يُحْمَى بَلْ يُتْرَكُ لِمَسَانِّ الْإِبِلِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الضِّعَافِ الَّتِي لَا تَقْوَى عَلَى الْإِمْعَانِ فِي طَلَبِ الْمَرْعَى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يُحْمَى مَا يَنَالُهُ الْأَخْفَافُ وَلَا شَيْءَ مِنْهَا إِلَّا وَيَنَالُهُ الْاَخْفَافُ " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 4225

٣٠٠١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٣٠٠١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ) قَالَ الْقَاضِي: " لَمَّا كَانَتِ الْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ أَنَّثَهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَقَالَ فِي ثَلَاثٍ (فِي الْمَاءِ) بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ وَالْمُرَادُ الْمِيَاهُ الَّتِي لَمْ تَحْدُثْ بِاسْتِنْبَاطِ أَحَدٍ وَسَيْعِهِ كَمَاءِ الْقِنِيِّ وَالْآبَارِ وَلَمْ يُحْرَزْ فِي إِنَاءٍ أَوْ بِرْكَةٍ أَوْ جَدْوَلٍ مَأْخُوذٍ مِنَ النَّهْرِ (وَالْكَلَأِ) مَا يَنْبُتُ فِي الْمَوَاتِ (وَالنَّارِ) يُرَادُ مِنْ الِاشْتِرَاكِ فِيهَا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِصْبَاحِ مِنْهَا وَالِاسْتِضَاءَةِ بِضَوْئِهَا لَكِنْ لِلْمُسْتَوْقِدِ أَنْ يَمْنَعَ أَخْذَ جَذْوَةٍ مِنْهَا لِأَنَّهُ يُنْقِصُهَا وَيُؤَدِّي إِلَى إِطْفَائِهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالنَّارِ الْحِجَارَةُ الَّتِي تُورِي النَّارَ لَا يَمْنَعُ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْهَا إِذَا كَانَتْ فِي مَوَاتٍ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا أَحْمَدُ.

стр. 4226

٣٠٠٢ - وَعَنْ أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَبَايَعْتُهُ فَقَالَ: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٠٠٢ - (وَعَنْ أَسْمَرَ) كَأَحْمَدَ (ابْنِ مُضَرِّسٍ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: طَائِيٌّ صَحَابِيٌّ عِدَادُهُ فِي أَعْرَابِ الْبَصْرَةِ (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَبَايَعْتُهُ) أَيْ: بَيْعَةَ الْإِسْلَامِ (قَالَ: مَنْ سَبَقَ إِلَى مَاءٍ) أَيْ: مُبَاحٍ وَكَذَا غَيْرُهُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ كَالْكَلَأِ وَالْحَطَبِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي رِوَايَةٍ " إِلَى مَا " مَقْصُورَةٍ فَهِيَ مَوْصُولَةٌ أَيْ إِلَى مَا (لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ) أَيْ: مَا أَخَذَهُ صَارَ مِلْكًا لَهُ دُونَ مَا بَقِيَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضُوعِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا الضِّيَاءُ عَنْ أُمِّ جُنْدُبٍ.

стр. 4227

٣٠٠٣ - وَعَنْ طَاوُسٍ مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا مِنَ الْأَرْضِ فَهُوَ لَهُ وَعَادِيُّ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. ــ ٣٠٠٣ - (وَعَنْ طَاوُسٍ) كَدَاوُدَ (مُرْسَلًا) أَيْ: مَحْذُوفَ الصَّحَابِيِّ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ طَاوُسُ بْنُ كَيْسَانَ الْخَوْلَانِيُّ الْهَمْدَانِيُّ مِنْ أَبْنَاءِ الْفُرْسِ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَخَلْقٌ سِوَاهُ، قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: " مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِثْلَ طَاوُسٍ كَانَ رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، مَاتَ بِمَكَّةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا مِنَ الْأَرْضِ فَهُوَ لَهُ) سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ (وَعَادِيُّ الْأَرْضِ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَضْمُومَةِ أَيِ: الْأَبْنِيَةُ وَالضِّيَاعُ الْقَدِيمَةُ الَّتِي لَا يُعْرَفُ لَهَا مَالِكٌ، نُسِبَتْ إِلَى عَادٍ قَوْمِ هُودٍ ﵊ لِتَقَادُمِ زَمَانِهِمْ لِلْمُبَالَغَةِ يَعْنِي الْخَرَابَ (لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) أَيْ: فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى مَا يَرَاهُ وَيَسْتَصْوِبُهُ (ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي) أَيْ: بِإِعْطَائِي إِيَّاهَا لَكُمْ بِإِذْنٍ أَذِنْتُ وَجَوَّزْتُ لَكُمْ أَنْ تُحْيُوهَا وَتُعَمِّرُوهَا، قَالَ الْقَاضِيَ ﵀: وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَمْهِيدٌ لِذِكْرِ رَسُولِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وَأَنَّ حُكْمَهُ ﷺ حُكْمُ اللَّهِ وَلِذَلِكَ عَدَلَ مِنْ " لِي " إِلَى " رَسُولِهِ " وَفِيهِ الْتِفَاتٌ (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) .

стр. 4228

٣٠٠٤ - وَرُوِيَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الدُّورَ بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ عِمَارَةِ الْأَنْصَارِ مِنَ الْمَنَازِلِ وَالنَّخْلِ، فَقَالَ بَنُو عَبْدِ بْنِ زُهْرَةَ: نَكِّبْ عَنَّا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلِمَ ابْتَعَثَنِي اللَّهُ إِذًا، إِنَّ اللَّهَ لَا يُقَدِّسُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهِمْ حَقُّهُ» . ــ ٣٠٠٤ - (وَرُوِيَ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ وَقِيلَ: بِالْمَعْلُومِ فَالضَّمِيرُ إِلَى الْبَغَوِيِّ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) كِتَابٍ مَشْهُورٍ لَهُ مُسْنَدٌ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَقْطَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودِ الدُّورَ بِالْمَدِينَةِ» ) قَالَ الْقَاضِي: " يُرِيدُ بِالدُّورِ الْمَنَازِلَ وَالْعَرْصَةَ الَّتِي أَقْطَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ لِيَبْنِي فِيهَا وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ ﷺ أَقْطَعَ الْمُهَاجِرِينَ الدُّورَ بِالْمَدِينَةِ وَتَأَوَّلَ كَذَا أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْمَنْزِلَ دَارًا وَإِنْ لَمْ يُبْنَ فِيهِ بَعْدُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَقْطَعَهَا لَهُ عَارِيَةً، وَكَذَا إِقْطَاعُهُ ﷺ لِسَائِرِ الْمُهَاجِرِينَ دُورَهُمْ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُوَرَّثَ دُورَ الْمُهَاجِرِينَ نِسَاؤُهُمْ وَأَنَّ زَيْنَبَ زَوْجَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَرِثَتْهُ دَارَهُ بِالْمَدِينَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَارٌ سِوَاهَا وَالْعَارِيَةُ لَا تُوَرَّثُ (وَهِيَ) أَيْ: تِلْكَ الدُّورُ أَوِ الْقِطْعَةُ (بَيْنَ ظَهْرَانَيْ عِمَارَةِ الْأَنْصَارِ) أَصْلُهُ ظَهْرَيْ عِمَارَتِكُمْ فَزِيدَتِ الْأَلِفُ وَالنُّونُ الْمَفْتُوحَةُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالْمَعْنَى بَيْنَهَا وَوَسَطَهَا (مِنَ الْمَنَازِلِ وَالنَّخْلِ) بَيَانٌ لِلدُّورِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَوَاتَ الْمَحْفُوفَةَ بِالْعِمَارَاتِ يَجُوزُ إِقْطَاعُهَا لِلْإِحْيَاءِ (قَالَ بَنُو عَبْدِ بْنِ زُهْرَةَ) بِضَمِّ زَاءٍ وَسُكُونِ هَاءٍ وَهُمْ حَيٌّ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ مِنْهُمْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ (نَكِّبْ) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَكْسُورَةِ أَيِ ابْعَدْ وَاصْرِفْ (عَنَّا) قَالَ تَعَالَى ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] أَيْ عَادِلُونَ عَنِ الْقَصْدِ (ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ) أَيْ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ اسْتِهَانَةً بِقُرْبِهِ وَسَآمَةً، وَسَأَلُوا الرَّسُولَ ﷺ أَنْ يَسْتَرِدَّ مِنْهُ مَا أَقْطَعَهُ (قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلِمَ) أَيْ: فَلِأَيِّ شَيْءٍ (ابْتَعَثَنِي اللَّهُ) افْتِعَالٌ مِنَ الْبَعْثِ أَيْ أَرْسَلَنِي اللَّهُ (إِذًا) بِالتَّنْوِينِ أَيْ إِذَا لَمْ أُسَوِّ بَيْنَ الضَّعِيفِ وَالْقَوِيِّ فِي أَخْذِ الْحَقِّ مِنْ صَاحِبِهِ وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ضَعِيفٌ، قَالَ الْقَاضِيَ: " وَإِنَّمَا بَعَثَنِي اللَّهُ لِإِقَامَةِ الْعَدْلِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ فَإِذَا كَانَ قَوْمِي يَذُبُّونَ الضَّعِيفَ عَنْ حَقِّهِ وَيَمْنَعُونَهُ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي ابْتِعَاثِي (إِنَّ اللَّهَ لَا يُقَدِّسُ أُمَّةً) أَيْ: لَا يُطَهِّرُهَا وَلَا يُزَكِّيهَا مِنَ الذُّنُوبِ وَالْعُيُوبِ (لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهِمْ) أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُمْ (حَقَّهُ) .

стр. 4229

٣٠٠٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي السَّيْلِ الْمَهْزُورِ أَنْ يُمْسَكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسَلَ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٣٠٠٥ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى) أَيْ: حَكَمَ (فِي السَّيْلِ الْمَهْزُورِ) بِلَامِ التَّعْرِيفِ فِيهِمَا وَتَقْدِيمِ الزَّايِ عَلَى الرَّاءِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هُوَ وَادٍ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَهْزُورُ بِتَقَدُّمِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى الرَّاءِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ وَادٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِالْحِجَازِ، فَأَمَّا بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ فَمَوْضِعٌ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ، تَصَدَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَا فِي الْفَائِقِ مَعَ زِيَادَةِ قَوْلِهِ وَأَمَا مَهْزُولٌ بِاللَّامِ فَوَادٍ إِلَى أَصْلِ جَبَلِ يَثْرِبَ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀ هَذَا اللَّفْظُ وَجَدْنَاهُ مَصْرُوفًا عَنْ وَجْهِهِ فَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي السَّيْلِ الْمَهْزُورِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَفِي بَعْضِهَا فِي سَيْلِ الْمَهْزُورِ بِالْإِضَافَةِ وَكَلَاهُمَا خَطَأٌ، وَصَوَابُهُ بِغَيْرِ أَلْفٍ وَلَامٍ فِيهِمَا بِصِيغَةِ الْإِضَافَةِ إِلَى عَلَمٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: " لَمَّا كَانَ الْمَهْزُورُ عَلَمًا مَنْقُولًا مِنْ صِفَةٍ مُشْتَقَّةٍ مِنْ هَزَرَهُ إِذَا غَمَضَهُ جَازَ إِدْخَالُ اللَّامِ فِيهِ تَارَةً وَتَجْرِيدُهُ عَنْهُ أُخْرَى " اه. وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَلْ فِيهِ لِلَمْحِ الْأَصْلِ وَهُوَ الصِّفَةُ وَمَعَ هَذَا كَانَ الظَّاهِرُ فِي سَيْلِ الْمَهْزُورِ فَكَانَ مَهْزُورٌ بَدَلًا مِنَ السَّيْلِ بِحَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: سَيْلٍ مَهْزُورٍ (أَنْ يُمْسَكَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: الْمَاءُ فِي أَرْضِهِ (حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلَ) بِالنَّصْبِ وَقِيلَ بِالرَّفْعِ أَيْ: يُنْزِلُ (الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ) أَيْ: إِلَى أَسْفَلَ مِنْهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 4230

٣٠٠٦ - «وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ عَضُدٌ مِنْ نَخِيلٍ فِي حَائِطِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَمَعَ الرَّجُلِ أَهْلُهُ، فَكَانَ سَمُرَةُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فَيَتَأَذَّى بِهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَطَلَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ لِيَبِيعَهُ فَأَبَى، فَطَلَبَ أَنْ يَنْقُلَهُ فَأَبَى، قَالَ: فَهَبْهُ لَهُ وَلَكَ كَذَا أَمْرًا رَغْبَةً فِيهِ فَأَبَى، فَقَالَ: أَنْتَ مُضَارٌّ، فَقَالَ لِلْأَنْصَارِيِّ: اذْهَبْ فَاقْطَعْ نَخْلَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ " مَنْ أَحْيَا أَرْضًا " فِي بَابِ الْغَضَبِ بِرِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي صِرْمَةَ «مَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ» فِي بَابِ مَا يَنْهِي عَنِ التَّهَاجُرِ. ــ ٣٠٠٦ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) بِضَمَّتَيْنِ وَبِفَتْحِ الثَّانِي (أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ عَضَدٌ) بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمِّ الثَّانِي وَيُسَكَّنُ أَيْ: طَرِيقَةٌ (مِنْ نَخْلٍ) قِيلَ مَعْنَاهَا أَعْدَادٌ مِنْ نَخْلٍ قِصَارٍ مُصْطَفَّةٌ وَالطَّرِيقُ الطِّوَالُ مِنَ النَّخْلِ، وَقِيلَ: الطَّرِيقَةُ عَلَى صَفٍّ وَاحِدٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْعَضْدُ الطَّرِيقَةُ مِنَ النَّخْلِ وَبِالتَّحْرِيكِ الشَّجَرُ الْمَنْضُودُ اه فَقَوْلُهُ: مِنْ نَخْلٍ عَلَى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ وَفِي الْفَائِقِ قَالُوا: لِلطَّرِيقِ مِنَ النَّخْلِ عَضَدٌ لِأَنَّهَا مُتَنَاضِرَةٌ فِي جِهَةٍ، وَرُوِيَ عَضِيدٌ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: " إِذَا صَارَ لِلنَّخْلَةِ جِذْعٌ يُتَنَاوَلُ مِنْهُ فَهِيَ الْعَضِيدُ وَالْجَمْعُ عَضُدَانِ وَقِيلَ هِيَ الْجَبَّارَةُ الْبَالِغَةُ غَايَةَ الطُّولِ (فِي حَائِطِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ) قِيلَ: الْأَنْصَارِيُّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ وَقِيلَ: اسْمُهُ مَالِكُ بْنُ قَيْسٍ وَقِيلَ: مَالِكُ بْنُ أَسْعَدَ وَكَانَ شَاعِرًا (وَمَعَ الرَّجُلِ أَهْلُهُ فَكَانَ سَمُرَةُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الرَّجُلِ (فَيَتَأَذَّى بِهِ) أَيْ: بِدُخُولِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: " ذِكْرُ الْأَهْلِ وَالتَّأَذِّي دَالَّانِ عَلَى تَضَرُّرِ الْأَنْصَارِيِّ مِنْ مُرُورِهِ " (فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ) أَيِ: الْأَمْرَ لَهُ (فَطَلَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ: سَمُرَةَ إِلَى مَجْلِسِهِ الشَّرِيفِ (لِيَبِيعَهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " تَعْدِيَةُ طَلَبَ بِإِلَى يُشْعِرُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْهَى إِلَيْهِ طَلَبَ الْبَيْعِ شَافِعًا وَكَذَا فِي الْبَاقِي " (فَأَبَى) أَيِ: امْتَنَعَ (فَطَلَبَ أَنْ يُنْقُلَهُ) أَيْ: يُبَادِلَ بِمِثْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (فَأَبَى فَقَالَ: فَهَبْهُ لَهُ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: " لَفْظُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فَرْدُ نَخْلٍ لِتَعَاقُبِ الضَّمِيرِ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ فِي قَوْلِهِ لِيَبِيعَهُ وَيُنَاقِلُهُ وَفَهَبْهُ لَهُ وَأَيْضًا لَوْ كَانَتْ طَرِيقَةً مِنَ النَّخْلِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِقَطْعِهَا لِدُخُولِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ دُخُولِهِ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ صَوَابَهُ عَضِيدٌ، قَالَ الْقَاضِي: إِفْرَادُ الضَّمِيرِ فِيهَا لِإِفْرَادِ اللَّفْظِ (وَلَكَ ذَلِكَ) أَيْ: فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْبَسَاتِينِ وَالْحُورِ وَالْقُصُورِ وَالْحُبُورِ وَالسُّرُورِ (أَمْرًا رَغْبَةً فِيهِ) أَيْ: فِي الْأَمْرِ وَنَصَبَهُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَالتَّفْسِيرُ لِقَوْلِهِ فَهَبْهُ لَهُ يَعْنِي هُوَ أَمْرٌ عَلَى سَبِيلِ التَّرْغِيبِ وَالِاسْتِشْفَاعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ فَاعِلِ " قَالَ " أَيْ: قَالَ آمِرًا مُرَغِّبًا فِيهِ وَأَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى الْمَصْدَرِ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ أَيْ: قَالَ قَوْلًا مُرَغَّبًا فِيهِ وَهَذِهِ الْوُجُوهُ جَارِيَةٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ - أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٤ - ٥] كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ (فَأَبَى) أَيِ: امْتَنَعَ مِنْ هَذَا أَيْضًا (فَقَالَ: أَنْتِ مَضَارُّ) قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ إِذَا لَمْ تَقْبَلْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَلَسْتَ تُرِيدُ إِلَّا إِضْرَارَ النَّاسِ وَمَنْ يُرِيدُ إِضْرَارَ النَّاسِ جَازَ دَفْعُ ضَرَرِهِ، وَدَفْعُ ضَرَرِكَ أَنْ يُقْطَعَ شَجَرُكَ (فَقَالَ لِلْأَنْصَارِيِّ: اذْهَبْ فَاقْطَعْ نَخْلَهُ) وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ الْأَنْصَارِيَّ بِقَطْعِ النَّخْلِ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ سَمُرَةَ يُضَارُّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ غَرْسَهَا كَانَ بِالْعَارِيَةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ) أَيِ: الْوَاقِعَ فِي الْمَصَابِيحِ (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا) أَيْ: مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ (بِرِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) أَيْ: فِي الْمِشْكَاةِ (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي صِرْمَةَ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ( «مَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ» ) كَذَا هُنَا فِي أَصْلِ الْمِشْكَاةِ (فِي بَابِ مَا يَنْهِي مِنَ التَّهَاجُرِ) بِلَفْظِ «ضَارَّ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ سَهْوُ قَلَمٍ.

стр. 4231

" الْفَصْلُ الثَّالِثُ " ٣٠٠٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: الْمَاءُ وَالْمِلْحُ وَالنَّارُ، قَالَتْ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْمَاءُ قَدْ عَرَفْنَاهُ فَمَا بَالُ الْمِلْحِ وَالنَّارِ؟ قَالَ: يَا حُمَيْرَاءُ مَنْ أَعْطَى نَارًا فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا أَنْضَجَتْ تِلْكَ النَّارُ وَمَنْ أَعْطَى مِلْحًا فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا طَيَّبَتْ تِلْكَ الْمِلْحُ، وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ حَيْثُ يُوجَدُ الْمَاءُ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ رَقَبَةً، وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ حَيْثُ لَا يُوجَدُ الْمَاءُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهَا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ٣٠٠٧ - (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ) الْمُرَادُ بِالشَّيْءِ جِنْسُهُ (قَالَ: الْمَاءُ وَالْمِلْحُ وَالنَّارُ، قَالَتْ: قَلَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْمَاءُ قَدْ عَرَفْنَاهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: " الْجُمْلَةُ حَالٌ وَعَامِلُهُ مَا فِي هَذَا مِنْ مَعْنَى الْإِشَارَةِ وَفِي صَاحِبِهَا خِلَافٌ قِيلَ: الْمُقَدَّرُ فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ وَهُوَ الْمَجْرُورُ وَقِيلَ: الْخَبَرُ تَعْنِي قَدْ عَرَفْنَا حَالَ الْمَاءِ وَاحْتِيَاجَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ إِلَيْهِ وَتَضَرُّرَهَا بِالْمَنْعِ " (فَمَا بَالُ الْمِلْحِ وَالنَّارِ) أَيْ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَمْرُ الْمِلْحِ وَالنَّارِ (قَالَ: يَا حُمَيْرَاءَ) تَصْغِيرُ حَمْرَاءُ يُرِيدُ الْبَيْضَاءَ كَذَا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: " نُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ جَمَالِ الدِّينِ يُوسُفَ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ حَدِيثٍ فِيهِ يَا حُمَيْرَاءُ فَهُوَ مَوْضُوعٌ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ " هَذِهِ الْمَقَالَةُ لَا تَصِحُّ عَلَى عُمُومِهَا لِأَنَّ مُجَرَّدَ اشْتِمَالِ الْحَدِيثِ عَلَى " يَا حُمَيْرَاءُ " لَا يَدُلُّ عَلَى الْوَضْعِ، نَعَمْ إِنْ وُجِدَ مَعَهُ أَسْبَابٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى الْوَضْعِ يُحْكَمُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا اه وَلَعَلَّ مُرَادَهُ كُلُّ حَدِيثٍ مُصَدَّرٍ بِيَا حُمَيْرَاءُ، وَقَدْ تَتَبَّعُوا تِلْكَ الْأَحَادِيثَ فَوَجَدُوهَا مَوْضُوعَةً وَنَظِيرُهُ مَا قَالَ السِّمْنَانِيُّ: وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ الَّتِي تُرْوَى فِي تَسْمِيَتِهَا يَا حُمَيْرَاءُ (مَنْ أَعْطَى نَارًا) أَيِ لِلَّهِ تَعَالَى (فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا أَنْضَجَتْ تِلْكَ النَّارُ) أَيْ: طَبَخَتْهُ ( «وَمَنْ أَعْطَى مِلْحًا فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا طَيَّبَتْ تِلْكَ الْمِلْحُ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: فَأَجَابَهَا بِمَا أَجَابَ ﷺ مُبَيِّنًا عَلَى الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ أَيْ: دَعِي عَنْكِ هَذَا وَانْظُرِي إِلَى مَنْ يُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ هَذَا الثَّوَابَ الْجَزِيلَ عِنْدَ الْمَنْعِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْحَقِيرِ الَّذِي لَا يُعْبَأُ بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَنَّثَ ضَمِيرَ الْمِلْحِ فِي قَوْلِهِ طَيَّبَتْ وَتِلْكَ مُرَادًا بِهَا الْقِلَّةُ وَالنُّدْرَةُ ( «وَمَنْ يَسْقِي مُسْلِمًا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ حَيْثُ يُوجَدُ الْمَاءُ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ رَقَبَةً، وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ حَيْثُ لَا يُوجَدُ الْمَاءُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهَا» ) أَيِ: الْمُسْلِمَ عَلَى تَأْوِيلِ النَّفْسِ أَوِ النِّسَمَةَ وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] وَإِنَّمَا أَتَى بِالْمَاءِ فِي الْجَوَابِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَسْئُولٍ عَنْهُ رَدًّا لَهَا وَلِادِّعَائِهَا الْعِرْفَانَ بِشَأْنِهِ يَعْنِي إِنَّكِ لَسْتِ تَعْرِفِينَهُ بِهَذَا الْوَجْهِ مُفَصَّلًا وَلِهَذَا أَخَّرَهُ أَيْضًا فِي الذِّكْرِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 4232

[بَابُ الْعَطَايَا] (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ٣٠٠٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، إِنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهِ فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ» . قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (بَابُ الْعَطَايَا) جَمْعُ عَطِيَّةٍ وَالْمُرَادُ عَطَايَا الْأُمَرَاءِ وَصِلَاتُهُمْ، قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ: فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا تَقُولُ فِي قَبُولِ جَوَائِزِ السَّلَاطِينِ فِي هَذَا الزَّمَانِ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ قَوْمٌ: كُلُّ مَا لَا يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ حَرَامٌ فَلَهُ أَخْذُهُ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ مَا لَا يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ حَلَالٌ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ فِي هَذَا الْعَصْرِ عَلَى أَمْوَالِ السَّلَاطِينِ الْحَرَامُ، وَالْحَلَالُ فِي أَيْدِيهِمْ مَعْدُومٌ وَعَزِيزٌ. قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ صِلَاتَ السَّلَاطِينِ تَحِلُّ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهَا حَرَامٌ، وَإِنَّمَا التَّبِعَةُ عَلَى الْمُعْطِي، قَالُوا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِلَ هَدِيَّةَ الْمُقَوْقِسَ مَلِكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَاسْتَقْرَضَ مِنَ الْيَهُودِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (" ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] ") قَالُوا: وَقَدْ أَدْرَكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَيَّامَ الظَّلَمَةِ، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ، فَمِنْهُمْ: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمْ ﵃ وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَحِلُّ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْءٌ لَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِفَقِيرٍ إِذْ هُمْ مَوْسُومُونَ بِالظُّلْمِ وَالْغَالِبُ مِنْ مَالِهِمُ السُّحْتُ وَالْحَرَامُ وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ فَيَلْزَمُ الِاجْتِنَابُ، وَقَالَ

стр. 4233

آخَرُونَ: مَا لَا يُتَيَقَّنُ أَنَّهُ حَرَامٌ فَهُوَ حَلَالٌ لِلْفَقِيرِ دُونَ الْغَنِيِّ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْفَقِيرُ أَنَّ ذَلِكَ عَيْنُ الْغَصْبِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، إِلَّا لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ، وَلَا حَرَجَ عَلَى الْفَقِيرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ، فَأُعْطِيَ الْفَقِيرُ فَلَهُ أَخْذُهُ بِلَا رَيْبٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِ فَيْءٍ أَوْ خَرَاجٍ أَوْ عُشْرٍ فَلِلْفَقِيرِ فِيهِ حَقٌّ، وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ -: مَنْ دَخَلَ الْإِسْلَامَ طَائِعًا وَقَرَأَ الْقُرْآنَ ظَاهِرًا فَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كُلَّ سَنَةٍ مِائَتَا دِرْهَمٍ. وَرُوِيَ: مِائَتَا دِينَارٍ إِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا فِي الدُّنْيَا أَخَذَهَا فِي الْعُقْبَى، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْفَقِيرُ وَالْعَالِمُ يَأْخُذُ مِنْ حَقِّهِ، قَالُوا: وَإِذَا كَانَ الْمَالُ مُخْتَلِطًا بِمَالٍ مَغْصُوبٍ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ أَوْ مَغْصُوبًا لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ عَلَى الْمَالِكِ وَوَرَثَتِهِ فَلَا مُخَلِّصَ لِلسُّلْطَانِ مِنْهُ إِلَّا بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَأْمُرَهُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْفَقِيرِ وَيَنْهِي الْفَقِيرَ عَنْ قَبُولِهِ أَوْ يَأْذَنَ الْفَقِيرُ فِي الْقَبُولِ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، فَإِذًا لِلْفَقِيرِ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا مِنْ عَيْنِ الْغَصْبِ وَالْحَرَامِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ. ٣٠٠٨ - (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَصَابَ) أَيْ: صَادَفَ فِي نَصِيبِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ (أَرْضًا بِخَيْبَرَ) أَيْ: فِيهَا نَخِيلًا نَفِيسًا (فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ) أَيْ: فَجَاءَهُ (قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ قَطُّ) أَيْ: قَبْلَ هَذَا أَبَدًا (أَنْفَسَ) أَيْ: أَعَزَّ (عِنْدِي مِنْهُ) وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (" وَلَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفَسِكُمْ ") بِفَتْحِ الْفَاءِ فِي قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " أَجْوَدَ وَقَدْ نَفُسَ بِضَمِّ الْفَاءِ نَفَاسَةً وَاسْمُ هَذَا الْمَالِ ثَمْغٌ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ (فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ) أَيْ: فِيهِ فَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْعَلَهُ لِلَّهِ وَمَا أَدْرِي بِأَيِّ طَرِيقٍ أَجْعَلُهُ لَهُ (قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُخَفَّفُ أَيْ: وَقَفْتَ (أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا) أَيْ: بِغَلَّتِهَا وَحَاصِلِهَا مِنْ حُبُوبِهَا وَثِمَارِهَا فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ إِنَّهُ) أَيْ: عَلَى إِنَّهُ (لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُوَرَّثُ وَتَصَدَّقَ بِهَا) أَيْ: وَجَعَلَ الصَّدَقَةَ الْحَاصِلَةَ مِنْ غَلَّتِهَا (فِي الْفُقَرَاءِ) أَيْ: فُقَرَاءِ الْمَدِينَةِ أَوْ أَهْلِ الصُّفَّةِ (وَفِي الْقُرْبَى) تَأْنِيثِ الْأَقْرَبِ كَذَا قِيلَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْقَرَابَةِ وَالْمُضَافُ مُقَدَّرٌ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ [الإسراء: ٢٦] وَالْمُرَادُ أَقَارِبُ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ أَقْرِبَاءُ نَفْسِهِ وَالظَّاهِرُ عُمُومُ فُقَرَائِهِمْ وَأَغْنِيَائِهِمْ (وَفِي الرِّقَابِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ رَقَبَةٍ وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ أَيْ فِي أَدَاءِ دُيُونِهِمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنْ يَشْتَرِي بِهِ الْأَرِقَّاءَ وَيُعْتِقَهُمْ (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: مُنْقَطَعُ الْغُزَاةِ أَوِ الْحَاجِّ (وَابْنُ السَّبِيلِ) أَيْ: مُلَازِمُهُ وَهُوَ الْمُسَافِرُ وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا فِي بِلَادِهِ (وَالضَّيْفُ لَا جُنَاحَ) أَيْ: لَا إِثْمَ (عَلَى مَنْ وَلِيَهَا) أَيْ: قَامَ بِحِفْظِهَا وَإِصْلَاحِهَا (أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ) بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ قُوتًا وَكُسْوَةً (أَوْ يُطْعِمَ) أَيْ: أَهْلَهُ أَوْ حَضَرَهُ (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ) أَيْ: مُدَّخِرٍ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ وَلِيَهَا (قَالَ ابْنُ سِيرِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا) أَيْ: غَيْرَ مُجْمِعٍ لِنَفْسِهِ مِنْهُ رَأْسَ مَالٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: " وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ أَصْلِ الْوَقْفَ وَأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِشَوَائِبِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّ الْوَقْفَ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُوَرَّثُ، وَإِنَّمَا يُنْتَفَعُ فِيهِ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ، وَفِيهِ صِحَّةُ شُرُوطِ الْوَاقِفِ، وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْوَقْفِ وَهِيَ الصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ وَفَضِيلَةُ الْإِنْفَاقِ مِمَّا يُحِبُّ وَفَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعُمَرَ ﵁ وَفَضِيلَةُ مُشَاوَرَةِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ فِي الْأَمْرِ وَطُرُقِ الْخَيْرِ، وَفِيهِ أَنَّ خَيْبَرَ فُتِحَتْ عُنْوَةً وَأَنَّ الْغَانِمِينَ مَلَكُوهَا وَاقْتَسَمُوهَا وَاسْتَمَرَّتْ أَمْلَاكُهُمْ عَلَى حِصَصِهِمْ وَفِيهِ فَضِيلَةُ صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَالْوَقْفِ عَلَيْهِمْ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ شَيْئًا وَلَمْ يُنَصِّبْ لَهُ قَيِّمًا مُعَيَّنًا جَازَ ; لِأَنَّهُ قَالَ: لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهَا قَيِّمًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِوَقْفِهِ ; لِأَنَّهُ أَبَاحَ الْأَكْلَ لِمَنْ وَلِيَهُ وَقَدْ يَلِيهِ الْوَاقِفُ وَلِأَنَّهُ ﷺ «قَالَ لِلَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ: ارْكَبْهَا» ، وَقَالَ ﷺ : «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَاشْتَرَاهَا عُمَرُ ﵁» - وَوَقَفَ أَنَسٌ دَارًا وَكَانَ إِذَا قَدِمَهَا نَزَلَهَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَقُولُ: الْأَنْسَبُ إِيرَادُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْوَقْفِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 4234

٣٠٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٠٠٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْعُمْرَى) : بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ مِيمٍ وَفَتْحِ رَاءٍ بَعْدَهُ أَلِفٌ مَقْصُورَةٌ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: " وَحُكِيَ ضَمِّ الْمِيمِ مَعَ ضَمِّ أَوَّلِهِ، وَحُكِيَ فَتْحِ أَوَّلِهِ مَعَ السُّكُونِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعُمْرِ، وَالرُّقْبَى بِوَزْنِهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ (جَائِزَةٌ) : قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْعُمْرَى قَوْلُ الْقَائِلِ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ أَوْ حَيَاتَكَ أَوْ مَا عِشْتَ أَوْ مَا يُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى "، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " أَيْ: جَعَلَ الدَّارَ لِلْمُعْمَرِ لَهُ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ مَعَ شَرْطِ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ تُرَدُّ عَلَى الْوَاهِبِ، وَهَذَا الشَّرْطُ بَاطِلٌ كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ، فَهِيَ لَهُ حَالَ حَيَاتِهِ وَلِوَرَثَتِهِ بَعْدَهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: " قَالَ أَصْحَابُنَا: لِلْعُمْرَى ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ إِحْدَاهَا أَنْ يَقُولَ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ، فَإِذَا مِتَّ فَهِيَ لِوَرَثَتِكَ أَوْ لِعَقِبِكَ، فَيَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ، وَيَمْلِكُ رَقَبَةَ الدَّارِ، وَهِيَ هِبَةٌ. فَإِذَا مَاتَ فَالدَّارُ لِوَرَثَتِهِ وَإِلَّا فَلِبَيْتِ الْمَالِ وَلَا تَعُودُ إِلَى الْوَاهِبِ بِحَالٍ، وَثَانِيَتُهَا: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِمَا سِوَاهُ فَفِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، أَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ صِحَّتُهُ وَلَهُ حُكْمُ الْحَالِ الْأُولَى، وَثَالِثَتُهَا: أَنْ يَقُولَ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ فَإِذَا مِتَّ عَادَتْ إِلَيَّ أَوْ إِلَى وَرَثَتِي، فَفِي صِحَّتِهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا صِحَّتُهُ، فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْأُولَى، وَاعْتَمَدُوا عَلَى الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ، وَعَدَلُوا بِهِ عَنْ قِيَاسِ الشُّرُوطِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: " تَصِحُّ الْعُمْرَى الْمُطْلَقَةُ دُونَ الْمُؤَقَّتَةِ " وَقَالَ مَالِكٌ: " الْعُمْرَى فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ تَمْلِيكٌ لِمَنَافِعِ الدَّارِ مَثَلًا وَلَا يَمْلِكُ فِيهَا رَقَبَتَهَا بِحَالٍ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَذْهَبِنَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ: " «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ «الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ» ، قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: إِنَّ الْعُمْرَى اسْمٌ مِنْ أَعْمَرْتُكَ الشَّيْءَ أَيْ: جَعَلْتُهُ لَكَ مُدَّةَ عُمْرِكَ وَهِيَ جَائِزَةٌ بِالِاتِّفَاقِ مُمَلَّكَةٌ بِالْقَبْضِ كَسَائِرِ الْهِبَاتِ وَيُوَرَّثُ الْمُعْمَرُ مِنَ الْمُعْمِرِ لَهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ عَلَى مَا ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلْحَدِيثَيْنِ الْمُتَعَاقِبَيْنِ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ خِلَافًا لِمَالِكٍ، فَإِنَّ عِنْدَهُ يَرْجِعُ إِلَى الْمُعْمِرِ، وَتَمَسَّكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ بَعْدَهُمَا، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَأْوِيلٌ حَدَّثَ بِهِ جَابِرٌ عَنْ رَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ وَأَحَادِيثُهُ الَّتِي رَوَاهَا عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ.

стр. 4235

٣٠١٠ - وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٠١٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا» ) أَيْ: لِأَهْلِ الْعُمْرَى وَفِيهِ أَنَّ الْعُمْرَى تَمْلِيكُ الرَّقَبَةِ وَالْمَنْفَعَةِ فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: الْعُمْرَى تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ دُونَ الرَّقَبَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَلَفْظُهُ «الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَبِيلُهُمَا سَبِيلُ الْمِيرَاثِ» ، وَسَيَأْتِي مَعْنَى الرُّقْبَى وَحُكْمُهَا.

стр. 4236

٣٠١١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا لَا يَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا ; لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٠١١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (عُمْرَى) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (لَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِأُعْمِرَ وَالضَّمِيرُ لِلرَّجُلِ (وَلِعَقِبِهِ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَقِيلَ بِسُكُونِهَا (فَإِنَّهَا) أَيِ الْعُمْرَى (لِلَّذِي أُعْطِيَتْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (لَا تَرْجِعُ) : بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ وَقِيلَ بِالتَّذْكِيرِ أَيْ: لَا تَصِيرُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا لِأَنَّهُ أَعْطَى بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ وَقِيلَ بِالْمَفْعُولِ (عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ) : وَالْمَعْنَى أَنَّهَا صَارَتْ مِلْكًا لِلْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ فَيَكُونُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِوَارِثِهِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ وَلَا تَرْجِعُ إِلَى الدَّافِعِ كَمَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْمَوْهُوبِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ سَوَاءٌ ذَكَرَ الْعَقِبَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَرْجِعُ إِلَى الْمُعْطِي إِنْ كَانَ حَيًّا وَإِلَى وَرَثَتِهِ إِنْ كَانَ مَيِّتًا إِذَا لَمْ يَذْكُرْ عَقِبَهُ، قِيلَ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ بِالْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ الْمُطْلَقَةَ لَا تُوَرَّثُ بَلْ تَرْجِعُ إِلَى الْمُعْمِرِ، وَالْقَوْلُ الْمَنْقُولُ عَنْ جَابِرٍ مُصَرِّحٌ بِذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4237

٣٠١٢ - وَعَنْهُ قَالَ: «إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٠١٢ - وَ (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ مَوْقُوفًا (قَالَ «إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا» ) : قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْعُمْرَى جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقٍ مُمَلَّكَةٌ بِالْقَبْضِ كَسَائِرِ الْهِبَاتِ وَيُوَرَّثُ الْمُعْمِرُ مِنَ الْمُعْمَرِ لَهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ سَوَاءٌ أَطْلَقَ أَمْ أَرْدَفَ بِأَنَّهُ لِعَقِبِكَ أَوْ وَرِثَتِكَ بَعْدَكَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا» " أَيْ: لِلْمُعْمَرِ لَهُ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَيِّدْ، وَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَقُلْ: هُوَ لِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ لَمْ يُوَرَّثْ مِنْهُ بَلْ يَعُودُ بِمَوْتِهِ إِلَى الْمُعْمِرِ وَيَكُونُ تَمْلِيكًا لِلْمَنْفَعَةِ لَهُ. وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ ثَانِيًا عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ " الْحَدِيثَ فَإِنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ أَيُّمَا وَالتَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُعْمَرْ لَهُ كَذَلِكَ لَمْ يُوَرَّثْ مِنْهُ الْعُمْرَى، بَلْ يَرْجِعُ إِلَى الْمُعْطِي وَبِمَا رُوِيَ عَنْهُ. ثَالِثًا أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ إِلَخْ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَفْهُومِ وَالْقَوْلِ بِعُمُومِهِ وَجَوَازِ تَخْصِيصِ الْمَنْطُوقِ، وَالْخِلَافُ مَا حَقَّ فِي الْكُلِّ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ تَأْوِيلٌ وَقَوْلٌ صَدَرَ عَنْ رَأْيِ جَابِرٍ وَاجْتِهَادِهِ فَلَا احْتِجَاجَ فِيهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4238

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ٣٠١٣ - عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُرْقِبُوا وَلَا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ (الْفَصْلُ الثَّانِي) ٣٠١٣ - (عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُرْقِبُوا) : مِنَ الْإِرْقَابِ بِمَعْنَى الْمُرَاقَبَةِ وَالِاسْمُ الرُّقْبَى وَهِيَ أَنْ يَقُولَ: وَهَبْتُ لَكَ دَارِي فَإِنْ مِتَّ قَبْلِي رَجَعَتْ إِلَيَّ، وَإِنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَهِيَ لَكَ، فِعْلٌ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ كَذَا فِي تَلْخِيصِ النِّهَايَةِ، ثُمَّ الرُّقْبَى لَا تَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَتَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَلَا تُعْمِرُوا) : مِنِ الْإِعْمَارِ. قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: هَذَا نَهْيُ إِرْشَادٍ يَعْنِي لَا تَهِبُوا أَمْوَالَكُمْ مُدَّةً ثُمَّ تَأْخُذُونَهَا، بَلْ إِذَا وَهَبْتُمْ شَيْئًا زَالَ عَنْكُمْ وَلَا يَرْجِعُ إِلَيْكُمْ سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَوِ الْعُمْرَى أَوِ الرُّقْبَى، وَالرُّقْبَى اسْمٌ مِنْ أَرْقَبَ الرَّجُلُ إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ وَهَبْتُ لَكَ كَذَا عَلَى إِنْ مِتُّ قَبْلَكَ اسْتَقَرَّ عَلَيْكَ وَإِنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَ إِلَيَّ، وَأَصْلُهُ الْمُرَاقَبَةُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ (فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ فِيهِمَا (فَهِيَ) أَيِ: الْعُمْرَى أَوِ الرُّقْبَى الْمَفْهُومَيْنِ مِنَ الْفِعْلَيْنِ وَفِي نُسْخَةٍ وَهِيَ، وَالظَّاهِرُ فَهُوَ أَيْ ذَلِكَ الشَّيْءُ (لِوَرَثَتِهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الضَّمِيرُ لِلْمُعْمَرِ لَهُ وَكَذَا الْمُرَادُ بِأَهْلِهَا وَالْفَاءُ فِي " فَمَنْ أُرْقِبَ " تَسَبُّبٌ لِلنَّهْيِ وَتَعْلِيلٌ لَهُ يَعْنِي لَا تُرْقِبُوا وَلَا تُعْمِرُوا ظَنًّا مِنْكُمْ وَاغْتِرَارًا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ لِلْمُعْمَرِ لَهُ فَيَرْجِعُ إِلَيْكُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ فَهُوَ لِوَرَثَةِ الْمُعْمَرِ لَهُ فَعَلَى هَذَا يَتَحَقَّقُ إِصَابَةُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ فِي أَنَّ الْعُمْرَى لِلْمُعْمَرِ لَهُ وَأَنَّهُ يَمْلِكُهَا مِلْكًا تَامًّا يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَتَكُونُ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَهُ، وَيَنْصُرُ هَذَا التَّأْوِيلَ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ وَفِي النِّهَايَةِ: " كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَأَبْطَلَهُ الشَّارِعُ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ مَنْ أُعْمِرَ شَيْئًا أَوْ أُرْقِبَهُ فِي حَيَاتِهِ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ " وَقَدْ تَعَاضَدَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى ذَلِكَ وَالْفُقَهَاءُ فِيهَا مُخْتَلِفُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَيَجْعَلُونَهَا تَمْلِيكًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا كَالْعَارِيَةِ وَيَتَأَوَّلُ الْحَدِيثَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4239

٣٠١٤ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا، وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٠١٤ - (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِمَنْ أُعْمِرَهَا وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِمَنْ أُرْقِبَهَا وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» .

стр. 4240

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ٣٠١٥ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَمْسِكُوا أَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ لَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ٣٠١٥ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمْسِكُوا أَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ لَا تُفْسِدُوهَا» ) : هَذَا النَّهْيُ تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (حَيًّا) دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُهَا وَلَهُ بَيْعُهَا وَسَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ (وَمَيِّتًا) أَيْ: دَيْنًا وَوَصِيَّةً وَوَقْفًا (وَلِعَقِبِهِ) : قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْعُمْرَى هِبَةٌ صَحِيحَةٌ مَاضِيَةٌ يَمْلِكُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ مِلْكًا تَامًّا لَا تَعُودُ إِلَى الْوَاهِبِ أَبَدًا، وَإِذَا عَلِمُوا ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ أَعْمَرَ وَدَخَلَ فِيهَا عَلَى بَصِيرَةٍ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهَا كَالْعَارِيَةِ يَرْجِعُ فِيهَا، وَهَذَا دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافَقِيهِ " اه وَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: وَهَذَا دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ ﵏ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
следующие страницы →