← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أَيْ: كُلُّ نَفْسٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [الانفطار: ٥] ﴿مَا قَدَّمَتْ﴾ [الانفطار: ٥] : وَأَخَّرَتْ أَيْ: لِتَتَفَكَّرْ وَتَتَأَمَّلِ النُّفُوسُ مَا قَدَّمَتْ، أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْخَيْرَاتِ أَرْسَلَتْهُ إِلَى الْآخِرَةِ (لِغَدٍ) أَيْ: لِنَفْعِ الْغَدِ مِنَ الزَّمَانِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَتَمَامُهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ. وَهُوَ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْأَوَّلُ مَعْنَاهُ اتَّقُوا مُخَالَفَتَهُ، وَالثَّانِي اتَّقُوا عُقُوبَتَهُ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] أَيْ: عَالِمٌ بِأَعْمَالِكُمْ فَيُخْبِرُكُمْ بِهَا وَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَفِيهِ جَوَازُ تَقْطِيعِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِأَنْ يُؤْتَى بِبَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حَسَبِ الْحَاجَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ " تَصَدَّقَ رَجُلٌ ": بِفَتْحِ الْقَافِ وَتُسَكَّنُ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الظَّاهِرَ لِيَتَصَدَّقْ رَجُلٌ، وَلَامُ الْأَمْرِ لِلْغَائِبِ مَحْذُوفٌ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَنَقَلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ نَبْكِ فِي: قِفَا نَبْكِ مَجْزُومٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَمْرِ أَيْ: فَلْنَبْكِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا﴾ [الحجر: ٣] أَيْ: فَلْيَأْكُلُوا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤] أَيْ: فَلْيَغْفِرُوا وَلَوْ حَمَلَ " تَصَدَّقَ " عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي لَمْ يُسَاعِدْهُ قَوْلُهُ: " وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ " إِذِ الْمَعْنَى لِيَتَصَدَّقَ رَجُلٌ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، كَذَا قَوْلُهُ: فَجَاءَ رَجُلٌ. . إِلَخْ: لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِامْتِثَالِ أَمْرِهِ ﵊ عَقِيبَ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَلِمَنْ يُجْرِيهِ عَلَى الْإِخْبَارِ وَجْهٌ، لَكِنْ فِيهِ تَعَسُّفٌ غَيْرُ خَافٍ اهـ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَيَأْبَى عَنِ الْحَمْلِ عَلَى حَذْفِ اللَّامِ عَدَمُ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ اهـ. فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لَفْظًا وَأَمْرٌ مَعْنًى، وَإِتْيَانُ الْإِخْبَارِ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَكَلُّفٌ فَضْلًا عَنْ تَعَسُّفٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الصف: ١١] : قِيلَ: إِنَّهُمَا بِمَعْنَى آمِنُوا وَجَاهِدُوا، وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ " تَعْبُدُ اللَّهَ " بِمَعْنَى اعْبُدِ اللَّهَ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ أَبْلَغُ فَكَأَنَّهُ أَمَرَهُ وَامْتَثَلَ بِهِ فَأَخْبَرَ عَنْهُ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا يُقَالُ هَذَا الْإِخْبَارُ مُضَارِعٌ وَالْكَلَامُ فِي الْمَاضِي، لِأَنَّ الْخَبَرَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ خَبَرٌ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ مَاضِيًا أَوْ مُضَارِعًا مَعَ أَنَّ الْأَغْلَبِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ أَظْهَرُ فِي الْمَاضِي لِدَلَالَتِهِ عَلَى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْآتِيَ: " فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ " حَمَلَ بَعْضُهُمْ " أَخَذَ " الثَّانِيَ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ. (مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: مِنْ قَمْحِهِ وَحِنْطَتِهِ وَفِي مَعْنَاهُ مِنْ شَعِيرِهِ (مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ) : وَإِعَادَةُ الْعَامِلِ تُفِيدُ الِاسْتِقْلَالَ وَتَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ الصَّاعُ مِنْهُمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَجُلٌ نَكِرَةٌ وُضِعَتْ مَوْضِعَ الْجَمْعِ الْمَعْرُوفِ لِإِفَادَةِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْإِفْرَادِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَشَجَرَةٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] فَإِنَّ شَجَرَةً وَقَعَتْ مَوْقِعَ الْأَشْجَارِ، وَمِنْ ثَمَّ كَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ مِرَارًا بِلَا عَطْفٍ أَيْ: لِيَتَصَدَّقْ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، وَرَجُلٌ مِنْ دِرْهَمِهِ وَهَلُمَّ جَرًّا. وَ " مِنْ " فِي: " مِنْ دِينَارٍ "، إِمَّا تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ: لِيَتَصَدَّقْ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَإِمَّا ابْتِدَائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِعْلِ فَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ: لِيَتَصَدَّقْ بِمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (حَتَّى قَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ لِيَتَصَدَّقْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) : أَيِ: الرَّاوِي (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ) : بِالضَّمِّ، أَيْ: رَبْطَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ (كَادَتْ كَفُّهُ) أَيْ قَارَبَتْ (تَعْجِزُ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتُفْتَحُ (عَنْهَا) أَيْ: عَنْ حَمْلِ الصُّرَّةِ لِثِقَلِهَا لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا (بَلْ قَدْ عَجَزَتْ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتُكْسَرُ (ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ) أَيْ: تَوَالَوْا فِي إِعْطَاءِ الْخَيْرَاتِ وَإِتْيَانِ الْمَبَرَّاتِ (حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ) : الْكَوْمَةُ: بِالْفَتْحِ الصُّبْرَةُ (مِنْ طَعَامٍ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ هُنَا حُبُوبٌ، وَلَعَلَّ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ النُّقُودِ لِغَلَبَتِهِ (وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ) : بَدَلٌ مِنْ حَتَّى الْأُولَى أَوْ غَايَةٌ لَهَا أَيْ:

стр. 457

حَتَّى أَبْصَرْتُ (وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ) أَيْ: يَسْتَنِيرُ وَيَظْهَرُ عَلَيْهِ أَمَارَاتُ السُّرُورِ (كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، بَعْدَهُ مُوَحَّدَةٌ، فِي مَا مُوِّهَ بِالذَّهَبِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْهَاءِ وَالنُّونِ، وَهُوَ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الدُّهْمَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: صَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: مُدْهُنَةٌ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَضَمِّ الْهَاءِ وَبِالنُّونِ، وَكَذَا ضَبَطَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْمُرَادُ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الصَّفَاءُ وَالِاسْتِنَارَةُ، كَذَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً» ) أَيْ: أَتَى بِطَرِيقَةٍ مَرْضِيَّةٍ يُقْتَدَى بِهِ فِيهَا (فَلَهُ أَجْرُهَا) أَيْ: أَجْرُ تِلْكَ السُّنَّةِ، أَيْ: ثَوَابُ الْعَمَلِ بِهَا. وَفِي نُسْخَةٍ: أَجْرُهُ، أَيْ: أَجْرُ مَنْ سَنَّ، يَعْنِي أَجْرَ عَمَلِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: فَلَهُ أَجْرُهَا، وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ رِوَايَةً وَمَعْنًى إِنَّمَا الصَّوَابُ أَجْرُهُ، وَالضَّمِيرُ لِصَاحِبِ الطَّرِيقَةِ، أَيْ: لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِسُنَّتِهِ، وَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى السُّنَّةِ. (وَقَدْ وَهِمَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ رُوَاةِ الْكِتَابَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ فِي شَيْءٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُورِدْهُ الْبُخَارِيُّ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَوُجِدَ فِي نُسَخٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ مُسْلِمٍ: أَجْرُهَا. وَعَلَى هَذَا شَرْحُ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَتِهِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْأَجْرِ فَجَازَتِ الْإِضَافَةُ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ اتِّفَاقُ النُّسَخِ عَلَى وِزْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا) أَيْ: بِتِلْكَ الْحَسَنَةِ (مِنْ بَعْدِهِ) : مِنْ بَيَانِ مِنْ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بَعْدَهُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ بَعْدَ مَمَاتِ مَنْ سَنَّهَا قُيِّدَ بِهِ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ ذَلِكَ الْأَجْرَ يُكْتَبُ لَهُ مَا دَامَ حَيًّا اهـ. قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّهُ يُتَوَهَّمُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْأَجْرَ لَا يُكْتَبُ لَهُ وَهُوَ حَيٌّ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ مِنْ بَعْدِ مَا سَنَّهُ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ) : عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ وَلَازِمٌ (مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ) أَيْ: مِنَ النَّقْصِ (وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً) أَيْ: بِدْعَةً مَذْمُومَةً عَمِلَ بِهَا (كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا) أَيْ: إِثْمُهَا (وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ) أَيْ: مِنْ جِهَةِ تَبَعِيَّتِهِ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ) : تَقَدَّمَ (مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) : جَمَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى " مِنْ " كَمَا أَفْرَدَ فِي " يَنْقُصَ " بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 458

٢١١ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ: (لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي) فِي بَابِ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ــ ٢١١ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا) : نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ (إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ) : صِفَةٌ لِابْنٍ، وَهُوَ قَابِيلُ قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ حِينَ تَزَوَّجَ كُلٌّ بِأُخْتِهِ الَّتِي مَعَ الْآخَرِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ شَرِيعَةَ آدَمَ أَنَّ بُطُونَ حَوَّاءَ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْأَقَارِبِ الْأَبَاعِدِ، وَحِكْمَتُهُ تَعَذُّرُ التَّزَوُّجِ فَاقْتَضَتْ مَصْلَحَةُ بَقَاءِ النَّسْلِ تَجْوِيزَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ قَتَلَ أَخَاهُ لِأَنَّ زَوْجَتَهُ كَانَتْ أَجْمَلَ، وَبَسْطُ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي التَّفْسِيرِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا قَيَّدَ بِالْأَوَّلِ لِئَلَّا يُشْتَبَهَ إِذْ فِي بَنِي آدَمَ كَثْرَةٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَابِيلَ كَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا أَنَّ قَضِيَّتَهُمَا كَانَتْ بَعْدَ بُطُونٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْأَظْهَرُ أَنَّ اللَّامَ لِلْعَهْدِ أَيِ الْأَوَّلُ مِنَ الْقَتَلَةِ (كِفْلٌ) أَيْ: نَصِيبٌ (مِنْ دَمِهَا) أَيْ: دَمِ النَّفْسِ (لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ) : وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ: ﵁ (لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي) فِي بَابِ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) . وَتَقَدَّمَ وَجْهُهُ.

стр. 459

الْفَصْلُ الثَّانِي ٢١٢ - عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ! إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ رَسُولِ ﷺ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ وَسَمَّاهُ التِّرْمِذِيُّ قَيْسَ بْنَ كَثِيرٍ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢١٢ - (عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ) : ذَكَرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّابِعِينَ (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ أَيِ: الشَّامِ (فَجَاءَهُ) أَيْ: أَبَا الدَّرْدَاءِ (رَجُلٌ) أَيْ: مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ (فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ!) : يُقْرَأُ بِالْهَمْزَةِ بَعْدَ حَرْفِ النِّدَاءِ وَلَا يُكْتَبُ رَسْمًا (إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَرِهَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَرَسُولِ غَيْرِهِ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ الْآيَةَ. لِأَنَّ خِطَابَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ تَشْرِيفٌ لَهُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ، وَلَهُ تَعَالَى أَنْ يُخَاطِبَ عَبِيدَهُ بِمَا شَاءَ وَمِنْ ثَمَّ أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] أَنَّهُ يَحْرُمُ نِدَاؤُهُ بِاسْمِهِ كَ " يَا مُحَمَّدُ "، أَوْ بِكُنْيَتِهِ كَ " يَا أَبَا الْقَاسِمِ ". قَالَ: وَإِنَّمَا يُنَادَى بِنَحْوِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ اهـ. وَفِيهِ: أَنَّ الْقَرِينَةَ الْمَانِعَةَ مِنْ إِرَادَةِ الْإِشْرَاكِ قَائِمَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ بَلْ لَا يُتَوَهَّمُ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْوِهِ لَا سِيَّمَا إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ ﷺ (لِحَدِيثٍ) أَيْ: لِأَجْلِ تَحْصِيلِ حَدِيثٍ (بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْحَدِيثَ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ إِجْمَالًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ الْحَدِيثَ، لَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَهُ بِلَا وَاسِطَةٍ لِإِفَادَةِ الْعِلْمِ وَزِيَادَةِ يَقِينِهِ أَوْ لِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ فَإِنَّهُ مِنَ الدِّينِ (مَا جِئْتُ) : إِلَى الشَّامِ (لِحَاجَةٍ) : أُخْرَى، غَيْرَ أَنْ أُسْمِعَكَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ تَحْدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِمَا حَدَّثَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبَ الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ أَوْ يَكُونَ بَيَانًا أَنَّ سَعْيَهُ مَشْكُورٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا مَا هُوَ مَطْلُوبُهُ، وَالْأَوَّلُ أَغْرَبُ، وَالثَّانِي أَقْرَبُ (قَالَ) أَيْ: أَبُو الدَّرْدَاءِ (فَإِنِّي) أَيْ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنِّي (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ سَلَكَ) أَيْ: دَخَلَ أَوْ مَشَى، (طَرِيقًا) أَيْ: قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا (يَطْلُبُ فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ أَوْ فِي ذَلِكَ الْمَسْلَكِ أَوْ فِي سُلُوكِهِ (عِلْمًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا أَطْلَقَ الطَّرِيقَ وَالْعِلْمَ لِيَشْمَلَا فِي جِنْسِهِمَا أَيَّ طَرِيقٍ كَانَ مِنْ مُفَارَقَةِ الْأَوْطَانِ وَالضَّرْبِ فِي الْبُلْدَانِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ، وَأَيَّ عِلْمٍ كَانَ مِنْ عُلُومِ الدِّينِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا رَفِيعًا أَوْ غَيْرَ رَفِيعٍ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنِ الثَّوْرِيِّ: مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، قِيلَ لَهُ: لَيْسَ لَهُمْ نِيَّةٌ. قَالَ: طَلَبُهُمْ لَهُ نِيَّةٌ، أَيْ: سَبَبُهَا، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إِلَّا لِلَّهِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ اهـ. لِأَنَّهُ إِمَّا فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنَ النَّافِلَةِ. وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: الْعِلْمُ الْحِكْمَةُ وَهُوَ نُورٌ يَهْدِي اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَلَيْسَ بِكَثْرَةِ الْمَسَائِلِ اهـ. وَلَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَعْنَى الْآيَةِ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] " سَلَكَ اللَّهُ بِهِ ": الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ عَائِدٌ إِلَى " مَنْ " وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ: جَعَلَهُ سَالِكًا وَوَفَّقَهُ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: عَائِدٌ إِلَى الْعِلْمِ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَسَلَكَ بِمَعْنَى سَهَّلَ، وَالْعَائِدُ إِلَى " مَنْ " مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِسَبَبِ الْعِلْمِ (طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ) : فَعَلَى الْأَوَّلِ سَلَكَ مِنَ السُّلُوكِ، وَعَلَى الثَّانِي مِنَ السَّلْكِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] قِيلَ: عَذَابًا مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ نِسْبَةُ سَلَكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ طُرُقَ الْجَنَّةِ كَثِيرَةٌ، وَكُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِهَا، وَطُرُقُ الْعِلْمِ أَقْرَبُ الطُّرُقِ إِلَيْهَا وَأَعْظَمُ اهـ.

стр. 460

قُلْتُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ طَرِيقٌ إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ تَنْكِيرِهِمَا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ طُرُقَ الْجَنَّةِ مَحْصُورَةٌ فِي طُرُقِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْعِلْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَوْلُ الصُّوفِيَّةِ الطُّرُقُ إِلَى اللَّهِ بِعَدَدِ أَنْفَاسِ الْمَخْلُوقَاتِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَعْرِفَةِ وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّ طَرِيقَ غَيْرِ الْعِلْمِ هُوَ طَرِيقُ الْجَهْلِ وَمَا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلِيًّا جَاهِلًا وَلَوِ اتَّخَذَهُ لَعَلَّمَهُ. (وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ) : اللَّامُ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ أَيْ: مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كُلَّهُمْ وَهُوَ أَنْسَبُ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فِي قَوْلِهِ: (لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا) : حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ لَهُ عَلَى مَعْنَى إِرَادَةِ رِضًا لِيَكُونَ فِعْلًا لِفَاعِلِ الْفِعْلِ الْمُعَلِّلِ (لِطَالِبِ الْعِلْمِ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقٌ بِرِضًا، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ لِأَجْلِ الرِّضَا الْوَاصِلِ مِنْهَا إِلَيْهِ أَوْ لِأَجْلِ إِرْضَائِهَا الطَّالِبَ الْعِلْمَ بِمَا يَصْنَعُ مِنْ حِيَازَةِ الْوِرَاثَةِ الْعُظْمَى وَسُلُوكِ السَّنِّ الْأَسْنَى. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ وَغَيْرُهُ: قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَتَوَاضَعُ لِطَالِبِهِ تَوْقِيرًا لِعِلْمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] أَيْ: تَوَاضَعْ لَهُمَا، أَوِ الْمُرَادُ الْكَفُّ عَنِ الطَّيَرَانِ وَالنُّزُولِ لِلذِّكْرِ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: " وَحَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ " أَوْ مَعْنَاهُ الْمَعُونَةُ وَتَيْسِيرُ الْمُؤْنَةِ بِالسَّعْيِ فِي طَلَبِهِ أَوِ الْمُرَادُ تَلْيِينُ الْجَانِبِ وَالِانْقِيَادُ وَالْفَيْءُ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالِانْعِطَافِ، أَوِ الْمُرَادُ حَقِيقَتُهُ وَإِنْ لَمْ تُشَاهَدْ، وَهِيَ فَرْشُ الْجَنَاحِ وَبَسْطُهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ لِتَحْمِلَهُ عَلَيْهَا وَتُبَلِّغَهُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْبِلَادِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ بِالْبَصْرَةِ فَحَدَّثَنَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَفِي الْمَجْلِسِ شَخْصٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فَجَعَلَ يَسْتَهْزِئُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَطْرُقَنَّ غَدًا نَعْلِي وَأَطَأُ بِهَا أَجْنِحَةَ الْمَلَائِكَةِ فَفَعَلَ وَمَشَى فِي النَّعْلَيْنِ فَحَفَتْ رِجْلَاهُ وَوَقَعَتْ فِيهِمَا الْأَكَلَةُ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: سَمِعْتُ ابْنَ يَحْيَى السَّاجِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نَمْشِي فِي أَزِقَّةِ الْبَصْرَةِ إِلَى بَابِ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ فَأَسْرَعْنَا الْمَشْيَ، وَكَانَ مَعَنَا رَجُلٌ مَاجِنٌ مُتَّهَمٌ فِي دِينِهِ فَقَالَ: ارْفَعُوا أَرْجُلَكُمْ عَنْ أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ لَا تَكْسِرُوهَا كَالْمُسْتَهْزِئِ بِالْحَدِيثِ، فَمَا زَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ حَتَّى حَفَتْ رِجْلَاهُ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ اهـ. وَالْحَفَاءُ: رِقَّةُ الْقَدَمِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ «عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! جِئْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ. قَالَ: " مَرْحَبًا بِطَالِبِ الْعِلْمِ إِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَتَحُفُّ بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَتُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا فَيَرْكَبُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ حَتَّى تَبْلُغَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا يَطْلُبُ» . نَقَلَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الْقَيِّمِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ (وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مَجَازٌ مِنْ إِرَادَةِ اسْتِقَامَةِ حَالِ الْمُسْتَغْفَرِ لَهُ اهـ. وَالْحَقِيقَةُ أَوْلَى (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ) : لِأَنَّهُمْ عُرِفُوا بِتَعْرِيفِ الْعُلَمَاءِ وَعَظُمُوا بِقَوْلِهِمْ (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) : قِيلَ: فِيهِ تَغْلِيبٌ، وَالْمُرَادُ مَا فِي الْأَرْضِ لِأَنَّ بَقَاءَهُمْ وَصَلَاحَهُمْ مَرْبُوطٌ بِرَأْيِ الْعُلَمَاءِ وَفَتْوَاهُمْ وَلِذَلِكَ قِيلَ: مَا مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ حَيِّهَا وَمَيِّتِهَا إِلَّا وَلَهُ مَصْلَحَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعِلْمِ (وَالْحِيتَانُ) : جَمْعُ الْحُوتِ (فِي جَوْفِ الْمَاءِ) : خُصَّ لِدَفْعِ إِيهَامِ أَنَّ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يَشْمَلُ مَنْ فِي الْبَحْرِ أَوْ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ بِأَنْ يُرَادَ بِالْحِيتَانِ جَمِيعُ دَوَابِّ الْمَاءِ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ عَوَالِمِ الْبَرِّ لِمَا جَاءَ: أَنَّ عَوَالِمَ الْبَرِّ أَرْبَعُمِائَةِ عَالَمٍ، وَعَوَالِمُ الْبَحْرِ سِتُّمِائَةِ عَالَمٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَخُصَّ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهَا فِي الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ إِذْ هِيَ فِي الْمَاءِ اهـ. وَبَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَاقُضٌ، نَعَمْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالًا وَجَوَابًا ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ سَلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: مَنْ فِي الْأَرْضِ يَشْمَلُهَا فَذَكَرَهَا لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ مَاءٌ، وَلِذَلِكَ اسْتَغْفَرَ لِلْعَالِمِ لِأَنَّ السَّبَبَ لِبَقَائِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَاءُ الْعِلْمُ وَالْأَوْدِيَةُ الْقُلُوبُ اهـ كَلَامُهُ، وَفِيهِ مَا فِيهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تَخْصِيصُ الْحِيتَانِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ إِنْزَالَ الْمَطَرِ بِبَرَكَتِهِمْ حَتَّى إِنَّ الْحِيتَانَ تَعِيشُ بِسَبَبِهِمْ اهـ. وَفِي الْحَدِيثِ: بِهِمْ تُمْطَرُونَ وَبِهِمْ تُرْزَقُونَ (وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ) : أَيِ: الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ، وَهُوَ الَّذِي يَقُومُ بِنَشْرِ الْعِلْمِ بَعْدَ أَدَائِهِ مَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ (عَلَى الْعَابِدِ) أَيِ: الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْعِبَادَةُ، وَهُوَ الَّذِي يَصْرِفُ أَوْقَاتَهُ بِالنَّوَافِلِ مَعَ كَوْنِهِ عَالِمًا بِمَا تَصِحُّ بِهِ الْعِبَادَةُ (كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) أَيْ: لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَبِهِ أَوَّلُ " طه " عَلَى حِسَابِ الْجُمَلِ، وَأُرِيدَ بِهِ

стр. 461

النَّبِيُّ ﷺ يَعْنِي الْمُشَبَّهَ بِهِ فِي نِهَايَةِ النُّورِ وَغَايَةِ الظُّهُورِ، فَيَكُونُ فِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ: " كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ " كَمَا فِي قَوْلِهِ (عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ) : إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» " فَإِنَّ نُورَ الْمُؤْمِنِ - وَلَوْ كَانَ عَابِدًا - ضَعِيفٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا الْكَلَامَ عَلَى مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ لَا عَلَى عَالِمٍ فَقَطْ وَعَابِدٍ فَقَطْ، لِأَنَّ هَذَيْنِ لَا فَضْلَ لَهُمَا بَلْ إِنَّهُمَا مُعَذَّبَانِ فِي النَّارِ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الْعَمَلِ عَلَى الْعِلْمِ وَكَمَالِ الْعِلْمِ عَلَى الْعَمَلِ، بَلْ وَرَدَ: «وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً وَوَيْلٌ لِلْعَالَمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ» ، وَوَرَدَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ» ; لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ ضَالًّا مُضِلًّا. وَقَالَ الْقَاضِي: شَبَّهَ الْعَالِمَ بِالْقَمَرِ، وَالْعَابِدَ بِالْكَوْكَبِ، لِأَنَّ كَمَالَ الْعِبَادَةِ وَنُورَهَا لَا يَتَعَدَّى مِنَ الْعَابِدِ، وَنُورَ الْعَابِدِ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ فَيَسْتَضِيءُ بِنُورِهِ الْمُتَلَقِّي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَالْقَمَرِ يَتَلَقَّى نُورَهُ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ مِنْ خَالِقِهَا ( «وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» ) : وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: وَرَثَةُ الرُّسُلِ لِيَشْمَلَ الْكُلَّ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي: فَإِنَّ الْبَعْضَ وَرَثَةُ الرُّسُلِ كَأَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ، وَالْبَاقُونَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهِمْ (وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا) : بِالتَّشْدِيدِ (دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا) أَيْ: شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا وَخُصَّا لِأَنَّهُمَا أَغْلَبُ أَنْوَاعِهَا، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى زَوَالِ الدُّنْيَا، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْهَا إِلَّا بِقَدْرِ ضَرُورَتِهِمْ، فَلَمْ يُوَرِّثُوا شَيْئًا مِنْهَا، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ شَيْئًا مِنْهَا يُوَرَّثُ عَنْهُمْ، عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً قَالُوا: إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ مُبَالَغَةً فِي تَنَزُّهِهِمْ عَنْهَا، وَلِذَا قِيلَ: الصُّوفِيُّ لَا يَمْلِكُ وَلَا يُمَلِّكُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى كَمَالِ تَوَكُّلِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَإِشْعَارٌ بِأَنَّ طَالِبَ الدُّنْيَا لَيْسَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْوَرَثَةِ، وَلِذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَقَلُّ الْعِلْمِ بَلْ أَقَلُّ الْإِيمَانِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ، وَأَنَّ الْعُقْبَى بَاقِيَةٌ. وَنَتِيجَةُ هَذَا الْعِلْمِ أَنْ يُعْرِضَ عَنِ الْفَانِي وَيُقْبِلَ عَلَى الْبَاقِي. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: خَصُّوا الدِّرْهَمَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ نَفْيَ الدِّينَارِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا تَخْصِيصَ هُنَا، وَالْعَطْفُ يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ، وَإِنَّمَا زِيدَتْ لَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وَإِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَرِدُ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّهُ ﵊ كَانَ لَهُ صَفَايَا بَنِي النَّضِيرِ وَفَدَكَ وَخَيْبَرَ إِلَى أَنْ مَاتَ وَخَلَّفَهَا، وَكَانَ لِشُعَيْبٍ ﵊ أَغْنَامٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ أَيُّوبُ وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَوِي نِعْمَةٍ كَثِيرَةٍ، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مَا وَرِثَتْ أَوْلَادُهُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بَلْ بَقِيَ بَعْدَهُمْ مُعَدًّا لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ اهـ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ مَرَّ يَوْمًا فِي السُّوقِ بِقَوْمٍ مُشْتَغِلِينَ بِتِجَارَاتِهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ هَاهُنَا، وَمِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَسَّمُ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَامُوا سِرَاعًا إِلَيْهِ فَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ إِلَّا الْقُرْآنَ وَالذِّكْرَ وَمَجَالِسَ الْعِلْمِ فَقَالُوا: أَيْنَ مَا قُلْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَ: هَذَا مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَسَّمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَلَيْسَ بِمَوَارِيثِهِ دُنْيَاكُمْ (وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ) : لِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ وَنَشْرِ الْأَحْكَامِ، أَوْ بِأَحْوَالِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ عَلَى تَبَايُنِ أَجْنَاسِهِ وَاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ (فَمَنْ أَخَذَهُ) : أَيِ: الْعِلْمَ (أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) أَيْ: أَخَذَ حَظًّا وَافِرًا يَعْنِي نَصِيبًا تَامًّا أَيْ: لَا حَظَّ أَوْفَرُ مِنْهُ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أَوِ الْمُرَادُ أَخْذُهُ مُتَلَبِّسًا بِحَظٍّ وَافِرٍ مِنْ مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ " أَخَذَ " بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ: فَمَنْ أَرَادَ أَخْذَهُ فَلْيَأْخُذْ بِحَظٍّ وَافِرٍ وَلَا يَقْتَنِعْ بِقَلِيلٍ. هَذَا زُبْدَةُ كَلَامِ الشَّرْحِ هُنَا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، وَسَمَّاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: كَثِيرَ بْنَ قَيْسٍ (قَيْسَ بْنَ كَثِيرٍ) وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَثِيرُ بْنُ قَيْسٍ. قَالَ مَيْرَكُ شَاهُ: وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِلْمِشْكَاةِ: قَيْسُ بْنُ كَثِيرٍ سَمِعَ أَبَا الدَّرْدَاءِ. هَكَذَا أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ وَقَالَ: كَذَا حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كَثِيرُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَذَلِكَ سَمَّاهُ أَبُو دَاوُدَ كَثِيرَ بْنَ قَيْسٍ، وَأَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ كَثِيرٍ لَا فِي بَابِ قَيْسٍ.

стр. 462

٢١٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: «ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ، لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٢١٣ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: ذُكِرَ) : عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: وُصِفَ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلَانِ) أَيْ: بِوَصْفِ الْكَمَالِ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا وَأَنْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ فِي الْخَارِجِ قَبْلَ زَمَانِهِ أَوْ فِي أَوَانِهِ (أَحَدُهُمَا عَابِدٌ) أَيْ: كَامِلٌ فِي الْعِبَادَةِ (وَالْآخَرُ عَالِمٌ) أَيْ: كَامِلٌ بِالْعِلْمِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : لَا يَسْتَوِيَانِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَامِلًا فِي مَقَامِهِ (فَضْلُ الْعَالِمِ) بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ الْقِيَامِ بِفَرَائِضِ الْعُبُودِيَّةِ (عَلَى الْعَابِدِ) أَيْ: عَلَى الْمُتَجَرِّدِ لِلْعِبَادَةِ بَعْدَ تَحْصِيلِ قَدْرِ الْفَرْضِ مِنَ الْعُلُومِ (كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ) : وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: كَفَضْلِي عَلَى أَعْلَاكُمْ لَكَفَى فَضْلًا وَشَرَفًا، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ ﷺ : " وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ " مَعَ إِفَادَةِ التَّوَاضُعِ فِي الثَّانِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّ اللَّامَ فِيهِمَا لِلْجِنْسِ فَالْحُكْمُ عَامٌّ، وَيُحْتَمَلُ الْعَهْدُ فَغَيْرُهُمَا يُؤْخَذُ بِالْمُقَايَسَةِ. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ) : اسْتِئْنَافٌ فِيهِ تَعْلِيلٌ (وَمَلَائِكَتَهُ) أَيْ: حَمَلَةَ الْعَرْشِ (وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ) : تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (وَالْأَرْضِ) أَيْ: أَهْلَ الْأَرْضِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَجَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ (حَتَّى النَّمْلَةَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ حَتَّى عَاطِفَةٌ، وَبِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهَا جَارَّةٌ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا ابْتِدَائِيَّةٌ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (فِي جُحْرِهَا) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ، أَيْ: ثُقْبِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَصَلَاتُهُ بِحُصُولِ الْبَرَكَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ (وَحَتَّى الْحُوتَ) : كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُمَا غَايَتَانِ مُسْتَوْعِبَتَانِ لِدَوَابِّ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَخُصَّتِ النَّمْلَةُ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ الْحَيَوَانَاتِ ادِّخَارًا لِلْقُوتِ فِي جُحْرِهَا فَهِيَ أَحْوَجُ إِلَى بَرَكَتِهِمْ مِنْ غَيْرِهَا، وَتَقَدَّمَ وَجْهُ تَخْصِيصِ الْحُوتِ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ، وَقِيلَ: وَجْهُ تَخْصِيصِهِمَا بِالذِّكْرِ الْإِشَارَةُ إِلَى جِنْسِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَقِيلَ: إِلَى الْجِنْسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الْقَتْلُ وَغَيْرِهِ (لَيُصَلُّونَ) : فِيهِ تَغْلِيبٌ لِلْعُقَلَاءِ عَلَى غَيْرِهِمْ، أَيْ: يَدْعُونَ بِالْخَيْرِ (عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ) : قِيلَ: أَرَادَ بِالْخَيْرِ هَنَا عِلْمَ الدِّينِ وَمَا بِهِ نَجَاةُ الرَّجُلِ، وَلَمْ يُطْلِقِ الْمُعَلِّمَ لِيُعْلَمَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الدُّعَاءِ لِأَجْلِ تَعْلِيمِ عِلْمٍ مُوصِلٍ إِلَى الْخَيْرِ اهـ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى وَجْهِ الْأَفْضَلِيَّةِ بِأَنَّ نَفْعَ الْعِلْمِ مُتَعَدٍّ وَنَفْعَ الْعِبَادَةِ قَاصِرٌ، مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ فِي نَفْسِهِ فَرْضٌ، وَزِيَادَةَ الْعِبَادَةِ نَافِلَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : يَعْنِي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا.

стр. 463

٢١٤ - وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ: رَجُلَانِ وَقَالَ: ( «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ. ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] » وَسَرَدَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ. ــ ٢١٤ - (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ) : وَهُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ مِنْ سَبْيِ كَابُلَ، كَانَ مُعَلِّمَ الْأَوْزَاعِيِّ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: الْعُلَمَاءُ أَرْبَعَةٌ: ابْنُ الْمُسَيَّبِ بِالْمَدِينَةِ، وَالشَّعْبِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِالْبَصْرَةِ، وَمَكْحُولٌ بِالشَّامِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ مَكْحُولٍ أَبْصَرُ بِالْفُتْيَا مِنْهُ، وَكَانَ لَا يُفْتِي حَتَّى يَقُولَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. هَذَا رَأْيِي. وَالرَّأْيُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (مُرْسَلًا) : يَعْنِي حَذْفَ الصَّحَابِيِّ (وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيْ مَكْحُولٌ (رَجُلَانِ) : رَفَعَهُ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَالْمُرَادُ هُوَ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ، وَلِذَا قَالَ (وَقَالَ) أَيْ مَكْحُولٌ رِوَايَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحِكَايَةَ (فَضْلِ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ) : وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْجِنْسِيَّةَ فِيمَا تَقَدَّمَ (كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ) أَيْ: أَيُّهَا الصَّحَابَةُ أَوْ أَيُّهَا

стр. 464

الْأُمَّةُ، وَالثَّانِي أَكْثَرُ مُبَالَغَةً (ثُمَّ تَلَا) أَيْ: مَكْحُولٌ أَوْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (هَذِهِ الْآيَةَ) : اسْتِشْهَادًا أَوْ تَصْدِيقًا ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾ [فاطر: ٢٨] : بِالنَّصْبِ ﴿مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] : بِالرَّفْعِ، وَالْخَشْيَةُ خَوْفٌ مَعَ التَّعْظِيمِ، وَقُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ بِرَفْعِ الْجَلَالَةِ وَنَصْبِ الْعُلَمَاءِ، أَيْ: يُعَظِّمُ عَلَى التَّجْرِيدِ، قِيلَ: اسْتِشْهَادٌ لِبَيَانِ عِلَّةِ الْفَضْلِ لِأَنَّ الْعَالِمَ الْحَقِيقِيَّ أَعْرَفُ بِاللَّهِ وَبِجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ مِنَ الْعَابِدِ الَّذِي غَلَبَتْ عِبَادَتُهُ عَلَى عِلْمِهِ، فَيَكُونُ الْعَالِمُ أَتْقَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعِلْمَ يُوَرِّثُ الْخَشْيَةَ وَهِيَ تُنْتِجُ التَّقْوَى وَهُوَ مُوجَبُ الْأَكْرَمِيَّةِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهُ كَذَلِكَ فَهُوَ كَالْجَاهِلِ، بَلْ هُوَ الْجَاهِلُ، وَلِذَا قِيلَ: وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً وَوَيْلٌ لِلْعَالِمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَأَطْبَقَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] (وَسَرَدَ) أَيْ: ذَكَرَ وَأَوْرَدَ مَكْحُولٌ (الْحَدِيثَ) أَيْ: بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (إِلَى آخِرِهِ) .

стр. 465

٢١٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ، وَإِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ، فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٢١٥ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ النَّاسَ) أَيْ: جِنْسَهُمْ (لَكُمْ تَبَعٌ) : جَمْعُ تَابِعٍ كَخَدَمٍ وَخَادِمٍ، وَقِيلَ: وَضَعَ الْمَصْدَرَ مَوْضِعَ الْفَاعِلِ مُبَالَغَةً كَرَجُلٍ عَدْلٍ، وَالْخِطَابُ لِعُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ، يَعْنِي أَنَّ النَّاسَ يَتَّبِعُونَكُمْ فِي أَفْعَالِكُمْ وَأَقْوَالِكُمْ، لِأَنَّكُمْ أَخَذْتُمْ عَنِّي مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ أَقْوَالِي، وَالطَّرِيقَةَ أَفْعَالِي، وَالْحَقِيقَةَ أَحْوَالِي، وَفِيهِ مَأْخَذٌ لِتَسْمِيَةِ التَّابِعِيِّ تَابِعِيًّا، وَإِنْ كَانَتِ التَّبَعِيَّةُ عَامَّةً بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَلَكِنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ (وَإِنَّ رِجَالًا) : أَوْ نَوْعًا مِنْهُمْ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الرُّجُولِيَّةُ الْكَامِلَةُ (يَأْتُونَكُمْ) أَيْ: بِجِهَادِ أَنْفُسِهِمْ طَالِبِينَ خَالِصِينَ مُتَوَاضِعِينَ (مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ) أَيْ: جَوَانِبِهَا (يَتَفَقَّهُونَ) أَيْ: يَطْلُبُونَ الْفِقْهَ (فِي الدِّينِ) : وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ لِبَيَانِ عِلَّةِ الْإِتْيَانِ، أَوْ حَالٌ مِنَ الْمَرْفُوعِ فِي يَأْتُونَكُمْ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الذَّوْقِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ (فَإِذَا أَتَوْكُمْ) أَيْ: بِهَذَا الْقَصْدِ وَآثَرَهَا عَلَى " إِنَّ " لِإِفَادَتِهَا تَحْقِيقَ وُقُوعِ هَذَا الْأَمْرِ، فَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ وَبِوَاهِرِ مُعْجِزَتِهِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ (فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا) أَيْ: فِي تَعْلِيمِهِمْ عُلُومَ الدِّينِ وَأَخْلَاقِ الْمُهْتَدِينَ كَمَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ لِدَاوُدَ ﵊: " «إِذَا رَأَيْتَ لِي طَالِبًا فَكُنْ لَهُ خَادِمًا» "، وَتَحْقِيقُهُ اطْلُبُوا الْوَصِيَّةَ وَالنَّصِيحَةَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، فَالسِّينُ لِلطَّلَبِ، وَالْكَلَامُ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ أَيْ: لِيُجَرِّدْ كُلٌّ مِنْكُمْ شَخْصًا مِنْ نَفْسِهِ وَيَطْلُبْ مِنْهُ التَّوْصِيَةَ فِي حَقِّ الطَّالِبِينَ وَمُرَاعَاةِ أَحْوَالِهِمْ، وَقِيلَ: الِاسْتِيصَاءُ طَلَبُ الْوَصِيَّةِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِأَحَدٍ أَوْ بِشَيْءٍ، يُقَالُ: اسْتَوْصَيْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو خَيْرًا، أَيْ: طَلَبْتُ مِنْ زَيْدٍ أَنْ يَفْعَلَ بِعَمْرٍو خَيْرًا، وَالْبَاءُ فِي بِهِمْ لِلتَّعْدِيَةِ، وَقِيلَ: الِاسْتِيصَاءُ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ وَمَعْنَاهُ اقْبَلُوا الْوَصِيَّةَ مِنِّي بِإِيتَائِهِمْ خَيْرًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مُرُوهُمْ بِالْخَيْرِ وَعِظُوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ إِيَّاهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.

стр. 466

٢١٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْحَكِيمِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الرَّاوِي يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. ــ ٢١٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الْكَلِمَةُ) : أَيِ: الْجُمْلَةُ الْمُفِيدَةُ (الْحِكْمَةُ) ، قَالَ مَالِكٌ: هِيَ الْفِقْهُ فِي الدِّينِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] الْآيَةَ. وَقِيلَ: الَّتِي أُحْكِمَتْ مَبَانِيهَا بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ دَالَّةً عَلَى مَعْنًى فِيهِ دِقَّةٌ مَصُونَةٌ مَعَانِيهَا عَنِ الِاخْتِلَالِ وَالْخَطَأِ وَالْفَسَادِ. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: جُعِلَتِ الْكَلِمَةُ نَفْسَ الْحِكْمَةِ مُبَالَغَةً كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ عَدْلٌ، وَيُرْوَى كَلِمَةُ الْحِكْمَةِ بِالْإِضَافَةِ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، وَيُرْوَى الْكَلِمَةُ الْحَكِيمَةُ عَلَى طَرِيقِ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ لِأَنَّ الْحَكَمَ قَائِلُهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يس - وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢] كَذَا فِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ، وَذَكَرَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] وُصِفَ بِالْحَكِيمِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْحُكْمِ فَعَلَى هَذَا هُوَ يُفِيدُ وَجْهًا آخَرَ فِي الْكَلِمَةِ الْحَكِيمَةِ، وَقِيلَ: الْحَكِيمَةُ بِمَعْنَى الْمُحْكَمَةِ أَوِ الْحَاكِمَةِ (ضَالَّةُ الْحَكِيمِ) أَيْ: مَطْلُوبُهُ وَالْحَكِيمُ هُوَ الْمُتْقِنُ لِلْأُمُورِ الَّذِي لَهُ فِيهَا غَوْرٌ (فَحَيْثُ وَجَدَهَا) : أَيِ: الْحَكِيمُ الْحِكْمَةَ (فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) أَيْ: بِقَبُولِهَا، قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: يَعْنِي أَنَّ الْحَكِيمَ يَطْلُبُ الْحِكْمَةَ، فَإِذَا وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا أَيْ بِالْعَمَلِ بِهَا وَاتِّبَاعِهَا، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ كَلِمَةَ الْحِكْمَةِ رُبَّمَا تَفَوَّهَ بِهَا مَنْ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ، ثُمَّ وَقَعَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ قَائِلِهَا مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى خَسَاسَةِ مَنْ وَجَدَهَا عِنْدَهُ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي فَهْمِ الْمَعَانِي وَاسْتِنْبَاطِ الْحَقَائِقِ الْمُحْتَجَبَةِ وَاسْتِكْشَافِ الْأَسْرَارِ الْمَرْمُوزَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْكِرَ مَنْ قَصُرَ فَهْمُهُ عَنْ إِدْرَاكِ حَقَائِقِ الْآيَاتِ وَدَقَائِقِ الْأَحَادِيثِ عَلَى مَنْ رُزِقَ فَهْمًا وَأُلْهِمَ تَحْقِيقًا كَمَا لَا يُنَازَعُ صَاحِبُ الضَّالَّةِ فِي ضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا، أَوْ كَمَا أَنَّ الضَّالَّةَ إِذَا وُجِدَتْ مُضَيَّعَةً فَلَا تُتْرَكُ بَلْ تُؤْخَذُ وَيُتَفَحَّصُ عَنْ صَاحِبِهَا حَتَّى تُرَدَّ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ السَّامِعُ إِذَا سَمِعَ كَلَامًا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ وَلَا يَبْلُغُ كُنْهَهُ، فَعَلَيْهِ أَلَّا يُضَيِّعَهُ وَأَنْ يَحْمِلَهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، فَلَعَلَّهُ يَفْهَمُ أَوْ يَسْتَنْبِطُ مِنْهُ مَا لَا يَفْهَمُهُ وَلَا يَسْتَنْبِطُهُ هُوَ، أَوْ كَمَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَنْعُ صَاحِبِ الضَّالَّةِ عَنْهَا فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهَا كَذَلِكَ الْعَالِمُ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَعْنًى لَا يَحِلُّ لَهُ كِتْمَانُهُ إِذَا رَأَى فِي السَّائِلِ اسْتِعْدَادًا لِفَهْمِهِ كَذَا قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الرَّاوِي) : بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ (يُضَعَّفُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُنْسَبُ إِلَى ضَعْفِ الرِّوَايَةِ (فِي الْحَدِيثِ) . أَيْ: فِي بَابِ نَقْلِ الْحَدِيثِ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيٍّ وَكَأَنَّهُ ﵁ أَخَذَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَالَ مَوْقُوفًا: انْظُرْ إِلَى مَا قَالَ وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ.

стр. 467

٢١٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢١٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَقِيهٌ وَاحِدٌ) أَيْ: بَقَاؤُهُ وَحَيَاتُهُ (أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ) : لِأَنَّ الْفَقِيهَ لَا يَقْبَلُ إِغْوَاءَهُ وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِالْخَيْرِ عَلَى ضِدِّ مَا يَأْمُرُهُمْ بِالشَّرِّ (مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ) . قِيلَ: الْمُرَادُ الْكَثْرَةُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ كُلَّمَا فَتَحَ بَابًا مِنَ الْأَهْوَاءِ عَلَى النَّاسِ، وَزَيَّنَ الشَّهَوَاتِ فِي قُلُوبِهِمْ بَيَّنَ الْفَقِيهُ الْعَارِفُ بِمَكَائِدِهِ وَمَكَامِنِ غَوَائِلِهِ لِلْمُرِيدِ السَّالِكِ مَا يَسُدُّ ذَلِكَ الْبَابَ، وَيَجْعَلُهُ خَائِبًا خَاسِرًا بِخِلَافِ الْعَابِدِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَشْتَغِلُ بِالْعِبَادَةِ. وَهُوَ فِي حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ وَلَا يَدْرِي (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) . قَالَ الرَّبِيعُ، حَدِيثُ: «لَفَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِهِ فِي حَدِيثٍ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: سَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ أَسَانِيدُهَا ضَعِيفَةٌ اهـ. لَكِنَّ كَثْرَةَ طُرُقِهِ تُخْرِجُهُ عَنِ الضَّعْفِ خُصُوصًا حَيْثُ اعْتَضَدَهُ بِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

стр. 468

٢١٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّوْلُؤَ وَالذَّهَبَ» ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) إِلَى قَوْلِهِ (مُسْلِمٍ) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مَتْنُهُ مَشْهُورٌ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ كُلُّهَا ضَعِيفٌ. ــ ٢١٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (طَلَبُ الْعِلْمِ) أَيِ: الشَّرْعِيِّ (فَرِيضَةٌ) أَيْ: مَفْرُوضٌ فَرْضَ عَيْنٍ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) : أَوْ كِفَايَةٍ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ وَمُسْلِمَةٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ. قَالَ الشُّرَّاحُ: الْمُرَادُ بِالْعِلْمِ مَا لَا مَنْدُوحَةَ لِلْعَبْدِ مِنْ تَعَلُّمِهِ كَمَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَالْعِلْمِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَنُبُوَّةِ رَسُولِهِ وَكَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ فَرْضُ عَيْنٍ، وَأَمَّا بُلُوغُ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ وَالْفُتْيَا فَفَرْضُ كِفَايَةٍ. قَالَ السَّيِّدُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَعُمَّ الْعِلْمَ وَيُحْمَلَ الْكَلَامُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ اهـ. وَفِيهِ تَأَمُّلٌ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ وَتَحَزَّبُوا فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ فِرْقَةً، فَكَانَ فَرِيقٌ نَزَّلَ الْوُجُوبَ عَلَى الْعِلْمِ الَّذِي بِصَدَدِهِ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ الْعَارِفُ الرَّبَّانِيُّ السَّهَرْوَرْدِيُّ: اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ فَرِيضَةٌ. قِيلَ: هُوَ عِلْمُ الْإِخْلَاصِ وَمَعْرِفَةُ آفَاتِ النَّفْسِ وَمَا يُفْسِدُ الْأَعْمَالَ لِأَنَّ الْإِخْلَاصَ مَأْمُورٌ بِهِ، فَصَارَ عِلْمُهُ فَرْضًا آخَرَ، وَقِيلَ: مَعْرِفَةُ الْخَوَاطِرِ وَتَفْصِيلُهَا فَرِيضَةٌ لِأَنَّ الْخَوَاطِرَ هِيَ مَنْشَأُ الْفِعْلِ، وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ الْفَرْقُ بَيْنَ لَمَّةِ الشَّيْطَانِ وَلَمَّةِ الْمَلَكِ، وَقِيلَ: هُوَ طَلَبُ عِلْمِ الْحَلَالِ حَيْثُ كَانَ أَكْلُ الْحَلَالِ وَاجِبًا، وَقِيلَ: عِلْمُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالنِّكَاحِ إِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَقِيَامُ عِلْمِ الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ، وَقِيلَ: هُوَ طَلَبُ عِلْمِ التَّوْحِيدِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالنَّقْلِ، وَقِيلَ: هُوَ طَلَبُ عِلْمِ الْبَاطِنِ وَهُوَ مَا يَزْدَادُ بِهِ الْعَبْدُ يَقِينًا، وَهُوَ الَّذِي يُكْتَسَبُ بِصُحْبَةِ الصَّالِحِينَ وَالزُّهَّادِ الْمُقَرَّبِينَ، فَهُمْ وُرَّاثُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ اهـ. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْضُ قَبْلَ الْفَرْضِ؟ فَقُلِ: الْعِلْمُ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْضُ فِي الْفَرْضِ؟ فَقُلِ: الْإِخْلَاصُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْضُ بَعْدَ الْعَمَلِ؟ فَقُلِ: الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ. (وَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ) : بِأَنْ يُحَدِّثَهُ مَنْ لَا يَفْهَمُهُ، أَوْ مَنْ يُرِيدُ مِنْهُ غَرَضًا دُنْيَوِيًّا، أَوْ مَنْ لَا يَتَعَلَّمُهُ لِلَّهِ (كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ) : بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ (وَالذَّهَبَ) : قِيلَ: يُشْعِرُ بِأَنَّ كُلَّ عِلْمٍ يَخْتَصُّ بِاسْتِعْدَادٍ وَلَهُ أَهْلٌ، فَإِذَا وَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَقَدْ ظَلَمَ، فَمَثَّلَ مَعْنَى الظُّلْمِ بِتَقْلِيدِ أَخَسِّ الْحَيَوَانَاتِ بِأَنْفَسِ الْجَوَاهِرِ تَهْجِينًا لِذَلِكَ الْوَضْعِ وَتَنْفِيرًا عَنْهُ، وَلِذَا قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهِ وَجْهَهُ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَفْهَمُونَ أَوْ يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَيْ: إِذَا سَمِعُوا مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ عُقُولُهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُبَادِرُونَ إِلَى تَكْذِيبِهِ، وَفِي تَعْقِيبِ هَذَا التَّمْثِيلِ بِقَوْلِهِ: طَلَبُ الْعِلْمِ إِعْلَامٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّلَبِ طَلَبٌ مِنَ الْمُسْتَعِدِّينَ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ: يُوَافِقُ مَنْزِلَتَهُ بَعْدَ حُصُولِ مَا هُوَ وَاجِبٌ مِنَ الْفَرَائِضِ الْعَامَّةِ، وَعَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَخُصَّ كُلَّ طَالِبٍ بِمَا هُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . يَعْنِي: بِكَمَالِهِ، وَغَيْرُهُ. كَذَا فِي التَّرْغِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ إِلَى قَوْلِهِ: (مُسْلِمٍ) وَقَالَ: أَيِ: الْبَيْهَقِيُّ (هَذَا حَدِيثٌ مَتْنُهُ مَشْهُورٌ) أَيْ: عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ كَذَا فِي بِدَايَةِ الْجَزَرِيِّ (وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ) ، أَيْ: وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ (وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ) . لَكِنَّ كَثْرَةَ الطُّرُقِ تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ وَيَقْوَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. قَالَ الْمِزِّيُّ تِلْمِيذُ النَّوَوِيِّ: إِنَّ طُرُقَهُ تَبْلُغُ رُتْبَةَ الْحَسَنِ، وَقَالَ الْعَلْقَمِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَأَيْتُ لَهُ خَمْسِينَ طَرِيقًا جَمَعْتُهَا فِي جُزْءٍ وَحَكَمْتُ بِصِحَّتِهِ، لَكِنَّ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ بِغَيْرِهِ، فَقَوْلُ الْجَزَرِيِّ فِي الْبِدَايَةِ: لَا أَصْلَ لَهُ، أَيْ: لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ لِلْمَشْهُورِ الَّذِي لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لَكِنْ قَالَ الْعِرَاقِيُّ. قَدْ صَحَّحَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بَعْضَ طُرُقِهِ، هَذَا وَقَدْ أَلْحَقَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ بِآخِرِ الْحَدِيثِ (وَمُسْلِمَةٍ) وَلَيْسَ لَهَا ذِكْرٌ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ.

стр. 469

٢١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ: حُسْنُ سَمْتٍ، وَلَا فِقْهٌ فِي الدِّينِ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٢١٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [﵁] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ) : بِأَنْ تَكُونَ فِيهِ وَاحِدَةٌ دُونَ الْأُخْرَى، أَوْ لَا يَكُونَا فِيهِ بِأَنْ لَا تُوجَدَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فِيهِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالِاجْتِمَاعِ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى جَمْعِهِمَا وَزَجْرًا لَهُمْ عَنِ الِاتِّصَافِ بِأَحَدِهِمَا، وَالْمُنَافِقُ إِمَّا حَقِيقِيٌّ وَهُوَ النِّفَاقُ الِاعْتِقَادِيُّ أَوْ مَجَازِيٌّ وَهُوَ الْمُرَائِي وَهُوَ النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ (حُسْنُ سَمْتٍ) أَيْ: خُلُقٍ وَسِيرَةٌ وَطَرِيقَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ التَّزَيِّي بِزِيِّ الصَّالِحِينَ. وَقَالَ مَيْرَكُ: السَّمْتُ بِمَعْنَى الطَّرِيقِ أَعْنِي الْمَقْصِدَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ هَيْئَةُ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ تَحَرِّي طُرُقِ الْخَيْرِ وَالتَّزَيِّي بِزِيِّ الصَّالِحِينَ مَعَ التَّنَزُّهِ عَنِ الْمَعَايِبِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ (وَلَا فِقْهٌ فِي الدِّينِ) : عَطَفَ بِلَا لِأَنَّ حُسْنَ سَمْتٍ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَلَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الْمُسَاقِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: حَقِيقَةُ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ مَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى اللِّسَانِ، فَأَفَادَ الْعَمَلَ، وَأَوْرَثَ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى، وَأَمَّا الَّذِي يَتَدَارَسُ أَبْوَابًا مِنْهُ لِيَتَعَزَّزَ بِهِ وَيَتَأَكَّلَ بِهِ فَإِنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الرُّتْبَةِ الْعُظْمَى لِأَنَّ الْفِقْهَ تَعَلَّقَ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ، وَبِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقٍ عَلِيمَ اللِّسَانِ، قَالَ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ إِحْدَاهُمَا قَدْ تَحْصُلُ دُونَ الْأُخْرَى، بَلْ هُوَ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الِاتِّصَافِ بِهِمَا وَالِاجْتِنَابِ عَنْ أَضْدَادِهَا، فَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَكُونُ عَارِيًا مِنْهُمَا، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ وَنَحْوِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ - الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧] إِذْ فِيهِ حَثٌّ عَلَى أَدَائِهَا وَتَخْوِيفٌ مِنَ الْمَنْعِ حَيْثُ جَعَلَهُ مِنْ أَوْصَافِ الْمُشْرِكِينَ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)

стр. 470

٢٢٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢٢٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ خَرَجَ) أَيْ: مِنْ بَيْتِهِ أَوْ بَلَدِهِ (فِي طَلَبِ الْعِلْمِ) : أَيِ الشَّرْعِيِّ فَرْضِ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ (فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: فِي الْجِهَادِ لِمَا أَنَّ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ مِنْ إِحْيَاءِ الدِّينِ وَإِذْلَالِ الشَّيْطَانِ وَإِتْعَابِ النَّفْسِ كَمَا فِي الْجِهَادِ (حَتَّى يَرْجِعَ) أَيْ: إِلَى بَيْتِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ لَهُ دَرَجَةٌ أَعْلَى لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ وَارِثُ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَكْمِيلِ النَّاقِصِينَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ [التوبة: ١٢٢] أَيْ خَرَجَ ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] أَيْ: بَعْضُهُمْ ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) ، وَكَذَا الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ.

стр. 471

٢٢١ - وَعَنْ سَخْبَرَةَ الْأَزْدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مِنْ طَلَبَ الْعِلْمَ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ وَأَبُو دَاوُدَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ. ــ ٢٢١ - (وَعَنْ سَخْبَرَةَ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (الْأَزْدِيَّ) : فِي الْقَامُوسِ: أَزْدُ بْنُ الْغَوْثِ وَبِالسِّينِ أَفْصَحُ، أَبُو حَيٍّ مِنَ الْيَمَنِ، وَمِنْ أَوْلَادِهِ الْأَنْصَارُ كُلُّهُمْ، لَهُ رِوَايَةٌ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ. ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ) أَيْ: لِيَعْمَلَ بِهِ (كَانَ) أَيْ: طَلَبُهُ لِلْعِلْمِ (كَفَّارَةً) : وَهِيَ مَا يَسْتُرُ الذُّنُوبَ وَيُزِيلُهَا مِنْ كُفْرٍ إِذَا سَتَرَ (لِمَا مَضَى) أَيْ:

стр. 472

مِنْ ذُنُوبِهِ. قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَنِ الْمَشْهُورِ فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَاتِ وَالْحُدُودِ، إِلَّا إِذَا قُلْنَا بِالتَّخْصِيصِ يَعْنِي بِالصَّغَائِرِ، وَهُوَ مَوْضِعُ بَحْثٍ كَذَا فِي زَيْنِ الْعَرَبِ نَقَلَهُ السَّيِّدُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالصَّغَائِرِ أَوْ بِحُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا تَدَارُكٌ، أَوْ يَشْمَلُ حُقُوقَ الْعِبَادِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ لَهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ وَسِيلَةٌ إِلَى مَا يُكَفِّرُ بِهِ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا مِنَ التَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ وَغَيْرِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ، وَأَبُو دَاوُدَ الرَّاوِي) أَيْ: مِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ (يُضَعَّفُ) : بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ أَيْ: يُنْسَبُ إِلَى الضَّعْفِ فِي الرِّوَايَةِ، لَيْسَ أَبَا دَاوُدَ الْمُخَرِّجَ مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ، فَإِنَّهُ ثِقَةٌ إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ، قَوِيٌّ فِي الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ.

стр. 473

٢٢٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ مِنْ خَيْرٍ يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الْجَنَّةَ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٢٢٢ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ) : أَيِ: الْكَامِلُ (مِنْ خَيْرٍ) أَيْ: عِلْمٍ (يَسْمَعُهُ حَتَّى) : لَمَّا كَانَ " يَشْبَعَ " مُضَارِعًا دَالًّا عَلَى الِاسْتِمْرَارِ تَعَلَّقَ بِهِ " حَتَّى " (يَكُونَ مُنْتَهَاهُ) أَيْ: غَايَتُهُ وَنِهَايَتُهُ (الْجَنَّةَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، أَوِ الرَّفْعِ عَلَى الِاسْمِيَّةِ، يَعْنِي: حَتَّى يَمُوتَ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 474

٢٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَمَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ ; أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ٢٢٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ) : وَهُوَ عِلْمٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ السَّائِلُ فِي أَمْرِ دِينِهِ (ثُمَّ كَتَمَهُ) : بِعَدَمِ الْجَوَابِ أَوْ بِمَنْعِ الْكِتَابِ (أُلْجِمَ) أَيْ: أُدْخِلَ فِي فَمِهِ لِجَامٌ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ خُرُوجِ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ مَا يُوضَعُ فِي فِيهِ مِنَ النَّارِ بِلِجَامٍ فِي فَمِ الدَّابَّةِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ) : مُكَافَأَةً لَهُ حَيْثُ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِالسُّكُوتِ، وَشُبِّهَ بِالْحَيَوَانِ الَّذِي سُخِّرَ وَمُنِعَ مِنْ قَصْدِهِ مَا يُرِيدُهُ، فَإِنَّ الْعَالِمَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى الْحَقِّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثُمَّ هُنَا اسْتِبْعَادِيَّةٌ لِأَنَّ تَعَلُّمَ الْعِلْمِ إِنَّمَا يُقْصَدُ لِنَشْرِهِ وَنَفْعِهِ النَّاسَ، وَبِكَتْمِهِ يَزُولُ ذَلِكَ الْغَرَضُ الْأَكْمَلُ، فَكَانَ بَعِيدًا مِمَّنْ هُوَ فِي صُورَةِ الْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ. قَالَ السَّيِّدُ: هَذَا فِي الْعِلْمِ اللَّازِمِ التَّعْلِيمِ كَاسْتِعْلَامِ كَافِرٍ عَنِ الْإِسْلَامِ " مَا هُوَ؟ "، أَوْ حَدِيثِ عَهْدٍ بِهِ عَنْ تَعْلِيمِ صَلَاةٍ حَضَرَ وَقْتُهَا، وَكَالْمُسْتَفْتِي فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الْجَوَابُ لَا نَوَافِلُ الْعُلُومِ غَيْرُ الضَّرُورِيَّةِ، وَقِيلَ: الْعِلْمُ هَنَا عِلْمُ الشَّهَادَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) . أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

стр. 475

٢٢٤ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ. ــ ٢٢٤ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَبُو يَعْلَى أَيْضًا. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ تَبَعًا لِلْخَطَّابِيِّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ اهـ.

стр. 476

وَفِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ لِلسَّخَاوِيِّ: «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا يَعْلَمُهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» . لِجَمَاعَةٍ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَيَشْمَلُ الْوَعِيدُ حَبْسَ الْكُتُبِ عَنِ الطَّالِبِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ عَدَمِ التَّعَدُّدِ وَالِابْتِلَاءِ، هَذَا كَثِيرٌ اهـ. وَخُصُوصًا كِتَابَ الْوَقْفِ.

стр. 477

٢٢٥ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ ; أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٢٢٥ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) : أَيِ: الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ، وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا غَيْرَ تَبُوكَ، وَكَانَ أَحَدَ شُعَرَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُمْ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، يَجْمَعُ أَوَائِلَ أَسْمَائِهِمْ مَكَّةُ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ بَعْدَ أَنْ عَمِيَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " (مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ) أَيْ: لَا لِلَّهِ بَلْ (لِيُجَارِيَ) أَيْ لِيُقَاوِمَ بِهِ (الْعُلَمَاءَ) : الْمُجَارَاةُ الْمُعَارَضَةُ فِي الْجَرْيِ، وَقِيلَ: الْمُفَاخَرَةُ وَجَعَلَ نَفْسَهُ مِثْلَ غَيْرِهِ (أَوْ لِيُمَارِيَ) : أَنْ: يُجَادِلَ (بِهِ السُّفَهَاءَ) : جَمْعُ سَفِيهٍ وَهُوَ قَلِيلُ الْعَقْلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَاهِلُ. وَالْمُمَارَاةُ مِنَ الْمِرْيَةِ وَهِيَ الشَّكُّ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَحَاجِّينَ يَشُكُّ فِيمَا يَقُولُ صَاحِبُهُ وَيُشَكِّكُهُ مِمَّا يُورِدُ عَلَى حُجَّتِهِ، أَوْ مِنَ الْمَرْيِ وَهُوَ مَسْحُ الْحَالِبِ لِيَسْتَنْزِلَ مَا بِهِ مِنَ اللَّبَنِ فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَنَاظِرَيْنِ يَسْتَخْرِجُ مَا عِنْدَ صَاحِبِهِ. كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَمَّا كَانَ غَرَضُهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَاسِدًا مَا احْتِيجَ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْمُجَادَلَةِ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] . وَقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] (أَوْ يَصْرِفُ بِهِ) أَيْ: يَمِيلُ بِالْعِلْمِ (وُجُودَ النَّاسِ) : أَيِ: الْعَوَامَّ أَوِ الطَّلَبَةَ (إِلَيْهِ) أَيْ: لِيُعَظِّمُوهُ أَوْ يُعْطُوا الْمَالَ لَهُ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقِيلَ: أَيْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِمُجَرَّدِ الشُّهْرَةِ بَيْنَ النَّاسِ (أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ دُخُولَ النَّارِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً دُعَائِيَّةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . أَيْ: عَنْ كَعْبٍ.

стр. 478

٢٢٦ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ــ ٢٢٦ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) .

стр. 479

٢٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا ; لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " يَعْنِي رِيحَهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٢٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى) : مِنْ لِلْبَيَانِ، أَيْ: مِمَّا يُطْلَبُ (بِهِ وَجْهُ اللَّهِ) أَيْ: رِضَاهُ كَالْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ (لَا يَتَعَلَّمُهُ) : حَالٌ إِمَّا مِنْ فَاعِلِ تَعَلَّمَ أَوْ مِنْ مَفْعُولِهِ، لِأَنَّهُ تَخَصَّصَ بِالْوَصْفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرَى لِ " عِلْمًا " (إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ) أَيْ: يَنَالَ وَيُحَصِّلَ بِذَلِكَ الْعِلْمِ (عَرَضًا) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: حَظًّا مَالًا أَوْ جَاهًا (مِنَ الدُّنْيَا) : يُقَالُ: الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَنَكِرَةٌ لِيَتَنَاوَلَ الْأَنْوَاعَ وَيَنْدَرِجَ فِيهِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَفِي الْأَزْهَارِ: الْعَرَضُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ الْمَالُ، وَقِيلَ: مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ، وَقَالَ الْجِيلِيُّ: الْعَرْضُ بِالسُّكُونِ أَصْنَافُ الْمَالِ غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَبِحَرَكَةِ الرَّاءِ جَمِيعُ الْمَالِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْعُرُوضِ كُلِّهَا، كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ تَعَلَّمَ لِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى مَعَ إِصَابَةِ الْعَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَعِيدِ لِأَنَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى يَأْبَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا، وَيَكُونَ الْعَرَضُ

стр. 480

تَابِعًا، وَوَصْفُ الْعِلْمِ بِابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ إِمَّا لِلتَّفْصِيلِ وَالتَّمْيِيزِ فَإِنَّ بَعْضًا مِنَ الْعُلُومِ مِمَّا يُسْتَعَاذُ مِنْهُ كَمَا وَرَدَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ» ، وَإِمَّا لِلْمَدْحِ وَالْوَعِيدِ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ وَالتَّهْدِيدِ، وَسَمِعْتُ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ الزَّاهِدِينَ يَقُولُ: مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا بِالْعُلُومِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَانَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَطْلُبَهَا بِغَيْرِهَا مِنَ الْعُلُومِ، فَهُوَ كَمَنْ جَرَّ جِيفَةً بِآلَةٍ مِنْ آلَاتِ اللَّهْوِ، وَذَلِكَ كَمَنْ جَرَّهَا بِأَوْرَاقِ تِلْكَ الْعُلُومِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ رَأَى شَخْصًا يَلْعَبُ فَوْقَ الْحِبَالِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الدُّنْيَا بِالدُّنْيَا وَأَصْحَابُنَا يَأْكُلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ اهـ. لَكِنْ قَالُوا: فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَأْخُذُ الدُّنْيَا لِيَتَفَرَّغَ لِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَبَيْنَ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِيَأْخُذَ الدُّنْيَا فَتَأَمَّلْ. فَإِنَّهُ مَوْضِعُ الزَّلَلِ ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ أَعَمِّ الْأَوْصَافِ، أَيْ: لَا يَتَعَلَّمُهُ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ شَيْئًا مِنْ مُتَمَتِّعَاتِ الدُّنْيَا وَإِنْ قَلَّ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ قَصْدَهَا هَذَا وَلَوْ مَعَ قَصْدِ الْآخِرَةِ مُوجِبٌ لِلْإِثْمِ، فَوَجْهُ التَّقْيِيدِ تَرَتَّبَ الْعِقَابُ الْآتِي عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ قَصَدَ الدُّنْيَا لَا يَقْصِدُ مَعَهَا الْآخِرَةَ (لَمْ يَجِدْ) : حِينَ يَجِدُ عُلَمَاءُ الدِّينِ مِنْ مَكَانٍ بِعِيدٍ (عَرْفَ الْجَنَّةِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ رِيحَهَا الطَّيِّبَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِأَنْ تُوجَدَ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ. يَعْنِي) : هَذَا تَفْسِيرُ الرَّاوِي (رِيحُهَا) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَدْ حُمِلَ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي تَحْرِيمِ الْجَنَّةِ عَلَى الْمُخْتَصِّ بِهَذَا الْوَعِيدِ كَقَوْلِكَ: مَا شَمَمْتُ قُتَارَ قَدْرِهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّبَرُّؤِ عَنْ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ أَيْ: مَا شَمَمْتُ رَائِحَتَهَا فَكَيْفَ بِالتَّنَاوُلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُخْتَصَّ بِهَذَا الْوَعِيدِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ عُرِفَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ، فَتَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ تَهْدِيدًا وَزَجْرًا عَنْ طَلَبِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَأَيْضًا يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَوْمٌ مَوْصُوفٌ، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ يُحْشَرُ النَّاسُ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ بِهِمُ الْأَمْرُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ وِجْدَانِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَطْ عَدَمُ وِجْدَانِهَا مُطْلَقًا، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْآمِنِينَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَهِيَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ إِذَا وَرَدُوا الْقِيَامَةَ يُمَدُّونَ بِرَائِحَةِ الْجَنَّةِ تَقْوِيَةً لِقُلُوبِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ، وَتَسْلِيَةً لِهُمُومِهِمْ وَأَشْجَانِهِمْ عَلَى مِقْدَارِ حَالِهِمْ فِي الْمَعْرِفَةِ وَإِيقَانِهِمْ، وَمَنْ تَعَلَّمَ لِلْأَغْرَاضِ الْفَانِيَةِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَتَعَلَّمَهُ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ يَكُونُ كَمَنْ حَدَثَ مَرَضٌ فِي دِمَاغِهِ يَمْنَعُهُ عَنْ إِدْرَاكِ الرَّوَائِحِ فَلَا يَجِدُ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ لِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْأَغْرَاضِ الْمُخْتَلِفَةِ بِالْقُوَى الْإِيمَانِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا الْوَعِيدُ مُطْلَقٌ إِنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ لِأَنَّ تَحْرِيمَ طَلَبِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْقَصْدِ فَقَطْ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَمَفْهُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَخْلَصَ قَصْدَهُ فَتَعَلَّمَ لِلَّهِ لَا يَضُرُّهُ حُصُولُ الدُّنْيَا لَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِهَا بِتَعَلُّمِهِ، بَلْ مِنْ شَأْنِ الْإِخْلَاصِ بِالْعِلْمِ أَنْ تَأْتِيَ الدُّنْيَا لِصَاحِبِهِ رَاغِمَةً، كَمَا وَرَدَ: " «مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَتَأْتِيهِ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» ": (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَفْظُهُ: " «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِغَيْرِ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ".

стр. 481

٢٢٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ» ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ. ــ ٢٢٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: النَّضْرَةُ الْحُسْنُ وَالرَّوْنَقُ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى، وَرُوِيَ مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا اهـ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: التَّشْدِيدُ أَكْثَرُ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَالَ: هُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، وَرَوَاهُ الْأَصْمَعِيُّ بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ: الْمُخَفَّفُ لَازِمٌ وَالتَّشْدِيدُ لِلتَّعْدِيَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ اهـ. وَالْمَعْنَى خَصَّهُ اللَّهُ بِالْبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ لِمَا رُزِقَ بِعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ مِنَ الْقَدْرِ وَالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَنِعَمِهِ فِي الْآخِرَةِ، حَتَّى يُرَى عَلَيْهِ رَوْنَقُ الرَّخَاءِ وَالنِّعْمَةِ، ثُمَّ قِيلَ: إِنَّهُ إِخْبَارٌ يَعْنِي جَعَلَهُ ذَا نَضْرَةٍ، وَقِيلَ: دُعَاءٌ لَهُ بِالنَّضْرَةِ وَهِيَ الْبَهْجَةُ وَالْبَهَاءُ فِي الْوَجْهِ مِنْ أَثَرِ النِّعْمَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ هُنَا النَّضْرَةُ مِنْ حَيْثُ الْجَاهِ وَالْقَدْرِ، كَمَا جَاءَ: اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ مِنْ حِسَانِ الْوُجُوهِ، أَيْ: ذَوِي الْأَقْدَارِ مِنَ النَّاسِ لِأَنَّهُ جَدَّدَ بِحِفْظِهِ وَنَقْلِهِ طَرَاوَةَ الدِّينِ فَجَازَاهُ فِي دُعَائِهِ بِمَا يُنَاسِبُ عَمَلَهُ. قُلْتُ: لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمِيعِ وَالْإِخْبَارُ أَوْلَى مِنَ الدُّعَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قِيلَ: وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، فَلِذَلِكَ تَجِدُ أَهْلَ الْحَدِيثِ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَجْمَلَهُمْ هَيْئَةً. وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَطْلُبُ الْحَدِيثَ إِلَّا وَفِي وَجْهِهِ نَضْرَةٌ، أَيْ: بَهْجَةٌ صُورِيَّةٌ أَوْ مَعْنَوِيَّةٌ (سَمِعَ مَقَالَتِي) أَيْ حَدِيثِي: (فَحَفِظَهَا) أَيْ: بِالْقَلْبِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: فَحَفِظَهَا بِلِسَانِهِ (وَوَعَاهَا) أَيْ: دَامَ عَلَى حِفْظِهَا وَلَمْ يَنْسَهَا. قِيلَ: بِالتَّكْرَارِ وَالتِّذْكَارِ إِذَا حَفِظَهَا لِئَلَّا يَنْسَى، وَقِيلَ: بِالرِّوَايَةِ وَالتَّبْلِيغِ فَيَكُونُ عَطْفًا (وَأَدَّاهَا) : عَلَيْهِ تَفْسِيرِيًّا، أَيْ: أَوْصَلَهَا إِلَى النَّاسِ وَعَلِمَهَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْفُسْحَةِ فِي الْأَدَاءِ حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهُ مُعَجَّلًا، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ فَقَالَ: مَعْنَى حَفِظَهَا أَيْ: عَمِلَ بِمُوجِبِهَا فَإِنَّ الْحِفْظَ قَدْ يُسْتَعَارُ لِلْعَمَلِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢] أَيِ: الْعَامِلُونَ بِفَرَائِضِهِ اهـ. وَفِي الْمَصَابِيحِ: وَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا. وَفِي الْأَرْبَعِينَ: سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا) أَيْ غَضًّا طَرِيًّا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَتَغْيِيرٍ مِنْ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، أَوْ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ لِلَفْظِهَا وَلَا مَعْنَاهَا، فَيَكُونُ تَنْبِيهًا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، فَلَا يُنَافِي جَوَازَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَعَ أَنَّ التَّشْبِيهَ يُلَائِمُ هَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمِثْلِيَّةَ تَارَةً تَكُونُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَالْمَدَارُ عَلَى الْمَعَانِي الْأَصْلِيَّةِ دُونَ الْمُحَسِّنَاتِ اللَّفْظِيَّةِ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ حَيْثُ نَسِيَ اللَّفْظَ بِخُصُوصِهِ وَتَذَكَّرَ الْمَعْنَى بِعُمُومِهِ، فَلَوْ لَمْ يُعَبِّرْ عَنْهُ بِلَفْظٍ آخَرَ فَاتَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ لِأَنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ، وَمَحَلُّ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عِلْمُ أُصُولِ الْحَدِيثِ. (فَرُبَّ) : اسْتُعِيرَتْ لِلتَّكْثِيرِ، وَقِيلَ: اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ حَقِيقَةٌ أَيْضًا (حَامِلِ فِقْهٍ) أَيْ: عِلْمٍ (غَيْرِ فَقِيهٍ) : بِالْجَرِّ صِفَةُ حَامِلٍ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ، فَتَقْدِيرُهُ هُوَ غَيْرُ فَقِيهٍ، يَعْنِي: لَكِنْ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ لِنَفْعِهِ بِالنَّقْلِ (وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ) : قَدْ يَكُونُ فَقِيهًا وَلَا يَكُونُ أَفْقَهَ، فَيَحْفَظُهُ وَيُبَلِّغُهُ (إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) : فَيَسْتَنْبِطُ مِنْهُ مَا لَا يَفْهَمُهُ الْحَامِلُ أَوْ إِلَى مَنْ يَصِيرُ أَفْقَهَ مِنْهُ إِشَارَةً إِلَى فَائِدَةِ النَّقْلِ وَالدَّاعِي إِلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ صِفَةٌ لِمَدْخُولِ " رُبَّ " اسْتَغْنَى بِهَا عَنْ جَوَابِهَا أَيْ: رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ أَدَّاهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ (ثَلَاثٌ) أَيْ: ثَلَاثُ خِصَالٍ (لَا يَغِلُّ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا وَبِكَسْرِ الْغَيْنِ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الْغِلِّ الْحِقْدِ، وَالثَّانِي مِنَ الْإِغْلَالِ الْخِيَانَةِ (عَلَيْهِنَّ) أَيْ: عَلَى تِلْكَ الْخِصَالِ (قَلْبُ مُسْلِمٍ) : أَيْ كَامِلٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَخُونُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَلَا يَدْخُلُهُ ضِغْنٌ يُزِيلُهُ عَنِ الْحَقِّ حِينَ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَالَهُ التُّورِبِشْتِيُّ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ: إِنَّ هَذِهِ الْخِلَالَ يُسْتَصْلَحُ بِهَا الْقُلُوبُ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا طَهُرَ قَلْبُهُ مِنَ الْغِلِّ وَالْفَسَادِ، وَ " عَلَيْهِنَّ " فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: لَا يَغِلُّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ كَائِنًا عَلَيْهِنَّ، وَإِنَّمَا انْتَصَبَ عَنِ النَّكِرَةِ لِتُقَدُّمِهِ اهـ.

стр. 482

وَقِيلَ: النَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ يَعْنِي لَا يَتْرُكُهَا بَلْ يَأْتِي بِهَا، وَقِيلَ أَيْ: ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ قَلْبُ مُسْلِمٍ حَالَ كَوْنِهِ ثَابِتًا عَلَيْهِنَّ، يَعْنِي مَنْ تَمَسَّكَ بِهِنَّ طَهَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ مِنَ الْحِقْدِ وَالْخِيَانَةِ. وَنَقَلَ السَّيِّدُ عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ أَنَّهُ يُرْوَى أَيْضًا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، مِنَ الْوُغُولِ الدُّخُولِ فِي الشَّرِّ وَنَحْوِهِ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ هَذِهِ الْخِلَالَ يَسْتَصْلِحُ بِهَا الْقُلُوبَ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا طَهُرَ قَلْبُهُ مِنَ الْغِلِّ وَالشَّرِّ اهـ. ثُمَّ قَالَ السَّيِّدُ: وَهَذَا الْمَعْنَى مَذْكُورٌ فِي الْفَائِقِ اهـ. وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فَتْحَ الْيَاءِ وَضَمَّ الْغَيْنِ وَتَشْدِيدَ اللَّامِ، مِنْ غَلَّ مِنَ الْمَغْنَمِ شَيْئًا غُلُولًا إِذَا أَخَذَهُ فِي خُفْيَةٍ فَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى الْخِيَانَةِ أَيْضًا (إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ) أَيْ: مِنْهَا أَوْ إِحْدَاهَا أَوِ الرَّبْطُ بَعْدَ الْعَطْفِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ ثَلَاثٍ، وَمَعْنَى الْإِخْلَاصِ أَنْ يُقْصَدَ بِالْعَمَلِ وَجْهُهُ وَرِضَاهُ فَقَطْ دُونَ غَرَضٍ آخَرَ دُنْيَوِيٍّ أَوْ أُخْرَوِيٍّ، كَنَعِيمِ الْجَنَّةِ وَلَذَّاتِهَا، أَوْ لَا يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ مِنْ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ، وَالْأَوَّلُ إِخْلَاصُ الْخَاصَّةِ، وَالثَّانِي إِخْلَاصُ الْعَامَّةِ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: الْعَمَلُ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ وَتَرْكُ الْعَمَلِ لِغَيْرِ اللَّهِ رِيَاءٌ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُخَلِّصَهُ اللَّهُ مِنْهُمَا (وَالنَّصِيحَةُ) : وَهِيَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ (لِلْمُسْلِمِينَ) أَيْ: كَافَّتِهِمْ (وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ) أَيْ: مُوَافَقَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ) أَيْ: تَدُورُ (مِنْ وَرَائِهِمْ) : وَفِي نُسْخَةٍ " مَنْ " مَوْصُولَةٌ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّهُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ مَرْسُومٌ بِالْيَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَحَاطَتْ بِهِمْ فَتَحْرُسُهُمْ عَنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ وَعَنِ الضَّلَالَةِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ لَمْ يَنَلْ بَرَكَتَهُمْ وَبَرَكَةَ دُعَائِهِمْ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَمَّا أَحَاطَتْ بِهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَفْضِيلِ الْخُلْطَةِ عَلَى الْعُزْلَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَلَامُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّ الصَّوَابَ فَتْحُ " مَنْ " مَوْصُولًا مَفْعُولًا لِ " تُحِيطُ "، فَإِنَّهُ قَالَ: الدَّعْوَةُ الْمَرَّةُ مِنَ الدُّعَاءِ أَيْ: تَحْوِيهِمْ وَتُثَبِّتُهُمْ وَتَحْفَظُهُمْ، يُرِيدُ بِهِ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ كَلَامَ النِّهَايَةِ حَاصِلُ الْمَعْنَى، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: فَعَلَيْهِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ. قُلْتُ: هَذَا التَّقْدِيرُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِهِ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ آخَرَ لِأَنَّ لُزُومَ الْجَمَاعَةِ خَصْلَةٌ مِنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ثَلَاثٌ الْمُسْتَأْنَفُ وَمَا قَبْلَهُ أَنَّهُ ﵊ لَمَّا حَرَّضَ سَامِعَ سُنَّتِهِ عَلَى أَدَائِهَا بَيَّنَ أَنَّ هُنَاكَ خِصَالًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَنْطَوِيَ قَلْبُهُ عَلَيْهَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا مُحَرِّضٌ لَهُ عَلَى ذَلِكَ التَّبْلِيغِ، وَجَوَّزَ كَوْنَ " ثَلَاثٌ " بَيَانًا لِلْمَقَالَةِ الَّتِي أَكَدَّ فِي تَبْلِيغِهَا، وَكَأَنَّ سَائِلًا قَالَ: مَا تِلْكَ الْمَقَالَةُ؟ فَقِيلَ: هِيَ ثَلَاثٌ جَامِعَةٌ لِتَعْظِيمِ أَمْرِ اللَّهِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ. (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ يُعْلَمْ فِي أَيِّ كِتَابٍ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْخَاءِ كِتَابٌ لَهُ، يَعْنِي كِلَاهُمَا. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

стр. 483

٢٢٩ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. إِلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ، وَأَبَا دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرَا: (ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ) إِلَى آخِرِهِ. ــ ٢٢٩ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) . أَيِ: الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ (إِلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ، وَأَبَا دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرَا: (ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ) إِلَخْ) . وَمَعَ هَذَا كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُصَدِّرَ الْحَدِيثَ بِقَوْلِهِ: عَنْ زَيْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 484

٢٣٠ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٣٠ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) : لَمْ يَقُلْ وَعَنْهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى زَيْدٍ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ) : حَالٌ، وَقِيلَ: مَفْعُولٌ ثَانٍ (نَضَّرَ اللَّهُ) أَيْ: نَوَّرَ (امْرَأً) أَيْ: شَخْصًا (سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا) : يَعُمُّ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ الصَّادِرَةَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ ﵃ يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ فِي مِنَّا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ قَوْلُهُ: مِنَّا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلْجَمَاعَةِ فَيَشْمَلُ مَنْ سَمِعَ مِنَ الصَّحَابَةِ شَيْئًا مِنَ الْأَقْوَالِ، وَقَوْلُ شَارِحٍ: الْمُرَادُ مِنْ " شَيْئًا " عُمُومُ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ ﵊ وَأَصْحَابِهِ غَفْلَةً عَنْ كَوْنِهِ مَعْمُولًا لِسَمِعَ الَّذِي لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْقَوْلِ. أَقُولُ: لَمَّا قِيلَ بِعُمُومِ " مِنَّا "، وَقَدْ يُسْمَعُ مِنَ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَفْعَلُ، كَذَا صَحَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ السَّمْعُ بِالْفِعْلِ بِهَذَا الْمَعْنَى، مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّمْعِ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَشْمَلُ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ وَالشَّمَائِلَ أَيْضًا، وَإِنَّمَا خَصَّ السَّمْعَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مَدَارَ الْعِلْمِ عَلَيْهِ غَالِبًا (فَبَلَّغَهُ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: نَقَلَ الشَّيْءَ الْمَسْمُوعَ لِلنَّاسِ (كَمَا سَمِعَهُ) ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: إِمَّا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ بَلَّغَهُ أَوْ مِنْ مَفْعُولِهِ، وَإِمَّا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، وَمَا: مَوْصُولَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ خَصَّ مُبَلِّغَ الْحَدِيثِ كَمَا سَمِعَهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ، لِأَنَّهُ سَعَى فِي نَضَارَةِ الْعِلْمِ وَتَجْدِيدِ السُّنَّةِ فَجَازَاهُ بِالدُّعَاءِ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شَرَفِ الْحَدِيثِ وَفَضْلِهِ وَدَرَجَةِ طُلَّابِهِ حَيْثُ خَصَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِدُعَاءٍ لَمْ يُشْرِكْ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ وَحِفْظِهِ وَتَبْلِيغِهِ - فَائِدَةٌ سِوَى أَنْ يَسْتَفِيدَ بَرَكَةَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْمُبَارَكَةِ لَكَفَى ذَلِكَ فَائِدَةً وَإِنَّمَا وَجَدَ فِي الدَّارَيْنِ حَظًّا وَقَسْمًا. وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: اخْتُلِفَ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، وَإِلَى جَوَازِهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَقِّصْ مِنَ الْحَدِيثِ مَا شِئْتَ وَلَا تَزِدْ: وَقَالَ سُفْيَانُ: إِنْ قُلْتُ حَدَّثْتُكُمْ كَمَا سَمِعْتُ فَلَا تُصَدِّقُونِي فَإِنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى، وَقَالَ وَكِيعٌ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْنَى وَاسِعًا فَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ، وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: كُنْتُ أَسْمَعُ الْحَدِيثَ عَنْ عَشَرَةٍ وَاللَّفْظُ مُخْتَلِفٌ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى اتِّبَاعِ اللَّفْظِ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى حَرَامٌ عِنْدَ جَمَاعَاتٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَجَائِزَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَالْأَوْلَى اجْتِنَابُهَا. قُلْتُ: إِلَّا عِنْدَ نِسْيَانِ اللَّفْظِ. (فَرُبَّ مُبَلَّغٍ) : بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مَنْقُولٍ إِلَيْهِ وَمَوْصُولٍ لَدَيْهِ (أَوْعَى لَهُ) أَيْ: أَحْفَظُ لِلْحَدِيثِ وَأَضْبَطُ وَأَفْهَمُ وَأَتْقَنُ لَهُ (مِنْ سَامِعٍ) أَيْ: مِمَّنْ سَمِعَ أَوَّلًا وَبَلَّغَهُ ثَانِيًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) . أَيْ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَلَفْظُهُ: " «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» ". وَفِي اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْخِلَافَ اللَّفْظِيَّ إِنَّمَا نَشَأَ عَنِ الرُّوَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 485

٢٣١ - وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. ــ ٢٣١ - (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) .

стр. 486

٢٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ. فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٢٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اتَّقُوا الْحَدِيثَ) أَيِ: احْذَرُوا رِوَايَتَهُ (عَنِّي) : وَالْمَعْنَى: لَا تُحَدِّثُوا عَنِّي (إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ) أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِي. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْحَدِيثِ الِاسْمُ، فَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ أَيِ: احْذَرُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنَى " مَفْعُولًا "، وَ " عَنِّي " مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَالِاسْتِثْنَاءُ

стр. 487

مُنْقَطِعٌ، وَالْمَعْنَى احْذَرُوا مِمَّا لَا تَعْلَمُونَهُ مِنَ التَّحْدِيثِ عَنِّي، لَكِنْ لَا تَحْذَرُوا مِمَّا تَعْلَمُونَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعِلْمَ هُنَا يَشْتَمِلُ الظَّنَّ فَإِنَّهُمْ إِذَا جَوَّزُوا الشَّهَادَةَ بِهِ مَعَ أَنَّهَا أَضْيَقُ مِنَ الرِّوَايَةِ اتِّفَاقًا فَلِأَنْ تَجُوزَ بِهِ الرِّوَايَةُ أَوْلَى، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الرِّوَايَةِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْحَظِّ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (فَمَنْ كَذَبَ) : أَيِ: افْتَرَى (عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا) أَيْ: لَا خَطَأً (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ) أَيْ: لِيُهَيِّئْ مَكَانَهُ (مِنَ النَّارِ) . قِيلَ: الْأَمْرُ لِلتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، وَقِيلَ: الْأَمْرُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

стр. 488

٢٣٣ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ: " «اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ» ". ــ ٢٣٣ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ) : أَيِ ابْنُ مَاجَهْ ( «اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ» ) : يَعْنِي: وَالْفَاءُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ " فَمَنْ "، فَإِنَّهَا لِلتَّفْرِيعِ عَلَى مَا قَبْلَهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِي هَذَا مِنَ الْمُؤَلِّفِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَاجَهْ إِذَا لَمْ يُذْكَرْ هُنَا فَهُوَ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ الَّذِي قَدَّمَهُ أَوَّلَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى ذِكْرِهِ وَلَا إِلَى نِسْبَتِهِ إِلَى ابْنِ مَاجَهْ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ، بَلْ بَعْضُهُ، فَإِنَّهُ مَسْبُوقٌ يَحْمِلُ أُخْرَى فِي حَدِيثِهِ، فَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

стр. 489

٢٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٢٣٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) : لَمْ يَقُلْ عَنْهُ لِئَلَّا يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى غَيْرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ الْمُصَدَّرُ بِهِ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ قَالَ) أَيْ: مَنْ تَكَلَّمَ (فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: فِي مَعْنَاهُ أَوْ قِرَاءَتِهِ (بِرَأْيِهِ) أَيْ: مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَتَبُّعِ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ الْمُطَابِقَةِ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، بَلْ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ عَقْلُهُ، وَهُوَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى النَّقْلِ بِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ كَأَسْبَابِ النُّزُولِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَصَصِ وَالْأَحْكَامِ، أَوْ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ النَّقْلِ، وَهُوَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَقْلِ كَالْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي أَخَذَ الْمُجَسِّمَةُ بِظَوَاهِرِهَا، وَأَعْرَضُوا عَنِ اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فِي الْعُقُولِ، أَوْ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ بَعْضُ الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِبَقِيَّتِهَا وَبِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ فِيمَا يَحْتَاجُ لِذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْمُرَادُ رَأْيٌ غُلِّبَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ قَامَ عَلَيْهِ، أَمَّا مَا يَشُدُّهُ بُرْهَانٌ فَلَا مَحْذُورَ فِيهِ، فَعُلِمَ أَنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ إِنَّمَا يُتَلَقَّى مِنَ النَّقْلِ، أَوْ مِنْ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ، أَوْ مِنَ الْمَقَايِيسِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوِ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَوْ أُصُولِ الدِّينِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا تَعَلَّقَ بِالنَّقْلِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ يُسَمَّى تَفْسِيرًا، وَكُلَّ مَا تَعَلَّقَ بِالِاسْتِنْبَاطِ يُسَمَّى تَأْوِيلًا (فَلَيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) وَفِي رِوَايَةٍ: (مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: قَوْلًا (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أَيْ: دَلِيلٍ يَقِينِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ نَقْلِيٍّ أَوْ عَقْلِيٍّ مُطَابِقٍ لِلشَّرْعِيِّ (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) . قِيلَ: يُخْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَحَقُّ النَّاسِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ سَلَبُوا لَفْظَ الْقُرْآنِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ، وَأُرِيدَ بِهِ أَوْ حَمَلُوهُ عَلَى مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُرَدْ بِهِ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ مِمَّا قَصَدُوا نَفْيَهُ أَوْ إِثْبَاتَهُ مِنَ الْمَعْنَى، فَهُمْ مُخْطِئُونَ فِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ، مِثْلُ تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَيْسَانَ الْأَصَمِّ، وَالْجُبَّائِيِّ، وَعَبْدِ الْجَبَّارِ، وَالرُّمَّانِيِّ، وَالزَّمَخْشَرِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَدُسُّ الْبِدَعَ وَالتَّفَاسِيرَ الْبَاطِلَةَ فِي كَلَامِهِمُ الْجَزْلِ، فَيَرُوجُ عَلَى أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ كَصَاحِبِ الْكَشَّافِ، وَيَقْرُبُ مِنْ هُؤَلَاءِ تَفْسِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ، بَلْ كَانَ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَالِكِيُّ يُبَالِغُ فِي الْحَطِّ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَقْبَحُ مِنْ صَاحِبِ الْكَشَّافِ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ اعْتِزَالَ ذَلِكَ فَيَجْتَنِبُهُ بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّهُ يُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 490

٢٣٥ - وَعَنْ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٣٥ - (وَعَنْ جُنْدُبٍ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَالدَّالِ وَيُفْتَحُ كَذَا فِي الْمُغْنِي، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ بِفَتْحِ الدَّالِ وَضَمِّهَا مَعَ ضَمِّ الْجِيمِ وَبِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْضًا مَعَ فَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا، وَوَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: جُنْدُبٌ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَثْلِيثِ الدَّالِ إِذْ لَيْسَ فُعْلِلٌ بِضَمٍّ الْأَوَّلِ وَكَسْرِ مَا قَبْلَ الْآخَرِ مِنْ أَوْزَانِ الرُّبَاعِيِّ الْمُجَرَّدِ وَالْمُلْحَقِ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا أَيْضًا، ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيُّ الْعُلَّفِيُّ، وَعُلَّفَةُ: بَطْنٌ مِنْ بَجِيلَةَ، مَاتَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: فِي لَفْظِهِ أَوْ مَعْنَاهُ (بِرَأْيِهِ) أَيْ: بِعَقْلِهِ الْمُجَرَّدِ (فَأَصَابَ) أَيْ: وَلَوْ صَارَ مُصِيبًا بِحَسَبِ الِاتِّفَاقِ (فَقَدْ أَخْطَأَ) أَيْ: فَهُوَ مُخْطِئٌ بِحَسَبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ أَخْطَأَ طَرِيقَ الِاسْتِقَامَةِ بِخَوْضِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِالتَّخْمِينِ وَالْحَدَسِ لِتَعَدِّيهِ بِهَذَا الْخَوْضِ مَعَ عَدَمِ اسْتِجْمَاعِهِ لِشُرُوطِهِ، فَكَانَ آثِمًا بِهِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَعْتَدَّ بِمُوَافَقَتِهِ لِلصَّوَابِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَنْ قَصْدٍ وَلَا تَحَرٍّ، بِخِلَافِ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ آلَاتُ التَّفْسِيرِ وَهِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ عِلْمًا: اللُّغَةُ، وَالنَّحْوُ، وَالتَّصْرِيفُ، وَالِاشْتِقَاقُ، لِأَنَّ الِاسْمَ إِذَا كَانَ اشْتِقَاقُهُ مِنْ مَادَّتَيْنِ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى بِاخْتِلَافِهِمَا، كَالْمَسِيحِ هَلْ هُوَ مِنَ السِّيَاحَةِ أَوِ الْمَسْحِ، وَالْمَعَانِي، وَالْبَيَانُ، وَالْبَدِيعُ، وَالْقِرَاءَاتُ، وَالْأَصْلَيْنِ، وَأَسْبَابُ النُّزُولِ، وَالْقَصَصُ، وَالنَّاسِخُ، وَالْمَنْسُوخُ، وَالْفِقْهُ، وَالْأَحَادِيثُ الْمُبَيِّنَةُ لِتَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبْهَمِ، وَعِلْمُ الْمَوْهِبَةِ، وَهُوَ عِلْمٌ يُورِثُهُ اللَّهُ لِمَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ، وَبَعْضُ هَذِهِ الْعُلُومِ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ السَّلَفِ بِالْفِعْلِ، وَبَعْضُهَا بِالطَّبْعِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ فَإِنَّهُ مَأْجُورٌ بِخَوْضِهِ فِيهِ وَإِنْ أَخْطَأَ لِأَنَّهُ لَا تَعَدِّيَ مِنْهُ، فَكَانَ مَأْجُورًا أَجْرَيْنِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، أَوْ عَشَرَةُ أُجُورٍ كَمَا فِي أُخْرَى إِنْ أَصَابَ وَأَجْرٌ إِنْ أَخْطَأَ كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْأَحْكَامِ، لِأَنَّهُ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَاضْطَرَّهُ الدَّلِيلُ إِلَى مَا رَآهُ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ بِوَجْهٍ، وَقَدْ أَخْطَأَ الْبَاطِنِيَّةُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لِلْقُرْآنِ ظَهْرًا وَبَطْنًا وَأَنَّ الْمُرَادَ بَاطِنُهُ دُونَ ظَاهِرِهِ، وَمِنْ هَذَا مَا يَسْلُكُهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ مِنْ تَفْسِيرِهِمْ فِرْعَوْنَ بِالنَّفْسِ وَمُوسَى بِالْقَلْبِ إِنْ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مُرَادٌ مِنَ الْآيَةِ لَا إِشَارَاتٌ وَمُنَاسَبَاتٌ لِلْآيَاتِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ صَرْفُ شَيْءٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَنْ ظَاهِرٍ مِنْ غَيْرِ اعْتِصَامٍ فِيهِ بِنَقْلٍ مِنَ الشَّارِعِ، وَمِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ الْمُتَوَرِّعَةِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرٍ، وَامْتَنَعَ مِنْ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ بِاجْتِهَادِهِ وَإِنْ صَحِبَهَا شَوَاهِدُ سَالِمَةٌ عَنِ الْمُعَارِضِ، وَهَذَا عُدُولٌ عَمَّا تَعَّبْدَنَا بِمَعْرِفَتِهِ مِنَ النَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وَفِي حَدِيثِ أَبِي نُعَيْمٍ وَغَيْرِهِ: " «الْقُرْآنُ ذَلُولٌ ذُو وُجُوهٍ فَاحْمِلُوهُ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ» " وَمَعْنَى ذَلُولٍ سَهْلٌ حِفْظُهُ وَفَهْمُهُ حَتَّى لَا يَقْصُرَ عَنْهُ أَفْهَامُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَمَعْنَى ذُو وُجُوهٍ أَنَّ بَعْضَ جُمَلِهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ، أَوْ أَنَّهُ جَمَعَ وُجُوهًا مِنَ الْأَمْرِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّحْلِيلِ وَأَضْدَادِهَا، وَمَعْنَى فَاحْمِلُوهُ إِلَخْ: احْمِلُوهُ عَلَى أَحْسَنِ مَعَانِيهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالِاجْتِهَادِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ الْمُتَوَرِّعَةِ قَالَ بِهِ قَوْمٌ فَحَرَّمُوا التَّفْسِيرَ مُطْلَقًا، وَلَوْ عَلَى مَنِ اتَّسَعَتْ عُلُومُهُ إِلَّا مَا أُثِرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهَؤُلَاءِ مِنَ الْإِفْرَاطِ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، وَإِطْبَاقُ الْعُلَمَاءِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ عَلَى خِلَافِ مَقَالَتِهِمْ كَافٍ فِي تَسْفِيهِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَقَدْ قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ، وَآخَرُونَ: التَّأْوِيلُ الَّذِي هُوَ صَرْفُ الْآيَةِ لِمَعْنًى يَحْتَمِلُهُ

стр. 491

مُوَافِقٌ لِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِالتَّفْسِيرِ، بِخِلَافِ نَحْوِ تَأْوِيلِ الْبَحْرَيْنِ بِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، وَاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ بِالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، فَإِنَّهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْجَهَلَةِ وَالْحَمْقَاءِ كَالرَّوَافِضِ. قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَيْ مَنْ شَرَعَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وُقُوفٌ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ وَوُجُوهِ اسْتِعْمَالَاتِهَا مِنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُفَصَّلِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُفَسِّرِ، فَهُوَ وَإِنْ طَابَقَ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ فَهُوَ مُخْطِئٌ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ إِذْنِ الشَّارِعِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قَضَى بِتَأْوِيلِهِ وَاجْتِهَادِهِ عَلَى أَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى. وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ التُّورِبِشْتِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّأْيِ مَا لَا يَكُونُ مُؤَسَّسًا عَلَى عُلُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَلْ يَكُونُ قَوْلًا تَقُولُهُ بِرَأْيِهِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ عَقْلُهُ، وَعِلْمُ التَّفْسِيرِ يُؤْخَذُ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ كَأَسْبَابِ النُّزُولِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَمِنْ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ وَتَأْوِيلَاتِهِمْ بِالْمَقَايِيسِ الْعَرَبِيَّةِ كَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُفَصَّلِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ، ثُمَّ يَتَكَلَّمُ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ أُصُولُ الدِّينِ، فَيُئَوَّلُ الْقِسْمُ الْمُحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ عَلَى وَجْهٍ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَجْمِعْ هَذِهِ الشَّرَائِطَ كَانَ قَوْلُهُ مَهْجُورًا، وَحَسْبُهُ مِنَ الزَّاجِرِ أَنَّهُ مُخْطِئٌ عِنْدَ الْإِصَابَةِ، فَمَا بُعْدُ مَا بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَالْمُتَكَلِّفِ، فَالْمُجْتَهِدُ مَأْجُورٌ عَلَى الْخَطَأِ، وَالْمُتَكَلِّفُ مَأْخُوذٌ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ: يَحْتَمِلُ النَّهْيَ عَنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ مَيْلًا عَنْ طَبْعِهِ وَهَوَاهُ فَيُئَوِّلُ عَلَى وَفْقِ رَأْيِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ الْهَوَى لَمْ يَلُحْ لَهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى. الثَّانِي: أَنْ يَتَسَارَعَ إِلَى التَّفْسِيرِ بِظَاهِرِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِظْهَارٍ بِالسَّمَاعِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِغَرَائِبِ الْقُرْآنِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْمَارِ وَالتَّقْدِيمِ وَلَا مَطْمَعَ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْبَاطِنِ بِدُونِ مَعْرِفَةِ الظَّاهِرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) ، وَكَذَا النَّسَائِيُّ.

стр. 492

٢٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٣٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْمِرَاءُ) : أَيِ: الْجِدَالُ (فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: فِي مُتَشَابِهِهِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْجُحُودِ (كُفْرٌ) : سَمَّاهُ كُفْرًا بِاسْمِ مَا يُخْشَى عَاقِبَتُهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُسْنِدَ أَحَدُهُمْ كَلَامَهُ إِلَى آيَةٍ ثُمَّ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ بِآيَةٍ أُخْرَى تَدَافُعًا لَهُ كَأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ الَّذِي أَتَيْتَ بِهِ نَقِيضُ مَا اسْتَدْلَلْتَ بِهِ. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الْمُرَادُ بِالْمِرَاءِ فِي الْقُرْآنِ الشَّكُّ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧] أَيْ: فِي شَكٍّ، يَعْنِي: الشَّكُّ فِي كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ - كُفْرٌ، وَالْمِرَاءُ الْمُجَادَلَةُ فِيمَا فِيهِ مِرْيَةٌ وَشَكٌّ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْمِرَاءِ فِيهِ التَّدَارُؤُ، وَهُوَ أَنْ يَرُومَ تَكْذِيبَ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ لِيَدْفَعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَيَطْرُقَ إِلَيْهِ قَدْحًا وَطَعْنًا، وَمِنْ حَقِّ النَّاظِرِ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْآيَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مَا أَمْكَنَهُ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ التَّوْفِيقُ فَلْيَعْتَقِدْ أَنَّهُ مِنْ سُوءِ فَهْمِهِ وَلْيَكِلْهُ إِلَى عَالِمِهِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] اهـ. وَقَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قِيلَ: هُوَ الْمِرَاءُ فِي قِرَاءَتِهِ بِأَنْ يُنْكِرَ بَعْضَ الْقِرَاءَاتِ الْمَرْوِيَّةَ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَتَوْعِيدُهُ بِالْكُفْرِ لِيَنْتَهُوا عَنِ الْمِرَاءِ فِيهَا وَالتَّكْذِيبِ بِهَا، إِذْ كُلُّهَا قُرْآنٌ مُنَزَّلٌ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) .

стр. 493

٢٣٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْمًا يَتَدَارَءُونَ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ: " إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا: ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ. فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا، وَمَا جَهِلْتُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٣٧ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) . يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى عَمْرٍو، فَيَكُونَ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا لِأَنَّ جَدَّ عَمْرٍو وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو تَابِعِيٌّ، وَأَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى شُعَيْبٍ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ، فَالْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ لِأَنَّ جَدَّ شُعَيْبٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ صَحَابِيٌّ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ تَكَلَّمُوا فِي صَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ لِمَا فِيهَا مِنِ احْتِمَالِ التَّدْلِيسِ (وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ ﷺ قَوْمًا) أَيْ: كَلَامَ قَوْمٍ (يَتَدَارَءُونَ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَيَتَدَافَعُونَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَالتَّدَارُؤُ دَفْعُ كُلٍّ مِنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ قَوْلَ صَاحِبِهِ بِمَا يَقَعُ مِنَ الْقَوْلِ أَيْ: يَدْفَعُ بَعْضُهُمْ دَلِيلَ بَعْضٍ مِنْهُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] وَيَقُولُ الْقَدَرِيُّ: لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَنْهِيٌّ، أَيْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا الطَّرِيقُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْآيَاتِ أَنْ يُؤْخَذَ مَا عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَيُئَوِّلَ الْآيَةَ الْأُخْرَى كَمَا نَقُولُ: الْعَقْدُ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ [النساء: ٧٩] إِلَخْ. فَذَهَبَ الْمُفَسِّرُونَ إِلَى أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ مَا هُوَ الصَّوَابُ، وَيَقُولُونَ مَا أَصَابَكَ إِلَخْ. وَقِيلَ: الْآيَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أَيْ: مَا أَصَابَكَ يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا إِنْسَانُ مِنْ حَسَنَةٍ، أَيْ: فَتْحٍ وَغَنِيمَةٍ وَرَاحَةٍ وَغَيْرِهَا، فَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ، أَيْ: مِنْ هَزِيمَةٍ وَتَلَفِ مَالٍ وَمَرَضٍ فَهُوَ جَزَاءُ مَا عَمِلْتَ مِنَ الذُّنُوبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] فَالْآيَةُ السَّابِقَةُ خَارِجَةٌ عَنْ مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ (فَقَالَ) : ﵊ (إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أَيْ: مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (بِهَذَا) أَيْ: بِسَبَبِ التَّدَارُؤِ، إِشَارَةُ تَحْقِيرٍ أَوْ تَعْظِيمٍ لِعِظَمِ ضَرَرِهِ، وَقِيلَ: الْمُضَافُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: بِمِثْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ الْمَذْمُومِ (ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ) أَيْ: جِنْسَهُ (بَعْضَهُ بِبَعْضٍ) : بَدَلُ بَعْضٍ، وَالْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ، أَيْ: خَلَطَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَمَعْنَاهُ: دَفَعَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ الْإِنْجِيلَ وَأَهْلُ الْإِنْجِيلِ التَّوْرَاةَ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ - مَا لَا يُوَافِقُ مُرَادَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِكِتَابِ اللَّهِ الْقُرْآنُ، أَيْ: خَلَطُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ، وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، فَحَكَمُوا فِي كُلِّهَا حُكْمًا وَاحِدًا مِنْ ضَرَبْتُ اللَّبَنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، أَيْ: خَلَطْتُهُ، وَالضَّرْبُ الصَّرْفُ أَيْضًا، فَإِنَّ الرَّاكِبَ إِذَا أَرَادَ صَرْفَ الدَّابَّةِ ضَرَبَهَا، أَيْ: صَرَفُوا كِتَابَ اللَّهِ عَنِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ إِلَى مَا مَالَ إِلَيْهِ أَهْوَاؤُهُمْ، وَيَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَ الْآيَاتِ فَإِنَّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَمَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلْيَتَوَقَّفْ فِيهِ وَيَسْتَنِدْ إِلَى سُوءِ فَهْمِهِ وَيَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى عَالِمِهِ ، وَلِذَا قَالَ: (وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ) : الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ (يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا) : يَعْنِي أَنَّ الْإِنْجِيلَ مَثَلًا يُبَيِّنُ أَنَّ التَّوْرَاةَ كَلَامُ اللَّهِ وَهُوَ حَقٌّ، وَالْقُرْآنَ يُبَيِّنُ أَنَّ جَمِيعَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ حَقٌّ، وَكَذَلِكَ النَّاسِخُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْمَنْسُوخِ وَالْمُحْكَمُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْمُتَشَابِهِ، وَالْمُئَوَّلُ لِدَلِيلٍ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالظَّاهِرِ، وَالْخَاصُّ وَالْمُقَيَّدُ يُبَيِّنَانِ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ (فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ) : بَلْ قُولُوا: كُلُّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ حَقٌّ، أَوْ بِأَنْ تَنْظُرُوا إِلَى اللَّهِ ظَاهِرَ لَفْظَيْنِ مِنْهُ مَعَ عَدَمِ النَّظَرِ إِلَى الْقَوَاعِدِ الَّتِي تَصْرِفُ أَحَدَهُمَا عَنِ الْعَمَلِ بِهِ

стр. 494

بِنَسْخِهِ أَوْ بِتَخْصِصِهِ أَوْ تَقْيِيدِهِ أَوْ تَأْوِيلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى قَدْحٍ فِي الدِّينِ (فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ) أَيْ: عِلْمًا مُوَافِقًا لِلْقَوَاعِدِ (فَقُولُوا) أَيْ: بِهِ (وَمَا جَهِلْتُمْ) أَيْ: مِنْهُ كَالْمُتَشَابِهَاتِ وَغَيْرِهَا (فَكِلُوهُ) أَيْ: رُدُّوهُ وَفَوِّضُوهُ (إِلَى عَالِمِهِ) : وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَلَا تُلْقُوا مَعْنَاهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ، وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ آيَاتٍ ظَاهِرَةِ التَّنَافِي؟ فَأَجَابَ عَنْهَا، مِنْهَا: نَفْيُ الْمُسَاءَلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِثْبَاتُهَا، فَنَفْيُهَا فِيمَا قَبْلَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِثْبَاتُهَا فِيمَا بَعْدَهَا. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلْتَاهُمَا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنْ يَكُونَ النَّفْيُ فِي أَوَائِلِ الْمَوَاقِفِ وَالْإِثْبَاتُ فِي أَوَاخِرِهَا. وَمِنْهَا: كِتْمَانُ الْمُشْرِكِينَ حَالَهُمْ وَإِفْشَاؤُهُ فَالْأَوَّلُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَالثَّانِي بِأَيْدِيهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ. قُلْتُ: وَلَا بُعْدَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي بِأَلْسِنَتِهِمْ أَيْضًا، لَكِنْ لَا بِاخْتِيَارِهِمْ كَشَهَادَةِ أَيْدِيهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] وَمِنْهَا: خَلْقُ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ وَعَكْسُهُ، وَجَوَابُ هَذَا: أَنَّهُ بَدَأَ خَلْقَ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَغَيْرَهَا فِي يَوْمَيْنِ. فَتِلْكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لِلْأَرْضِ، وَقَدْ سَأَلَهُ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: تَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، فَكَيْفَ هُوَ الْيَوْمَ؟ وَأَجَابَ عَنْهُ: بِأَنَّ الْمَاضِيَ إِنَّمَا هُوَ التَّسْمِيَةُ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ انْقَضَى، وَأَمَّا الِاتِّصَافُ فَهُوَ دَائِمٌ. قُلْتُ: وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: مَا ثَبَتَ قَدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ. وَأَجَابَ أَيْضًا: بِأَنْ كَانَ يُسْتَعْمَلُ بِهَا مُرَادُ الدَّوَامِ كَثِيرًا. وَسُئِلَ أَيْضًا عَنِ الْيَوْمِ الْمُقَدَّرِ بِأَلْفِ سَنَةٍ وَالْمُقَدَّرِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ مَا لَا أَعْلَمُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَدُ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا الْعَالَمَ، وَالثَّانِيَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كُلٌّ مِنْهُمَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ بِاعْتِبَارِ قِصَرِهِ عَلَى الْمُؤْمِنَ الْعَاصِي وَطُولِهِ عَلَى الْكَافِرِ، وَأَمَّا الطَّائِعُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا وَرَدَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 495

٢٣٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ» ". رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. ــ ٢٣٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أُنْزِلَ الْقُرْآنُ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُشْتَمِلًا (عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أَيْ: قِرَاءَاتٍ أَوْ لُغَاتٍ أَوْ أَنْوَاعٍ مِنَ الْأَحْكَامِ. قَالَ الشُّرَّاحُ: الْحَرْفُ الطَّرَفُ، وَحُرُوفُ التَّهَجِّي سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَطْرَافُ الْكَلِمَةِ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ أَطْرَافُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَلَى سَبْعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ، وَهُمُ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْفَصَاحَةِ: كَقُرَيْشٍ، وَثَقِيفٍ، وَطَيِّئٍ، وَهَوَازِنَ، وَهُذَيْلٍ، وَالْيَمَنِ، وَبَنِي تَمِيمٍ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ أَئِمَّةُ اللُّغَوِيِّينَ. وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ بِمَجِيءِ التَّصْرِيحِ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ لُغَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ أَفْصَحُهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِهَا الْكَثْرَةُ، وَقِيلَ: الْكُلُّ فِي بُطُونِ قُرَيْشٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وَقِيلَ: فِي بُطُونِ مُضَرَ. وَرُدَّتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا بِأَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَى هِشَامٍ قِرَاءَتَهُ حَتَّى جَرَّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمُحَالٌ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ لُغَتَهُ وَهُمَا مِنْ قَبِيلَةٍ وَلُغَةٍ وَاحِدَةٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ غَيْرُ اللُّغَاتِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ بَحْثٌ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنْكَارُ عُمَرَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْجَوَازِ، فَلَا دَلَالَةَ حِينَئِذٍ عَلَى نَفْيِ
следующие страницы →