Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
٣١٨٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ: " «مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣١٨٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَزْلِ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إِنَّمَا اسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ فِي الْعَزْلِ مَخَافَةَ الْوَلَدِ ; زَعْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّ صَبَّ الْمَاءِ سَبَبُ الْوَلَدِ وَالْعَزْلَ لِعَدَمِهِ ( «فَقَالَ: مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ» ) أَيْ: يَحْصُلُ مِنْكُمْ فِي صَبٍّ لَا يَحْدُثُ مِنْهُ الْوَلَدُ وَمِنْ عَزْلِ مُحْدَثٍ لَهُ، فَقَدَّمَ خَبَرَ كَانَ لِيَدُلَّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَأَنَّ تَكْوِينَ الْوَلَدِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِالْمَاءِ وَكَذَا عَدَمُهُ بِمَا لَا بِالْعَزْلِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ( «وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ» ) أَيْ: مِنَ الْعَزْلِ وَغَيْرِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 4447
٣١٨٨ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنِّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لِمَ تَفْعَلُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ الرَّجُلُ أَشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣١٨٨ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنِّي أَعْزِلُ» ) أَيْ: الْمَنِيُّ (عَنِ امْرَأَتِي) أَيْ: بِرِضَاهَا أَوْ نَفْسِي عَنْهَا بِأَنْ لَا أُجَامِعَهَا ( «قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ» ) أَيْ: لِأَيِّ شَيْءٍ وَبِأَيِّ سَبَبٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ الْعَزْلَ أَوْ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَهُوَ الْكَفُّ ( «قَالَ الرَّجُلُ أُشْفِقُ» ) أَيْ: أَخَافُ (عَلَى وَلَدِهَا) أَيْ: الَّذِي فِي الْبَطْنِ لِئَلَّا يَصِيرُ تَوْأَمَيْنِ فَيَضْعُفُ كُلٌّ مِنْهُمَا، أَوْ عَلَى وَلَدِهَا الَّذِي تُرْضِعُهُ ; لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْجِمَاعَ يَضُرُّهُ، وَقِيلَ: أَيْ أَخَافُ إِنْ لَمْ أَعْزِلْ عَنْهَا لَحَمَلَتْ وَحِينَئِذٍ يَضُرُّ الْوَلَدَ الْإِرْضَاعُ فِي حَالِ الْحَمْلِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ كَانَ ذَلِكَ) أَيْ: الْجِمَاعُ حَالَ الْإِرْضَاعِ أَوِ الْحَبَلِ (ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومِ) أَيْ: أَوْلَادَهُمَا يَعْنِي تُرْضِعُ نِسَاءُ الْفُرْسِ وَالرُّومِ أَوْلَادَهُنَّ فِي حَالِ الْحَمْلِ، فَلَوْ كَانَ الْإِرْضَاعُ فِي حَالِ الْحَمْلِ مُضِرًّا لِأَضَرَّ أَوْلَادَهُنَّ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 4448
٣١٨٩ - وَعَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ قَالَتْ: «حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ وَهُوَ يَقُولُ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ وَهِيَ ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] .» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣١٨٩ - (عَنْ جُدَامَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَيُرْوَى بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَهُوَ تَصْحِيفٌ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (بِنْتِ وَهْبٍ) أَيْ: أُخْتُ عُكَاشَةَ (قَالَتْ حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ) أَيْ: مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ (وَهُوَ يَقُولُ لَقَدْ هَمَمْتُ) أَيْ: قَصَدْتُ (أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ الْإِرْضَاعِ حَالَ الْحَمْلِ. وَالْغَيْلُ: بِالْفَتْحِ اسْمُ ذَلِكَ اللَّبَنِ كَذَا قِيلَ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْغِيلَةُ بِالْكَسْرِ الِاسْمُ مِنَ الْغَيْلِ، وَبِالْفَتْحِ: هُوَ أَنْ يُجَامِعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَهِيَ مُرْضِعَةٌ وَكَذَلِكَ إِذَا حَمَلَتْ وَهِيَ مُرْضِعٌ، وَقِيلَ: كِلَاهُمَا بِمَعْنًى، وَقِيلَ: الْكَسْرُ لِلِاسْمِ وَالْفَتْحُ لِلْمَرَّةِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الْفَتْحُ إِلَّا مَعَ حَذْفِ التَّاءِ اه. قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ: الْغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرَّجَلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ اه، تَابَعَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أَنْ تُرْضِعَ وَهِيَ حَامِلٌ (فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَعَدَمِ الصَّرْفِ (فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ) أَيْ: الْغَيْلُ (شَيْئًا) مِنَ الضَّرَرِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَسَبَبُ هَمِّهِ ﵊ بِالنَّهْيِ أَنَّهُ خَافَ مَعَهُ ضَرَرُ الْوَلَدِ الرَّضِيعِ لِأَنَّ الْأَطِبَّاءَ يَقُولُونَ إِنَّ ذَلِكَ اللَّبَنَ دَاءٌ وَالْعَرَبُ تَكْرَهُهُ وَتَتَّقِيهِ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، قَالَ الْقَاضِيَ: كَانَ الْعَرَبُ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الْغِيلَةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَضُرُّ الْوَلَدَ وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْمَشْهُورَاتِ الذَّائِعَةِ عِنْدَهُ فَأَرَادَ النَّبِيُّ، ﷺ ، أَنْ يَنْهَى عَنْهَا لِذَلِكَ فَرَأَى أَنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَلَا يُبَالُونَ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَعُودُ عَلَى أَوْلَادِهِمْ بِضَرَرٍ فَلَا يَنْهَ (ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ) أَيْ: عَنْ جَوَازِهِ مُطْلَقًا أَوْ حِينَ الْإِرْضَاعِ أَوْ حَالَ الْحَبَلِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ) أَيْ: الْعَزْلُ (الْوَأْدُ الْخَفِيُّ) قَالَ النَّوَوِيُّ: الْوَأْدُ دَفْنُ الْبِنْتِ حَيَّةً وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الْإِمْلَاقِ وَالْعَارِ اه. شَبَّهَ، ﷺ ، إِضَاعَةَ النِّيَّةِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِيَكُونَ الْوَلَدُ مِنْهَا بِالْوَأْدِ ; لِأَنَّهُ يَسْعَى فِي إِبْطَالِ ذَلِكَ الِاسْتِعْدَادِ بِعَزْلِ الْمَاءِ عَنْ مَحَلِّهِ وَهَذَا دَلِيلٌ لِمَنْ لَمْ يُجَوِّزِ الْعَزْلَ. وَمَنْ جَوَّزَهُ يَقُولُ هَذَا مَنْسُوخٌ أَوْ تَهْدِيدٌ أَوْ بَيَانُ الْأُولَى وَهُوَ الْأَوْلَى (وَهِيَ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مُقَدَّرٍ أَيْ هَذِهِ الْفِعْلَةِ الْقَبِيحَةِ مُنْدَرِجَةٌ فِي الْوَعِيدِ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ﴾ [التكوير: ٨] أَيِ الْبِنْتُ الْمَدْفُونَةُ حَيَّةً (سُئِلَتْ) أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَيْ ذَنْبٍ قُتِلَتْ، قِيلَ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الْعَزْلِ بَلْ عَلَى كَرَاهَتِهِ ; إِذْ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْوَأْدِ الْخَفِيِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِزْهَاقُ الرُّوحِ بَلْ يُشْبِهُهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَصَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى وَصَحَّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى مُسْلِمًا يَفْعَلُهُ، وَقَالَ نَافِعٌ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ضَرَبَ عُمَرُ عَلَى الْعَزْلِ بَعْضَ بَنِيهِ، وَعَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمَا كَانَا يَنْهَيَانِ عَنِ الْعَزْلِ اه. وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا جُعِلَ الْعَزْلُ وَأْدًا خَفِيًّا لِأَنَّهُ فِي إِضَاعَةِ النُّطْفَةِ الَّتِي هَيَّأَهَا اللَّهُ لِأَنْ تَكُونَ وَلَدًا، شِبْهُ إِهْلَاكِ الْوَلَدِ وَدَفْنِهِ حَيًّا، لَكِنْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ دُونَهُ ; فَلِذَلِكَ جَعَلَهُ خَفِيًّا وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ حَرَّمَ الْعَزْلَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ; إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْوَأْدِ الْحَقِيقِيِّ حُرْمَةُ مَا يُضَاهِيهِ بِوَجْهٍ وَلَا يُشَارِكُهُ فِيمَا هُوَ عِلَّةُ الْحُرْمَةِ وَهِيَ إِزْهَاقُ الرَّوْحِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهِ التَّاءَاتُ السَّبْعُ، أَسْنَدَ أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ رَفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَلَسَ إِلَى عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَذَاكَرُوا الْعَزْلَ، فَقَالُوا: لَا بَأْسَ بِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، فَقَالَ عَلِيٌّ لَا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهَا التَّاءَاتُ السَّبْعُ حَتَّى تَكُونَ سُلَالَةً مِنْ طِينٍ ثُمَّ تَكُونُ نُطْفَةً ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً ثُمَّ تَكُونُ عَظْمًا ثُمَّ تَكُونُ لَحْمًا ثُمَّ تَكُونُ خَلْقًا آخَرَ فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، قَالَ وَهَلْ يُبَاحُ الْإِسْقَاطُ بَعْدَ الْحَبَلِ؟ قَالَ يُبَاحُ مَا لَمْ يَتَخَلَّقْ شَيْءٌ مِنْهُ، ثُمَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ قَالُوا: وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالتَّخْلِيقِ نَفْخَ الرُّوحِ وَإِلَّا فَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ التَّخْلِيقَ يَتَحَقَّقُ بِالْمُشَاهَدَةِ قَبْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ.
стр. 4449
٣١٩٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَعْظَمَ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي رِوَايَةٍ: " «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣١٩٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَعْظَمَ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ " إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ " بِدُونِ الْأَلِفِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَشَرُّ لَا يُقَالُ إِلَّا فِي لُغَةٍ رَدِيَّةٍ. قَالَ الْقَاضِي: الرِّوَايَةُ وَقَعَتْ بِالْأَلِفِ وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ رَدَاءَتِهِ ; لِأَنَّ مَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ سِيَّمَا حُفَّاظُ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ مُقَدَّمُونَ عَلَى حَفَظَةِ اللُّغَةِ (الرَّجُلُ) هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَمَنْصُوبٌ عَلَى الثَّانِيَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَيْ أَعْظَمُ أَمَانَةٍ عِنْدَ اللَّهِ خَانَ فِيهَا الرَّجُلُ أَمَانَةَ الرَّجُلِ. وَقَالَ الْأَشْرَفُ: أَيْ أَعْظَمُ خِيَانَةِ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِيَانَةُ الرَّجُلِ (يُفْضِي) أَيْ: يَصِلُ (إِلَى امْرَأَتِهِ) وَيُبَاشِرُهَا (وَتُفْضِي) أَيْ: تَصِلُ هِيَ أَيْضًا (إِلَيْهِ) قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] (ثُمَّ يَنْشُرُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الشِّينِ أَيْ يُظْهِرُ (سِرَّهَا) بِأَنْ يَتَكَلَّمَ لِلنَّاسِ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَوْلًا وَفِعْلًا أَوْ يُفْشِي عَيْبًا مِنْ عُيُوبِهَا أَوْ يَذْكُرُ مِنْ مَحَاسِنِهَا مَا يَجِبُ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا سَتْرُهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ أَفْعَالُ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ وَأَقْوَالِهِمَا أَمَانَةٌ مُودَعَةٌ عِنْدَ الْآخَرِ فَمَنْ أَفْشَى مِنْهُمَا مَا كَرِهَهُ الْآخَرُ وَأَشَاعَهُ فَقَدْ خَانَهُ، قَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: أُرِيدُ طَلَاقَ امْرَأَتِي فَقِيلَ لَهُ لِمَ؟ فَقَالَ: كَيْفَ أَذْكُرُ عَيْبَ زَوْجَتِي؟ ! فَلَمَّا طَلَّقَهَا قِيلَ لَهُ: لِمَ طَلَّقْتَهَا؟ قَالَ كَيْفَ أَذْكُرُ عَيْبَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ. ثُمَّ قِيلَ: يُكْرَهُ هَذَا إِذْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ، أَمَّا إِذَا تَرَتَّبَ بِأَنْ تَدَّعِيَ عَلَيْهِ الْعَجْزَ عَنِ الْجِمَاعِ أَوْ إِعْرَاضَهُ عَنْهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ فِي ذِكْرِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 4450
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣١٩١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] الْآيَةَ أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٣١٩١ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] الْآيَةَ أَقْبِلْ: أَيْ: جَامِعْ مِنْ جَانِبِ الْقُبُلِ (وَأَدْبِرْ) أَيْ: أَوْلِجْ فِي الْقُبُلِ مِنْ جَانِبِ الدُّبُرِ (وَاتَّقِ الدُّبُرَ) أَيْ: إِيلَاجَهُ فِيهِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﷻ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فَإِنَّ الْحَرْثَ يَدُلُّ عَلَى اتِّقَاءِ الدُّبُرِ (أَنَّى شِئْتُمْ) عَلَى إِبَاحَةِ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ وَالْخِطَابُ فِي التَّفْسِيرِ خِطَابٌ عَامٌّ وَإِنَّ كُلَّ مَنْ يَتَأَتَّى مِنَ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِمَا (وَالْحَيْضَةَ) بِكَسْرِ الْحَاءِ اسْمٌ مِنَ الْحَيْضِ وَالْحَالُ الَّتِي يَلْزَمُهَا الْحَائِضُ مِنَ التَّجَنُّبِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَالْمَعْنَى اتَّقِ الْمُجَامَعَةَ فِي زَمَانِهَا، ذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ أَنَّهُ لَوِ اسْتَحَلَّ وَطْءَ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ يَكْفُرُ، وَفِي النَّوَادِرِ: عَنْ مُحَمَّدٍ لَا يَكْفُرُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ لِلتَّفْتَازَانِيِّ، قِيلَ: لِأَنَّ النَّصَّ الدَّالَّ عَلَى حُرْمَتِهِ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﷻ ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ظَنِّي الدَّلَالَةُ مَعَ أَنَّ حُرْمَتَهُ لِغَيْرِهِ، قَالَ الْفَاضِلُ: لَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنِ اسْتَحَلَّ حَرَامًا لِغَيْرِهِ هَلْ يَكْفُرُ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ حُرْمَةَ وَطْءِ الْحَائِضِ لِمُجَاوِرَةِ الْأَذَى اه. وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ يَحْرُمُ وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَيَحِلُّ وَطْءُ الْحَائِضِ فِي الطُّهْرِ الْمُتَخَلِّلِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: مَوْقُوفًا وَفِي نُسْخَةٍ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.
стр. 4451
٣١٩٢ - وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٣١٩٢ - (وَعَنْ خُزَيْمَةَ) مُصَغَّرًا (بْنِ ثَابِتٍ) يُكَنَّى أَبَا عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّ الْأَوْسِيَّ يُعْرَفُ بِذِي الشَّهَادَتَيْنِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا كَانَ عَلَى يَوْمِ صِفِّينَ فَلَمَّا قُتِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ جَرَّدَ سَيْفَهُ وَظَلَّ حَتَّى قُتِلَ ( «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ» ) وَالْحَيَاءُ تَغَيُّرٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ لُحُوقِ مَا يُعَابُ بِهِ وَيُذَمُّ وَالتَّغَيُّرُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَهُوَ مَجَازٌ عَنِ التَّرْكِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ الْحَيَاءِ أَيْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتْرُكُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ أَوْ إِظْهَارِهِ وَفِي جَعْلِ هَذَا مُقَدِّمَةٌ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ بَعْدَهُ إِشْعَارٌ بِشَنَاعَةِ هَذَا الْفِعْلِ وَاسْتِهْجَانِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَانَ مِنَ الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ إِنِّي لَا أَسْتَحِي فَأُسْنِدَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَزِيدًا لِلْمُبَالَغَةِ (لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ) وَهَذَا فِي شَأْنِ النِّسَاءِ فَكَيْفَ بِالرِّجَالِ: قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ وَفِي اسْتِحْلَالِ الْلُواطَةِ بِامْرَأَتِهِ لَا يَكْفُرُ عَلَى الْأَصَحِّ، قِيلَ: لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، وَفِي تَفْسِيرِ الْمَدَارِكِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦] مِنْ تَبْيِينٍ لِمَا خَلَقَ أَوْ تَبْعِيضٍ وَالْمُرَادُ بِمَا خَلَقَ الْعُضْوُ الْمُبَاحُ وَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ بِنِسَائِهِمْ وَفِيهِ دَلِيلُ تَحْرِيمِ أَدْبَارِ الزَّوْجَاتِ وَالْمَمْلُوكَاتِ وَمَنْ أَجَازَهُ فَقَدْ أَخْطَأَ خَطَأً عَظِيمًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا إِنْ فَعَلَهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنَا، وَإِنْ فَعَلَهُ بِامْرَأَتِهِ أَوْ بِأَمَتِهِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ لَكِنْ لَا يُرْجَمُ وَلَا يُحَدُّ لَكِنْ يُعَزَّرُ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَلَوْ لَاطَ بِعَبْدِهِ فَهُوَ كَلِوَاطِهِ بِأَجْنَبِيَّةٍ وَأَمَّا الْمَفْعُولُ بِهِ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ مُكْرَهًا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 4452
٣١٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣١٩٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ» ) وَفِي نُسْخَةٍ امْرَأَةً وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ (إِلَى دُبُرِهَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 4453
٣١٩٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٣١٩٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ» ) أَيْ: نَظَرَ رَحْمَةٍ (رَوَاهُ) أَيْ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ.
стр. 4454
٣١٩٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٣١٩٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
стр. 4455
٣١٩٦ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا فَإِنَّ الْغَيْلَ يُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ عَنْ فَرَسِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣١٩٦ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ) أَصْلُهُ وَسَمَاءُ عَلَى وَزْنِ فَعْلَاءَ وَلِذَا لَمْ يُصْرَفُ كَذَا قِيلَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَسْمَاءُ جَمْعَ اسْمٍ أُطْلِقَ عَلَيْهَا وَعَدَمُ صَرْفِهِ الْعَلْمِيَّةُ وَالتَّأْنِيثُ (بِنْتِ يَزِيدَ) احْتِرَازٌ مِنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا» ) أَيْ: إِغَالَةً وَالنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ وَيَحْمِلُ قَوْلُهُ السَّابِقُ: " لَقَدْ هَمَمْتُ " أَنَّ النَّهْيَ عَلَى التَّحْرِيمِ فَلَا مُنَافَاةَ (فَإِنَّ الْغَيْلَ) وَهُوَ لَبَنٌ يَحْصُلُ عِنْدَ الْإِغَالَةِ أَيْ ضَرَرُهُ وَأَثَرُهُ (يُدْرِكُ الْفَارِسَ) أَيْ: رَاكِبَ الْفَرَسِ الَّذِي تَرَبَّى بِلَبَنِ الْغَيْلِ (فَيُدَعْثِرُهُ) أَيْ: يَصْرَعُهُ وَيُسْقِطُهُ (عَنْ فَرَسِهِ) فَيَمُوتُ فَيَكُونُ مَوْتُهُ هَذَا مُسَبَّبًا عَنْ تِلْكَ الْغِيلَةِ وَهِيَ كَالْمُغِيلِ لَهُ أَيِ الْمُهْلِكِ غَيْرَ
стр. 4456
أَنَّهُ سِرٌّ لَا يَظْهَرُ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا جُومِعَتْ وَحَمَلَتْ فَسَدَ لِبَنُهَا وَإِذَا اغْتَذَى بِهِ الطِّفْلُ بَقِيَ سُوءُ أَثَرِهِ فِي بَدَنِهِ وَأَفْسَدَ مِزَاجَهُ فَإِذَا صَارَ رَجُلًا وَرَكِبَ الْفَرَسَ فَرَكْضَهَا رُبَّمَا أَدْرَكَهُ ضَعْفُ الْغَيْلِ فَيَسْقُطُ مِنْ مَتْنِ فَرَسِهِ وَكَانَ ذَلِكَ كَالْقَتْلِ فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْإِرْضَاعِ حَالَ الْحَمْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلرِّجَالِ أَيْ لَا تُجَامِعُوا فِي حَالِ الْإِرْضَاعِ ; كَيْلَا تَحْبَلَ نِسَاؤُكُمْ فَيُهْلِكُ الْإِرْضَاعُ فِي حَالِ الْحَمْلِ أَوْلَادَكُمْ، وَهَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: نَفْيُهُ لِأَثَرِ الْغَيْلِ فِي الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ كَانَ إِبْطَالًا لِاعْتِقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ كَوْنَهُ مُؤَثِّرًا وَإِثْبَاتُهُ لَهُ هُنَا لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ كَوْنِ الْمُؤَثِّرِ الْحَقِيقِيِّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 4457
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٣١٩٧ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَعْزِلَ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٣١٩٧ - (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﵁ ( «قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْزَلَ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا» ) أَيْ: لِتَعَلُّقِ حَقِّهَا إِمَّا بِلَذَّةِ الْجِمَاعِ وَإِمَّا بِحُصُولِ الْوَلَدِ وَالِاسْتِمْتَاعِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4458
(بَابٌ)
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٣١٩٨ - عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا فِي بَرِيرَةَ: خُذِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(بَابٌ)
بِالتَّنْوِينِ أَوْ بِالسُّكُونِ أَيْ: نَوْعٌ آخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِالْكِتَابِ مُنَاسِبٌ لِلْبَابِ.
٣١٩٨ - (عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا فِي بَرِيرَةَ) أَيْ: فِي شَأْنِهَا وَأَمْرِ شِرَائِهَا (خُذِيهَا) أَيْ: مِنْ مَوَالِيهَا بِاشْتِرَائِهَا (فَأَعْتِقِيهَا وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا فَخَيَّرَهَا) أَيْ: بَرِيرَةَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: بَيْنَ فَسْخِ النِّكَاحِ وَإِمْضَائِهِ ( «فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا» ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ إِذْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا حِينَ أُعْتِقَتْ وَأَنَّهَا خُيِّرَتْ فَقَالَتْ مَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مَعَهُ فَإِنَّهُ قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا اه. وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْمُصَنِّفُ حَيْثُ ذَكَرَ عَنْ عُرْوَةَ وَلَمْ يَقُلْ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ الْمُظْهِرُ: إِذَا أَعْتَقْتَ أَمَةٌ فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا مَمْلُوكًا فَلَهَا الْخِيَارُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا فَلَا خِيَارَ إِلَّا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَلَهَا الْخِيَارُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَإِنْ أَعْتَقَ الزَّوْجَانِ مَعًا فَلَا خِيَارَ أَوِ الزَّوْجُ فَلَا خِيَارَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ زَوْجَتُهُ مَمْلُوكَةً أَوْ حُرَّةً وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ فِي كَلَامِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ آخِرَ الْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4459
٣١٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْعَبَّاسِ، يَا عَبَّاسُ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضٍ بَرِيرَةَ مُغِيثًا فَقَالَ النَّبِيُّ: لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي، قَالَ: إِنَّمَا أَشْفَعُ، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣١٩٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ) أَيْ: كَعَبْدٍ أَسْوَدَ فِي قُبْحِ الصُّورَةِ أَوْ كَانَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ فَصَارَ حُرًّا فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا (يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ) أَيْ: يَدُورُ (خَلْفَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ) أَيْ: فِي طُرُقِهَا (يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ) حَالَانِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْعَبَّاسِ) قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀: الْمَفْهُومُ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ إِنَّمَا سَكَنَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنَ الطَّائِفِ وَابْنُهُ إِنَّمَا أَتَاهَا مَعَ أَبَوَيْهِ وَقَدْ أَخْبَرَ بِمُشَاهَدَةِ
стр. 4460
ذَلِكَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ مَعَ تَقَدُّمِهَا، فَوُجِّهَ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَخْدِمُ عَائِشَةَ قَبْلَ شِرَائِهَا، ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ وَقَوَّاهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ (يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبَ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ) أَيْ: مِنْ كَثْرَةِ مَحَبَّتِهِ إِيَّاهَا (وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا) قِيلَ إِنَّمَا كَانَ التَّعَجُّبُ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَادَةِ أَنَّ الْمُحِبَّ لَا يَكُونُ إِلَّا مَحْبُوبًا وَبِالْعَكْسِ (فَقَالَ الْنَّبِيُّ ﷺ لَوْ رَاجَعْتِيهِ) الرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ لِإِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ وَلَوْ لِلتَّمَنِّي أَوِ الشَّرْطِ مَحْذُوفِ الْجَزَاءِ أَيْ لَكَانَ لَكِ ثَوَابٌ أَوْ لَكَانَ أَوْلَى وَفِيهِ مَعْنَى الْأَمْرِ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي) بِحَذْفِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ أَتَأْمُرُنِي بِمُرَاجَعَتِهِ وُجُوبًا (قَالَ إِنَّمَا أَشْفَعُ) أَيْ: آمُرُكِ اسْتِحْبَابًا (قَالَتْ: لَا حَاجَةَ) أَيْ: لَا غَرَضَ وَلَا صَلَاحَ (لِي فِيهِ) أَيْ: فِي مُرَاجَعَتِهِ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى عُذْرِهَا فِي عَدَمِ قَبُولِ شَفَاعَتِهِ ﷺ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ بَرِيرَةَ فَرَّقَتْ بَيْنَ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَشَفَاعَتِهِ وَعَلِمَتْ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ دُونَهَا اه، وَفِي الْحَدِيثِ شَفَاعَةُ الْإِمَامِ إِلَى الرَّعِيَّةِ وَهِيَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ السَّنِيَّةِ، وَعَدَمُ وُجُوبِ قَبُولِهَا وَعَدَمُ مُؤَاخَذَةِ الْإِمَامِ عَلَى امْتِنَاعِهَا وَإِنَّ الْعَدَاوَةَ لِسُوءِ الْخُلُقِ وَخُبْثِ الْمُعَاشَرَةِ جَائِزَةٌ، وَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي يُرِيدُ خِطْبَتَهَا وَاتِّبَاعِهِ إِيَّاهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 4461
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٣٢٠٠ - «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَعْتِقَ مَمْلُوكَيْنِ لَهَا زَوْجٌ فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَبْدَأَ بِالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٣٢٠٠ - ( «عَنْ عَائِشَةَ) أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَعْتِقَ مَمْلُوكَيْنِ لَهَا» ) أَيْ: كَائِنَيْنِ ثَابِتَيْنِ لِعَائِشَةَ (زَوْجٌ) أَيْ: هُمَا زَوْجٌ أَيْ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ لِأَنَّ الزَّوْجَ فِي الْأَصْلِ يُطْلَقُ عَلَى شَيْئَيْنِ بَيْنَهُمَا ازْدِوَاجٌ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى فَرْدٍ مِنْهُمَا وَفِي نُسْخَةِ زَوْجَيْنِ صِفَةٌ لِمَمْلُوكَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ لَهَا زَوْجٌ كَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَفِي إِعْرَابِهِ إِشْكَالٌ إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ أَحَدُهُمْ زَوْجٌ لِلْآخَرِ أَوْ بَيْنَهُمَا ازْدِوَاجٌ وَفِي كَثِيرِ النُّسَخِ لِلْمَصَابِيحِ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ زَوْجَيْنِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ مَمْلُوكَيْنِ وَالضَّمِيرُ فِي لَهَا لِعَائِشَةَ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ مَمْلُوكَةً لَهَا زَوْجٌ فَالضَّمِيرُ لِلْجَارِيَةِ (فَسَأَلَتْ) أَيْ: عَائِشَةُ ( «النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَبْدَأَ بِالرَّجُلِ» ) أَيْ: بِإِعْتَاقِ الرَّجُلِ (قَبْلَ الْمَرْأَةِ) لِأَنَّ إِعْتَاقَهُ لَا يُوجِبُ فَسْخَ النِّكَاحِ وَإِعْتَاقَ الْمَرْأَةِ يُوجِبُهُ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالِابْتِدَاءِ لِئَلَّا يُفْسَخَ النِّكَاحُ إِنْ بُدِئَ بِهِ هَذَا حَاصِلٌ عَلَى كَلَامِ الْمُظْهِرِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا بُدِئَ بِهِ لِأَنَّهُ الْأَكْمَلُ وَالْأَفْضَلُ أَوْ لِأَنَّ الْغَالِبَ اسْتِنْكَافُ الْمَرْأَةِ عَنْ أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا عَبْدًا بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 4462
٣٢٠١ - وَعَنْهَا «أَنْ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ لَهَا إِنْ قَرِبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٢٠١ - (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ) بِفَتَحَاتٍ (وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ) أَيْ: زَوْجُهَا (فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: بَيْنَ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ وَاخْتِيَارِ الْفَسْخِ (وَقَالَ لَهَا) أَيْ: لِبَرِيرَةَ (إِنْ قَرِبَكِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ جَامَعَكِ (زَوْجُكِ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالضَّمِّ أَيْ دَنَا مِنْكِ بِالْجِمَاعِ بَعْدَ الْعِتْقِ (فَلَا خِيَارَ لَكِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَتَى صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ فَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ هُوَ الْوَاجِبُ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: كَانَ لَهَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يُصِبْهَا بَعْدَ الْعِتْقِ وَلَا أَعْلَمُ فِي تَأْخِيرِ الْخِيَارِ شَيْئًا يُتَبَّعُ إِلَّا قَوْلَ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ
стр. 4463
صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَإِذَا تَزَوَّجَتْ أَمَةٌ بِإِذْنِ مَوْلَاهَا أَوْ زَوَّجَهَا هُوَ بِرِضَاهَا أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهَا ثُمَّ أُعْتِقَتْ فَلَهَا الْخِيَارُ حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا، أَمَّا إِذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهَا يَنْفُذُ النِّكَاحُ بِالْإِعْتَاقِ وَلَا خِيَارَ لَهَا، وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِيمَا إِذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا فَلَا خِيَارَ لَهَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ وَالِاخْتِلَافِ فِي تَرْجِيحِ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ أَكَانَ حِينَ أُعْتِقَتْ حُرًّا أَوْ عَبْدًا فَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَهَا وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، رَوَاهُ الْقَاسِمُ وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا حِينَ أُعْتِقَتْ وَهَكَذَا رُوِيَ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالتَّرْجِيحُ يَقْتَضِي فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَكَانَ تَرْجِيحُ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا، وَذَلِكَ أَنَّ رُوَاةَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ثَلَاثَةٌ؛ الْأَسْوَدُ وَعُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ فَأَمَّا الْأَسْوَدُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا، وَأَمَّا عُرْوَةُ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَانَ حُرًّا وَالْأُخْرَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ كَانَ حُرًّا وَالْأُخْرَى الشَّكُّ، وَوَجْهٌ آخَرُ مِنَ التَّرْجِيحِ مُطْلَقًا لَا يَخْتَصُّ بِالْمَرْوِيِّ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَهُوَ أَنَّ رِوَايَةَ خَيَّرَهَا ﷺ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا يَحْتَمِلُ كَوْنَ الْوَاوِ لِلْعَطْفِ فِيهِ لَا لِلْحَالِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِخْبَارٌ بِالْأَمْرَيْنِ، وَكَوْنُهُ اتَّصَفَ بِالرِّقِّ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنُ ذَلِكَ كَانَ حَالَ عِتْقِهَا هَذَا بَعْدَ احْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِالْعَبْدِ الْعَتِيقِ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ وَهُوَ شَائِعٌ فِي الْعُرْفِ، وَالَّذِي لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ التَّرْجِيحِ أَنَّ رِوَايَةَ كَانَ حُرًّا أَنَصُّ مِنْ كَانَ عَبْدًا، وَتُثْبِتُ زِيَادَةً فَهِيَ أَوْلَى، وَأَيْضًا فَهِيَ مُثْبِتَةٌ وَتِلْكَ نَافِيَةٌ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ كَانَ حَالَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ الرِّقَّ وَالنَّافِي هُوَ الْمُبقِيهَا وَالْمُثْبَتُ هُوَ الْمَخْرَجُ عَنْهَا، وَأَمَّا الْمَعْنَى الْمُعَلَّلُ بِهِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ وَذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ مَبْسُوطًا فَعَلَيْكَ بِهِ إِنْ تُرِدْ أَنْ تَكُونَ مُحِيطًا.
стр. 4464
[بَابُ الصَّدَاقِ]
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٣٢٠٢ - «عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ فَقَامَتْ طَوِيلًا فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ فِيهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا قَالَ مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا، قَالَ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَالَ نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا فَقَالَ قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(بَابُ الصَّدَاقِ)
الصَّدَاقُ كَكِتَابٍ وَسَحَابٍ الْمَهْرُ وَالْكَسْرُ فِيهِ أَفْصَحُ وَأَكْثَرُ وَالْفَتْحُ أَخَفُّ وَأَشْهَرُ وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ صِدْقُ مَيْلٍ إِلَى الْمَرْأَةِ.
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٣٢٠٢ - (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) أَيْ: السَّاعِدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ اسْمُهُ حَزْنًا فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْلًا، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ» ) فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ احْتِرَازًا عَنْ خَجَالَتِهَا ( «فَقَامَتْ طَوِيلًا» ) أَيْ: زَمَانًا كَثِيرًا وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ رِضَاهُ بِتَزْوِيجِهَا وَفِي الْحَدِيثِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﷻ ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] قَالَ صَاحِبُ الْمَدَارِكِ: أَيْ وَأَحْلَلْنَا لَكَ مَنْ وَقَعَ لَكَ أَنْ تَهَبَ لَكَ نَفْسَهَا وَلَا تَطْلُبَ مَهْرًا مِنَ النِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ إِنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ نَكَّرَهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ بَيَانُ حُكْمٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْهُنَّ بِالْهِبَةِ، وَقِيلَ الْوَاهِبَةُ نَفْسَهَا مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ أَوْ زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ، أَوْ أُمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ جَابِرٍ أَوْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] بَلْ يَجِبُ الْمَهْرُ لِغَيْرِكَ وَإِنْ لَمْ يُسَّمِهِ أَوْ نَفَاهُ قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا مِنْ خَوَاصِّ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَجِبُ مَهْرُهَا عَلَيْهِ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَفِي انْعِقَادِ نِكَاحِ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، الثَّانِي: لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ أَوِ النِّكَاحِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ فَإِنَّهُ مَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ
стр. 4465
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: يَنْعَقِدُ نِكَاحُ كُلِّ وَاحِدٍ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ عَلَى التَّأْبِيدِ. وَلِمَالِكٍ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا مِثْلُ مَذْهَبِنَا وَالْأُخْرَى يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ إِذَا قُصِدَ بِهِ النِّكَاحُ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ عَرْضِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى الصُّلَحَاءِ لِيَتَزَوَّجَهَا، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ طُلِبَ مِنْهُ حَاجَةٌ لَا يُمْكِنُهُ قَضَاؤُهُ أَنْ يَسْكُتَ سُكُوتًا يَفْهَمُ السَّائِلُ مِنْهُ ذَلِكَ وَلَا يُخْجِلُهُ بِالْمَنْعِ (فَقَامَ رَجُلٌ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ فِيهَا) أَيْ: فِي نِكَاحِهَا (حَاجَةٌ) أَيْ: رَغْبَةٌ (قَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا) مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ أَيْ تَجْعَلُهُ صَدَاقَهَا (قَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا) عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِدَاءٌ وَلَا إِزَارٌ غَيْرَ مَا عَلَيْهِ (قَالَ فَالْتَمِسْ) أَيْ: فَاطْلُبْ شَيْئًا آخَرَ (وَلَوْ خَاتَمًا) بِكَسْرِ التَّاءِ وَفَتْحِهَا (مِنْ حَدِيدٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُسْأَلَ هَلْ هِيَ فِي عِدَّةٍ أَمْ لَا، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ وَأَنْفَعُ لِلْمَرْأَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ قِلَّةِ الصَّدَاقِ مِمَّا يُتَمَوَّلُ إِذَا تَرَاضَيَا لِأَنَّ خَاتَمَ الْحَدِيدِ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ: أَقَلُّهُ رُبُعُ دِينَارٍ كَنِصَابِ السَّرِقَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: أَقَلُّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ هُوَ الصَّحِيحُ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ حَدِيثَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَجَابِرٍ كَمَا سَيَأْتِيَانِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَلَا لَا يُزَوِّجُ النِّسَاءَ إِلَّا الْأَوْلِيَاءُ وَلَا يُزَوَّجْنَ إِلَّا مِنَ الْأَكْفَاءِ وَلَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَهُ شَاهِدٌ يُعَضِّدُهُ وَهُوَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَا يَكُونُ الْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا فَيُحْمَلُ كُلُّ مَا أَفَادَ ظَاهِرُهُ كَوْنَهُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ عَلَى أَنَّهُ الْمُعَجَّلُ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ عِنْدَهُمْ كَانَ تَعْجِيلَ بَعْضِ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بِهَا حَتَّى يُقَدِّمَ شَيْئًا لَهَا، نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ تَمَسُّكًا بِمَنْعِهِ ﷺ عَلِيًّا فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمَّا تَزَوَّجَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَمَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي شَيْءٌ، فَقَالَ: أَعْطِهَا دِرْعَكَ فَأَعْطَاهَا دِرْعَهُ ثُمَّ دَخَلَ بِهَا» . لَفَظُ أَبِي دَاوُدَ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّدَاقَ كَانَ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَهِيَ فِضَّةٌ لَكِنَّ الْمُخْتَارَ الْجَوَازُ قَبْلَهُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُدْخِلَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فَيُحْمَلُ الْمَنْعُ الْمَذْكُورُ عَلَى النَّدْبِ أَيْ: نَدْبُ تَقْدِيمِ شَيْءٍ إِدْخَالًا لِلْمَسَرَّةِ عَلَيْهَا تَأَلُّفًا لِقَلْبِهَا، وَإِذَا كَانَ مَعْهُودًا وَجَبَ حَمْلُ مَا خَالَفَ مَا رُوِّينَاهُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَكَذَا يُحْمَلُ أَمْرُهُ ﷺ بِالْتِمَاسِهِ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ عَلَى أَنَّهُ تَقْدِيمُ شَيْءٍ تَالِفًا، وَلَمَّا عَجَزَ قَالَ قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ أَيْةً وَهِيَ امْرَأَتُكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَهُوَ مُحْمَلُ رِوَايَةِ الصَّحِيحِ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا يُنَافِيهِ وَبِهِ تَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ (فَالْتَمَسَ) أَيْ: الرَّجُلُ (فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا) أَيْ: وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ جَوَازُ اتِّخَاذِ خَاتَمِ الْحَدِيدِ وَفِيهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ، وَلِأَصْحَابِنَا فِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا يُكَرَهُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ ضَعِيفٌ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَعْجِيلِ تَسْلِيمِ الْمَهْرِ إِلَيْهَا (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ مَعَكَ) أَيْ: عِنْدَكَ (مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ) أَيْ: مَحْفُوظٌ أَوْ مَعْلُومٌ (قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا) زَادَ مَالِكٌ لِسُورَةٍ سَمَّاهَا وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا، زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَسُوَرُ الْمُفَصَّلِ وَلِأَبِي الشَّيْخِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كَوَنِ الصَّدَاقِ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَجَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ لِتَعْلِيمِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الزُّبَيْرُ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ لَا تَقْدِيرَ لَهُ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ الْتَمِسْ، إِلَخْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَيِّ شَيْءٍ
стр. 4466
مِنَ الْمَالِ وَعَلَى أَنَّ الْمَالَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْكَفَاءَةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْأَلْ هَلْ هُوَ كُفْءٌ لَهَا أَمْ لَا وَقَدْ عَلِمَ ﵊ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ (فَقَالَ: قَدْ زَوَّجْتُكَ بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) قَالَ الْأَشْرَفُ: الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلَيْسَتْ لِلْبَدَلِيةِ وَالْمُقَابَلَةِ أَيْ زَوَّجْتُكَهَا بِسَبَبِ مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ سَبَبُ الِاجْتِمَاعِ بَيْنَكُمَا كَمَا فِي تَزَوُّجِ أَبِي طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ عَلَى إِسْلَامِهِ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ صَارَ سَبَبًا لِاتِّصَالِهِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَهْرُ دِينًا، قِيلَ وَلَعَلَّهَا وَهَبَتْ صَدَاقَهَا لِذَلِكَ الرَّجُلِ، قِيلَ: وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، قُلْتُ: أَمَّا هِبَتُهَا قَبْلَ الْعَقْدِ فَلَا تَصِحُّ اتِّفَاقًا وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَ) أَيْ: بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ (فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ) مَا مَعَكَ وَهَذَا أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيمَ مَهْرٌ قَالَ الْخَطَابِيُّ: الْبَاءُ لِلتَّعْوِيضِ كَمَا يُقَالُ بِعْتُ هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ مَا أَوَّلُوهُ وَلَمْ يُرِدْ بِهَا مَعْنَى الْمَهْرِ لَمْ يَكُنْ لِسُؤَالِهِ إِيَّاهُ هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ مَعْنًى، قُلْتُ: مَعْنَاهُ حَيْثُ تَعَذَّرَ الْبَدَلُ الْحَقِيقِيُّ أَجَازَ الْعِوَضَ السَّبَبِيَّ صُورَةً وَالْبَدَلُ الْحَقِيقِيُّ ذِمَّةً، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ": وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا هُوَ مَالٌ أَوْ مَنْفَعَةٌ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا شَرْعًا يَجُوزُ التَّزَوُّجُ عَلَيْهَا، وَمَا لَا يَجُوزُ كَخِدْمَةِ الزَّوْجِ الْحُرِّ لِلْمُنَاقِضَةِ وَحُرٍّ أَخَرَ فِي خِدْمَةٍ تَسْتَدْعِي خَلْوَةً لِلْفِتْنَةِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ كَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ وَالْحَجِّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى هَذِهِ فَصَحَّ تَسْمِيَتُهَا وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي رَعْيِ غَنَمِهَا وَزِرَاعَةِ أَرْضِهَا لِلتَّرَدُّدِ فِي تَمَحُّضِهَا خِدْمَةً وَعَدَمِهِ وَكَوْنِ الْأَوْجَهِ الصِّحَّةَ لِقَصِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قِصَّةَ شُعَيْبٍ وَمَوْسِى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ نَفْيِهِ فِي شَرْعِنَا إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَتِ الْغَنَمُ مِلْكَ الْبِنْتِ دُونَ شُعَيْبٍ وَهُوَ مُنْتَفٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4467
٣٢٠٣ - وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ كَمْ كَانَ صَدَاقُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشٌّ قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشٌّ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَنَشٌّ بِالرَّفْعِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَفِي جَمْعِ الْأُصُولِ.
ــ
٣٢٠٣ - (وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂) وَفِي نُسْخَةٍ سُئِلَتْ عَائِشَةُ (كَمْ كَانَ صَدَاقُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ) بِسُكُونِ الشِّينِ وَيَكْسَرُ (أُوقِيَّةً) وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا (وَنَشٌّ) بِالرَّفْعِ لَا غَيْرَ أَيْ مَعَهَا نَشٌّ أَوْ يُزَادُ نَشٌّ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ النَّشٌّ النِّصْفُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَنَشُّ الرَّغِيفِ نَصِفُهُ (قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشٌّ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ) هِيَ أُفْعُولَةٌ وَالْهَمْزَةُ زَائِدَةٌ مِنَ الْوِقَايَةِ لِأَنَّهَا تَقِي صَاحِبَهَا الْحَاجَةَ فِي النِّهَايَةِ وَقَدْ يَجِيءُ فِي الْحَدِيثِ وَقِيَّةٌ وَلَيْسَتْ بِالْعَالِيَةِ (كَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَنَشٌّ بِالرَّفْعِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَفِي جَمِيعِ الْأُصُولِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ (وَنَشًّا) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَلَيْسَ بِرِوَايَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اسْتِحْبَابِ كَوْنِ الْمَهْرِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَإِنْ قِيلَ صَدَاقُ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ تَبَرَّعَ بِهِ النَّجَاشِيُّ مِنْ مَالِهِ إِكْرَامًا لِلنَّبِيِّ ﷺ -
стр. 4468
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٣٢٠٤ - «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا صَدُقَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا وَتَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَكَحَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أَنْكَحَ شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٣٢٠٤ - (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ (لَا تُغَالُوا) بِضَمِّ التَّاءِ وَاللَّامِ (صَدُقَةَ النِّسَاءِ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّ الدَّالِّ جَمْعُ الصَّدَاقِ، قَالَ الْقَاضِي: الْمُغَالَاةُ التَّكْبِيرُ أَيْ لَا تُكْثِرُوا مُهُورَهُنَّ (فَإِنَّهَا) أَيْ: الْقِصَّةُ أَوِ الْمُغَالَاةُ يَعْنِي كَثْرَةَ الْأَصْدِقَةِ (لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَاحِدَةُ الْمَكَارِمِ أَيْ مِمَّا تُحْمَدُ (فِي الدُّنْيَا وَتَقْوَى) أَيْ: زِيَادَةُ تَقْوَى (عِنْدَ اللَّهِ) أَيْ: مَكْرُمَةٌ فِي الْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وَهِيَ غَيْرُ مُنَوَّنَةٍ وَفِي
стр. 4469
نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ وَقَدْ قُرِيءَ شَاذًّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٩] (لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا) أَيْ: بِمُغَالَاةِ الْمُهُورِ (نَبِيُّ اللَّهِ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ ( ﷺ مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَكَحَ شَيْئًا) أَيْ: تَزَوَّجَ أَحَدًا (مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أَنْكَحَ) أَيْ: زَوَّجَ (شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرَ) أَيْ: مِقْدَارًا أَكْثَرَ (مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً) وَهِيَ أَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنَ الْحَدِيثِ الْآتِي أَنَّ صَدَاقَ أُمِّ حَبِيبَةَ كَانَ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِ عُمَرَ لِأَنَّهُ أَصْدَقَهَا النَّجَاشِيُّ فِي الْحَبَشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَنَشًّا فَإِنَّهُ لَمْ يَتَجَاوَزْ عَدَدَ الْأَوَاقِي الَّتِي ذَكَرَهَا عُمَرُ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ عَدَدَ الْأُوقِيَّةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الْكُسُورِ مَعَ إِنَّهُ نَفَى الزِّيَادَةَ فِي عِلْمِهِ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ صَدَاقُ أُمِّ حَبِيبَةَ وَلَا الزِّيَادَةُ الَّتِي رَوَتْهَا عَائِشَةُ فَإِنْ قُلْتَ: نَهْيُهُ عَنِ الْمُغَالَاةِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] قُلْتُ النَّصُّ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ لَا عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ، وَالْكَلَامُ فِيهَا لَا فِيهِ لَكِنْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إِنَّهُ قَالَ لَا تَزِيدُوا فِي مُهُورِ النِّسَاءِ عَلَى أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فَمَنْ زَادَ أَلْقَيْتُ الزِّيَادَةَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: مَا ذَاكَ لَكَ؟ قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] فَقَالَ عُمَرُ: امْرَأَةٌ أَصَابَتْ وَرَجُلٌ أَخْطَأَ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّيِّدُ الْجَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ فِي رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ: إِنَّ صَدَاقَ فَاطِمَةَ ﵂ كَانَ أَرْبَعَمِائَةِ مِثْقَالِ فِضَّةٍ، وَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَوَاهِبِ وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَكَ فَاطِمَةَ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالِ فِضَّةٍ وَالْجَمْعُ أَنَّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ مَعَ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْكُسُورِ لَكِنْ يُشْكَلُ نَقْلُ ابْنِ الْهُمَامِ أَنَّ صَدَاقَ فَاطِمَةَ كَانَ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَعَلَى كُلٍّ فَمَا اشْتُهِرَ بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ أَنَّ مَهْرَهَا تِسْعَةَ عَشَرَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ فَلَا أَصْلَ لَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنَّ يُقَالَ إِنَّ هَذَا الْمَبْلَغَ قِيمَةُ دِرْعِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَيْثُ دَفَعَهَا إِلَيْهَا مَهْرًا مُعَجَّلًا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 4470
٣٢٠٥ - وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَتِهِ مِلْءَ كَفَّيْهِ سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٢٠٥ - (عَنْ جَابِرٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَتِهِ مِلْءَ كَفَّيْهِ سَوِيقًا) وَهُوَ دَقِيقٌ مَقْلِيٌّ مُخْتَلِطٌ بِشَيْءٍ، حَامِضًا كَانَ أَوْ حُلْوًا (أَوْ تَمْرًا) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ (فَقَدِ اسْتَحَلَّ) اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزِ الْمَهْرَ بِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِجَازَةُ النِّكَاحِ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَجِبُ إِلَى تَمَامِ الْعَشَرَةِ وَعَلَى هَذَا حُمِلَ قَوْلُهُ (فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) ، أَقُولُ لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْمُعَجَّلِ الَّذِي يُسَمَّى الدَّفْعَةَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الزَّمَانِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قِيلَ فِيهِ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ جِبْرِيلَ قَالَ فِي الْمِيزَانِ: لَا يُعْرَفُ وَضَعَّفَهُ الْأَزْدِيُّ، وَمُسْلِمُ بْنُ رُومَانَ مَجْهُولٌ أَيْضًا.
стр. 4471
٣٢٠٦ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ «أَنَّ امْرَأَةً مَنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَجَازَهُ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٣٢٠٦ - (وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ امْرَأَةً مَنْ بَنِي فَزَارَةَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ (تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ) قِيلَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُعَجَّلِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَضِيتِ) هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ لِلِاسْتِعْلَامِ
٢ - ?
стр. 4472
(مِنْ نَفْسِكَ وَمَالِكَ) : بِكَسْرِ اللَّامَ أَيْ بَدَلَ نَفْسِكِ مَعَ وُجُودِ مَالِكِ ( «بِنَعْلَيْنِ قَالَتْ نَعَمْ فَأَجَازَهُ» ) : الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهَا لَمَّا تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ صَحَّ نِكَاحُهُمَا وَكَانَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا فَلَمَّا رَضِيَتْ بِالنَّعْلَيْنِ وَأَسْقَطَتْ حَقَّهَا الزَّائِدَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْعَقْدِ أَجَازَهُ ﷺ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ فَلَا يَصْلُحُ مُسْتَدَلًّا لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَحَدِيثُ النَّعْلَيْنِ وَإِنْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ فِيهِ عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَالَ ابْنُ مَعِينٍ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: فَاحِشُ الْخَطَأِ فَتُرِكَ ثُمَّ قَالَ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِ تِلْكَ النَّعْلَيْنِ تُسَاوِي عَشَرَةً، وَالْحَقُّ أَنَّ وُجُودَ مَا يَنْفِي - بِحَسَبِ الظَّاهِرِ - تَقْدِيرَ الْمَهْرِ بِعَشَرَةٍ فِي السُّنَّةِ كَثِيرٌ إِلَّا أَنَّهَا كُلَّهَا مُضَعَّفَةٌ مَا سِوَى حَدِيثِ " الْتَمِسْ "، وَاحْتِمَالُ " الْتَمِسْ خَاتَمًا " فِي الْمُعَجِّلِ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ لَكِنْ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ بَعْدَهُ " زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ " فَإِنْ حُمِلَ عَلَى تَعْلِيمِهِ إِيَّاهَا مَا مَعَهُ أَوْ نَفْيِ الْمَهْرِ بِالْكُلِّيَّةِ عَارَضَ كِتَابَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَهُوَ قَوْلُهُ بَعْدَ عَدِّ الْمُحَرَّمَاتِ ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾ [النساء: ٢٤] فَقَيَّدَ الْإِحْلَالَ بِابْتِغَاءِ الْأَمْوَالِ فَوَجَبَ كَوْنُ الْخَبَرِ غَيْرَ مُخَالِفٍ لَهُ وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ مَا لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ التَّوَاتُرِ.
стр. 4473
٣٢٠٧ - «وَعَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا شَيْئًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشَقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا بِمِثْلِ مَا قَضَيْتَ فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٣٢٠٧ - (وَعَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ لَمْ يُقْدِّرْ وَلَمْ يُعَيِّنْ (لَهَا شَيْئًا) : أَيْ: مِنَ الْمَهْرِ وَفِي مَعْنَاهُ مَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا (وَلَمْ يَدْخُلْ) : أَيْ: لَمْ يُجَامِعْهَا وَلَمْ يَخْلُ بِهَا خَلْوَةً صَحِيحَةً (حَتَّى مَاتَ فَقَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ " قَالَ " (ابْنُ مَسْعُودٍ لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ لَا نَقْصَ (وَلَا شَطَطَ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ وَلَا زِيَادَةَ (وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ) : أَيْ: لِلْوَفَاةِ (وَلَهَا الْمِيرَاثُ) : فَلَمَّا قُضِيَ بِهِ قَالَ أَقُولُ فِيهِ بِنَفْسِي فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ (فَقَامَ مَعْقِلُ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْقَافِ (ابْنُ سِنَانٍ) : بِكَسْرِ السِّينِ (الْأَشْجَعِيُّ) : بِالرَّفْعِ صِفَةُ مَعْقِلٍ (فَقَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ فِي بِرْوَعَ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ وَيُفْتَحُ وَبِفَتْحِ الْوَاوِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ (بِنْتِ وَاشِقٍ) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ لَهَا ذِكْرٌ فِي الصَّدَاقِ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَرَوْنَهَا بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتَحِ الْوَاوِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمِلَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ اللُّغَةِ فَيَفْتَحُونَ الْبَاءَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَرَبِيَّةِ فِعْوَلٌ إِلَّا " خِرْوَعٌ " لِهَذَا النَّبْتِ وَ " عِقْوَدٌ " اسْمُ وَادٍ اهـ. قُلْتُ فَلْيَكُنْ هَذَا مِنْ قَبِيلِهِمَا، وَنَقْلُ الْمُحَدِّثِينَ أَحْفَظُ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ (امْرَأَةٍ مِنَّا) : أَيْ مِنْ بَنِي الْأَشْجَعِ (بِمِثْلِ مَا قَضَيْتَ فَفَرِحَ بِهَا) : أَيْ: بِالْقَضِيَّةِ أَوْ بِالْفُتْيَا (ابْنُ مَسْعُودٍ) : لِكَوْنِ اجْتِهَادِهِ مُوَافِقًا لِحُكْمِهِ ﷺ فَفِيهِ تَقْدِيرُ الْمَهْرِ وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَثُبُوتُ التَّوْرِيثِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَوُجُوبُ الْعِدَّةِ بِالْمَوْتِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَلَوْ قَبْلَهُ، وَقَالَ عَلَيٌّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: لَا مَهْرَ لَهَا لِعَدَمِ الدُّخُولِ وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ يُوَافِقَانِ قَوْلَهُمَا، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ كَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَنَا أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْهَا فِي صُورَةِ مَوْتِ الرَّجُلِ، فَقَالَ: بَعْدَ شَهْرٍ أَقُولُ فِيهِ بِنَفْسِي فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْ يَكُ خَطَأً فَمِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ أَرَى لَهَا مَهْرَ مِثْلُهَا مِثْلُ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ. فَقَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ وَأَبُو الْجَرَّاحِ حَامِلُ رَايَةَ الْأَشْجَعِيِّينَ فَقَالَا نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 4474
قَضَى فِي امْرَأَةٍ مِنَّا يُقَالُ لَهَا بِرْوَعُ بِنْتُ وَاشِقٍ الْأَشْجَعِيَّةُ بِمِثْلِ قَضَائِكَ هَذَا فَسُرَّ ابْنُ مَسْعُودٍ سُرُورًا لَمْ يُسَرَّ مِثْلَهُ قَطُّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ وَبِرْوَعُ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ فِي الْمَشْهُورِ وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا هَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُنَا، قَالَ الْمُظْهِرُ: وَهَذَا إِذَا مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالدُّخُولِ فَأَمَّا إِذَا دَخَلَ بِهَا قَبْلَ الْفَرْضِ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِلَا خِلَافٍ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ هُوَ مَهْرُ نِسَاءٍ مِنْ نِسَائِهَا فِي الْمَالِ وَالْجِمَالِ وَالْبِكَارَةِ وَالثِّيُوبَةِ فِي نِسَاءِ عَصَبَاتِهَا بِلَا خِلَافٍ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ كَأَخَوَاتِهَا مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ مِنَ الْأَبِ، أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ بِنْتِ عَمَّتِهَا، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْفَرْضِ وَالدُّخُولِ فَلَهَا الْمُتْعَةُ وَهِيَ شَيْءٌ قَدَّرَهُ الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مِثْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا ثَوْبًا أَوْ خِمَارًا أَوْ خَاتَمًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ وَلِأَبِي دَاوُدَ رِوَايَاتٌ أُخَرُ بِأَلْفَاظٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ جَمِيعُ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَسَانِيدِهَا صِحَاحٌ وَالَّذِي رُوِيَ مِنْ رَدِّ عَلَيٍّ ﵁ لَهُ فَمَذْهَبٌ تَفَرَّدَ بِهِ وَهُوَ تَحْلِيفُ الرَّاوِي إِلَّا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ وَلَمْ يَرُدَّ هَذَا الرَّجُلَ لِيُحَلِّفَهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ذَلِكَ وَمِمَّنْ أَنْكَرَ ثُبُوتَهَا عَنْهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ.
стр. 4475
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٢٠٨ - «عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ فَمَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَزَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَمْهَرَهَا عَنْهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَفِي رِوَايَةٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٣٢٠٨ - (عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ قَالَ السَّيِّدُ أَصِيلُ الدِّينِ: وَقَعَ فِي نُسَخِ الْمِشْكَاةِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، يَعْنِي بِالتَّصْغِيرِ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَجَامِعِ الْأُصُولِ وَالْمُنْتَقِي، أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَكَانَ زَوْجُهَا قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ تَنَصَّرَ بِالْحَبَشَةِ وَمَاتَ نَصْرَانِيًّا وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ (فَمَاتَ) : أَيْ: زَوْجُهَا (بِالْحَبَشَةِ فَزَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَيُكْسَرُ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ الْمُخَفَّفَةِ وَيُشَدَّدُ لَقَبُ مَلِكِ الْحَبَشَةِ وَاسْمُ الَّذِي آمَنَ " أَصْحَمَةُ " وَقَدْ يُعَدُّ فِي الصَّحَابَةِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُعَدَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الصُّحْبَةَ، أَيْ أَنْكَحَهَا (النَّبِيَّ ﷺ ) : أَيْ: بِأَمْرِهِ إِيَّاهُ (وَأَمْهَرَهَا عَنْهُ) : أَيْ: أَصْدَقَهَا النَّجَاشِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (أَرْبَعَةَ آلَافٍ) : مِنَ الدَّرَاهِمِ (وَفِي رِوَايَةٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ) : أَيْ: بِزِيَادَةِ التَّمْيِيزِ (وَبَعَثَ بِهَا) : أَيْ: أَرْسَلَ بِأُمِّ حَبِيبَةَ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ شُرَحْبِيلَ) : بِضَمِّ الشِّينِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَلَى مَا فِي الْمُغْنِي وَلَعَلَّ فِيهِ الْعُجْمَةَ مَعَ الْعَلَمِيَّةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالِانْصِرَافِ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ (ابْنِ حَسَنَةَ) : بِفَتَحَاتٍ أُمِّ شُرَحْبِيلَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) : وَفِي الْمَوَاهِبِ: وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أُمُّ حَبِيبَةَ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ وَقِيلَ اسْمُهَا هِنْدُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأُمُّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ ابْنِ الْعَاصِ فَكَانَتْ تَحْتَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَهَاجَرَ بِهَا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ تَنَصَّرَ وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَمَاتَ هُنَاكَ وَثَبَتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ نِكَاحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا وَمَوْضِعِ الْعَقْدِ فَقِيلَ إِنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ سَنَةَ سِتٍّ فَرُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى النَّجَاشِيِّ لِيَخْطُبَهَا عَلَيْهِ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارًا وَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ مَعَ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ وَرُوِيَ " بْنِ حَسَنَةَ "، وَرُوِيَ أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَرْسَلَ إِلَيْهَا جَارِيَتَهُ أَبَرْهَةَ فَقَالَتْ: إِنَّ الْمَلِكَ يَقُولُ لَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أُزَوِّجَكَ وَأَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَوَكَّلَتْهُ وَأَعْطَتْ أَبَرْهَةَ سُوَارَيْنِ وَخَاتَمَ فِضَّةٍ سُرُورًا بِمَا بَشَّرَتْهَا بِهِ فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ أَمَرَ النَّجَاشِيُّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ هُنَاكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَحَضَرُوا فَخَطَبَ النَّجَاشِيُّ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ السَّلَامِ الْمُؤْمِنِ الْمُهَيْمِنِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَجَبْتُ إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَصْدَقْتُهَا أَرْبَعَمِائَةٍ
стр. 4476
دِينَارٍ ذَهَبًا ثُمَّ صَبَّ الدَّنَانِيرَ بَيْنَ يَدَيِ الْقَوْمِ فَتَكَلَّمَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَجَبْتُ إِلَى مَا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَزَوَّجْتُهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سَيْفَانَ فَبَارَكَ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَفَعَ الدَّنَانِيرَ إِلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَقَبَضَهَا ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَقُومُوا فَقَالَ اجْلِسُوا فَإِنَّ سُنَّةَ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا تَزَوَّجُوا أَنْ يُؤْكَلَ طَعَامٌ عَلَى التَّزْوِيجِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلُوا ثُمَّ تَفَرَّقُوا» . أَخْرَجَهُ صَاحِبُ الصَّفْوَةِ كَمَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَخَالِدٌ هَذَا هُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِيهَا وَكَانَ أَبُو سَيْفَانَ أَبُوهَا حَالَ نِكَاحِهَا مُشْرِكًا مُحَارِبًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ رُجُوعِهَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، اهـ. وَمِنْ كَلَامِ النَّجَاشِيِّ: " مَا أَحَبُّ أَنَّ لِي دَبْرًا ذَهَبًا - أَيْ جَبَلًا - وَإِنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ".
стр. 4477
٣٢٠٩ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَكَانَ صَدَاقُ مَا بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامَ أَسْلَمَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ فَخَطَبَهَا فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ فَإِنْ أَسْلَمْتَ نَكَحْتُكَ فَأَسْلَمَ فَكَانَ صَدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
٣٢٠٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ زَيْدُ بْنُ السَّهْلِ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ مِنَ الرُّمَاةِ الْمَذْكُورِينَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ فِئَةٍ خِلَافٍ» "، تَزَوَّجَهَا مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ أَبُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَلَدَتْ لَهُ أَنَسًا ثُمَّ قُتِلَ عَنْهَا مُشْرِكًا وَأَسْلَمَتْ. (أُمَّ سُلَيْمٍ) : بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ بِنْتُ مِلْحَانَ وَفِي اسْمِهَا خِلَافٌ تَزَوُّجَهَا مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ أَبُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَلَدَتْ لَهُ أَنَسًا ثُمَّ قُتِلَ عَنْهَا مُشْرِكًا وَأَسْلَمَتْ فَخَطَبَهَا أَبُو طَلْحَةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ فَأَبَتْ وَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَزَوَّجُكَ وَلَا آخُذُ مِنْكَ صَدَاقًا لِإِسْلَامِكَ فَتَزَوَّجَهَا أَبُو طَلْحَةَ (فَكَانَ صَدَاقُ مَا بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامَ) : بِرَفْعِهِ أَوْ نَصْبِهِ (أَسْلَمَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ فَخَطَبَهَا فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ فَإِنْ أَسْلَمْتَ فَقَدْ نَكَحْتُكُ) : أَيْ: تَزَوَّجْتُكَ وَلَمْ آخُذْ مِنْكَ مَهْرًا (فَأَسْلَمَ فَكَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ " وَكَانَ " - أَيِ الْإِسْلَامُ - (صَدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا) : أَيْ: فَوَقَعَ النِّكَاحُ بِصَدَاقِهَا وَوَهَبَتْهُ إِيَّاهُ بِسَبَبِ إِسْلَامِهِ عَلَى مُقْتَضَى وَعْدِهَا فَكَانَ الْإِسْلَامُ صَدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ نِكَاحٍ، فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الدِّينِيَّةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِوَضًا لِلْبُضْعِ، وَأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، قُلْتُ: هَذَا حَمْلٌ بَعِيدٌ فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ الدِّينِيَّةَ مَا لَا يَكُونُ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَبِالْإِجْمَاعِ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ الدِّينِيَّةِ اسْمُ الْمَالِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ بِالْحَالِ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
стр. 4478
[بَابُ الْوَلِيمَةِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلِ
٣٢١٠ - عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(بَابُ الْوَلِيمَةِ)
وَهِيَ الطَّعَامُ الَّذِي يُصْنَعُ عِنْدَ الْعُرْسِ.
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٣٢١٠ - (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) : أَيْ: عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثِيَابِهِ (أَثَرَ صُفْرَةٍ) : أَيْ: مِنَ الزَّعْفَرَانِ (قَالَ: مَا هَذَا) : أَيْ: سَبَبُهُ أَوْ مَا هَذَا الصَّفَارُ (قَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) : قَالَ الطِّيبِيُّ: سُؤَالٌ عَنِ السَّبَبِ فَلِذَا أَجَابَ بِمَا أَجَابَ، وَيَحْتَمِلُ الْإِنْكَارَ بِأَنَّهُ كَانَ نُهِيَ عَنِ التَّضَمُّخِ بِالْخَلُوقِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ
стр. 4479
تَضَخُّمًا بَلْ شَيْءٌ عَلَقَ بِهِ مِنْ مُخَالَطَةِ الْعَرُوسِ أَيْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعٍ ( «عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ» ) : وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا " قَالَ: عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ الْقَاضِي: النَّوَاةُ اسْمٌ لِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ كَمَا أَنَّ النَّشَّ لِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَالْأُوقِيَّةَ اسْمٌ لِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَلَى ذَهَبٍ يُسَاوِي قِيمَتُهُ خَمْسَةَ دَرَاهِمٍ، وَهُوَ لَا يُسَاعِدُهُ اللَّفْظُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالنَّوَاةِ نَوَاةُ التَّمْرِ، اهـ. وَالْأَخِيرُ هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ أَيْ مِقْدَارُهَا مِنَ الذَّهَبِ وَهُوَ سُدُسُ مِثْقَالٍ تَقْرِيبًا وَقَدْ يُوجِدُ بَعْضُ النَّوَى أَنْ يَكُونَ رُبُعَ مِثْقَالٍ أَوْ أَقَلَّ، وَقِيمَتُهُ تُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَمَعْنَاهُ عَلَى مِقْدَارِ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَزْنًا مِنَ الذَّهَبِ يَعْنِي ثَلَاثَةَ مَثَاقِيلَ وَنِصْفًا ذَهَبًا. (قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ) : أَيْ: فِي زَوَاجِكَ فِيهِ نَدْبُ الدُّعَاءِ لِلزَّوْجِ. (أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) : أَيِ: اتَّخِذْ وَلِيمَةً، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَمَسِّكَ بِظَاهِرِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِهَا وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ، قِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَقِيلَ: عِنْدَ الْعَقْدِ، وَقِيلَ: عِنْدَهُمَا وَاسْتَحَبَّ أَصْحَابُ مَالِكٍ أَنْ تَكُونَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ عَلَى قَدْرِ حَالِ الزَّوْجِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَةُ عَنْ أَنَسٍ وَالْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
стр. 4480
٣٢١١ - وَعَنْهُ قَالَ: «مَا أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ أَوْلَمَ بِشَاةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٢١١ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ مَا أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ) : أَيْ: مِثْلَ مَا أَوْ قَدْرَ مَا أَوْلَمَ وَمَا إِمَّا مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ، وَمَا الْأُولَى نَافِيَةٌ وَالْمَعْنَى أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ أَكْثَرَ مِمَّا أَوْلَمَ عَلَى نِسَائِهِ (أَوْلَمَ بِشَاةٍ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْمَوَاهِبِ وَأَمَّا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وَأُمُّهَا أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنِ هَاشِمٍ «فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَهَا مِنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ مُدَّةً ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ قَالَ ﷺ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ اذْهَبْ فَأَذْكُرْنِي لَهَا، قَالَ: فَذَهَبْتُ فَجَعَلْتُ ظَهْرِي إِلَى الْبَابِ فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُحْدِثَ شَيْئًا حَتَّى أَوَامِرَ رَبِّي فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدٍ لَهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: حَرَّمَ مُحَمَّدٌ نِسَاءَ الْوَلَدِ وَقَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ زَوَّجَكُنَّ آبَاؤُكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ فَسَمَّاهَا ﵊ زَيْنَبَ، وَعَنْ أَنَسٍ «لَمَّا تَزَوَّجَ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ دَعَا الْقَوْمَ فَطَعِمُوا، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَإِذَا هُوَ ﵊ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ وَقَامَ مَنْ قَامَ وَقَعَدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَدْخُلَ فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا فَانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمُ انْطَلَقُوا فَجَاءَ حِينَ دَخَلَ فَذَهَبْتُ لِأَدْخُلَ فَأَلْقَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الْآيَةَ، اهـ» . وَقِصَّتُهَا طَوِيلَةٌ مَحَلُّ بَسْطِهَا كُتُبُ التَّفَاسِيرِ وَالسِّيَرِ.
стр. 4481
٣٢١٢ - وَعَنْهُ قَالَ: «أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٢١٢ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: «أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَأَشْبَعَ النَّاسَ» ) : أَيِ: الَّذِينَ حَضَرُوا (خُبْزًا وَلَحْمًا) : وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثَرِيدًا أَوْ غَيْرَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
стр. 4482
٣٢١٣ - وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٢١٣ - وَعَنْهُ أَيْ عَنْ أَنَسٍ (قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَانَتْ مِنْ نَسْلِ هَارُونَ أَخِي مُوسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. ( «وَتَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» ) : قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: هَذَا مِنْ خَوَاصِّ النَّبِيِّ ﷺ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ تَزَوُّجَهَا بِمَهْرٍ. قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا لَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ وَتَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَنَسَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرُهُمْ إِلَى جَوَازِهِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ جَمَاعَةٌ وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ أَنَّ هَذَا كَانَ مِنْ خَوَاصِّهِ كَمَا كَانَ النِّكَاحُ يَنْفِي الْمَهْرَ مِنْ خَوَاصِّهِ، وَكَانَتْ هَذِهِ فِي مَعْنَى الْمَوْهِبَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهَةَ فِيمَنْ يُعْتِقُ أَمَةً ثُمَّ يَنْكِحُهَا. وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: إِذَا أَعْتَقَ أَمَةً وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا كَأَنْ يَقُولَ: أَعْتَقْتُكِ عَلَى أَنْ تُزَوِّجِينِي نَفْسَكِ بِعِوَضِ الْعِتْقِ، فَقَبِلَتْ، صَحَّ الْعِتْقُ وَهِيَ بِالْخِيَارِ فِي تَزَوُّجِهِ فَإِنْ تَزَوَّجَتْهُ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ لَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ تَزَوَّجَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، قُلْنَا: نَصُّ كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - يُعَيِّنُ الْمَالَ فَإِنَّهُ بَعْدَ عَدِّ الْمُحَرَّمَاتِ أَحَلَّ مَا وَرَاءَهُنَّ مُقَيِّدًا بِالِابْتِغَاءِ بِالْمَالِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] الْآيَةَ. وَقَوْلُ الرَّاوِي ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْمَهْرِ يَعْنِي أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرَ الْعِتْقِ وَالتَّزَوُّجِ بِلَا مَهْرٍ جَائِزٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ. وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مُحْتَمِلٌ لَفْظَ الرَّاوِي فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ دَفَعًا لِلْمُعَارَضَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِتَابِ، وَإِنْ أَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ أَلْزَمْنَاهَا بِقِيمَتِهَا، اهـ كَلَامُ الْمُحَقِّقِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ الصَّدَاقُ عَلَى الدَّفْعِ الْمُعَجَّلِ الْمَوْضُوعِ لِلْأُلْفَةِ وَزِيَادَةِ الْمَحَبَّةِ وَهُوَ مُقَدَّمَةُ الصَّدَاقِ فَأُطْلِقَ عَلَيْهَا مَجَازًا (وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسٍ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ طَعَامٌ يُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مِنَ التَّمْرِ وَالسَّوِيقِ وَالسَّمْنِ، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ لِمَا سَيَأْتِي مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4483
٣٢١٤ - وَعَنْهُ قَالَ: «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ وَمَا كَانَ لَهَا إِلَّا أَنْ أَمَرَ بِالْأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ فَأَلْقَى عَلَيْهَا التَّمْرَ وَالْأَقِطَ وَالسَّمْنَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٢١٤ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَنَسٍ ( «قَالَ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ» ) : وَهُوَ حِصْنٌ مَشْهُورٌ قُرْبَ الْمَدِينَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِتَأْنِيثِ الْبُقْعَةِ أَوِ الْقَلْعَةِ وَلِلْعَلَمِيَّةِ ( «ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ» ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ الظَّاهِرُ بَنَى عَلَى صَفِيَّةَ أَوْ بَنَى (بِصَفِيَّةَ) : فَلَعَلَّ الْمَعْنَى يُبْنَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خِبَاءٌ جَدِيدٌ مَعَ صَفِيَّةَ أَوْ بِسَبَبِهَا، اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْجَارَّ الْأَوَّلَ هُوَ نَائِبُ الْفَاعِلِ، وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوِ الْمُصَاحَبَةِ، ثُمَّ التَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ لِحِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ وَادِّعَاءِ كَمَالِ اسْتِحْضَارِ الْقَضِيَّةِ كَأَنَّهُ نُصْبَ عَيْنِ الرَّاوِي، رُوِيَ أَنَّهُ بَنَى بِهَا ﷺ بِالصَّهْبَاءِ ( «فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ» ) : أَيْ: بِأَمْرِهِ ( «وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ» ) : مِنْ لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ وَلَا مَزِيدَةٌ ( «وَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ أَمَرَ» ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (بِالْأَنْطَاعِ) : جَمْعُ النِّطْعِ وَهُوَ الْمُتَّخَذُ مِنَ الْأَدِيمِ أَرَادَ بِهَا السَّفَرَ ( «فَبُسِطَتْ فَأَلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالسَّمْنُ» ) : أَيِ: الْمُرَكَّبُ مِنْهَا وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحَيْسِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ " وَمَا كَانَ فِيهَا إِلَّا أَنْ أَمَرَ " بَعْدَ قَوْلِهِ " «وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ» " إِعْلَامٌ بِأَنَّهُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ طَعَامِ أَهْلِ التَّنَعُّمِ وَالتَّتَرُّفِ بَلْ مِنْ طَعَامِ أَهْلِ التَّقَشُّفِ مِنَ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَجْمُوعِ الْحَيْسُ. قُلْتُ: يَتَعَيَّنُ هَذَا الْمَعْنَى لِمَا سَبَقَ مِنَ الْحَدِيثِ وَفِي بَسْطِ الْأَنْطَاعِ إِيذَانًا بِكَثْرَةِ هَذَا الْجِنْسِ مِنَ الطَّعَامِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَفِي الْمَوَاهِبِ: «أَمَّا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ فَكَانَتْ تَحْتَ كِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ فَقُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ قَالَ: أَنَسٌ لَمَّا افْتَتَحَ ﷺ خَيْبَرَ وَجَمَعَ السَّبْيَ جَاءَهُ دِحْيَةُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي جَارِيَةً. فَقَالَ: اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ
стр. 4484
أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ، قَالَ: ادْعُوهُ، فَجَاءَ بِهَا قَالَ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا، قَالَ: وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ ﷺ عَرُوسًا، فَقَالَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَلْيَجِئْ بِهِ قَالَ فَبَسَطَا نِطْعًا فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْأَقِطِ وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ فَحَاسُوا حَيْسًا فَكَانَتْ وَلِيمَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ، وَفِي رِوَايَةٍ: «فَقَالَ النَّاسُ: لَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا أَوِ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ؟ قَالُوا إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ حَجَبَهَا» وَفِي رِوَايَةٍ «فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إِذَا رَأَيْنَا جُدُرَ الْمَدِينَةِ هَشَشْنَا إِلَيْهَا فَرَفَعْنَا مَطَايَانَا وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَطِيَّتَهُ قَالَ وَصَفِيَّةُ خَلْفَهُ قَدْ أَرْدَفَهَا قَالَ فَعَثَرَتْ مَطِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصُرِعَ وَصُرِعَتْ، قَالَ: فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلَيْهَا حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَتَرَهَا، قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، فَخَرَجَتْ جَوَارِي نِسَائِهِ يَتَرَاءَيْنَهَا، وَيَشْتُمْنَ بِصَرْعَتِهَا» وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُ ﷺ «أَتَى بِصَفِيَّةَ يَوْمَ خَيْبَرَ وَأَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهَا وَأَخَاهَا وَأَنَّ بِلَالًا مَرَّ بِهَا يَوْمَ الْمَقْتُولِينَ وَأَنَّهُ ﷺ خَيَّرَهَا بَيْنَ أَنْ يُعْتِقَهَا فَتَرْجِعَ إِلَى مَنْ بَقِيَ مَنْ أَهْلِهَا أَوْ تُسْلِمَ فَيَتَّخِذَهَا لِنَفْسِهِ فَقَالَتْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَخْرَجَ تَمَّامٌ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا هَلْ لَكِ فِيَّ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَتَمَنَّى ذَلِكَ فِي الشِّرْكِ فَكَيْفَ إِذَا مَكَّنَنِي اللَّهُ فِي الْإِسْلَامِ» ؟ وَأَخْرَجَ أَبُو حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَمْرٍو: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَيْنِ صَفِيَّةَ خُضْرَةً فَقَالَ مَا هَذِهِ الْخُضْرَةُ، فَقَالَتْ: كَانَ رَأْسِي فِي حِجْرِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَأَنَا نَائِمَةٌ فَرَأَيْتُ قَمَرًا وَقَعَ فِي حِجْرِي، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَلَطَمَنِي وَقَالَ: تَمَنِّينَ مُلْكَ يَثْرِبَ» .
стр. 4485
٣٢١٥ - وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ «أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٢١٥ - (وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ) : أَيِ: الْحَجَبِيِّ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي رُؤْيَتِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقِيلَ إِنَّهَا لَمْ تَرَهُ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ( «قَالَتْ أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ» ) : أَيْ: سَوِيقًا قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ لَعَلَّهَا أُمُّ سَلَمَةَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَفِي الْمَوَاهِبِ: أَمَّا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أُمُّ سَلَمَةَ هِنْدُ وَقِيلَ رَمْلَةُ، فَكَانَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ أَبِي سَلَمَةَ ابْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَكَانَتْ هِيَ وَزَوْجُهَا أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، «وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ سَمِعَتْهُ ﵊ يَقُولُ: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا "، قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ وَفِي رِوَايَةٍ: فَخَطَبَهَا أَبُو بَكْرٍ فَأَبَتْ وَخَطَبَهَا عُمَرُ فَأَبَتْ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: مَرْحَبًا بِرَسُولِ اللَّهِ إِنَّ فِيَّ خِلَالًا ثَلَاثًا أَنَا امْرَأَةٌ شَدِيدَةُ الْغَيْرَةِ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ لَيْسَ لِي هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي فَيُزَوِّجَنِي، فَغَضِبَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ غَضَبٍ مِمَّا غَضِبَ لِنَفْسِهِ حِينَ رَدَّتْهُ، فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ غَيْرَتِكِ فَإِنِّي أَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُذْهَبَهَا عَنْكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ صِبْيَتِكِ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَكْفِيهِمْ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَتِ إِنَّ أَوْلِيَائَكِ فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكَ يَكْرَهُنِي، فَقَالَتْ: لِابْنِهَا زَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَزَوَّجَهُ» ، قَالَ صَاحِبُ السَّقْطِ الثَّمِينِ: رَوَاهُ بِهَذَا السِّيَاقِ هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ وَصَاحِبُ الصَّفْوَةِ، وَخَرَّجَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ طُرُقًا مِنْهُ، وَمَعْنَاهُ فِي الصَّحِيحِ، اهـ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الِابْنَ يَلِي الْعَقْدَ عَلَى أُمِّهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَأَوَّلُوهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا زَوَّجَهَا بِالْعُصُوبَةِ ; لِأَنَّهُ ابْنُ ابْنِ عَمِّهَا.
следующие страницы →