Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
٣٠٦٨ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ كَثِيرًا يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: عَجَبًا لِلْعَمَّةِ تُورَثُ وَلَا تَرِثُ. رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
٣٠٦٨ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ) بِفَتْحِ مُهْمِلَةٍ فَسُكُونِ زَايٍ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ كَثِيرًا) أَيْ: سَمَاعًا كَثِيرًا (يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: عَجَبًا لِلْعَمَّةِ تُورَثُ وَلَا تَرِثُ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذَا التَّعْجِيبُ مِنْ حَيْثُ الْقِيَاسِ وَرَأَيِ الْعَقْلِ، وَإِذَا نَظَرَ إِلَى التَّعَبُّدِ وَأَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ فَلَا عَجَبَ (رَوَاهُ مَالِكٌ) .
стр. 4307
٣٠٦٩ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ. وَزَادَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَالطَّلَاقَ وَالْحَجَّ. قَالَا: فَإِنَّهُ مِنْ دِينِكُمْ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٣٠٦٩ - (وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ) أَيْ: مَوْقُوفًا (تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ. وَزَادَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَالطَّلَاقَ وَالْحَجَّ. قَالَا) أَيْ: عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ (فَإِنَّهُ) أَيْ: هَذَا الْعِلْمُ، وَفِي نُسْخَةٍ فَإِنَّهَا أَيْ: الْفَرَائِضَ أَوِ الْمَذْكُورَاتَ (مِنْ دِينِكُمْ) أَيْ: مِنْ مُهِمَّاتِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَمِنْهُ مَا رُوِيَ " «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ» "، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ نِصْفَ الْعِلْمِ إِمَّا تَوَسُّعًا فِي الْكَلَامِ، أَوِ اسْتِكْثَارًا لِلْبَعْضِ، أَوِ اعْتِبَارًا لِحَالَيِ الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ: هَكَذَا رِوَايَةُ الْفُقَهَاءِ فَالْفَرَائِضُ جَمْعُ فَرِيضَةٍ وَهِيَ مَا قُدِّرَ مِنَ السِّهَامِ فِي الْمِيرَاثِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الْعِلْمَ بِهَا نِصْفَ الْعِلْمِ إِمَّا لِاخْتِصَاصِهَا بِإِحْدَى حَالَيِ الْإِنْسَانِ، وَهِيَ الْمَمَاتُ دُونَ سَائِرِ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْحَيَاةِ وَإِمَّا لِاخْتِصَاصِهَا بِإِحْدَى سَبْيِ الْمَلَكِ، أَعْنِي الضَّرُورِيَّ دُونَ الِاخْتِيَارِيِّ لِشِرَاءِ وَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَإِمَّا لِلتَّرْغِيبِ فِي تَعَلُّمِهَا لِكَوْنِهَا أُمُورًا مُهِمَّةً وَإِنَّ رِوَايَةَ الدَّارِمِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ: " «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَعَلِمُوهُ النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ» "، وَعَلَى هَذَا الرِّوَايَةِ فَالْفَرَائِضُ إِمَّا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَ، أَوْ عَلَى مِمَّا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ التَّكَالِيفِ، وَخَصَّ ذِكْرِهَا بَعْدَ التَّعْمِيمِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ اه.
وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ آخِرُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ ; فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ وَالْعَلَمُ سَيُقْبَضُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي فَرِيضَةٍ لَا يَجِدَانِ أَحَدًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا» ، فَإِنْ قِيلَ: لَمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: تَعَلَّمُوا الْفُرُوضَ الْمُقَدَّرَةَ فِي الْكِتَابِ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، فَإِنَّهَا نِصْفٌ لِعِلْمِ الْمَوَارِيثِ، إِذْ عِلْمُ الْمَوَارِيثِ نَوْعَانِ، عِلْمٌ بِالْفُرُوضِ وَعِلْمُ الْعَصَبَاتِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّكَلُّفِ. قُلْنَا لَا يَجُوزُ هَذَا لِمَانِعٍ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: " «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنَّهَا أَوَّلُ قَضِيَّةٍ تُنْسَى، وَأَوَّلُ قَضِيَّةٍ تُنْسَى لَا يَكُونُ الْفُرُوضُ لِأَنَّ نِسْيَانَهَا مَوْقُوفٌ عَلَى نِسْيَانِ الْكِتَابِ، وَهُوَ بَاقٍ إِلَى انْقِرَاضِ الْعَالَمِ. فَلَا يَكُونُ أَوَّلَ قَضِيَّةٍ تُنْسَى، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنَّ يُقَالَ تُنْسَى مَعْرِفَتُهَا أَوْ يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِهَا» ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي زَمَانِنَا هَذَا، وَاللَّهُ وَلِي دِينِهِ ﷻ .
стр. 4308
[بَابُ الْوَصَايَا]
стр. 4309
(٢٠) بَابُ الْوَصَايَا
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٠٧٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٠ - بَابُ الْوَصَايَا
جَمْعُ الْوَصِيَّةِ اسْمٌ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مَنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ إِذَا وَصَلْتَهُ وَسُمِّيَتْ وَصِيَّةً لِأَنَّهُ وَصَلَ مَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ بِمَا بَعْدَهُ، وَيُقَالَ: وَصَّى وَأَوْصَى أَيْضًا. قُلْتُ: وَكُلَّمَا قُرِئَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ الْوَصِيَّةُ بِمَعْنَى النَّصِيحَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٠٧٠ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا ") أَيْ: لَيْسَ ( «حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ» ) مِنْ صِفَتِهِ أَنَّ أَوَّلَهُ (" «شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ» ") بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا (" يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ") فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أَنْ يَبِيتَ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] الْآيَةَ ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ. ( «إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ» ) أَيْ: مُثَبَّتَةٌ (" عِنْدَهُ ") وَخُلَاصَةُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ حَقُّهُ مِنْ جِهَةِ الْحَزْمِ وَالِاحْتِيَاطِ وَالِانْتِبَاهِ لِلْمَوْتِ أَنْ يَتْرُكَ الْوَصِيَّةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " مَا " بِمَعْنَى لَيْسَ وَيَبِيتُ صِفَةٌ ثَالِثَةٌ لِامْرِئٍ وَيُوصَى فِيهِ صِفَةُ شَيْءٍ، وَالْمُسْتَثْنَى خَبَرٌ أَيْ لِلَيْسَ، ثُمَّ قَيَّدَ لَيْلَتَيْنِ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُظْهِرُ تَأْكِيدًا وَلَيْسَ بِتَحْدِيدٍ، وَالْمَعْنَى لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ زَمَانٌ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا أَنْ يَبِيتَ بِهَذِهِ الْحَالِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَفِي تَخْصِيصِ لَيْلَتَيْنِ تَسَامُحٌ فِي إِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةً وَقَدْ سَامَحْنَاهُ فِي الْمِقْدَارِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْهُ، قُلْتُ: وَفِي تَخْصِيصِ لَيْلَةٍ تَسَامُحٌ فِي إِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ أَيْضًا إِذْ يَتَصَوَّرُ الْمَوْتَ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ عَلَى غَفْلَةٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ مَعْنَاهُ مَا الْحَزْمُ وَالِاحْتِيَاطُ لِمُسْلِمٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ. وَقَالَ دَاوُدُ وَغَيْرُهُ مَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ: هِيَ وَاجِبَةٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْوُجُوبِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ عَلَى الْإِنْسَانِ دَيْنٌ أَوْ وَدِيعَةٌ لَزِمَهُ الْإِيصَاءُ بِذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا وَأَنْ يَكْتُبَهَا فِي صَحِيفَةٍ وَيُشْهَدَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَإِنْ تَجَدَّدَ لَهُ أَمْرٌ يَحْتَاجُ إِلَى الْوَصِيَّةِ بِهِ أَلْحَقَهُ بِهَا، وَبِمَا قُلْنَا يُشْهِدُ عَلَيْهِ فِيهَا لِأَنَّهُ لَمْ تَنْفَعْهُ الْوَصِيَّةُ إِذَا لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: ذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى وُجُوبِهَا لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى نَدْبِهَا ; لِأَنَّهُ ﷺ جَعَلَهَا حَقًّا لِلْمُسْلِمِ لَا عَلَيْهِ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَانَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ. قِيلَ: هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ الْمُتَبَرَّعِ بِهَا، وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ، رَدُّ الْأَمَانَاتِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ فَوَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ مُجَرَّدَ الْكِتَابَةِ بِلَا إِشْهَادٍ عَلَيْهِ كَانَتْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّ حَقَّ الْغَيْرِ تَعَلَّقَ بِهِ، فَلَا بُدَّ لَإِزَالَتِهِ مِنْ حُجَّةٍ شَرْعِيةٍ، وَلَا يَكْفِي أَنْ يُشْهِدَهَا عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْلِعَهُمَا عَلَيِهِ اه.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ الْمُتَبَرَّعِ بِهَا قَوْلُهُ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فِي رِوَايَةٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَفِي شَرْحِ الصُّدُورِ لِلسُّيُوطِيِّ: أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَكَرْتُ حَدِيثًا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَدَعَوْتُ بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاسٍ لِأَكْتُبَ وَصِيَّتِي وَغَلَبَنِي النَّوْمُ، فَنِمْتُ وَلَمْ أَكْتُبْهَا، فَبَيِنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ دَخَلَ دَاخِلٌ أَبْيَضُ الثِّيَابِ حَسَنُ الْوَجْهِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ قُلْتُ: مَا هَذَا مَنْ أَدْخَلَكَ دَارِي؟ قَالَ: أَدْخَلَنِيهَا رَبُّهَا. قُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مَلَكُ الْمَوْتِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: لَا تُرَعْ إِنِّي لَمْ أُومَرْ بِقَبْضِ رُوحِكَ؟ قُلْتُ: فَاكْتُبْ لِي إِذَاً بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ. قَالَ: هَاتِ دَوَاةً وَقِرْطَاسًا فَمَدَدْتُ يَدَيْ إِلَى الدَّاوَةِ وَالْقِرْطَاسِ الَّذِي نِمْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِي، فَنَاوَلْتُهُ، فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اسْتَغْفِرِ اللَّهَ، اسْتَغْفِرِ اللَّهَ حَتَّى مَلَأَ ظَهَرَ الْكَاغِدِ وَبَطْنِهِ ثُمَّ نَاوَلَنِيهِ، وَقَالَ: هَذَا بَرَاءَتُكَ رَحِمَكَ اللَّهُ وَانْتَبَهْتُ فَزِعًا، وَدَعَوْتُ بِالسِّرَاجِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا الْقِرْطَاسُ الَّذِي نِمْتُ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِي مَكْتُوبٌ ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ اه» . وَلَعَلَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا وَرَدَ: " «مَنْ أَحَبَّ أَنْ تَسُرَّهُ صَحِيفَتُهُ فَلْيُكْثِرْ فِيهَا مِنَ الِاسْتِغْفَارِ» "، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مَرْفُوعًا.
стр. 4310
٣٠٧١ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْحِ مَرَضًا أَشْفَيْتُ عَلَى الْمَوْتِ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: " لَا " قُلْتُ: فَثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: " لَا " قُلْتُ: فَالشَّطْرِ؟ قَالَ: " لَا " قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: " الثُّلُثُ " وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٠٧١ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْحِ) وَفِي هَامِشِ نُسْخَةِ مَيْرَكَ شَاهْ: صَوَابُهُ عَامُ حِجَّةِ الْوَدَاعِ. (مَرَضًا أَشْفَيْتُ) أَيْ: أَشْرَفْتُ (عَلَى الْمَوْتِ) يُقَالَ: أَشْفَى عَلَى كَذَا أَيْ: قَارَبَهُ وَصَارَ عَلَى شِفَاهٍ وَلَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الشَّرِّ ( «فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي» ) حَالٌ ( «فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا وَلَيْسَ يَرِثُنِي» ) أَيْ: مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ (إِلَّا ابْنَتِي) (أَفَأُوصِي) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ (بِمَالِي) أَيْ: بِتَصَدُّقِهِ (كُلِّهِ؟) لِلْفُقَرَاءِ ( «قَالَ: " لَا " قُلْتُ: فَثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: " لَا " قُلْتُ: فَالشَّطْرِ؟» ) بِالْجَرِّ أَيْ: فَبِالنِّصْفِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنِّصْفِ، وَفِي أُخْرَى بِالرَّفْعِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَجُوزُ نَصْبُهُ عَطَفًا عَلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، وَرَفَعَهُ أَيْ: فَالشَّطْرُ كَافٍ وَجَرُّهُ عَطْفًا عَلَى مَجْرُورِ الْبَاءِ. (قَالَ: " لَا " قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟) بِالْجَرِّ وَجَوَّزَ النَّصْبَ وَالرَّفْعَ عَلَى مَا سَبَقَ (قَالَ: الثُّلُثَ) بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالرَّفْعِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: يَجُوزُ نَصْبُ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ وَرَفْعُهُ فَالنَّصْبُ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْطَ الثُّلُثَ، وَأَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ أَيْ: يَكْفِيكَ الثُّلُثُ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ أَوْ عَكْسُهُ (وَالثُّلُثُ) بِالرَّفْعِ لَا غَيْرَ عَلَى الِابْتِدَاءِ خَبَرُهُ (كَثِيرٌ) وَهُوَ بِالْمُثَلَّثَةِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: رُوِيَ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْإِيصَاءَ بِالثُّلُثِ جَائِزٌ لَهُ وَأَنَّ النَّقْصَ مِنْهُ أَوْلَى (إِنَّكَ) اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ (أَنْ تَذَرَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ. وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ: أَنْ تَتْرُكَ (وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ) أَيْ: مُسْتَغْنِينَ عَنِ النَّاسِ ( «خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً» ) أَيْ: فُقَرَاءَ ( «يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» ) أَيْ: يَسْأَلُونَهُمْ بِالْأَكُفِّ وَمَدِّهَا إِلَيْهِمْ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَرَثَتَهُ كَانُوا فُقَرَاءَ، وَهُمْ أَوْلَى بِالْخَيْرِ مِنْ غَيْرِهِمْ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: أَنْ تَذَرَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ. وَفِي الْفَائِقِ: أَنْ تَذَرَ مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَيْ تَرْكُكَ أَوْلَادَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ، وَالْجُمْلَةُ بِأَسْرِهَا خَبَرُ إِنَّكَ. قَالَ الْأَشْرَفُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ أَنْ حَرْفَ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ يَبْقَى الشَّرْطُ حِينَئِذٍ بِلَا جَزَاءٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ جَعْلُ قَوْلِهِ خَيْرُ جَزَاءٍ لَهُ، وَكَثِيرًا مَا تَصَحَّفَ فِيهِ أَهْلُ الزَّمَانِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إِذَا صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَنْ لَا يَجُوزُ حَذْفُ الْفَاءِ مِنَ الْجُمْلَةِ إِذَا كَانَتِ اسْمِيَّةً، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنْ وَجَدْتَ بَعْدَ بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمَانِ نَقْلًا مِنْ جَانِبِ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ فِي كِتَابِ شَوَاهِدِ التَّوْضِيحِ وَالتَّصْحِيحِ لِمُشْكِلَاتِ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ، إِنَّهُ أَتَى فِي الْحَدِيثِ بِالشَّرْطِ وَقَالَ: الْأَصْلُ إِنْ تَرَكْتَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ، فَحَذَفَ الْفَاءَ وَالْمُبْتَدَأَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﵊ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتَعَ بِهَا» ". وَقَوْلُهُ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ: " «الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» " وَذَلِكَ مِمَّا زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالضَّرُورَةِ وَلَيْسَ مَخْصُوصًا بِهَا، بَلْ يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الشِّعْرِ، وَيَقِلُّ فِي غَيْرِهِ، وَمَنْ خَصَّ هَذَا الْحَذْفَ بِالشِّعْرِ حَادَ عَنِ التَّحْقِيقِ وَضَيَّقَ حَيْثُ لَا يَضِيقُ، (" «وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً» ") مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ مُطْلَقٌ ( «تَبْتَغِي فِيهَا وَجْهَ اللَّهِ» ) أَيْ: رِضَاهُ (إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: صِرْتَ مَأْجُورًا بِسَبَبِ تِلْكَ النَّفَقَةِ (حَتَّى اللُّقْمَةَ) بِالنَّصْبِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ وَحُكِيَ بِالرَّفْعِ (تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ) وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ أَيْ: فِي فَمِهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُنْفِقَ لِابْتِغَاءِ رِضَاهُ تَعَالَى يُؤْجَرُ، وَإِنْ كَانَ مَحَلُّ الْإِنْفَاقِ مَحَلَّ الشَّهْوَةِ وَحَظَّ النَّفْسِ، لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِنَّكَ إِنْ تَذَرَ وَهُوَ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ كَأَنَّهُ قِيلَ: لَا تَفْعَلْ لِأَنَّكَ مُتُّ وَتَذَرُ
стр. 4311
وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ تَذَرُهُمْ فُقَرَاءَ، وَإِنْ عِشْتَ وَتَصَدَّقْتَ بِمَا بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ وَأَنْفَقْتَ عَلَى عِيَالِكَ يَكُنْ خَيْرًا لَكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " فِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْمَرِيضِ مَا يَجِدُهُ مِنَ الْوَجَعِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ مِنْ مُدَاوَاةٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ وَصِيَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ إِذْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ السُّخْطِ، فَإِنَّهُ قَادِحٌ فِي أَجْرِ مَرَضِهِ " اه.
وَفِيهِ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا حِكَايَةُ أَنَّهُ مَرِضَ مَرَضًا مَخُوفًا. قَالَ: " وَدَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ جَمْعِ الْمَالِ وَمُرَاعَاةِ الْعَدْلِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ وَارِثٌ لَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَأَصْحَابُهُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَفِي الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْوَرَثَةِ، فَإِنَّ صِلَةَ الْقَرِيبِ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَبْعَدِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُثَابُ عَلَى عَمَلِهِ بِنِيَّتِهِ، وَأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْعِيَالِ يُثَابُ عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ الْمُبَاحَ إِذَا قَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ صَارَ طَاعَةً، فَإِنَّ زَوْجَةَ الْإِنْسَانِ مَنْ أَحَظِّ حُظُوظِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَشَهَوَاتِهَا وَمَلَاذِّهَا الْمُبَاحَةِ، وَوَضْعُ اللُّقْمَةِ فِي فِيهَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْعَادَةِ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ وَالْمُلَاطَفَةِ، وَهِيَ أَبْعَدُ الْأَشْيَاءِ عَنِ الطَّاعَةِ وَأُمُورِ الْآخِرَةِ، وَمَعَ هَذَا فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ إِذَا قَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى حَصَلَ لَهُ الْأَجْرُ، فَغَيْرُ هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْلَى بِحُصُولِ الْأَجْرِ اه. وَقَوْلُهُ: (أَبْعَدُ الْأَشْيَاءِ عَنِ الطَّاعَةِ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالطَّاعَةِ الْعِبَادَةَ، وَإِلَّا فَالطَّاعَةُ الْمُقَابَلَةُ بِالْمَعْصِيَةِ لَا يَصِحُّ إِيرَادُهَا هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ.
стр. 4312
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٠٧٢ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَرِيضٌ، فَقَالَ: أَوْصَيْتَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " بِكَمْ ": قُلْتُ بِمَالِي كُلِّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: " فَمَا تَرَكْتَ لِوَلَدِكَ؟ " قُلْتُ: هُمْ أَغْنِيَاءُ بِخَيْرٍ. فَقَالَ: " أَوْصِ بِالْعُشْرِ " فَمَا زِلْتُ أُنَاقِصُهُ، حَتَّى قَالَ: " أَوْصِ بِالثُّلُثِ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٠٧٢ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » -) أَيْ زَارَنِي، فَفِيهِ تَجْرِيدٌ لِقَوْلِهِ (وَأَنَا مَرِيضٌ) حَالٌ (فَقَالَ: " أَوْصَيْتَ ") أَيْ أَرَدْتَ الْوَصِيَّةَ ( «قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " بِكَمْ "؟ قُلْتُ: بِمَالِي كُلِّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: " فَمَا تَرَكْتَ لِوَلَدِكَ؟» ) بِفَتْحَتَيْنِ وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ يُطْلَقُ عَلَى الْبِنْتِ لِمَا تَقَدَّمَ. (قُلْتُ: هُمْ) فِيهِ تَغْلِيبٌ لِلْعَصَبَةِ عَلَى الْبِنْتِ (أَغْنِيَاءُ) أَيْ بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ لَا الْجَمِيعِ فَلَا يُنَافِي مَا سَبَقَ (بِخَيْرٍ) ، أَيْ بِمَالٍ وَهُوَ خَبَرٌ ثَانٍ أَوْ صِفَةٌ، أَيْ: مُلْتَبَسُونَ بِخَيْرٍ (فَقَالَ: " أَوْصِ بِالْعُشُرِ ") بِالضَّمِّ وَيُسْكَنُ (فَمَا زِلْتُ أُنَاقِصُهُ) بِالصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُعْجَمَةِ (حَتَّى قَالَ: " «أَوْصِ بِالثُّلُثِ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» ") قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " أَيْ قَالَ سَعْدٌ: فَمَا زِلْتُ أُنَاقِضُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الْمُنَاقَضَةِ أَيْ: يَنْقُضُ ﵊ قَوْلِي، وَأَنْقُضُ قَوْلَهُ، أَرَادَ بِهِ الْمُرَاجَعَةَ حِرْصًا عَلَى الزِّيَادَةِ، وَرُوِيَ بِالصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ مِنَ النُّقْصَانِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " أَيْ لَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ فِي النُّقْصَانِ أَيْ أَعُدُّ مَا ذَكَرَ نَاقِصًا حَتَّى قَالَ بِالثُّلُثِ، وَلَوْ رُوِيَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ لَكَانَ مِنَ الْمُنَاقَضَةِ ". فِي النِّهَايَةِ: " فِي حَدِيثِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ فَنَاقَضَنِي وَنَاقَضْتُهُ أَيْ يَنْقُضُ قَوْلِي وَأَنْقُضُ قَوْلَهُ مِنْ نَقَضِ الْبِنَاءِ، وَأَرَادَ بِهِ الْمُرَاجَعَةَ وَالْمُرَادَّةَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَتَقَدَّمَ مَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: «إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ» .
стр. 4313
٣٠٧٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: إِنِ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: " «الْوَلَدُ لِلْفَرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» ".
ــ
٣٠٧٣ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ» ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَيُكْسَرُ ( «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» ) أَيْ: بَيَّنَ لَهُ حَظَّهُ وَنَصِيبَهُ الَّذِي فُرِضَ لَهُ ( «فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ) قَالَ الْمُظْهِرُ: كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْأَقَارِبِ فَرْضًا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمِيرَاثِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ فَإِنْ أَوْصَى وَأَجَازَ بَاقِي الْوَرَثَةِ صَحَّتْ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: «الْوَلَدُ لِلْفَرَاشِ» ) بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ: لِلْأُمِّ، فِي النِّهَايَةِ: وَتُسَمَّى الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لِأَنَّ الرَّجُلَ يَفْتَرِشُهَا. أَيْ: الْوَلَدُ مَنْسُوبٌ إِلَى صَاحِبِ الْفِرَاشِ، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجًا أَوْ سَيِّدًا، أَوْ وَاطِئَ شُبْهَةٍ، وَلَيْسَ لِلزَّانِي فِي نِسْبَةِ حَظٍّ إِنَّمَا الَّذِي جُعِلَ لَهُ مِنْ فِعْلِهِ اسْتِحْقَاقَ الْحَدِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ( «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ لَهُ الْخَيْبَةَ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: لَهُ التُّرَابُ، وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَى الرَّجْمِ فَقَدْ أَخْطَأَ لِأَنَّ الرَّجْمَ لَا يَشْرَعُ فِي سَائِرِهِ، وَكُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا نَصِيبَ لِأَحَدٍ بَعْدَمَا بَيَّنَ اللَّهُ الْأَنْصِبَاءَ إِلَّا لِلْأَجْنَبِيِّ فَلَا حَظَّ لِلْأَوَّلِ فَكَيْفَ بِالثَّانِي؟ ، وَكَانَ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ: لَا حَقَّ لِلْعَاهِرِ ثُمَّ لَهُ التُّرَابُ، فَوَضَعَ الْحَجَرَ مَوْضِعَهُ لِيَدُلَّ بِإِشَارَةِ النَّصِّ عَلَى الْحَدِّ وَبِعِبَارَتِهِ عَلَى الْخَيْبَةِ، فَكَانَ أَجْمَعُ مِنْ لَوْ قِيلَ التُّرَابُ. (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي نَحْنُ نُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى الزُّنَاةِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُمْ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُمْ، هَذَا مَفْهُومُ الْحَدِيثِ. وَقَدْ جَاءَ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا لَا يُعَذَّبُ بِذَلِكَ الذَّنْبِ فِي الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُثْنِيَ الْعُقُوبَةَ عَلَى مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَنْ زَنَى أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ وَلَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: وَنَحْنُ نُجْرِي أَحْكَامَ الشَّرْعِ بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهِ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ، فَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَجَزَاؤُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، أَوْ بَقِيَّةُ مُحَاسَبَتِهِمْ وَمُجَازَاتِهِمْ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى ذَلِكَ بِالذَّنْبِ وَمُبَاشَرَةِ سَائِرِ الذُّنُوبِ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " الضَّمِيرُ فِي حِسَابِهِمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى الْعَاهِرِ بِحَسَبِ الْجِنْسِيَّةِ جَازَ إِذَا أُرِيدَ بِالْحَجَرِ الْحَدَّ، وَإِذَا أُرِيدَ مُجَرَّدُ الْحِرْمَانِ فَلَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ الْحَدِيثِ مِنَ الْوَرَثَةِ وَالْعَاهِرِ، وَكَانَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي قَسَّمَ أَنْصِبَاءَ الْوَرَثَةِ بِنَفْسِهِ فَأَعْطَى بَعْضَنَا الْكَثِيرَ وَبَعْضَنَا الْقَلِيلَ، وَحَجَبَ الْبَعْضَ وَحَرَمَ الْبَعْضَ، وَلَا يُعْرَفُ حِسَابُ ذَلِكَ وَحِكْمَتُهُ إِلَّا هُوَ، فَلَا تُبَدِّلُوا النَّصَّ بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ وَلِلْعَاهِرِ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ أَعْطَى، وَعَلَى الْأَوَّلِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَقِرِّ فِي الْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ: " «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» ". وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ: " «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵀ تَعَالَى، وَقَدْ عُدَّ مِنَ الْمُتَوَاتِرِ.
стр. 4314
٣٠٧٤ - وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ» . مُنْقَطِعٌ، هَذَا لَفْظُ الْمَصَابِيحِ. وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: قَالَ: «لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ» .
ــ
٣٠٧٤ - (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ» ) بِتَذْكِيرِ الْفِعْلِ وَتَأْنِيثِهِ أَيْ: وَيُرِيدُوهَا وَيُجِيزُوهَا (مُنْقَطِعٌ) أَيْ: هَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْمُنْقَطِعُ هُوَ الْإِسْنَادُ الَّذِي فِيهِ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى التَّابِعِيِّ رَاوٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الَّذِي فَوْقَهُ، وَالسَّاقِطُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مَذْكُورٍ، وَمِنْهُ الْإِسْنَادُ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ بَعْضَ الرُّوَاةِ بِلَفْظٍ مُبْهَمٍ نَحْوَ رَجُلٍ أَوْ شَيْخٍ أَوْ غَيْرِهِمَا اه. لِأَنَّ الْمَجْهُولَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (هَذَا) أَيْ: الَّذِي ذَكَرَ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ لَفْظَ الْمَصَابِيحِ. وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ قَالَ: لَا يَجُوزُ) بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ أَيْ: لَا يَصِحُّ (وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ) قُلْتُ: رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» أَيْضًا عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
стр. 4315
٣٠٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةَ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ، فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ، فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ» . ثُمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٠٧٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ» ) أَيْ لَيَعْبُدُ اللَّهَ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ (وَالْمَرْأَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ إِنَّ وَخَبَرُ الْمَعْطُوفِ مَحْذُوفٌ بِدَلَالَةِ خَبَرِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَخَبَرُهُ كَذَلِكَ، وَقَدْ تَنَازَعَ فِي قَوْلِهِ: (بِطَاعَةِ اللَّهِ) الْمَحْذُوفُ وَالْمَذْكُورُ (سِتِّينَ سَنَةً) أَيْ مَثَلًا أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّكْثِيرُ ( «ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ» ) أَيْ: عَلَامَتُهُ ( «فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ» ) مِنَ الْمُضَارَّةِ أَيْ: يُوصِلَانِ الضَّرَرَ إِلَى الْوَارِثِ بِسَبَبِ الْوَصِيَّةِ لِلْأَجْنَبِيِّ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، أَوْ بِأَنْ يَهَبَ جَمِيعَ مَالِهِ لِوَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ كَيْلَا يَرِثَ وَارِثٌ آخَرُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا، فَهَذَا مَكْرُوهٌ وَفِرَارٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِيهِ: أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِمَا ضَرَرٌ لِأَحَدٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ فَيَقْصِدَانِ الضَّرَرَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ يُوصِي لِغَيْرِ أَهْلِ الْوَصِيَّةِ أَوْ يُوصِي بِعَدَمِ إِمْضَاءِ مَا أَوْصَى بِهِ حَقًّا بِأَنْ نَدَمَ مِنْ وَصِيَّتِهِ أَوْ يَنْقُضُ بَعْضَ الْوَصِيَّةِ ( «فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ» ) أَيْ: ذَهَبَتْ وَالْمَعْنَى يَسْتَحِقَّانِ الْعُقُوبَةَ، وَلَكِنَّهُمَا تَحْتَ الْمَشِيئَةِ (ثُمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ) أَيْ: اسْتِشْهَادًا وَاعْتِضَادًا ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [النساء: ١٢] مُتَعَلِّقٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ ﴿يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] بِبِنَاءِ الْمَعْلُومِ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] أَيْ: غَيْرَ مُوصِلِ الضَّرَرِ إِلَى وَرَثَتِهِ بِسَبَبِ الْوَصِيَّةِ فَغَيْرُ حَالٍ مِنْ فَاعِلِ يُوصِي، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ وَهِيَ قِرَاءَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ: يُوصِي مَجْهُولًا فَهُوَ حَالٌ عَنْ يُوصَى مُقَدَّرٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لِوَصِيٍّ عُلِمَ أَنَّ ثَمَّ مُوصِيًا (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] يَعْنِي وَصِيَّةً. مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [النساء: ١٣] إِلَى آخَرِ الْآيَةِ، وَالشَّاهِدُ إِنَّمَا هُوَ الْآيَةُ الْأُولَى، وَإِنَّمَا قَرَأَ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ لِأَنَّهَا تُؤَكِّدُ الْأُولَى، وَكَذَا مَا بَعْدَهَا مِنَ الثَّالِثَةِ، وَكَأَنَّهُ اكْتَفَى بِالثَّانِيَةِ عَنِ الثَّالِثَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4316
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٠٧٦ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ مَاتَ عَلَى وَصِيَّةٍ مَاتَ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ، وَمَاتَ عَلَى تُقًى وَشَهَادَةٍ، وَمَاتَ مَغْفُورًا لَهُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٠٧٦ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ مَاتَ عَلَى وَصِيَّةٍ مَاتَ عَلَى سَبِيلٍ» ") أَيْ: طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ وَدَلِيلٍ قَوِيمٍ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَأُبْهِمُهُ لِيَدُلَّ عَلَى ضَرْبٍ بَلِيغٍ مِنَ الْفَخَامَةِ أَيْ: عَلَى سَبِيلٍ أَيِّ سَبِيلٍ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَسُّنَةٍ) أَيْ: طَرِيقَةٍ أَوْ سُّنَةٍ حَسَنَةٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " وَالتَّنَكُّرُ لِلتَّكْثِيرِ وَلِكَوْنِهِ تَفْسِيرًا لَمْ يَعُدِ الْجَارَّ " ( «وَمَاتَ عَلَى تُقًى» ) بِضَمِّ التَّاءِ وَالتَّنْوِينِ عَلَى وَزْنِ هُدًى أَيْ: عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ مِنِ امْتِثَالِ الطَّاعَةِ وَاجْتِنَابِ الْمَعْصِيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ خَاتِمَتِهِ عِلْمًا وَعَمَلًا (وَشَهَادَةٍ) أَيْ: حُكْمِيَّةٍ أَوْ عَلَى حُضُورٍ مَعَ اللَّهِ وَغَيْبَةٍ عَمَّا سِوَاهُ ( «وَمَاتَ مَغْفُورًا لَهُ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " كَرَّرَ الْمَوْتَ وَأَعَادَهُ لِيُفِيدَ اسْتِقْلَالَ صِفَةِ التَّقْوَى وَالشَّهَادَةِ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالْغُفْرَانِ تَرَقِّيًا لِأَنَّ الْغُفْرَانَ غَايَةُ الْمَطْلَبِ وَغَايَةُ الْمَقْصِدِ، وَمِنْ ثَمَّ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ قَبْلَ إِتْمَامِ النِّعْمَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] وَإِنَّمَا لَمْ يَعُدِ الْجَارُ فِي الْقَرِينَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الْحَالَاتِ السَّابِقَةَ هَيْئَاتٌ صَادِرَةٌ عَنِ الْعَبْدِ وَالْأَخِيرَةُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الْوَجْهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4317
٣٠٧٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ خَمْسِينَ رَقَبَةً، فَأَرَادَ ابْنُهُ عَمْرٌو أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ، قَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ، وَإِنَّ هِشَامًا أَعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ، وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ رَقَبَةً، أَفَأَعْتِقُ عَنْهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتَهُمْ عَنْهُ أَوْ تَصَدَّقْتَمْ عَنْهُ أَوْ حَجَجْتَمْ عَنْهُ، بَلَغَهُ ذَلِكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٠٧٧ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) أَيْ: عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (أَنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ: يَعْنِي أَبَاهُ وَهُوَ سَهْمِيٌّ قُرَشِيٌّ، أَدْرَكَ زَمَنَ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُسْلِمْ. ( «أَوْصَى بِأَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ» ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يَعْتِقُ وَرَثَتُهُ عَنْ قِبَلِهِ وَمِنْ أَجْلِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِائَةَ عَبْدٍ أَوْ جَارِيَةٍ ( «فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ» ) كَانَ قَدِيمَ الْإِسْلَامِ، أَسْلَمَ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ حِينَ بَلَغَهُ مُهَاجِرَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَحَبَسَهُ أَبُوهُ وَقَوْمُهُ بِمَكَّةَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، كَانَ حَبْرًا فَاضِلًا، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أَخِيهِ، وَقُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (خَمْسِينَ رَقَبَةً، فَأَرَادَ ابْنُ عَمْرٍو) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: " أَسْلَمَ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ، قَدِمَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، فَأَسْلَمُوا جَمِيعًا، وَوَلَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عُمَانَ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَمِلَ لِعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ، وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَ مِصْرَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَمْ يَزَلْ عَامِلًا لَهُ عَلَيْهَا إِلَى آخَرَ وَفَاتَهُ، وَأَقَرَّهُ عُثْمَانُ عَلَيْهَا نَحَوَا مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ وَعَزَلَهُ، ثُمَّ أَقْطَعَهُ إِيَّاهَا مُعَاوِيَةُ لَمَّا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ، فَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَلَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَوَلِيَ مِصْرَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ عَزَلَهُ مُعَاوِيَةُ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ عُمَرَ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَصَدَ (أَنْ يَحِيقَ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِيهِ (الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ قَالَ) يْ: فِي نَفْسِهِ أَوْ لِأَخِيهِ أَوْ لِأَصْحَابِهِ (حَتَّى) أَيْ: لَا أُعْتِقُ حَتَّى (أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: مِنْ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ فَأُعْتِقَ عَنْهُ أَمْ لَا؟ ( «فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي أَوْصَى أَنْ يُعْتِقَ عَنْ مِائَةِ رَقَبَةٍ، وَإِنَّ هِشَامًا أَعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ» ) أَيْ: رَقَبَةٌ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى وَصِيَّتِهِ (خَمْسُونَ رَقَبَةً، أَفَاعْتِقَ عَنْهُ) أَيْ: أَتُجِيزُهُ فَأُعْتِقَ؟ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّهُ ") يَعْنِي لَا. فَاكْتَفَى بِالدَّلِيلِ عَلَى الْمَدْلُولِ أَيْ بِدَلِيلِ إِنَّهُ ( «لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأُعْتِقُ عَنْهُ» ) أَيْ: أَيْهَا الْوَرَثَةُ أَوْ أَيْهَا الْمُؤْمِنُونَ، فَالْعُدُولُ عَنِ الْمُفْرَدِ إِلَى الْجَمْعِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ ( «أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ، بَلَغَهُ ذَلِكَ» ) أَيْ: وَحَيْثُ لَمْ يُسْلِمُ لَمْ يَبْلُغْهُ ثَوَابُهُ لِفَقْدِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، لَكِنَّ الْإِعْتَاقَ يَرْجِعُ ثَوَابُهُ إِلَى مَنْ أَعْتَقَ عَنْهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَهَذِهِ النُّكْتَةُ بَاعِثَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ " لَا " فِي الْجَوَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 4318
٣٠٧٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَطَعَ مِيرَاثَ وَارِثِهِ، قَطَعَ اللَّهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٠٧٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ قَطَعَ مِيرَاثَ وَارِثِهِ، قَطَعَ اللَّهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ» ") قَالَ الرَّاغِبُ: الْوِرَاثَةُ انْتِقَالُ قِنْيَةٍ إِلَيْكَ عَنْ غَيْرِكَ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ الْمُنْتَقِلِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَيُقَالَ لِكُلِّ مَنْ حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ فَقَدْ وَرِثَ كَذَا، وَيُقَالَ لِمَنْ خَوَّلَ شَيْئًا مِنْهَا أُورِثَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الزخرف: ٧٢] (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: تَخْصِيصُ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ وَقَطْعِهِ مِيرَاثِ الْجَنَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَزِيدِ الْخَيْبَةِ وَالْخُسْرَانِ، وَوَجْهُ الْمُنَاسِبَةِ أَنَّ الْوَارِثَ كَمَا انْتَظَرَ فَتَرَقَّبَ وُصُولَ الْمِيرَاثِ مِنْ مُورِثِهِ فِي الْعَاقِبَةِ فَقَطَعَهُ كَذَلِكَ يُخَيِّبُ اللَّهُ تَعَالَى آمَالَهُ عِنْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا وَالْفَوْزِ بِهَا اه. وَخَتَمَ اللَّهُ لَنَا بِالْحُسْنَى وَبَلَّغْنَا الْمَقَامَ الْأَسْنَى. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) أَيْ: عَنْهُ.
стр. 4319
٣٠٧٩ - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
ــ
٣٠٧٩ - (وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) .
стр. 4320
[كِتَابُ النِّكَاحِ]
стр. 4321
كِتَابُ النِّكَاحِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٠٨٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(١٢) - كِتَابُ النِّكَاحِ
قِيلَ: هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْعَقْدِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ، وَقِيلَ: وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَوْ يَخَافُ الْوُقُوعَ فِي الْحَرَامِ. وَفِي النِّهَايَةِ: " إِنْ كَانَ لَهُ خَوْفُ وُقُوعِ الزِّنَا بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّحَرُّزِ إِلَّا بِهِ كَانَ فَرْضًا، وَعِنْدَ خَوْفِ الْجَوْرِ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الِاعْتِدَالِ فَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ مِنْ أَهْلَ الظَّاهِرِ، عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْقَادِرِ عَلَى الْوَطْءِ وَالْإِنْفَاقِ، تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْعِبَادَاتِ حَتَّى أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي عَنْهُ لِمَحْضِ الْعِبَادَةِ، وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ مُبَاحٌ وَأَنَّ التَّجَرُّدَ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ وَحَقِيقَةُ الْفَضْلِ تَنْفِي كَوْنَهُ مُبَاحًا إِذْ لَا فَضْلَ فِي الْمُبَاحِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ اقْتَرَنَ بِنِيَّةٍ كَانَ ذَا فَضْلٍ، وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ أَدِلَّةٌ وَأَجْوِبَةٌ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْإِمَامِ ابْنِ الْهُمَامِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " إِنْ وَجَدَ الْمُؤَنَ وَالْأَسْبَابَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ وَلَوْ تَاقَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، ثُمَّ الْأَوْلَى لَهُ تَرْكُ النِّكَاحِ وَالتَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ: أَنَّ النِّكَاحَ لَهُ أَفْضَلُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَيُكْرَهُ لَهُ النِّكَاحُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٠٨٠ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ» ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ شَابٍّ، وَهُوَ مَنْ بَلَغَ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ ثَلَاثِينَ، وَالْمَعْشَرُ هُمُ الطَّائِفَةُ الَّذِينَ يَشْمَلُهُمْ وَصْفٌ كَالشَّبَابِ وَالشَّيْخُوخَةِ وَالْبُنُوَّةِ ( «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ» ) بِالْمَدِّ وَالْهَاءِ، وَهِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الشَّهِيرَةُ الصَّحِيحَةُ، وَالثَّانِيَةُ بِلَا مَدٍّ، وَالثَّالِثُ بِالْمَدِّ بِلَا هَاءٍ، وَالرَّابِعَةُ بِهَاءَيْنِ بِلَا مَدٍّ، وَهِيَ الْبَاهَةُ. وَمَعْنَاهَا الْجِمَاعُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَاهِ الْمُنْزَّلِ، ثُمَّ قِيلَ لِعَقْدِ النِّكَاحِ بَاهٌ، لِأَنَّ مَنْ تَزَوُّجَ امْرَأَةً بَوَّأَهَا مَنْزِلًا، وَفِيهِ حَذْفٌ مُضَافٌ أَيْ: مُؤْنَةُ الْبَاءَةِ مِنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : " وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ " عَطْفٌ عَلَى " مَنِ اسْتَطَاعَ " وَلَوْ حَمَلَ الْبَاءَةَ عَلَى الْجِمَاعِ لَمْ يَسْتَقِمْ قَوْلُهُ: قَالَ الصَّوْمُ لَهُ وِجَاءٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَالَ لِلْعَاجِزِ هَذَا، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا قِيلَ: أَيْهَا الْقَادِرُ الْمُتَمَكِّنُ مِنَ الشَّهْوَةِ إِنْ حَصَلَتْ لَكَ مُؤَنُ النِّكَاحِ تَزَوَّجْ وَإِلَّا فَصُمْ، وَلِهَذَا السِّرِّ خَصَّ النِّدَاءَ بِالشُّبَّانِ (فَلْيَتَزَوَّجْ) قِيلَ: الْأَمْرُ فِيهِ لِلْوُجُوبِ، لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ التَّوَقَانِ بِإِشَارَةِ قَوْلِهِ: " يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ " فَإِنَّهُمْ ذُو التَّوَقَانِ عَلَى الْجِبِلَّةِ السَّلِيمَةِ (فَإِنَّهُ) أَيْ: التَّزَوُّجَ (أَغَضُّ لِلْبَصَرِ) أَيْ: أَخْفَضُ وَأَدْفَعُ لِعَيْنِ الْمُتَزَوِّجِ عَنِ الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَضِّ طَرْفِهِ أَيْ: خَفْضِهِ وَكَفِّهِ (وَأَحْصَنُ) أَيْ: أَحْفَظُ (لِلْفَرْجِ) أَيْ: عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أَيْ: مُؤَنُ الْبَاءَةِ ( «فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» ) قِيلَ: هُوَ مِنْ إِغْرَاءِ الْغَائِبِ، وَبِتَقْدِيمِ قَوْلِهِ: " «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ» " صَارَ كَالْحَاضِرِ، وَقِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ: فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَالْحَدِيثُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ لَا الْأَمْرِ، وَقِيلَ: مِنْ إِغْرَاءِ الْمُخَاطَبِ أَيْ أَشِيرُوا عَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، (فَإِنَّهُ) أَيْ: الصَّوْمُ (لَهُ) أَيْ: لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْجِمَاعِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّزَوُّجِ لِفَقْرِهِ (وِجَاءٌ) بِالْكَسْرِ بِالْمَدِّ أَيْ: كَسْرٌ لِشَهْوَتِهِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ رَضُّ الْخُصْيَتَيْنِ وَدَقُّهُمَا لِتَضْعُفَ الْفُحُولَةُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّوْمَ يَقْطَعُ الشَّهْوَةَ وَيَدْفَعُ شَرَّ الْمَنِيِ كَالْوِجَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: فَعَلَيْهِ بِالْجُوعِ، وَقِلَّةِ مَا يَزِيدُ فِي الشَّهْوَةِ وَطُغْيَانِ الْمَاءِ مِنَ الطَّعَامِ، فَعَدَلَ إِلَى الصَّوْمِ إِذْ مَا جَاءَ بِمَعْنَى عِبَادَةٍ هِيَ بِرَأْسِهَا مَطْلُوبَةٌ، وَلِيُؤْذَنَ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ نَفْسِ الصَّوْمِ الْجُوعُ وَكَسْرُ الشَّهْوَةِ، وَكَمْ مِنْ صَائِمٍ يَمْتَلِئُ مِعًى اه. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ فِيهِ هَذَا السِّرُّ وَالنَّفْعُ لِهَذَا الْمَرَضِ، وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ كَثِيرًا إِذَا كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلِأَنَّ الْجُوعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَالشِّبَعَ فِي بَعْضِهَا لَيْسَ كَالشِّبَعِ الْمُسْتَمِرِّ فِي تَقْوِيَةِ الْجِمَاعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4322
٣٠٨١ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٠٨١ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ» ) أَيْ: الِانْقِطَاعَ عَنِ النِّسَاءِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ شَرِيعَةِ النَّصَارَى، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ أُمَّتَهُ ; لِيَكْثُرَ النَّسْلُ وَيَدُومَ الْجِهَادُ. قَالَ الرَّاوِي: (وَلَوْ أَذِنَ لَهُ) أَيْ: لِعُثْمَانَ فِي ذَلِكَ (لَاخْتَصَيْنَا) أَيْ: لَجَعَلَ كُلٌّ مِنَّا نَفْسَهُ خَصِيًّا كَيْلَا يَحْتَاجَ إِلَى النِّسَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: " كَانَ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ أَذِنَ لَتَبَتَّلْنَا، فَعَدَلَ إِلَى قَوْلِهِ: اخْتَصَيْنَا إِرَادَةً لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ: لَوْ أَذِنَ لَبَالَغْنَا فِي التَّبَتُّلِ حَتَّى بِالِاخْتِصَاءِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " كَانَ ذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُمْ جَوَازُ الِاخْتِصَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الظَّنُّ مُوَافِقًا فَإِنَّ الِاخْتِصَاءَ فِي الْآدَمِيِّ حَرَامٌ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَكَذَا يَحْرُمُ خِصَاءُ كُلِّ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ، وَأَمَّا الْمَأْكُولُ فَيَجُوزُ فِي صِغَرِهِ وَيَحْرُمُ فِي كِبَرِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: " التَّجَرُّدُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] يَمْدَحُ يَحْيَى ﵊ بِعَدَمِ إِتْيَانِ النِّسَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ هَذَا مَعْنَى الْحَصُورِ، وَحِينَئِذٍ فَإِذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ ﵊: " «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ، وَالتَّعَطُّرُ، وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكَاحُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَبِقَوْلِهِ ﵊: " «أَرْبَعٌ مَنْ أُعْطِيَهُنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَبَدَنًا عَلَى الْبَلَاءِ صَابِرًا، وَزَوْجَةً لَا تَبْغِيهِ حُوبًا فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَإِسْنَادُ أَحَدِهِمَا جَيِّدٌ، لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْجَوَابِ: لَا أُنْكِرُ الْفَضِيلَةَ مَعَ حُسْنِ النِّيَّةِ وَإِنَّمَا أَقُولُ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ فَالْأَوْلَى فِي حَوَابِهِ التَّمَسُّكُ بِحَالِهِ ﵊، وَرَدُّهُ عَلَى مَنْ أَرَادَ مِنْ أَمَّتِهِ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَيْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزْوَاجَهُ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ: بَعْضُهُمْ لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ: بَعْضُهُمْ لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: " مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا، لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» " فَرَدَّ هَذَا الْحَالَ رَدًّا مُؤَكَّدًا حَتَّى تَبَرَّأَ مِنْهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَفْضَلِيَّةُ فِي الِاتِّبَاعِ لَا فِيمَا تُخَيَّلُ النَّفْسُ أَنَّهُ أَفْضَلُ نَظَرًا إِلَى ظَاهِرِ عِبَادَةٍ وَتَوَّجُهٍ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ يَرْضَى لِأَشْرَفِ أَنْبِيَائِهِ إِلَّا بِأَشْرَفِ الْأَحْوَالِ وَكَانَ حَالُهُ إِلَى الْوَفَاةِ النِّكَاحَ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُقِرَّهُ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ، وَحَالُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ أَفْضَلَ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ نُسِخَتِ الرَّهْبَانِيَّةُ فِي مِلَّتِنَا، وَلَوْ تَعَارَضَا قُدِّمَ التَّمَسُّكُ بِحَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: تَزَوَّجُوا فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءًا، وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ مِنْ تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَتَوْسِعَةِ الْبَاطِنِ بِالتَّحَمُّلِ فِي مُعَاشَرَةِ أَبْنَاءِ النَّوْعِ وَتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحَ الْمُسْلِمِ الْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ، وَإِعْفَافِ الْحُرُمِ وَنَفْسِهِ وَدَفْعِ الْفِتْنَةِ عَنْهُ وَعَنْهُنَّ، وَدَفْعِ التَّقْتِيرِ عَنْهُنَّ بِحَبْسِهِنَّ لِكِفَايَتِهِنَّ مُؤْنَةَ سَبَبِ الْخُرُوجِ ثُمَّ الِاشْتِغَالُ بِتَأْدِيبِ النَّفْسِ وَتَأْهِيلِهِ لِلْعُبُودِيَّةِ، وَلِتَكُونَ هِيَ أَيْضًا سَبَبًا لِتَأْهِيلِ غَيْرِهَا وَأَمْرِهَا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْفَرَائِضَ كَثِيرَةٌ لَمْ يَكَدْ يَقِفُ عَلَى الْجَزْمِ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي بِخِلَافِ مَا إِذَا عَارَضَهُ خَوْفُ الْجَوْرِ إِذِ الْكَلَامُ لَيْسَ فِيهِ، بَلْ فِي الِاعْتِدَالِ مَعَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَذَكَرْنَا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ نِيَّةٌ كَانَ مُبَاحًا عِنْدَهُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ حِينَئِذٍ مُجَرَّدُ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَمَبْنَى الْعِبَادَةِ عَلَى خِلَافِهِ، وَأَقُولُ: بَلْ فِيهِ فَضَلٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَضَائِهَا بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ، فَالْعُدُولُ إِلَيْهِ مَعَ مَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَثْقَالًا فِيهِ قَصْدُ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ وَعَلَيْهِ يُثَابُ وَوُعِدَ الْعَوْنَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِاسْتِحْسَانِ حَالَتِهِ.
стр. 4323
٣٠٨٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٠٨٢ - (وَعَنْ) أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ» ) أَيْ: لِخِصَالِهَا الْأَرْبَعِ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ (لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا) بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ مَا يَكُونُ فِي الشَّخْصِ وَآبَائِهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِسَابِ، لِأَنَّهُمْ إِذَا تَفَاخَرُوا عَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنَاقِبَهُ وَمَآثِرَ آبَائِهِ (وَلِجَمَالِهَا) أَيْ: لِصُورَتِهَا (وَلِدِينِهَا) أَيْ: سِيرَتِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " لِمَالِهَا إِلَخْ بَدَلٌ مِنْ أَرْبَعٍ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ، وَقَدْ جَاءَتِ اللَّامُ مُكَرَّرًا فِي الْخِصَالِ الْأَرْبَعِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ اللَّامُ فِي جَمَالِهَا اه. وَمَا فِي الْكِتَابِ مُوَافِقٌ لِمُسْلِمٍ ( «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ» ) أَيْ: فُزْ بِنِكَاحِهَا. قَالَ الْقَاضِي ﵀: " مِنْ عَادَةِ النَّاسِ أَنْ يَرْغَبُوا فِي النِّسَاءِ وَيَخْتَارُوهَا لِإِحْدَى أَرْبَعٍ خِصَالٍ عَدَّهَا، وَاللَّائِقُ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَأَرْبَابِ الدِّيَانَاتِ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ مِنْ مَطْمَحِ نَظَرِهِمْ فِيمَا يَأْتُونَ وَيَذْرُونَ، لَا سِيَّمَا فِيمَا يَدُومُ أَمْرُهُ وَيَعْظُمُ خَطَرُهُ. ( «تَرِبَتْ يَدَاكَ» ) يُقَالَ: تَرِبَ الرَّجُلُ أَيْ: افْتَقَرَ كَأَنَّهُ قَالَ: تَلْتَصِقُ بِالتُّرَابِ، وَلَا يُرَادُ بِهِ هَاهُنَا الدُّعَاءُ، بَلِ الْحَثُّ عَلَى الْجِدِّ وَالتَّشْمِيرِ فِي طَلَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ. قِيلَ: مَعْنَاهُ صِرْتَ مَحْرُومًا مِنَ الْخَيْرِ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ، وَتَعَدَّيْتَ ذَاتِ الدِّينِ إِلَى ذَاتِ الْجَمَالِ وَغَيْرِهَا، وَأَرَادَ بِالدِّينِ الْإِسْلَامَ وَالتَّقْوَى، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُرَاعَاةِ الْكَفَاءَةِ، وَأَنَّ الدِّينَ أَوْلَى مَا اعْتُبِرَ فِيهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا لَمْ يَتَزَوَّجِ الْمَرْأَةَ إِلَّا لِعِزِّهَا أَوْ مَالِهَا أَوْ حَسَبِهَا، فَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا قَالَ ﷺ : ( «مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِعِزِّهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا ذُلًّا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا فَقْرًا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا دَنَاءَةً، وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يُرِدْ بِهَا إِلَّا أَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ وَيُحْصِنَ فَرْجَهُ أَوْ يَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا وَبَارَكَ لَهَا فِيهِ» ) . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ. وَقَالَ ﷺ : " «لَا تَتَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلَا تَتَزَوَّجُوهُنَّ لِمَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِينَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلَأَمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَالْخَرْمَاءُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَا قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا أَوْ مِنْ أَنْفِهَا شَيْءٌ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى الْحَسَنِ وَقَالَ: إِنْ لِي بِنْتًا وَقَدْ خَطَبَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ، فَمَنْ تُشِيرُ عَلَيَّ أَنْ أُزَوِّجَهَا؟ قَالَ: زَوِّجْهَا رَجُلًا يَتَّقِي اللَّهَ، فَإِنَّهُ إِنْ أَحَبَّهَا أَكْرَمَهَا، وَإِنْ أَبْغَضَهَا لَمْ يَظْلِمْهَا.
стр. 4324
٣٠٨٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٠٨٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ» ) أَيْ: تَمَتُّعٌ قَلِيلٌ نَفْعٌ زَائِلٌ عَنْ قَرِيبٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] وَقَالَ ﵊ «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى الْكَافِرَ مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» ". ( «وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا» ) أَيْ: خَيْرُ مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا ( «الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» ) لِأَنَّهَا مُعِينَةٌ عَلَى أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَلِذَا فَسَّرَ عَلِيُّ ﵁ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] بِالْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] بِالْحُورِ الْعِينِ ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] بِالْمَرْأَةِ السَّلِيطَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَقَيْدُ الصَّالِحَةِ إِيذَانٌ بِأَنَّهَا شَرٌّ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 4325
٣٠٨٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٠٨٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ» ": مُبْتَدَأٌ وَصِفَةٌ وَالْمُرَادُ نِسَاءُ الْعَرَبِ، لِأَنَّ رُكُوبَ الْإِبِلِ مُخْتَصٌّ بِهِنَّ، فَلَا يَشْكُلُ بِبِنْتِ عِمْرَانَ أَوِ التَّقْدِيرُ: مِنْ خَيْرِ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ ( «صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ» ) خَبَرُ خَيْرٍ وَتَذْكِيرُهُ إِجْرَاءٌ عَلَى لَفْظِهِ (أَحْنَاهُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَفْعَلُ مِنَ الْحُنُوِّ بِمَعْنَى الشَّفَقَةِ وَالْعَطْفِ اسْتِئْنَافُ جَوَابٍ لِمَا يُقَالَ مَا سَبَبُ كَوْنِهِنَّ خَيْرًا. أَيْ: أَعْطَفَ وَأَشْفَقَ جِنْسِ النِّسَاءِ، وَحَّدَ الضَّمِيرَ ذِهَابًا إِلَى الْمَعْنَى أَيْ أَحَقُّ مِنْ خَلْقٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ عَلَى تَأْوِيلِ أَحَنَى هَذَا الصِّنْفِ أَوْ مَنْ يَرْكَبُ الْإِبِلَ أَوْ يَتَزَوَّجُ وَنَحْوَهَا، ثُمَّ قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، فَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إِلَى التَّكَلُّفِ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي أَحْنَاهُ عَائِدٌ إِلَى الْمُضَافِ اه.
وَكَانَ فِي أَصْلِهِ لَفْظٌ صَالِحٌ كَانَ مَتْرُوكًا وَإِلَّا فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ وَسَائِرِ الْأُصُولِ، وَلَعَلَّهُ سَاقِطٌ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ) تَنْكِيرٌ يُفِيدُ أَنَّهَا تَحْنُو عَلَى أَيْ وَلَدٍ كَانَ وَلَوْ وَلَدِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَفِي وَصْفِ الْوَلَدِ بِالصِّغَرِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ حُنُوَّهَا مُعَلَّلٌ بِالصِّغَرِ، وَأَنَّ الصِّغَرَ هُوَ الْبَاعِثُ عَلَى الشَّفَقَةِ فَأَيْنَمَا وُجِدَ هَذَا الْوَصْفُ وُجِدَ حُنُوُّهُنَّ. قِيلَ: الْحَانِيَةُ مَنْ تَقُومُ عَلَى وَلَدِهَا بَعْدَ كَوْنِهِ يَتِيمًا فَلَا تَتَزَوَّجُ وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَتْ بِحَانِيَةٍ (وَأَرْعَاهُ) أَيْ: أَحْفَظُ جِنْسِهِنَّ (عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ) أَيْ: فِي أَمْوَالِهِ الَّتِي فِي يَدِهَا، وَذِكْرُ الضَّمِيرِ إِجْرَاءٌ عَلَى لَفْظِ أَرْعَى، أَوْ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي فِي مِلْكِ الزَّوْجِ وَتَصَرُّفِهِ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ عَمَّا يَمْلِكُ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ أَيْ: أَنَّهُنَّ أَحْفَظُ النِّسَاءِ لِأَمْوَالِ أَزْوَاجِهِنَّ وَأَكْثَرُهُنَّ اعْتِنَاءً بِتَخْفِيفِ الْكَلَفِ عَنْهُمْ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ عَنْ بُضْعٍ هُوَ مِلْكُهُ أَيْ: أَنَّهَا تَحْفَظُ لِزَوْجِهَا فَرْجَهَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ تُمْدَحُ بِأَمَانَتِهَا، وَعَلَى الثَّانِي بِعِفَّتِهَا، وَعَلَيْهِمَا بِكَمَالِ دِيَانَتِهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ.
стр. 4326
٣٠٨٥ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٠٨٥ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا تَرَكْتُ بَعْدِي ") أَيْ: مَا أَتْرُكُ وَعَبَّرَ بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِ الْمَوْتِ (فِتْنَةً) أَيْ: امْتِحَانًا وَبَلِيَّةً ( «أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» ) لِأَنَّ الطِّبَاعَ كَثِيرًا تَمِيلُ إِلَيْهِنَّ وَتَقَعُ فِي الْحَرَامِ لِأَجْلِهِنَّ، وَتَسْعَى لِلْقِتَالِ وَالْعَدَاوَةِ بِسَبَبِهِنَّ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ تُرَغِّبَهُ فِي الدُّنْيَا وَأَيُّ فَسَادٍ آخَرَ مِنْ هَذَا، وَحُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: بَعْدِي، لِأَنَّ كَوْنَهُنَّ فِتْنَةً أَضَرُّ ظَهَرَ بَعْدَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 4327
٣٠٨٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» . " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٠٨٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الدُّنْيَا حُلْوَةٌ» ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ (خَضِرَةٌ) . بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الضَّادِ. وَفِي رِوَايَةٍ: رَطْبَةٌ أَيْ: طَيِّبَةٌ مُزَيَّنَةٌ فِي عُيُونِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ، وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِالْخَضِرَةِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الشَّيْءَ النَّاعِمَ خَضِرًا، أَوْ لِتَشَبُّهِهَا بِالْخُضْرَوَاتِ فِي سُرْعَةِ زَوَالِهَا. ( «وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا» ) أَيْ: جَاعِلُكُمْ خُلَفَاءَ فِي الدُّنْيَا أَيْ: أَنْتُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوُكَلَاءِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى (فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) أَيْ: تَتَصَرَّفُونَ أَوْ مَعْنَاهُ جَاعِلُكُمْ خُلَفَاءَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَقَدْ أَعْطَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ إِيَّاكُمْ فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْتَبِرُونَ بِحَالِهِمْ وَتَتَدَبَّرُونَ فِي مَآلِهِمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " الِاسْتِخْلَافُ إِقَامَةُ الْغَيْرِ مَقَامَ نَفْسِهِ أَيْ: جَعَلَ اللَّهُ الدُّنْيَا مُزَيَّنَةً لَكُمُ ابْتِلَاءً، هَلْ تَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى؟ أَوْ تُسْخِطُونَهُ وَتَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بِغَيْرِ مَا يُحِبُّ وَيَرْضَى؟ ( «فَاتَّقُوا الدُّنْيَا» ) أَيْ: احْذَرُوا مِنَ الِاغْتِرَارِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ، فَإِنَّهَا
стр. 4328
فِي وَشَكِ الزَّوَالِ، وَاقْنَعُوا فِيهَا بِمَا يُعِينُكُمْ عَلَى حُسْنِ الْمَآلِ، فَإِنَّهُ لِحَلَالِهَا حِسَابٌ وَلِحَرَامِهَا عَذَابٌ ( «وَاتَّقَوُا النِّسَاءَ» ) أَيْ: احْذَرُوهُنَّ بِأَنْ تَمِيلُوا إِلَى الْمَنْهِيَّاتِ بِسَبَبِهِنَّ، وَتَقَعُوا فِي فِتْنَةِ الدَّمِ لِأَجْلِ الِافْتِتَانِ بِهِنَّ ( «فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» ) أَيْ: فِي شَأْنِهِنَّ وَأَمْرِهِنَّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " احْذَرُوا أَنْ تَمِيلُوا إِلَى النِّسَاءِ بِالْحَرَامِ وَتَقْبَلُوا أَقْوَالَهُنَّ، فَإِنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ لَا خَيْرَ فِي كَلَامِهِنَّ غَالِبًا اه.
وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا أَضَرُّ مَا فِي الدُّنْيَا مِنَ الْبَلَايَا، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ مُعَاذٍ: اتَّقَوُا الدُّنْيَا وَاتَّقَوُا النِّسَاءَ، فَإِنَّ إِبْلِيسَ طَلَّاعٌ رَصَّادٌ وَمَا هُوَ بِشَيْءٍ مِنْ فُخُوْخِهِ بِأَوْثَقَ لِصَيْدِهِ فِي الِانْقِيَادِ مِنَ النِّسَاءِ، رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ طَلَبَ مِنْهُ ابْنُ أَخِيهِ أَوِ ابْنُ عَمِّهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ فَأَبَى فَقَتَلَهُ لِيَنْكِحَهَا أَوْ لِيَنْكِحَ زَوْجَتَهُ، وَهُوَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ قِصَّةُ الْبَقَرَةِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ ﵀ وَالْمَشْهُورُ فِي قِصَّةِ الْبَقَرَةِ مَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ غَنِيٌّ، وَلَهُ ابْنُ عَمٍّ فَقِيرٌ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ مَوْتُهُ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ اه.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى، لَكِنَّ حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ يَحْتَاجُ إِلَى صِحَّةِ نَقْلٍ وَثُبُوتِ رِوَايَةٍ، نَقَلَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] الْآيَاتِ. أَنَّ قِصَّتَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ مُوسَى ﵊ لَمَّا قَصَدَ حَرْبَ الْجَبَّارِينَ، وَنَزَلَ أَرْضَ بَنِي كَنْعَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ أَتَى قَوْمُ بِلْعَامَ إِلَى بَلْعَامَ، وَكَانَ عِنْدَهُ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمِ فَقَالُوا: إِنَّ مُوسَى رَجُلٌ حَدِيدٌ وَمَعَهُ جُنُودٌ كَثِيرَةٌ، وَأَنَّهُ قَدْ جَاءَ يُخْرِجُنَا وَيَقْتُلُنَا وَيَحِلُّهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنْتَ رَجُلٌ مُجَابُ الدَّعْوَةِ فَاخْرُجْ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهُمْ عَنَّا. فَقَالَ لَهُمْ: وَيْلَكُمْ مِنَ اللَّهِ، مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ كَيْفَ أَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَأَنَا أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ، وَإِنِّي إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ذَهَبَتْ دُنْيَايَ وَآخِرَتِي، فَرَاجَعُوهُ وَأَلَحُّوا عَلَيْهِ فَقَالَ: حَتَّى أَوَامِرَ رَبِّي، وَكَانَ لَا يَدْعُو حَتَّى يَنْظُرَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ فِي الْمَنَامِ، فَوَامَرَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ فَقِيلَ لَهُ فِي الْمَنَامِ: لَا تَدْعُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لِقَوْمِهِ: إِنِّي قَدْ وَامَرْتُ رَبِّي وَإِنِّي قَدْ نُهِيتُ، فَأَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا، ثُمَّ رَاجَعُوهُ فَقَالَ لِقَوْمِهِ حَتَّى أَوَامِرَ فَوَامَرَ فَلَمْ يَجِيءْ إِلَيْهِ شَيْءٌ، فَقَالَ وَامَرْتُ وَلِمَ يَجِيءْ إِلَيَّ شَيْءٌ فَقَالُوا: لَوْ كَرِهَ رَبُّكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ لَنَهَاكَ كَمَا نَهَاكَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَمْ يَزَالُوا يَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى فَتَنُوهُ فَافْتَتَنَ، فَرَكِبَ أَتَانًا لَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى جَبَلٍ يُطْلِعَهُ عَلَى عَسْكَرِ إِسْرَائِيلَ يُقَالَ لَهُ (حُسْبَانُ) فَلَمَّا سَارَ عَلَيْهَا غَيْرُ كَثِيرٍ رَبَضَتْ بِهِ أَيْ: جَلَسَتْ، فَوَلَّ عَنْهَا فَضَرَبَهَا حَتَّى إِذَا أَذْلَقَهَا أَيْ: أَقْلَقَهَا قَامَتْ فَرَكِبَهَا، فَلَمْ تَسِرْ بِهِ كَثِيرًا حَتَّى رَبَضَتْ، فَفَعَلَ بِهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَامَتْ فَرَكِبَهَا فَلَمْ تَسْرِ بِهِ كَثِيرًا حَتَّى رَبَضَتْ فَفَعَلَ بِهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَامَتْ فَرَكِبَهَا فَلَمْ تَسْرِ بِهِ كَثِيرًا حَتَّى رَبَضَتْ فَضَرَبَهَا حَتَّى إِذَا أَذْلَقَهَا أَذِنَ اللَّهُ لَهَا بِالْكَلَامِ، فَكَلَّمَتْهُ حُجَّةً عَلَيْهِ فَقَالَتْ: وَيْحَكَ يَا بَلْعَامُ أَيْنَ تَذْهَبُ أَلَا تَرَى الْمَلَائِكَةَ أَمَامِي تَرُدُّنِي عَنْ وَجْهِي هَذَا، أَتَذْهَبُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ لِتَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَنْزِعْ فَخَلَى اللَّهُ سَبِيلَهَا، فَانْطَلَقَتْ حَتَّى إِذَا أَشْرَفَتْ بِهِ عَلَى جَبَلِ حُسْبَانَ جَعَلَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ وَلَا يَدْعُو عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ إِلَّا صَرَفَ بِهِ لِسَانَهُ إِلَى قَوْمِهِ، وَلَا يَدْعُو لِقَوْمِهِ بِخَيْرٍ إِلَّا صَرَفَ بِهِ لِسَانَهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: أَتَدْرِي مَا تَصْنَعُ إِنَّمَا تَدْعُو لَهُمْ وَعَلَيْنَا. قَالَ: فَهَذَا مَا لَا أَمْلِكُ هَذَا شَيْءٌ قَدْ غَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَانْدَلَعَ لِسَانُهُ أَيْ: خَرَجَ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ ذَهَبَتِ الْآنَ مِنِّي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمَكْرُ وَالْحِيلَةُ، فَسَأَمْكُرُ لَكُمْ وَأَحْتَالُ جَمِّلُوا النِّسَاءَ وَزَيَّنُوهُنَّ وَأَعْطَوْهُنَّ السِّلَعَ، ثُمَّ أَرْسَلُوهُنَّ إِلَى الْعَسْكَرِ يَبِعْنَهَا فِيهِ، وَمُرُوهُنَّ لَا تَمْنَعُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ أَرَادَهَا، فَإِنَّهُمْ إِنْ زَنَى رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كُفِيتُمُوهُمْ، فَفَعَلُوا فَلَمَّا دَخَلَ النِّسَاءُ الْعَسْكَرَ مَرَّتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ بِرَجُلٍ مِنْ عُظَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا حَتَّى أَعْجَبَتْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا حَتَّى وَقَفَ بِهَا عَلَى مُوسَى فَقَالَ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ سَتَقُولُ هَذِهِ حَرَامٌ عَلَيْكَ. قَالَ: أَجَلْ هِيَ حَرَامٌ عَلَيْكَ لَا تَقْرَبْهَا. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَا نُطِيعَكَ فِي هَذَا، ثُمَّ دَخَلَ بِهَا قُبَّتَهُ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ الطَّاعُونَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْوَقْتِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 4329
٣٠٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْمَرْأَةِ، وَالْمَسْكَنِ وَالدَّابَّةِ» .
ــ
٣٠٨٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الشُّومُ) بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ وَاوًا وَهُوَ ضِدُّ الْيُمْنِ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ. فِي النِّهَايَةِ: يُقَالَ تَشَاءَمْتُ وَتَيَمَّنْتُ، وَالْوَاوُ فِي الشُّؤْمِ هَمْزَةٌ، لَكِنَّهَا خُفِّفَتْ فَصَارَتْ وَاوًا، وَغُلِبَ عَلَيْهَا التَّخْفِيفُ حَتَّى لَمْ يَنْطِقْ بِهَا هَمْزَةً (فِي الْمَرْأَةِ) بِأَنْ لَا تَلِدَ، وَقِيلَ: غَلَاءُ مَهْرِهَا وَسُوءُ خُلُقِهَا (وَالدَّارِ) بِضِيقِهَا وَسُوءِ جِيرَانِهَا. (وَالْفَرَسِ) بِأَنْ لَا يُغَزَى عَلَيْهَا، وَقِيلَ: صُعُوبَتُهَا وَسُوءُ خُلُقِهَا، وَقِيلَ: هَذَا إِرْشَادٌ مِنْهُ ﷺ لِأُمَّتِهِ فَمَنْ كَانَ لَهُ دَارٌ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا أَوِ امْرَأَةٌ يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا أَوْ فَرَسٌ لَا تُعْجِبُهُ بِأَنْ يُفَارِقَ بِالِانْتِقَالِ عَنِ الدَّارِ وَتَطْلِيقِ الْمَرْأَةِ وَبَيْعِ الْفَرَسِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الطِّيَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَهَذَا كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «ذَرُوهَا ذَمِيمَةً» ". قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَمِنْ ثَمَّةٍ جَعَلَهَا ﷺ مِنْ بَابَ الطِّيَرَةِ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ فِي قَوْلِهِ: " «إِنْ تَكُنِ الطِّيَرَةُ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدَّارِ» ". قَالَ الْخَطَابِيُّ: " هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الثَّلَاثَةُ لَيْسَ لَهَا بِأَنْفُسِهَا وَطِبَاعِهَا فِعْلٌ وَتَأْثِيرٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ، وَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَعَمُّ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَعْتَنِيهَا النَّاسُ، وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَخْلُو عَنِ الْعَارِضِ فِيهَا أُضِيفَ إِلَيْهَا الْيُمْنُ، وَالشُّؤْمُ إِضَافَةَ مَكَانٍ وَمَحَلٍّ اه. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ غَالِبًا تَكُونُ أَسْبَابًا لِسُوءِ الْخُلُقِ، وَهُوَ شُؤْمٌ فَلِذَا نُسِبَ إِلَيْهَا، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ بِلَفْظِ: «الشُّؤْمُ سُوءُ الْخُلُقِ» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَى مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ، إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ. (وَفِي رِوَايَةٍ: " «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ» ) أَيْ: أَشْيَاءَ (فِي الْمَرْأَةِ) بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ (وَالْمَسْكَنِ) أَعَمُّ مِنَ الدَّارِ (وَالدَّابَّةِ) تَعُمُّ الْفَرَسَ وَغَيْرَهَا.
стр. 4330
٣٠٨٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَلَمَّا قَفَلْنَا كُنَّا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ قَالَ: تَزَوَّجْتَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟ قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ. قَالَ: فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا أَيْ عِشَاءً لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغَيَّبَةُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٠٨٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَلَمَّا قَفَلْنَا» ) أَيْ رَجَعْنَا وَمِنْهُ الْقَافِلَةُ تَفَاؤُلًا (كُنَّا) أَيْ: وَقَدْ كُنَّا ( «قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ! إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ» ) أَيْ: قَرِيبُ الزَّمَانِ بِالزَّوَاجِ (قَالَ: تَزَوَّجَتْ) أَيْ: تَحَقَّقَ زَوَاجُكَ (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَبِكْرٌ) أَيْ: أَهِيَ بِكْرٌ (أَمْ ثَيِّبٌ؟) وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا أَيْ: أَتَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا (قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ (قَالَ) أَيْ: لِلتَّوْبِيخِ وَالتَّنَدُّمِ ( «فَهَلَّا بِكْرًا» ) أَيْ: تَزَوَّجْتَ بِكْرًا ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ( «تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ» ) فِيهِ أَنَّ تَزَوُّجَ الْبِكْرِ أَوْلَى، وَأَنَّ الْمُلَاعَبَةَ مَعَ الزَّوْجِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْأُلْفَةِ التَّامَّةِ فَإِنَّ الثَّيِّبَ قَدْ تَكُونُ مُعَلَّقَةَ الْقَلْبِ بِالزَّوْجِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ تَكُنْ مَحَبَّتُهَا كَامِلَةً بِخِلَافِ الْبِكْرِ، وَعَلَيْهِ مَا وَرَدَ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَشَدُّ حُبًّا وَأَقَلُّ خِبًّا» (فَلَمَّا قَدِمْنَا) أَيْ: قَارَبْنَا الْقُدُومَ وَالدُّخُولَ فِي الْمَدِينَةِ (ذَهَبْنَا) أَيْ شَرَعْنَا وَتَهَيَّأْنَا (لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: أَمْهِلُوا) أَيْ: أَهْلِيكُمْ ( «حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا أَيْ عِشَاءً» ) تَفْسِرٌ مِنْ جَابِرٍ أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُ ( «لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ» ) بِفَتْحِ الشَّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: الْمُتَفَرِّقَةُ شَعْرَ الرَّأْسِ ( «وَتَسْتَحِدَّ الْمُغَيَّبَةُ» ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ وَهِيَ الَّتِي غَابَ زَوْجُهَا أَيْ: تَسْتَعْمَلُ الْحَدِيدَةُ أَيِ الْمُوسَى لِحَلْقِ الْعَانَةِ، وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ مُعَالَجَتِهِنَّ بِالنَّتْفِ وَاسْتِعْمَالِ الْوَرَّةِ لِأَنَّهُنَّ لَا تَسْتَعْمِلْنَ الْحَدِيدَةَ، وَالْمَعْنَى حَتَّى تَتَزَيَّنَ لِزَوْجِهَا وَتَتَهَيَّأَ لِاسْتِمْتَاعِ الزَّوْجِ بِهَا، فَالسُّنَةُ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمُسَافِرُ عَلَى أَهْلِهِ حَتَّى يُبَلِّغَ خَبَرَ قُدُومِهِ، وَخَبَرُ نَهْيِ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ إِعْلَامٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4331
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٠٨٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٠٨٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ» ") أَيْ: ثَابِتٌ عِنْدَهُ إِعَانَتُهُمْ أَوْ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى وَعْدِهِ مُعَاوَنَتَهُمُ ( «الْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ» ) أَيْ: بَدَلَ الْكِتَابَةِ ( «وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ» ) أَيْ: الْعِفَّةُ عَنِ الزِّنَا ( «وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " إِنَّمَا آثَرَ هَذِهِ الصِّيغَةَ إِيذَانًا بِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنَ الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ الَّتِي تَفْدَحُ الْإِنْسَانَ وَتَقْصِمُ ظَهْرَهُ لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعِينُهُ عَلَيْهَا لَا يَقُومُ بِهَا وَأَصْعَبُهَا الْعَفَافُ لِأَنَّهُ قَمْعُ الشَّهْوَةِ الْجِبِلِّيَّةِ الْمَرْكُوزَةِ فِيهِ، وَهِيَ مُقْتَضَى الْبَهِيمِيَّةِ النَّازِلَةِ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، فَإِذَا اسْتَعَفَّ وَتَدَارَكَهُ عَوْنُ اللَّهِ تَعَالَى تَرَقَّى إِلَى مَنْزِلَةِ الْمَلَائِكَةِ وَأَعْلَى عِلِّيِّينَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ.
стр. 4332
٣٠٩٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِنْ لَا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتَنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٣٠٩٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ» ) أَيْ: طَلَبَ مِنْكُمْ أَنْ تُزَوِّجُوهُ امْرَأَةً مِنْ أَوْلَادِكُمْ وَأَقَارِبِكُمْ (مَنْ تَرْضَوْنَ) أَيْ: تَسْتَحْسِنُونَ (دِينَهُ) أَيْ: دِيَانَتُهُ (وَخُلُقَهُ) أَيْ: مُعَاشَرَتُهُ (فَزَوِّجُوهُ) أَيْ: إِيَّاهَا (إِنْ لَا تَفْعَلُوهُ) أَيْ: لَا تُزَوِّجُوهُ (تَكُنْ) أَيْ: تَقَعُ ( «فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» ) أَيْ: ذُو عَرْضٍ أَيْ كَثِيرٍ، لِأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُزَوِّجُوهَا إِلَّا مِنْ ذِي مَالٍ أَوْ جَاهٍ رُبَّمَا يَبْقَى أَكْثَرُ نِسَائِكُمْ بِلَا أَزْوَاجٍ وَأَكْثَرُ رِجَالِكُمْ بِلَا نِسَاءٍ، فَيَكْثُرُ الِافْتِتَانُ بِالزِّنَا، وَرُبَّمَا يَلْحَقُ الْأَوْلِيَاءَ عَارٌ فَتَهِيجُ الْفِتَنُ وَالْفَسَادُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَطْعُ النَّسَبِ وَقِلَّةُ الصَّلَاحِ وَالْعِفَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَالِكٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يُرَاعَى فِي الْكَفَاءَةِ إِلَّا الدِّينَ وَحْدَهُ، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يُرَاعَى أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الدِّينُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالنَّسَبُ وَالصَّنْعَةُ، فَلَا تُزَوَّجُ الْمُسْلِمَةُ مِنْ كَافِرٍ، وَلَا الصَّالِحَةُ مِنْ فَاسِقٍ، وَلَا الْحُرَّةُ مَنْ عَبْدٍ، وَلَا الْمَشْهُورَةُ النَّسَبِ مِنَ الْخَامِلِ، وَلَا بِنْتَ تَاجِرٍ أَوْ مَنْ لَهُ حِرْفَةٌ طَيِّبَةٌ مِمَّنْ لَهُ حِرْفَةٌ خَبِيثَةٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ، فَإِنْ رَضِيَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلَيُّهَا بِغَيْرِ كُفْؤٍ صَحَّ النِّكَاحُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 4333
٣٠٩١ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٣٠٩١ - (وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ) أَيْ: الْمُزَنِيِّ، وَهُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ» ) الَّتِي تُحِبُّ زَوْجَهَا (الْوَلُودَ) أَيْ: الَّتِي تَكْثُرُ وِلَادَتُهَا، وَقَيَّدَ بِهَذَيْنَ لِأَنَّ الْوَلُودَ إِذَا لَمْ تَكُنْ وَدُودًا لَمْ يَرْغَبِ الزَّوْجُ فِيهَا، وَالْوَدُودَ إِذَا لَمْ تَكُنْ وَلُودًا لَمْ يَحْصُلِ الْمَطْلُوبُ وَهُوَ تَكْثِيرُ الْأُمَّةِ بِكَثْرَةِ التَّوَالُدِ، وَيُعْرَفُ هَذَانِ الْوَصْفَانِ فِي الْأَبْكَارِ مِنْ أَقَارِبِهِنَّ، إِذِ الْغَالِبُ سَرَايَةُ طِبَاعِ الْأَقَارِبِ بَعْضِهِنَّ إِلَى بَعْضٍ، وَيُحْتَمَلُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى تَزَوَّجُوا اثْبُتُوا عَلَى زَوَاجِهَا وَبَقَاءِ نِكَاحِهَا إِذَا كَانَتْ مَوْصُوفَةً بِهَذَيْنَ الْوَصْفَيْنِ. ( «فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» ) أَيْ: مَفَاخِرٌ بِسَبَبِكُمْ سَائِرَ الْأُمَمِ لِكَثْرَةِ أَتْبَاعِي (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلَفَظُهُ عَنْ مَعْقِلٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتِ حَسَبٍ وَمَنْصِبٍ وَمَالٍ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ فَنَهَاهُ فَأَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» .
стр. 4334
٣٠٩٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ، فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُرْسَلًا.
ــ
٣٠٩٢ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَالِمٍ عُتْبَةَ بْنِ عُوَيْمٍ) تَصْغِيرُ عَامٍ (ابْنِ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيِّ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: " عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ، شَهِدَ الْعَقَبَتَيْنِ وَبَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَمَاتَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "، وَقِيلَ: مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ بِالْمَدِينَةِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: سَالِمٍ (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ: جَدِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ عُتْبَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مُرْسَلًا، أَوْ جَدِّهِ الْكَبِيرِ أَوْ جَدِّ أَبِيهِ وَهُوَ عُوَيْمٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ» ) فِيهِ حَثٌّ عَلَى تَزَوُّجِهِنَّ (فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " أَفْرَدَ الْخَبَرَ وَذَكَرَ عَلَى تَقْدِيرِهِنَّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] ، أَفْوَاهًا جَمْعُ فَاهٍ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ طِيبِ قُبْلَتِهِنَّ أَوْ طِيبِ كَلَامِهِنَّ، وَكَوْنِهِ أَلَذَّ وَعَنْ قِلَّةِ الْفُحْشِ وَعَدَمِ سَلَاطَتِهَا عَلَى زَوْجِهَا لِبَقَاءِ حَيَائِهَا، وَقِيلَ الْمُرَادُ عُذُوبَةُ رِيقِهَا (وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا) أَيْ: أَكْثَرُ أَوْلَادًا وَإِطْلَاقُ الْأَرْحَامِ عَلَى الْأَوْلَادِ لِمُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا، وَالْمَعْنَى أَرْحَامُهُنَّ أَكْثَرُ قَبُولًا لِلنُّطْفَةِ لِقُوَّةِ حَرَارَةِ أَرْحَامِهِنَّ، أَوْ لِشِدَّةِ شَهْوَتِهِنَّ، وَلَكِنَّ الْأَسْبَابَ لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُقَالَ: نَتَقَتِ الْمَرْأَةُ أَيْ: كَثُرَ وَلَدُهَا فَهِيَ نَاتِقٌ تَرْمِي بِالْأَوْلَادِ رَمْيًا. (وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ) قِيلَ: أَيْ: بِالْقَلِيلِ مِنَ الْجِمَاعِ لِاسْتِحْيَائِهَا مِنَ الزَّوْجِ، وَقِيلَ: مِنَ الطَّعَامِ وَالْكُسْوَةِ وَالتَّنَعُّمِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَأَقَلُّ خِبًّا بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مَكْرًا وَخَدِيعَةً، وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَسْخَنُ إِقْبَالًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ، وَفِي الْإِحْيَاءِ: مِنْ فَوَائِدِ الْبَكَارَةِ أَنْ تُحِبَّ الزَّوْجَ وَتَأْلَفَهُ فَتُؤْثَرُ فِي مَعْنَى الْوِدِّ وَالطِّبَاعِ مَجْبُولَةً عَلَى الْأُنْسِ بِأَوَّلِ مَأْلُوفٍ، وَأَمَّا الَّتِي اخْتَبَرَتِ الرِّجَالَ وَمَارَسَتِ الْأَحْوَالَ فَرُبَّمَا لَا تَرْضَى بَعْضَ الْأَوْصَافِ الَّتِي تُخَالِفُ مَا أَلِفَتُهُ، فَتَقْلِي الزَّوْجَ وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ يُحِبُّهَا، فَإِنَّ الطَّبْعَ يَنْفِرُ عَنِ الَّتِي مَسَّهَا غَيْرُ الزَّوْجِ نَفْرَةً، وَذَلِكَ يَثْقُلُ عَلَى الطَّبْعِ مَهْمَا يَذْكُرْ، وَبَعْضُ الطِّبَاعِ فِي هَذَا أَشَدُّ نُفُورًا (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُرْسَلًا) ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ ﵀ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَالَ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ، فَالْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ.
стр. 4335
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٠٩٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلُ النِّكَاحِ» .
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٠٩٣ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَمْ تَرَ لِلْمُتَحَابِّينَ» ) بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَالْخِطَابُ عَامٌّ وَمَفْعُولُهُ الْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: لَمْ تَرَ أَيْهَا السَّامِعُ مَا تَزِيدُ بِهِ الْمَحَبَّةُ لِلْمُتَحَابِّينَ (مِثْلَ النِّكَاحِ) أَيْ: إِذَا جَرَى بَيْنَ الْمُتَحَابِّينَ وَصْلَةٌ خَارِجِيَّةٌ ازْدَادَتِ الْوَصْلَةُ الْبَاطِنِيَّةُ، وَقِيلَ: إِذَا نَظَرَ إِلَى الْأَجْنَبِيةِ وَأَخَذَتْ بِمَجَامِعِ قَلْبِهِ فَنِكَاحُهَا يُورِثُ مَزِيدَ الْمَحَبَّةِ، وَسِفَاحُهَا الْبُغْضُ وَالْعَدَاوَةُ، وَقَدْ ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ الْحَدِيثَ فِي جَامِعِهِ وَلَفْظُهُ: وَلَمْ يَرَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُذَكَّرِ وَمِثْلَ النِّكَاحِ بِالرَّفْعِ، وَقَالَ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ.
стр. 4336
٣٠٩٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا، فَلْيَتَزَوَّجِ الْحَرَائِرَ» .
ــ
٣٠٩٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِرًا» ) أَيْ: مِنْ دَنَسِ الزِّنَا (مُطَهَّرًا) مُبَالَغَةً فِي تَطَهُّرِهِ وَهُوَ مَفْعُولٌ مِنَ التَّفْعِيلِ، وَفِي نُسْخَةٍ مُتَطَهِّرًا بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ مِنَ التَّفْعِيلِ ( «فَلْيَتَزَوَّجِ الْحَرَائِرَ» ) خَصَّ الْحَرَائِرَ لِأَنَّ الْإِمَاءَ مُبْتَذَلَةٌ غَيْرُ مُؤَدَّبَةٍ، وَلِذَا وَرَدَ: الْحَرَائِرُ صَلَاحُ الْبَيْتِ، وَالْإِمَاءُ فَسَادُ الْبَيْتِ، كَمَا فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: " إِنَّمَا خَصَّهُنَّ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْإِمَاءَ خَرَّاجَةٌ وَلَّاجَةٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ لِلْخِدْرِ، إِذَا لَمْ تَكُنْ مُؤَدَّبَةً لَمْ يَحْسُنْ تَأْدِيبُ أَوْلَادِهَا وَتَرْبِيَتِهَا بِخِلَافِ الْحَرَائِرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الْحَرَائِرُ عَلَى الْمَعْنَى قَالَ الْحَمَاسِيُّ:
وَلَا يَكْشِفُ الْغَمَّاءَ إِلَّا ابْنُ حُرَّةٍ ... يَرَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا
قَالَ الرَّاغِبُ: الْحُرِّيَّةُ، ضَرْبَانِ، الْأَوَّلُ: مَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمْ حُكْمُ السَّبْيِ، وَالثَّانِي: مَنْ لَمْ يَتَمَلَّكْهُ قُوهُ الذَّمِيمَةِ فَبَصَرَ عَبْدًا لَهَا كَمَا وَرَدَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ» .
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَرَقَّ ذَوِي الْأَطْمَاعِ رِقَّ مُخَلَّدِ
وَقِيلَ: عَبْدُ الشَّهْوَةِ أَذَلُّ مِنْ عَبْدِ الرِّقِّ اه. وَقِيلَ: الْحُرُّ مَنْ لَمْ يَرِقَّهُ هَوَاهُ وَلَمْ تَسْتَعْبِدْهُ دُنْيَاهُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
أَتَمَنَّى عَلَى الزَّمَانِ مُحَالًا ... أَنْ تَرَى مُقْلَتَايَ طَلْعَةَ حُرِّ
стр. 4337
٣٠٩٥ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَقُولُ: «مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمْرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» . رَوَى ابْنُ مَاجَهْ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ.
ــ
٣٠٩٥ - (وَعَنْ) أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَقُولُ: " «مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ» ) وَهِيَ ارْتِكَابُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابِ الزَّوَاجِرِ ( «خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ» ) أَيْ: فِيمَا لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ، إِذْ وَرَدَ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ( «وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ» ) أَيْ جَعَلَتْهُ مَسْرُورًا بِحُسْنِ صُورَتِهَا وَسِيرَتِهَا وَلُطْفِ مُعَاشَرَتِهِ وَمُبَاشَرَتِهِ (وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا) أَيْ: فِي أَمْرٍ هِيَ تَكْرَهُ فِعْلَهُ وَتَرْكَهُ وَهُوَ يُرِيدُهُ (أَبَرَّتْهُ) أَيْ: جَعَلَتْهُ بَارًّا أَوْ قَسَمُهُ مَبْرُورًا بِالْمُوَافَقَةِ وَتَرْكِ الْمُخَالَفَةَ إِيثَارًا لِمَرْضَاتِهِ ( «وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ» ) أَيْ: بِالْأَمَانَةِ ( «فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» ) رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4338
٣٠٩٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ نِصْفَ الدِّينِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي» .
ــ
٣٠٩٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ» ) أَيْ: الْمَرْءُ ( «فَقَدِ اسْتَكْمَلَ نِصْفَ الدِّينِ» ) أَيْ: كَمَّلَ نِصْفَ دِينَهُ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ أَيْ: يَكْمُلُ نِصْفُهُ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الشَّرْطِ وَجَزَاؤُهُ قَوْلُهُ ( «فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي» ) أَيْ: فِي بَقِيَّةِ أُمُورِ دِينِهِ، وَجَعَلَ التَّزَوُّجَ نِصْفَا مُبَالِغَةً لِلْحَثِّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الْغَالِبُ فِي إِفْسَادِ الدِّينِ الْفَرْجُ وَالْبَطْنُ - وَقَدْ كَفَى بِالتَّزَوُّجِ أَحَدَهُمَا، وَلِأَنَّ فِي التَّزَوُّجِ التَّحَصُّنَ عَنِ الشَّيْطَانِ، وَكَسْرَ التَّوَقَانِ، وَدَفْعَ غَوَائِلِ الشَّهْوَةِ، وَغَضَّ الْبَصَرِ، وَحِفْظَ الْفَرْجِ.
стр. 4339
٣٠٩٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً» . رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
٣٠٩٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً» ) أَيْ: أَفْرَادُهُ وَأَنْوَاعُهُ (أَيْسَرُهُ) أَيْ: أَقَلُّهُ أَوْ أَسْهَلُهُ (مُؤْنَةٌ) أَيْ: مِنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْقَنَاعَةِ الَّتِي هِيَ كَنْزٌ لَا يَنْفَدُ وَلَا يَفْنَى. (رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 4340
[بَابُ النَّظَرِ]
стр. 4341
بَابُ النَّظَرِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٠٩٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ: قَالَ: «فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
بَابُ النَّظَرِ
أَيْ: جَوَازُهُ (إِلَى الْمَخْطُوبَةِ، وَبَيَانُ الْعَوْرَاتِ) بِسُكُونِ الْوَاوِ: مَا يَجِبُ سَتْرُهُ عَنِ الْأَعْيُنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْعَوْرَةُ سَوْأَةُ الْإِنْسَانِ وَأَصْلُهَا مِنَ الْعَارِ، وَذَلِكَ كِنَايَةٌ لِمَا يَلْحَقُ فِي ظُهُورِهِ مِنْ عَارِ الْمَذَمَّةِ، وَيَسْتَحِي مِنْهُ إِذَا ظَهَرَ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ النِّسَاءُ عَوْرَةً، وَمِنْ ذَلِكَ الْعَوْرَاءُ لِلْكَلِمَةِ الْقَبِيحَةِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٠٩٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ) أَيْ: أَرَدْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَهَا أَوْ طَلَبْتُ زَوَاجَهَا. (قَالَ: فَانْظُرْ إِلَيْهَا) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ جَوَازُ النَّظَرِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا. قُلْتُ: فِي دَلَالَتِهِ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى الْكَفَّيْنِ نَظَرٌ، وَيَأْبَى عَنْهُ أَيْضًا تَعْلِيلَهُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ) أَيْ: بَعْضِهِمْ (شَيْئًا) أَيْ: مِمَّا يُنَفِّرُ عَنْهُ الطَّبْعُ وَلَا يَسْتَحْسِنُهُ لِأَنَّهُ رَآهُ فِي الرِّجَالِ فَقَاسَ النِّسَاءَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ، وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ الْأَنْصَارَ أَوْ لِتَحْدِيثِ النَّاسِ بِهِ أَوْ أَنَّهُ عِلْمٌ بِالْوَحْيِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَزَوَّجْتُ خَطَبْتُ لِيُفِيدَ الْأَمْرَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا، وَلِلْعُلَمَاءِ خِلَافٌ فِي جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَجَوَّزَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ﵏ مُطْلَقًا، أَذِنَتِ الْمَرْأَةُ أَمْ لَمْ تَأْذَنْ، لِحَدِيثَيْ جَابِرٍ وَالْمُغِيرَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي أَوَّلِ الْحِسَانِ، وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ بِإِذْنِهَا، وَرُوِيَ عَنْهُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ شَيْئًا صِغَرٌ أَوْ زُرْقَةٌ، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ ذِكْرِ مِثْلَ هَذَا لِلنَّصِيحَةِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ النَّظَرِ إِلَيْهَا قَبْلَ الْخِطْبَةِ، حَتَّى إِنْ كَرِهَهَا تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ إِيذَاءٍ بِخِلَافِ مَا إِذَا تَرَكَهَا بَعْدَ الْخِطْبَةِ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ النَّظَرُ اسْتَحَبَّ أَنْ يَبْعَثَ امْرَأَةً تَصِفُهَا لَهُ، وَبِمَا يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَحَسْبُ، لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِعَوْرَةٍ فِي حَقِّهِ، فَيُسْتَدَلُّ بِالْوَجْهِ عَلَى الْجَمَالِ وَضِدِّهِ، وَبِالْكَفَّيْنِ عَلَى سَائِرِ أَعْضَائِهَا بِاللِّينِ وَالْخُشُونَةِ " اه. وَظَاهِرُ جَوَازِ إِمْسَاسِهَا فَإِنَّ بِهِ يَتَبَيَّنُ اللِّينُ وَضِدَّهُ، وَهُوَ لَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 4342
٣٠٩٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتُهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٠٩٩ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ) قِيلَ: " لَا " نَافِيَةٌ بِمَعْنَى النَّاهِيَةِ، وَقِيلَ: نَاهِيَةٌ، وَالْمُبَاشِرَةُ بِمَعْنَى الْمُخَالَطَةِ وَالْمُلَامَسَةِ، وَأَصْلُهُ مِنْ لَمْسِ الْبَشَرَةِ الْبَشَرَةَ، وَالْبَشَرَةُ ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ أَيْ: لَا تَمَسُّ بَشَرَةُ امْرَأَةٍ بَشَرَةَ أُخْرَى (فَتَنْعَتُهَا) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ أَيْ: فَتَصِفُ نُعُومَةَ بَدَنِهَا وَلِينَةَ جَسَدِهَا (لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا) فَيَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِهَا، وَيَقَعُ بِذَلِكَ فِتْنَةٌ، وَالْمَنْهِيُّ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْمَعْنِيُّ بِهِ فِي الْحَدِيثِ النَّظَرُ مَعَ الْمَسِّ، فَتَنْظُرُ إِلَى ظَاهِرِهَا مِنَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَتَجِسُّ بَاطِنَهَا بِاللَّمْسِ، وَتَقِفُ عَلَى نُعُومَتِهَا وَسِمَنِهَا فَتَنْعَتُهَا عَطْفٌ عَلَى تُبَاشِرُ، فَالنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَيْهِمَا، فَتَجُوزُ الْمُبَاشَرَةُ بِغَيْرِ التَّوْصِيفِ. فِي شَرْحِ الْأَكْمَلِ: قَدِ اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ، لِأَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ وَصْفَ الشَّيْءِ يَجْعَلُهُ كَالْمُعَايَنَةِ، فَكَانَ مِمَّا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَتِهِ وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِهِ كَالْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ حَالَ الْبَيْعِ، وَمَا أَمْكَنَ ضَبْطُ صِفَتِهِ وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِهِ جَازَ السَّلَمُ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَقُولُ: إِنَّ إِخْبَارَ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَصْفَهُ الشَّيْءَ يَجْعَلُهُ كَالْمُعَايَنَةِ فِيمَا هُوَ مَنْظُورٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَعَدَمُ جَوَازِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ بَلْ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْحَيَوَانَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَوْصَافٍ بَاطِنِيَّةٍ لَا يُطْلَعُ عَلَيْهَا بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ فَكَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَتِهِ وَمَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَتِهِ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَقَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ اه. وَلَعَلَّ مُسَلِمًا رَوَاهُ بِلَفْظٍ آخَرَ يُوَافِقُهُ فِي مَعْنَاهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 4343
٣١٠٠ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣١٠٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ) خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ (إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا الْمَرْأَةُ) أَيْ وَلَا تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ (إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ وَلَا يُفْضِي) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ لَا يَصِلُ (الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثِيَابٍ وَاحِدٍ) أَيْ لَا يَضْطَجِعَانِ مُتَجَرِّدَيْنِ تَحْتَ ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " أَيْ: لَا تَصِلُ بَشَرَةُ أَحَدِهِمَا إِلَى بَشَرَةِ الْآخَرِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي الْمَضْجَعِ لِخَوْفِ ظُهُورِ فَاحِشَةٍ بَيْنَهُمَا. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَمَنْ فَعَلَ يُعَزَّرُ وَلَا يَحُدُّ. وَفِيهِ بَيَانُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ. وُعُورَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَكَذَلِكَ عَوْرَةُ الْمَرْأَةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَفِي حَقِّ مَحَارِمِهَا وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ فَجَمِيعُ بَدَنِهَا عَوْرَةٌ إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ كَسَمَاعِ إِقْرَارٍ أَوْ خِطْبَةٍ كَمَا مَرَّ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " نَظَرُ الرَّجُلِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ حَرَامٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا وَكَذَلِكَ نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُلِ، سَوَاءٌ كَانَ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى الْأَمْرَدِ إِذَا كَانَ حَسَنَ الصُّورَةِ أُمِنَ مِنَ الْفِتْنَةِ أَمْ لَا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ فَإِنَّهُ يُشْتَهَى وَصُورَتُهُ فِي الْجَمَالِ كَصُورَةِ الْمَرْأَةِ بَلْ رُبَّمَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَحُذَّاقُ أَصْحَابِهِ وَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَرْأَةِ أَحْسَنُ صُورَةً مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النِّسَاءِ بَلْ هُمْ بِالتَّحْرِيمِ أَوْلَى لِمَا يَتَمَكَّنُ فِي حَقِّهِمْ مِنْ طُرُقِ الشَّرِّ مَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ مِثْلِهِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ اه. وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ وَالَّذِي ذَكَرَهُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ مَنْ رَعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 4344
٣١٠١ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْ ذَا مَحْرَمٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣١٠١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَبِيتَّنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ) أَيْ فِي مَسْكَنِ ثَمَّةَ ثَيِّبٍ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْبَيْتُوتَةِ هُنَا التَّخَلِّي لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا وَتَخْصِيصُ الثَّيِّبِ لِأَنَّ الْبِكْرَ تَكُونُ أَغَضُّ وَأَخْوَفُ عَلَى نَفْسِهَا وَلِأَنَّهَا مَصُونَةٌ فِي الْعَادَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالثَّيِّبِ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلِ (نَاكِحًا) أَيْ زَوْجًا (أَوْ ذَا مَحْرَمٍ) أَيْ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَوْ بِالرِّضَاعِ وَلِذَا لَمْ يَقُلْ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
стр. 4345
٣١٠٢ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣١٠٢ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ) أَيْ عِنْدِ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى طَرِيقِ التَّخْلِيَةِ أَوْ عَلَى وَجْهِ التَّكَشُّفِ (قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ الْحَمْوَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا وَاوٌ وَهَمْزٌ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " أَيْ أَخْبِرْنِي عَنْ دُخُولِ الْحَمْوِ عَلَيْهِنَّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الْمِيمِ وَاحِدُ الْإِحْمَاءِ وَهُمْ أَقَارِبُ الزَّوْجِ غَيْرِ آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ قَالَ الْقَاضِيَ: الْحَمْوُ قَرِيبُ الزَّوْجِ كَابْنِهِ وَأَخِيهِ وَفِيهِ لُغَاتٌ حَمَا كَعَصَا، وَحَمْوٌ عَلَى الْأَصْلِ، وَحَمُوْ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَحَمٌ كَأَبٍ وَحَمْ بِالْهَمْزِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَالْجَمْعُ أَحْمَاءُ (قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ) أَيْ دُخُولُهُ كَالْمَوْتِ مُهْلِكٌ يَعْنِي الْفَتَاةَ مِنْهُ أَكْثَرَ لِمُسَاهَلَةِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَهَذَا عَلَى حَدِّ الْأَسَدِ الْمَوْتُ وَالسُّلْطَانِ النَّارُ أَيْ قُرْبِهِمَا كَالْمَوْتِ وَالنَّارِ أَيْ فَالْحَذَرُ عَنْهُ كَمَا يُحْذَرُ عَنِ الْمَوْتِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ فَلْيَمُتْ وَلَا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَوْ مَعْنَاهُ خَلْوَةُ الرَّجُلِ مَعَ الْحَمُومَةِ يُؤَدِّي إِلَى زِنَاهَا عَلَى وَجْهِ الْإِحْصَانِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى الرَّجْمِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَهَذِهِ الْوُجُوهُ إِنَّمَا تَصِحُّ إِذَا فُسِّرَ الْحَمْوُّ بِأَخِ الزَّوْجِ وَمَنْ أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِبِهِ كَعَمِّهِ وَابْنِ أَخِيهِ وَمَنْ فَسَّرَهُ بِأَبِي الزَّوْجِ حَمَلَهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فَإِنَّ رُؤْيَتَهُ وَهُوَ مَحْرَمٌ إِذَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ أَوْ أَوَّلِ الدُّخُولِ بِالْخَلْوَةِ. وَقِيلَ: لَمَّا ذَكَرَ السَّائِلُ لَفْظًا مُجْمَلًا مُحْتَمِلًا لِلْمَحْرَمِ وَغَيْرِهِ رَدَّ عَلَيْهِ سُؤَالَهُ بِتَعْمِيَةٍ رَدَّ الْمُغْضَبِ الْمُنْكِرِ عَلَيْهِ. قُلْتُ: أَوْ وَقَعَ الْحُكْمُ تَغْلِيبًا أَوْ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ مُسْتَثْنًى شَرْعًا مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَالْمُرَادُ بِالْحَمْوِ هُنَا أَقَارِبُ الزَّوْجِ غَيْرِ أَبْنَائِهِ لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنَ الْأَقَارِبِ كَثِيرٌ وَالْفِتْنَةَ مِنْهُمْ أَوْقَعُ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا وَالْخَلْوَةِ بِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ وَعَادَةُ النَّاسِ هُوَ الْمَوْتُ وَفِي الْعَائِقِ مَعْنَاهُ أَيْ حَمَاهَا الْغَايَةُ فِي
следующие страницы →