← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

٣٠١١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا لَا يَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا ; لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٠١١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (عُمْرَى) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (لَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِأُعْمِرَ وَالضَّمِيرُ لِلرَّجُلِ (وَلِعَقِبِهِ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَقِيلَ بِسُكُونِهَا (فَإِنَّهَا) أَيِ الْعُمْرَى (لِلَّذِي أُعْطِيَتْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (لَا تَرْجِعُ) : بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ وَقِيلَ بِالتَّذْكِيرِ أَيْ: لَا تَصِيرُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا لِأَنَّهُ أَعْطَى بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ وَقِيلَ بِالْمَفْعُولِ (عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ) : وَالْمَعْنَى أَنَّهَا صَارَتْ مِلْكًا لِلْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ فَيَكُونُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِوَارِثِهِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ وَلَا تَرْجِعُ إِلَى الدَّافِعِ كَمَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْمَوْهُوبِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ سَوَاءٌ ذَكَرَ الْعَقِبَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَرْجِعُ إِلَى الْمُعْطِي إِنْ كَانَ حَيًّا وَإِلَى وَرَثَتِهِ إِنْ كَانَ مَيِّتًا إِذَا لَمْ يَذْكُرْ عَقِبَهُ، قِيلَ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ بِالْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ الْمُطْلَقَةَ لَا تُوَرَّثُ بَلْ تَرْجِعُ إِلَى الْمُعْمِرِ، وَالْقَوْلُ الْمَنْقُولُ عَنْ جَابِرٍ مُصَرِّحٌ بِذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4237

٣٠١٢ - وَعَنْهُ قَالَ: «إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٠١٢ - وَ (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ مَوْقُوفًا (قَالَ «إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا» ) : قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْعُمْرَى جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقٍ مُمَلَّكَةٌ بِالْقَبْضِ كَسَائِرِ الْهِبَاتِ وَيُوَرَّثُ الْمُعْمِرُ مِنَ الْمُعْمَرِ لَهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ سَوَاءٌ أَطْلَقَ أَمْ أَرْدَفَ بِأَنَّهُ لِعَقِبِكَ أَوْ وَرِثَتِكَ بَعْدَكَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا» " أَيْ: لِلْمُعْمَرِ لَهُ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَيِّدْ، وَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَقُلْ: هُوَ لِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ لَمْ يُوَرَّثْ مِنْهُ بَلْ يَعُودُ بِمَوْتِهِ إِلَى الْمُعْمِرِ وَيَكُونُ تَمْلِيكًا لِلْمَنْفَعَةِ لَهُ. وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ ثَانِيًا عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ " الْحَدِيثَ فَإِنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ أَيُّمَا وَالتَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُعْمَرْ لَهُ كَذَلِكَ لَمْ يُوَرَّثْ مِنْهُ الْعُمْرَى، بَلْ يَرْجِعُ إِلَى الْمُعْطِي وَبِمَا رُوِيَ عَنْهُ. ثَالِثًا أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ إِلَخْ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَفْهُومِ وَالْقَوْلِ بِعُمُومِهِ وَجَوَازِ تَخْصِيصِ الْمَنْطُوقِ، وَالْخِلَافُ مَا حَقَّ فِي الْكُلِّ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ تَأْوِيلٌ وَقَوْلٌ صَدَرَ عَنْ رَأْيِ جَابِرٍ وَاجْتِهَادِهِ فَلَا احْتِجَاجَ فِيهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4238

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ٣٠١٣ - عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُرْقِبُوا وَلَا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ (الْفَصْلُ الثَّانِي) ٣٠١٣ - (عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُرْقِبُوا) : مِنَ الْإِرْقَابِ بِمَعْنَى الْمُرَاقَبَةِ وَالِاسْمُ الرُّقْبَى وَهِيَ أَنْ يَقُولَ: وَهَبْتُ لَكَ دَارِي فَإِنْ مِتَّ قَبْلِي رَجَعَتْ إِلَيَّ، وَإِنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَهِيَ لَكَ، فِعْلٌ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ كَذَا فِي تَلْخِيصِ النِّهَايَةِ، ثُمَّ الرُّقْبَى لَا تَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَتَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَلَا تُعْمِرُوا) : مِنِ الْإِعْمَارِ. قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: هَذَا نَهْيُ إِرْشَادٍ يَعْنِي لَا تَهِبُوا أَمْوَالَكُمْ مُدَّةً ثُمَّ تَأْخُذُونَهَا، بَلْ إِذَا وَهَبْتُمْ شَيْئًا زَالَ عَنْكُمْ وَلَا يَرْجِعُ إِلَيْكُمْ سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَوِ الْعُمْرَى أَوِ الرُّقْبَى، وَالرُّقْبَى اسْمٌ مِنْ أَرْقَبَ الرَّجُلُ إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ وَهَبْتُ لَكَ كَذَا عَلَى إِنْ مِتُّ قَبْلَكَ اسْتَقَرَّ عَلَيْكَ وَإِنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَ إِلَيَّ، وَأَصْلُهُ الْمُرَاقَبَةُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ (فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ فِيهِمَا (فَهِيَ) أَيِ: الْعُمْرَى أَوِ الرُّقْبَى الْمَفْهُومَيْنِ مِنَ الْفِعْلَيْنِ وَفِي نُسْخَةٍ وَهِيَ، وَالظَّاهِرُ فَهُوَ أَيْ ذَلِكَ الشَّيْءُ (لِوَرَثَتِهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الضَّمِيرُ لِلْمُعْمَرِ لَهُ وَكَذَا الْمُرَادُ بِأَهْلِهَا وَالْفَاءُ فِي " فَمَنْ أُرْقِبَ " تَسَبُّبٌ لِلنَّهْيِ وَتَعْلِيلٌ لَهُ يَعْنِي لَا تُرْقِبُوا وَلَا تُعْمِرُوا ظَنًّا مِنْكُمْ وَاغْتِرَارًا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ لِلْمُعْمَرِ لَهُ فَيَرْجِعُ إِلَيْكُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ فَهُوَ لِوَرَثَةِ الْمُعْمَرِ لَهُ فَعَلَى هَذَا يَتَحَقَّقُ إِصَابَةُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ فِي أَنَّ الْعُمْرَى لِلْمُعْمَرِ لَهُ وَأَنَّهُ يَمْلِكُهَا مِلْكًا تَامًّا يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَتَكُونُ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَهُ، وَيَنْصُرُ هَذَا التَّأْوِيلَ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ وَفِي النِّهَايَةِ: " كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَأَبْطَلَهُ الشَّارِعُ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ مَنْ أُعْمِرَ شَيْئًا أَوْ أُرْقِبَهُ فِي حَيَاتِهِ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ " وَقَدْ تَعَاضَدَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى ذَلِكَ وَالْفُقَهَاءُ فِيهَا مُخْتَلِفُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَيَجْعَلُونَهَا تَمْلِيكًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا كَالْعَارِيَةِ وَيَتَأَوَّلُ الْحَدِيثَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4239

٣٠١٤ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا، وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٠١٤ - (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِمَنْ أُعْمِرَهَا وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِمَنْ أُرْقِبَهَا وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» .

стр. 4240

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ٣٠١٥ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَمْسِكُوا أَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ لَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ٣٠١٥ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمْسِكُوا أَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ لَا تُفْسِدُوهَا» ) : هَذَا النَّهْيُ تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (حَيًّا) دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُهَا وَلَهُ بَيْعُهَا وَسَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ (وَمَيِّتًا) أَيْ: دَيْنًا وَوَصِيَّةً وَوَقْفًا (وَلِعَقِبِهِ) : قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْعُمْرَى هِبَةٌ صَحِيحَةٌ مَاضِيَةٌ يَمْلِكُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ مِلْكًا تَامًّا لَا تَعُودُ إِلَى الْوَاهِبِ أَبَدًا، وَإِذَا عَلِمُوا ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ أَعْمَرَ وَدَخَلَ فِيهَا عَلَى بَصِيرَةٍ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهَا كَالْعَارِيَةِ يَرْجِعُ فِيهَا، وَهَذَا دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافَقِيهِ " اه وَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: وَهَذَا دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ ﵏ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 4241

بَابٌ " الْفَصْلُ الْأَوَّلُ " ٣٠١٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمَلِ طَيِّبُ الرِّيحِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ بَابٌ (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) بِالرَّفْعِ مُنَّوْنًا وَبِالسُّكُونِ. ٣٠١٦ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ) أَيْ: أُعْطِيَ (رَيْحَانٌ) وَهُوَ كُلُّ نَبْتٍ طَيِّبِ الرِّيحِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْمُومِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (فَلَا يَرُدُّهُ) : بِضَمِّ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ وَفَتْحِهَا، وَالْأَوَّلُ وَهُوَ الْمَنْقُولُ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " قَالَ عِيَاضٌ ﵀: رِوَايَةُ الْمُحَدِّثِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِفَتْحِ الدَّالِ قَالَ: وَأَنْكَرَهُ مُحَقِّقُو شُيُوخِنَا مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ قَالُوا: وَهَذَا غَلَطٌ مِنَ الرُّوَاةِ وَصَوَابُهُ ضَمُّ الدَّالِ قَالَ: وَوَجَدْتُهُ بِخَطِّ بَعْضِ الْأَشْيَاخِ بِضَمِّ الدَّالِ وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهَ، وَهَذَا فِي الْمُضَاعَفِ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْهَاءُ أَنْ يُضَمَّ مَا قَبْلَهَا فِي الْأَمْرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَجْزُومِ مُرَاعَاةً لِلْوَاوِ الَّتِي تُوجِبُهَا ضَمَّةُ الْهَاءِ بَعْدَ مَا، وَلَا يَكُونُ مَا قَبْلَ الْوَاوِ إِلَّا مَضْمُومًا هَذَا فِي الْمُذَكَّرِ، وَأَمَا الْمُؤَنَّثُ مِثْلَ رَدَّهَا وَحْدَهَا فَمَفْتُوحُ الدَّالِ مُرَاعَاةً لِلْأَلْفِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي "، وَأَمَّا رَدَّهَا وَنَظَائِرُهُ مِنَ الْمُؤَنَّثِ فَفَتْحَةُ الدَّالِ لَازِمَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا رَدُّهُ وَنَحْوُهُ لِلْمُذَكَّرِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَفْصَحُهَا: وُجُوبُ الضَّمِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَالثَّانِي: الْكَسْرُ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَالثَّالِثُ: الْفَتْحُ وَهُوَ أَضْعَفُ اه كَلَامُهُ، وَقَالَ التَّفْتَازَانِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ الزَّنْجَانِيِّ: إِذَا اتَّصَلَ بِالْمَجْزُومِ حَالَ الْإِدْغَامِ هَاءُ الضَّمِيرِ لَزِمَ وَجْهٌ وَاحِدٌ نَحْوُ رَدَّهَا بِالْفَتْحِ وَرَدُّهُ بِالضَّمِّ عَلَى الْأَفْصَحِ، وَرُوِيَ رَدِّهِ بِالْكَسْرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ اه. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَتْحَ هُوَ الْفَصِيحُ الْمُقَابَلُ بِالْأَفْصَحِ لَكِنَّهُ يُخَالِفُ مَا فِي الشَّافِيَةِ مِنْ أَنَّ الْكَسْرَ لُغَةٌ، وَغَلِطَ ثَعْلَبٌ فِي جَوَازِ الْفَتْحِ اه وَلَكِنَّ الْمُحَقِّقِينَ إِنَّمَا نَسَبُوا الْفَتْحَ إِلَى الْغَلَطِ مَعَ أَنَّهُ وَجْهٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ صِيَانَةً لِحَمْلِ كَلَامِهِ ﷺ عَلَى غَيْرِ الْأَفْصَحِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ :

стр. 4242

" «أَنَا أَفْصَحُ الْعَرَبِ بِيدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ» " وَيُمْكِنُ أَنْ يَعْتَذِرَ عَنِ اخْتِيَارِ الْمُحَدِّثِينَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ أَنَّهُ أَخَفُّ لِيَكُونَ نَصًّا عَلَى النَّهْيِ، فَإِنَّ الضَّمَّ يَحْتَمِلُ النَّفْيَ وَالنَّهْيَ بَلِ الْأَظْهَرُ هُوَ الْأَوَّلُ فَتَأْمَلْ. وَمَعَ هَذَا فَالرَّفْعُ أَرْفَعُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، أَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ النَّهْيِ فَلِمُوَافَقَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ النَّفْيِ فَلِلطَّرِيقَةِ الْأَبْلَغِيَّةِ ; لِأَنَّ النَّفْيَ مِنَ الشَّارِعِ آكَدُ فِي النَّهْيِ مِنَ النَّهْيِ صَرِيحًا (فَإِنَّهُ) أَيِ: الرَّيْحَانَ أَوْ إِعْطَاءَهُ أَوْ قَبْضَهُ وَأَخْذَهُ (خَفِيفُ الْمَحْمَلِ) أَيْ: قَلِيلُ الْمِنَّةِ (طَيِّبُ الرِّيحِ) : فَإِنَّهُ يُشَمُّ مِنْهُ رِيحُ الْجَنَّةِ فَإِنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي حَدِيثٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ رَدِّ الْهَدِيَّةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْهَدِيَّةَ إِذَا كَانَتْ قَلِيلَةً وَتَتَضَمَّنُ نَفْعًا مَا فَلَا تَرُدُّوهَا لِئَلَّا يَتَأَذَّى الْمُهْدِي اه وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حِفْظِ قُلُوبِ النَّاسِ بِقَبُولِ هَدَايَاهُمْ، وَقَدْ وَرَدَ: تَهَادُوا تَحَابُّوا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ.

стр. 4243

٣٠١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٠١٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ» ) : بِكَسْرِ الطَّاءِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 4244

٣٠١٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٠١٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» ) : شَبَّهَهُ بِالْقَبِيحِ الطَّبْعِيِّ الْحِسِّيِّ (لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ قِيلَ أَيْ: لِأَهْلِ مِلَّتِنَا أَنْ يَفْعَلَ بِمَا يُمَثَّلُ بِهِ مَثَلُ السَّوْءِ، وَقَالَ الْقَاضِي ﵀: " أَيْ: لَا يَنْبَغِي لَنَا، يُرِيدُ بِهِ نَفْسَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَنْ نَتَّصِفَ بِصِفَةٍ ذَمِيمَةٍ يُسَاهِمُنَا فِيهَا أَخَسُّ الْحَيَوَانَاتِ فِي أَخَسِّ أَحْوَالِهَا، وَقَدْ يُطْلَقُ الْمَثَلُ فِي الصِّفَةِ الْغَرِيبَةِ الْعَجِيبَةِ الشَّأْنِ سَوَاءٌ كَانَ صِفَةَ مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْمَوْهُوبِ بَعْدَ مَا قَبَضَ الْمُتَّهِبُ " قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " هَذَا الْمَثَلُ ظَاهِرٌ فِي تَحْرِيمِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ بَعْدَ إِقْبَاضِهِمَا وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى هِبَةِ الْأَجْنَبِيِّ لَا مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَآخَرُونَ: يَرْجِعُ كُلُّ وَاهِبٍ إِلَّا الْوَالِدَ وَكُلَّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: مَحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مَنْ يَرَى الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ مِنَ الْأَجْنَبِيِّ أَنَّهُ عَلَى التَّنْزِيهِ وَكَرَاهَةِ الرُّجُوعِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَيَسْتَدِلُّ بِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ حِينَ أَرَادَ شِرَاءَ فَرَسٍ حَمَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «لَا تَبْتَعْهُ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» ، قَالَ: فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْلُ مُوجِبًا حُرْمَةَ ابْتِيَاعِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ فَكَذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا حُرْمَةَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ اه وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِمَا فِيهِ التَّعَجُّبُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 4245

٣٠١٩ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، «أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا فَقَالَ: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَرْجِعْهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبَرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلَا إِذًا» ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَالَ: «أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى يَشْهَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلِدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ. قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: «لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٠١٩ - (وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) : بِضَمِّ النُّونِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِلْأَنْصَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، قِيلَ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَهُ ثَمَانِ سِنِينَ وَسَبْعَةُ أَشْهُرٍ وَلِأَبَوَيْهِ صُحْبَةٌ (أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: وَهَبْتُ وَأَعْطَيْتُ (ابْنِي هَذَا غُلَامًا) أَيْ: عَبْدًا قَالَ فِي النِّهَايَةِ: النَّحْلُ الْعَطِيَّةُ وَالْهِبَةُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَلَا اسْتِحْقَاقٍ (فَقَالَ: آكُلَّ وَلَدِكَ) : بِنَصْبِ كُلَّ (نَحَلْتَ مِثْلَهُ) أَيْ: مِثْلَ هَذَا الْوَلَدِ دَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ فِي الْعَطِيَّةِ (قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَرْجِعْهُ) أَيِ: الْغُلَامَ أَوْ رُدُّهُ إِلَيْكَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ اسْتَرِدِّ الْغُلَامَ وَهَذَا لِلْإِرْشَادِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى الْأَوْلَى (وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا (أَنَّهُ قَالَ: أَيَسُرُّكَ) أَيْ: أَيُعْجِبُكَ وَيَجْعَلُكَ مَسْرُورًا (أَنْ يَكُونُوا) أَيْ: أَوْلَادُكَ جَمِيعًا (إِلَيْكَ فِي

стр. 4246

الْبَرِّ سَوَاءً) أَيْ: مُسْتَوِينَ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْكَ وَفِي تَرْكِ الْعُقُوقِ عَلَيْكَ وَفِي الْأَدَبِ وَالْحُرْمَةِ وَالتَّعْظِيمِ لَدَيْكَ، (قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلَا) أَيْ: فَلَا تُعْطِ أَيِ: الْغُلَامَ لَهُ وَحْدَهُ أَوْ فَلَا تُعْطِ بَعْضَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ (إِذًا) : بِالتَّنْوِينِ أَيْ: إِذَا كُنْتَ تُرِيدُ ذَلِكَ (وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ) أَيِ: النُّعْمَانُ (أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا وَهِيَ أُمُّهُ (لَا أَرْضَى) أَيْ: بِهَذِهِ الْعَطِيَّةِ لِوَلَدِي (حَتَّى يَشْهَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: تَجْعَلَهُ شَاهِدًا عَلَى الْقَضِيَّةِ (فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: فَجَاءَهُ أَبِي ( «قَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا» ) أَيْ: بَاقِي أَوْلَادِكَ مِثْلَ هَذَا الْإِعْطَاءِ وَهُوَ بِحَذْفِ الِاسْتِفْهَامِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقْرَأَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ (قَالَ: لَا، قَالَ: فَاتَّقُوا اللَّهَ) أَيْ: حَقَّ تَقْوَاهُ أَيْ: مَا اسْتَطَعْتُمْ (وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ) : وَفِي خِطَابِ الْعَامِ إِشَارَةٌ إِلَى عُمُومِ الْحُكْمِ (قَالَ) : فَانْصَرَفَ أَبِي مِنْ عِنْدِهِ ﵊ (فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ) أَيْ: إِلَى نَفْسِهِ أَوْ فَرَجَعَ فِي هِبَتِهِ، وَقَوْلُهُ: فَرَدَّ تَفْسِيرٌ لَهُ وَفِيهِ جَوَازُ رُجُوعِ الْوَالِدِ فِي هِبَةِ وَلَدِهِ (وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ) أَيِ: النَّبِيَّ ﷺ (قَالَ: «لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» ) أَيْ: ظُلْمٍ أَوْ مَيْلٍ فَمَنْ لَا يَجَوِّزُ التَّفْضِيلَ بَيْنَ الْأَوْلَادِ يُفَسِّرُهُ بِالْأَوَّلِ وَمَنْ يُجَوِّزُهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ يُفَسِّرُهُ بِالثَّانِي، قَالَ النَّوَوِيُّ: " فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ فَلَا يُفَضِّلُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ سَوَاءٌ كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَلَوْ وَهَبَ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَالْهِبَةُ صَحِيحَةٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ ﵏ وَغَيْرُهُمْ: هُوَ حَرَامٌ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: «لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» ، وَبِقَوْلِهِ: وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ: فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا وَبَاطِلًا لَمَا قَالَ هَذَا، وَبِقَوْلِهِ: فَأَرْجِعْهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَافِذًا لَمَا احْتَاجَ إِلَى الرُّجُوعِ، فَإِنْ قِيلَ: قَالَهُ تَهْدِيدًا، قُلْنَا: الْأَصْلُ خِلَافُهُ، وَيَحْمِلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ صِيغَةَ أَفْعِلْ عَلَى الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ وَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَعَلَى الْإِبَاحَةِ، وَأَمَّا مَعْنَى الْجَوْرِ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ حَرَامٌ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَيْلُ عَنْ الِاسْتِوَاءِ وَكُلُّ مَا خَرَجَ عَنْ الِاعْتِدَالِ فَهُوَ جَوْرٌ، سَوَاءٌ كَانَ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي النِّحَلِ، وَفِي غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ حَتَّى فِي الْقُبْلَةِ، وَلَوْ فَعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ نَفَذَ. وَقَدْ فَضَّلَ أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ ﵄ بِأَحَدٍ وَعِشْرِينَ وَسْقًا نَحَلَهَا إِيَّاهَا دُونَ سَائِرِ أَوْلَادِهِ، وَفَضَّلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَاصِمًا فِي عَطَائِهِ، وَفَضَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَلَدَ أُمِّ كُلْثُومٍ، قَالَ الْقَاضِي ﵀: وَقَرَّرَ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ إِجْمَاعًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4247

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ٣٠٢٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَرْجِعُ أَحَدٌ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ (الْفَصْلُ الثَّانِي) ٣٠٢٠ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَرْجِعُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ نَفْيٌ مَعْنَاهُ فِي كَذَا، قَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ (أَحَدٌ فِي هِبَتِهِ) : بِكَسْرِ الْهَاءِ، أَصْلُهَا وَهْبَةٌ (إِلَّا الْوَالِدَ مِنْ وَلَدِهِ) : قِيلَ: دَلَّ عَلَى حُرْمَةِ الرُّجُوعِ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي الْوَلَدِ لِأَنَّهُ وَمَالَهُ لَهُ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ حَيْثُ قَالَ: لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ إِلَّا لِلْوَلَدِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْوَلَدِ يَكُونُ الْمُرَادُ نَفِيَ الِانْفِرَادِ أَيْ: لَا يَنْفَرِدْ وَلَا يَسْتَقِلَّ أَحَدٌ بِالرُّجُوعِ فِي هِبَتِهِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا تَرَاضٍ إِلَّا الْوَالِدَ فَإِنَّهُ يَنْفَرِدُ إِذَا احْتَاجَ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 4248

٣٠٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٣٠٢١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً ثُمَّ يَرْجِعَ» ) : الظَّاهِرُ النَّصْبُ لَكِنْ وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا بِالرَّفْعِ ذَكَرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا مَيْرَكُ شَاهْ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الرَّفْعِ تَقْدِيرُ هُوَ وَالضَّمِيرُ لِلرَّجُلِ (فِيهَا) أَيْ: فِي عَطِيَّتِهِ (إِلَّا الْوَالِدَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالرَّجُلِ لِلْجِنْسِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ إِلَخْ وَبِظَاهِرِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا يَحِلُّ لَهُ دِيَانَةً وَمُرُوءَةً فَيَكُونُ مَكْرُوهًا لَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ قَضَاءً وَحُكْمًا كَمَا فِي خَبَرِ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَبِيتَ شَبْعَانًا وَجَارُهُ طَاوِيًا» أَيْ: خَالِي الْبَطْنِ جَائِعًا أَيْ: لَا يَلِيقُ ذَلِكَ لَهُ دِيَانَةً وَمُرُوءَةً وَإِنْ كَانَ جَائِزًا قَضَاءً وَحُكْمًا (وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ) أَيْ: لِغَيْرِ وَلَدِهِ (ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ) أَيِ: اسْتَمَرَّ عَلَى أَكْلِ شَيْءٍ (حَتَّى إِذَا شَبِعَ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (قَاءَ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ) : قَالَ الْقَاضِي ﵀: " الْحَدِيثُ كَمَا تَرَى نَصٌّ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّ جَوَازَ الرُّجُوعِ مَقْصُورٌ عَلَى مَا وَهَبَ الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَعَكَسَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالُوا: لَا رُجُوعَ لِلْوَاهِبِ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ مَحَارِمِهِ وَلِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِيمَا وَهَبَ لِلْآخَرِ وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَ لِلْأَجَانِبِ، وَجَوَّزَ مَالِكٌ الرُّجُوعَ مُطْلَقًا إِلَّا فِي هِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الْآخَرِ، وَأَوَّلَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا يَحِلُّ مَعْنَاهُ التَّحْذِيرُ عَنِ الرُّجُوعِ لَا نَفْيَ الْجَوَازِ عَنْهُ كَمَا فِي قَوْلِكَ لَا يَحِلُّ لِلْوَاجِدِ رَدُّ السَّائِلِ، وَقَوْلَهُ: إِلَّا الْوَالِدَ لِوَلَدِهِ مَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ وَيَتَصَرَّفَ فِي نَفَقَتِهِ وَسَائِرِ مَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ وَقْتَ حَاجَتِهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ اسْتِيفَاءً لِحَقِّهِ مِنْ مَالِهِ لَا اسْتِرْجَاعًا لِمَا وَهَبَ وَنَقْضًا لِلْهِبَةِ وَهُوَ مَعَ بُعْدِهِ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ بِلَا دَلِيلٍ، أَقُولُ: الْمُجْتَهِدُ أَسِيرُ الدَّلِيلِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ دَلِيلٌ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى التَّأْوِيلِ، قَالَ: وَمَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ ﵁: مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ جَازَتْ وَمَنْ وَهَبَ لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ أَقْبَلَ تَأْوِيلًا، وَأَوْلَى بِأَنْ يُؤَوَّلَ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ بَيْنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْهِبَةِ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْأَجَانِبِ فِي اقْتِضَاءِ الثَّوَابِ وَأَنَّ مَنْ وَهَبَ لِأَجْنَبِيٍّ طَمَعًا فِي ثَوَابٍ فَلَمْ يُثِبْهُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ صَرِيحًا، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ قَدِيمٌ يَقْرُبُ مِنْهُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى لُزُومَ الثَّوَابِ أَصْلًا فَكَيْفَ يَحْتَجُّ بِهِ؟ قُلْتُ: لَا بِدَعَ أَنْ يَقُولَ بِعَدَمِ جَوَازِ الرُّجُوعِ عِنْدَ حُصُولِ الثَّوَابِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَرَى لُزُومَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَمَّا تَقَرَّرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الرُّجُوعَ عَنِ الْهِبَةِ مَذْمُومٌ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَوْ لَا يَسْتَقِيمُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّصِفُوا بِهَذَا الْمَثَلِ السُّوءِ، وَسَبَقَ أَنَّ حَدِيثَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - جَاءَ مُؤَكِّدًا لَهُ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْجِعَ مِنَ الْأَوْلَادِ أَيْضًا وَيَجُوزُ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِرُجُوعٍ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ وَمَالُهُ لَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، أَيِ: الَّذِي وُلِدَ لَهُ وَكَأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ، وَقَوْلُهُ ﷺ : «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» ، وَرُبَّمَا تَقْتَضِي الْمَصْلَحَةُ الرُّجُوعَ تَأْدِيبًا وَسِيَاسَةً لِلْوَلَدِ لِمَا يَرَى مِنْهُ مَا لَا يَرْضَاهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وَالْأَخْصَرُ رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ (وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: حَكَمَ بِأَنَّ إِسْنَادَهُ صَحِيحٌ.

стр. 4249

٣٠٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكْرَةً فَعَوَّضَهُ مِنْهَا سِتَّ بَكَرَاتٍ فَتَسَخَّطَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ فَلَانًا أَهْدَى إِلَيَّ نَاقَةً فَعَوَّضْتُهُ مِنْهَا سِتَّ بَكَرَاتٍ فَظَلَّ سَاخِطًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةً إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ أَنْصَارِيٍّ أَوْ ثَقَفِيٍّ أَوْ دَوْسِيٍّ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٣٠٢٢ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا) أَيْ: بَدَوِيًّا (أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكْرَةً) : الْبَكْرُ بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ فَسُكُونِ كَافٍ فَتِيٌّ مِنِ الْإِبِلِ بِمَنْزِلَةِ غُلَامٍ مِنَ النَّاسِ وَالْأُنْثَى بَكْرَةٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (فَعَوَّضَهُ مِنْهَا سِتَّ بَكَرَاتٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ (فَتَسَخَّطَ) أَيْ: أَظْهَرَ الْأَعْرَابِيُّ السُّخْطَ وَالْغَضَبَ وَاسْتَقَلَّ إِعْطَاءَهُ لِأَنَّ طَمْعَهُ فِي الْجَزَاءِ كَانَ أَكْثَرَ لِمَا سَمِعَ مِنْ جُودِهِ وَفَيْضِ وُجُودِهِ ﷺ (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أَيْ: سُخْطُهُ (النَّبِيَّ ﷺ -

стр. 4250

فَحَمِدَ اللَّهَ) أَيْ: بِالشُّكْرِ الْجَزِيلِ (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) أَيْ: بِالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ فُلَانًا) : كِنَايَةٌ عَنِ اسْمِهِ وَلَعَلَّ التَّصْرِيحَ بِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ قَبُولِ هَدِيَّتِهِ (أَهْدَى إِلَيَّ نَاقَةً فَعَوَّضْتُهُ مِنْهَا سِتَّ بَكَرَاتٍ فَظَلَّ) أَيْ: أَصْبَحَ أَوْ صَارَ (سَاخِطًا، لَقَدْ هَمَمْتُ) : جَوَابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ أَيْ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَصَدْتُ (أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةً) أَيْ: مِنْ أَحَدٍ (إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ) : نِسْبَةً إِلَى قُرَيْشٍ بِحَذْفِ الزَّوَائِدِ (أَوْ أَنْصَارِيٍّ) أَيْ: مَنْسُوبٍ إِلَى قَوْمٍ مُسَمًّى بِالْأَنْصَارِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ (أَوْ ثَقَفِيٍّ) : بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْقَافِ نِسْبَةً إِلَى ثَقِيفٍ قَبِيلَةٍ مَشْهُورَةٍ (أَوْ دَوْسِيٍّ) : بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ نِسْبَةً إِلَى دَوْسٍ بَطْنٍ مِنَ الْأَزَدِ أَيْ: إِلَّا مِنْ قَوْمٍ فِي طَبَائِعِهِمُ الْكَرَمُ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: " كَرِهَ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ كَانَ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَيْهَا طَلَبَ الِاسْتِكْثَارِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْمَذْكُورِينَ فِيهِ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ لِمَا عُرِفَ فِيهِمْ مِنْ سَخَاوَةِ النَّفْسِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ وَقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْأَعْوَاضِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: " اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْخَصْلَةَ مِنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ وَأَخَسِّهَا وَلِذَلِكَ عَرَّضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقَبَائِلِ وَحُسْنِ أَخْلَاقِهَا إِنَّ قَبِيلَةَ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ عَلَى خِلَافِهَا، وَنَهَى اللَّهُ حَبِيبَهُ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] الْكَشَّافِ، أَيْ: لَا تُعْطِ طَالِبًا لِلتَّكْثِيرِ نَهْيٌ عَنْ الِاسْتِعْرَارِ وَهُوَ أَنْ يَهَبَ شَيْئًا وَهُوَ يَطْمَعُ أَنْ يَتَعَوَّضَ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَكْثَرَ مِنَ الْمَوْهُوبِ وَهَذَا جَائِزٌ وَمِنْهُ الْمُسْتَعْرِرُ ثِيَابَ مَنْ وَهَبْتَهُ وَهَذَا النَّهْيُ إِمَّا نَهْيُ تَحْرِيمٍ أَوْ مُخْتَصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ نَهْيُ تَنْزِيهٍ فَلَهُ وَلِأُمَّتِهِ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " اخْتَلَفُوا فِي الْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الثَّوَابُ فَذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِنَّهَا تَقْتَضِي الثَّوَابَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ النَّاسَ فِي طَيِّبَاتٍ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ: هِبَةُ الرَّجُلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ فَهُوَ إِكْرَامٌ وَإِلْطَافٌ لَا يَقْتَضِي الثَّوَابَ وَكَذَلِكَ هِبَةُ النَّظِيرِ مِنَ النَّظِيرِ، وَأَمَّا هِبَةُ الْأَدْنَى مِنَ الْأَعْلَى فَتَقْتَضِي الثَّوَابَ لِأَنَّ الْمُعْطِي يَقْصِدُ بِهِ الرِّفْدَ وَالثَّوَابَ ثُمَّ قُدِّرَ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ وَقِيلَ: قَدْرُ قِيمَةِ الْمَوْهُوبِ وَقِيلَ: حَتَّى يَرْضَى الْوَاهِبُ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْهِبَةَ الْمُطْلَقَةَ لَا تَقْتَضِي الثَّوَابَ سَوَاءٌ وَهَبَ لِنَظِيرِهِ أَوْ لِمَنْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ، وَكُلُّ مَنْ أَوْجَبَ الثَّوَابَ فَإِذَا لَمْ يُثِبْ كَانَ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 4251

٣٠٢٣ - عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيُجْزِ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى فَقَدْ شَكَرَ، وَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ كَفَرَ وَمَنْ تَحَلَّى بِمَا لَمْ يُعْطَ كَانَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٠٢٣ - (عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ أُعْطِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَطَاءً) : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَوْ عَطِيَّةً وَفِي رِوَايَةٍ شَيْئًا فَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ (فَوَجَدَ) أَيْ: سَعَةً مَالِيَّةً (فَلْيُجْزِ) بِسُكُونِ الْجِيمِ أَيْ: فَلْيُكَافِئْ (بِهِ) أَيْ: بِالْعَطَاءِ (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أَيْ: سِعَةً مِنَ الْمَالِ (فَلْيُثْنِ) بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ: عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ بِهِ أَيْ: فَلْيَمْدَحْهُ أَوْ فَلْيَدْعُ لَهُ (فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى) وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ أَثْنَى بِهِ (فَقَدْ شَكَرَ) وَفِي رِوَايَةٍ شَكَرَهُ أَيْ: جَازَاهُ فِي الْجُمْلَةِ (وَمَنْ كَتَمَ) أَيِ: النِّعْمَةَ بِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ بِالْعَطَاءِ أَوِ الْمَجَازِ اه بِالثَّنَاءِ (قَدْ كَفَرَ) أَيِ: النِّعْمَةَ مِنَ الْكُفْرَانِ أَيْ: تَرَكَ أَدَاءَ حَقِّهِ وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ (وَمَنْ تَحَلَّى) أَيْ: تَزَيَّنَ وَتَلَبَّسَ (بِمَا لَمْ يُعْطَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ (كَانَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ) وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنَّهُ كَلَابِسِ زُورٍ أَيْ: كَمَنْ كَذَبَ كَذِبَيْنِ أَوْ أَظْهَرَ شَيْئَيْنِ كَاذِبَيْنِ، قَالَهُ ﷺ لِمَنْ قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي ضَرَّةً فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَتَشَبَّعَ بِمَا لَمْ يُعْطِنِي زَوْجِي» أَيْ: أُظْهِرُ الشِّبَعَ، فَأَحَدُ الْكَذِبَيْنِ قَوْلُهَا أَعْطَانِي زَوْجِي وَالثَّانِي إِظْهَارُهَا أَنَّ زَوْجِي يُحِبُّنِي أَشَدَّ مِنْ ضَرَّتِي، قَالَ الْخَطَابِيُّ: " كَانَ رَجُلٌ فِي الْعَرَبِ يَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ مِنْ ثِيَابِ الْمَعَارِفِ لِيَظُنَّهُ النَّاسُ أَنَّهُ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ مُحْتَرَمٌ لِأَنَّ الْمَعَارِيفَ لَا يَكْذِبُونَ فَإِذَا رَآهُ النَّاسُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ يَعْتَمِدُونَ عَلَى قَوْلِهِ وَشَهَادَتِهِ عَلَى الزُّورِ لِأَجْلِ تَشْبِيهِ نَفْسِهِ بِالصَّادِقِينَ، وَكَانَتْ ثَوْبَاهُ سَبَبَ زُورِهِ فَسُمِّيَا ثَوْبَ زُورٍ أَوْ لِأَنَّهُمْ لُبِسَا لِأَجْلِهِ وَثُنِّيَ بِاعْتِبَارِ الرِّدَاءِ وَالْإِزَارِ فَشَبَّهَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ "، وَفِي النِّهَايَةِ: " الْحُلِيُّ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ الْمُرَائِي يَلْبَسُ ثِيَابَ الزُّهَّادِ وَيَرَى أَنَّهُ زَاهِدٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ أَنْ يَلْبَسَ قَمِيصًا يَصِلُ بِكُمَّيْهِ كُمَّيْنِ آخَرَيْنِ يَرَى أَنَّهُ لَابِسُ قَمِيصَيْنِ فَكَأَنَّهُ يَسْخَرُ مِنْ نَفْسِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَاذِبِ الْقَائِلِ مَا لَمْ يَكُنْ، وَقِيلَ: إِنَّمَا شَبَّهَ بِالثَّوْبَيْنِ لِأَنَّ الْمُتَحَلِّي كَذَبَ كَذِبَيْنِ فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِصِفَةٍ لَيْسَتْ فِيهِ وَوَصَفَ غَيْرَهُ بِأَنَّهُ خَصَّهُ بِصِلَةٍ فَجَمَعَ بِهَذَا الْقَوْلِ بَيْنَ كَذِبَيْنِ، أَقُولُ: وَكَذَا الْقَوْلُ تَظْهَرُ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ فِي الْحَدِيثِ مَعَ مُوَافَقَتِهِ لِسَبَبِ وُرُودِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ لَمْ يُعْطَ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ كَانَ مُزَوِّرًا مَرَّتَيْنِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.

стр. 4252

٣٠٢٤ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٣٠٢٤ - (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ حِبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أُحْسِنَ إِلَيْهِ (مَعْرُوفٌ) وَفِي نُسْخَةٍ مَعْرُوفًا بِالنَّصْبِ أَيْ: أُعْطِيَ عَطَاءً (قَالَ لِفَاعِلِهِ) أَيْ: بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْ إِثَابَتِهِ أَوْ مُطْلَقًا (جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا) أَيْ: خَيْرَ الْجَزَاءِ أَوْ أَعْطَاكَ خَيْرًا مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ) أَيْ: بَالَغَ فِي أَدَاءِ شُكْرِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِالتَّقْصِيرِ وَأَنَّهُ مِمَّنْ عَجَزَ عَنْ جَزَائِهِ وَثَنَائِهِ فَفَوَّضَ جَزَاءَهُ إِلَى اللَّهِ لِيَجْزِيَهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

стр. 4253

٣٠٢٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ٣٠٢٥ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ» ) قَالَ الْقَاضِي ﵀: " وَهَذَا إِمَّا لِأَنَّ شُكْرَهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَتِمُّ بِمُطَاوَعَتِهِ، وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَأَنَّ مِمَّا أَمَرَ بِهِ شُكْرَ النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ وَسَائِطُ فِي إِيصَالِ نِعَمِ اللَّهِ إِلَيْهِ فَمَنْ لَمْ يُطَاوِعْهُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مُؤَدِّيًا شُكْرَ نِعَمِهِ، أَوْ لِأَنَّ مَنْ أَخَلَّ بِشُكْرِ مَنْ أَسْدَى إِلَيْهِ نِعْمَةً مِنَ النَّاسِ مَعَ مَا يَرَى مِنْ حِرْصِهِ عَلَى حُبِّ الثَّنَاءِ وَالشُّكْرِ عَلَى النَّعْمَاءِ وَتَأَذِّيهِ بِالْإِعْرَاضِ وَالْكُفْرَانِ كَانَ أَوْلَى بِأَنْ يَتَهَاوَنَ فِي شُكْرِ مَنْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ الشُّكْرُ وَالْكُفْرَانُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.

стр. 4254

٣٠٢٦ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَتَاهُ الْمُهَاجِرُونَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَأِ حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ، فَقَالَ: لَا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. ــ ٣٠٢٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ) أَيْ: حِينَ جَاءَهَا أَوَّلَ قُدُومِهِ (أَتَاهُ الْمُهَاجِرُونَ) أَيْ: بَعْدَ مَا قَامَ الْأَنْصَارُ بِخِدْمَتِهِمْ وَإِعْطَائِهِمْ أَنْصَافَ دُورِهِمْ وَبَسَاتِينِهِمْ إِلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ طَلَّقَ أَحْسَنَ نِسَائِهِ لِيَتَزَوَّجَهَا بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (فَقَالُوا) أَيِ: الْمُهَاجِرُونَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ) أَيْ: مِنْ مَالٍ (وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ) أَيْ: مِنْ مَالٍ قَلِيلٍ (مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ) أَيْ: عِنْدِهِمْ وَفِيمَا بَيْنَهُمْ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ أَحْسَنُوا إِلَيْنَا سَوَاءٌ كَانُوا كَثِيرِي الْمَالِ أَوْ فَقِيرِي الْحَالِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْجَارَانِ أَعْنِي قَوْلَهُ مِنْ قَلِيلٍ هُوَ الْمُفَضَّلُ وَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ الْأَنْصَارُ وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ إِلَيْهِ لِيَدُلَّ التَّنْكِيرُ عَلَى التَّفْخِيمِ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ إِجْرَاءِ الْأَوْصَافِ التَّالِيَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِبْهَامِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ لِأَنَّ التَّبْيِينَ بَعْدَ الْإِبْهَامِ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ وَأَبْلَغُ (لَقَدْ كَفَوْنَا) مِنَ الْكِفَايَةِ (الْمُؤْنَةَ) أَيْ: تَحَمَّلُوا عَنَّا مُؤْنَةَ الْخِدْمَةِ فِي عِمَارَةِ الدُّورِ وَالنَّخِيلِ وَغَيْرِهِمَا (وَأَشْرَكُونَا) أَيْ: مِثْلَ الْإِخْوَانِ (فِي الْمَهْنَأِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالنُّونِ وَهَمْزٍ فِي آخِرِهِ مَا يَقُومُ بِالْكِفَايَةِ فِي إِصْلَاحِ الْمَعِيشَةِ، وَقِيلَ: مَا يَأْتِيكَ بِلَا تَعَبٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْمَعْنَى أَشْرَكُونَا فِي ثِمَارِ نَخِيلِهِمْ وَكَفَوْنَا مُؤْنَةَ سَقْيِهَا وَإِصْلَاحِهَا وَأَعْطَوْنَا نِصْفَ ثِمَارِهِمْ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُرِيدُونَ بِهِ مَا أَشْرَكُوهُمْ فِيهِ مِنْ زُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ (لَقَدْ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: حَتَّى لَقَدْ (خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا) أَيِ: الْأَنْصَارُ (بِالْأَجْرِ كُلِّهِ) أَيْ: بِأَنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ أَجْرَ هِجْرَتِنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَجْرَ عِبَادَتِنَا كُلِّهَا مِنْ كَثْرَةِ إِحْسَانِهِمْ إِلَيْنَا (قَالَ: لَا) أَيْ: يَذْهَبُونَ بِكُلِّ الْأَجْرِ فَإِنَّ فَضْلَ اللَّهِ وَاسْعٌ فَلَكُمْ ثَوَابُ الْعِبَادَةِ وَلَهُمْ أَجْرُ الْمُسَاعَدَةِ (مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ) أَيْ: مَادُمْتُمْ تَدْعُونَ لَهُمْ بِخَيْرٍ فَإِنَّ دُعَاءَكُمْ يَقُومُ بِحَسَنَاتِهِمْ إِلَيْكُمْ، وَثَوَابُ حَسَنَاتِكُمْ رَاجِعٌ عَلَيْكُمْ وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَعْنِي إِذَا حَمَلُوا الْمَشَقَّةَ وَالتَّعَبَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَشْرَكُونَا فِي الرَّاحَةِ وَالْمَهْنَأِ فَقَدْ أَحْرَزُوا الْمَثُوبَاتِ فَكَيْفَ نُجَازِيهِمْ؟ فَأَجَابَ: لَا، أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ فَإِنَّكُمْ إِذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ شُكْرًا لِصَنِيعِهِمْ وَدُمْتُمْ عَلَيْهِ فَقَدْ جَازَيْتُمُوهُمْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .

стр. 4255

٣٠٢٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَهَادُوا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ الضَّغَائِنَ» ، رَوَاهُ. ــ ٣٠٢٧ - (عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: تَهَادُوا) بِضَمِّ الدَّالِ أَمْرٌ مِنَ التَّهَادِي بِمَعْنَى الْمُهَادَاةِ أَيْ: لِيُعْطِ الْهَدِيَّةَ وَيُرْسِلْهَا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ ( «فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ الضَّغَائِنَ» ) جَمْعُ ضَغِينَةٍ وَهِيَ الْحِقْدُ أَيْ: تُزِيلُ الْبُغْضَ وَالْعَدَاوَةَ وَتُحَصِّلُ الْأُلْفَةَ وَالْمَحَبَّةَ كَمَا وَرَدَ: «تَهَادُوا تَحَابُّوا وَتَصَافَحُوا يَذْهَبُ الْغِلُّ عَنْكُمْ» عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ عَائِشَةَ: «تَهَادُوا تَزْدَادُوا» ، قَالَ الطِّيبِيُّ: حُبًّا ; وَذَلِكَ لِأَنَّ السُّخْطَ جَالِبٌ لِلضَّغِينَةِ وَالْحِقْدِ، وَالْهَدِيَّةَ جَالِبَةٌ لِلرِّضَا فَإِذَا جَاءَ سَبَبُ الرِّضَا ذَهَبَ سَبَبُ السُّخْطِ (رَوَاهُ) هُنَا بَيَاضٌ فِي الْأَصْلِ، وَأُلْحِقَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ مَيْرَكُ: كَذَا قَالَهُ الْجَزَرِيُّ وَفِي حَاشِيَتِهِ وَصَحَّحَ الْجَزَرِيُّ إِسْنَادَهُ.

стр. 4256

٣٠٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٣٠٢٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَهَادُوا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: غِشَّهُ وَوَسْوَسَتَهُ، وَقِيلَ: هُوَ الْحِقْدُ وَالْغَضَبُ، وَقِيلَ: أَشَدُّ الْغَضَبِ، وَقِيلَ: الْعَدَاوَةُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (وَلَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ مَفْعُولُ تَحْقِرَنَّ أَيْ: لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ هَدِيَّةً مُهْدَاةً لِجَارَتِهَا وَهُوَ تَتْمِيمٌ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، وَفِي النِّهَايَةِ: الْجَارَةُ الضَّرَّةُ مِنَ الْمُجَاوَرَةِ بَيْنَهُمَا وَمِنْهُ «حَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ " وَغَيْظُ جَارَتِهَا» " أَيْ: إِنَّهَا تَرَى حُسْنَهَا فَيَغِيظُهَا ذَلِكَ (وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: نَصِيفَهُ أَوْ بَعْضَهُ كَقَوْلِهِ ﷺ : «اتَّقَوُا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» . وَالْفِرْسِنُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ عَظْمٌ قَلِيلُ اللَّحْمِ وَهُوَ خُفُّ الْبَعِيرِ وَالشَّاةِ، قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْفِرْسِنُ مِنَ الشَّاةِ وَالْبَعِيرِ بِمَنْزِلَةِ الْحَافِرِ مِنَ الدَّابَّةِ وَالْمَعْنَى لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ هَدِيَّةَ جَارَتِهَا وَلَوْ كَانَتْ فِرْسِنَ شَاةٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَلَوْ بِشِقِّ فِرْسِنِ شَاةٍ، زِيَادَةِ حَرْفِ الْجَرِّ فَالتَّقْدِيرُ: وَلَوْ أَنْ تَبْعَثَ إِلَيْهَا أَوْ تَتَفَقَّدَهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ بِغَيْرِ بَاءِ وَكَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: أَرْشَدَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ النَّاسَ إِلَى أَنَّ التَّهَادِيَ يُزِيلُ الضَّغَائِنَ، ثُمَّ بَالَغَ فِيهِ حَتَّى ذَكَرَ أَحْقَرَ الْأَشْيَاءِ مِنْ أَبْغَضِ الْبَغِيضَيْنِ إِذْ حَمَلَ الْجَارَةَ عَلَى الضَّرَّةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِمَعْنَى التَّتْمِيمِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: لِتَبْعَثْ جَارَةٌ إِلَى جَارَتِهَا مِمَّا عِنْدَهَا مِنَ الطَّعَامِ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا قَلِيلًا، أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ عَدَيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «تَهَادُوا الطَّعَامَ بَيْنَكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ تَوْسِعَةٌ فِي أَرْزَاقِكُمْ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ: قَالُوا «فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ بِالسَّخِيمَةِ» أَيِ: الْحِقْدِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ: «تَهَادُوا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُضَعِّفُ الْحُبَّ وَتَذْهَبُ بِغَوَائِلِ الصَّدْرِ» أَيْ: وَسَاوِسِهِ.

стр. 4257

٣٠٢٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ الْوَسَائِدُ وَالدُّهْنُ وَاللَّبَنُ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، قِيلَ: أَرَادَ بِالدُّهْنِ الطِّيبَ ــ ٣٠٢٩ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثٌ مِنَ الْهَدَايَا لَا تُرَدُّ» ) أَيْ: لَا يَنْبَغِي أَنْ تُرَدَّ لِقِلَّةٍ مِنَّتِهَا وَتَأَذِّي الْمُهْدِي إِيَّاهَا (الْوَسَائِدُ وَالدُّهْنُ وَاللَّبَنُ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " يُرِيدُ أَنْ يُكْرَمَ الضَّيْفُ بِالْوِسَادَةِ وَالطِّيبِ وَاللَّبَنِ، وَهِيَ هَدِيَّةٌ قَلِيلَةُ الْمِنَّةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُرَدَّ " اه فَكَأَنَّهُ حَمَلَ الدُّهْنَ عَلَى الطِّيبِ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالطِّيبِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الدُّهْنِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُهُ فِي شُعُورِ رُءُوسِهِمْ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ بِالْوَسَائِدِ الَّتِي حَشْوُهَا لِيفٌ أَوْ صُوفٌ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْهُمَا غَالِبًا، فَمَدْفُوعٌ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قِيلَ: أَرَادَ بِالدُّهْنِ الطِّيبَ وَوَجْهُهُ سَبَقَ، وَلَعَلَّ مُرَادَ الْقَائِلِ بِهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَمَا يَلِيهِ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 4258

٣٠٣٠ - عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدَيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُكُمُ الرَّيْحَانَ فَلَا يَرُدُّهُ فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا. ــ ٣٠٣٠ - (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدَيِّ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلٍّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ اللَّامِ النَّهْدِيُّ الْبَصْرِيُّ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَأَسْلَمَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَلْقَهُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ عَاشَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً وَمِثْلَهَا فِي الْإِسْلَامِ وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، لَهُ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ، سَمِعَ عَمْرَو بْنَ مَسْعُودٍ وَأَبَا مُوسَى، رَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُكُمْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (الرَّيْحَانَ) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ (فَلَا يَرُدُّهُ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِفَتْحٍ (فَإِنَّهُ خَرَجَ) أَصْلُهُ (مِنَ الْجَنَّةِ) يَعْنِي وَيَأْتِي مِنْهُ رُوحُهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ خَفِيفُ الْمَحْمَلِ كَمَا سَبَقَ أَيْ: قَلِيلُ الْمُؤْنَةِ وَالْمِنَّةِ فَلَا يُرَدُّ، إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَشْيَاءِ خَرَجَ أَصْلُهُ مِنَ الْجَنَّةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا) حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ وَمَعْنَاهُ مَحْذُوفُ الصَّحَابِيِّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ أَيْضًا.

стр. 4259

" الْفَصْلُ الثَّالِثُ " ٣٠٣١ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «قَالَتِ امْرَأَةُ بَشِيرٍ: انْحَلِ ابْنِي غُلَامَكَ وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامِي وَقَالَتْ: أَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَهُ إِخْوَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. " الْفَصْلُ الثَّالِثُ " ٣٠٣١ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَتِ: امْرَأَةُ بَشِيرٍ) أَيْ: بِنْتُ رَوَاحَةَ لِزَوْجِهَا (انْحَلْ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَسُكُونِ نُونٍ وَفَتْحِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ: أَعْطِ (ابْنِي غُلَامَكَ) مَفْعُولٌ لِانْحَلْ، فِي الْقَامُوسِ: أَنْحَلُهُ مَاءً أَعْطَاهُ وَمَالًا خَصَّهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ كَنَحْلِهِ فِيهِمَا (وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيِ: اجْعَلْهُ شَاهِدًا لِي (فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: فَجَاءَهُ (فَقَالَ: إِنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ) ضُبِطَ بِأَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ وَصِيغَةِ الْمُضَارِعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِأَنِ الْمُفَسِّرَةِ وَصِيغَةِ الْأَمْرِ أَيْ: أُعْطِيَ أَوْ أَعْطِ (ابْنِهَا غُلَامِي) وَهَذَا يُؤَيِّدُ الضَّبْطَ الْأَوَّلَ وَكَانَ عَكْسَ ذَلِكَ وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ فَعَدَلْتُ عَنْهُ فَتَأَمَّلْ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ (وَقَالَتْ) بِالْعَطْفِ عَلَى سَأَلَتْنِي أَيْ: وَقَالَتْ لِي أَيْضًا (أَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَلَهُ إِخْوَةٌ) جَمْعُ أَخٍ (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَكُلَّهُمْ) بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: فَجَمِيعُ إِخْوَتِهِ (أَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟) وَالِاسْتِفْهَامُ مُنْصَبٌّ عَلَى الْفِعْلِ الْأَوَّلِ وَمِثْلَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي (قَالَ: لَا، قَالَ: فَلَيْسَ يَصْلُحُ) أَيْ: يَنْبَغِي أَوْ يَصِحُّ (هَذَا) أَيِ: الْأَمْرُ أَوِ الْعَطَاءُ أَوِ الْإِشْهَادُ (وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ) أَيْ: خَالِصٍ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ أَوْ عَلَى حَقٍّ دُونَ بَاطِلٍ وَقَدْ سَبَقَ تَمَامُ الْكَلَامِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَقَامِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 4260

٣٠٣٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِبَاكُورَةِ الْفَاكِهَةِ وَضَعَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ وَعَلَى شَفَتَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ كَمَا أَرَيْتَنَا أَوَّلَهُ فَأَرِنَا آخِرَهُ، ثُمَّ يُعْطِيهَا مَنْ يَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ الصِّبْيَانِ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ. ــ ٣٠٣٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُتِيَ) أَيْ: جِيءَ (بِبَاكُورَةِ الْفَاكِهَةِ) فِي النِّهَايَةِ: أَوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ بَاكُورَتُهُ (وَضَعَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ) تَعْظِيمًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ (وَعَلَى شَفَتَيْهِ) شُكْرًا لِمَا أَسْدَاهُ إِلَيْهِ (وَقَالَ: اللَّهُمَّ كَمَا أَرَيْتَنَا أَوَّلَهُ فَأَرِنَا آخِرَهُ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا فَيَكُونُ دُعَاءً بِطُولِ بَقَاءٍ أَوْ فِي الْعُقْبَى فَيَكُونُ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشَ الْآخِرَةِ وَأَنَّ نَعِيْمَ الدُّنْيَا زَائِلٌ وَأَنَّهُ أُنْمُوذَجٌ مِنَ النَّعِيمِ الْآجِلِ (ثُمَّ يُعْطِي مَنْ يَكُونُ عِنْدَهُ) أَيْ: حَاضِرًا (مِنَ الصِّبْيَانِ) لِأَنَّ مَيْلَهُمْ إِلَيْهَا أَعْظَمُ وَالْمُلَاءَمَةَ بَيْنَهُمَا أَتَمُّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إِنَّمَا نَاوَلَ بَاكُورَةَ الثِّمَارِ الصِّبْيَانَ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا مِنْ أَنَّ الصَّبِيَّ ثَمَرَةُ الْفُؤَادِ وَبَاكُورَةُ الْإِنْسَانِ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) وَذَكَرَ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ: وَإِذَا رَأَى بَاكُورَةَ ثَمَرٍ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مَنَابِتِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا» فَإِذَا أُتِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا دَعَا أَصْغَرَ وَلِيدٍ حَاضِرٍ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.

стр. 4261

[بَابُ اللُّقَطَةِ]

стр. 4262

(بَابُ اللُّقَطَةِ) (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ٣٠٣٣ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهَا، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اسْتَنْفِقَ بِهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» . ــ (بَابُ اللُّقَطَةِ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَيُسَكَّنُ. فِي الْمُغْرِبِ: اللُّقْطَةُ الشَّيْءُ الَّذِي تَجِدُهُ مُلْقًى فَتَأْخُذُهُ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَلَمْ أَسْمَعِ اللُّقْطَةَ بِالسُّكُونِ لِغَيْرِ اللَّيْثِ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرُوحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ الْمَالُ الْمَلْقُوطُ مَنْ لَقَطَ الشَّيْءَ وَالْتَقَطَهُ أَخَذَهُ مِنَ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَقَالَ الْخَلِيلُ: اللُّقَطَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ اسْمٌ لِلْمُلْتَقَطِ قِيَاسًا عَلَى نَظَائِرِهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ كَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ وَأَمَّا اسْمُ الْمَالِ الْمَلْقُوطِ فَبِسُكُونِ الْقَافِ. (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ٣٠٣٣ - (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ (قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ) أَيْ: عَنْ حُكْمِهَا إِذَا وَجَدَهَا (فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: وِعَاءَهَا (وَوِكَاءَهَا) بِكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ: مَا تُشَدُّ بِهِ. فِي الْفَائِقِ: الْعِفَاصُ الْوِعَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ اللُّقَطَةُ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْوِكَاءُ هُوَ الْخَيْطُ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الصُّرَّةُ وَالْكِيسُ وَنَحْوُهُمَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا أَمَرَ بِمَعْرِفَتِهَا لِيَعْلَمَ صِدْقَ وَكَذِبَ مَنْ يَدَّعِيهَا، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا فِي أَنَّهُ لَوْ جَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى اللُّقْطَةَ وَعَرَّفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا هَلْ يَجِبُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْوِكَاءِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ إِذَا عَرَّفَ الرَّجُلُ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْعَدَدَ وَالْوَزْنَ وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ وَإِلَّا فَبَيِّنَةٌ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ فِي الصِّفَةِ بِأَنْ يَسْمَعَ الْمُلْتَقِطَ يَصِفُهَا فَعَلَى هَذَا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا لِئَلَّا تَخْتَلِطَ بِمَالِهِ اخْتِلَاطًا لَا يُمْكِنُهُ التَّمْيِيزُ إِذَا جَاءَ مَالِكُهَا (ثُمَّ عَرِّفْهَا) بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ (سَنَةً) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: ظَاهِرُ الْأَمْرِ بِتَعْرِيفِهَا سَنَةً يَقْتَضِي تَكْرِيرَ التَّعْرِيفِ عُرْفًا وَعَادَةً وَإِنْ كَانَ ظَرْفِيَّةُ السَّنَةِ لِلتَّعْرِيفِ يَصْدُقُ بِوُقُوعِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَكِنْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ كُلَّمَا وَجَدَ مَظَنَّةً. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَفِي الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ يُعَرِّفُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَمَرَّةً فِي آخِرِهِ، وَفِي الْأُسْبُوعِ الثَّانِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً، وَقَدَّرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ مُدَّةَ التَّعْرِيفِ بِالْحَوْلِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ أَخْذًا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ التَّقَادِيرِ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَأَنَّ تَفْوِيضَ التَّقْدِيرِ إِلَى رَأْيِ الْآخِذِ لِإِطْلَاقٍ خَبَرِ مُسْلِمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي اللُّقْطَةِ: " «عَرِّفْهَا فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأَعْطِهِ إِيَّاهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا» " وَالتَّقْيِيدُ بِالسَّنَةِ لَعَلَّهُ لِكَوْنِ اللُّقَطَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا كَانَتْ تَقْتَضِي ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ تَكُونَ اللُّقْطَةُ كَذَلِكَ (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) شَرْطٌ حُذِفَ جَزَاؤُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ أَيْ: فَرُدَّهَا إِلَيْهِ أَوْ فَبِهَا وَنِعْمَتْ أَوْ أَخَذَهَا (وَإِلَّا) وَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا (فَشَأْنُكَ بِهَا) بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَتُبْدَلُ الْفَاءُ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ يُقَالُ: شَأَنْتُ شَأْنَهُ أَيْ: قَصَدْتُ قَصْدَهُ وَاشْأَنْ شَأْنَكَ أَيِ اعْمَلْ بِمَا تُحْسِنُهُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، وَقِيلَ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْ: خُذْ شَأْنَكَ أَيْ: فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ أَكْلٍ وَنَحْوِهَا وَالْحَاصِلُ إِنْ كُنْتَ مُحْتَاجًا فَانْتَفَعَ بِهَا وَإِلَّا فَتَصَدَّقَ بِهَا. قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةً وَعَرَّفَهَا سَنَةً وَلَمْ يَظْهَرْ صَاحِبُهَا كَانَ لَهُ تَمَلُّكُهَا سَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِهَا الْغَنِيُّ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا وَلَا يَتَمَلَّكُهَا. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا جِيءَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: " وَجَدْتُ صُرَّةً " إِلَى قَوْلِهِ: " فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا " وَكَانَ أُبَيٌّ مِنْ مَيَاسِيرِ الْأَنْصَارِ (قَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ (فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: غَاوِيَتُهَا أَوْ مَتْرُوكَتُهَا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: مَا حُكْمُهَا (قَالَ: هِيَ لَكَ) أَيْ: إِنْ

стр. 4263

أَخَذْتَهَا وَعَرَّفْتَهَا وَلَمْ تَجِدْ صَاحِبَهَا فَإِنَّ لَكَ أَنْ تَمْلِكَهَا (أَوْ لِأَخِيكَ) يُرِيدُ بِهِ صَاحِبَهَا وَالْمَعْنَى إِنْ أَخَذْتَهَا فَظَهَرَ مَالِكُهَا فَهُوَ لَهُ أَوْ تَرَكْتَهَا فَاتَّفَقَ أَنْ صَادَفَهَا فَهُوَ أَيْضًا لَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنْ لَمْ تَلْتَقِطْهَا يَلْتَقِطْهَا غَيْرُكَ (أَوْ لِلذِّئْبِ) بِالْهَمْزَةِ وَإِبْدَالِهِ أَيْ: إِنْ تَرَكْتَ أَخْذَهَا أَخَذَهَا الذِّئْبُ وَفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى الْتِقَاطِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ: إِنْ تَرَكْتَهَا وَلَمْ يَتَّفِقْ أَنْ يَأْخُذَهَا غَيْرُكَ يَأْكُلُهُ الذِّئْبُ غَالِبًا، نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْتِقَاطِهَا وَتَمَلُّكِهَا وَعَلَى مَا هُوَ الْعِلَّةُ لَهَا وَهِيَ كَوْنُهَا مُعَرَّضَةً لِلضَّيَاعِ لِيَدُلَّ عَلَى اطِّرَادِ هَذَا الْحُكْمِ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ يَعْجَزُ عَنِ الرَّعْيِ بِغَيْرِ رَاعٍ (قَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ (فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ) أَيْ: شَيْءٌ لَكَ (وَلَهَا) قِيلَ: مَا شَأْنُكَ مَعَهَا أَيِ اتْرُكْهَا وَلَا تَأْخُذْهَا (مَعَهَا سِقَاؤُهَا) بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ: مَعِدَتُهَا فَتَقَعُ مَوْقِعَ السِّقَاءِ فِي الرَّيِّ لِأَنَّهَا إِذَا وَرَدَتِ الْمَاءَ شَرِبَتْ مَا يَكُونُ فِيهِ رِيُّهَا لِظَمَئِهَا أَيَّامًا (وَحِذَاؤُهَا) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: خِفَافُهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجُمْلَةَ اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِلْعِلَّةِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهَا مُسْتَقِلَّةٌ بِأَسْبَابِ تَعَيُّشِهَا أَيْ: يُؤْمَنُ عَلَيْهَا مِنْ أَنْ تَمُوتَ عَطَشًا لِاصْطِبَارِهَا عَلَى الظَّمَأِ وَاقْتِدَارِهَا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْمَرْعَى، وَالسِّقَاءُ يَكُونُ لِلَّبَنِ وَيَكُونُ لِلْمَاءِ وَأُرِيدَ بِهِ هُنَا مَا تَحْوِيهِ فِي كِرْشِهَا مِنَ الْمَاءِ فَتَقَعُ مَوْقِعَ السِّقَاءِ فِي الرَّعْيِ أَوْ أَرَادَ بِهِ صَبْرَهَا عَلَى الظَّمَأِ فَإِنَّهَا أَصْبَرُ الدَّوَابِّ عَلَى ذَلِكَ (تَرِدُ الْمَاءَ) أَيْ: تَجِيئُهُ وَتَشْرَبُ مِنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] (وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) أَيْ: مَالِكُهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَرَادَ بِالسِّقَاءِ أَنَّهَا إِذَا وَرَدَتِ الْمَاءَ شَرِبَتْ مَا يَكُونُ فِيهِ رِيُّهَا لِظَمَئِهَا وَهِيَ مِنْ أَطْوَلِ الْبَهَائِمِ ظَمَأً، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا تَرِدُ عِنْدَ احْتِيَاجِهَا إِلَيْهِ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ صَبْرَهَا عَلَى الْمَاءِ أَوْ وُرُودَهَا إِلَيْهِ بِمَثَابَةِ سِقَائِهَا وَبِالْحِذَاءِ خِفَافَهَا وَأَنَّهَا تَقْوَى بِهَا عَلَى السَّيْرِ وَقَطْعِ الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ وَوُرُودِ الْمِيَاهِ النَّائِيَةِ، شَبَّهَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِمَنْ كَانَ مَعَهُ حِذَاءٌ وَسِقَاءٌ فِي سِعَةٍ، وَإِنَّمَا أَضَافَ الرَّبَّ إِلَيْهَا لِأَنَّ الْبَهَائِمَ غَيْرُ مُتَعَبَّدَةٍ وَلَا مُخَاطَبَةٍ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَجُوزُ إِضَافَةُ مَالِكِهَا إِلَيْهَا وَجَعْلِهِمْ أَرْبَابًا لَهَا، قَالَ الْقَاضِي: " وَأَشَارَ بِالتَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ مَعَهَا سِقَاؤُهَا أَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْتِقَاطِهَا، وَالْفَارِقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْغَنَمِ وَنَحْوِهَا اسْتِقْلَالُهَا بِالتَّعْيِينِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا تُوجَدُ فِي الصَّحْرَاءِ، فَأَمَّا مَا تُوجَدُ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ فَيَجُوزُ الْتِقَاطُهَا لِعَدَمِ الْمَانِعِ وَوُجُودِ الْمُوجِبِ وَهُوَ كَوْنُهَا مُعَرَّضَةً لِلتَّلَفِ مُطَمِّحَةً لِلطَّمَعِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْإِبِلِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْحَيَوَانِ الْكِبَارِ بَيْنَ أَنْ يُؤْخَذَ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ عِمْرَانٍ لِإِطْلَاقِ الْمَنْعِ "، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَنَمِ وَغَيْرِهِ فِي فَضِيلَةِ الِالْتِقَاطِ إِذَا خَافَ الضَّيَاعَ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا، وَأُجِيبُ عَنْ حَدِيثِ زَيْدٍ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ إِذْ ذَاكَ لِغَلَبَةِ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْأَمَانَةِ لَا تَصِلُ إِلَيْهَا يَدٌ خَائِنَةٌ إِذَا تَرَكَهَا وَحْدَهَا، وَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا أَمْنَ فَفِي أَخْذِهَا إِحْيَاءٌ وَحِفْظُهَا عَلَى صَاحِبِهَا فَهُوَ أَوْلَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَقَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا» ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِثُمَّ مُجَرَّدُ الْعَطْفِ لِيُطَابِقَ مَا سَبَقَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: " أَخَّرَ الْمَعْرِفَةَ عَنِ التَّعْرِيفِ عَلَى خِلَافِ مَا تَقَدَّمَ إِيذَانًا بِكَوْنِ الْمُلْتَقِطِ مَأْمُورًا بِمَعْرِفَتَيْنِ يَعْرِفُ عِفَاصَهَا أَوَّلًا، فَإِذَا عَرَّفَهَا سَنَةً وَأَرَادَ تَمَلُّكَهَا نَدَبَ لَهُ أَنْ يُعَرِّفَهَا مَرَّةً أُخْرَى تَعَرُّفًا ثَانِيًا ; لِيَظْهَرَ صِدْقُ صَاحِبِهَا إِذَا وَصَفَهَا اه، وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى (ثُمَّ اسْتَنْفِقْ) أَيْ: فَإِذَا لَمْ تَعْرِفْ صَاحِبَهَا تَمَلَّكْهَا وَأَنْفِقْهَا عَلَى نَفْسِكَ وَالْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ ثُمَّ إِذَا تَصَرَّفَ الْآخِذُ لِنَفْسِهِ فَقِيرًا أَوْ تَصَدَّقَ (بِهَا) عَلَى فَقِيرٍ فَالصَّاحِبُ يُخَيَّرُ فِي تَضْمِينِ أَيِّهِمَا شَاءَ وَلَا رُجُوعَ لِأَحَدٍ عَلَى الْآخَرِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ) أَيْ: إِنْ بَقِيَ عَيْنُهَا وَإِلَّا فَقِيمَتُهَا.

стр. 4264

٣٠٣٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٠٣٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ زَيْدٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ آوَى) بِالْمَدِّ وَيَقْصُرُ أَيْ: ضَمَّ وَجَمَعَ (ضَالَّةً) قِيلَ: هِيَ مَا ضَلَّ مِنَ الْبَهِيمَةِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَاللُّقْطَةُ تَعُمُّ لَكِنْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ (فَهُوَ ضَالٌّ) أَيْ: مَائِلٌ عَنِ الْحَقِّ (مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَخَذَهَا لِيَذْهَبَ بِهَا فَهُوَ ضَالٌّ، وَأَمَّا مَنْ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا أَوْ لِيُعَرِّفَهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " وَمَعْنَى التَّعْرِيفِ التَّشْهِيرُ وَطَلَبُ صَاحِبِهَا "، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيُّ: " أَدْنَى التَّعْرِيفِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الْأَخْذِ وَيَقُولَ: آخُذُهَا لِأَرُدَّهَا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يُعَرِّفْهَا كَفَى "، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ فَهُوَ ضَالٌّ أَيِ: الْوَاجِدُ غَيْرُ رَاشِدٍ إِنْ لَمْ يُعَرِّفْهَا أَوْ مَا وُجِدَ ضَالًّا كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالضَّالِّ ضَالَّةُ الْإِبِلِ وَنَحْوُهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا لِلتَّمَلُّكِ بَلْ إِنَّمَا يُلْتَقَطُ لِلْحِفْظِ فَهُوَ ضَالٌّ إِنْ حَفِظَهَا وَلَمْ يُعَرِّفْهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ.

стр. 4265

٣٠٣٥ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيَمِيِّ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٠٣٥ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانِ التَّيَمِيِّ) أَيِ: الْقُرَشِيِّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، صَحَابِيٌّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَدْرَكَ وَلَيْسَ لَهُ رِوَايَةٌ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فَيَكُونُ حَدِيثُهُ هَذَا مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْكُلِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ لُقْطَةِ الْحَاجِّ» ) أَيْ: تَمَلُّكِ لُقَطَتِهِمْ أَوْ أَخْذِهَا مُطْلَقًا أَوْ فِي الْحَرَمِ، قَالَ الْقَاضِي: " هَذَا الْحَدِيثُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ النَّهْيَ عَنْ أَخْذِ لُقَطَتِهِمْ فِي الْحَرَمِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ لُقَطَةِ الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ أَخْذِهَا مُطْلَقًا لِتُتْرَكَ مَكَانَهَا وَتُعْرَفَ بِالنِّدَاءِ عَلَيْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ طَرِيقٍ إِلَى ظُهُورِ صَاحِبِهَا فَإِنَّ الْحَاجَّ لَا يَلْبَثُونَ مُجْتَمِعِينِ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ فَلَا يَكُونُ لِلتَّعْرِيفِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ جَدْوَى اه وَتَبِعَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ لُقَطَةَ حَرَمِ مَكَّةَ أَيْ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ تَمَلُّكُهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ بَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ أَنْ يَحْفَظَهَا أَبَدًا لِمَالِكِهَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَعِنْدَنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ لُقَطَةِ الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ، وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِابْنِ الْهُمَامِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِي يَتْرُكُهَا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا وَلَا عَمَلَ عَلَى هَذَا فِي هَذَا الزَّمَانِ لِفُشُوِّ السَّرِقَةِ بِمَكَّةَ مِنْ حَوَالَيِ الْكَعْبَةِ فَضْلًا عَنِ الْمَتْرُوكِ، وَالْأَحْكَامُ إِذَا عُلِمَ شَرْعِيَّتُهَا بِاعْتِبَارِ شَرْطٍ ثُمَّ عُلِمَ ثُبُوتُ ضِدِّهِ مُتَضَمِّنًا مَفْسَدَةٍ لِتَقْدِيرِ شَرْعِيَّتِهِ مَعَهُ عُلِمَ انْقِطَاعُهَا بِخِلَافِ الْعِلْمِ بِشَرْعِيَّتِهَا بِسَبَبٍ إِذَا عُلِمَ انْتِفَاؤُهُ، وَلَا مَفْسَدَةَ فِي الْبَقَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ كَالرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ فِي الطَّوَافِ لِإِظْهَارِ الْجَلَادَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.

стр. 4266

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ٣٠٣٦ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينَ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَذَكَرَ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ قَالَ: وَسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: مَا كَانَ مِنْهَا فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ وَالْقَرْيَةِ الْجَامِعَةِ فَعَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَهُوَ لَكَ. وَمَا كَانَ فِي الْخَرَابِ الْعَادِيِّ فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَسُئِلَ عَنِ اللُّقْطَةِ إِلَى آخِرِهِ. ــ (الْفَصْلُ الثَّانِي) - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ) (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ (الْمُعَلَّقِ) أَيِ: الْمُدَلَّى مِنَ الشَّجَرِ (فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الثَّمَرِ (مِنْ ذِي حَاجَةٍ) بَيَانٌ لِمَنْ أَيْ: فَقِيرٍ أَوْ مُضْطَرٍّ أَيْ: مِنْ أَصَابَ لِلْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ (غَيْرَ مُتَّخِذٍ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ أَصَابَ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ ذِي حَاجَةٍ (خُبْنَةً) بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ: ذَخِيرَةً مَحْمُولَةً (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْغَصْبِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لَكِنْ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ، وَأَجَازَ ذَلِكَ أَحْمَدُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ فَعَلَيْهِ غَرَامَةٌ مِثْلَيْهِ) أَيْ: غَرَامَةُ قِيمَةِ مِثْلَيْهِ (وَالْعُقُوبَةُ) بِالرَّفْعِ أَيِ: التَّعْزِيرُ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ:

стр. 4267

وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الزَّجْرِ وَالْوَعِيدِ وَإِلَّا فَالْمُتْلَفُ لَا يُضْمَنُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ مِثْلِهِ وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَحْكُمُ بِهِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَقِيلَ: كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا إِيجَابٌ لِلْغَرَامَةِ وَالتَّعْزِيرِ فِيمَا يُخْرِجُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ الْمُرَخَّصِ فِيهَا وَلِأَنَّ الْمُلَّاكَ لَا يَتَسَامَحُونَ بِذَلِكَ بِخِلَافِ الْقَدْرِ الْيَسِيرِ الَّذِي يُؤْكَلُ، وَلَعَلَّ تَضْعِيفَ الْغَرَامَةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ تَغْلِيظًا فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُوجِبِ الْقَطْعَ فِيهِ وَأَوْجَبَ فِيمَا يُوجَدُ مِمَّا جُمِعَ فِي الْبَيْدَرِ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ (شَيْئًا) إِلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّ مَوَاضِعَ النَّخْلِ بِالْمَدِينَةِ لَمْ تَكُنْ مُحُوطَةً مَحْرُوزَةً وَلِذَا قَيَّدَهُ (بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ) بِضَمِّ الْيَاءِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: آوَى وَأَوَى بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَالْمَقْصُورُ مِنْهُمَا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ وَمِنَ الْمُتَعَدِّي هَذَا الْحَدِيثُ وَالْمَعْنَى يَضُمَّهُ وَيَجْمَعَهُ (الْجَرِينُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مَوْضِعُ تَجْفِيفِ التَّمْرِ وَهُوَ لَهُ كَالْبَيْدَرِ لِلْحِنْطَةِ وَهُوَ حِرْزٌ عَادَةً فَإِنَّ الْجَرِينَ لِلثِّمَارِ كَالْمَرَاحِ لِلشِّيَاهِ وَحِرْزُ الْأَشْيَاءِ عَلَى حَسَبِ الْعَادَاتِ (فَبَلَغَ) أَيْ: قِيمَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ (ثَمَنَ الْمِجَنِّ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ أَيِ: التُّرْسِ الْمُسَمَّى بِالدَّرَقَةِ وَالْمُرَادُ بِثَمَنِهِ نِصَابُ السَّرِقَةِ لِأَنَّهُ كَانَ يُسَاوِي فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ رُبْعَ دِينَارٍ، وَقِيلَ: هُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَهُوَ نِصَابُ السَّرِقَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ) وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْمُرَادُ بِثَمَنِ الْمِجَنِّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ - قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» (وَذَكَرَ) أَيْ: جِدُّ عَمْرٍو (فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ) أَيْ: مِنَ الرُّوَاةِ (قَالَ) أَيْ: جَدُّ عَمْرٍو (وَسُئِلَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (عَنِ اللُّقْطَةِ، فَقَالَ: مَا كَانَ) أَيْ: وُجِدَ مِنْهَا (فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ) كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَقَدْ وَقَعَ فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَبَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ: فِي طَرِيقِ الْمَيْتَاءِ بِإِضَافَةٍ، وَالْمِيتَاءُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ مَمْدُودَةً أَيِ: الْعَامَّةُ الْمُسَمَّاةُ بِالْجَادَّةِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: الْمِيتَاءُ الطَّرِيقُ الْعَامُّ وَمُجْتَمَعُ الطَّرِيقِ أَيْضًا مِيتَاءُ وَالْجَادَّةُ الَّتِي تَسْلُكُهَا السَّابِلَةُ وَهُوَ مِفْعَالٌ مِنِ الْإِتْيَانِ أَيْ: يَأْتِيهِ النَّاسُ وَيَسْلُكُهُ اه فَالْيَاءُ فِي مِيتَاءَ أَصْلُهُ هَمْزٌ أُبْدِلَ يَاءً جَوَازًا وَالْهَمْزُ فِيهِ أَصْلُهُ يَاءٌ أُبْدِلَ هَمْزًا وُجُوبًا، فَتَأَمَّلْ (وَالْقَرْيَةِ الْجَامِعَةِ) أَيْ: لِسَاكِنِهَا (عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ) أَيْ: صَاحِبُهَا وَفِيهِ تَفَنُّنٌ (فَهُوَ) أَيِ: الْمَلْقُوطُ (لَكَ) أَيْ: مِلْكٌ لَكَ أَوْ خَاصٌّ لَكَ تَتَصَّرَفُ فِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا يُوجَدُ مِنَ اللُّقْطَةِ فِي الْعُمْرَانِ وَالطُّرُقِ الْمَسْلُوكَةِ غَالِبًا يَجِبُ تَعْرِيفُهَا إِذِ الْغَالِبُ أَنَّهَا مِلْكُ مُسْلِمٍ (وَمَا كَانَ) أَيْ: وُجِدَ (فِي الْخَرَابِ الْعَادِيِّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيِ: الْقَدِيمِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا وُجِدَ فِي قَرْيَةٍ خَرِبَةٍ وَالْأَرَاضِي الْعَادِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَجَرِ عَلَيْهَا عِمَارَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ وَلَمْ تَدْخُلْ فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْجُودُ مِنْهُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ غَيْرَهُمَا مِنَ الْأَوَانِي وَالْأَقْمِشَةِ (فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ كَأَنَّهُ رَكَزَ فِي الْأَرْضِ (الْخُمُسُ) بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي فَأُعْطِيَ لَهَا حُكْمُ الرِّكَازِ إِذِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهَا (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ عَمْرٍو (مِنْ قَوْلِهِ: وَسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ إِلَى آخِرِهِ) .

стр. 4268

٣٠٣٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَجَدَ دِينَارًا فَأَتَى بِهِ فَاطِمَةَ فَسَأَلَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَذَا رِزْقُ اللَّهِ، فَأَكَلَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " وَأَكَلَ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَتِ امْرَأَةٌ تَنْشُدُ الدِّينَارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَلِيُّ أَدِّ الدِّينَارَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٠٣٧ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ أَنَّ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَجَدَ دِينَارًا فَأَتَى بِهِ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَسَأَلَ) أَيْ: عَلِيٌّ (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ حُكْمِ الدِّينَارِ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذَا رِزْقُ اللَّهِ) أَيْ: مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ (فَأَكَلَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلَ) كَرَّرَ الْعَامِلَ مُبَالَغَةً أَوْ تَعْظِيمًا (وَفَاطِمَةُ) أَيْ: أَيْضًا (﵄) بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا

стр. 4269

يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّعْرِيفِ وَلَا عَلَى عَدَمِ التَّوَقُّفِ قَدْرَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَطْلُبُهُ فَإِنَّ الْفَاءَ قَدْ تَأْتِي لِمُجَرَّدِ الْبَعْدِيَّةِ فَتُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ لِلتَّعْقِيبِ فَهُوَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: تَزَوَّجَ فُلَانٌ فَوُلِدَ لَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا مُدَّةُ الْحَمْلِ وَإِنْ كَانَتْ مُدَّةً مُتَطَاوِلَةً وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] فَمَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ لَا يُعَرَّفُ مَحَلُّ بَحْثٍ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ: وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِمْسَاكِهِ وَتَعْرِيفِهِ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ إِذَا كَانَتْ شَيْئًا قَلِيلًا لَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ اه وَهُوَ خِلَافُ الْمَحْفُوظِ مِنَ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الدِّينَارَ مِمَّا لَا يُسَمَّ شَيْئًا قَلِيلًا لَا يُجِبُ تَعْرِيفُهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِيخَانْ وَغَيْرُهُ ﵏، وَقَالَ الْأَشْرَفُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَنِيَّ لَهُ التَّمَلُّكُ كَالْفَقِيرِ وَعَلَى أَنَّ اللُّقَطَةَ تَحِلُّ عَلَى مَنْ لَا تَحِلُّ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ غَنِيًّا بِمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَكَانَ هُوَ وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ اه وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَأَخْطَأَ فَإِنَّهُ خِلَافُ مَذْهَبِهِ مِنْ أَنَّ الْغَنِيَّ لَا يَتَمَلَّكُ اللُّقَطَةَ عَلَى أَنَّ فِي كَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ غَنِيًّا بِالْفَيْءِ مَحَلَّ بِحَثٍّ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَنِيِّ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِنِصَابٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنَحْوِهِمَا (فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: مُدَّةٍ (أَتَتِ امْرَأَةٌ تَنْشُدُ الدِّينَارَ) بِضَمِّ الشِّينِ أَيْ: تَطْلُبُهُ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَلِيُّ أَدِّ الدِّينَارَ) أَيْ: أَعْطِهَا إِيَّاهُ. فِيهِ وُجُوبُ بَذْلِ الْبَدَلِ عَلَى الْمُلْتَقِطِ إِلَى مَالِكِهَا مَتَى ظَهَرَ، قَالَهُ الْأَشْرَفُ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَرْضَ بِثَوَابِ التَّصَدُّقِ إِنْ تَصَدَّقَ بِهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4270

٣٠٣٨ - وَعَنِ الْجَارُودِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٣٠٣٨ - (وَعَنِ الْجَارُودِ) بِالْجِيمِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيِ: ابْنِ الْمُعَلَّى قَالَ الْمُؤَلِّفُ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَنَةَ تِسْعٍ مَعَ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ) فِي النِّهَايَةِ: هِيَ الضَّائِعَةُ مِنْ كُلِّ مَا يُقْتَنَى مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ، يُقَالُ: ضَلَّ الشَّيْءُ إِذَا ضَاعَ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ فَاعِلَةٌ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهَا فَصَارَتْ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ وَتَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَيُجْمَعُ عَلَى ضَوَالٍّ (حَرَقُ النَّارِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ وَقَدْ يُسَكَّنُ وَالْمُرَادُ هُنَا لَهَبُهَا يُرِيدُ أَنْ أَخْذَ اللُّقْطَةِ يُرْدِي إِلَى حَرَقِ النَّارِ لِمَنْ لَمْ يُعَرِّفْهَا وَقَصَدَ الْخِيَانَةَ فِيهَا (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ.

стр. 4271

٣٠٣٩ - وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوِي عَدْلٍ وَلَا يَكْتُمْ وَلَا يُغَيِّبْ فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٣٠٣٩ - (وَعَنْ عِيَاضٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ (ابْنِ حِمَارٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ ابْنِ نَاجِيَةَ بْنَ عِقَالٍ كَانَ صَدِيقًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدِيمًا، ذَكَرَهُ مَيْرَكُ، زَادَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ التَّيَمِيُّ الْمُجَاشِعِيُّ يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ اه وَمَا ضُبِطَ فِي بَعْضِ نُسَخٍ مِنْ فَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ تَصْحِيفٌ أَشَارَ إِلَيْهِ الْمَعْنَى حَيْثُ قَالَ: عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ بِلَفْظِ حَيَوَانٍ نَاهِقٍ اه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ» ) أَيْ: لِيَجْعَلْهُ شَاهِدًا (أَوْ ذَوَيْ عَدْلٍ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَوْ بِمَعْنَى بَلْ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَهَذَا أَمْرُ تَأْدِيبٍ لِإِرْشَادٍ وَذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُؤَمَّنَ أَنْ يَحْمِلَهُ الشَّيْطَانُ عَلَى إِمْسَاكِهَا وَتَرْكِ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِيهَا، وَالثَّانِي الْأَمْنُ مِنْ أَنْ يَحُوزَهَا فِي جُمْلَةِ التَّرِكَةِ عِنْدَ اخْتِرَامِ الْمَنِيَّةِ إِيَّاهُ، وَقَدْ قِيلَ بِوُجُوبِ الْإِشْهَادِ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ (وَلَا يَكْتُمْ) أَيْ: لَا يُخْفِيهِ (وَلَا يُغَيِّبْ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ: لَا يَجْعَلُهُ غَائِبًا بِأَنْ يُرْسِلَهُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ أَوِ الْكِتْمَانُ

стр. 4272

مُتَعَلِّقٌ بِاللُّقَطَةِ وَالتَّغْيِيبُ بِالضَّالَّةِ (فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا (فَهُوَ مَالُ اللَّهِ) أَيْ: رِزْقُهُ (يُؤْتِيهِ) أَيْ: يُعْطِيهِ (مَنْ يَشَاءُ) أَيْ: عَلَى وَجْهٍ يَشَاؤُهُ وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ ﵀ قَوْلُهُ: " فَهُوَ مَالُ اللَّهِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: رِزْقُ اللَّهِ وَهُمَا عِبَارَتَانِ عَنِ الْحَلَالِ وَلَيْسَ لِلْمُعْتَزِلَةِ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ بِأَنَّ الْحَرَامَ لَيْسَ بِرِزْقٍ لِأَنَّ الْمَقَامُ مَقَامُ مَدْحِ اللُّقْطَةِ لَا بَيَانَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ " فَهُوَ مَالُ اللَّهِ " جَوَابٌ لِلشَّرْطِ وَيَجُوزُ إِسْقَاطُهَا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: " وَإِلَّا اسْتَمْتَعَ بِهَا " قَالَ الْمَالِكِيُّ: حَذَفَ الْفَاءَ وَالْمُبْتَدَأَ فِي الْحَدِيثِ مَعًا مِنْ جَوَابِ الشَّرْطِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 4273

٣٠٤٠ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَصَا وَالسَّوْطِ وَالْحَبْلِ وَأَشْبَاهِهِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذُكِرَ حَدِيثُ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ " أَلَا لَا يَحِلُّ " فِي بَابِ الِاعْتِصَامِ. ــ ٣٠٤٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَصَا) ، بِالْقَصْرِ ( «وَالسَّوْطِ وَالْحَبْلِ وَأَشْبَاهِهِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ» ) صِفَةٌ أَوْ حَالٌ (يَنْتَفِعُ بِهِ) أَيِ: الْحُكْمُ فِيهَا أَنْ يَنْتَفِعَ الْمُلْتَقِطُ بِهِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفِ سَنَةٍ أَوْ مُطْلَقًا، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ لَا يُعَرَّفُ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا دُونُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ قَلِيلٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الدِّينَارُ فَمَا دُونَهُ قَلِيلٌ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ وَقَالَ قَوْمٌ: الْقَلِيلُ التَّافِهُ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ كَالنَّعْلِ وَالسَّوْطِ وَالْجِرَابِ وَنَحْوِهَا، وَفِي فَتَاوَى قَاضِيخَانْ رَفْعُ اللُّقْطَةِ لِصَاحِبِهَا أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهَا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحِلُّ رَفْعُهَا، وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ، وَقَالَ الْمُتَعَسِّفَةَ: لَا يَحِلُّ رَفْعُهَا، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا خُصُوصًا فِي زَمَانِنَا، وَالْحِمَارُ وَالْفَرَسُ وَالْإِبِلُ التَّرْكُ أَفْضَلُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ وَإِنْ كَانَ فِي الْقَرْيَةِ فَتَرْكُ الدَّابَّةِ أَفْضَلُ وَإِذَا رَفَعَ اللُّقْطَةَ يُعَرِّفُهَا وَيَقُولُ: الْتَقَطْتُ لُقْطَةً أَوْ وَجَدْتُ ضَالَّةً أَوْ عِنْدِي شَيْءٌ فَمَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَطْلُبُ فَدُلُّوهُ عَلَيَّ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ: يُعَرِّفُهَا حَوْلًا وَلَمْ يُفَصِّلْ فِيمَا إِذَا كَانَتِ اللُّقْطَةُ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ رِوَايَتَانِ، فِي رِوَايَةٍ: إِنْ كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَهَا يُعَرِّفُهَا حَوْلًا وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَهَا يُعَرِّفُهَا شَهْرًا وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ يُعَرِّفُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَى خَمْسَةٍ يَحْفَظُهَا يَوْمًا وَاحِدًا، وَفِي الْخَمْسَةِ إِلَى الْعَشْرَةِ يَحْفَظُهَا أَيَّامًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَى الْمِائَةِ يُعَرِّفُهَا شَهْرًا وَفِي الْمِائَةِ إِلَى الْمِائَتَيْنِ يَحْفَظُهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَفِي الْمِائَتَيْنِ إِلَى الْأَلْفِ أَوْ أَكْثَرَ يَحْفَظُهَا حَوْلًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي الدِّرْهَمِ الْوَاحِدِ يَحْفَظُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفِي الدَّانَقِ فَصَاعِدَا يَحْفَظُهُ يَوْمًا وَيُعَرِّفُهُ وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ يَنْظُرُ يَمْنَةً وَيُسْرَةً ثُمَّ يَتَصَدَّقُ، وَقَالَ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنِ أَبِي سَهْلِ السَّرَخْسِيُّ: " لَيْسَ فِي هَذَا تَقْدِيرٌ لَازِمٌ بَلْ يُفَوَّضُ إِلَى رَأْيِ الْمُلْتَقِطِ يُعَرِّفُ إِلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى رَأْيِهِ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَطْلُبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعْدَ ذَلِكَ إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجِئْ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا حَتَّى يَجِيئَ صَاحِبُهَا وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا وَإِنْ تَصَدَّقَ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا كَانَ صَاحِبُهَا بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَجَازَ الصَّدَقَةَ وَيَكُونُ الثَّوَابُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُجِزِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ كَانَتِ اللُّقْطَةُ فِي يَدِ الْفَقِيرِ يَأْخُذُهَا مِنَ الْفَقِيرِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَائِمَةً كَانَ لَهُ الْخِيَارُ إِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْفَقِيرَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُلْتَقِطَ، وَأَيُّهُمَا ضَمِنَ لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ وَيَنْبَغِي لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يُشْهِدَ عِنْدَ رَفْعِ اللُّقَطَةِ أَنَّهُ يَرْفَعُهَا لِصَاحِبِهَا فَإِنْ أَشْهَدَ كَانَتِ اللُّقْطَةُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ كَانَ عَاصِيًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵏: هِيَ أَمَانَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ الْحِفْظُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يُضَمَّنُ الْمُلْتَقِطُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي عَلَيْهَا أَوْ بِالْمَنْعِ عِنْدَ الطَّلَبِ وَهُنَا إِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُشْهِدَ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُشْهِدُهُ عِنْدَ الرَّفْعِ أَوْ خَافَ أَنَّهُ لَوْ أَشْهَدَ عِنْدَ الرَّفْعِ يَأْخُذُ مِنْهُ الظَّالِمُ فَتَرَكَ الْإِشْهَادَ لَا يَكُونُ ضَامِنًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَذُكِرَ حَدِيثُ الْمِقْدَامِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (ابْنِ مَعْدِيكَرِبَ) بِلَا انْصِرَافٍ (أَلَا لَا يَحِلُّ) أَيْ: لَكُمُ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِي عَنْهَا صَاحِبُهَا (فِي بَابِ الِاعْتِصَامِ) أَيْ: فِي ضِمْنِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَثَرُهُ مُنَاسِبٌ لِذَلِكَ الْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 4274

[بَابُ الْفَرَائِضِ]

стр. 4275

(بَابُ الْفَرَائِضِ) (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ٣٠٤١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (بَابُ الْفَرَائِضِ) بِالْهَمْزِ جَمْعُ فَرِيضَةٍ أَيِ: الْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمَتْرُوكَاتِ الْمَالِيَّةِ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْفَرْضُ أَصْلُهُ الْقَطْعُ، قَالَ: فَرَضْتُ لِفُلَانٍ إِذَا قَطَعْتُ لَهُ مِنَ الْمَالِ شَيْئًا، وَفِي الْمُغْرِبِ: الْفَرِيضَةُ اسْمُ مَا يُفْرَضُ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَقَدْ يُسَمَّى بِهَا كُلُّ مُقَدِّرٍ، فَقِيلَ لِأَنْصِبَاءِ الْمَوَارِيثِ فَرَائِضُ لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ لِأَصْحَابِهَا ثُمَّ قِيلَ لِلْعِلْمِ بِمَسَائِلِ الْمِيرَاثِ عِلْمٌ وَفِي الْفَرَائِضِ وَلِلْعَالَمِ بِهِ فَرَضِيٌّ وَفَارِضٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: «أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ» أَيْ: أَعْلَمُكُمْ بِهَذَا النَّوْعِ. (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ٣٠٤١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» ) أَيْ: فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَشَفَقَتِي عَلَيْهِمْ أَكْثَرُ مِنْ شَفَقَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَأَكُونُ أَوْلَى بِقَضَاءِ دِيُونِهِمْ ( «فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» ) أَيْ: بَعْدَ قَضَاءِ دِيُونِهِ وَوَصِيَّتِهِ وَمِنْهُ أَخْذُ التَّرِكَةِ، فِي الْفَائِقِ: التَّرِكَةُ اسْمٌ لِلْمَتْرُوكِ كَمَا أَنَّ الطَّلِبَةَ اسْمٌ لِلْمَطْلُوبِ وَمِنْهُ تَرِكَةُ الْمَيِّتِ (وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا» ) بِفَتْحِ الضَّادِ وَيُكْسَرُ أَيْ: عِيَالًا ( «فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ» ) أَيْ: وَلِيُّهُ وَكَافِلُ أَمْرِهِ قَالَ الْقَاضِيَ ﵀: ضَيَاعًا بِالْفَتْحِ يُرِيدُ بِهِ الْعِيَالَ الْعَالَةَ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ مَقَامَ اسْمِ الْفَاعِلِ لِلْمُبَالَغَةِ كَالْعَدْلِ وَالصَّوْمِ وَرُوِيَ بِالْكَسْرِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ ضَائِعٍ كَجِيَاعٍ فِي جَمْعٍ جَائِعٍ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الضَّيَاعُ اسْمُ مَا هُوَ فِي مَعْرَضٍ أَنْ يَضِيعَ إِنْ لَمْ يُتَعَهَّدْ كَالذُّرِّيَّةِ الصِّغَارِ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَا يَقُومُونَ بِأَمْرِ أَنْفُسِهِمْ وَمَنْ يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُمْ (وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا» ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: ثِقَلًا قَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ [النحل: ٧٦] وَهُوَ يَشْمَلُ الدَّيْنَ وَالْعِيَالَ (فَإِلَيْنَا) أَيْ: مَرْجِعُهُ وَمَأْوَاهُ أَوْ فَلْيَأْتِ إِلَيْنَا أَيْ: أَنَا أَتَوَلَّى أُمُورَهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ وَأَنْصُرُهُمْ فَوْقَ مَا كَانَ مِنْهُمْ لَوْ عَاشُوا، فَإِنْ تَرَكُوا شَيْئًا مِنَ الْمَالِ فَأَذُبُّ الْمُسْتَأْكِلَةَ مِنَ الظَّلَمَةِ أَنْ يَحُومُوا حَوْلَهُ فَيَخْلُصُ لِوَرَثَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكُوا وَتَرَكُوا ضَيَاعًا وَكَلًّا مِنَ الْأَوْلَادِ فَأَنَا كَافِلُهُمْ وَإِلَيْنَا مَلْجَأُهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوا دَيْنًا فَعَلَيَّ أَدَاؤُهُ، وَلِهَذَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ - عَزَّ مِنْ قَائِلٍ -: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وَقَوْلِهِ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تُفَسَّرَ الْآيَةُ أَيْضًا، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ " ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] " إِنَّمَا يَتَلَاءَمُ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ ﷺ كَالْأَبِ الْمُشْفِقِ بَلْ هُوَ أَرْأَفُ وَأَرْحَمُهُمْ بِهِمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
следующие страницы →