← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

٣٥٢٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٥٢٤ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صِنْفَانِ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ (مِنْ أَهْلِ النَّارِ) : صِفَةٌ (لَمْ أَرَهُمَا) : خَبَرٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَمْ أَرَهُمَا بَعْدُ، الْمُرَادُ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَرَهُمَا فِي عَصْرِهِ لِطَهَارَةِ ذَلِكَ الْعَصْرِ بَلْ حَدَثَا بَعْدَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، وَفِيهِ ذَمُّ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ (قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ) : جَمْعُ سَوْطٍ فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً لِتَحَرُّكِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا (كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ) : أَيْ: بِغَيْرِ حَقٍّ (وَنِسَاءٌ) : هُوَ وَقَوْمٌ بَيَانٌ أَوْ بَدَلٌ لِقَوْلِهِ: صِنْفَانِ وَمَا بَعْدَهَا صِفَاتٌ لَهُمَا (كَاسِيَاتٌ) : أَيْ: فِي نِعْمَةِ اللَّهِ (عَارِيَاتٌ) : مِنْ شُكْرِهَا، وَقِيلَ: يَسْتُرْنَ بَعْضَ بَدَنِهِنَّ وَيَكْشِفْنَ بَعْضَهُ إِظْهَارًا لِجَمَالِهِنَّ وَإِبْرَازًا لِكَمَالِهِنَّ، وَقِيلَ: يَلْبَسْنَ ثَوْبًا رَقِيقًا يَصِفُ بَدَنَهُنَّ وَإِنْ كُنَّ كَاسِيَاتٍ لِلثِّيَابِ عَارِيَاتٍ فِي الْحَقِيقَةِ، أَوْ كَاسِيَاتٍ بِالْحُلَى وَالْحُلِيِّ، عَارِيَاتٍ مِنْ لِبَاسِ التَّقْوَى وَمِنْهُ حَدِيثُ: ( «رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْعُقْبَى» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَثْبَتَ لَهُنَّ الْكُسْوَةَ ثُمَّ نَفَاهَا ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاكْتِسَاءِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقِ السَّتْرُ فَكَأَنَّهُ لَا اكْتِسَاءَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: خُلِقُوا وَمَا خُلِقُوا لِمَكْرُمَةٍ ... فَكَأَنَّهُمْ خُلِقُوا وَمَا خُلِقُوا رُزِقُوا وَمَا رُزِقُوا سَمَاحَ يَدٍ ... فَكَأَنَّهُمْ رُزِقُوا وَمَا رُزِقُوا (مُمِيلَاتٌ) : أَيْ: قُلُوبَ الرِّجَالِ إِلَيْهِنَّ، أَوِ الْمَقَانِعَ عَنْ رُءُوسِهِنَّ لِيَظْهَرَ وُجُوهُهُنَّ، وَقِيلَ: مُمِيلَاتٌ بِأَكْتَافِهِنَّ، وَقِيلَ: يُمِلْنَ غَيْرَهُنَّ إِلَى فِعْلِهِنَّ الْمَذْمُومِ (مَائِلَاتٌ) : أَيْ: إِلَى الرِّجَالِ بِقُلُوبِهِنَّ أَوْ بِقَوَالِبِهِنَّ، أَوْ مُتَبَخْتِرَاتٌ فِي مَشْيِهِنَّ، أَوْ زَائِغَاتٌ عَنِ الْعَفَافِ، أَوْ مَائِلَاتٌ إِلَى الْفُجُورِ وَالْهَوَى، وَقِيلَ: مَائِلَاتٌ يَمْتَشِطْنَ مِشْطَةَ الْمَيْلَاءِ، وَقِيلَ: مِشْطَةَ الْبَغَايَا مُمِيلَاتٌ يُمَشِّطْنَ غَيْرَهُنَّ بِتِلْكَ الْمِشْطَةِ. (رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ) : بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ. فِي النِّهَايَةِ: الْبُخْتِيُّ مِنَ الْجِمَالِ، وَالْأُنْثَى بُخْتِيَّةٌ جَمْعُ بُخْتٍ وَبَخَاتِيٍّ جِمَالٌ طِوَالُ الْأَعْنَاقِ، وَاللَّفْظَةُ مُعْرَبَةٌ أَيْ: يُعَظِّمْنَهَا وَيُكَبِّرْنَهَا بِلَفِّ عِصَابَةٍ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ: يَطْمَحْنَ إِلَى الرِّجَالِ لَا يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ، وَلَا يُنَكِّسْنَ رُءُوسَهُنَّ (الْمَائِلَةُ) : صِفَةٌ لِلْأَسْنِمَةِ، وَهِيَ جَمْعُ السَّنَامِ، وَالْمَائِلَةُ مِنَ الْمَيْلِ ; لِأَنَّ أَعْلَى السَّنَامِ يَمِيلُ لِكَثْرَةِ شَحْمِهِ، وَهَذَا مِنْ صِفَاتِ نِسَاءِ مِصْرَ (لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ) : صِفَةٌ لِلنِّسَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِلرِّجَالِ مِثْلَهَا اخْتِصَارًا وَإِيجَازًا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ) : جُمْلَةٌ حَالِيَةٌ (مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا) : أَيْ: مِائَةِ عَامٍ مَثَلًا قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنَّهُنَّ لَا يَدْخُلْنَهَا وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا حِينَ مَا يَدْخُلُهَا وَيَجِدُ رِيحَهَا الْعَفَائِفُ الْمُتَوَرِّعَاتُ، لَا أَنَّهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ أَبَدًا لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: ( «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» ) ثَلَاثًا. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى الِاسْتِحْلَالِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ الزَّجْرُ وَالتَّغْلِيظُ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُنَّ لَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنْ دَخَلْنَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ.

стр. 4902

٣٥٢٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٥٢٥ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ) : أَيْ: ضَارَبَ غَيْرَهُ (فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ) : أَيْ: فَلْيَحْتَرِزْ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ، قِيلَ: الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ قِتَالُهُ مَعَ الْكُفَّارِ، وَالضَّرْبُ فِي وُجُوهِهِمْ أَنْجَحُ لِلْمَقْصُودِ وَأَرْجَحُ لِلْمَرْدُودِ. (فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) : أَيْ: صُورَةِ الْوَجْهِ، لِأَنَّهُ أَشْرَفُ أَعْضَائِهِ وَمَعْدِنُ جَمَالِهِ وَمَنْبَعُ حَوَاسِّهِ، فَلَا تُغَيِّرُوهُ أَوْ عَلَى صُورَةِ آدَمَ أَيْ عَلَى صُورَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِهِ لَمْ يَخْلُقْ عَلَيْهَا غَيْرَهُ أَيِ اللَّهُ، وَالْإِضَافَةُ لِلتَّكْرِيمِ كَمَا فِي: بَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ أَيْ: إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ هَذِهِ الصُّورَةَ لِأَنَّهُ خَلَقَهَا بِيَدِهِ، وَأَمَرَ مَلَائِكَتَهُ بِالسُّجُودِ لَهَا، فَأَكْرِمُوهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ: عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَضْرُوبِ هَذَا مُجْمَلُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَمَّا تَفْصِيلُ الْمَرَامِ فَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَقْوَالٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى آدَمَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَفِيهِ وُجُوهٌ

стр. 4903

أَحَدُهَا: أَنَّهُ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ: وَمَعْنَى الْإِضَافَةِ وَكُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ نَفْسِهِ، بِأَنَّهُ خُلِقَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِنْ مَبْدَأِ فِطْرَتِهِ إِلَى مُنْقَرَضِ عُمْرِهِ وَلَمْ تَتَفَاوَتْ قَامَتُهُ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ هَيْئَتُهُ بِخِلَافِ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَكُونُ أَوَّلًا نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ عِظَامًا وَأَعْصَابًا عَارِيَةً، ثُمَّ عِظَامًا وَأَعْصَابًا مَكْسُوَّةً لَحْمًا، ثُمَّ حَيَوَانًا مُخَبَّيًا فِي الرَّحِمِ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ بَلْ يَتَغَذَّى مِنْ عِرْقٍ كَالنَّبَاتِ، ثُمَّ يَكُونُ مَوْلُودًا رَضِيعًا، ثُمَّ طِفْلًا مُتَرَعْرِعًا ثُمَّ مُرَاهِقًا ثُمَّ شَابًّا ثُمَّ كَهْلًا ثُمَّ شَيْخًا. ثَانِيهَا: أَنَّهُ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ حَالٍ يَخْتَصُّ بِهِ لَا يُشَارِكُهُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَإِنَّهُ يُوصَفُ مَرَّةً بِالْعِلْمِ، وَأُخْرَى بِالْجَهْلِ وَتَارَةً بِالْغِوَايَةِ وَالْعِصْيَانِ وَأُخْرَى بِالْهِدَايَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ فَلَحْظَةً يُقْرَنُ بِالشَّيْطَانِ فِي اسْتِحْقَاقِ اسْمِ الْعِصْيَانِ وَالْإِخْرَاجِ عَنِ الْجِنَانِ وَلَحْظَةً يَتَّسِمُ بِسِمَةِ الِاجْتِبَاءِ وَيُتَوَّجُ بِتَاجِ الْخِلَافَةِ وَالِاصْطِفَاءِ وَبُرْهَةً يُسْتَعْمَلُ بِتَدْبِيرِ الْأَرَضِينَ وَسَاعَةً يَصْعَدُ بِرُوحِهِ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَطَوْرًا يُشَارِكُ الْبَهَائِمَ فِي مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَنْكَحِهِ وَطَوْرًا يُسَابِقُ الْكُرُوبِيِّينَ فِي فِكْرِهِ وَذِكْرِهِ وَتَسْبِيحِهِ وَتَهْلِيلِهِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى اخْتَرَعَهَا اخْتِرَاعًا عَظِيمًا فِي خَلْقِهِ، إِذْ كَلُّ مَخْلُوقٍ قَدْ تَقَدَّمَ أَمْثَالٌ لَهُ، فَيُخْلَقُونَ عَلَى صُورَةِ أَمْثَالِهِمُ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَمَّا آدَمُ فَاخْتُرِعَ خَلْقًا جَدِيدًا عَجِيبًا مَلَكِيُّ الرُّوحِ، حَيَوَانِيُّ الْجِسْمِ، مُنْتَصِبُ الْقَامَةِ، فَلَمْ يُوجَدْ عَلَى مِثَالٍ لَهُ تَقَدَّمَ كَأَنَّهُ قَالَ: ارْتَجَلَ صُورَتَهُ اخْتِرَاعًا لَا تَشْبِيهًا بِمُقَدَّمٍ، وَلَا مُحَاذِيًا بِخَلْقٍ آخَرَ، بَلْ تَوَلَّى الْقَدِيمُ بِنَفْسِهِ خَلْقَ هَذِهِ الصُّورَةِ إِبْدَاعًا جَدِيدًا لَمْ يَسْبِقْهُ مَا يُشْبِهُهُ بِصِفَةٍ مَا، وَتَعْظِيمُ وَجْهِ الْإِنْسَانِ إِمَّا لِأَنَّهُ أَشْرَفُ أَجْزَائِهِ مِنَ الْإِنْسَانِ، إِذْ أَكْثَرُ الْحَوَاسِّ فِيهِ، أَوْ لِأَنَّهُ إِذَا عُدِمَ عُدِمَ الْكُلُّ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ وَفِي هَذَا التَّأْوِيلِ إِضْمَارٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: هَذَا الْمَضْرُوبُ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ، فَاجْتَنِبُوا ضَرْبَ الْعُضْوِ الْأَشْرَفِ احْتِرَامًا لَهُ، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ وَجْهَ آدَمَ. وَالثَّانِي: أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَضْرُوبِ قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: وَهُوَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْوَجْهِ يَعْنِي فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ ; فَإِنَّهُ تَعَالَى كَرَّمَهُ وَشَرَّفَهُ بِأَحْسَنِ صُورَةٍ، وَجَمَعَ فِيهِ الْمَحَاسِنَ وَالْحَوَاسَّ وَالْإِدْرَاكَاتِ، وَالضَّرْبُ فِي الْوَجْهِ قَدْ يَنْقُصُهَا وَيُشَوِّهُ الْحُسْنَ وَيُظْهِرُ الشَّيْنَ الْفَاحِشَ وَلَا يُمْكِنُ سَتْرُهُ، وَخُلِقَ آدَمُ ﵊ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ، فَلَا تَضْرِبْهُ تَكْرِيمًا لِصُورَةِ آدَمَ ; فَإِنَّكَ إِنْ ضَرَبْتَ فَقَدْ أَهَنْتَهَا وَنَظِيرُهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: ( «تُسَمُّونَ أَوْلَادَكُمْ مُحَمَّدًا فَتَلْعَنُونَهُ أَنْكَرَ اللَّعِينَ إِجْلَالًا لِاسْمِهِ» ) . كَمَا مَنَعَ الضَّرْبَ عَلَى الْوَجْهِ تَعْظِيمًا لِصُورَةِ آدَمَ ﵊. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ قَالَ: وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا كَالْإِضَافَةِ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ، لِمَا صَحَّ مِنْ طُرُقِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ ثَابِتٌ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَكَانَ مَنْ نَقَلَهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ اهـ كَلَامُهُ. وَفِي هَذَا الْقَوْلِ وُجُوهٌ. أَوَّلُهَا: أَنْ يَجْرِيَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَقَدْ غَلِطَ فِيهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى صُورَةً لَا كَالصُّوَرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ ; لِأَنَّ الصُّورَةَ تُفِيدُ التَّرْكِيبَ وَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْدَثٌ، وَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: الْعِلَّةُ وَالْمَعْلُولُ مَدْفُوعَانِ بِقَوْلِهِ: لَا كَالصُّوَرِ، فَهُوَ نَظِيرٌ لِكَلَامِ السَّلَفِ فِي إِثْبَاتِ الْيَدِ وَالْعَيْنِ لَهُ تَعَالَى مَعَ التَّنْزِيهِ عَنِ الْجَارِحَةِ لَهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: وَقَالَتِ الْمُجَسِّمَةُ: جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ لِمَا سَمِعُوا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ تَعَالَى شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ طَرَدُوا هَذَا الِاسْتِعْمَالَ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ. أَقُولُ: إِنَّ الْيَدَ وَالْعَيْنَ وَالشَّيْءَ، وَكَذَا الصُّورَةَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا ثَبَتَ إِطْلَاقُهَا عَلَيْهِ تَعَالَى، فَيُحَبُّ إِثْبَاثُهَا وَتَنْزِيهُهُ تَعَالَى عَمَّا يُرَادِفُهَا بِخِلَافِ الْجِسْمِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِطْلَاقَهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَا فِي كِتَابٍ، وَلَا فِي سُنَّةٍ، فَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ لَهُ سُبْحَانَهُ. قَالَ: الْعَجَبُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ فِي صُورَةٍ لَا كَالصُّوَرِ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ عَلَى رَأْيِهِ يَقْتَضِي خَلْقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، فَالصُّورَتَانِ عَلَى رَأْيِهِ سَوَاءٌ، فَإِذَا قَالَ: لَا كَالصُّوَرِ نَاقَضَ كَلَامَهُ. قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ عَدَمِ الْمُنَاقَضَةِ فِي كَلَامِهِ عَلَى مُقْتَضَى مَرَامِهِ فَإِنَّهُ أَرَادَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، صُورَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ حَيْثُ اتَّصَفَ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ، مَعَ أَنَّ الْحَقَائِقَ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ مَحَلَّهُ. وَثَانِيهَا: قَوْلُ الْقَاضِي إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَكُونُ الْمَعْنَى خُلِقَ آدَمُ عَلَى صُورَةٍ اجْتَبَاهَا وَجَعَلَهَا نُسْخَةً مِنْ جُمْلَةِ مَخْلُوقَاتِهِ، إِذْ مَا مِنْ مَوْجُودٍ إِلَّا وَلَهُ مِثَالٌ فِي صُورَتِهِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: الْإِنْسَانُ عَالَمٌ صَغِيرٌ أَقُولُ: بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ

стр. 4904

عَالَمٌ كَبِيرٌ لِحَدِيثِ: ( «لَا يَسَعُنِي أَرْضِي وَلَا سَمَائِي وَلَكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ» ) قَالَ: ثُمَّ إِنَّ مَجْمَعَ مَحَاسِنِهِ وَمَظْهَرَ لَطَائِفِ الصُّنْعِ فِيهِ هُوَ الْوَجْهُ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهِ وَيَتَحَرَّزَ عَمَّا يُشَوِّهُهُ فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يُجْرَحَ وَيُقَبَّحَ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ احْتَمَلَ ذَلِكَ. وَثَالِثُهَا. قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّ الصُّورَةَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ أَيْ: خُلِقَ آدَمُ عَلَى حَالِهِ وَشَأْنِهِ فِي كَوْنِهِ مَسْجُودًا لِلْمَلَائِكَةِ، مَالِكًا لِلْحَيَوَانَاتِ فِي كَوْنِهَا مُسَخَّرَاتٍ لَهُ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] تَعْظِيمًا وَاحْتِرَامًا بِشَأْنِهِ كَقَوْلِهِ ﷺ : الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالتَّقْبِيلِ وَالِاسْتِسْلَامِ تَعْظِيمًا، كَيَمِينِ الْمَلِكِ فِي حَقِّ مَنْ يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ، فَإِذَا الْإِضَافَةُ فِيهِ لَيْسَتْ كَإِضَافَةِ بَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّشْرِيفِ بَلِ الْكَلَامُ وَارِدٌ عَلَى التَّمْثِيلِ وَالِاسْتِعَارَةِ، وَسُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] قَالَ: صُورَةُ الْمَلَكِ الَّذِي تَوَلَّاهَا فَخُلِقَ آدَمُ عَلَيْهَا وَمُلْكُهُ مِنْ مُلْكِهِ مَا تَوَلَّى، وَسُئِلَ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ؟ فَذَكَرَ خَلْقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، وَهَذَا أَقْصَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذِهِ الْمَقَامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4905

الْفَصْلُ الثَّانِي ٣٥٢٦ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ كَشَفَ سِتْرًا فَأَدْخَلَ بَصَرَهُ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَرَأَى عَوْرَةَ أَهْلِهِ فَقَدْ أَتَى حَدًّا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، وَلَوْ أَنَّهُ حِينَ أَدْخَلَ بَصَرَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ فَفَقَأَ عَيْنَهُ، مَا عَيَّرْتُ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَرَّ الرَّجُلُ عَلَى بَابٍ لَا سِتْرَ لَهُ غَيْرِ مُغْلَقٍ، فَنَظَرَ، فَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا الْخَطِيئَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٣٥٢٦ - (عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَشَفَ) : أَيْ رَفَعَ وَأَزَالَ (سِتْرًا) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: سِتَارَةً وَحَاجِزًا (فَأَدْخَلَ بَصَرَهُ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ) : أَيْ: فِي الْكَشْفِ وَالدُّخُولِ (فَرَأَى عَوْرَةَ أَهْلِهِ) : أَيْ خَلَلَ أَهْلِ الْبَيْتِ وَمَا يَسْتُرُونَهُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْعَوْرَةَ مَا يُحَاذَرُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ، وَسُمِّيَتْ عَوْرَةً لِاخْتِلَالِ سَتْرِ النَّاسِ وَتَحَفُّظِهِمْ عَنْهَا، وَالْعَوْرَةُ الْخَلَلُ (فَقَدْ أَتَى حَدًّا) : أَيْ: فَعَلَ شَيْئًا يُوجِبُ الْحَدَّ أَيِ التَّعْزِيزَ (لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ) : اسْتِئْنَافٌ مُتَضَمِّنٌ لِلْعِلَّةِ، أَوْ مَعْنَاهُ أَتَى أَمْرًا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ وَإِلَيْهِ يَنْظُرُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَنَّهُ حِينَ أَدْخَلَ بَصَرَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ) : أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ (فَفَقَأَ) : أَيْ: قَلَعَ (عَيْنَهُ، مَا عُيَّرْتُ عَلَيْهِ) : أَيْ: مَا نَسَبْتُهُ إِلَى الْعَيْبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعُقُوبَةُ الْمَانِعَةُ عَنْ إِعَادَةِ الْجَانِي، فَالْمَعْنَى فَقَدْ أَتَى مُوجِبَ حَدٍّ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَشْرَفُ وَالْمُظْهِرُ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْحَاجِزُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ كَالْحِمَى، فَقَوْلُهُ: لَا يَحِلُّ صِفَةٌ فَارِقَةٌ تُخَصِّصُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ بِالْمُرَادِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إِيقَاعُ قَوْلِهِ: (وَإِنَّ مَرَّ الرَّجُلُ عَلَى بَابٍ لَا سِتْرَ لَهُ) : مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ: مَنْ كَشَفَ سِتْرًا إِلَخْ. (غَيْرِ مُغْلَقٍ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَقِيلَ بِكَسْرِهَا: أَيْ: غَيْرِ مَرْدُودٍ، وَغَيْرُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِيَةِ، وَقِيلَ مَجْرُورٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ بَابٍ (فَنَظَرَ) : مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ (فَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا الْخَطِيئَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ) : فِيهِ أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وَاجِبٌ إِمَّا السِّتْرَ وَإِمَّا الْغَلْقَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ: (أَيُّمَا رَجُلٍ كَشَفَ سِتْرًا فَأَدْخَلَ بَصَرَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَقَدْ أَتَى حَدًّا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَقَأَ عَيْنَهُ لَهُدِرَتْ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى بَابٍ لَا سُتْرَةَ عَلَيْهِ فَرَأَى عَوْرَةَ أَهْلِهِ فَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْهِ إِنَّمَا الْخَطِيئَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَابِ) .

стр. 4906

٣٥٢٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتَعَاطَى السَّيْفُ مَسْلُولًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٥٢٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتَعَاطَى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُتَنَاوَلَ (السَّيْفُ مَسْلُولًا) : أَيْ: خَارِجًا عَنْ غِمْدِهِ حَذَرًا. مِنْ أَنْ يَقَعَ خَطَأً أَوْ يَحْصُلَ رَوْعٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ.

стр. 4907

٣٥٢٨ - وَعَنِ الْحَسَنِ ﵁، عَنْ سَمُرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُقَدَّ السَّيْرُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٥٢٨ - (وَعَنِ الْحَسَنِ) : أَيِ: الْبَصْرِيِّ (عَنْ سَمُرَةَ) : أَيِ: ابْنِ جُنْدُبٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُقَدَّ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُقْطَعُ طُولًا أَوْ مُطْلَقًا (السَّيْرُ) : أَيْ: دَوَالُّ النَّعْلِ (بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ) : لِئَلَّا تَعْقِرَ الْحَدِيدَةُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: النَّهْيُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ نَهْيُ تَنْزِيهٍ وَشَفَقَةٍ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4908

٣٥٢٩ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٣٥٢٩ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) : أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ قُتِلَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (دُونَ دِينِهِ) : أَيْ: قُدَّامَ دِينِهِ قَالَ الشَّاعِرُ: تُرِيكَ الْقَذَى دُونَهَا وَهِيَ دُونَهُ أَوْ عِنْدَ حِفْظِ دِينِهِ. (فَهُوَ شَهِيدٌ) : وَهَذَا إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ إِذَا قَصَدَ الْمُخَالِفُ مِنَ الْكَافِرِ أَوِ الْمُبْتَدَعِ خُذْلَانَهُ فِي دِينِهِ، أَوْ تَوْهِينَهُ وَهُوَ يَذُبُّ عَنْهُ، وَيَحْجِزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا أَرَادَ كَالْحَامِي يَذُبُّ عَنْ حَقِيقَتِهِ. (وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ) : أَيْ: عِنْدَ مُحَافَظَةِ مَحَارِمِهِ (فَهُوَ شَهِيدٌ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قُصِدَ مَالُهُ أَوْ دَمُهُ أَوْ أَهْلُهُ فَلَهُ دَفْعُ الْقَاصِدِ بِالْأَحْسَنِ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ إِلَّا بِالْمُقَاتَلَةِ فَقَتَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: ( «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمِنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالضِّيَاءُ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ بِلَفْظٍ جَامِعٍ، وَهُوَ: ( «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» ) .

стр. 4909

٣٥٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ: بَابٌ مِنْهَا لِمَنْ سَلَّ السَّيْفَ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ» -) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: (الرِّجْلُ جُبَارٌ) ذُكِرَ فِي (بَابِ الْغَضَبِ) . وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ ــ ٣٥٣٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، بَابٌ مِنْهَا لِمَنْ سَلَّ السَّيْفَ) : أَيْ: بِالْبَاطِلِ (عَلَى أُمَّتِي - أَوْ قَالَ: عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ. (وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: (الرِّجْلُ) : أَيْ: رِجْلُ الدَّابَّةِ (جُبَارٌ) : أَيْ: هَدَرٌ (ذُكِرَ فِي بَابِ الْغَضَبِ) : فَإِسْقَاطُهُ عَنْ تَكْرِيرٍ مَعَ أَنَّ عَكْسَهُ هُوَ الْأَنْسَبُ بِالْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 4910

[بَابُ الْقَسَامَةِ]

стр. 4911

(٢) بَابُ الْقَسَامَةِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٣٥٣١ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵄، أَنَّهُمَا حَدَّثَا «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَالَ ﷺ : (كَبِّرِ الْكُبْرَ) - قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: يَعْنِي لِيَلِيَ الْكَلَامَ الْأَكْبَرُ - فَتَكَلَّمُوا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اسْتَحِقُّوا قَتِيلَكُمْ أَوْ قَالَ صَاحِبَكُمْ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ قَالَ: فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ فَفَدَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ بِمِائَةِ نَاقَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [٢]- بَابُ الْقَسَامَةِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَهِيَ أَيْمَانٌ تُقْسَمُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ الْقَتِيلُ فِيهَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تُقْسَمُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الْمُدَّعِينَ لِدَمِهِ عِنْدَ جَهَالَةِ الْقَاتِلِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا وَفِي الْمُغْرِبِ: الْقَسَمُ الْيَمِينُ، يُقَالُ: أَقْسَمَ بِاللَّهِ أَقْسَامًا وَالْقَسَامَةُ اسْمٌ مِنْهُ وُضِعَ مَوْضِعَ الْأَقْسَامِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ يُقْسِمُونَ قَسَامَةً وَقِيلَ: هِيَ الْأَيْمَانُ تُقْسَمُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: الْقَسَامَةُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرٌ لِأَقْسَمَ، أَوِ اسْمٌ لِمَصْدَرِهِ، وَقِيلَ: أَهْلُ اللُّغَةِ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ سُمُّوا بِاسْمِ الْمَصْدَرِ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ وَسَبَبُهَا وُجُودُ الْقَتْلِ فِي الْمَحَلَّةِ، وَأَمَّا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا وَرُكْنَهَا. قَوْلُهُمْ: بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا، وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ الْمُقْسِمُ رَجُلًا حُرًّا عَاقِلًا، وَقَالَ مَالِكٌ: يَدْخُلُ النِّسَاءُ فِي قَسَامَةِ الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ، وَحُكْمُهَا الْقَضَاءُ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ بَعْدَ الْحَلِفِ سَوَاءٌ كَانَتِ الدَّعْوَى فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ أَوِ الْخَطَأِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: صُورَةُ قَتِيلِ الْقَسَامَةِ أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ وَادَّعَى وَلِيُّهُ عَلَى رَجُلٍ أَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ قَتْلَهُ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ لَوْثٌ ظَاهِرٌ، وَهُوَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِي كَأَنْ وَجَدَ فِي مَحَلَّتِهِمْ وَكَانَ بَيْنَ الْقَتِيلِ وَبَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: حَدِيثُ الْقَسَامَةِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ، وَقَاعِدَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ وَبِهِ أَخَذَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْأَخْذِ بِهِ، وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ إِبْطَالُ الْقَسَامَةِ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا هَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِهَا أَمْ لَا فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: يَجِبُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ: لَا يَجِبُ بَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ. فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ: يَحْلِفُ الْوَرَثَةُ وَيَجِبُ الْحَقُّ بِحَلِفِهِمْ. وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: يُسْتَحْلَفُ خَمْسُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيَتَحَرَّاهُمُ الْوَلِيُّ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَمَا عَلِمْنَا قَاتِلَهُ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا قَضَى عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِمْ بِالدِّيَةِ. ٣٥٣١ - (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيَّ الْأَنْصَارِيَّ، «أَصَابَهُ سَهْمٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنَا شَهِيدٌ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) وَانْفَضَّتْ جِرَاحَتُهُ زَمَنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَهُ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ (وَسَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ مُثَلَّثَةٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ وَأَبَا عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّ الْأَوْسِيَّ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (أَنَّهُمَا حَدَّثَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الْأَنْصَارِيُّ الْحَارِثِيُّ، أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنُ أَبِي مُحَيِّصَةَ، وَهُوَ الْمَقْتُولُ بِخَيْبَرَ، وَذَكَرَهُ فِي الْقَسَامَةِ. (وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَنْصَارِيٌّ حَارِثِيٌّ يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، شَهِدَ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَا بَعْدَهُمَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ سَعْدٌ. وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ مُشَدَّدَتَيِ الصَّادِ صَحَابِيَّانِ. وَقَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ، فِي حَاشِيَةِ الْمُوَطَّأِ: إِنَّ تَشْدِيدَ الْيَاءِ فِيهِمَا أَشْهَرُ اللُّغَتَيْنِ، وَفِي التَّقْرِيبِ: يَجُوزُ فِيهِمَا تَشْدِيدُ الْبَاءِ مَكْسُورَةً، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا سَاكِنَةً، وَالْأَشْهَرُ التَّشْدِيدُ. قُلْتُ: وَعَلَيْهِ النُّسَخُ الْمُصَحَّحَةُ وَالْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ. (أَتَيَا خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ) : اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنَى النَّخِيلِ (فَقُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ) : أَيْ: أَخُو الْقَتِيلِ (وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ) : وَهُمَا مِنْ أَوْلَادِ أَعْمَامِ الْمَقْتُولِ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَكَلَّمُوا) : أَيْ: أَرَادُوا التَّكَلُّمَ إِلَى أَمْرِ صَاحِبِهِمْ) : أَيْ: قَتِيلِهِمْ (فَبَدَأَ) : أَيْ: بِالْكَلَامِ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ) : أَيْ: مِنَ الثَّلَاثَةِ (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : كَبِّرِ الْكُبْرَ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: عَظِّمْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْكَ يَعْنِي

стр. 4912

قَدِّمْهُ بِالْكَلَامِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ عَظِّمْهُمْ بِتَفْوِيضِ الْكَلَامِ إِلَيْهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ الْكُبْرَ الْكُبْرَ أَيْ كَبِّرِ الْكُبْرَ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ الْكُبْرَ الْكُبْرَ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: فُلَانٌ كَبُرَ قَوْمَهُ إِذَا كَانَ أَقْعَدَهُمْ فِي النَّسَبِ وَهُوَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى جَدِّهِ الْأَكْبَرِ إِرْشَادًا إِلَى الْأَدَبِ فِي تَقْدِيمِ الْأَسَنِّ، وَرُوِيَ كَبِّرِ الْكُبْرَ أَيْ قَدِّمِ الْأَكْبَرَ (قَالَ: يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) أَيِ الرَّاوِي (يَعْنِي) أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ كَبِّرِ الْكُبْرَ (لِيَلِيَ الْكَلَامَ) بِالنَّصْبِ (الْأَكْبَرُ) بِالرَّفْعِ مِنْ وَلِيَ الْأَمْرَ وَتَوَلَّاهُ إِذَا فَعَلَ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ هَذَا وَفِي النُّسَخِ لِيَلِيَ بِكَسْرِ اللَّامَيْنِ وَفَتْحِ الْيَاءَيْنِ وَالظَّاهِرُ سُكُونُ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ، وَمَعَ هَذَا يُحْمَلُ عَلَى لُغَةِ مَنْ لَمْ يَحْذِفْ حَرْفَ الْعِلَّةِ فِي الْمَجْزُومِ وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الْجُمْلَةُ مَعْنَى كَبِّرِ الْكُبْرَ وَاللَّامُ لِلْأَمْرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلْعِلَّةِ وَالتَّقْدِيرُ إِنَّمَا قَالَ ﷺ : كَبِّرِ الْكُبْرَ، لِيَلِيَ الْكَّلَامَ الْأَكْبَرُ فَحِينَئِذٍ لَا إِشْكَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ أَنَّ الْأَكْبَرَ أَحَقُّ بِالْإِكْرَامِ وَبِالْبَدَاءَةِ بِالْكَلَامِ، وَجَوَازُ الْوَكَالَةِ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالْحُدُودِ وَجَوَازُ وَكَالَةِ الْحَاضِرِ ; لِأَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ أَخُو الْقَتِيلِ وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا عَمِّهِ (فَتَكَلَّمُوا) أَيْ فَتَكَلَّمَ كَبِيرُهُمْ فِي قَتِيلِهِمْ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اسْتَحِقُّوا) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ تَغْلِيبًا لِلْوَارِثِ عَلَى غَيْرِهِ (قَتِيلَكُمْ) أَيْ دِيَتَهُ أَوْ قِصَاصَهُ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ أَئِمَّتِنَا وَمَنْ تَبِعَهُمْ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَالثَّانِي قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (أَوْ قَالَ صَاحِبَكُمْ) شَكَّ الرَّاوِي (أَيْمَانُ خَمْسِينَ) بِالْإِضَافَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ (مِنْكُمْ) فِيهِ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْيَمِينِ فِي الْقَامَةِ بِالْمُدَّعِي وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَهَذَا حُكْمٌ خَاصٌّ بِهَا لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا سَائِرُ الْأَحْكَامِ وَلِلشَّارِعِ أَنْ يَخُصَّ وَعِنْدَنَا يُبْدَأُ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى قَضِيَّةِ سَائِرِ الدَّوَاعِي كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا وَفِيهِ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا كَانَ بِطَرِيقِ الْإِفْتَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا بِطْرِيقِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ حُضُورِ الْخَصْمِ حِينَئِذٍ ; وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَقْتُولُ عَبْدُ اللَّهِ وَلَهُ أَخٌ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَلَهُمَا ابْنَا عَمٍّ وَهُمَا مُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ وَهُمَا أَكْبَرُ سِنًّا مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا أَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخُو الْقَتِيلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ قِيلَ لَهُ: كَبِّرِ الْكُبْرَ. أَيْ لِيَتَكَلَّمْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْكَ، وَحَقِيقَةُ الدَّعْوَى إِنَّمَا هِيَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا حَقَّ فِيهَا لِابْنَيْ عَمِّهِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَكَلَّمَ الْأَكْبَرُ وَهُوَ حُوَيِّصَةُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ بِكَلَامِهِ حَقِيقَةَ الدَّعْوَى بَلْ سَمَاعَ صُورَةِ الْقَضِيَّةِ فَإِذَا أُرِيدَ حَقِيقَةُ الدَّعْوَى تَكَلَّمَ صَاحِبُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَكَّلَ حُوَيِّصَةَ فِي الدَّعْوَى، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ عُرِضَتِ الْيَمِينُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَالْوَارِثُ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ خَاصَّةً، وَالْيَمِينُ عَلَيْهِ وَالْجَوَابُ أَطْلَقَ الْجَوَابَ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَبِسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَارِثُ كَمَا سَمِعَ كَلَامَ الْجَمْعِ فِي صُورَةِ الْقَتْلِ وَكَيْفِيَّةَ مَا جَرَى لَهُ وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَةُ الدَّعْوَى وَقْتَ الْحَاجَةِ مُخْتَصَّةٌ بِالْوَارِثِ، وَفِيهِ فَضِيلَةُ السِّنِّ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الْفَضَائِلِ كَالْإِمَامَةِ وَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرٌ) أَيْ صُدُورُ الْقَتْلِ أَمْرٌ (لَمْ نَرَهُ) أَيْ لَمْ نُبْصِرْهُ أَوْ لَمْ نَعْلَمْهُ (قَالَ: فَتُبَرِّئُكُمْ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا (يَهُودُ) أَيْ فَيَحْلِفُ الْيَهُودُ لِتُبَرِّيَكُمْ مِنْ أَنْ تَحْلِفُوا (فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ) بِالْإِضَافَةِ وَتَرْكِهَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قِيلَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ تِلْكَ الْيَمِينِ إِذَا نَكَلَ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ بَلْ تُرَدُّ عَلَى الْآخَرِ وَعَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَهُوَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي تَحْلِيفِهِمْ عِنْدَ تَوَجُّهِ الْيَمِينِ عَلَيْهِمْ وَبَرَاءَتِهِمْ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُقْبَلُ أَيْمَانُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَشَهَادَتِهِمْ قَالَ الْقَاضِي: يُرِيدُ بِاسْتِحْقَاقِ الْيَمِينِ اسْتِحْقَاقَ دِيَتِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ حَثْمَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إِمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ» ، فَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي وَيَسْتَحِقُّ دِيَةَ قَتِيلِهِ دُونَ الْقِصَاصِ لِضَعْفِ الْحُجَّةِ، فَإِنَّ الْيَمِينَ ابْتِدَاءٌ دَخِيلٌ فِي الْإِثْبَاتِ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي بَلْ يَخْتَارُ الْإِمَامُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ صُلَحَاءِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا الْقَتِيلُ وَحَصَلَ اللَّوْثُ فِي حَقِّهِمْ وَيُحَلِّفُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مَا قَتَلُوهُ وَلَا عَرَفُوا لَهُ قَتِيلًا، ثُمَّ يَأْخُذُ الدِّيَةَ مِنْ أَرْبَابِ الْخُطَّةِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ فَمِنْ سُكَّانِهَا، وَهُوَ يُخَالِفُ الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ كُلُّهَا مُتَطَابِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ بَدَأَ بِالْمُدَّعِينَ، وَجَعَلَ يَمِينَ الرَّدِّ عَلَى يَهُودَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ: فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ، فَإِيجَابُ الدِّيَةِ مَعَهَا يُخَالِفُ النَّصَّ وَالْقِيَاسَ أَيْضًا، إِذْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ الْيَمِينُ مَعَ الْغَرَامَةِ، بَلْ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِلْبَرَاءَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحَلِفُ أَوَّلًا فَلَمْ يَحْلِفْ رُدَّ الْحَلِفُ عَلَى الْآخَرِ وَإِنَّ مَنْ تُوَجَّهَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ حَلَفَ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُقْبَلُ أَيْمَانُ الْكَفَرَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ) أَيْ هُمْ قَوْمٌ كَفَرَةٌ لَا تُقْبَلُ أَيْمَانُهُمْ أَوْ كَيْفَ تُعْتَبَرُ أَيْمَانُهُمْ (فَفَدَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ أَعْطَاهُمُ الْفِدَاءَ (مِنْ قِبَلِهِ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ أَيْ مِنْ عِنْدِهِ لِدَفْعِ الْفِتْنَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا وَدَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ أَيْ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ كَرِهَ إِبْطَالَ

стр. 4913

الدَّمِ وَإِهْدَارَهُ وَلَمْ يَرَ غَيْرَ الْيَمِينِ عَلَى الْيَهُودِ، وَلَمْ يَكُنِ الْقَوْمُ رَاضِينَ بِأَيْمَانِهِمْ وَاثِقِينَ عَلَيْهَا (وَفِي رِوَايَةٍ «تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ» ) قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ وَيَثْبُتُ حَقُّكُمْ عَلَى مَنْ حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ (فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ أَعْطَى دِيَتَهُ (مِنْ عِنْدِهِ بِمِائَةِ نَاقَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ الشَّمَنِيُّ: أَخْرَجَ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ تَفَرَّقَا فِي بَعْضٍ مِنْ هُنَالِكَ ثُمَّ إِذَا مُحَيِّصَةُ يَجِدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ قَبْلَ صَاحِبِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْكُبْرَ الْكُبْرَ يُرِيدُ السِّنَّ، وَفِي لَفْظٍ: يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ قَالُوا: لَمْ نَشْهَدْهُ كَيْفَ نَحْلِفُ قَالَ: تَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ. وَفِي لَفْظٍ: كَيْفَ تُقْبَلُ أَيْمَانُ قَوْمٍ كَفَّارٍ، «فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ» قَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ (وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي) أَيْ لِخُلُوِّ الْمَصَابِيحِ هَذَا عَنْ ذِكْرِ الْحِسَانِ.

стр. 4914

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٣٥٣٢ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: «أَصْبَحَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مَقْتُولًا بِخَيْبَرَ، فَانْطَلَقَ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَلَكُمْ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى قَاتِلِ صَاحِبِكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ يَهُودُ وَقَدْ يَجْتَرِؤُنَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ هَذَا قَالَ: فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَاسْتَحْلِفُوهُمْ، فَأَبَوْا، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٣٥٣٢ - (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَصْبَحَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ (مَقْتُولًا بِخَيْبَرَ فَانْطَلَقَ أَوْلِيَاؤُهُ) أَيْ وَلَدُهُ وَابْنَا عَمِّهِ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ) أَيْ لِلنَّبِيِّ ﷺ (فَقَالَ: أَلَكُمْ شَاهِدَانِ) أَيْ عَدْلَانِ (يَشْهَدَانِ عَلَى قَتْلِ صَاحِبِكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ هُنَاكَ وَهُوَ مَوْضِعُ الْقَتْلِ (أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا هُمْ يَهُودُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: تَعْرِيفُ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ وَإِتْيَانُ إِنَّمَا الْمُفِيدُ لِلْحَصْرِ مَعَ مَنْ يَعْرِفُهُمْ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ إِيذَانٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَصْفُ الَّذِي اشْتُهِرَ وَتُعُورِفَ مِنْهُمْ مِنَ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ وَالنِّفَاقِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الشَّاعِرِ: أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي يَعْنِي لَيْسَ لَنَا شَاهِدَانِ وَهُمْ أَدْهَى وَأَنْكَرُ مِنْ أَنْ يُبَاشِرُوا قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا يُؤْخَذُونَ بِهِ (وَقَدْ يَجْتَرِؤُنَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ هَذَا) أَيْ مِنَ النِّفَاقِ وَمُخَادَعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَتَحْرِيفِ الْكَلَامِ عَنْ مَوَاضِعِهِ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَاسْتَحْلِفُوهُمْ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَهُوَ مَا قَبْلَهُ أَمْرَانِ (فَأَبَوْا) أَيْ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ عَنِ اسْتِحْلَافِ الْيَهُودِ (فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَقُولُ: ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ صَرِيحٌ فِي مَأْخَذِ مَذْهَبِنَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: الْقَسَامَةُ فِي مَيِّتٍ بِهِ جُرْحٌ أَوْ أَثَرُ ضَرْبٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ خُرُوجِ دَمٍ مِنْ أُذُنِهِ أَوْ عَيْنِهِ قَيْدُ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْخَالِيَ مِنْهُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ عِنْدَنَا وَلَا دِيَةَ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: لَيْسَ الْأَثَرُ بِشَرْطٍ بَلِ الشَّرْطُ اللَّوْثُ وَهُوَ مَا يُوقِعُ فِي الْقَلْبِ صِدْقَ الْمُدَّعِي مِنْ أَثَرِ دَمٍ عَلَى ثِيَابِهِ أَوْ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَدْلٍ أَوْ جَمَاعَةٍ غَيْرِ عُدُولٍ أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ قَتَلُوهُ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَسْأَلِ الِاقْتِصَارَ هَلْ كَانَ بِقَتِيلِهِمْ أَثَرٌ أَمْ لَا وَلِأَنَّ الْقَتْلَ يَحْصُلُ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ كَعَصْرِ الْخُصْيَتَيْنِ وَضَرْبِ الْفُؤَادِ نَاشِبَةً مَنْ بِهِ أَثَرٌ، وَلَنَا أَنَّ الْقَسَامَةَ فِي الدِّيَةِ لِتَعْظِيمِ الدَّمِ وَصِيَانَتِهِ عَنِ الْهَدَرِ وَذَلِكَ فِي الْقَتْلِ دُونَ الْمَوْتِ حَتْفَ الْأَنْفِ، وَالْقَتْلُ يُعْرَفُ بِالْأَثَرِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْحَدِيثِ عَدَمُ ذِكْرِهِ مُطْلَقًا ثُمَّ شَرَطَ أَنَّهُ وُجِدَ فِي مَحَلَّةٍ لَا يُعْلَمُ قَالَهُ فَحِينَئِذٍ حَلَفَ خَمْسُونَ رَجُلًا حُرًّا مُكَافِئًا مِنْهُمْ يَخْتَارُهُمُ الْوَلِيُّ بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا وَهَذَا حِكَايَةُ قَوْلِ الْجَمْعِ ; لِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ إِذَا حَلَفَ يَقُولُ مَا قَتَلْتُ وَلَا عَلِمْتُ قَاتِلَهُ، وَلَا يَحْلِفُ الْوَلِيُّ ثُمَّ قَضَى عَلَى أَهْلِهَا الدِّيَةَ وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ ﵁ وَالشَّافِعِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يَبْدَأُ بِالْمُدَّعِينَ فِي الْأَيْمَانِ فَإِنْ حَلَفُوا اسْتَحَقُّوا، وَإِنْ نَكَلُوا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا، فَإِنْ حَلَفُوا بَرِئُوا وَهُوَ مَذْهَبُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ وَأَبِي الزِّنَادِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ لِقَوْلِهِ ﵊ لِأَوْلِيَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ ابْتِدَاءً: وَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ، وَقَوْلُهُ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: أَفَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ رَجُلًا. وَلَنَا مَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْيَمِينُ عَلَى

стр. 4915

الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْأَزْمَعِ قَالَ: وُجِدَ قَتِيلٌ بِالْيَمَنِ بَيْنَ وَادِعَةَ وَأَرْحَبَ، فَكَتَبَ عَامِلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَيْهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ قِسْ مَا بَيْنَ الْحَيَّيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبَ فَخُذْهُمْ بِهِ قَالَ: فَقَاسُوهُ فَوَجَدَهُ أَقْرَبَ إِلَى وَدَاعَةَ فَأَخَذَنَا وَأَغْرَمَنَا وَأَحْلَفَنَا قُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتُحَلِّفُنَا وَتُغَرِّمُنَا قَالَ: نَعَمْ، فَأَحْلَفَ خَمْسِينَ رَجُلًا بِاللَّهِ مَا قَتَلْتُ وَلَا عَلِمْتُ قَاتِلًا لَهُ، وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا أَنَّ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ عَلَى دَابَّةٍ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ تَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَقْرَبِهِمَا، وَلِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَالْبَزَّارُ فِي مَسَانِيدِهِمْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنْ قَتِيلًا وُجِدَ بَيْنَ حَيَّيْنِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقَاسَ إِلَى أَيِّهِمَا أَقْرَبُ فَوُجِدَ أَقْرَبَ إِلَى الْحَيَّيْنِ بِشِبْرٍ قَالَ الْخُدْرِيُّ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى شِبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَلْقَى دِيَتَهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ الْقَسَامَةَ» وَالدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْخُطَّةِ وَلَوْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَهُمُ الَّذِينَ خَطَّ لَهُمُ الْإِمَامُ وَقَسَمَ الْأَرَاضِيَ بِخُطَّةٍ حِينَ فَتَحَهَا دُونَ السُّكَّانِ أَيْ وَلَيْسَتِ الْقَسَامَةُ عَلَى السُّكَّانِ وَالْمُشْتَرِينَ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْكُلُّ مُشْتَرِكُونَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَهْلُ السِّجْنِ بِمَنْزِلَةِ السُّكَّانِ فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ خِلَافُهُمْ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 4916

[بَابُ قَتْلِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالسِّعَايَةِ بِالْفَسَادِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٣٥٣٣ - عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: «أُتِيَ عَلِيٌّ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ ". وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ بَابُ قَتْلِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالسِّعَايَةِ بِالْفَسَادِ وَالسُّعَاةُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْعُ السَّاعِي. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٣٥٣٣ - (عَنْ عِكْرِمَةَ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَصْلُهُ مِنَ الْبَرْبَرِ وَهُوَ أَحَدُ فُقَهَاءِ مَكَّةَ وَتَابِعِيهَا سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ (قَالَ: أُتِيَ) أَيْ جِيءَ (عَلِيٌّ) كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ (بِزَنَادِقَةٍ) أَيْ بِقَوْمٍ مُرْتَدِّينَ أَوْ بِجَمْعٍ مُلْحِدِينَ فِي الْقَامُوسِ: الزِّنْدِيقُ بِالْكَسْرِ مِنَ الثَّنَوِيَّةِ أَوِ الْقَائِلُ بِالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ أَوْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ وَبِالرُّبُوبِيَّةِ أَوْ مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِيمَانَ أَوْ هُوَ مُعَرَّبُ زِنْ دِينَ أَيْ دِينِ الْمَرْأَةِ اهـ. وَسُئِلَ عَنِ الزِّنْدِيقِ مَنْ هُوَ فَأَجَابَ: الزِّنْدِيقُ هُوَ مَنْ يَقُولُ بِبَقَاءِ الدَّهْرِ أَيْ لَا يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ وَلَا بِالْخَالِقِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَمْوَالَ وَالْحُرَمَ مُشْتَرَكَةٌ، وَقَالَ فِي مَكَانٍ آخَرَ: هُوَ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ إِلَهًا وَلَا حُرْمَةَ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَفِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ رِوَايَتَانِ وَالَّذِي يُرَجَّحُ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى لِقَارِئِ الْهِدَايَةِ، وَقَالَ اللَّيْثُ: زِنْدِيقٌ مَعْرُوفٌ وَزَنْدَقَتُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ وَوَحْدَانِيَّةِ الْخَالِقِ، وَعَنْ ثَعْلَبٍ: لَيْسَ زِنْدِيقٌ وَلَا فَرَزِينُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ وَمَعْنَاهُ عَلَى مَا يَقُولُ الْعَامَّةَ مُلْحِدٌ دَهْرِيٌّ (فَأَحْرَقَهُمْ) أَيْ أَمَرَ عَلِيٌّ بِإِحْرَاقِهِمْ فَأَحْرَقُوهُمْ (فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا) أَنَا تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ لَوْ كُنْتُ أَنَا بَدَلَهُ لَمْ أُحْرِقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» ) قَالَ الْقَاضِي: الزِّنْدِيقُ قَوْمٌ مِنَ الْمَجُوسِ وَيُقَالُ لَهُمْ: الثَّنَوِيَّةُ يَقُولُونَ بِمَبْدَأَيْنِ أَحَدُهُمَا النُّورُ وَهُوَ مَبْدَأُ الْخَيْرَاتِ وَالثَّانِي الظُّلْمَةُ وَهُوَ مَبْدَأُ الشُّرُورِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مُعَرَّبٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنْدِ وَهُوَ كِتَابٌ بِالْفَهْلَوِيَّةِ كَانَ لِزَرَادِشْتَ الْمَجُوسِيِّ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِكُلِّ مُلْحِدٍ فِي الدِّينِ، وَالْجَمْعُ زَّنَادِقَةٌ وَالْهَاءُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ فَإِنَّ أَصْلَهُ زَنَادِيقُ وَالْمُرَادُ بِهِ قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ لِمَا أَوْرَدَ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابٍ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَحْرَقَ نَاسًا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَقِيلَ: قَوْمٌ مِنَ السَّابِئَةِ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ ابْتِغَاءً لِلْفِتْنَةِ وَتَضْلِيلًا لِلْأُمَّةِ فَسَعَى أَوَّلًا فِي إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ عَلَى عُثْمَانَ حَتَّى جَرَى عَلَيْهِ مَا جَرَى ثُمَّ انْضَوَى إِلَى الشِّيعَةِ فَأَخَذَ فِي تَضْلِيلِ جُهَّالِهِمْ حَتَّى اعْتَقَدُوا أَنَّ عَلِيًّا ﵁ هُوَ الْمَعْبُودُ فَعَلِمَ بِذَلِكَ عَلِيٌّ فَأَخَذَهُمْ وَاسْتَتَابَهُمْ فَلَمْ يَتُوبُوا فَحَفَرَ لَهُمْ حُفَرًا وَأَشْعَلَ النَّارَ فِيهَا ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْ يُرْمَى بِهِمْ فِيهَا، وَالْإِحْرَاقُ بِالنَّارِ وَإِنْ نُهِيَ عَنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لَكِنْ جُوِّزَ لِلتَّشْدِيدِ بِالْكُفَّارِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي النِّكَايَةِ وَالنَّكَالِ كَالْمُثْلَةِ (وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَقَتَلْتُهُمْ عَطْفٌ عَلَى جَوَابِ لَوْ وَلَوْ يُؤْتَ بِاللَّامِ فِي الثَّانِي وَعُزِلَ عَنِ الْأَوَّلِ لِمَا أَنَّ الْجَوَابَ مَنْفِيٌّ بِلَمْ وَهِيَ مَانِعَةٌ لِدُخُولِهَا، أَوْ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّامَ تُفِيدُ مَعْنَى التَّوْكِيدِ لَا مَحَالَةَ فَأُدْخِلُ فِي الثَّانِي ; لِأَنَّ الْقَتْلَ أَهَمُّ وَأَحْرَى مِنْ غَيْرِهِ لِوُرُودِ النَّصِّ أَنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ لِأَنَّهُ أَشَدُّ الْعَذَابِ وَلِذَلِكَ أَوْعَدَ بِهَا الْكُفَّارَ، وَالِاجْتِهَادُ يَضْمَحِلُّ عِنْدَهُ، وَلَعَلَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ وَاجْتَهَدَ حِينَئِذٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَنْ رَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ لَا عَنْ تَوْقِيفٍ وَلِهَذَا لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمُ الْحَدِيثَ قَالَ: وَيْحَ أُمِّ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَرَدَ مَوْرِدَ الْمَدْحِ وَالْإِعْجَابِ بِقَوْلِهِ وَيَنْصُرُهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ شَرْحِ السُّنَّةِ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ فِي الْهِدَايَةِ: وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ

стр. 4917

أَبْدَاهَا كُشِفَتْ عَنْهُ لِأَنَّهُ عَسَاءَ اعْتَرَتْهُ أَيْ عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فَتُزَاحُ عَنْهُ، وَدَفْعُ شَرِّهِ بِأَحْسَنِ الْأَمْرَيْنِ وَهُمَا الْقَتْلُ وَالْإِسْلَامُ، وَأَحْسَنُهُمَا الْإِسْلَامُ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَمَّا كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ وُجُوبَ الْعَرْضِ عَلَى مَا قَالَ إِلَّا أَنَّ الْعَرْضَ عَلَى مَا قَالُوا أَيِ الْمَشَايِخُ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ مُسْتَحَبٌّ ; لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُ، وَعَرْضُ الْإِسْلَامِ هُوَ الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ وَدَعْوَةُ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَيُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ أَسْلَمَ فَبِهَا وَإِلَّا فَيُقْتَلُ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهَذَا اللَّفْظُ أَيْضًا مِنَ الْقُدُورِيِّ يُوجِبُ وُجُوبَ الِانْتِظَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الْمُرْتَدُّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَى قُتِلَ أَيْ مَكَانَهُ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ إِنْظَارَهُ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ لَيْسَ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا وَإِنَّمَا تَعَيَّنَتِ الثَّلَاثَةُ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِإِبْرَاءِ الْعُذْرِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ حَيَّانَ بْنِ مُنْقِدٍ فِي الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ضُرِبَتْ لِلتَّأَمُّلِ بِدَفْعِ الْفِتَنِ، وَقِصَّةُ مُوسَى مَعَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ [الكهف: ٧٦] وَهِيَ الثَّالِثَةُ إِلَى قَوْلِهِ ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦] وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ لَهُ: هَلْ مِنْ مُغْرِبَةِ خَبَرٍ، فَقَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَقَتَلْنَاهُ، فَقَالَ: هَلَّا حَبَسْتُمُوهُ فِي بَيْتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَطْعَمْتُمُوهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ رَغِيفًا لَعَلَّهُ يَتُوبُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ لَكِنَّ ظَاهِرَ تُبَرِّئُ عُمَرَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ لَعَلَّهُ طَلَبَ التَّأْجِيلَ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَجِّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ طَلَبَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إِذْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ وَقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِإِنْظَارٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَهَذَا إِنْ أُرِيدَ بِهِ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِنْظَارِ فَهُوَ مَذْهَبُنَا وَالِاسْتِدْلَالُ مُشْتَرَكٌ، وَمِنَ الْأَدِلَّةِ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وَهَذَا كَافِرٌ حَرْبِيٌّ وَإِنْ كَانَ أُرِيدُ بِهِ نَفْيُ اسْتِحْبَابِ الْإِمْهَالِ فَنَقُولُ: هَذِهِ الْأَوَامِرُ مُطْلَقَةٌ وَهِيَ لَا تَقْتَضِي الْفَوْرَ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ عَلَى مَا عُرِفَ، وَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّينَ كَوْنُ الْمُرْتَدِّ حُرًّا أَوْ عَبْدًا وَإِنْ كَانَ يَتَضَمَّنُ قَتْلُهُ إِبْطَالَ حَقِّ الْمَوْلَى بِالْإِجْمَاعِ وَإِطْلَاقَ الدَّلَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَكَيْفِيَّةُ تَوْبَتِهِ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا سِوَى دِينِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ لَا دِينَ لَهُ وَلَوْ تَبَرَّأَ عَمَّا انْتَقَلَ إِلَيْهِ كَفَاهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ مُسْتَحَبٌّ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: سُئِلَ أَبُو يُوسُفَ عَنِ الرَّجُلِ كَيْفَ يُسْلِمُ فَقَالَ: يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيُقِرُّ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَتَبَرَّأُ عَنِ الدِّينِ الَّذِي انْتَحَلَهُ ثُمَّ لَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ ثَانِيًا قَبِلْنَا تَوْبَتَهُ أَيْضًا وَكَذَا ثَالِثًا وَرَابِعًا، إِلَّا أَنَّ الْكَرْخِيَّ قَالَ: فَإِنْ عَادَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ يُقْتَلُ إِنْ لَمْ يَتُبْ فِي الْحَالِ، وَلَا يُؤَجَّلُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قَوْلُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُسْتَتَابُ أَبَدًا، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ فَرُوِيَ فِي النَّوَادِرِ وَذَلِكَ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ مَنْ كَرَّرَ رِدَّتَهُ كَالزِّنْدِيقِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَاللَّيْثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] الْآيَةَ، قُلْنَا: رَتَّبَ عَدَمَ الْمَغْفِرَةِ عَلَى شَرْطِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠] وَفِي الدِّرَايَةِ قَالَ فِي الزِّنْدِيقِ: لَنَا رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَفِي رِوَايَةٍ تُقْبَلُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَهَذَا فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ إِذَا صَدَقَ قَبِلَهُ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَلَا تُقْتَلُ وَلَكِنْ تُحْبَسُ أَبَدًا حَتَّى تُسْلِمَ أَوْ تَمُوتَ وَتُضْرَبُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا، وَاخْتَارَهُ قَاضِيخَانُ لِلْفَتْوَى، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» . وَهُوَ حَدِيثٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» . كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهَذَا مُطْلَقٌ يَعُمُّ الْكَافِرَ أَصْلِيًّا وَعَارِضِيًّا فَكَانَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ مَا رَوَاهُ بَعْدُ أَنَّ عُمُومَهُ مَخْصُوصٌ بِمَنْ بَدَّلَ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِسْلَامِ، نَعَمْ لَوْ كَانَتِ الْمُرْتَدَّةُ ذَاتَ رَأْيٍ وَتَبَعٍ تُقْتَلُ لَا لِرِدَّتِهَا بَلْ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا تُقْتَلُ النِّسَاءُ إِذَا هُنَّ ارْتَدَدْنَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَكِنْ يُحْبَسْنَ وَيُدْعَيْنَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيُجْبَرْنَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَرْوَانَ ارْتَدَّتْ عَنِ الْإِسْلَامِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ فَإِنْ رَجَعَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ» . فَضُعِّفَ بِمَعْمَرِ بْنِ بَكَّارٍ وَمُعَارِضٌ بِآخَرَ مِثْلِهِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ «عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: أَيُّمَا رَجُلٍ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَادْعُهُ فَإِنْ تَابَ فَاقْبَلْ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ ارْتَدَّتْ عَنِ الْإِسْلَامِ فَادْعُهَا فَإِنْ تَابَتْ فَاقْبَلْ مِنْهَا وَإِنْ أَبَتْ فَاسْتَتِبْهَا» . وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الثَّوْرِيُّ يَعِيبُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ حَدِيثًا كَانَ يَرْوِيهِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ أَبِي حُذَيْفَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ، فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ النَّخَعِيِّ عَنْ عَاصِمٍ بِهِ فَزَالَ انْفِرَادُ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي ادَّعَاهُ الثَّوْرِيُّ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيٍّ: الْمُرْتَدَّةُ تُسْتَتَابُ وَلَا تُقْتَلُ. وَضُعِّفَ بِخِلَافٍ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ وَهُوَ الَّذِي يُنْكِرَ الشَّرْعَ فَذَكَرُوا فِيهِ خَمْسَةَ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا، وَالْأَصْوَبُ مِنْهَا قَبُولُهَا مُطْلَقًا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَالثَّانِي لَا يُقْبَلُ وَيَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ لَكِنَّهُ إِنْ صَدَقَ فِي تَوْبَتِهِ نَفَعَهُ ذَلِكَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَالثَّالِثُ ارْتَابَ مَرَّةً وَاحِدَةً قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ فَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ، وَالرَّابِعُ إِنْ أَسْلَمَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ السَّيْفِ فَلَا وَالْخَامِسُ إِنْ كَانَ دَاعِيًا إِلَى الضَّلَالِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَإِلَّا قُبِلَ مِنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 4918

٣٥٣٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٥٣٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 4919

٣٥٣٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حُدَّاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٣٥٣٥ - (وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) تَأْكِيدٌ فِي مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ الْمُفَادِ بِالسِّينِ (حُدَّاثُ الْأَسْنَانِ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ حَدِيثٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَفِي النِّهَايَةِ: حَدَاثَةُ السِّنِّ كِنَايَةٌ عَنِ الشَّبَابِ وَأَوَّلِ الْعُمُرِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي رِوَايَةٍ: حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ. جَمْعُ حَدِيثٍ هُوَ نَقِيضُ الْقَدِيمِ كَمَا يُجْمَعُ صَغِيرٌ عَلَى صُغَرَاءَ (سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ) أَيْ ضُعَفَاءُ الْعُقُولِ وَالسَّفَهُ فِي الْأَصْلِ الْخِفَّةُ وَالطَّيْشُ وَسَفَّهَ فُلَانٌ رَأْيَهُ إِذَا كَانَ مُضْطَرِبًا لَا اسْتِقَامَةَ فِيهِ، وَالْأَحْلَامُ الْعُقُولُ وَاحِدُهَا حِلْمٌ بِالْكَسْرِ (يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِّيَّةِ) بِالْهَمْزَةِ وَبِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ أَكْثَرُ بِمَعْنَى الْخَلِيقَةِ أَيْ يَنْقُلُونَ مِنْ خَيْرِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الْخَلَائِقُ وَيَدَّعُونَ التَّخَلُّصَ مِنَ الْعَلَائِقِ وَالْعَوَائِقِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَتْنَ الْمِشْكَاةِ: مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِّيَّةِ. بِتَقَدُّمِ الْخَيْرِ عَلَى الْقَوْلِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: الْمُرَادُ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ النَّبِيُّ ﷺ . وَقَالَ الْمُظْهِرُ: أَرَادَ بِخَيْرِ قَوْلِ الْبَرِّيَّةِ الْقُرْآنَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْلَى ; لِأَنَّ يَقُولُونَ بِمَعْنَى يُحَدِّثُونَ أَوْ يَأْخُذُونَ أَيْ يَأْخُذُونَ مِنْ خَيْرِ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ الْبَرِّيَّةُ، وَيَنْصُرُهُ مَا رُوِيَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْوِي: الْخَوَارِجُ شِرَارُ خَلْقِ اللَّهِ. وَقَالَ: إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنَّا فِي شَيْءٍ» . (لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ) أَيْ حُلُوقَهُمْ فِي النِّهَايَةِ: الْحَنْجَرَةُ رَأْسُ الْغَلْصَمَةِ حَيْثُ تَرَاهُ نَاتِئًا مِنْ خَارِجِ الْحَلْقِ وَالْجَمْعُ الْحَنَاجِرُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: جَمْعُ حَنْجَرَةٍ وَهِيَ الْحُلْقُومُ أَيْ لَا يَتَعَدَّى مِنْهَا إِلَى الْخَارِجِ (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ) أَيْ يَخْرُجُونَ مِنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيِ الدَّابَّةِ الْمَرْمِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْهَا، فِي الْفَائِقِ: الْمُرُوقُ الْخُرُوجُ وَمِنْهُ الْمَرَقُ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ مِنَ اللَّحْمِ عِنْدَ الطَّبْخِ لِلِائْتِدَامِ بِهِ قَالَ الْمُظْهِرُ: أَرَادَ بِالدِّينِ الطَّاعَةَ أَيْ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْمُفْتَرَضِ الطَّاعَةِ وَيَنْسَلِخُونَ مِنْهَا قَالَ الطِّيبِيُّ: الرَّمِيَّةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَالتَّاءُ فِيهِ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الرَّمِيَّةُ الصَّيْدُ الَّذِي تَرْمِيهِ وَتَقْصِدُهُ يُرِيدُ أَنَّ دُخُولَهُمْ فِي الدِّينِ وَخُرُوجَهُمْ مِنْهُ وَلَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ كَالسَّهْمِ الَّذِي دَخَلَ فِي الرَّمِيَّةِ ثُمَّ يَقُدُّهَا وَيَخْرُجُ مِنْهَا وَلَمْ يَعْلَقْ بِهِ بِهَا شَيْءٌ (فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا) أَيْ عَظِيمًا (لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظَرْفٌ لَأَجْرًا أَوْ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهَذَا نَعْتُ الْخَوَارِجِ الَّذِي لَا يَدِينُونَ لِلْأَئِمَّةِ وَيَتَعَرَّضُونَ لِلنَّاسِ بِالسَّيْفِ وَأَوَّلُ ظُهُورِهِمْ كَانَ فِي زَمَنِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ حَتَّى قَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ فِرْقَةٌ مِنْ فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَجَازُوا مُنَاكَحَتَهُمُ وَأَكْلَ ذَبَائِحِهِمْ وَقَبُولَ شَهَادَتِهِمْ، وَسُئِلَ عَلِيٌّ ﵁ فَقِيلَ أَكُفَّارٌ هُمْ؟ قَالَ: مِنَ الْكُفْرِ فَرُّوا، فَقِيلَ: أَمُنَافِقُونَ هُمْ؟ قَالَ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا، وَهَؤُلَاءِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قِيلَ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4920

٣٥٣٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَكُونُ أُمَّتِي فِرْقَتَيْنِ فَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٥٣٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَكُونُ) بِالتَّذْكِيرِ وَفِي نُسْخَةٍ تَكُونُ (أُمَّتِي فِرْقَتَيْنِ) إِشَارَةً إِلَى فِرْقَةِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ ﵄ (فَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ) أَيْ جَمَاعَةٌ خَارِجَةٌ (يَلِي) أَيْ يَتَوَلَّى وَيُبَاشِرُ (قَتْلَهُمْ) قَالَ الْأَشْرَفُ: قَوْلُهُ يَلِي قَتْلَهُمْ إِلَخْ صِفَةٌ لِلْمَارِقَةِ أَيْ يَلِي قَتْلَ الْمَارِقَةِ وَهِيَ الْخَوَارِجُ (أَوْلَاهُمْ) أَيْ أَوْلَى أُمَّتِي وَأَقْرَبُهُمْ (بِالْحَقِّ) يَعْنِي الصَّوَابَ قِيلَ: هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَإِنَّهُ الَّذِي قَتَلَهُمْ حَتَّى تَفَرَّقُوا بِبِلَادِ حَضْرَمَوْتَ وَالْبَحْرَيْنِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.

стр. 4921

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْحَقِّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ، فَإِنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ فِرْقَتَيْنِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ عَلَى الْحَقِّ، وَالْأُخْرَى عَلَى الْبَاطِلِ. وَقَوْلُهُ: " لِمَنْ بَيْنَهُمَا ". يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْمَارِقَةُ خَارِجَةً مِنْهُمَا مَعًا قُلْتُ: هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] الْكَشَّافُ لَمَّا الْتَقَيَا وَصَارَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ جَازَ أَنْ يُقَالَ: يَخْرُجَانِ مِنْهُمَا كَمَا يُقَالُ: يَخْرُجَانِ مِنَ الْبَحْرِ وَلَا يَخْرُجَانِ مِنْ جَمِيعِ الْبَحْرِ وَلَكِنْ مِنْ بَعْضِهِ. وَتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ الْبَلْدَةِ وَإِنَّمَا خَرَجْتَ مِنْ مَحَلَّةٍ مِنْ مَحَالِّهِ بَلْ مِنْ دَارٍ وَاحِدَةٍ مِنْ دُورِهِ وَلِهَذَا يَحْسُنُ أَنْ يَرْجِعَ أَحَدُ الضَّمِيرَيْنِ فِي الصِّفَةِ إِلَى الْمَارِقَةِ وَالْآخَرُ إِلَى قَوْلِهِ أُمَّتِي اهـ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: شُبِّهَ بِأَهْلِ الْحَقِّ لِغُلُوِّهِمْ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ وَلَكِنَّهُمْ أَهْلُ الْبَاطِلِ لِمُخَالَفَتِهِمُ الْإِجْمَاعَ، وَلِذَا قَالَ: فَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 4922

٣٥٣٧ - وَعَنْ جَرِيرٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٥٣٧ - (عَنْ جَرِيرٍ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَسْلَمَ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ جَرِيرٌ: أَسَلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَيُكْسَرُ (لَا تَرْجِعُنَّ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ (بَعْدِي) أَيْ بَعْدِ صُحْبَتِي أَوْ بَعْدَ مَوْتِي (كُفَّارًا) قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ فِي حَقِّ الْمُسْتَحِلِّ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْمُرَادَ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ، وَثَالِثُهَا أَنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الْكُفْرِ وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَرَابِعُهَا أَنَّهُ فَعَلَ فِعْلَ الْكُفَّارِ، وَخَامِسُهَا حَقِيقَةُ الْكُفْرِ أَيْ لَا تَكْفُرُوا بَلْ دُومُوا مُسْلِمِينَ، وَسَادِسُهَا عَنِ الْخَطَّابِيِّ مَعْنَاهُ الْمُتَكَفِّرُ بِالسِّلَاحِ يُقَالُ تَكَفَّرَ الرَّجُلَ بِسِلَاحِهِ إِذَا لَبِسَهُ، وَسَابِعُهَا عَنْهُ أَيْضًا مَعْنَاهُ لَا يُكَفِّرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَتَسْتَحِلُّوا قِتَالَ بَعْضِكُمْ بَعْضًا وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ الرَّابِعُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي عِيَاضٍ اهـ. وَعِنْدِي أَنَّ الْأَظْهَرَ هُوَ الثَّالِثُ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَعْنَيَانِ أَوْ يُقَالُ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّجْرِ وَالتَّهْدِيدِ وَالتَّغْلِيظِ الشَّدِيدِ وَقَوْلُهُ (يَضْرِبْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) بِسُكُونِ الْبَاءِ ضَبَطَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: هُوَ جَوَابُ النَّهْيِ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ أَيْ إِنْ تَرْجِعُوا يَضْرِبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ اسْتِئْنَافٌ وَارِدٌ عَلَى بَيَانِ النَّهْيِ كَأَنَّ سَائِلًا قَالَ: كَيْفَ نَرْجِعُ كُفَّارًا فَقِيلَ: يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَهُوَ فِعْلُ الْكُفَّارِ أَوْ يُقَالُ لَمْ نَرْجِعْ كُفَّارًا بَعْدَ كَوْنِنَا مُسْلِمِينَ، قِيلَ: يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ وَهُوَ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَرِيرٍ وَأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، وَكِلَاهُمَا أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

стр. 4923

٣٥٣٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَخِيهِ السِّلَاحَ فَهُمَا فِي جُرُفِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَخَلَاهَا جَمِيعًا» ". وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، قُلْتُ: هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ: " لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٥٣٨ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) بِالتَّاءِ هُوَ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ يُقَالُ: إِنَّهُ تَدَلَّى يَوْمَ الطَّائِفِ بِبَكْرَةٍ وَأَسْلَمَ فَكَنَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَبِي بَكْرَةَ وَأَعْتَقَهُ، فَهُوَ مِنْ مَوَالِيهِ رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدُهُمَا) أَيْ سَلَّ (عَلَى أَخِيهِ السِّلَاحَ) الْجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الشَّرْطِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ وَقَدْ مُقَدَّرَةٌ، وَالْمَعْنَى إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ حَامِلًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ السِّلَاحَ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ لِيُطَابِقَ الشَّرْطُ الْجَزَاءَ وَهُوَ قَوْلُهُ (فَهُمَا فِي جُرُفِ جَهَنَّمَ) وَالْجُرُفُ مَا تَجْرُفُهُ السُّيُولُ مِنَ الْأَوْدِيَةِ اهـ وَهُوَ بِضَمَّتَيْنِ وَسُكُونِ الثَّانِي جَانِبُهَا وَطَرَفُهَا إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَخَلَاهَا) أَيْ جَهَنَّمَ (جَمِيعًا) هَذَا الشَّرْطُ مَعَ جَوَابِهِ عَطْفٌ عَلَى الشَّرْطِ الْأَوَّلِ (وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ وَأَرَادَ كُلٌّ قَتْلَ الْآخَرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ بِسَيْفِهِمَا فَقَتَلَ.

стр. 4924

أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ (فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قُلْتُ) وَفِي رِوَايَةٍ قِيلَ (هَذَا الْقَاتِلُ) أَيْ حُكْمُهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ (فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ) أَيْ شَأْنُهُ فَإِنَّهُ مَظْلُومٌ (قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ أَنَّ الْحِرْصَ عَلَى الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ مِمَّا يُؤَاخَذُ بِهِ، وَإِنْ قَصَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَانَ قَتْلَ الْآخَرِ لَا الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَصْدُ أَحَدِهِمَا الدَّفْعَ وَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ بُدًّا إِلَّا بِقَتْلِهِ فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ لِكَوْنِهِ مَأْذُونًا فِيهِ شَرْعًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي مُوسَى.

стр. 4925

٣٥٣٩ - عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ فَأَسْلَمُوا فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا. وَفِي رِوَايَةٍ فَسَمَّرُوا أَعْيُنَهُمْ وَفِي رِوَايَةٍ: أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَّلَهُمْ بِهَا وَطَرَحَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٥٣٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ) بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ يَنْزِلُ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نَفَرٌ) بِفَتْحَتَيْنِ قَوْمٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانِيَةَ أَنْفُسٍ (مِنْ عُكْلٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ اسْمُ قَبِيلَةٍ ذَكَرَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ أَنَّهُ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الْبُخَارِيِّ فَفِي بَعْضِهَا مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ عَلَى الشَّكِّ وَفِي بَعْضِهَا مِنْ عُكْلٍ وَفِي بَعْضِهَا مِنْ عُرَيْنَةَ وَفِي بَعْضِهَا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَهُوَ الصَّوَابُ، رَوَى أَبُو عَوَانَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ: كَانُوا أَرْبَعَةً مِنْ عُرَيْنَةَ وَثَلَاثَةً مِنْ عُكْلٍ (فَأَسْلَمُوا فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ) مِنَ الِاجْتِوَاءِ أَيْ كَرِهُوا هَوَاءَ الْمَدِينَةِ وَمَاءَهَا وَاسْتَوْخَمُوهَا وَلَمْ يُوَافِقْهُمُ الْمُقَامُ بِهَا وَأَصَابَهُمُ الْجِوَاءُ وَهُوَ الْمَرَضُ (فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ أَنَّ إِبِلَ الصَّدَقَةِ يَجُوزُ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ الشُّرْبُ مِنْ أَلْبَانِهَا وَجَوَازُ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَقَاسَ بَعْضٌ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ عَلَيْهِ، وَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُ لِمَيْلِ الطِّبَاعِ إِلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ النَّجَاسَاتِ اهـ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَنَجِسٌ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ: فَبَوْلُ مَأْكُولِ اللَّحْمِ طَاهِرٌ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ وَرَوْثَهُ طَاهِرَانِ، وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْقَائِلِينَ بِنَجَاسَتِهِمَا بِأَنَّ شُرْبَهُمُ الْأَبْوَالَ كَانَ لِلتَّدَاوِي وَهُوَ جَائِزٌ بِكُلِّ النَّجَاسَاتِ سِوَى الْمُسْكِرَاتِ، وَإِنَّمَا أَجَازَ شُرْبَهُمْ أَلْبَانَ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ; لِأَنَّهَا لِلْمُحْتَاجِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ مِنْهُمْ (فَفَعَلُوا) أَيْ مَا ذَكَرَ (فَصَحُّوا) بِتَشْدِيدِ الْحَاءِ أَيْ فَرَجَعُوا إِلَى صِحَّتِهِمْ (فَارْتَدُّوا) وَكَأَنَّهُمْ تَشَاءَمُوا بِالْإِسْلَامِ (وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا) أَيْ رُعَاةَ الْإِبِلِ بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ الرَّاعِي أَيْ طَمَعًا لِلْمَالِ (وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ) أَيْ سَاقُوهَا بِمُبَالَغَةٍ بَلِيغَةٍ وَاهْتِمَامٍ تَامٍّ (فَبَعَثَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا وَغَيْرَهُ (فِي آثَارِهِمْ) أَيْ عَقِبَهُمْ (فَأُتِيَ بِهِمْ) أَيْ جِيءَ بِهِمْ (فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ) أَيْ أَمَرَ بِقَطْعِهِمَا قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قِيلَ يَعْنِي قَطَعَ يَدَيْ كُلِّ وَاحِدٍ وَرِجْلَيْهِ لَكِنْ يَرُدُّهُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مِنْ خِلَافٍ (وَسَمَلَ) بِاللَّامِ أَيْ فَقَأَ (أَعْيُنَهُمْ) قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْمُحَارِبِينَ قَوْلُهُ: وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ وَسَمَلَ بِاللَّامِ وَهُمَا بِمَعْنًى قَالَهُ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: سَمَرَ الْعَيْنَ بِالتَّخْفِيفِ كَحَلَهَا بِالْمِسْمَارِ الْمُحْمَاةِ فَيُطَابِقُ السَّمْلَ فَإِنَّهُ فُسِّرَ بِأَنْ يُدْنِيَ مِنَ الْعَيْنِ حَدِيدَةً مُحْمَاةً حَتَّى يَذْهَبَ نَظَرُهَا فَيُطَابِقُ الْأَوَّلَ بِأَنْ تَكُونَ الْحَدِيدَةُ مِسْمَارًا قَالَ: وَضُبِطَا بِالتَّشْدِيدِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَفَسَّرُوا السَّمْلَ بِأَنَّهُ فَقْءُ الْعَيْنِ بِالشَّوْكِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ هُنَا (ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ لَمْ يَقْطَعْ دِمَاءَهُمْ بِالْكَيِّ مِنَ الْجِسْمِ، الْكَيُّ أَيْ كَيُّ الْعُرُوقِ بِالنَّارِ لِيَنْقَطِعَ الدَّمُ (حَتَّى مَاتُوا) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنَّمَا فَعَلَ بِهِمْ ﷺ هَذَا مَعَ نَهْيِهِ عَنِ الْمُثْلَةِ إِمَّا لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِالرُّعَاةِ وَإِمَّا لِعِظَمِ جَرِيمَتِهِمْ فَإِنَّهُمُ ارْتَدُّوا وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْعُقُوبَاتِ فِي سِيَاسَتِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ فَقِيلَ كَانَ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ الْحُدُودِ وَآيَةِ الْمُحَارَبَةِ مَعَ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ فَهُوَ مَنْسُوخٌ وَقِيلَ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ وَفِيهِ نَزَلَتِ الْآيَةُ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ ﷺ قِصَاصًا وَقِيلَ: النَّهْيُّ عَنِ الْمُثْلَةِ فِي تَنْزِيهٍ (وَفِي رِوَايَةٍ فَسَمَّرُوا) بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ أَيْ كَحَّلُوا أَعْيُنَهُمْ بِمَسَامِيرِ حَدِيدٍ وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّفَرَ فَعَلُوا بِالرُّعَاةِ أَوِ الصَّحَابَةَ بِالنَّفَرِ بِأَمْرِهِ ﵊ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ

стр. 4926

(وَفِي رِوَايَةٍ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَّلَهُمْ بِهَا) بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ (وَطَرَحَهُمْ) أَيْ رَمَاهُمْ (بِالْحَرَّةِ) بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ (يَسْتَسْقُونَ) أَيْ يَطْلُبُونَ الْمَاءَ مِنْ شِدَةِ الْعَطَشِ النَّاشِئِ مِنْ حَرَارَةِ الشَّمْسِ (فَمَا يُسْقَوْنَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (حَتَّى مَاتُوا) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ فَمَا يُسْقَوْنَ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِذَلِكَ وَلَا نَهَى عَنِ السَّقْيِ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَاسْتَسْقَى لَا يُمْنَعُ الْمَاءَ قَصْدًا، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ عَذَابَانِ، وَقِيلَ: كَانَ مَنْعُ الْمَاءِ هَذَا قِصَاصًا، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ لِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلطَّهَارَةِ أَنْ يَسْقِيَهُ مُرْتَدًّا يَخَافُ الْمَوْتَ مِنَ الْعَطَشِ وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ بَهِيمَةً وَجَبَ سَقْيُهُ وَلَمْ يَجُزِ الْوُضُوءُ بِهِ حِينَئِذٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4927

الْفَصْلُ الثَّانِي ٣٥٤٠ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عَنِ الْمُثْلَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٣٥٤٠ - (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحُثُّنَا) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ يُحَرِّضُنَا وَيُرَغِّبُنَا (عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عَنِ الْمُثْلَةِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ قَطْعِ الْأَطْرَافِ فِي النِّهَايَةِ: مَثَّلْتُ بِالْقَتِيلِ جَدَعْتُ أَنْفَهُ أَوْ أُذُنَهُ أَوْ مَذَاكِيرَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْ أَطْرَافِهِ وَالِاسْمُ الْمُثْلَةُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ عَنْ عِمْرَانَ.

стр. 4928

٣٥٤١ - وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ. ــ ٣٥٤١ - (وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ) .

стр. 4929

٣٥٤٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمْرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتِ الْحُمْرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرُشُ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا، وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا قَالَ: مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ فَقُلْنَا: نَحْنُ. قَالَ: إِنَّهُ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٥٤٢ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنِ عَمَّارٍ الْمَكِّيِّ رَوَى عَنْ جَابِرٍ وَسَمِعَ مُعَاذًا وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ (عَنْ أَبِيهِ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: كُنَّا) وَفِي نُسْخَةٍ كَانَ أَيْ هُوَ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ) أَيْ فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ إِلَى الْبَرَازِ (فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً) بِضَمٍّ فَتَشْدِيدِ مِيمٍ وَقَدْ يُخَفَّفُ طَائِرٌ صَغِيرٌ كَالْعُصْفُورِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (مَعَهَا فَرْخَانِ) أَيْ فَرُّوجَتَانِ (فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا) أَيْ فِي غَيْبَتِهَا أَوْ فِي حَضْرَتِهَا (فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ) أَيْ شَرَعَتْ (تُفَرِّشُ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَفِي أُخْرَى بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ فِي النِّهَايَةِ هُوَ أَنْ تَفْرُشَ جَنَاحَهَا وَتَقْرُبَ مِنَ الْأَرْضِ وَتُرَفْرِفَ وَالتَّفْرِيشُ أَنْ تَفْتَرِقَ وَتُظَلِّلَ بِجَنَاحَيْهَا عَلَى مَنْ تَحْتَهَا قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ: فَجَعَلَتْ تَفَرَّشُ أَوْ تُفَرِّشُ بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ مِنَ التَّفْرِيشِ وَالتَّفَرُّشِ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ أَنَّ التَّفَرُّشَ مِنْ فَرْشِ الْجَنَاحِ بَسْطُهُ وَالتَّفْرِيشُ أَنْ يَرْتَفِعَ فَوْقَهُمَا فَيُظَلِّلَ عَلَيْهِمَا يَعْنِي عَلَى الْفَرْخَيْنِ وَلَا أَرَى الصَّوَابَ فِيهِ إِلَّا أَنَّ (تَفَرَّشُ) عَلَى بِنَاءِ الْمُضَارِعِ حُذِفَ تَاؤُهُ لِاجْتِمَاعِ التَّاءَيْنِ (فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ فَرَجَعَ فَرَأَى تَفَرُّشَهَا (فَقَالَ: مَنْ فَجَّعَ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيْ فَزَّعَ (هَذِهِ) أَيِ الْحُمَّرَةَ (بِوَلَدِهَا) أَيْ بِسَبَبِ أَخْذِ أَوْلَادِهَا (رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا) الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ ; لِأَنَّ اصْطِيَادَ فَرْخِ الطَّائِرِ جَائِزٌ (وَرَأَى) عَطْفٌ عَلَى فَانْطَلَقَ أَيْ أَبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (قَرْيَةَ نَمْلٍ) أَيْ بَيْتَ نَمْلٍ أَوْ مَوْضِعَ نَمْلٍ (قَدْ حَرَّقْنَاهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ أَحْرَقْنَا نَمْلَهَا (قَالَ: مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ) أَيِ النَّمْلَ وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ (فَقُلْنَا: نَحْنُ قَالَ إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنَ

стр. 4930

لَا يَنْبَغِي) أَيْ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجُوزُ (أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ) وَهَذَا يُرْشِدُكَ إِلَى فَائِدَةِ صُحْبَةِ الْمُرْشِدِ فَإِنَّهُ فِي سَاعَةٍ مِنْ غَيْبَتِهِ مَعَ بَرَكَةِ حُضُورِهِ وَقَعَ مِنَ الْأَصْحَابِ أَمْرَانِ عَلَى خِلَافِ الصَّوَابِ قَالَ الْقَاضِيَ: إِنَّمَا مَنَعَ التَّعْذِيبَ بِالنَّارِ لِأَنَّهُ أَشَدُّ الْعَذَابِ وَلِذَلِكَ أَوْعَدَ بِهَا الْكُفَّارَ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَعَلَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ النَّارَ فِيهَا لِمَنَافِعِ النَّاسِ وَارْتِفَاقِهِمْ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَعْمِلُوهَا فِي الْإِضْرَارِ وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا فِيهِ لِأَنَّهُ رَبُّهَا وَمَالِكُهَا يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ مِنَ التَّعْذِيبِ بِهَا وَالْمَنْعِ مِنْهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ رَبُّ النَّارِ وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى الِاسْتِعْمَالَيْنِ فِي قَوْلِهِ ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] أَيْ تَذْكِيرًا لِنَارِ جَهَنَّمَ لِتَكُونَ حَاضِرَةً لِلنَّاسِ يَذْكُرُونَ مَا أُوعِدُوا بِهِ وَعَلَّقْنَا بِهَا أَسْبَابَ الْمَعَايِشِ كُلَّهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ» وَهُوَ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ طَائِرٌ مَعْرُوفٌ ضَخْمُ الرَّأْسِ وَالْمِنْقَارِ لَهُ رِيشٌ عَظِيمٌ نِصْفُهُ أَسْوَدُ وَنِصْفُهُ أَبْيَضُ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ: «نَهَى عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ لِلدَّوَاءِ» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «نَهَى عَنْ قَتْلِ الصُّرَدِ وَالضُّفْدَعِ وَالنَّمْلَةِ وَالْهُدْهُدِ» قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَمَّا نَهْيُهُ عَنْ قَتْلِ النَّحْلِ فَلِمَا فِيهَا مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَأَمَّا الْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ فَإِنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْلِهِمَا لِتَحْرِيمِ لَحْمِهِمَا وَذَلِكَ أَنَّ الْحَيَوَانَ إِذَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِحُرْمَتِهِ وَلَا لِضَرَرٍ فِيهِ كَانَ ذَلِكَ لِتَحْرِيمِ لَحْمِهِ.

стр. 4931

٣٥٤٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ لَا يَرْجِعُونَ. حَتَّى يَرْتَدَّ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنَّا فِي شَيْءٍ، مَنْ قَتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا سِيمَاهُمْ قَالَ التَّحْلِيقُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٥٤٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ» ) بِضَمِّ الْفَاءِ أَيْ أَهْلُ اخْتِلَافٍ وَافْتِرَاقٍ وَقَوْلُهُ (قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ) أَيِ الْقَوْلَ يُقَالُ قُلْتُ قَوْلًا وَقَالًا وَقِيلًا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] (وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ) بَدَلٌ مِنْهُ وَمُوَضِّحٌ لَهُ وَقَوْلُهُ (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ بَدَلٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّاطِبِيِّ وَمَنْ يُجَوِّزُهُ أَوِ الْمُرَادُ بِهِ نَفْسُ الِاخْتِلَافِ أَيْ سَيَحْدُثُ فِيهِمُ اخْتِلَافٌ وَتَفَرُّقٌ فَيَفْتَرِقُونَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةَ حَقٍّ وَفِرْقَةَ بَاطِلٍ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ: تَكُونُ أُمَّتِي فِرْقَتَيْنِ فَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ، فَقَوْمٌ مُبْتَدَأٌ مَوْصُوفٌ بِمَا بَعْدَهُ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَهُوَ بَيَانٌ لِإِحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ وَتُرِكَتِ الثَّانِيَةُ لِلظُّهُورِ اهـ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَيَقْرَءُونَ بِوَاوِ الْعَطْفِ فَهُوَ خَطَأٌ (لَا يُجَاوِزُ) أَيْ قُرْآنُهُمْ أَوْ قِرَاءَتُهُمْ (تَرَاقِيَهُمْ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَنَصْبِ الْيَاءِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ فِي النِّهَايَةِ وَهِيَ جَمْعُ التَّرْقُوَةِ وَهِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ نُقْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ وَهُمَا تَرْقُوَتَانِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَوَزْنُهَا فَعْلُوَةٌ بِالْفَتْحِ اهـ كَلَامُهُ. وَفِي الْمُغْرِبِ يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ جَنْبَر كُرْدُن قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ أَثَرُ قِرَاءَتِهِمْ عَنْ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ وَلَا يَتَعَدَّى إِلَى الْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ - فَلَا يَعْتَقِدُونَ وَفْقَ مَا يَقْتَضِي اعْتِقَادًا وَلَا يَعْمَلُونَ بِمَا يُوجِبُ عَمَلًا، وَثَانِيهَا أَنَّ قِرَاءَتَهُمْ لَا يَرْفَعُهَا اللَّهُ وَلَا يَقْبَلُهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ تَتَجَاوَزْ حُلُوقَهُمْ، وَثَالِثُهَا لِأَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ بِالْقُرْآنِ فَلَا يُثَابُونَ عَلَى قِرَاءَتِهِمْ وَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ غَيْرُ الْقِرَاءَةِ (يَمْرُقُونَ) بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ يَخْرُجُونَ (مِنَ الدِّينِ) أَيْ مِنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ (مُرُوقَ السَّهْمِ) بِالنَّصْبِ أَيْ كَمُرُوقِهِ (مِنَ الرَّمِيَّةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: مُرُوقُ السَّهْمِ مَصْدَرٌ أَيْ مِثْلُ مُرُوقِ السَّهْمِ، ضَرَبَ مَثَلَهُمْ فِي دُخُولِهِمْ فِي الدِّينِ وَخُرُوجِهِمْ مِنْهُ بِالسَّهْمِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُلَاقِيهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّمِ لِسُرْعَةِ نُفُوذِهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَتَمَسَّكُونَ مِنَ الدِّينِ بِشَيْءٍ وَلَا يَلْوُونَ عَلَيْهِ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِقَوْلِهِ سَبَقَ الْفَرْثُ وَالدَّمُ (لَا يَرْجِعُونَ) أَيْ إِلَى الدِّينِ لِإِصْرَارِهِمْ عَلَى.

стр. 4932

بُطْلَانِهِمْ (حَتَّى يَرْتَدَّ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ [محمد: ٢٥] وَالْفُوقُ مَوْضِعُ الْوَتَرِ مِنَ السَّهْمِ وَهُوَ مِنَ التَّعْلِيقِ بِالْمُحَالِ عَلَّقَ رُجُوعَهُمْ إِلَى الدِّينِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] وَفِيهِ مِنَ اللُّطْفِ أَنَّهُ رَاعَى بَيْنَ التَّمْثِيلَيْنِ الْمُنَاسَبَةَ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ مَثَّلَ أَوَّلًا خُرُوجَهُمْ مِنَ الدِّينِ بِخُرُوجِ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ وَثَانِيًا فَرْضَ دُخُولِهِمْ فِيهِ وَرُجُوعِهِمْ إِلَيْهِ بِرُجُوعِ السَّهْمِ عَلَى فُوقِهِ أَيْ مَا خَرَجَ مِنْهُ مِنَ الْوَتَرِ (هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ) فِي النِّهَايَةِ الْخَلْقُ النَّاسُ وَالْخَلِيقَةُ الْبَهَائِمُ وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَيُرِيدُ بِهِمَا جَمِيعَ الْخَلَائِقِ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْخَلِيقَةُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ وَإِنَّمَا جَاءَ بِاللَّفْظَيْنِ تَأْكِيدًا لِلْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ وَهُوَ اسْتِيعَابُ أَصْنَافِ الْخَلَائِقِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْخَلِيقَةِ مَنْ خُلِقَ وَبِالْخَلْقِ مَنْ سَيُخْلَقُ قَالَ الْقَاضِي: هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْمُرَاءَاةِ فَاسْتَبْطَنُوا الْكُفْرَ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَعْرَفُ النَّاسِ فِي الْإِيمَانِ وَأَشَدُّ تَمَسُّكًا بِالْقُرْآنِ فَضَّلُوا وَأَضَلُّوا (طُوبَى) أَيْ طِيبَةً حَالَّةً حَسَنَةً وَصِفَةً مُسْتَحْسَنَةً قِيلَ طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ أَيْ هِيَ حَاصِلَةٌ (لِمَنْ قَتَلَهُمْ) فَإِنَّهُ يَصِيرُ غَازِيًا (وَقَتَلُوهُ) أَيْ وَلِمَنْ قَتَلُوهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ شَهِيدًا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ حَذْفِ الْمَوْصُولِ أَوِ الْوَاوِ لِمُجَرَّدِ التَّشْرِيكِ وَتَحْصِيلِ الْجَمْعِ وَالتَّقْدِيرُ طُوبَى لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ قَتْلُهُ إِيَّاهُمْ وَقَتْلُهُمْ إِيَّاهُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى قَاتَلُوا وَقُتِلُوا قَالَ الطِّيبِيُّ: فُعْلَى مِنَ الطِّيبِ فَلَمَّا ضُمَّتِ الطَّاءُ انْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَالْمَعْنَى أَصَابَ خَيْرًا مَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ (يَدْعُونَ) أَيِ النَّاسَ (إِلَى كِتَابِ اللَّهِ) أَيْ إِلَى ظَاهِرِهِ (وَيَتْرُكُونَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحَادِيثَهُ الْمُبَيَّنَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وَبِقَوْلِهِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ٧] أَيْ فِي مُخَالَفَةِ كِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ لِابْنِ عَبَّاسٍ جَادِلْهُمْ بِالْحَدِيثِ. وَفِي الْمَثَلِ صَاحِبُ الْبَيْتِ أَدْرَى بِمَا فِيهِ وَلِذَا قَالَ (وَلَيْسُوا مِنَّا فِي شَيْءٍ) أَيْ فِي شَيْءٍ مُعْتَدٍّ مِنْ طَرِيقَتِنَا وَهَدْيِنَا الْجَامِعِ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ الْأَشْرَفُ: هَذَا الْقَوْلُ بَعْدَ قَوْلِهِ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ إِرْشَادٌ إِلَى شِدَّةِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِ اللَّهِ وَإِلَّا فَمُقْتَضَى التَّرْكِيبِ وَلَيْسُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَوْ قِيلَ وَلَيْسُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ لَأَوْهَمَ أَنْ يَكُونُوا جُهَّالًا لَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَطُّ كَأَكْثَرِ الْعَوَامِّ وَقَوْلُهُ لَيْسُوا مِنَّا فِي شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ عِدَادِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ (مَنْ قَتَلَهُمْ) أَيْ مِنْ أُمَّتِي (كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ بَاقِي أُمَّتِي وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ مِنْ أَجْلِ قِتَالِهِمْ، قَالَ الْأَشْرَفُ: الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى الْأُمَّةِ أَيْ مَنْ قَاتَلَهُمْ مِنْ أُمَّتِي أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْ بَاقِي أُمَّتِي. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا عَلَى تَأْوِيلِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي قَوْلِهِ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ أَيْ أَهْلُ اخْتِلَافٍ، وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْفِرْقَةِ الْبَاطِلَةِ وَيَكُونُ أَفْعَلَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ [مريم: ٧٣] وَقَوْلُهُمْ: الْعَسَلُ أَحْلَى مِنَ الْخَلِّ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُقَاتِلَ أَبْلَغُ فِي الْوِلَايَةِ مِنْهُمْ فِي الْعُدْوَانِ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا سِيمَاهُمْ) أَيْ عَلَامَتُهُمُ الَّتِي يَتَمَيَّزُونَ بِهَا عَنْ غَيْرِهِمْ (قَالَ: التَّحْلِيقُ) أَيْ عَلَامَتُهُمُ التَّحْلِيقُ وَهُوَ اسْتِئْصَالُ الشَّعْرِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْحَلْقِ كَمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ صِيغَةِ التَّفْعِيلِ الَّتِي لِلتَّكْرِيرِ وَالتَّكْثِيرِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا أُتِيَ بِهَذَا الْبِنَاءِ إِمَّا لِتَفْرِيقِ مُتَابَعَتِهِمْ فِي الْحَلْقِ أَوْ لِإِكْثَارِهِمْ مِنْهُ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا اسْتِئْصَالُ الشَّعْرِ مِنَ الرَّأْسِ وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ مَذْمُومٌ فَإِنَّ الشِّيَمَ وَالْحُلَى الْمَحْمُودَةَ قَدْ يَتَزَيَّا بِهَا الْخَبِيثُ تَرْوِيجًا لِخُبْثِهِ وَإِفْسَادِهِ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ كَوَصْفِهِمْ بِالصَّلَاةِ وَالْقِيَامِ، وَثَانِيهِمَا أَنْ يُرَادَ بِهِ تَحْلِيقُ الْقَوْمِ وَإِجْلَاسُهُمْ حِلَقًا حِلَقًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4933

٣٥٤٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ لِأَنَّهُ يُرْجَمُ وَرَجُلٌ خَرَجَ مُحَارِبًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ أَوْ يَقْتُلُ نَفْسًا فَيُقْتَلُ بِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٥٤٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ) أَيْ إِرَاقَةُ دَمِ شَخْصٍ (مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةٌ مُمَيِّزَةٌ لِمُسْلِمٍ لَا كَاشِفَةٌ يَعْنِي إِظْهَارَهُ الشَّهَادَتَيْنِ كَافٍ فِي حَقْنِ دَمِهِ (إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ) أَيْ خِصَالٍ (زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ لِأَنَّهُ يُرْجَمُ) أَيْ يُقْتَلُ بِرَجْمِ الْحِجَارَةِ (وَرَجُلٌ) أَيْ وَخُرُوجُ رَجُلٍ (خَرَجَ) أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَالَ كَوْنِهِ (لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ) اللَّامُ صِلَةٌ ; لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ عَمَلُهُ ضَعِيفٌ فَيُؤْتَى بِهَا تَأْكِيدًا، وَفِي رِوَايَةِ الْمَصَابِيحِ (مُحَارِبًا بِاللَّهِ) فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْمَفْعُولِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَالْمُرَادُ بِهِ قَاطِعُ الطَّرِيقِ أَوِ الْبَاغِي (فَإِنَّهُ يُقْتَلُ) أَيْ إِنْ قَتَلَ نَفْسًا بِلَا أَخْذِ مَالٍ (أَوْ يُصْلَبُ) أَيْ حَيًّا وَيُطْعَنُ حَيًّا حَتَّى يَمُوتَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: أَنَّهُ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ نَكَالًا لِغَيْرِهِ إِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ (أَوْ يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ) أَيْ يُخْرَجُ مِنَ الْبَلَدِ إِلَى الْبَلَدِ لَا يَزَالُ يُطَالَبُ وَهُوَ هَارِبٌ وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقِيلَ: يُنْفَى مِنْ بَلَدِهِ وَيُحْبَسُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ وَهَذَا مُخْتَارُ ابْنِ جَرِيرٍ وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يُحْبَسُ إِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى الْإِخَافَةِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ أَوْ تُقْطَعَ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ قَبْلَ قَوْلِهِ أَوْ يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ لِيَكُونَ الْحَدِيثُ عَلَى طِبْقِ الْآيَةِ مُسْتَوْعِبًا وَلَعَلَّ حَذْفَهُ وَقَعَ مِنَ الرَّاوِي نِسْيَانًا أَوِ اخْتِصَارًا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَ (أَوْ) فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ لِلتَّفْصِيلِ وَقِيلَ: إِنَّهُ لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ الْأَرْبَعِ فِي كُلِّ قَاطِعٍ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا الْقَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالضَّحَّاكِ (أَوْ يَقْتُلُ نَفْسًا) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ وَ (أَوْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ عَطْفًا عَلَى رَجُلٍ خَرَجَ وَالتَّقْدِيرُ قَتَلَ رَجُلٌ نَفْسًا (فَلْيُقْتَلْ بِهَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4934

٣٥٤٥ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: «حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ لِأَخْذِهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٥٤٥ - (وَعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمِ بْنِ أَبِي لَيْلَى يَسَارٌ الْأَنْصَارِيُّ وُلِدَ لَسِتِّ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَقُتِلَ بِرَخْيَالَ وَقِيلَ غَرِقَ بِنَهْرِ الْبَصْرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ حَدِيثُهُ فِي الْكُوفَةِ جَمَعَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَهُوَ مِنَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ تَابِعِي الْكُوفَةِ، وَقَدْ يُقَالُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى أَيْضًا لِوَلَدِهِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَاضَى الْكُوفَةِ، إِمَامٌ مَشْهُورٌ فِي الْفِقْهِ صَاحِبُ مَذْهَبٍ وَقَالَ: وَإِذَا أَطْلَقَ الْمُحَدِّثُونَ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّمَا يَعْنُونَ أَبَاهُ وَإِذَا أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّمَا يَعْنُونَ مُحَمَّدًا (قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَيْ وَهُمْ كُلُّهُمْ عُدُولٌ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِمْ (أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ) مِنَ السَّيْرِ وَفِي نُسْخَةٍ يَسِيرُونَ مِنَ السَّيْرِ وَهُوَ سَيْرُ اللَّيْلِ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ) أَيْ شَرَعَ وَذَهَبَ (إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ) أَيْ مَعَ الرَّجُلِ أَوْ مَعَ الْمُنْطَلِقِ (فَأَخَذَهُ) أَيْ رَبَطَ الرَّجُلَ أَوْ أَرَادَ أَخْذَهُ (فَفَزِعَ) بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ خَافَ الرَّجُلُ وَارْتَاعَ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ) تَشْدِيدُ الْوَاوِ أَيْ يُخَوِّفَ (مُسْلِمًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا أَحْمَدُ.

стр. 4935

٣٥٤٦ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِجِزْيَتِهَا فَقَدِ اسْتَقَالَ هِجْرَتَهُ وَمَنْ نَزَعَ صَغَارَ كَافِرٍ مِنْ عُنُقِهِ فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ فَقَدْ وَلَّى الْإِسْلَامَ ظَهْرَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٥٤٦ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِجِزْيَتِهَا) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِأَرْضٍ أَيْ مُلْتَبِسَةٍ بِجِزْيَتِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُلْتَزِمًا بِجِزْيَتِهَا يَعْنِي بِخَرَاجِهَا لِأَنَّهُ لَازِمٌ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ لُزُومَ الْجِزْيَةِ لِلذِّمِّيِّ (فَقَدِ اسْتَقَالَ هِجْرَتَهُ) أَيْ نَقَضَ عِزَّتَهُ وَالْمَعْنَى مَنِ اشْتَرَى أَرْضًا خَرَاجِيَّةً لَزِمَهُ الْخَرَاجُ الَّذِي هُوَ جِزْيَةٌ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي أَرْضِهِ فَكَأَنَّهُ خَرَجَ عَنِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَدَارِهِ وَجَعَلَ صَغَارَ الْكُفْرِ فِي عُنُقِهِ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَقَامَ نَفْسَهُ مَقَامَ الذِّمِّيِّ فِي أَدَاءِ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْخَرَاجِ صَارَ كَالْمُسْتَقِيلِ أَيْ طَالِبِ الْإِقَالَةِ لِهِجْرَتِهِ (وَمَنْ نَزَعَ صَغَارَ كَافِرٍ) بِفَتْحِ الصَّادِ أَيْ ذُلَّهُ مِنْ عُنُقِهِ (فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ) بِأَنْ تَكَفَّلَ جِزْيَةَ كَافِرٍ وَتَحَمَّلَ عَنْهُ صَغَارَهُ (فَقَدْ وَلَّى الْإِسْلَامَ ظَهْرَهُ) أَيْ جَعَلَ الْإِسْلَامَ فِي جَانِبِ ظَهْرِهِ وَهَذَا كَالْمُبَيِّنِ لِمَا قَبْلَهُ أَيْ مَنْ تَكَفَّلَ بِجِزْيَةِ كَافِرٍ وَتَحَمَّلَ عَنْهُ ذُلَّهُ فَكَأَنَّهُ بَدَّلَ الْإِسْلَامَ بِالْكُفْرِ لِأَنَّهُ بَدَّلَ عِزَّهُ بِذُلِّهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى الْجِزْيَةِ هُنَا الْخَرَاجُ يَعْنِي الْمُسْلِمُ إِذَا اشْتَرَى أَرْضًا خَرَاجِيَّةً مِنَ الْكُفَّارِ فَإِنَّ الْخَرَاجَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْخَرَاجُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا جِزْيَةٌ وَالْآخَرُ بِمَعْنَى الْكِرَاءِ وَالْأُجْرَةِ فَإِذَا فُتِحَتِ الْأَرْضُ صُلْحًا عَلَى أَنَّ أَرْضَهَا لِأَهْلِهَا فَمَا وُضِعَ عَلَيْهَا مِنْ خَرَاجٍ فَمَجْرَاهُ الْجِزْيَةُ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ رُءُوسِهِمْ، فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ سَقَطَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَرَاجِ، كَمَا يَسْقُطُ مَا عَلَى رَقَبَتِهِ مِنَ الْجِزْيَةِ، وَلَزِمَهُ الْعُشْرُ فِيمَا أَخْرَجَتْ أَرْضُهُ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أُرِيدَ بِالْجِزْيَةِ فِي الْحَدِيثِ الْخَرَاجُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي تُرِكَتْ فِي يَدِ الذِّمِّيِّ فَيَأْخُذُ الْمُسْلِمُ عَنْهُ مُتَكَفِّلًا بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَتَسْمِيَتُهُ بِالْجِزْيَةِ لِأَنَّهُ يُجْرَى فِي الْمَوْضُوعِ عَلَى الْأَرَاضِي الْمَتْرُوكَةِ فِي أَيْدِي أَهْلِ الذِّمَّةِ مَجْرَاهَا فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْ رُءُوسِهِمْ، وَإِنَّمَا قَالَ فَقَدِ اسْتَقَالَ هِجْرَتُهُ ; لِأَنَّ الْمُهَاجِرَ لَهُ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ وَالْقَدَحُ الْمُعَلَّى فِي مَالِ الْفَيْءِ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَقَامَ نَفْسَهُ مَقَامَ الذِّمِّيِّ فِي أَدَاءِ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْخَرَاجِ فَقَدْ أَحَلَّ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ مَحَلَّ مَنْ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَهُ فَصَارَ كَالْمُسْتَقِيلِ عَنْ هِجْرَتِهِ بِبَخْسِ حَقِّ نَفْسِهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَمَنْ تَكَفَّلَ جِزْيَةَ كَافِرٍ وَتَحَمَّلَ صَغَارَهُ فَكَأَنَّهُ وَلَّى الْإِسْلَامَ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ بَدَّلَ إِعْزَازَ الدِّينِ بِالْتِزَامِ ذُلِّ الْكُفْرِ وَتَحَمَّلَ صَغَارَهُ وَلِلْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ ضَمَانِ الْمُسْلِمِ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالْجِزْيَةِ خِلَافٌ وَلِمَنْ مَنَعَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ تُعُورِفَ وَاشْتُهِرَ أَنَّ ضَرْبَ الْجِزْيَةِ كِنَايَةٌ عَنِ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ فَمَا بَالُ الْهِجْرَةِ كُنِّيَ بِهَا عَنِ الْعِزَّةِ قُلْتُ: لِأَنَّهَا مَبْدَأُ عِزَّةِ الْإِسْلَامِ وَمَنْشَأُ رِفْعَتِهِ حَيْثُ نَصَرَ اللَّهُ صَاحِبَهَا بِالْأَنْصَارِ وَأَعَزَّ الدِّينَ بِهِمْ وَفَلَّ شَوْكَةَ الْمُشْرِكِينَ وَقَطَعَ شَأْنَهُمْ وَاسْتَأْصَلَهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4936

٣٥٤٧ - وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمَ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ: أَنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٥٤٧ - (وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَعَثَ) أَيْ أَرْسَلَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً) : وَهِيَ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ يَبْلُغُ أَقْصَاهَا أَرْبَعَمِائَةٍ (إِلَى خَثْعَمَ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ وَفِي الْقَامُوسِ: خَثْعَمٌ كَجَعْفَرٍ جَبَلٌ (فَاعْتَصَمَ) أَيْ تَمَسَّكَ وَشَرَعَ (نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ) أَيْ بِالصَّلَاةِ وَكَانُوا مُسْلِمِينَ وَلَمَّا رَأَوُا الْجَيْشَ أَسْرَعُوا بِالسُّجُودِ (فَأُسْرِعَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فِيهِمُ الْقَتْلُ) أَيْ قَتَلَهُمُ الْجَيْشُ وَلَمْ يُبَالُوا بِسُجُودِهِمْ ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يَسْتَعِيذُونَ مِنَ الْقَتْلِ بِالسُّجُودِ (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أَيْ خَبَرُ قَتْلِهِمْ (النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا لَمْ يُكْمِلْ لَهُمُ الدِّيَةَ بَعْدَ عِلْمِهِ ﵊ بِإِسْلَامِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ أَعَانُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمُقَامِهِمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْكُفَّارِ وَكَانُوا كَمَنْ هَلَكَ بِجِنَايَةِ نَفْسِهِ وَجِنَايَةِ غَيْرِهِ فَتَسْقُطُ حِصَّةُ جِنَايَتِهِ مِنَ الدِّيَةِ.

стр. 4937

(وَقَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ بَيْنَهُمْ (وَأَظْهُرِ) مُقْحَمٌ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْبَرَاءَةَ مِنْ دَمِهِ وَأَنْ يَكُونَ الْبَرَاءَةَ مِنْ مُوَالَاتِهِ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لِمَ) بِحَذْفِ أَلِفِ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ، أَيْ لَا شَيْءَ تَكُونُ بَرِيئًا أَوْ أَمَرْتَ بِنِصْفِ الْعَقْلِ (قَالَ لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا) اسْتِئْنَافٌ فِيهِ تَعْلِيلٌ، وَإِسْنَادُ التَّرَائِي مَجَازٌ وَالنَّفْيُ مَعْنَاهُ النَّهْيُ أَيْ يَتَبَاعَدُ مَنْزِلَاهُمَا حَتَّى لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ عِلَّةٌ لِبَرَاءَتِهِ ﷺ ، يَعْنِي لَا يَصِحُّ وَلَا يَسْتَقِيمُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُسَاكِنَ الْكَافِرَ وَيَقْرُبَ مِنْهُ وَلَكِنْ يَبْعُدُ بِحَيْثُ لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْبُعْدِ الْبَعِيدِ وَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا أَوَّلُهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَيْ لَا يَنْزِلُ الْمُسْلِمُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يَرَى نَارَهُ الْمُشْرِكُ إِذَا أَوْقَدَ وَلَكِنْ يَنْزِلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِهِمْ ; لِأَنَّ الْمُشْرِكَ لَا عَهْدَ لَهُ وَلَا أَمَانَ وَثَانِيهُمَا قَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: أَيْ لَا يَتَّسِمُ الْمُسْلِمُ بِسِمَةِ الْمُشْرِكِ وَلَا يَتَشَبَّهُ بِهِ فِي هَدْيِهِ وَشَكْلِهِ وَلَا يَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِهِ مِنْ قَوْلِكَ: مَا نَارُ نِعَمِكَ؟ أَيْ: مَا سَمْتُهَا؟ وَثَالِثُهَا قَالَ أَبُو حَمْزَةَ: أَيْ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْآخِرَةِ لِبُعْدِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ. وَرَابِعُهَا قَالَ الْفَائِقُ: مَعْنَاهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَبَاعَدَ مَنْزِلَاهُمَا بِحَيْثُ إِذَا أُوقِدَتْ فِيهِمَا نَارَانِ لَمْ تَلُحْ إِحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى وَإِسْنَادُ التَّرَائِي إِلَى النَّارِ كَقَوْلِهِمْ دُورُ بَنِي فُلَانٍ مُتَنَاظِرَةٌ، وَالتَّرَائِي تَفَاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ يُقَالُ تَرَاءَى الْقَوْمُ إِذَا رَأَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا قُلْتُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء: ٦١] وَ ﴿تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ [الأنفال: ٤٨] وَخَامِسُهَا قَالَ الْقَاضِي: أَيْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْكُنَ مُسْلِمٌ حَيْثُ سَكَنَ كَافِرٌ وَلَا يَدْنُو مِنْهُ بِحَيْثُ تَتَقَابَلُ نَارَاهُمَا وَتَقْرُبُ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى حَتَّى يَرَى كُلٌّ مِنْهُمَا نَارَ الْآخَرِ فَنَزَّلَ رُؤْيَةَ الْمَوْقِدِ مَنْزِلَةَ رُؤْيَتِهَا إِنْ كَانَ لَهَا وَهُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَسَادِسُهَا قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَرَادَ نَارَ الْحَرْبِ أَيْ مَا عَلَى طَرَفَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ يُحَارِبُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مَعَ الشَّيْطَانِ وَحِزْبِهِ وَيَدْعُو إِلَى اللَّهِ بِحِزْبِهِ وَالْكَافِرُ يُحَارِبُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَدْعُو إِلَى الشَّيْطَانِ فَكَيْفَ يَتَّفِقَانِ وَيَصْلُحُ أَنْ يَجْتَمِعَا قَالَ الْخَطِيبُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِنْ كَانَ أَسِيرًا فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ وَأَمْكَنَهُ الْخَلَاصُ وَالِانْفِلَاتُ مِنْهُمْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْمَقَامُ مَعَهُمْ وَإِنْ حَلَّفُوهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ كَانَ الْوَاجِبَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَّا أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْيَمِينِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ قُلْتُ وَعِنْدَنَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4938

٣٥٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: أَنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٥٤٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْإِيمَانُ قَيَّدَ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ مَنَعَ (الْفَتْكَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ عَلَى غَفْلَةٍ فَيَقْتُلَهُ أَيِ الْإِيمَانُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ عَنْ قَتْلِ أَحَدٍ بَغْتَةً حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ إِيمَانِهِ كَمَا يَمْنَعُ الْقَيْدُ الْمُقَيَّدَ عَنِ التَّصَرُّفِ فَهُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ فَإِنَّ الْقَيْدَ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ عَنِ التَّصَرُّفِ وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ إِنَّ الْإِيمَانَ يَمْنَعُ عَنِ الْفَتْكِ كَمَا يَمْنَعُ الْقَيْدُ عَنِ التَّصَرُّفِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْفَتْكَ مُقَيَّدًا (لَا يَفْتِكُ) بِكَسْرِ التَّاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا فَفِي الْقَامُوسِ: الْفَتْكُ مُثَلَّثَةٌ رُكُوبُ مَا هَمَّ مِنَ الْأُمُورِ وَدَعَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ فَتَكَ يَفْتِكُ وَيَفْتُكُ فَهُوَ فَاتِكٌ جَرِيءٌ شُجَاعٌ وَقَوْلُهُ (مُؤْمِنٌ) أَيْ كَامِلُ الْإِيمَانِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ إِذَا مَرُّوا بِكَافِرٍ غَافِلٍ نَبَّهُوهُ فَإِنْ أَبَى بَعْدَ الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ قَتَلُوهُ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ خَيْرٌ مَعْنَاهُ النَّهْيُ أَيْ لَا يَفْعَلْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَيَجُوزُ فِيهِ الْجَزْمُ عَلَى النَّهْيِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ فَيَرْوِيَهُ كَذَلِكَ وَلَيْسَ بِقَوِيمِ رِوَايَةٍ وَمَعْنَى فَإِنْ قِيلَ قَدْ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ الْخَزْرَجِيَّ فِي نَفَرٍ إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَقَتَلُوهُ وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ الْأَوْسِيَّ فِي نَفَرٍ إِلَى رَافِعٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيَّ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ خَالِدٍ فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ تِلْكَ الْقَضَايَا الَّتِي أَمَرَ بِهَا قُلْنَا يُحْتَمَلُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْفَتْكِ كَانَ بَعْدَهَا وَهُوَ

стр. 4939

الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّ أُولَاهَا كَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالثَّانِيَةَ فِي الرَّابِعَةِ وَالثَّالِثَةَ بَعْدَ الْخَنْدَقِ فِي الْخَامِسَةِ وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ عَامَ خَيْبَرَ فِي السَّابِعَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِصِّيصِيٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا أُيِّدَ بِهِ مِنَ الْعِصْمَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تِلْكَ الْقَضَايَا كَانَتْ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْمَقْتُولِينَ مِنَ الْغَدْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّعَرُّضِ لَهُ بِمَا لَا يَجُوزُ ذِكْرُهُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْأَذِيَّةِ وَالتَّحْرِيشِ عَلَيْهِ قَالَ الطِّيبِيُّ وَاخْتَارَ الْقَاضِي هَذَا الْوَجْهَ وَلَخَّصَهُ وَقَالَ: الْمَعْنَى أَنَّ الْإِيمَانَ مَنَعَ ذَلِكَ وَحَرَّمَهُ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَفْعَلَهُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ نَذِيرٍ وَاسْتِتَابَةٍ إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ قَتْلَهُ بَلِ الِاسْتِكْمَالُ وَالْحَمْلُ عَلَى الْإِسْلَامِ عَلَى مَا يُمْكِنُ هَذَا إِذَا لَمْ يَدْعُ إِلَيْهِ دَاعٍ دِينِيٌّ فَإِنْ كَانَ كَمَا إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى كُفْرِهِ حَرِيصٌ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ مُنْتَهِزٌ لِلْفُرْصَةِ مِنْهُمْ وَإِنَّ دَفْعَهُ لَا يَتَيَسَّرُ إِلَّا بِهَذَا فَلَا حَرَجَ فِيهِ قَالَ الطِّيبِيُّ الظَّاهِرُ يَقْتَضِي أَنْ تُذْكَرَ الْجُمْلَةُ الْأُولَى بَعْدَ الْأُخْرَى فَإِنَّ التَّعْلِيلِيَّ مُؤَخَّرٌ عَنِ الْمُعَلَّلِ لَكِنْ قُدِّمَتِ اعْتِبَارًا لِلرُّتْبَةِ وَبَيَانًا لِشَرَفِ الْإِيمَانِ وَإِنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ وَخَصَائِصِ أَهْلِهِ النَّصِيحَةَ لِكُلِّ أَحَدٍ حَتَّى الْكُفَّارِ كَمَا وَرَدَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ فَعَلَى مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الْإِيمَانِ أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا وَيَجْتَنِبَ عَنْ صِفَةِ الْعُتَاةِ وَالْمَرَدَةِ مِنَ الْفَتْكِ " فَإِذَا الْكَلَامُ جَارٍ أَصَالَةً عَلَى الْإِيمَانِ وَذِكْرُ الْمُؤْمِنِ تَابِعٌ لَهُ فَلَوْ أُخِّرَ كَانَ بِالْعَكْسِ فَعَلَى هَذَا لَا يُفْتَقَرُ فِي الْحَدِيثِ إِلَى الْتِزَامِ النَّسْخِ وَالتَّكَلُّفِ فِيهِ. اه. وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالْحَاكِمُ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ الزُّبَيْرِ وَعَنْ مُعَاوِيَةَ.

стр. 4940

٣٥٤٩ - وَعَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَى وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إِلَى الشِّرْكِ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٥٤٩ - (وَعَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَفِي الْمِصْبَاحِ أَبِقَ كَفَرِحَ وَضَرَبَ وَنَصَرَ فَمَاضِيهِ مُثَنًّى وَمُضَارِعُهُ مُثَلَّثٌ وَالْمَعْنَى إِذَا هَرَبَ مَمْلُوكٌ (إِلَى الشِّرْكِ) أَيْ دَارِ الْحَرْبِ (فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ) أَيْ لَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ وَإِنِ ارْتَدَّ مَعَ ذَلِكَ كَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَرْتَدَّ عَنْ دِينِهِ فَقَدْ فَعَلَ مَا يُهْدَرُ بِهِ دَمُهُ مِنْ جِوَارِ الْمُشْرِكِينَ وَتَرْكِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَتَرَاءَى نَارَاهُمَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
следующие страницы →