← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

مُوَافِقٌ لِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِالتَّفْسِيرِ، بِخِلَافِ نَحْوِ تَأْوِيلِ الْبَحْرَيْنِ بِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، وَاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ بِالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، فَإِنَّهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْجَهَلَةِ وَالْحَمْقَاءِ كَالرَّوَافِضِ. قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَيْ مَنْ شَرَعَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وُقُوفٌ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ وَوُجُوهِ اسْتِعْمَالَاتِهَا مِنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُفَصَّلِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُفَسِّرِ، فَهُوَ وَإِنْ طَابَقَ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ فَهُوَ مُخْطِئٌ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ إِذْنِ الشَّارِعِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قَضَى بِتَأْوِيلِهِ وَاجْتِهَادِهِ عَلَى أَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى. وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ التُّورِبِشْتِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّأْيِ مَا لَا يَكُونُ مُؤَسَّسًا عَلَى عُلُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَلْ يَكُونُ قَوْلًا تَقُولُهُ بِرَأْيِهِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ عَقْلُهُ، وَعِلْمُ التَّفْسِيرِ يُؤْخَذُ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ كَأَسْبَابِ النُّزُولِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَمِنْ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ وَتَأْوِيلَاتِهِمْ بِالْمَقَايِيسِ الْعَرَبِيَّةِ كَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُفَصَّلِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ، ثُمَّ يَتَكَلَّمُ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ أُصُولُ الدِّينِ، فَيُئَوَّلُ الْقِسْمُ الْمُحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ عَلَى وَجْهٍ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَجْمِعْ هَذِهِ الشَّرَائِطَ كَانَ قَوْلُهُ مَهْجُورًا، وَحَسْبُهُ مِنَ الزَّاجِرِ أَنَّهُ مُخْطِئٌ عِنْدَ الْإِصَابَةِ، فَمَا بُعْدُ مَا بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَالْمُتَكَلِّفِ، فَالْمُجْتَهِدُ مَأْجُورٌ عَلَى الْخَطَأِ، وَالْمُتَكَلِّفُ مَأْخُوذٌ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ: يَحْتَمِلُ النَّهْيَ عَنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ مَيْلًا عَنْ طَبْعِهِ وَهَوَاهُ فَيُئَوِّلُ عَلَى وَفْقِ رَأْيِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ الْهَوَى لَمْ يَلُحْ لَهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى. الثَّانِي: أَنْ يَتَسَارَعَ إِلَى التَّفْسِيرِ بِظَاهِرِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِظْهَارٍ بِالسَّمَاعِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِغَرَائِبِ الْقُرْآنِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْمَارِ وَالتَّقْدِيمِ وَلَا مَطْمَعَ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْبَاطِنِ بِدُونِ مَعْرِفَةِ الظَّاهِرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) ، وَكَذَا النَّسَائِيُّ.

стр. 492

٢٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٣٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْمِرَاءُ) : أَيِ: الْجِدَالُ (فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: فِي مُتَشَابِهِهِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْجُحُودِ (كُفْرٌ) : سَمَّاهُ كُفْرًا بِاسْمِ مَا يُخْشَى عَاقِبَتُهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُسْنِدَ أَحَدُهُمْ كَلَامَهُ إِلَى آيَةٍ ثُمَّ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ بِآيَةٍ أُخْرَى تَدَافُعًا لَهُ كَأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ الَّذِي أَتَيْتَ بِهِ نَقِيضُ مَا اسْتَدْلَلْتَ بِهِ. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الْمُرَادُ بِالْمِرَاءِ فِي الْقُرْآنِ الشَّكُّ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧] أَيْ: فِي شَكٍّ، يَعْنِي: الشَّكُّ فِي كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ - كُفْرٌ، وَالْمِرَاءُ الْمُجَادَلَةُ فِيمَا فِيهِ مِرْيَةٌ وَشَكٌّ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْمِرَاءِ فِيهِ التَّدَارُؤُ، وَهُوَ أَنْ يَرُومَ تَكْذِيبَ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ لِيَدْفَعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَيَطْرُقَ إِلَيْهِ قَدْحًا وَطَعْنًا، وَمِنْ حَقِّ النَّاظِرِ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْآيَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مَا أَمْكَنَهُ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ التَّوْفِيقُ فَلْيَعْتَقِدْ أَنَّهُ مِنْ سُوءِ فَهْمِهِ وَلْيَكِلْهُ إِلَى عَالِمِهِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] اهـ. وَقَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قِيلَ: هُوَ الْمِرَاءُ فِي قِرَاءَتِهِ بِأَنْ يُنْكِرَ بَعْضَ الْقِرَاءَاتِ الْمَرْوِيَّةَ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَتَوْعِيدُهُ بِالْكُفْرِ لِيَنْتَهُوا عَنِ الْمِرَاءِ فِيهَا وَالتَّكْذِيبِ بِهَا، إِذْ كُلُّهَا قُرْآنٌ مُنَزَّلٌ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) .

стр. 493

٢٣٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْمًا يَتَدَارَءُونَ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ: " إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا: ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ. فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا، وَمَا جَهِلْتُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٣٧ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) . يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى عَمْرٍو، فَيَكُونَ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا لِأَنَّ جَدَّ عَمْرٍو وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو تَابِعِيٌّ، وَأَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى شُعَيْبٍ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ، فَالْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ لِأَنَّ جَدَّ شُعَيْبٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ صَحَابِيٌّ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ تَكَلَّمُوا فِي صَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ لِمَا فِيهَا مِنِ احْتِمَالِ التَّدْلِيسِ (وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ ﷺ قَوْمًا) أَيْ: كَلَامَ قَوْمٍ (يَتَدَارَءُونَ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَيَتَدَافَعُونَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَالتَّدَارُؤُ دَفْعُ كُلٍّ مِنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ قَوْلَ صَاحِبِهِ بِمَا يَقَعُ مِنَ الْقَوْلِ أَيْ: يَدْفَعُ بَعْضُهُمْ دَلِيلَ بَعْضٍ مِنْهُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] وَيَقُولُ الْقَدَرِيُّ: لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَنْهِيٌّ، أَيْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا الطَّرِيقُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْآيَاتِ أَنْ يُؤْخَذَ مَا عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَيُئَوِّلَ الْآيَةَ الْأُخْرَى كَمَا نَقُولُ: الْعَقْدُ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ [النساء: ٧٩] إِلَخْ. فَذَهَبَ الْمُفَسِّرُونَ إِلَى أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ مَا هُوَ الصَّوَابُ، وَيَقُولُونَ مَا أَصَابَكَ إِلَخْ. وَقِيلَ: الْآيَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أَيْ: مَا أَصَابَكَ يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا إِنْسَانُ مِنْ حَسَنَةٍ، أَيْ: فَتْحٍ وَغَنِيمَةٍ وَرَاحَةٍ وَغَيْرِهَا، فَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ، أَيْ: مِنْ هَزِيمَةٍ وَتَلَفِ مَالٍ وَمَرَضٍ فَهُوَ جَزَاءُ مَا عَمِلْتَ مِنَ الذُّنُوبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] فَالْآيَةُ السَّابِقَةُ خَارِجَةٌ عَنْ مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ (فَقَالَ) : ﵊ (إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أَيْ: مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (بِهَذَا) أَيْ: بِسَبَبِ التَّدَارُؤِ، إِشَارَةُ تَحْقِيرٍ أَوْ تَعْظِيمٍ لِعِظَمِ ضَرَرِهِ، وَقِيلَ: الْمُضَافُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: بِمِثْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ الْمَذْمُومِ (ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ) أَيْ: جِنْسَهُ (بَعْضَهُ بِبَعْضٍ) : بَدَلُ بَعْضٍ، وَالْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ، أَيْ: خَلَطَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَمَعْنَاهُ: دَفَعَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ الْإِنْجِيلَ وَأَهْلُ الْإِنْجِيلِ التَّوْرَاةَ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ - مَا لَا يُوَافِقُ مُرَادَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِكِتَابِ اللَّهِ الْقُرْآنُ، أَيْ: خَلَطُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ، وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، فَحَكَمُوا فِي كُلِّهَا حُكْمًا وَاحِدًا مِنْ ضَرَبْتُ اللَّبَنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، أَيْ: خَلَطْتُهُ، وَالضَّرْبُ الصَّرْفُ أَيْضًا، فَإِنَّ الرَّاكِبَ إِذَا أَرَادَ صَرْفَ الدَّابَّةِ ضَرَبَهَا، أَيْ: صَرَفُوا كِتَابَ اللَّهِ عَنِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ إِلَى مَا مَالَ إِلَيْهِ أَهْوَاؤُهُمْ، وَيَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَ الْآيَاتِ فَإِنَّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَمَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلْيَتَوَقَّفْ فِيهِ وَيَسْتَنِدْ إِلَى سُوءِ فَهْمِهِ وَيَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى عَالِمِهِ ، وَلِذَا قَالَ: (وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ) : الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ (يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا) : يَعْنِي أَنَّ الْإِنْجِيلَ مَثَلًا يُبَيِّنُ أَنَّ التَّوْرَاةَ كَلَامُ اللَّهِ وَهُوَ حَقٌّ، وَالْقُرْآنَ يُبَيِّنُ أَنَّ جَمِيعَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ حَقٌّ، وَكَذَلِكَ النَّاسِخُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْمَنْسُوخِ وَالْمُحْكَمُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْمُتَشَابِهِ، وَالْمُئَوَّلُ لِدَلِيلٍ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالظَّاهِرِ، وَالْخَاصُّ وَالْمُقَيَّدُ يُبَيِّنَانِ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ (فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ) : بَلْ قُولُوا: كُلُّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ حَقٌّ، أَوْ بِأَنْ تَنْظُرُوا إِلَى اللَّهِ ظَاهِرَ لَفْظَيْنِ مِنْهُ مَعَ عَدَمِ النَّظَرِ إِلَى الْقَوَاعِدِ الَّتِي تَصْرِفُ أَحَدَهُمَا عَنِ الْعَمَلِ بِهِ

стр. 494

بِنَسْخِهِ أَوْ بِتَخْصِصِهِ أَوْ تَقْيِيدِهِ أَوْ تَأْوِيلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى قَدْحٍ فِي الدِّينِ (فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ) أَيْ: عِلْمًا مُوَافِقًا لِلْقَوَاعِدِ (فَقُولُوا) أَيْ: بِهِ (وَمَا جَهِلْتُمْ) أَيْ: مِنْهُ كَالْمُتَشَابِهَاتِ وَغَيْرِهَا (فَكِلُوهُ) أَيْ: رُدُّوهُ وَفَوِّضُوهُ (إِلَى عَالِمِهِ) : وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَلَا تُلْقُوا مَعْنَاهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ، وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ آيَاتٍ ظَاهِرَةِ التَّنَافِي؟ فَأَجَابَ عَنْهَا، مِنْهَا: نَفْيُ الْمُسَاءَلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِثْبَاتُهَا، فَنَفْيُهَا فِيمَا قَبْلَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِثْبَاتُهَا فِيمَا بَعْدَهَا. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلْتَاهُمَا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنْ يَكُونَ النَّفْيُ فِي أَوَائِلِ الْمَوَاقِفِ وَالْإِثْبَاتُ فِي أَوَاخِرِهَا. وَمِنْهَا: كِتْمَانُ الْمُشْرِكِينَ حَالَهُمْ وَإِفْشَاؤُهُ فَالْأَوَّلُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَالثَّانِي بِأَيْدِيهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ. قُلْتُ: وَلَا بُعْدَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي بِأَلْسِنَتِهِمْ أَيْضًا، لَكِنْ لَا بِاخْتِيَارِهِمْ كَشَهَادَةِ أَيْدِيهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] وَمِنْهَا: خَلْقُ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ وَعَكْسُهُ، وَجَوَابُ هَذَا: أَنَّهُ بَدَأَ خَلْقَ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَغَيْرَهَا فِي يَوْمَيْنِ. فَتِلْكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لِلْأَرْضِ، وَقَدْ سَأَلَهُ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: تَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، فَكَيْفَ هُوَ الْيَوْمَ؟ وَأَجَابَ عَنْهُ: بِأَنَّ الْمَاضِيَ إِنَّمَا هُوَ التَّسْمِيَةُ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ انْقَضَى، وَأَمَّا الِاتِّصَافُ فَهُوَ دَائِمٌ. قُلْتُ: وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: مَا ثَبَتَ قَدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ. وَأَجَابَ أَيْضًا: بِأَنْ كَانَ يُسْتَعْمَلُ بِهَا مُرَادُ الدَّوَامِ كَثِيرًا. وَسُئِلَ أَيْضًا عَنِ الْيَوْمِ الْمُقَدَّرِ بِأَلْفِ سَنَةٍ وَالْمُقَدَّرِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ مَا لَا أَعْلَمُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَدُ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا الْعَالَمَ، وَالثَّانِيَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كُلٌّ مِنْهُمَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ بِاعْتِبَارِ قِصَرِهِ عَلَى الْمُؤْمِنَ الْعَاصِي وَطُولِهِ عَلَى الْكَافِرِ، وَأَمَّا الطَّائِعُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا وَرَدَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 495

٢٣٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ» ". رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. ــ ٢٣٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أُنْزِلَ الْقُرْآنُ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُشْتَمِلًا (عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أَيْ: قِرَاءَاتٍ أَوْ لُغَاتٍ أَوْ أَنْوَاعٍ مِنَ الْأَحْكَامِ. قَالَ الشُّرَّاحُ: الْحَرْفُ الطَّرَفُ، وَحُرُوفُ التَّهَجِّي سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَطْرَافُ الْكَلِمَةِ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ أَطْرَافُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَلَى سَبْعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ، وَهُمُ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْفَصَاحَةِ: كَقُرَيْشٍ، وَثَقِيفٍ، وَطَيِّئٍ، وَهَوَازِنَ، وَهُذَيْلٍ، وَالْيَمَنِ، وَبَنِي تَمِيمٍ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ أَئِمَّةُ اللُّغَوِيِّينَ. وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ بِمَجِيءِ التَّصْرِيحِ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ لُغَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ أَفْصَحُهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِهَا الْكَثْرَةُ، وَقِيلَ: الْكُلُّ فِي بُطُونِ قُرَيْشٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وَقِيلَ: فِي بُطُونِ مُضَرَ. وَرُدَّتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا بِأَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَى هِشَامٍ قِرَاءَتَهُ حَتَّى جَرَّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمُحَالٌ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ لُغَتَهُ وَهُمَا مِنْ قَبِيلَةٍ وَلُغَةٍ وَاحِدَةٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ غَيْرُ اللُّغَاتِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ بَحْثٌ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنْكَارُ عُمَرَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْجَوَازِ، فَلَا دَلَالَةَ حِينَئِذٍ عَلَى نَفْيِ

стр. 496

إِرَادَةِ اللُّغَاتِ مَعَ أَنَّ مُجَرَّدَ وُرُودِ اللُّغَةِ لَا يَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِدُونِ الرِّوَايَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَا الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ الَّتِي اخْتَارَهَا الْأَئِمَّةُ السَّبْعَةُ، وَقِيلَ: أَجْنَاسُ الِاخْتِلَافَاتِ الَّتِي يَئُولُ إِلَيْهَا اخْتِلَافُ الْقِرَاءَاتِ فَإِنَّ اخْتِلَافَهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمُفْرَدَاتِ أَوِ الْمُرَكَّبَاتِ، وَالثَّانِي كَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، مِثْلَ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] ، وَ " جَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ ". وَالْأَوَّلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِوُجُودِ الْكَلِمَةِ وَعَدَمِهَا نَحْوَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤] قُرِئَ بِالضَّمِيرِ وَعَدَمِهِ، أَوْ تَبْدِيلِ الْكَلِمَةِ بِغَيْرِهَا مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] وَالصُّوفِ الْمَنْقُوشُ أَوْ مَعَ اخْتِلَافِهِ مِثْلِ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] وَطَلْعٍ مَنْضُودٍ أَوْ بِتَغْيِيرِهَا أَمَّا بِتَغْيِيرِ هَيْئَةٍ كَإِعْرَابٍ، مِثْلَ " ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] " بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ فِي الرَّاءِ، أَوْ صُورَةٍ، مِثْلَ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] نَنْشُرُهَا، أَوْ حَرْفٍ، مِثْلَ: " بَاعَدَ " وَ " بَعُدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا "، وَقِيلَ: أَرَادَ فِي الْقُرْآنِ مَا هُوَ مَقْرُوءٌ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فَإِنَّهُ قُرِئَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ مُنَوَّنًا وَغَيْرَ مُنَوَّنٍ وَبِالسُّكُونِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أُنْزِلَ مُشْتَمِلًا عَلَى سَبْعَةِ مَعَانٍ: الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقَصَصِ وَالْأَمْثَالِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْمَوْعِظَةِ، وَقِيلَ: الْمَعَانِي السَّبْعَةُ هِيَ الْعَقَائِدُ وَالْأَحْكَامُ وَالْأَخْلَاقُ وَالْقَصَصُ وَالْأَمْثَالُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، وَقِيلَ: أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَحَلَالٌ وَحَرَامٌ وَمُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ وَأَمْثَالٌ، لِخَبَرِ الْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ: " «كَانَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ يَنْزِلُ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ: زَاجِرٍ وَآمِرٍ وَحَلَالٍ وَحَرَامٍ وَمُحْكَمٍ وَمُتَشَابِهٍ وَأَمْثَالِ الْحَدِيثِ» ". وَأُجِيبَ: بِأَنَّ قَوْلَهُ زَاجِرٌ اسْتِئْنَافٌ لَا تَفْسِيرٌ؛ لِأَنَّهُ فِي رِوَايَةٍ " زَاجِرًا " بِالنَّصْبِ، أَيْ: نَزَلَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الْأَبْوَابِ السَّبْعَةِ، وَبِتَسْلِيمِ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ - هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْإِنْزَالِ لَا لِلْأَحْرُفِ، أَيْ: هِيَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْكَلَامِ وَأَقْسَامِهِ، أَيْ: أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ كَغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ، أَيْ: غَيْرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَمَنْ ثَمَّ قَالَ: جَمْعُ هَذَا الْقَوْلِ فَاسِدٌ لِأَنَّ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّوْسِعَةَ الَّتِي هِيَ السَّبَبُ فِي نُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ لَمْ يَقَعْ فِي تَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ وَلَا فِي تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الْأَقَالِيمُ السَّبْعَةُ يَعْنِي حُكْمُ الْقُرْآنِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْعَالَمِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْكَثْرَةُ تَوْسِعَةً لَا الْحَصْرُ فِي هَذَا الْعَدَدِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَمَّا شَقَّ عَلَى كُلِّ الْعَرَبِ الْقِرَاءَةُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ ﷺ : " اسْأَلِ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ إِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ» ". ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْزِلَ قَوْلُهُ: (لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ تِلْكَ السَّبْعَةِ الْأَحْرُفِ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ صِفَةٌ لِسَبْعَةٍ وَالضَّمِيرُ رَابِطَةٌ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ، وَالْوَجْهُ عِنْدِي عَوْدُهُ عَلَى الْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِ جُمْلَتِهِ، ثُمَّ أَغْرَبَ فِي تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ مِنْ تِلْكَ الْأَحْرُفِ عَلَى أَيِّ قَوْلٍ مِنَ الْأَقْوَالِ (ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْقِرَاءَاتِ كَمَا فَعَلَ الْمُظْهِرُ حَيْثُ قَالَ: حَدُّ كُلِّ حَرْفٍ مَعْلُومٌ فِي التِّلَاوَةِ، لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ مِثْلُ عَدَمِ

стр. 497

جَوَازِ إِبْدَالِ الضَّادِ بِحَرْفٍ آخَرَ، وَكَذَا سَائِرُ الْحُرُوفِ لَا يَجُوزُ إِبْدَالُهَا بِآخِرَ إِلَّا مَا جَاءَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الْكَلِمَةِ كَالْإِمَالَةِ وَإِبْدَالِ الْحُرُوفِ وَالْإِدْغَامِ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَحَدٌّ وَمَطْلَعٌ، وَقِيلَ: الْمَقْصُودُ وَصْفُ الْقُرْآنِ بِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ الْعُلُومِ، فَالْمُرَادُ بِالسَّبْعَةِ الْكَثْرَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] وَالْأَحْرُفُ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ الْكَلِمَاتِ فِي الْآيَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْأَحْرُفُ عَلَى أَجْنَاسِ الِاخْتِلَافَاتِ الَّتِي لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ، ثُمَّ قَسَّمَ ﵊ كُلَّ حَرْفٍ تَارَةً بِالظَّهْرِ وَالْبَطْنِ، وَالْأُخْرَى بِالْحَدِّ وَالْمَطْلَعِ، فَالظَّهْرُ مَا يُبَيِّنُهُ النَّقْلُ، وَالْبَطْنُ مَا يَسْتَكْشِفُهُ التَّأْوِيلُ، وَالْحَدُّ هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي يَقْتَضِي اعْتِبَارَ كُلٍّ مِنَ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ فِيهِ فَلَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَالْمَطْلَعُ الْمَكَانُ الَّذِي يُشْرَفُ مِنْهُ عَلَى تَوْفِيَةِ خَوَاصِّ كُلِّ مَقَامِ حَدَّهُ، وَلَيْسَ لِلْحَدِّ وَالْمَطْلَعِ انْتِهَاءٌ لِأَنَّ غَايَتَهُمَا طَرِيقُ الْعَارِفِينَ بِاللَّهِ، وَمَا يَكُونُ سِرًّا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ. كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ. وَقِيلَ: الظَّهْرُ مَا ظَهَرَ تَأْوِيلُهُ وَعُرِفَ مَعْنَاهُ، وَالْبَطْنُ مَا خَفِيَ تَفْسِيرُهُ وَأُشْكِلُ فَحَوَاهُ، وَقِيلَ: الظَّهْرُ اللَّفْظُ وَالْبَطْنُ الْمَعْنَى. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لِكُلِّ آيَةٍ سِتُّونَ أَلْفَ فَهْمٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أُوَقِّرَ سَبْعِينَ بَعِيرًا مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لَفَعَلْتُ، وَلِهَذَا قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: وَأَمَّا مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ النُّصُوصَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَمَعَ ذَلِكَ فِيهَا إِشَارَاتٌ إِلَى دَقَائِقَ تَنْكَشِفُ لِأَرْبَابِ السُّلُوكِ يُمْكِنُ التَّطْبِيقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الظَّوَاهِرِ الْمُرَادَةِ، فَهُوَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَمَحْضِ الْعِرْفَانِ اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّ الْوَاحِدِيَّ قَالَ: صَنَّفَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ حَقَائِقَ التَّفْسِيرِ، فَإِنْ كَانَ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ فَقَدْ كَفَرَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: الظَّنُّ بِمَا يُوثَقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ كَالسِّلْمِيِّ، فَإِنَّهُ مِنْ أَكَابِرِهِمْ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ تَفْسِيرًا وَلَا ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الشَّرْحِ التَّصَوُّفِ لِلْكَلِمَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ الْبَاطِنِيَّةِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُمْ تَنْظِيرُ مَا وَرَدَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ، قِيلَ: الظَّهْرُ لَفْظُ الْقُرْآنِ، وَالْبَطْنُ تَأْوِيلُهُ، وَالْمَطْلَعُ الْفَهْمُ، وَقَدْ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى الْمُتَدَبِّرِ وَالْمُتَفَكِّرِ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالْمَعَانِي مَا لَا يَفْتَحُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، وَالتَّفَهُّمُ يَكُونُ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَتَعْظِيمِ الْحُرْمَةِ وَطِيبِ الطُّعْمَةِ، وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الظَّهْرُ مَا ظَهَرَ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَالْبَطْنُ بِخِلَافِهِ اهـ. وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ الطِّيبِيِّ: الظَّهْرُ مَا يُبَيِّنُهُ النَّقْلُ، وَالْبَطْنُ مَا يَسْتَكْشِفُهُ التَّأْوِيلُ. قَالَ: أَوِ الظَّهْرُ الْإِيمَانُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، وَالْبَطْنُ التَّفَاوُتُ فِي فَهْمِهِ عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الْفَضِيلَةِ، أَوِ الظَّهْرُ الْمَعْنَى الْجَلِيُّ وَالْبَطْنُ الْخَفِيُّ وَهُوَ سِرٌّ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ الْمُصْطَفَيْنَ. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: لَا يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَجْعَلَ لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ أَرَادَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَلْيُؤْثِرِ الْقُرْآنَ، وَقَوْلُهُ: وَلِكُلِّ حَدِّ مَطْلَعٌ. الْحَدُّ: الْمَنْعُ وَسُمِّيَتْ حُدُودُ اللَّهِ بِهَا لِمَنْعِ مُرْتَكِبِيهَا مِنَ الْعَوْدِ، وَالْمَطْلَعُ مَكَانُ الِاطِّلَاعِ عَنْ مَوْضِعٍ عَالٍ يُقَالُ: مَطْلَعُ هَذَا الْجَبَلِ مِنْ مَكَانِ كَذَا أَيْ: مَأْتَاهُ وَمَصْعَدُهُ مِنْهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ لِكُلِّ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ أَحْكَامُ الدِّينِ الَّتِي شَرَعَ لِلْعِبَادِ مَوْضِعَ اطِّلَاعٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فِمَنْ وُفِّقَ أَنْ يَرْتَقِيَ ذَلِكَ الْمُرْتَقَى اطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِّ الْمُتَعَلِّقِ بِذَلِكَ الْمَطْلَعِ كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَقِيلَ: أَيْ لِكُلِّ حَدٍّ وَطَرَفٍ مِنَ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ مَطْلَعٌ، أَيْ: مِصْعَدٌ أَيْ مَوْضِعٌ يُطْلَعُ عَلَيْهِ بِالتَّرَقِّي إِلَيْهِ، فَمَطْلَعُ الظَّاهِرِ تَعَلُّمُ الْعَرَبِيَّةِ وَتَتَبُّعُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الظَّاهِرِ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَطْلَعُ الْبَاطِنِ تَصْفِيَةُ النَّفْسِ وَالرِّيَاضَةُ بِآدَابِ الْجَوَارِحِ وَإِتْعَابُهَا فِي اتِّبَاعِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا عَمِلَ بِهَا قَوْمٌ وَلَهَا قَوْمٌ سَيَعْمَلُونَ بِهَا، وَقِيلَ:

стр. 498

إِنَّ مَا قَصَّهُ عَمَّنْ سَبَقَ ظَاهِرُهَا الْإِخْبَارُ بِإِهْلَاكِهِمْ، وَبَاطِنُهَا وَعْظُ السَّامِعِينَ. وَقِيلَ: ظَاهِرُهَا مَعْنَاهُ الظَّاهِرُ لِعُلَمَاءِ الظَّاهِرِ وَبَاطِنُهَا مِنَ الْأَسْرَارِ لِعُلَمَاءِ الْبَاطِنِ، وَقِيلَ: ظَاهِرُهَا التِّلَاوَةُ وَمَعْنَاهَا الْفَهْمُ. (رَوَاهُ) أَيْ: مُصَنِّفُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) . أَيْ: بِإِسْنَادِهِ فِيهِ، وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ عَنِ الْحَسَنِ مَرْفُوعًا: " «لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَلِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ» ". وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ خَبَرًا: " «الْقُرْآنُ تَحْتَ الْعَرْشِ لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ يُحَاجُّ الْعِبَادَ» "، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ وَغَيْرُهُمْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَيْسَ لَهُ حَرْفٌ إِلَّا لَهُ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْجُمْلَةُ الْأُولَى جَاءَتْ مِنْ رِوَايَةِ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا، وَمِنْ ثَمَّ نَصَّ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ، أَيْ مَعْنًى، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا، مِنْهَا: أَنَّهُ مِنَ الْمُشْكِلِ الَّذِي لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجَهٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُتَّفِقَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَنَسَبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ حَتَّى يَبْلُغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ. قَالَ: كُلٌّ شَافٍ كَافٍ، مَا لَمْ يَخْتِمْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ أَوْ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، نَحْوَ قَوْلِكَ: تَعَالَ وَأَقْبِلْ وَهَلُمَّ وَاذْهَبْ وَأَسْرِعْ وَعَجِّلْ» ، هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ عَلِيمًا حَكِيمًا غَفُورًا رَحِيمًا» ، وَفِي أُخْرَى لَهُ: «الْقُرْآنُ كُلُّهُ صَوَابٌ مَا لَمْ تَجْعَلْ مَغْفِرَةً عَذَابًا أَوْ عَذَابًا مَغْفِرَةً» ، وَسَنَدُهُمَا جَيِّدٌ، قَالَ كَثِيرُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَيْ جَوَازُ تَغْيِيرِ اللَّفْظِ بِمُرَادِفِهِ رُخْصَةً لِمَا كَانَ يَتَعَسَّرُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمُ التِّلَاوَةُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالْكِتَابَةِ وَالضَّبْطِ وَإِتْقَانِ الْحِفْظِ، فَالْقُرَشِيُّ يَشُقُّ عَلَيْهِ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ، وَالْيَمَنِيُّ تَرْكُهُ، فَلِذَلِكَ سَهُلَ عَلَى قَبِيلَةٍ أَنْ تَقْرَأَ بِلُغَتِهَا، ثُمَّ نُسِخَ بِزَوَالِ الْعُذْرِ وَتَيْسِيرِ الْكِتَابَةِ وَالْحِفْظِ. قُلْتُ: وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا قَرَأَ مَا لَمْ يُغَيِّرِ الْمَعْنَى لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ فِي الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ، أَحَدُهُمَا: وَعَلَيْهِ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ، فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ تُهْمِلَ نَقْلَ شَيْءٍ مِنْهَا. وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى نَقْلِهَا مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي كَتَبَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ مَا سِوَى ذَلِكَ. وَثَانِيهِمَا: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ رَسْمُهَا مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ فَقَطْ جَامِعَةً لِلْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي عَرَضَهَا ﵊ عَلَى جِبْرِيلَ مُتَضَمِّنَةً لَهَا لَمْ يُتْرَكْ حَرْفٌ مِنْهَا. وَأُجِيبُ عَنِ الْأَوَّلِ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَى الْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ جَائِزًا لَهُمْ وَمُرَخَّصًا لَهُمْ فِيهِ، فَلَمَّا رَأَى الصَّحَابَةُ أَنَّ الْأُمَّةَ تَفْتَرِقُ وَتَخْتَلِفُ إِذَا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ اجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعًا شَائِعًا وَهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَرْكُ وَاجِبٍ، وَلَا فِعْلُ حَرَامٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقُرْآنَ نُسِخَ مِنْهُ فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ وَغُيِّرَ مِنْهُ، فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى أَنْ كَتَبُوا مَا تَحَقَّقُوا أَنَّهُ قُرْآنٌ مُسْتَقِرٌّ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: جَمَعَ أَبُو بَكْرٍ الْقُرْآنَ فِي صُحُفٍ، وَجَمَعَهُ عُثْمَانُ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَمْعَيْنِ أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يَذْهَبَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ بِذَهَابِ حَامِلِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَجَمَعَهُ فِي صَحَائِفَ مُرَتِّبًا لِآيَاتِ سُوَرِهِ عَلَى مَا وَقَّفَهُمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَجَمَعَ عُثْمَانُ لَمَّا كَانَ كَثُرَ الِاخْتِلَافُ فِي وُجُوهِ الْقُرْآنِ حِينَ قَرَءُوهُ بِلُغَاتِهِمْ عَلَى اتِّسَاعِ اللُّغَاتِ، فَأَدَّى ذَلِكَ بَعْضَهُمْ إِلَى تَخْطِئَةِ بَعْضٍ، فَخَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَ تِلْكَ الصُّحُفَ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مُرَتِّبًا لِسُوَرِهِ، وَاقْتَصَرَ مِنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ قَدْ وُسِّعَ فِي قِرَاءَتِهِ بِلُغَةِ غَيْرِهِمْ دَفَعَا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، فَرَأَى أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ انْتَهَتْ فَاقْتَصَرَ عَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ اهـ.

стр. 499

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقُرْآنَ جُمِعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. الْأُولَى: بِحَضْرَتِهِ ﵊، فَقَدْ صَحَّ «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ فِي الرِّقَاعِ» ، أَيْ: يُؤَلِّفُونَ مَا يَنْزِلُ مِنَ الْآيَاتِ الْمُفَرَّقَةِ وَيَجْمَعُونَهَا فِي سُوَرِهَا بِإِشَارَتِهِ ﵊، قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كُتِبَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ فِي عَهْدِهِ ﷺ لَكِنَّهُ كَانَ غَيْرَ مَجْمُوعٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَلَا مُرَتَّبَ السُّوَرِ، وَالثَّانِيَةُ بِحَضْرَةِ أَبِي بَكْرٍ لَمَّا رَأَى عُمَرُ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَهُ أَيْ أَشَارَ بِجَمْعِهِ، وَوَافَقَهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَمَرَ زَيْدًا بِجَمْعِهِ فَجَمَعَهُ فِي صُحُفٍ كَانَتْ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ فَعُمَرَ فَبِنْتِهِ حَفْصَةَ، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ: أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ كِتَابَ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَمَعَهُ مُنْقَطِعًا، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ حَفِظَهُ صَدْرُهُ، وَالثَّالِثَةُ: بِحَضْرَةِ عُثْمَانَ مُرَتِّبًا لَهُ عَلَى السُّورِ.

стр. 500

٢٣٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ. وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٣٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْعِلْمُ) : أَيِ: الَّذِي هُوَ أَصْلُ عُلُومِ الدِّينِ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ (ثَلَاثَةٌ) أَيْ: مَعْرِفَةُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ (آيَةٌ مُحْكَمَةٌ) أَيْ: غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ أَوْ مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا تَأْوِيلًا وَاحِدًا (أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ) أَيْ: ثَابِتَةٌ صَحِيحَةٌ مَنْقُولَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْمُولٌ بِهَا، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ كَقَوْلِهِ (أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ) . أَيْ: مُسْتَقِيمَةٌ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْحُكْمُ الْمُسْتَنْبَطُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالْقِيَاسِ لِمُعَادَلَتِهِ الْحُكْمَ الْمَنْصُوصَ فِيهِمَا وَمُسَاوَاتِهِ لَهُمَا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، وَكَوْنِهِ صِدْقًا وَصَوَابًا، وَقِيلَ: فَرِيضَةٌ مُعْدَلَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْ مُزَكَّاةٌ بِهِمَا، وَقِيلَ: الْفَرِيضَةُ الْعَادِلَةُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ عِلْمُ الْفَرَائِضِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَدِلَّةَ الشَّرْعِ أَرْبَعَةٌ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، وَيُسَمَّى الْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ فَرِيضَةً عَادِلَةً، قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ مُلَخَّصًا نَقَلَهُ السَّيِّدُ (وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ) أَيِ: الْمَذْكُورِ (فَهُوَ فَضْلٌ) أَيْ: مِنَ الْفُضُولِ يَعْنِي كُلُّ عِلْمٍ سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِمَّا تَتَوَقَّفُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ عَلَيْهِ زَائِدٌ لَا ضَرُورَةَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ كَالنَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ وَالْعَرُوضِ وَالطِّبِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ كَعِلْمِ الْعَرُوضِ وَالطِّبِّ وَالْهَنْدَسَةِ وَالْهَيْئَةِ وَالْمِيقَاتِ، فَهُوَ فَضْلٌ أَيْ زِيَادَةٌ عَلَى تِلْكَ الْعُلُومِ، فَفِيهِ أَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِبَيَانِ الْعِلْمِ النَّافِعِ الَّذِي طَلَبَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَغَيْرُ النَّافِعِ الَّذِي تَعَوَّذَ بِهِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ " «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ» " وَأَيْضًا مِنَ الظَّاهِرِ أَنَّ مُرَادَ الشَّارِعِ أَنْ يُبَيِّنَ حَصْرَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ لِتَعَرُّضِ الْأُمَّةِ عَنْ غَيْرِهَا وَيَتَوَجَّهُوا إِلَيْهَا، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِنَفْيِ مَا عَدَاهَا وَذَمِّهِ بِأَنَّهُ زَائِدٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ بَلْ فَضْلَةٌ وَشَاغِلٌ عَنِ الْمَقْصُودِ، وَلِذَا وَرَدَ: " إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا " وَ " «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» " وَالْغَرِيبُ مِنِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ جَعَلَ هَذَا الْقَوْلَ بَعِيدًا، بَلْ قَالَ: لَا يَصِحُّ، وَعَلَّلَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ مِنْ تِلْكَ الْعُلُومِ الزَّائِدَةِ مَا هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَالطِّبِّ وَتَقَدَّمَ جَوَابُهُ وَقَالَ: بَلْ عَيْنٌ كَعِلْمِ الْوَقْتِ وَالْقِبْلَةِ. قُلْتُ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ عِلْمَهُمَا إِجْمَالًا عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ عِلْمَهُمَا عَلَى وَفْقِ عُلَمَاءِ الْهَيْئَةِ وَالْحِكْمَةِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ فَحَاشَا أَنْ يَكُونَ عِلْمًا فَضْلًا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا فَضْلًا أَنَّ يَكُونَ فَرْضَ عَيْنٍ، وَإِلَّا لَكَانَ السَّلَفُ وَأَكْثَرُ الْخَلَفِ عَاصِينَ بِتَرْكِ هَذَا الْعِلْمِ، وَمَا كَانَتْ صَلَاتُهُمْ صَحِيحَةً بِالتَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: عِلْمُ الْكِتَابِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ " آيَةٌ مُحْكَمَةٌ " فَإِنَّ الْمُحْكَمَاتِ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، وَيَجِبُ رَدُّ الْمُتَشَابِهَاتِ إِلَيْهَا وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْعُلُومِ كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْأُصُولِيِّينَ. يَعْنِي: أُصُولَ الْعَقَائِدِ وَأُصُولَ الْفِقْهِ وَعِلْمَ السُّنَّةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وَمَعْنَى قِيَامِهَا ثَبَاتُهَا وَدَوَامُهَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى أَسَانِيدِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ وَمَعْرِفَةِ أَقْسَامِ الْحَدِيثِ أَوْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى مُتُونِهَا مِنَ التَّغْيِيرِ بِالْإِتْقَانِ، وَعِلْمِ الْإِجْمَاعِ، وَالْقِيَاسِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:

стр. 501

أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ عَادِلَةً لِأَنَّهَا مُعَادِلَةٌ لِمَا أُخِذَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْفُضُولِ وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي عِلْمِ الدِّينِ، وَأَمَّا الطِّبُّ فَلَيْسَ بِفُضُولٍ لِمَا ثَبَتَ بِنُصُوصِ السُّنَّةِ الِافْتِقَارُ إِلَيْهِ. أَقُولُ فِيهِ: إِنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الِافْتِقَارُ إِلَيْهِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عِلْمًا كَالْحِجَامَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَالنِّسَاجَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَلَا تُسَمَّى عُلُومًا مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ بِالطِّبِّ جَائِزٌ لَا فَرْضٌ إِجْمَاعًا وَأَصْلُهُ مَوْجُودٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالزَّائِدُ عَنْهُمَا لَا شَكَّ أَنَّهُ فُضُولٌ كَالزَّائِدِ مِنْ نَحْوِ النَّحْوِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي مَعْرِفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 502

٢٤٠ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَقُصُّ إِلَّا أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ أَوْ مُخْتَالٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٤٠ - (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ) : ﵁ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَقُصُّ) : نَفْيٌ لَا نَهْيٌ، كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ وَوَجْهَهُ مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى النَّهْيِ الصَّرِيحِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُخْتَالُ مَأْمُورًا بِالِاقْتِصَاصِ، ثُمَّ الْقَصُّ التَّكَلُّمُ بِالْقِصَصِ وَالْأَخْبَارِ وَالْمَوَاعِظِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْخُطْبَةُ خَاصَّةً وَالْمَعْنَى لَا يَصْدُرُ هَذَا الْفِعْلُ إِلَّا مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَقَوْلُهُ: (إِلَّا أَمِيرٌ) أَيْ: حَاكِمٌ (أَوْ مَأْمُورٌ) أَيْ: مَأْذُونٌ لَهُ بِذَلِكَ مِنَ الْحَاكِمِ أَوْ مَأْمُورٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَبَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ (أَوْ مُخْتَالٌ) أَيْ: مُفْتَخِرٌ مُتَكَبِّرٌ طَالِبٌ لِلرِّئَاسَةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: عَنْ عَوْفٍ.

стр. 503

٢٤١ - وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَفِي رِوَايَتِهِ: " أَوْ مَرَّاءٌ " بَدَلُ " مُخْتَالٌ " ــ ٢٤١ - (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَفِي رِوَايَتِهِ) أَيْ: رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي رِوَايَةٍ (أَوْ مُرَاءٌ) بَدَلَ (أَوْ مُخْتَالٌ) : بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الِاخْتِيَالِ أَيِ: التَّكَبُّرِ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْحِيلَةِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْأَوَّلِ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ صَحَّ بِالْمُهْمَلَةِ.

стр. 504

٢٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ، وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٤٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ أُفْتَى) : عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَقِيلَ: مَعَ الْمَعْلُومِ (بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ) : قَالَ الْأَشْرَفُ: وَتَبِعَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (أَفْتَى) الثَّانِي بِمَعْنَى اسْتَفْتَى، وَأُفْتَى الْأَوَّلُ مَعْرُوفًا، أَيْ: كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنِ اسْتَفْتَاهُ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ فِي مَعْرِضِ الْإِفْتَاءِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا، أَيْ: فَإِثْمُ إِفْتَائِهِ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ، أَيِ: الْإِثْمُ عَلَى الْمُفْتِي دُونَ الْمُسْتَفْتِي اهـ. وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنَ النُّسَخِ يَعْنِي: كُلُّ جَاهِلٍ سَأَلَ عَالِمًا عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَفْتَاهُ الْعَالِمُ بِجَوَابٍ بَاطِلٍ، فَعَمِلَ السَّائِلُ بِهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بُطْلَانَهُ فَإِثْمُهُ عَلَى الْمُفْتِي إِنْ قَصَّرَ فِي اجْتِهَادِهِ (وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ) ": قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا عُدِّيَ " أَشَارَ " بِ " عَلَى " كَانَ بِمَعْنَى الْمَشُورَةِ، أَيِ: اسْتَشَارَهُ وَسَأَلَهُ كَيْفَ أَفْعَلُ هَذَا الْأَمْرَ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: أَشَارَ عَلَيْهِ بِكَذَا أَمَرَهُ، وَاسْتَشَارَ: طَلَبَهُ الْمَشُورَةَ، فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى: مَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ وَهُوَ مُسْتَشِيرٌ، وَأَمَرَ الْمُسْتَشِيرَ بِأَمْرٍ (يَعْلَمُ) : وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ (أَنَّ الرُّشْدَ) أَيِ: الْمَصْلَحَةَ

стр. 505

(فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ (فَقَدْ خَانَهُ) أَيْ: خَانَ الْمُسْتَشَارُ الْمُسْتَشِيرَ إِذْ وَرَدَ: أَنَّ " «الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ» " وَ " «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ". (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 506

٢٤٣ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٤٣ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَ ﷺ نَهَى عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ» ) : جَمْعُ أُغْلُوطَةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ، أَيْ: عَنْ سُؤَالِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُغَالِطُ بِهَا الْعُلَمَاءَ لِإِشْكَالٍ فِيهَا لِمَا فِيهَا مِنْ إِيذَاءِ الْمَسْئُولِ وَإِظْهَارِ فَضْلِ السَّائِلِ. قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ إِذَا كَانَ ابْتِدَاءً لِأَنَّهُ سَبَبُ الْإِيذَاءِ، وَالْإِيذَاءُ حَرَامٌ وَتَهْيِيجٌ لِلْفِتْنَةِ وَالْعَدَاوَةِ، وَفِيهِ إِظْهَارُ فَضْلِ النَّفْسِ وَنَقْصِ الْغَيْرِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ جَوَابًا وَجَزَاءً فَلَا يَكُونُ حَرَامًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وَسُئِلَ الشَّافِعِيُّ فِي مَجْلِسِ هَارُونَ الرَّشِيدِ عَنْ مَسَائِلَ مُشْكِلَةٍ، فَأَجَابَهَا سَرِيعًا، فَسَأَلَ الشَّافِعِيُّ مِمَّنْ سَأَلَ مِنْهُ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ عَنْ سِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَخُصَّ أُخْتَهُ إِلَّا دِرْهَمٌ فَأَطْرَقَ مَلِيًّا وَعَجَزَ، فَأَشَارَ هَارُونُ بِتَصْوِيرِهِ، فَقَالَ: مَاتَ رَجُلٌ عَنْ بِنْتَيْنِ وَأُمٍّ وَزَوْجَةٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ أَخًا وَأُخْتًا وَسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ، كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 507

٢٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَالْقُرْآنَ وَعَلِّمُوا النَّاسَ فَإِنِّي مَقْبُوضٌ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٢٤٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «تَعْلَّمُوا الْفَرَائِضَ» ) : قِيلَ: هُوَ عِلْمُ الْمِيرَاثِ، وَقِيلَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَقِيلَ: الْفَرَائِضُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ مَا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ مَعْرِفَتُهُ، وَإِنَّمَا حَثَّ عَلَى تَعَلُّمِهَا لِأَنَّ الْعِقَابَ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِهَا (وَالْقُرْآنَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا حَثَّ عَلَيْهِ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وَهُوَ الْأَصْلُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْفَرَائِضِ السُّنَنَ الصَّادِرَةَ مِنْهُ ﵊، الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، الدَّالُّ عَلَيْهَا أَنَّهُ قَالَ: تَعَلَّمُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ (وَعَلِّمُوا النَّاسَ فَإِنِّي مَقْبُوضٌ) أَيْ: سَأُقْبَضُ وَيَنْقَطِعَانِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 508

٢٤٥ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: " هَذَا أَوَانٌ يُخْتَلَسُ فِيهِ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٢٤٥ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَخَصَ) أَيْ: رَفَعَ (بِبَصَرِهِ) : أَوْ نَظَرَ بِعَيْنِهِ (إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا أَوَانٌ) أَيْ: وَقْتٌ (يُخْتَلَسُ) : صِفَةُ أَوَانٍ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ، أَيْ: يُخْتَطَفُ وَيُسْلَبُ بِسُرْعَةٍ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَفِي نُسْخَةٍ: يُخْتَلَسُ فِيهِ (الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ) أَيْ: عِلْمُ الْوَحْيِ (حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْعِلْمِ (عَلَى شَيْءٍ) : مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَظْهَرُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَكَأَنَّهُ ﵊ لَمَّا نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ كُوشِفَ بِاقْتِرَابِ أَجَلِهِ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)

стр. 509

٢٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رِوَايَةً: " «يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ، فَلَا يَجِدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي جَامِعِهِ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَمَثَلُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى: وَسَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ــ ٢٤٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً) : بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ رَفْعِ الْحَدِيثِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَّا لَكَانَ مَوْقُوفًا (يُوشِكُ) : بِالْكَسْرِ، وَالْفَتْحُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، أَيْ: يَقْرُبُ (أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ) : هُوَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ اسْمٌ لِيُوشِكَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْخَبَرِ لِاشْتِمَالِ الِاسْمِ عَلَى الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ (أَكْبَادَ الْإِبِلِ) : أَيِ: الْمُحَاذِيَ لِأَكْبَادِهَا، يَعْنِي يَرْحَلُونَ وَيُسَافِرُونَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِسْرَاعِ الْإِبِلِ وَإِجْهَادِهَا فِي السَّيْرِ، فَتُسْتَضَرُّ بِذَلِكَ فَتُقْطَعُ أَكْبَادُهَا مِنْ قَطْعِ الْمَسَافَةِ، وَيَمَسُّهَا الْأَدْوَاءُ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ، فَتَصِيرُ كَأَنَّهَا ضُرِبَتْ أَكْبَادُهَا مَكَانَ ضَرْبِهَا عَلَى السَّيْرِ، وَقِيلَ: أَيْ يُجْهِدُونَ الْإِبِلَ وَيَرْكُضُونَهَا، كَنَّى بِضَرْبِ الْأَكْبَادِ عَنِ السَّيْرِ وَالرَّكْضِ، لِأَنَّ أَكْبَادَ الْإِبِلِ وَالْفَرَسِ وَغَيْرِهِمَا تَتَحَرَّكُ عِنْدَ الرَّكْضِ وَيَلْحَقُهَا ضَرَرٌ وَقَطْعٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ضَرْبُ أَكْبَادِ الْإِبِلِ كِنَايَةٌ عَنِ السَّيْرِ السَّرِيعِ، لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ يَرْكَبُ الْإِبِلَ وَيَضْرِبُ عَلَى أَكْبَادِهَا بِالرِّجْلِ، وَفِي إِيرَادِ هَذَا الْقَوْلِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ طَلَبَةَ الْعِلْمِ أَشَدُّ النَّاسِ حِرْصًا وَأَعَزُّهُمْ مَطْلَبًا، لِأَنَّ الْجِدَّ فِي الطَّلَبِ إِنَّمَا يَكُونُ بِقَدْرِ شِدَّةِ الْحِرْصِ وَعِزَّةِ الْمَطْلَبِ، وَالْمَعْنَى: قَرُبَ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانٌ يَسِيرُ النَّاسُ سَيْرًا شَدِيدًا فِي الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ (يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ) : وَهُوَ حَالٌ أَوْ بَدَلٌ (فَلَا يَجِدُونَ أَحَدًا) أَيْ: فِي الْعَالَمِ (أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ) : قِيلَ: هَذَا فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَتِ الْعُلَمَاءُ الْفُحُولُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَكْثَرَ مَا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ، فَالْإِضَافَةُ لِلْجِنْسِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ ذَاتُهُ ﵊ فَالْإِضَافَةُ لِلْعَهْدِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي جَامِعِهِ) : بِالْوَاوِ أَيْ: ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ تَفْسِيرَهُ فِي جَامِعِهِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) : اسْمُهُ سُفْيَانُ، وَهُوَ إِمَامٌ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَغَيْرُهُمَا (إِنَّهُ) أَيْ عَالِمَ الْمَدِينَةِ (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) : وَهُوَ إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ وَأَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ، وَهُوَ أُسْتَاذُ الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْعِلْمِ أَعْلَمُ مِنْهُ (وَمِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ مَقُولِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي مَالِكٍ مَنْقُولٌ (عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ) : وَهُوَ مِنْ فُضَلَاءِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، رَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ أَحَدُ الْمَشْهُورِينَ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الرِّوَايَةِ، صَاحِبُ تَأْلِيفَاتٍ كَثِيرَةٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنْ أُرِيدَ مُطَابَقَتُهُ إِيَّاهُ قُرِئَ " وَمِثْلَهُ " تَتِمَّةً لِلْكَلَامِ السَّابِقِ، وَابْتِدَاءً بِقَوْلِهِ " عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ " تَأَمَّلْ اهـ.

стр. 510

قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَنْهُ قَوْلَانِ أَيْضًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى: وَسَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ) : أَيِ: الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ (الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ: قِيلَ: هُوَ الْعُمَرِيُّ (وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مَالِكٌ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: أَرَادَ بِالْعُمَرِيِّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَذَكَرَ فِي الْمَتْنِ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْجَامِعِ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَأَعْلَامِهِمْ، سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ، وَأَبَا حَازِمٍ، وَحُمَيْدًا الطَّوِيلَ، وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ. كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخَلِيفَةَ. قِيلَ لَهُ الْعُمَرِيُّ نِسْبَةً إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأَنَّهُ ابْنُ بِنْتِهِ، وَقِيلَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْخَطَّابِ، قِيلَ: كَانَ آخِرَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، وَكَانَ يُقَدَّمُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.

стр. 511

٢٤٧ - وَعَنْهُ، فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٤٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (فِيمَا أَعْلَمُ) : بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَقِيلَ: هُوَ لَفْظُ الْمُصَنِّفِ أَيْ فِي عِلْمِي، أَوْ فِي جُمْلَةِ مَا أَعْلَمُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَا عَنْ غَيْرِهِ وَقَدْ شَكَّ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ. قَالَ السَّيِّدُ: قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ تَبَعًا لِلتُّورِبِشْتِيِّ: فِيمَا أَعْلَمُ مُضَارِعًا أَوْ مَاضِيًا هُوَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، أَيْ: هَذَا الْحَدِيثُ كَائِنًا فِي عِلْمِي هُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً، أَوْ كَائِنًا فِي إِعْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ سَائِرَ الصَّحَابَةِ اهـ. أَقُولُ: قَوْلُهُ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ - غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الْفَهْمِ، وَقَدْ تَفَحَّصْتُهُ مِنْ أَصْلِ أَبِي دَاوُدَ فَوَجَدْتُهُ مُخَرَّجًا عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا أَعْلَمُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ. فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيمَا أَعْلَمُ يَجُوزُ بِضَمِّ الْمِيمِ حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبِفَتْحِهَا مَاضِيًا مِنَ الْإِعْلَامِ حِكَايَةً عَنْ فِعْلِهِ اهـ. أَقُولُ: أَمَّا قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْمِيمِ حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَلْقَمَةَ الرَّاوِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: حِكَايَةً عَنْ فِعْلِهِ فَفِيهِ تَأَمُّلٌ وَمُسَامَحَةٌ، تَأَمَّلْ. انْتَهَى كَلَامُ السَّيِّدِ. (قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ") أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ، وَيَحْتَمِلُ أُمَّةَ الدَّعْوَةِ (عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ) : أَيِ: انْتِهَائِهِ أَوِ ابْتِدَائِهِ إِذَا قَلَّ الْعِلْمُ وَالسُّنَّةُ وَكَثُرَ الْجَهْلُ وَالْبِدْعَةُ (مَنْ يُجَدِّدُ) : مَفْعُولُ يَبْعَثُ (لَهَا) أَيْ: لِهَذِهِ الْأُمَّةِ (دِينَهَا) أَيْ: يُبَيِّنُ السُّنَّةَ مِنَ الْبِدْعَةِ وَيُكْثِرُ الْعِلْمَ وَيُعِزُّ أَهْلَهُ وَيَقْمَعُ الْبِدْعَةَ وَيَكْسِرُ أَهْلَهَا. قَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ: وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَشَارَ إِلَى الْعَالِمِ الَّذِي هُوَ فِي مَذْهَبِهِ، وَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهِ، وَالْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ فَإِنَّ لَفْظَةَ " مَنْ " تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَلَا يَخْتَصُّ أَيْضًا بِالْفُقَهَاءِ فَإِنَّ انْتِفَاعَ الْأُمَّةِ بِهِمْ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَانْتِفَاعُهُمْ بِأُولِي الْأَمْرِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْقُرَّاءِ وَالْوُعَّاظِ وَالزُّهَّادِ أَيْضًا كَثِيرٌ، إِذْ حِفْظُ الدِّينِ وَقَوَانِينُ السِّيَاسَةِ وَبَثُّ الْعَدْلِ وَظِيفَةُ أُولِي الْأَمْرِ، وَكَذَا الْقُرَّاءُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَنْفَعُونَ بِضَبْطِ التَّنْزِيلِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ الشَّرْعِ وَأَدِلَّتَهُ، وَالْوُعَّاظُ يَنْفَعُونَ بِالْوَعْظِ وَالْحَثِّ عَلَى لُزُومِ التَّقْوَى لَكِنِ الْمَبْعُوثُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُشَارًا إِلَيْهِ فِي كُلِّ فَنٍّ مِنْ هَذِهِ الْفُنُونِ. نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَحَمَلَ الْمُجَدِّدِينَ مَحْصُورِينَ عَلَى الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، وَخَتَمَهُمْ بِشَيْخِهِ الشَّيْخِ زَكَرِيَّا مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ بِتَجْدِيدِ فَنٍّ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَشَيْخُ مَشَايِخِنَا السُّيُوطِيُّ هُوَ الَّذِي أَحْيَا عِلْمَ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ، وَجَمَعَ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَفَرِّقَةِ فِي جَامِعِهِ الْمَشْهُورِ، وَمَا تَرَكَ فَنًّا إِلَّا وَلَهُ فِيهِ مَتْنٌ أَوْ شَرْحٌ مَسْطُورٌ، بَلْ وَلَهُ زِيَادَاتٌ وَمُخْتَرَعَاتٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُجَدِّدُ فِي الْقُرْآنِ الْمَذْكُورِ كَمَا ادَّعَاهُ وَهُوَ فِي دَعْوَاهُ مَقْبُولٌ وَمَشْكُورٌ، هَذَا وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ يُجَدِّدُ لَيْسَ شَخْصًا وَاحِدًا، بَلِ الْمُرَادُ بِهِ

стр. 512

جَمَاعَةٌ يُجَدِّدُ كُلُّ أَحَدٍ فِي بَلَدٍ فِي فَنٍّ أَوْ فَنُونٍ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنَ الْأُمُورِ التَّقْرِيرِيَّةِ أَوِ التَّحْرِيرِيَّةِ، وَيَكُونُ سَبَبًا لِبَقَائِهِ وَعَدَمِ انْدِرَاسِهِ وَانْقِضَائِهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا التَّجْدِيدَ أَمْرٌ إِضَافِيٌّ، لِأَنَّ الْعِلْمَ كُلَّ سَنَةٍ فِي التَّنَزُّلِ، كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ كُلَّ عَامٍ فِي التَّرَقِّي، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ تَرَقِّي عُلَمَاءِ زَمَانِنَا بِسَبَبِ تَنَزُّلِ الْعِلْمِ فِي أَوَانِنَا، وَإِلَّا فَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ عِلْمًا وَعَمَلًا وَحِلْمًا وَفَضْلًا وَتَحْقِيقًا وَتَدْقِيقًا لِمَا يَقْتَضِي الْبُعْدَ عَنْ زَمَنِهِ ﵊، كَالْبُعْدِ عَنْ مَحَلِّ النُّورِ وَيُوجِبُ كَثْرَةَ الظُّلْمَةِ وَقِلَّةَ الظُّهُورِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " «لَا يَأْتِي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ» ". وَمَا فِي الْكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا " «مَا مِنْ عَامٍ إِلَّا وَيَنْتَقِصُ الْخَيْرُ فِيهِ وَيَزِيدُ الشَّرُّ» " وَمَا فِي الطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَا مِنْ عَامٍ إِلَّا وَيُحْدِثُ النَّاسُ بِدَعَةً وَيُمِيتُونَ سُنَّةً حَتَّى تُمَاتَ السُّنَنُ وَتَحْيَا الْبِدَعُ» . وَهَذِهِ النُّبْذَةُ الْيَسِيرَةُ أَيْضًا إِنَّمَا هِيَ مِنْ بَرَكَاتِ عُلُومِهِمْ وَمَدَدِهِمْ، فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ مُعْتَرِفِينَ بِأَنَّ الْفَضْلَ لِلْمُتَقَدِّمِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَكَذَا صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

стр. 513

٢٤٨ - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ " ــ ٢٤٨ - (وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، مَنْسُوبٌ إِلَى عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ أَبِي قَبِيلَةٍ مِنْ خُزَاعَةَ، كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ لَا فِي الصَّحَابَةِ وَلَا فِي التَّابِعِينَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَحْمِلُ) أَيْ: يَحْفَظُ (هَذَا الْعِلْمَ) أَيْ: عِلْمَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَزَادَ ابْنُ حَجَرٍ: الْفِقْهَ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ مُصْطَلَحٌ حَادِثٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ عِنْدَ قَوْلِهِ هَذَا، وَالْإِشَارَةُ لِلتَّعْظِيمِ، يَعْنِي يَأْخُذُهُ وَيَقُومُ بِإِحْيَائِهِ (مِنْ كُلِّ خَلَفٍ) أَيْ: مِنْ كُلِّ قَرْنٍ يَخْلِفُ السَّلَفَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ الْجَمَاعَةُ الْمَاضِيَةُ، وَالْخَلَفُ بِفَتْحِ اللَّامِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ أَحَدٍ وَيَقُومُ مَقَامَهُ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ " (عُدُولُهُ) أَيْ: ثِقَاتُهُ يَعْنِي مَنْ كَانَ عَدْلًا صَاحِبَ التَّقْوَى وَالدِّيَانَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَ " مِنْ " إِمَّا تَبْعِيضِيَّةٌ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ " يَحْمِلُ " وَ " عُدُولُهُ " بَدَلٌ مِنْهُ، وَإِمَّا بَيَانِيَّةٌ عَلَى طَرِيقَةِ لَقِيَنِي مِنْكَ (أَسَدٌ) جُرِّدَ مِنَ الْخَلَفِ الصَّالِحِ، وَالْعُدُولُ الثِّقَاتُ وَهُمْ هُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِمْ (يَنْفُونَ عَنْهُ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، أَيْ: نَافِينَ عَنْهُ يَعْنِي طَارِدِينَ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ (تَحْرِيفَ الْغَالِينَ) : أَيِ: الْمُبْتَدَعَةِ الَّذِينَ يَتَجَاوَزُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَنِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ، فَيَنْحَرِفُونَ عَنْ جِهَتِهِ، مِنْ غَلَا يَغْلُو إِذَا جَاوَزَ الْحَدَّ كَأَقْوَالِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْمُشَبِّهَةِ (وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ) الِانْتِحَالُ: ادِّعَاءُ قَوْلٍ أَوْ شِعْرٍ، وَيَكُونُ قَائِلُهُ غَيْرَهُ بِانْتِسَابِهِ إِلَى نَفْسِهِ، قِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْكَذِبِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي النِّهَايَةِ: الِانْتِحَالُ مِنَ النِّحْلَةِ وَهِيَ التَّشَبُّهُ بِالْبَاطِلِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الِانْتِحَالُ ادِّعَاءُ الشَّيْءِ بِالْبَاطِلِ، وَقِيلَ: لَعَلَّ الْأَوَّلَ أَنْسَبُ لِمَعْنَى الْحَدِيثِ اهـ. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُبْطِلَ إِذَا اتَّخَذَ قَوْلًا مِنْ عِلْمِنَا لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى بَاطِلِهِ أَوِ اعْتَزَى إِلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ نَفَوْا عَنْ هَذَا الْعِلْمِ قَوْلَهُ، وَنَزَّهُوهُ عَمَّا يَنْتَحِلُهُ (وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ) أَيْ: مَعْنَى الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ إِلَى مَا لَيْسَ بِصَوَابٍ، أَوِ الْجُمْلَةُ

стр. 514

اسْتِئْنَافٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: لِمَا خَصَّ هَؤُلَاءِ بِهَذِهِ الْمَنْقَبَةِ الْعَلِيَّةِ؟ فَأُجِيبَ: بِأَنَّهُمْ يَحْمُونَ الشَّرِيعَةَ وَمُتُونَ الرِّوَايَاتِ مِنْ تَحْرِيفِ الَّذِينَ يَغْلُونَ فِي الدِّينِ، وَالْأَسَانِيدَ مِنَ الْقَلْبِ وَالِانْتِحَالِ، وَالْمُتَشَابِهَ مِنْ تَأْوِيلِ الزَّائِغِينَ الْمُبْتَدِعِينَ بِنَقْلِ النُّصُوصِ الْمُحْكَمَةِ لِرَدِّ الْمُتَشَابِهِ إِلَيْهَا، وَهَذَا مَعْنَى مَا وَرَدَ: " «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مُتَوَاتِرٌ مَعْنًى (رَوَاهُ) . . . . . " وَأَلْحَقَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ: فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُعَانٍ بِضَمِّ الْمِيمِ ابْنِ رِفَاعَةَ بِكَسْرِ الرَّاءِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ. وَقَالَ السَّيِّدُ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ إِلَى السُّنَنِ فِي بَابِ تَبْيِينِ حَالِ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ رَدَّ خَبَرِهِ مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «يَرِثُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ» ". وَذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ: تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ مُعَاذٍ وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الثِّقَةِ أَشْيَاخِهِمْ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ ضَعِيفَةٍ. وَمُعَانٌ: بِالنُّونِ دِمَشْقِيٌّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ، كَذَا فِي التَّخْرِيجِ (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرٍ: فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، أَيِ: الْعَاجِزِ عَنِ الْعِلْمِ (السُّؤَالُ) أَيْ: عَنِ الْعُلَمَاءِ (فِي بَابِ التَّيَمُّمِ) : لِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَهُوَ اعْتِذَارٌ وَاعْتِرَاضٌ: (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) : مُتَعَلِّقٌ بِ (سَنَذْكُرُ) .

стр. 515

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٤٩ - عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الْإِسْلَامَ، فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٤٩ - (عَنِ الْحَسَنِ) : وَهُوَ إِذَا أُطْلِقَ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ فَالْمُرَادُ الْبَصْرِيٌّ (مُرْسَلًا) : لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ، حَذَفَ الصَّحَابِيَّ إِمَّا لِنِسْيَانِهِ أَوْ لِكَثْرَةِ مَنْ يَرْوِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ» ) : الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِنَ الْمَفْعُولِ فِي " جَاءَهُ "، أَيْ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي حَالِ اسْتِمْرَارِهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَنَشْرِهِ وَدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (لِيُحْيِيَ بِهِ الْإِسْلَامَ) أَيْ: لِإِحْيَاءِ الدِّينِ عَمَّا انْدَرَسَ قَوَاعِدُهُ وَأَحْكَامُهُ بِبِنَائِهَا لَا لِغَرَضٍ فَاسِدٍ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ (فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ) : وَهِيَ مَرْتَبَةُ النُّبُوَّةِ (فِي الْجَنَّةِ) ": أَرْدَفَهَا بِوَاحِدَةٍ، لِأَنَّ الْكَلَامَ قَدْ سَبَقَ لِلْعَدَدِ، وَقَدْ سَبَقَ: إِنَّ وَارِثَ الْأَنْبِيَاءِ هُمُ الْعُلَمَاءُ الزَّاهِدُونَ الدَّاعُونَ الْخَلْقَ إِلَى الْحَقِّ فَيُحِبُّونَ الْإِسْلَامَ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَوْضِيحُهُ فِي كَلَامِ الْأَبْهَرِيِّ: أَكَّدَ الدَّرَجَةَ بِوَاحِدَةٍ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِيَّةِ وَعَلَى الْعَدَدِ، وَالَّذِي سَبَقَ لَهُ الْكَلَامُ هُوَ الْعَدَدُ الْحَاصِلُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الْعَامِلِينَ الْمُخْلِصِينَ لَمْ تَفُتْهُمْ إِلَّا دَرَجَةُ الْوَحْيِ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

стр. 516

٢٥٠ - وَعَنْهُ مُرْسَلًا، قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَحَدُهُمَا كَانَ عَالِمًا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ، وَالْآخِرُ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ ; أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ الَّذِي يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ عَلَى الْعَابِدِ الَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٢٥٠ - (وَعَنْهُ) : أَيِ: الْحَسَنِ (مُرْسَلًا) : أَيْضًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلَيْنِ) أَيْ: عَنْ شَأْنِهِمَا وَحُكْمِهِمَا (كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَحَدُهُمَا كَانَ عَالِمًا) أَيْ: غَلَبَ عِلْمُهُ عَلَى الْعِبَادَةِ (يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ) أَيْ: يَكْتَفِي بِالْعِبَادَةِ الْمَفْرُوضَةِ (ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ) : أَيِ: الْعِلْمَ وَالْعِبَادَةَ وَالزُّهْدَ وَالرِّيَاضَةَ وَالصَّبْرَ وَالْقَنَاعَةَ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ تَدْرِيسًا أَوْ تَأْلِيفًا أَوْ غَيْرَهُمَا (وَالْآخَرُ يَصُومُ النَّهَارَ) أَيْ: دَائِمًا أَوَ غَالِبًا (وَيَقُومُ اللَّيْلَ) أَيْ: كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ وَقَدْ تَعَلَّمَ فَرْضَ عِلْمِهِ (أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟) أَيْ: أَكْثَرُ ثَوَابًا فَإِنَّ أَفْضَلِيَّةَ الْعَالِمِ ظَاهِرَةٌ.

стр. 517

(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ) : يُحْتَمَلُ الشَّخْصُ وَالْجِنْسُ ( «الَّذِي يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ عَلَى الْعَابِدِ الَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ» ) : أَطْنَبَ فِي الْجَوَابِ حَيْثُ لَمْ يَقُلِ الْأَوَّلَ أَوِ الْعَالِمَ لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وَتَقْرِيرِهِ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ (كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ) : فَإِنِّي عَالِمٌ مُعَلِّمٌ، وَأَدْنَاكُمْ مَنْ يَقُومُ بِالْعِبَادَةِ دُونَ الْعِلْمِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الْعِلْمَ نَفْعُهُ مُتَعَدٍّ وَالْعِبَادَةَ مَنْفَعَتُهَا قَاصِرَةٌ، وَالْعِلْمُ إِمَّا فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ، وَالْعِبَادَةُ الزَّائِدَةُ نَافِلَةٌ وَثَوَابُ الْفَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ أَجْلِ النَّفْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

стр. 518

٢٥١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نِعْمَ الرَّجُلُ الْفَقِيهُ فِي الدِّينِ ; إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ نَفَعَ، وَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ أَغْنَى نَفْسَهُ» " رَوَاهُ رَزِينٌ. ــ ٢٥١ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (نِعْمَ الرَّجُلُ) أَيِ: الْكَامِلُ فِي الرُّجُولِيَّةِ (الْفَقِيهُ فِي الدِّينِ) الْفَقِيهُ: هُوَ الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ، وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أَيِ: الَّذِي فَقِهَ فِي الدِّينِ، وَعَلِمَ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَيَنْفَعُ النَّاسَ، وَلِذَا وَرَدَ: " «مَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ وَعَلَّمَ؛ يُدْعَى فِي الْمَلَكُوتِ عَظِيمًا» ; وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْفَقِيهِ مَنْ يَعْلَمُ الْفُرُوعَ فَقَطْ، كَمَا فَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ وَتَبَجَّحَ بِهِ بِنَاءً عَلَى مَا وَهِمَ، وَنَقَلَ أَنَّهُ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ غَايَةَ الصُّوفِيِّ الْمُحِقِّ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ كَرَامَةٌ أَوْ كَرَامَاتٌ فَيَفْتَخِرَ بِهَا هُوَ وَجَمَاعَتُهُ الدَّهْرَ، وَالْفُقَهَاءُ تَظْهَرُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمُ الْكَرَامَاتُ الْكَثِيرَةُ بِفَتْحِ أَبْوَابِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ الْعَلِيَّةِ لَهُ وَإِلْهَامِهِ فِيهَا مَا لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ إِلَيْهِ فَيُفِيدُ مِنْهُ مَا لَا يُحْصَى اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا كُرِهَ مِنْ غَايَةِ الصُّوفِيِّ صَدَرَ عَنْ قِلَّةِ التَّحْقِيقِ، فَإِنَّ بِدَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِنِهَايَةِ مَا ثَبَتَ بِالنُّبُوَّةِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَتَعْلِيمًا عَلَى شَرِيطَةِ الْإِخْلَاصِ، وَأَمَّا نِهَايَتُهُ فَالَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهَا هُوَ أَنْ يَصِيرَ مُسْتَغْرِقًا فِي مُشَاهَدَةِ مَوْلَاهُ وَفَانِيًا عَمَّا سِوَاهُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْفَارِضِ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ خَطَرَتْ لِي فِي سِوَاكَ إِرَادَةٌ ... عَلَى خَاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي وَأَمَّا الْكَرَامَةُ فَعِنْدَهُمْ حَيْضُ الرِّجَالِ فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ بَيْنَ الْهَيْئَاتِ، وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ: ضَيَّعْتُ قِطْعَةً مِنَ الْعُمُرِ الْعَزِيزِ فِي تَأْلِيفِ الْبَسِيطِ وَالْوَسِيطِ وَالْوَجِيزِ، وَلَكِنْ سُبْحَانَ مَنْ أَقَامَ الْعِبَادَ بِمَا أَرَادَ، وَكُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (إِنِ احْتِيجَ) : بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا، شَرْطِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ اسْتِحْقَاقِ الْمَدْحِ، أَيْ: إِنِ احْتَاجَ النَّاسُ (إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى فِقْهِهِ (نَفَعَ) أَيْ: غَيْرَهُ (وَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ) : عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (أَغْنَى نَفْسَهُ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: قُوبِلَ نَفَعَ بِأَغْنَى لِيَعُمَّ الْفَائِدَةَ، أَيْ: نَفَعَ النَّاسَ وَأَغْنَاهُمْ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَنَفَعَ نَفْسَهُ وَأَغْنَاهَا بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَتِلَاوَةِ كِتَابِ اللَّهِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ (رَوَاهُ رَزِينٌ) .

стр. 519

٢٥٢ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ ﵁ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: «حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ ; وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلَّهُمْ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ، وَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٥٢ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ) : هُوَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَحَدُ فُقَهَاءِ مَكَّةَ وَتَابِعِيهَا (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) : وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا أُطْلِقَ (قَالَ) : أَيْ لِعِكْرِمَةَ (حَدِّثِ النَّاسَ) : أَيْ: بِالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ وَالْوَعْظِ (كُلَّ جُمُعَةٍ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ (مَرَّةً) : أَيْ: فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهَا (فَإِنْ أَبَيْتَ) : أَيِ: التَّحْدِيثَ مَرَّةً، وَأَرَدْتَ الزِّيَادَةَ حِرْصًا عَلَى إِفَادَةِ الْعِلْمِ وَنَفْعِ النَّاسِ (فَمَرَّتَيْنِ) : أَيْ: فَحَدِّثْ مَرَّتَيْنِ (فَإِنْ أَكْثَرْتَ) : أَيْ: أَرَدْتَ الْإِكْثَارَ (فَثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا تُمِلَّ: بِفَتْحِ اللَّامِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَهُوَ بِضَمِّ الْفَوْقَانِيَّةِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ (النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ) . يُقَالُ: مَلِلْتُهُ وَمَلِلْتُ مِنْهُ بِالْكَسْرِ سَئِمْتُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى تَعْظِيمِهِ، فَرَتَّبَ وَصْفَ التَّعْظِيمِ عَلَى الْحُكْمِ لِلْإِشْعَارِ بِالْعِلْيَةِ أَيْ: لَا تُحَقِّرْ هَذَا الْعَظِيمَ الشَّأْنِ الَّذِي جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَعَدَمِ الشِّبَعِ مِنْهُ، أَيْ: وَإِذَا كَانَ الْإِكْثَارُ يُوجِبُ الْمَلَلَ عَمَّا هَذِهِ أَوْصَافُهُ فَمَا بَالُكَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي جُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلَى النُّفْرَةِ مِنْ مَشَاقِّهَا وَمَتَاعِبِهَا (فَلَا أُلْفِيَنَّكَ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ: لَا أَجِدَنَّكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ بَابِ لَا أَرَيَنَّكَ أَيْ: لَا تَكُنْ بِحَيْثُ أُلْفِيَنَّكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَهِيَ أَنَّكَ (تَأْتِي الْقَوْمَ) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ (وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مِنَ الْمَرْفُوعِ فِي تَأْتِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَالٌ مِنَ (الْقَوْمَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُمْ مَشْغُولُونَ عَنْكَ (فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ) : أَيْ قَصَصًا مِنْ وَعْظٍ أَوْ عِلْمٍ (فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ) : أَيْ: كَلَامَهُمُ الَّذِينَ هُمْ فِيهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْطُوفَانِ عَلَى تَأْتِي، وَهُوَ الظَّاهِرُ لَكِنَّهُمَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ مَنْصُوبَانِ، فَيَكُونُ نَصْبُهُمَا عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ وَيُتَكَلَّفُ لِلسَّبَبِيَّةِ (فَتُمِلَّهُمْ) : مَنْصُوبٌ بِلَا خِلَافٍ جَوَابًا لِلنَّهْيِ (وَلَكِنْ أَنْصِتْ) : أَمْرٌ مِنَ الْإِنْصَاتِ وَهُوَ السُّكُوتُ (وَإِذَا أَمَرُوكَ) : أَيْ: طَلَبُوا مِنْكَ التَّحْدِيثَ (فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ) : حَالٌ مُقَيَّدَةٌ (وَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ نُهِيَ عَنِ السَّجْعِ وَأَكْثَرُ الْأَدْعِيَةِ مُسَجَّعَةٌ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَعْهُودُ وَهُوَ السَّجْعُ الْمَذْمُومُ الَّذِي كَانَ الْكُهَّانُ وَالْمُتَشَدِّقُونَ يَتَعَاطَوْنَهُ وَيَتَكَلَّفُونَهُ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ، لَا الَّذِي يَقَعُ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ بِلَا كُلْفَةٍ، فَإِنَّ الْفَوَاصِلَ التَّنْزِيلِيَّةَ وَارِدَةٌ عَلَى هَذَا، وَيُؤَيِّدُهُ إِنْكَارُهُ ﵊ بِقَوْلِهِ: " أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْكُهَّانِ! " عَلَى مَنْ قَالَ: أُؤَدِّي لِمَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلَّ، الْمَعْنَى: تَأَمَّلِ السَّجْعَ الَّذِي يُنَافِي إِظْهَارَ الِاسْتِكَانَةِ وَالتَّضَرُّعِ فِي الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الِاسْتِجَابَةِ (فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ: عَرَفْتُهُ (وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ) . أَيْ: تَكَلُّفَ السَّجْعِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ الْأَبْهَرِيُّ فِي الْبُخَارِيِّ: لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ، بِزِيَادَةِ إِلَّا، قَالَ الشَّيْخُ: لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ، أَيْ: تَرْكَ السَّجْعِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ، شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، بِسَنَدِهِ فِيهِ: لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِإِسْقَاطِ إِلَّا وَهُوَ وَاضِحٌ، كَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ.

стр. 520

٢٥٣ - وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَدْرَكَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الْأَجْرِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنَ الْأَجْرِ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٢٥٣ - (وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ - مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ - كَذَا فِي التَّهْذِيبِ، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَدْرَكَهُ ": أَيْ: حَصَّلَهُ، وَقِيلَ: أَدْرَكَهُ أَبْلَغُ مِنْ حَصَّلَهُ، لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ بُلُوغُ أَقْصَى الشَّيْءِ (كَانَ لَهُ كِفْلَانِ) : نَصِيبَانِ " مِنَ الْأَجْرِ ": أَجْرِ الطَّلَبِ وَالْإِدْرَاكِ كَالْمُجْتَهِدِ الْمُصِيبِ (" فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ، كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنَ الْأَجْرِ) : كَالْمُخْطِئِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ: " «إِذَا اجْتَهَدَ الْمُجْتَهِدُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» " (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

стр. 521

٢٥٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلِمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، أَوْ مُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) ــ ٢٥٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ) : خَبَرُ إِنَّ: أَيْ كَائِنٌ مِمَّا يَلْحَقُهُ، وَاسْمُهَا عِلْمًا وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً لِأَنَّهُ يُنَافِي الْحَصْرَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ ﵊: يَنْقَطِعُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ " (مِنْ عَمَلِهِ) : بَيَانٌ لَهُ (وَحَسَنَاتِهِ) : عَطْفُ تَفْسِيرٍ (بَعْدَ مَوْتِهِ) : ظَرْفٌ يَلْحَقُ (عِلْمًا عَلِمَهُ) : بِالتَّخْفِيفِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّشْدِيدِ (وَنَشَرَهُ) : هُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّعْلِيمِ، فَإِنَّهُ يَشْمَلُ التَّأْلِيفَ وَوَقْفَ الْكُتُبِ (وَوَلَدًا صَالِحًا) : أَيْ: مُؤْمِنًا (تَرَكَهُ) : أَيْ: خَلَّفَهُ أَيْ " بَعْدَ مَوْتِهِ احْتِرَازًا عَنِ الْفَرَطِ (أَوْ مُصْحَفًا) : بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ، وَالضَّمُّ أَشْهَرُ (وَرَّثَهُ) : أَيْ: تَرَكَهُ لِلْوَرَثَةِ وَلَوْ مِلْكًا وَفِي مَعْنَاهُ: كُتُبُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ فَيَكُونُ لَهُ ثَوَابُ التَّسَبُّبِ (أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ) : وَفِي مَعْنَاهُ مَدْرَسَةُ الْعُلَمَاءِ وَرِبَاطُ الصُّلَحَاءِ (أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ) : أَيِ الْمُسَافِرِ وَالْغَرِيبِ (بَنَاهُ) : حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا (أَوْ نَهَرًا) : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ (أَجْرَاهُ) : أَيْ: جَعَلَهُ جَارِيًا لِيَنْتَفِعَ بِهِ الْخَلْقُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُمَلُ الْمُصَدَّرَةُ بِأَوْ مِنْ قِسْمِ الصَّدَقَةِ الْجَارِيَةِ، وَأَوْ فِيهَا لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّفْصِيلِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ (أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ) : فَدَاخِلٌ فِي الصَّدَقَةِ الْجَارِيَةِ وَلِإِرَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ) . وَفِي عَطْفِ حَيَاتِهِ عَلَى صِحَّتِهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ: «أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى» . الْحَدِيثَ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْإِشَارَةَ مَفْهُومَةٌ مِنْ نَفْسِ قَوْلِهِ وَصِحَّتِهِ لَا مِنَ الْعَطْفِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا مَفْهُومَةٌ مِنْ تَقَدُّمِ الصِّحَّةِ عَلَى الْحَيَاةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " وَحَيَاتِهِ " أَيْ: وَلَوْ فِي مَرَضِهِ. فَالْوَاوُ بِمَعْنَى (أَوْ) وَقَوْلُهُ أَخْرَجَهَا أَيْ بِالْوَصِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ أَجْرَى نَهَرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ غَرَسَ نَخْلًا، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، أَوْ، وَرَّثَ مُصْحَفًا» "

стр. 522

٢٥٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ: أَنَّهُ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكًا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، سَهَّلْتُ لَهُ طَرِيقَ الْجَنَّةِ وَمَنْ سَلَبْتُ كَرِيمَتَيْهِ، أَثَبْتُهُ عَلَيْهِمَا الْجَنَّةَ، وَفَضْلٌ فِي عِلْمٍ خَيْرٌ مِنْ فَضْلٍ فِي عِبَادَةٍ، وَمِلَاكُ الدِّينِ الْوَرَعُ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ " ــ ٢٥٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ، وَالْأَصْلُ سَمِعْتُ قَوْلَهُ فَأُخِّرَ الْقَوْلُ وَجُعِلَ حَالًا لِيُفِيدَ الْإِبْهَامَ وَالتَّبْيِينَ اهـ. وَقِيلَ: سَمِعَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ (إِنَّ اللَّهَ : أَيْ: عَزَّتْ ذَاتُهُ وَجَلَّتْ صِفَاتُهُ (أَوْحَى إِلَيَّ ") : أَيْ: وَحْيًا خَفِيًّا غَيْرَ مَتْلُوٍّ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ أَوْ لَا. وَلَهُ ﷺ نَقْلُهُ، وَلَوْ بِالْمَعْنَى، وَبِهَذِهِ الْقُيُودِ فَارَقَ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ الْكَلَامَ الْقُرْآنِيَّ (أَنَّهُ) : الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (مَنْ سَلَكَ) : أَيْ: دَخَلَ أَوْ ذَهَبَ وَمَشَى (مَسْلَكًا) : أَيْ: طَرِيقًا أَوْ سُلُوكًا، وَالْمَعْنَى تَعَاطَى سَبَبًا مِنَ الْأَسْبَابِ (فِي طَلَبِ الْعِلْمِ) : أَيْ: فِي تَحْصِيلِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ (سَهَّلْتُ) : أَيْ: يَسَّرْتُ (لَهُ طَرِيقَ الْجَنَّةِ) : أَيْ: طَرِيقًا مُوَصِّلًا إِلَى الْجَنَّةِ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْعِبَادَةِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ طَرِيقًا إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَسَبِيلًا إِلَى قُصُورِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ فِي الْعُقْبَى، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْعِلْمِ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ سَبِيلَ الْجَنَّةِ مَسْدُودَةٌ مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِ الْعُلُومِ، لَكِنْ بِشَرْطِ الْإِخْلَاصِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْعَمَلِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَاصِ (وَمَنْ سَلَبْتُ) : أَيْ: أَخَذْتُ (كَرِيمَتَيْهِ) : أَيْ: عَيْنَيْهِ الْكَرِيمَتَيْنِ عَلَيْهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ

стр. 523

يَكْرُمُ عَلَيْكَ فَهُوَ كَرِيمُكَ وَكَرِيمَتُكَ، وَالْمَعْنَى أَعْمَيْتُهُ فَالْأَكْمَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (أَثَبْتُهُ) : أَيْ: جَازَيْتُهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ﴾ [المائدة: ٨٥] وَفِي الْقَامُوسِ: أَثَابَهُ اللَّهُ مَثُوبَةً أَعْطَاهُ، وَفِي نُسْخَةٍ: أَثَبْتُهُ مِنَ الْإِثْبَاتِ (عَلَيْهِمَا) : أَيْ عَلَى الْكَرِيمَتَيْنِ يَعْنِي: عَلَى فَقْدِهِمَا وَالصَّبْرِ عَلَيْهِمَا (الْجَنَّةَ) : مَفْعُولٌ ثَانٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَفْعُولٌ ثَانٍ لِأَثَبْتُهُ لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى أَعْطَيْتُ، وَكِلَاهُمَا تَكَلُّفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ (وَفَضْلٌ) : أَيْ: زِيَادَةٌ (فِي عِلْمٍ خَيْرٌ مِنْ فَضْلٍ فِي عِبَادَةٍ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: يُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: التَّنْكِيرُ فِيهِ يَعْنِي فِي فَضْلِ الْأَوَّلِ لِلتَّقْلِيلِ، وَفِي الثَّانِي لِلتَّكْثِيرِ (وَمِلَاكُ الدِّينِ) : أَيْ: أَصْلُهُ وَصَلَاحُهُ (الْوَرَعُ) : كَمَا أَنَّ فَسَادَ الدِّينِ الطَّمَعُ، وَالْمُرَادُ بِالْوَرَعِ التَّقْوَى عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَالطَّمَعُ يُؤَدِّي إِلَى السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ. فِي النِّهَايَةِ: الْمِلَاكُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ قِوَامُ الشَّيْءِ وَنِظَامُهُ، وَمَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيهِ، وَمِنْهُ مِلَاكُ الدِّينِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمِلَاكُ بِالْكَسْرِ مَا بِهِ إِحْكَامُ الشَّيْءِ وَتَقْوِيَتُهُ وَإِكْمَالُهُ، وَالْوَرَعُ فِي الْأَصْلِ الْكَفُّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالتَّحَرُّجُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْكَفِّ عَنِ الْمُبَاحِ وَالْحَلَالِ. قُلْتُ: لَعَلَّ مُرَادَهُ الْمُبَاحُ وَالْحَلَالُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الشُّبْهَةِ وَإِلَّا فَتَرْكُهَا زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ لَا يُسَمَّى وَرَعًا بَلْ يُسَمَّى زُهْدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 524

٢٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «تَدَارُسُ الْعِلْمِ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ خَيْرٌ مِنْ إِحْيَائِهَا» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٢٥٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَدَارُسُ الْعِلْمِ) : بَيْنَ النُّظَرَاءِ أَوِ الشَّيْخِ وَتَلَامِذَتِهِ، وَيَلْحَقُ بِهِ كِتَابَتُهُ وَتَفَهُّمُهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ) : الْأَبْلَغُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّاعَةِ اللُّغَوِيَّةُ لَا الْعُرْفِيَّةُ (خَيْرٌ مِنْ إِحْيَائِهَا) . أَيْ: مِنْ إِحْيَاءِ اللَّيْلِ بِالْعِبَادَةِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي شُرُوحِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: مِنْ إِحْيَاءِ تِلْكَ السَّاعَةِ بِالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ حَيَاةُ النُّفُوسِ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

стр. 525

٢٥٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ فَقَالَ: كِلَاهُمَا عَلَى خَيْرٍ وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ ; أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ، فَإِنْ شَاءَ، أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ) . وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ أَوِ الْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ، فَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ". ثُمَّ جَلَسَ فِيهِمْ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٢٥٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ) : أَيْ: بِأَهْلِهِمَا، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ حَلْقَتَيْنِ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنَ الْحَدِيثِ (فِي مَسْجِدِهِ) ﷺ (فَقَالَ: (كِلَاهُمَا) : أَيْ: كِلَا الْمَجْلِسَيْنِ يَعْنِي أَهْلَهُمَا، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ أَوِ الدَّلَالَةُ بِطَرِيقِ الْبُرْهَانِ، فَإِنَّ شَرَفَ الْمَكَانِ بِالْمَكِينِ (عَلَى خَيْرٍ) : أَيْ جَالِسِينَ أَوْ ثَابِتِينَ عَلَى عَمَلِ خَيْرٍ (وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ) : أَيْ: أَكْثَرُ ثَوَابًا (أَمَّا هَؤُلَاءِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: تُقَسِّمُ لِلْمَجْلِسَيْنِ إِمَّا بِاعْتِبَارِ الْقَوْمِ أَوِ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ إِلَى الْمَجْلِسَيْنِ فِي إِفْرَادِ الضَّمِيرِ (فَيَدْعُونَ اللَّهَ) : أَيْ: يَعْبُدُونَهُ وَيَسْأَلُونَهُ بِلِسَانِ الْمَقَالِ أَوِ الْحَالِ (وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ) : أَيْ: يَرْغَبُونَ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ مُتَوَسِّلِينَ إِلَيْهِ وَمُتَوَجِّهِينَ وَمُنْتَظَرِينَ لَدَيْهِ (فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ) : أَيْ: فَضْلًا، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ أَيْ مَا

стр. 526

عِنْدَهُ مِنَ الثَّوَابِ. (وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ) : أَيْ: إِيَّاهُ عَدْلًا، وَفِي تَقْدِيمِ الْإِعْطَاءِ عَلَى الْمَنْعِ إِيمَاءٌ إِلَى سَبْقِ رَحْمَتِهِ غَضَبَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ أَوْجَبُوا الثَّوَابَ فَاسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي تَقْيِيدِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بِالثَّالِثَةِ وَإِطْلَاقِ الْقِسْمِ الثَّانِي يَعْنِي الْآتِي إِشَارَةٌ إِلَى بَوْنٍ بَعِيدٍ بَيْنَهُمَا (أَمَّا هَؤُلَاءِ) : أَيْ: وَأَمْثَالُهُمْ (فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ) : أَيْ أَوَّلًا (أَوِ الْعِلْمَ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ) : أَيْ: ثَانِيًا (فَهُمْ أَفْضَلُ) : لِكَوْنِهِمْ جَامِعِينَ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ وَهُمَا الْكَمَالُ وَالتَّكْمِيلُ، فَيَسْتَحِقُّونَ الْفَضْلَ عَلَى جِهَةِ التَّبْجِيلِ (وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا) : أَيْ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ لَا بِالتَّعَلُّمِ مِنَ الْخَلْقِ، وَلِذَا اكْتَفَى بِهِ (ثُمَّ جَلَسَ فِيهِمْ) : إِشْعَارٌ بِأَنَّهُمْ مِنْهُ وَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ جَلَسَ فِيهِمْ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ جَلَسَ فِيهِمْ لِاحْتِيَاجِهِمْ إِلَى التَّعْلِيمِ مِنْهُ ﵊، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: بُعِثْتُ مُعَلِّمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

стр. 527

٢٥٨ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا حَدُّ الْعِلْمِ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الرَّجُلُ كَانَ فَقِيهًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا فِي أَمْرِ دِينِهَا، بَعَثَهُ اللَّهُ فَقِيهًا، وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا وَشَهِيدًا» ــ ٢٥٨ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (مَا حَدُّ الْعِلْمِ) . قَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ وَصْفُ الشَّيْءِ الْمُحِيطِ بِمَعْنَاهُ الْمُتَمَيِّزِ عَنْ غَيْرِهِ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. أَقُولُ: هَذَا اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ، وَالْأَظْهَرُ الْمُرَادُ بِالْحَدِّ: الْمِقْدَارُ؛ وَلِذَا قَالَ: الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الرَّجُلُ كَانَ فَقِيهًا؟) يَعْنِي عَالِمًا فِي الْآخِرَةِ وَمَبْعُوثًا فِي زُمْرَةِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِهَا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي) : أَيْ: شَفَقَةً عَلَيْهِمْ أَوْ لِأَجْلِ انْتِفَاعِهِمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ضُمِّنَ حَفِظَ مَعْنَى رَقَبَ، وَعُدِّيَ بِعَلَى، احْفَظْ عَلَيَّ عِنَانَ فَرَسِي وَلَا تَغْفُلْ عَنِّي، وَفِي الْمُغْرِبِ: الْحِفْظُ: خِلَافُ النِّسْيَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي حَفِظَ يَعْنِي: مَنْ جَمَعَ أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةً مُرَاقِبًا إِيَّاهَا بِحَيْثُ تَبْقَى مَسْأَلَةً عَلَى أُمَّتِي اهـ. وَفِيهِ تَكَلُّفَاتٌ وَالْوَجْهُ مَا قَدَّمْتُهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَالْوَجْهُ مَا ذَكَرْتُهُ فِي تَقْرِيرِهِ اهـ. وَلَيْسَ فِي تَقْرِيرِهِ، وَلَا تَحْرِيرِهِ ذِكْرُ وَجْهٍ حَتَّى يُنْظَرَ فِي وَجْهِهِ (أَرْبَعِينَ حَدِيثًا) : وَفِي مَعْنَاهُ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً (" فِي أَمْرِ دِينِهَا) : احْتِرَازٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْإِخْبَارِيَّةِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالدِّينِ اعْتِقَادًا أَوْ عِلْمًا أَوْ عَمَلًا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ أَوْ أَنْوَاعٍ، وَلَا وَجْهَ لِمَنْ قَيَّدَهَا بِكَوْنِهَا مُتَفَرِّقَةً (بَعَثَهُ اللَّهُ فَقِيهًا) : مِنْ جُمْلَةِ الْفُقَهَاءِ (وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا) : بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّفَاعَاتِ الْخَاصَّةِ (وَشَهِيدًا) : أَيْ: حَاضِرًا لِأَحْوَالِهِ، وَمُزَكِّيًا لِأَعْمَالِهِ، وَمُثْنِيًا عَلَى أَقْوَالِهِ، وَمُخَلِّصًا لَهُ مِنْ أَهْوَالِهِ. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْحِفْظِ هُنَا نَقْلُ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا وَلَا عَرِفَ مَعْنَاهَا، هَذَا حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ انْتِفَاعُ الْمُسْلِمِينَ، لَا يَحْفَظُهَا مَا لَمْ يَنْقُلْ إِلَيْهِمْ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَأَقُولُ فِي قَوْلِهِ: وَلَا عَرِفَ مَعْنَاهَا نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ الْمَقَامَ الَّذِي هُوَ حَدُّ الْعِلْمِ إِذِ الْفِقْهُ هُوَ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ وَالْفَهْمُ لَهُ وَغَلَبَ عَلَى عِلْمِ الدِّينِ لِشَرَفِهِ وَإِلَّا فَالْحَامِلُ غَيْرُ فَقِيهٍ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قِيلَ مَعْرِفَةُ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا بِأَسَانِيدِهَا مَعَ تَعْلِيمِهَا النَّاسَ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْرِفَةَ أَسَانِيدِهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، ثُمَّ قَالَ أَوْ. . . . .

стр. 528

٢٥٩ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «هَلْ تَدْرُونَ مَنْ أَجْوَدُ جُودًا؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " اللَّهُ تَعَالَى أَجْوَدُ جُودًا، ثُمَّ أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ وَأَجْوَدُهُمْ مِنْ بَعْدِي رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَنَشَرَهُ، يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمِيرًا وَحْدَهُ أَوْ قَالَ: أُمَّةً وَاحِدَةً» . ــ ٢٥٩ - (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَلْ تَدْرُونَ مَنْ أَجْوَدُ جُودًا؟) : أَيْ: أَكْثَرُ كَرَمًا. قَالَ الرَّاغِبُ: الْجُودُ بَذْلُ الْمُقْتَنَيَاتِ مَالًا كَانَ أَوْ عِلْمًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ :

стр. 529

" إِنَّ عِلْمًا لَا يُقَالُ بِهِ كَكَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ مَنِ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ، وَأَجْوَدُ خَبَرُهُ، وَجُودًا تَمْيِيزٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَجْوَدُ مِنَ الْجُودِ أَيْ أَحْسَنُ جُودًا أَوْ مِنَ الْجُودِ أَيْ مِنَ الَّذِي جُودُهُ أَجْوَدُ عَلَى حَدِّ نَهَارِهِ صَائِمٌ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (اللَّهُ تَعَالَى أَجْوَدُ جُودًا) : وَهُوَ لِمُجَرَّدِ الْمُبَالَغَةِ فَإِنَّهُ الْمُتَفَضِّلُ بِالْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ عَلَى جَمِيعِ الْبِلَادِ طِبْقَ الْمُرَادِ (ثُمَّ أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ) . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَيْ: أَفْضَلُهُمْ وَأَكْرَمُهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ» ، ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ لِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ أَنَّ الْجِنْسَ الْبَشَرِيَّ أَفْضَلُ مِنَ الْجِنْسِ الْمَلَكِيِّ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ (وَأَجْوَدُهُ) : أَيْ: جِنْسُ بَنِي آدَمَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ لِبَنِي آدَمَ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِنْسَانِ أَوْ لِلْجُودِ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَجْوَدُهُمْ يَعْنِي فِي زَمَانِهِ (مِنْ بَعْدِي) : يَحْتَمِلُ الْبَعْدِيَّةَ بِحَسَبِ الْمَرْتَبَةِ وَبِحَسَبِ الزَّمَانِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ (رَجُلٌ عَلِمَ) : بِالتَّخْفِيفِ بِلَا خِلَافٍ (عِلْمًا) : أَيْ: عَظِيمًا نَافِعًا فِي الدِّينِ (فَنَشَرَهُ) : يَعُمُّ التَّدْرِيسَ وَالتَّصْنِيفَ وَتَرْغِيبَ النَّاسِ، فِيهِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَمِنْهُ وَقْفُ الْكُتُبِ وَإِعَارَتُهَا لِأَهْلِهَا (يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمِيرًا وَحْدَهُ) : يَعْنِي كَالْجَمَاعَةِ الَّتِي لَهَا أَمِيرٌ وَمَأْمُورٌ فِي الْعِزَّةِ وَالْعَظَمَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا مُسْتَقِلًّا مَعَ أَتْبَاعِهِ غَيْرَ تَابِعٍ لِغَيْرِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ: أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. (أَوْ قَالَ: (أُمَّةً وَاحِدَةً) : الشَّكُّ يُحْتَمَلُ مِنْ أَنَسٍ، أَوْ مَنْ بَعْدَهُ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] حَيْثُ أَطْلَقَ الْأُمَّةَ عَلَى مَنْ جَمَعَ خِصَالًا لَا تُوجَدُ غَالِبًا إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ، وَلِذَا قَالَ الشَّاعِرُ: لَيْسَ مِنَ اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ... أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدِ وَلَمَّا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي مُعَاذٍ: كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: الْأُمَّةُ الَّذِي يَعْلَمُ الْخَيْرَ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ خَبَرُ: مُعَاذٌ أُمَّةٌ قَانِتٌ لِلَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا الْمُرْسَلُونَ. سَبَبُ ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ " أَنَّهُ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ".

стр. 530

٢٦٠ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: مَنْهُومٌ فِي الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا» ". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " وَقَالَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: هَذَا مَتْنٌ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. ٢٦٠ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْهُومَانِ) : حَرِيصَانِ عَلَى تَحْصِيلِ أَقْصَى غَايَاتِ مَطْلُوبَيْهِمَا، وَفِي النِّهَايَةِ النَّهْمَةُ: بُلُوغُ الْهِمَّةِ فِي الشَّيْءِ (لَا يَشْبَعَانِ) : أَيْ لَا يَقْنَعَانِ (مَنْهُومٌ فِي الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ) : لِأَنَّهُ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ دَائِمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وَلَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ إِذْ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا) : أَيْ فِي تَحْصِيلِ مَالِهَا وَجَاهِهَا (لَا يَشْبَعُ مِنْهَا) : فَإِنَّهُ كَالْمَرِيضِ
следующие страницы →