Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
٣٥٤٧ - وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمَ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ: أَنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٥٤٧ - (وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَعَثَ) أَيْ أَرْسَلَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً) : وَهِيَ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ يَبْلُغُ أَقْصَاهَا أَرْبَعَمِائَةٍ (إِلَى خَثْعَمَ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ وَفِي الْقَامُوسِ: خَثْعَمٌ كَجَعْفَرٍ جَبَلٌ (فَاعْتَصَمَ) أَيْ تَمَسَّكَ وَشَرَعَ (نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ) أَيْ بِالصَّلَاةِ وَكَانُوا مُسْلِمِينَ وَلَمَّا رَأَوُا الْجَيْشَ أَسْرَعُوا بِالسُّجُودِ (فَأُسْرِعَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فِيهِمُ الْقَتْلُ) أَيْ قَتَلَهُمُ الْجَيْشُ وَلَمْ يُبَالُوا بِسُجُودِهِمْ ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يَسْتَعِيذُونَ مِنَ الْقَتْلِ بِالسُّجُودِ (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أَيْ خَبَرُ قَتْلِهِمْ (النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا لَمْ يُكْمِلْ لَهُمُ الدِّيَةَ بَعْدَ عِلْمِهِ ﵊ بِإِسْلَامِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ أَعَانُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمُقَامِهِمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْكُفَّارِ وَكَانُوا كَمَنْ هَلَكَ بِجِنَايَةِ نَفْسِهِ وَجِنَايَةِ غَيْرِهِ فَتَسْقُطُ حِصَّةُ جِنَايَتِهِ مِنَ الدِّيَةِ.
стр. 4937
(وَقَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ بَيْنَهُمْ (وَأَظْهُرِ) مُقْحَمٌ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْبَرَاءَةَ مِنْ دَمِهِ وَأَنْ يَكُونَ الْبَرَاءَةَ مِنْ مُوَالَاتِهِ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لِمَ) بِحَذْفِ أَلِفِ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ، أَيْ لَا شَيْءَ تَكُونُ بَرِيئًا أَوْ أَمَرْتَ بِنِصْفِ الْعَقْلِ (قَالَ لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا) اسْتِئْنَافٌ فِيهِ تَعْلِيلٌ، وَإِسْنَادُ التَّرَائِي مَجَازٌ وَالنَّفْيُ مَعْنَاهُ النَّهْيُ أَيْ يَتَبَاعَدُ مَنْزِلَاهُمَا حَتَّى لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ عِلَّةٌ لِبَرَاءَتِهِ ﷺ ، يَعْنِي لَا يَصِحُّ وَلَا يَسْتَقِيمُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُسَاكِنَ الْكَافِرَ وَيَقْرُبَ مِنْهُ وَلَكِنْ يَبْعُدُ بِحَيْثُ لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْبُعْدِ الْبَعِيدِ وَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا أَوَّلُهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَيْ لَا يَنْزِلُ الْمُسْلِمُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يَرَى نَارَهُ الْمُشْرِكُ إِذَا أَوْقَدَ وَلَكِنْ يَنْزِلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِهِمْ ; لِأَنَّ الْمُشْرِكَ لَا عَهْدَ لَهُ وَلَا أَمَانَ وَثَانِيهُمَا قَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: أَيْ لَا يَتَّسِمُ الْمُسْلِمُ بِسِمَةِ الْمُشْرِكِ وَلَا يَتَشَبَّهُ بِهِ فِي هَدْيِهِ وَشَكْلِهِ وَلَا يَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِهِ مِنْ قَوْلِكَ: مَا نَارُ نِعَمِكَ؟ أَيْ: مَا سَمْتُهَا؟ وَثَالِثُهَا قَالَ أَبُو حَمْزَةَ: أَيْ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْآخِرَةِ لِبُعْدِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ. وَرَابِعُهَا قَالَ الْفَائِقُ: مَعْنَاهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَبَاعَدَ مَنْزِلَاهُمَا بِحَيْثُ إِذَا أُوقِدَتْ فِيهِمَا نَارَانِ لَمْ تَلُحْ إِحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى وَإِسْنَادُ التَّرَائِي إِلَى النَّارِ كَقَوْلِهِمْ دُورُ بَنِي فُلَانٍ مُتَنَاظِرَةٌ، وَالتَّرَائِي تَفَاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ يُقَالُ تَرَاءَى الْقَوْمُ إِذَا رَأَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا قُلْتُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء: ٦١] وَ ﴿تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ [الأنفال: ٤٨] وَخَامِسُهَا قَالَ الْقَاضِي: أَيْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْكُنَ مُسْلِمٌ حَيْثُ سَكَنَ كَافِرٌ وَلَا يَدْنُو مِنْهُ بِحَيْثُ تَتَقَابَلُ نَارَاهُمَا وَتَقْرُبُ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى حَتَّى يَرَى كُلٌّ مِنْهُمَا نَارَ الْآخَرِ فَنَزَّلَ رُؤْيَةَ الْمَوْقِدِ مَنْزِلَةَ رُؤْيَتِهَا إِنْ كَانَ لَهَا وَهُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَسَادِسُهَا قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَرَادَ نَارَ الْحَرْبِ أَيْ مَا عَلَى طَرَفَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ يُحَارِبُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مَعَ الشَّيْطَانِ وَحِزْبِهِ وَيَدْعُو إِلَى اللَّهِ بِحِزْبِهِ وَالْكَافِرُ يُحَارِبُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَدْعُو إِلَى الشَّيْطَانِ فَكَيْفَ يَتَّفِقَانِ وَيَصْلُحُ أَنْ يَجْتَمِعَا قَالَ الْخَطِيبُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِنْ كَانَ أَسِيرًا فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ وَأَمْكَنَهُ الْخَلَاصُ وَالِانْفِلَاتُ مِنْهُمْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْمَقَامُ مَعَهُمْ وَإِنْ حَلَّفُوهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ كَانَ الْوَاجِبَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَّا أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْيَمِينِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ قُلْتُ وَعِنْدَنَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 4938
٣٥٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: أَنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٥٤٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْإِيمَانُ قَيَّدَ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ مَنَعَ (الْفَتْكَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ عَلَى غَفْلَةٍ فَيَقْتُلَهُ أَيِ الْإِيمَانُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ عَنْ قَتْلِ أَحَدٍ بَغْتَةً حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ إِيمَانِهِ كَمَا يَمْنَعُ الْقَيْدُ الْمُقَيَّدَ عَنِ التَّصَرُّفِ فَهُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ فَإِنَّ الْقَيْدَ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ عَنِ التَّصَرُّفِ وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ إِنَّ الْإِيمَانَ يَمْنَعُ عَنِ الْفَتْكِ كَمَا يَمْنَعُ الْقَيْدُ عَنِ التَّصَرُّفِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْفَتْكَ مُقَيَّدًا (لَا يَفْتِكُ) بِكَسْرِ التَّاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا فَفِي الْقَامُوسِ: الْفَتْكُ مُثَلَّثَةٌ رُكُوبُ مَا هَمَّ مِنَ الْأُمُورِ وَدَعَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ فَتَكَ يَفْتِكُ وَيَفْتُكُ فَهُوَ فَاتِكٌ جَرِيءٌ شُجَاعٌ وَقَوْلُهُ (مُؤْمِنٌ) أَيْ كَامِلُ الْإِيمَانِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ إِذَا مَرُّوا بِكَافِرٍ غَافِلٍ نَبَّهُوهُ فَإِنْ أَبَى بَعْدَ الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ قَتَلُوهُ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ خَيْرٌ مَعْنَاهُ النَّهْيُ أَيْ لَا يَفْعَلْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَيَجُوزُ فِيهِ الْجَزْمُ عَلَى النَّهْيِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ فَيَرْوِيَهُ كَذَلِكَ وَلَيْسَ بِقَوِيمِ رِوَايَةٍ وَمَعْنَى فَإِنْ قِيلَ قَدْ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ الْخَزْرَجِيَّ فِي نَفَرٍ إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَقَتَلُوهُ وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ الْأَوْسِيَّ فِي نَفَرٍ إِلَى رَافِعٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيَّ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ خَالِدٍ فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ تِلْكَ الْقَضَايَا الَّتِي أَمَرَ بِهَا قُلْنَا يُحْتَمَلُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْفَتْكِ كَانَ بَعْدَهَا وَهُوَ
стр. 4939
الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّ أُولَاهَا كَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالثَّانِيَةَ فِي الرَّابِعَةِ وَالثَّالِثَةَ بَعْدَ الْخَنْدَقِ فِي الْخَامِسَةِ وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ عَامَ خَيْبَرَ فِي السَّابِعَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِصِّيصِيٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا أُيِّدَ بِهِ مِنَ الْعِصْمَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تِلْكَ الْقَضَايَا كَانَتْ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْمَقْتُولِينَ مِنَ الْغَدْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّعَرُّضِ لَهُ بِمَا لَا يَجُوزُ ذِكْرُهُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْأَذِيَّةِ وَالتَّحْرِيشِ عَلَيْهِ قَالَ الطِّيبِيُّ وَاخْتَارَ الْقَاضِي هَذَا الْوَجْهَ وَلَخَّصَهُ وَقَالَ: الْمَعْنَى أَنَّ الْإِيمَانَ مَنَعَ ذَلِكَ وَحَرَّمَهُ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَفْعَلَهُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ نَذِيرٍ وَاسْتِتَابَةٍ إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ قَتْلَهُ بَلِ الِاسْتِكْمَالُ وَالْحَمْلُ عَلَى الْإِسْلَامِ عَلَى مَا يُمْكِنُ هَذَا إِذَا لَمْ يَدْعُ إِلَيْهِ دَاعٍ دِينِيٌّ فَإِنْ كَانَ كَمَا إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى كُفْرِهِ حَرِيصٌ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ مُنْتَهِزٌ لِلْفُرْصَةِ مِنْهُمْ وَإِنَّ دَفْعَهُ لَا يَتَيَسَّرُ إِلَّا بِهَذَا فَلَا حَرَجَ فِيهِ قَالَ الطِّيبِيُّ الظَّاهِرُ يَقْتَضِي أَنْ تُذْكَرَ الْجُمْلَةُ الْأُولَى بَعْدَ الْأُخْرَى فَإِنَّ التَّعْلِيلِيَّ مُؤَخَّرٌ عَنِ الْمُعَلَّلِ لَكِنْ قُدِّمَتِ اعْتِبَارًا لِلرُّتْبَةِ وَبَيَانًا لِشَرَفِ الْإِيمَانِ وَإِنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ وَخَصَائِصِ أَهْلِهِ النَّصِيحَةَ لِكُلِّ أَحَدٍ حَتَّى الْكُفَّارِ كَمَا وَرَدَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ فَعَلَى مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الْإِيمَانِ أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا وَيَجْتَنِبَ عَنْ صِفَةِ الْعُتَاةِ وَالْمَرَدَةِ مِنَ الْفَتْكِ " فَإِذَا الْكَلَامُ جَارٍ أَصَالَةً عَلَى الْإِيمَانِ وَذِكْرُ الْمُؤْمِنِ تَابِعٌ لَهُ فَلَوْ أُخِّرَ كَانَ بِالْعَكْسِ فَعَلَى هَذَا لَا يُفْتَقَرُ فِي الْحَدِيثِ إِلَى الْتِزَامِ النَّسْخِ وَالتَّكَلُّفِ فِيهِ. اه. وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالْحَاكِمُ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ الزُّبَيْرِ وَعَنْ مُعَاوِيَةَ.
стр. 4940
٣٥٤٩ - وَعَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَى وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إِلَى الشِّرْكِ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٥٤٩ - (وَعَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَفِي الْمِصْبَاحِ أَبِقَ كَفَرِحَ وَضَرَبَ وَنَصَرَ فَمَاضِيهِ مُثَنًّى وَمُضَارِعُهُ مُثَلَّثٌ وَالْمَعْنَى إِذَا هَرَبَ مَمْلُوكٌ (إِلَى الشِّرْكِ) أَيْ دَارِ الْحَرْبِ (فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ) أَيْ لَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ وَإِنِ ارْتَدَّ مَعَ ذَلِكَ كَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَرْتَدَّ عَنْ دِينِهِ فَقَدْ فَعَلَ مَا يُهْدَرُ بِهِ دَمُهُ مِنْ جِوَارِ الْمُشْرِكِينَ وَتَرْكِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَتَرَاءَى نَارَاهُمَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 4941
٣٥٥٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتِمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٥٥٠ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتِمُ) بِكَسْرِ التَّاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا وَهُمَا لُغَتَانِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ أَيْ تَسُبُّ (النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ) عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ وَعَدَّاهُ بِفِي لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الطَّعْنِ فِي النِّهَايَةِ. يُقَالُ: وَقَعْتُ فِيهِ إِذَا عِبْتَهُ وَذَمَمْتَهُ (فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَهَا) قَالَ الْمُظْهِرُ: وَفِيهِ أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا لَمْ يَكُفَّ لِسَانَهُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ فَهُوَ حَرْبِيٌّ مُبَاحُ الدَّمِ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَعِنْدَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ بِهِ كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِزْيَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 4942
٣٥٥١ - وَعَنْ جُنْدَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٣٥٥١ - (وَعَنْ جُنْدَبٍ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» ) بِإِضَافَةِ ضَرْبٍ إِلَى هَذَا الضَّمِيرِ وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَرَّةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: رُوِيَ بِالتَّاءِ وَالْهَاءِ وَالثَّانِي أَوْلَى وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ
стр. 4943
يُقَالُ حَدُّ السَّاحِرِ الْقَتْلُ فَعَدَلَ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ تَصْوِيرًا لَهُ وَأَنْ لَا يُجَاوِزَ مِنْهُ إِلَى أَمْرٍ آخَرَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي قَتْلِهِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ وَرُوِيَ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا فَأَمَرَتْ بِهَا فَقَتَلَتْهَا وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ. قَالَ الرَّاوِي: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْتَلُ إِنْ كَانَ مَا يَسْحَرُ بِهِ كُفْرًا إِنْ لَمْ يَتُبْ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ عَمَلُهُ الْكُفْرَ فَلَا يُقْتَلُ وَتَعْلِيمُ السِّحْرِ لَيْسَ كُفْرًا عِنْدَهُ إِلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ قَلْبَ الْأَعْيَانِ. قَالَ الْقَاضِي: السَّاحِرُ إِذَا لَمْ يُتِمَّ سِحْرَهُ إِلَّا بِدَعْوَةِ كَوْكَبٍ أَوْ شَيْءٍ يُوجِبُ كُفْرًا يَجِبُ قَتْلُهُ لِأَنَّهُ اسْتَعَانَ فِي تَحْصِيلِهِ بِالتَّقَرُّبِ إِلَى الشَّيْطَانِ مِمَّا لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْإِنْسَانُ وَذَلِكَ لَا يَتَسَبَّبُ إِلَّا لِمَنْ يُنَاسِبُهُ فِي الشَّرَارَةِ وَخُبْثِ النَّفْسِ فَإِنَّ التَّنَاسُبَ شَرْطٌ فِي التَّضَامُنِ وَالتَّعَاوُنِ وَكَذَا يُمَيَّزُ السَّاحِرُ عَنِ النَّبِيِّ وَالْوَلِيِّ وَأَمَّا مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَمَا يَفْعَلُهُ أَصْحَابُ الْحِيَلِ بِمَعُونَةِ الْآلَاتِ وَالْأَدْوِيَةِ أَوْ يُرِيهِ صَاحِبُ خِفَّةِ الْيَدِ فَغَيْرُ حَرَامٍ وَتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا عَلَى التَّجَوُّزِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدِّقَّةِ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ لِمَا خَفِيَ سَبَبُهُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَحْرُمُ فِعْلُ السِّحْرِ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا تَعْلِيمُهُ وَتَعَلُّمُهُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُمَا حَرَامَانِ وَالثَّانِي مَكْرُوهَانِ وَالثَّالِثُ مُبَاحَانِ وَقَالَ أَيْضًا اعْلَمْ أَنَّ التَّكَهُّنَ وَإِتْيَانَ الْكِهَانَةِ وَالتَّنْجِيمَ وَالضَّرْبَ بِالرَّمْلِ وَالشَّعِيرِ وَبِالْحَصَى وَتَعْلِيمَهَا حَرَامٌ وَأَخْذَ الْعِوَضِ عَلَيْهَا حَرَامٌ بِالنَّصِّ الصَّحِيحِ فِي حُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَاعْلَمْ أَنَّ وَرَاءَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ عُلُومًا مِنْهَا مُحَرَّمٌ وَمَكْرُوهٌ وَمُبَاحٌ فَالْمُحَرَّمُ كَالْفَلْسَفَةِ وَالشَّعْبَذَةِ وَالرَّمْلِ وَعُلُومِ الطَّبِيعِيِّينَ وَكَذَا السِّحْرُ عَلَى الصَّحِيحِ وَتَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُ تَحْرِيمِهِ، وَالْمُكْرُوهُ كَأَشْعَارِ الْمُوَلِّدِينَ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْغَزَلِ وَالْبِطَالَةِ، وَالْمُبَاحُ كَأَشْعَارِهِمُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا سُخْفٌ وَلَا مَا يُنَشِّطُ إِلَى الشَّرِّ وَيُثَبِّطُ مِنَ الْخَيْرِ. فِي تَفْسِيرِ الْمَدَارِكِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ: الْقَوْلُ بِأَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ خَطَأٌ بَلْ يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ حَقِيقَتِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ رَدَّ مَا لَزِمَ فِي شَرْطِ الْإِيمَانِ فَهُوَ كُفْرٌ وَإِلَّا فَلَا، ثُمَّ السِّحْرُ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ يُقْتَلُ عَلَيْهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَمَا لَيْسَ بِكُفْرٍ وَفِيهِ إِهْلَاكُ النَّفْسِ فَفِيهِ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَيَسْتَوِي فِيهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إِذَا تَابَ وَمَنْ قَالَ لَا تُقْبَلُ فَقَدْ غَلَطَ فَإِنَّ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُمْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
стр. 4944
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٥٥٢ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ يُفَرِّقُ بَيْنَ أُمَّتِي فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٥٥٢ - (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ) أَيِ الذُّبْيَانِيِّ الثَّعْلَبِيِّ رَوَى عَنْهُ زِيَادُ بْنُ عَلَاقَةَ وَغَيْرُهُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ) أَيْ عَلَى الْإِمَامِ (يُفَرِّقُ بَيْنَ أُمَّتِي) حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ أَيْ جَعَلَ يُفَرِّقُ أَوْ هُوَ مُطَاوِعُ خَرَّجْتُهُ فَخَرَجَ أَيْ مَهِرٌ فِي صِيغَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَى هَذَا يُفَرِّقُ حَالٌ (فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ) أَيْ فَاقْتُلُوهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ الْأَمْرُ بِقِتَالِ مَنْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ إِذَا أَرَادَ تَفْرِيقَ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْهَى أَوَّلًا وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ قُوتِلَ فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ شَرُّهُ إِلَّا بِقَتْلِهِ كَانَ هَدْرًا (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
стр. 4945
٣٥٥٣ - «وَعَنْ شَرِيكِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أَلْقَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَسْأَلُهُ عَنِ الْخَوَارِجِ فَلَقِيْتُ أَبَا بَرْزَةَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ قَالَ: نَعَمٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأُذُنَيَّ وَرَأَيْتُهُ بِعَيْنَيَّ، أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَالٍ فَقَسَمَهُ فَأَعْطَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَمَنْ عَنْ شِمَالِهِ وَلَمْ يُعْطِ مَنْ وَرَاءَهُ شَيْئًا، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ وَرَائِهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا عَدَلْتَ فِي الْقِسْمَةِ، رَجُلٌ أَسْوَدُ مَطْمُومُ الشَّعْرِ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَبْيَضَانِ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تَجِدُونَ بَعْدِي رَجُلًا هُوَ أَعْدَلُ مِنِّي. ثُمَّ قَالَ: يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ كَانَ هَذَا مِنْهُمْ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ لَا يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
٣٥٥٣ - (وَعَنْ شَرِيكِ بْنِ شِهَابٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الْحَارِثِيُّ الْبَصْرِيُّ يُعَدُّ فِي التَّابِعِينَ رَوَى عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَعَنْهُ الْأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ وَلَيْسَ بِذَلِكَ مَشْهُورًا (قَالَ كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أَلْقَى أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 4946
(أَسْأَلُهُ عَنِ الْخَوَارِجِ) إِمَّا صِفَةُ أَحَدًا أَوْ حَالٌ مِنْهُ لِوَصْفِهِ (فَلَقِيتُ أَبَا بَرْزَةَ ﵁ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِالزَّايِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهُوَ نَضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَسْلَمِيُّ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَطَلٍ وَلَمْ يَزَلْ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قُبِضَ فَتَحَوَّلَ وَنَزَلَ الْبَصْرَةَ ثُمَّ غَزَا خُرَاسَانَ وَمَاتَ بِمَرْوَ سَنَةَ سِتِّينَ (فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي نَفَرٍ) أَيْ كَائِنًا فِي جَمَاعَةٍ (مِنْ أَصْحَابِهِ) أَيْ مِنَ التَّابِعِينَ (فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مُزَالٌ عَنْ كَوْنِهِ مُضَافًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَقْدِيرُهُ سَمِعْتُ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَوَارِجَ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ ثُمَّ جِيءَ بَعْدَهُ بِيَذْكُرُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ دَلَالَةً عَلَى الْمَحْذُوفِ (قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأُذُنَيَّ) بِضَمِّ الذَّالِ وَيُسَكَّنُ وَبِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ عَلَى التَّثْنِيَةِ لِإِفَادَةِ التَّأْكِيدِ وَبِتَخْفِيفِهَا عَلَى الْإِفْرَادِ لِإِرَادَةِ الْجِنْسِ وَكَذَا قَوْلُهُ (وَرَأَيْتُهُ بِعَيْنَيَّ) وَلَا يَخْفَى مَا فِي قَوْلِهِ بِأُذُنَيَّ وَبِعَيْنَيَّ مِنَ التَّأْكِيدِ إِذِ السَّمَاعُ وَالرُّؤْيَةُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأُذُنٍ وَعَيْنٍ فَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ (أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَالٍ) إِلَخْ حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ رَأَيْتُهُ أَيْ رَأَيْتُهُ حَالَ كَوْنِهِ مَأْتِيًّا بِمَالٍ وَكُلُّ مَنْ ذَكَرَ قَوْلَهُ بِأُذُنَيَّ وَبِعَيْنَيَّ وَتَكْرِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيذَانٌ بِتَحْقِيقِ الْأَمْرِ وَتَثْبِيتِهِ فِي الرِّوَايَةِ وَإِنَّهُ مِمَّا لَا يُسْتَرَابُ فِيهِ (فَقَسَمَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمَالَ (فَأَعْطَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَمَنْ عَنْ شِمَالِهِ وَلَمْ يُعْطِ مَنْ وَرَاءَهُ شَيْئًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَلَعَلَّ عَدَمُ إِعْطَائِهِمْ لِيَظْهَرَ مَا ظَهَرَ مِنْهُمْ (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ وَرَائِهِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا عَدَلْتَ فِي الْقِسْمَةِ رَجُلٌ أَسْوَدُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَارِدٌ عَلَى الذَّمِّ وَالشَّتْمِ ; لِأَنَّ دَمَامَةَ الصُّورَةِ تَدُلُّ عَلَى خَبَاثَةِ السَّرِيرَةِ (مَطْمُومُ الشَّعْرِ) فِي النِّهَايَةِ: يُقَالُ طَمَّ شَعْرَهُ وَجَزَّهُ اسْتَأْصَلَهُ اه وَكَأَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى تَجَرُّدِهِ لِلْفَسَادِ وَلَيْسَ فِيهِ شَعْرٌ مِنَ الشُّعُورِ وَالْأَدَبِ فِي الْحُضُورِ (عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَبْيَضَانِ) إِيمَاءٌ إِلَى نِفَاقِهِ مِنْ نَظَافَةِ ظَاهِرِهِ وَكَثَافَةِ بَاطِنِهِ وَبَيَاضِ كُسْوَتِهِ وَسَوَادِ جُثَّتِهِ (فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضَبًا شَدِيدًا) أَيْ ثُمَّ حَلُمَ حِلْمًا عَظِيمًا (وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تَجِدُونَ بَعْدِي) أَيْ غَيْرِي وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مُتَجَاوِزًا عَنِّي (رَجُلًا هُوَ عَدْلٌ مِنِّي) أَيْ عَادِلٌ مِثْلِي (ثُمَّ قَالَ: يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ كَانَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ (هَذَا) أَيْ هَذَا الرَّجُلُ (مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ وَأَئِمَّتِهِمْ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مِنْ شِيعَتِهِمْ وَمُقْتَفِي سِيرَتِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِسُوءِ حَالِهِمْ وَفِعَالِهِمْ وَمَآلِهِمْ (لَا يُجَاوِزُ) أَيْ قُرْآنُهُمْ أَوْ قِرَاءَتُهُمْ (تَرَاقِيَهُمْ) أَيْ حُلُوقَهُمْ (يَمْرُقُونَ) أَيْ يَخْرُجُونَ (مِنَ الْإِسْلَامِ) أَيْ مِنَ الِانْقِيَادِ التَّامِّ بِخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ (كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) أَيِ الصَّيْدِ.
стр. 4947
(سِيمَاهُمْ) أَيْ عَلَامَتُهُمْ (التَّحْلِيقُ) أَيْ عَلَامَتُهُمْ تَنْظِيفُ الظَّاهِرِ وَتَجْرِيدُهُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَثَافَةِ بَاطِنِهِمْ وَتَعْلِيقِهِ بِحُبِّ الْمَالِ وَالْجَاهِ (لَا يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ) أَيْ يُظْهِرُونَ الْفَسَادَ بَيْنَ الْعِبَادِ فِي كُلِّ الْبِلَادِ (حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ) جَزَاءُ الشَّرْطِ وَإِنَّمَا لَمْ يُؤْتَ بِالْفَاءِ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ مَاضٍ كَذَا قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] قَالَ الطِّيبِيُّ وَمَعَ هَذَا لَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ أَيْ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُمْ شِرَارُ خَلْقِ اللَّهِ فَاقْتُلُوهُمْ كَمَا قَالَ طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ مَحْذُوفًا يَعْنِي فَاقْتُلُوهُمْ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ لِبَيَانِ الْمُوجِبِ ثُمَّ إِنَّهُ عَطَفَ الْخَلِيقَةَ عَلَى الْخَلْقِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْمُغَايَرَةِ فَلَا يُحْمَلُ الشَّرُّ عَلَى التَّفْصِيلِ مُبَالَغَةً أَيْ هُمْ شَرٌّ خَلْقًا وَشَرٌّ سَجِيَّةً وَفِي عَكْسِهِ اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
стр. 4948
٣٥٥٤ - وَعَنْ أَبِي غَالِبٍ «رَأَى أَبُو أُمَامَةَ رُءُوسًا مَنْصُوبَةً عَلَى دَرَجِ دِمَشْقَ فَقَالَ: أَبُو أُمَامَةَ كِلَابُ النَّارِ شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الْآيَةَ قِيلَ لِأَبِي أُمَامَةَ أَنْتَ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوَثَلَاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعًا مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ــ
٣٥٥٤ - (وَعَنْ أَبِي غَالِبٍ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: اسْمُهُ خَزَوَّرٌ الْبَاهِلِيُّ الْبَصْرِيُّ أَعْتَقَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْحَضْرَمِيُّ رَوَى عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَرَوَى عَنْهُ حَمْزَةُ بْنُ رَبِيعَةَ (رَأَى أَبُو أُمَامَةَ) أَيِ الْبَاهِلِيُّ سَكَنَ مِصْرَ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى حِمْصَ وَمَاتَ بِهَا وَكَانَ مِنَ الْمُكْثِرِينَ فِي الرِّوَايَةِ وَكَثُرَ حَدِيثُهُ عِنْدَ الشَّامِيِّينَ رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالشَّامِ أَيْ أَبْصَرَ (رُءُوسًا) أَيْ لِلْخَوَارِجِ (مَنْصُوبَةً) أَيْ وَاقِفَةً أَوْ مَصْلُوبَةً (عَلَى دَرَجِ دِمَشْقَ) بِكَسْرِ الدَّالِّ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ أَيْ طَرِيقِهِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الدَّرَجَةُ الْمَرْقَاةُ وَالْجَمْعُ الدَّرَجُ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ فِي الْحَدِيثِ هَذَا لِقَوْلِهِ مَنْصُوبَةً (فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: كِلَابُ النَّارِ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُمْ كِلَابُ أَهْلِهَا أَوْ عَلَى صُورَةِ كِلَابٍ فِيهَا وَقَوْلُهُ (شَرُّ قَتْلَى) جَمْعُ قَتِيلٍ بِمَعْنَى مَقْتُولٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ أَوْ بَدَلًا وَقَوْلُهُ (تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ) أَيْ وَجْهِهَا ظَرْفٌ وَقَوْلُهُ (خَيْرُ قَتْلَى) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ (مَنْ قَتَلُوهُ) خَبَرُهُ وَكَانَ مِنَ الظَّاهِرِ الْعَكْسُ فَنُقِلَ اهْتِمَامًا كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ حَيًّا وَمَيِّتًا ... أَسِيرُ سَقِيفٍ عِنْدَهَا فِي السَّلَاسِلِ
(ثُمَّ قَرَأَ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الْآيَةَ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّحَ بِهِ إِلَى التَّفْصِيلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] أَيْ فَيُقَالُ لَهُمْ: أَكَفَرْتُمْ وَالْهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ وَالتَّعْجِيبِ مِنْ حَالِهِمْ قِيلَ: هُمُ الْمُرْتَدُّونَ، وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ هُمُ الْخَوَارِجُ. (قَالَ) أَيْ أَبُو غَالِبٍ (لِأَبِي أُمَامَةَ أَنْتَ سَمِعْتَ؟) أَيْ هَذَا الْكَلَامَ (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ) أَيْ أَبُو أُمَامَةَ (لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعًا) وَالتَّقْدِيرُ لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مُكَرَّرًا حَدَّ الْكَثْرَةِ (مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
стр. 4949
[كِتَابُ الْحُدُودِ]
стр. 4950
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٥٥٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ. وَقَالَ الْآخَرُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ: تَكَلَّمْ قَالَ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَأَمَّا ابْنُكَ فَعَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ فَاغْدُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
كِتَابُ الْحُدُودِ
قَالَ الرَّاغِبُ: الْحَدُّ الْحَاجِزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ الَّذِي يَمْنَعُ اخْتِلَاطَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَحَدُّ الزِّنَا وَالْخَمْرِ سُمِّيَ بِهِ لِكَوْنِهِ مَانِعًا لِمُتَعَاطِيهِ عَنْ مُعَاوَدَةِ مِثْلِهِ وَمَانِعًا لِغَيْرِهِ أَنْ يَسْلُكَ مَسْلَكَهُ. وَقَالَ ابْنُ هَمَّامٍ: مَحَاسِنُ الْحُدُودِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَذْكُرَهُ الْبَيَانُ أَوْ يَكْتُبَهُ الْبَنَانُ ; لِأَنَّ الْفَقِيهَ وَغَيْرَهُ يَسْتَوِي فِي مَعْرِفَةِ أَنَّهَا لِلِامْتِنَاعِ عَنِ الْأَفْعَالِ الْمُوجِبَةِ لِلْفَسَادِ فَفِي الزِّنَا ضَيَاعُ الذُّرِّيَّةِ وَإِمَاتَتُهَا مَعْنًى بِسَبَبِ اشْتِبَاهِ النَّسَبِ وَفِي بَاقِي الْحُدُودِ زَوَالُ الْعَقْلِ وَإِفْسَادُ الْأَعْرَاضِ وَأَخْذُ أَمْوَالِ النَّاسِ وَقُبْحُ هَذِهِ الْأُمُورِ مَرْكُوزٌ فِي الْعُقُولِ وَلِذَا لَمْ تُبَحِ الْأَمْوَالُ وَالْأَعْرَاضُ وَالزِّنَا وَالسُّكْرُ فِي مِلَّةٍ مِنَ الْمِلَلِ وَإِنْ أُبِيحَ الشُّرْبُ وَالْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِيَّةِ الْحَدِّ الِانْزِجَارُ عَمَّا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْعِبَادُ وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إِنَّهَا مَوَانِعُ قَبْلَ الْفِعْلِ زَوَاجِرُ بَعْدَهُ أَيِ الْعِلْمُ بِشَرْعِيَّتِهَا تَمْنَعُ الْإِقْدَامَ عَلَى الْفِعْلِ وَإِيقَاعُهَا بَعْدَهُ يَمْنَعُ مِنَ الْعَوْدِ إِلَيْهِ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالطَّهَارَةِ لَيْسَتْ بِأَصْلِيَّةٍ أَيِ الطُّهْرَةُ مِنْ ذَنْبٍ بِسَبَبِ الْحَدِّ يُفِيدُ أَنَّهُ مَقْصُودٌ أَيْضًا مِنْ شَرْعِيَّتِهَا لَكِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا بَلْ تَبَعٌ لِمَا هُوَ الْأَصْلُ مِنَ الِانْزِجَارِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَعْمَلُ فِي سُقُوطِ إِثْمٍ قَبْلَ سَبَبِهِ أَصْلًا بَلْ لَمْ يُشْرَعْ إِلَّا لِحِكْمَةِ الِانْزِجَارِ، وَأَمَّا ذَلِكَ فَقَوْلُ طَائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَا رُوِيَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ: «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْمَعَاصِي شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» . وَاسْتَدَلَّ الْأَصْحَابُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ ذَلِكَ أَيِ التَّقْتِيلَ وَالتَّصْلِيبَ وَالنَّفْيَ ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤] فَأَخْبَرَ أَنَّ جَزَاءَ فِعْلِهِمْ عُقُوبَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَعُقُوبَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ إِلَّا مَنْ تَابَ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تَسْقُطُ عَنْهُ الْأُخْرَوِيَّةُ بِالْإِجْمَاعِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ الْحَدَّ فِي الدُّنْيَا وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى مَا إِذَا تَابَ فِي الْعُقُوبَةِ لِأَنَّهُ هُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ إِنْ ضَرَبَهُ أَوْ رَجَمَهُ يَكُونُ مَعَهُ تَوْبَةٌ مِنْهُ لِذَوْقِهِ مُسَبِّبٌ فِعْلَهُ فَيُقَيَّدَ بِهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَتَقْيِيدُ الظَّنِّيِّ عِنْدَ مُعَارَضَةِ الْقَطْعِيِّ لَهُ مُتَعَيَّنٌ بِخِلَافِ الْعَكْسِ.
أَقُولُ التَّحْقِيقُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ أَنَّ الْأَحْسَنَ فِي الْجَمْعِ أَنَّ الْحَدَّ مُطَهِّرٌ لَهُ بِخُصُوصِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَإِنَّ اللَّهَ أَرْحَمُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَى عِبَادِهِ الْعُقُوبَةَ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: طَهِّرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ إِنِ انْضَمَّ مَعَهُ التَّوْبَةُ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَإِنْ دَامَ عَلَى إِصْرَارِهِ فَيُعَذَّبُ بِمِقْدَارِهِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَا لَوْ تَعَدَّدَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ ثُمَّ حُدَّ فَإِنْ تَابَ حِينَ الْحَدِّ كَفَّرَ عَنْهُ الْجَمِيعَ وَإِلَّا فَكَفَّرَ عَنْهُ مَا حُدَّ بِهِ وَحْدَهُ وَالْبَاقِي تَحْتَ مَشِيئَتِهِ تَعَالَى وَكَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ خِلَافَ الْعُلَمَاءِ لَفْظِيٌّ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ثُمَّ الْحَدُّ يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ لَا بِعِلْمِ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: وَنَقَلَ قَوْلًا عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ ; لِأَنَّ الْحَاصِلَ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ دُونَ الْحَاصِلِ بِمُشَاهَدَةِ الْإِمَامِ قُلْنَا نَعَمْ لَكِنَّ الشَّرْعَ أَهْدَرَ اعْتِبَارَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] وَنُقِلَ فِيهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ كَذَا حَقَّقَهُ ابْنُ الْهُمَامِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٥٥٥ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا) أَيْ تَرَافَعَا لِلْخُصُومَةِ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَحَدُهُمَا اقْضِ) أَيِ احْكُمْ (بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ بِحُكْمِهِ إِذْ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ الرَّجْمُ قَالَ تَعَالَى ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] أَيِ الْحُكْمُ بِأَنْ لَا يُؤَاخَذَ عَلَى جَهَالَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُرْآنُ وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُنْسَخَ آيَةُ الرَّجْمِ لَفْظًا (وَقَالَ الْآخَرُ أَجَلْ) بِفَتْحَتَيْنِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَيْ نَعَمْ (يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ) الْفَاءُ فِيهِ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ يَعْنِي إِذَا
стр. 4951
اتَّفَقْتَ مَعَهُ بِمَا عَرَضَ عَلَى جَنَابِكَ فَاقْضِ فَوَضَعَ كَلِمَةَ التَّصْدِيقِ مَوْضِعَ الشَّرْطِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَقَالَ: وَإِنَّمَا سَأَلَ الْمُتَرَافِعَانِ أَنْ يُحْكَمَ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ اللَّهِ وَمَا يَعْلَمَانِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ إِلَّا بِحُكْمِ اللَّهِ لِيُفْصَلَ مَا بَيْنَهُمْ بِالْحُكْمِ الصِّرْفِ لَا بِالتَّصَالُحِ وَالتَّرْغِيبِ فِيمَا هُوَ الْأَرْفَقُ بِهِمَا إِذْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَلَكِنْ بِرِضَا الْخَصْمَيْنِ (وَأْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ تَكَلَّمْ قَالَ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا) أَيْ أَجِيرًا ثَابِتَ الْأُجْرَةِ (عَلَى هَذَا) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَإِنَّمَا قَالَ عَلَى هَذَا لِمَا يَتَوَجَّهْ لِلْأَجِيرِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأُجْرَةُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ عَسِيفًا لِهَذَا لِمَا يَتَوَجَّهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ عَلَيْهِ مِنَ الْخِدْمَةِ وَالْعَمَلِ قَالَ الطِّيبِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى هَذَا صِفَةٌ مُمَيِّزَةٌ لِلْأَجِيرِ أَيْ أَجِيرًا ثَابِتَ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِذَا لَابَسَ الْعَمَلَ وَأَتَمَّهُ وَلَوْ قِيلَ لِهَذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ (فَزَنَى) أَيِ الْأَجِيرُ (بِامْرَأَتِهِ) أَيِ الْمُسْتَأْجِرِ (فَأَخْبَرُونِي) أَيْ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ (أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ) وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ السُّؤَالُ مِنَ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ (فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ) أَيْ وَلَدِي (بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي) أَيْ أَعْطَيْتُهُمَا فِدَاءً وَبَدَلًا عَنْ رَجْمِ وَلَدِي (ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ) أَيْ كُبَرَاءَهُمْ وَفُضَلَاءَهُمْ (فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ ضَرْبَ مِائَةِ جَلْدَةٍ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُحْصَنٍ (وَتَغْرِيبَ عَامٍ) أَيْ إِخْرَاجَهُ عَنِ الْبَلَدِ سَنَةً (وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ) أَيْ لِأَنَّهَا مُحْصَنَةٌ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ بِمَعْنَى أَلَا لِلتَّنْبِيهِ (وَالَّذِي نَفْسِي) أَيْ ذَاتِي أَوْ رُوحِي (بِيَدِهِ) أَيْ بِقَبْضَةِ قُدْرَتِهِ وَحَيِّزِ إِرَادَتِهِ (لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ) وَقِيلَ: الرَّجْمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ صَرِيحًا لِنَسْخِ آيَةِ الرَّجْمِ لَفْظًا لَكِنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] وَالْأَذَى يُطْلَقُ عَلَى الرَّجْمِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ هَذَا وَقَدْ فُصِّلَ الْحُكْمُ الْمُجْمَلُ فِي قَوْلِهِ لَأَقْضِيَنَّ بِقَوْلِهِ (أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ) أَيْ مَرْدُودٌ إِلَيْكَ (وَأَمَّا ابْنُكَ فَعَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ) بِالْإِضَافَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِتَنْوِينِ جَلْدٍ وَنَصْبِ مِائَةٍ عَلَى التَّمْيِيزِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ فِعْلَيْهِ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ بِإِقْرَارٍ أَوْ شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ (وَتَغْرِيبَ عَامٍ) هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَأَئِمَّتِنَا يُحْمَلُ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ وَيَقُولُ: لَيْسَ التَّغْرِيبُ بِطَرِيقِ الْحَدِّ، بَلْ بِطَرِيقِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي رَآهَا الْإِمَامُ مِنَ السِّيَاسَةِ، وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] (وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ) تَصْغِيرُ أَنَسٍ وَهُوَ ابْنُ الضَّحَّاكِ الْأَسْلَمِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (فَاغْدُ) بِضَمِّ الدَّالِّ وَهُوَ أَمْرُ الذَّهَابِ فِي الْغُدْوَةِ كَمَا أَنَّ رُحْ أَمْرٌ بِالذَّهَابِ فِي الرَّوَاحِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ كُلٌّ فِي مَعْنِي الْآخَرِ أَيْ فَاذْهَبْ (عَلَى امْرَأَةِ هَذَا) أَيْ إِلَيْهَا وَفِيهِ تَضْمِينٌ أَيْ حَاكِمًا عَلَيْهِ (فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) بِهِ أَخَذَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَنَّهُ يَكْفِي فِي الْإِقْرَارِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنَّهُ ﷺ عَلَّقَ رَجْمَهَا بِاعْتِرَافِهَا وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْأَرْبَعَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمَعْنَى فَإِنِ اعْتَرَفَتِ الْمَعْهُودَ وَهُوَ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ فَارْجُمْهَا (فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِفْتَاءِ فِي زَمَانِهِ فَإِنَّ أَبَا الْعَسِيفِ قَالَ: سَأَلَتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي إِلَخْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَأَنَّ حَدَّ الْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَإِنَّ حُضُورَ الْإِمَامِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي إِقَامَتِهَا فَإِنَّهُ ﷺ بَعَثَ أُنَيْسًا لَهَا وَإِنَّ الِاسْتِنَابَةَ فِيهَا جَائِزَةٌ قُلْتُ: فَحُضُورُهُ حُضُورُهُ فَلَمْ يَتِمَّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّ بَعْثَ أُنَيْسٍ إِلَيْهَا مَحْمُولٌ عَلَى إِعْلَامِهَا بِأَنَّ أَبَا الْعَسِيفِ قَذَفَهَا بِابْنِهِ فَيُعَرِّفُهَا بِأَنَّ لَهَا عِنْدَهُ حَدَّ الْقَذْفِ هَلْ هِيَ طَالِبَةٌ بِهِ أَمْ تَعْفُو عَنْهُ أَوْ تَعْتَرِفُ بِالزِّنَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَلَا يُحَدُّ الْقَاذِفُ وَعَلَيْهَا الرَّجْمُ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُحْصَنَةً وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ بُعِثَ لِطَلَبِ إِقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا وَتَجَسُّسِهِ وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ ; لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَى لَا يُتَجَسَّسُ وَلَا يُنَقَّرُ عَنْهُ بَلْ لَوْ أَقَرَّ بِهِ الزَّانِي اسْتَحَبَّ أَنْ يُلَقَّنَ الرُّجُوعَ كَمَا سَيَجِيءُ وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَصْبِرَ عَلَى قَوْلِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ اقْضِ بِالْحَقِّ وَنَحْوَ ذَلِكَ إِذَا تَعَدَّى عَلَيْهِ خَصْمُهُ.
стр. 4952
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبْدَأَ بِاسْتِمَاعِ كَلَامِ أَيِّ الْخَصْمَيْنِ شَاءَ وَفِي قَوْلِهِ فَرَدٌّ عَلَيْكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَأْخُوذَ بِحُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالصُّلْحِ الْفَاسِدِ مُسْتَحِقٌّ الرَّدَّ عَلَى صَاحِبِهِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِلْآخِذِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالزِّنَى عَلَى نَفْسِهِ مَرَّةً يُقَامُ الْحَدُّ عَلَيْهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّكْرَارُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً يُقْطَعُ وَلَوْ أَقَرَّ بِالْقَتْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً يُقْتَصُّ مِنْهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: يَنْبَغِي أَنْ يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعِ مَجَالِسَ، فَإِذَا أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَهُوَ كَإِقْرَارٍ وَاحِدٍ. قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ: اخْتَلَفَ الْحُكْمُ فِي اشْتِرَاطِ تَعَدُّدِ الْإِقْرَارِ فَنَفَاهُ الْحَسَنُ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْعَسِيفِ وَلِأَنَّ الْغَامِدِيَّةَ لَمْ تُقِرَّ أَرْبَعًا وَإِنَّمَا رَدَّ مَاعِزًا لِأَنَّهُ شَكَّ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِ وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِهَا فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ. وَقَالَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا وَنَفَاهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَدُ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ وَاكْتَفَوْا بِالْأَرْبَعِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ظَاهِرٌ فِيهِ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى بَيَّنَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ: هَلْ أُحْصِنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ. فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ» . فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، قُلْنَا: نَعَمْ هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ لَكِنْ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي إِفَادَةِ أَنَّهَا مَجَالِسُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ «أَنَّ مَاعِزًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَرَدَّهُ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ مِنَ الْغَدِ فَرَدَّهُ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ هَلْ تَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلَّا وَفِي الْفِعْلِ مِنْ صَالِحِينَا فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا فَسَأَلُوهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا بِعَقْلِهِ فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةُ حَفَرَ لَهُ حَفِيرَةً فَرَجَمَهُ» . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى، عَنْهُ قَالَ: «أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيِّ ﷺ فَاعْتَرَفَ وَأَنَا عِنْدَهُ مَرَّةً فَرَدَّهُ ثُمَّ جَاءَ فَاعْتَرَفَ وَأَنَا عِنْدَهُ الثَّانِيَةَ فَرَدَّهُ ثُمَّ جَاءَ فَاعْتَرَفَ وَأَنَا عِنْدَهُ الثَّالِثَةَ فَرَدَّهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِ اعْتَرَفْتَ الرَّابِعَةَ رَجَمَكَ قَالَ: فَاعْتَرَفَ الرَّابِعَةَ، فَحَبَسَهُ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: لَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ» ، فَصُرِّحَ بِتَعْدَادِ الْمَجِيءِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ غَيْبَتَهُ وَنَحْنُ إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ إِذَا تَغَيَّبَ، ثُمَّ عَادَ فَهُوَ مَجْلِسٌ آخَرُ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ الْأَبْعَدَ زَنَى، فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ! وَمَا يُدْرِيكَ مَا الزِّنَا؟ فَأَمَرَ بِهِ فَطُرِدَ، فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِهِ، فَطُرِدَ، فَأُخْرِجَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِهِ فَطُرِدَ، فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَتَاهُ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ أَدْخَلْتَ وَأَخْرَجْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ» ، فَهَذَا وَغَيْرُهُ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ ظَاهِرٌ فِي تَعَدُّدِ الْمَجَالِسِ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَلَيْهَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4953
٣٥٥٦ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٥٥٦ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ) بِكَسْرِ الصَّادِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا فِي النِّهَايَةِ الْإِحْصَانُ الْمَنْعُ، وَالْمَرْأَةُ تَكُونُ مُحْصَنَةً بِالْإِسْلَامِ وَالْعَفَافِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالتَّزْوِيجِ، يُقَالُ: أُحْصِنَتِ الْمَرْأَةُ فَهِيَ مُحْصَنَةٌ وَمُحْصِنَةٌ وَكَذَلِكَ - الرَّجُلُ، وَالْمُحْصَنُ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّتِي جِئْنَ نَوَادِرَ يُقَالُ: أَحْصَنَ وَأَسْهَبَ فَهُوَ مُسْهَبٌ وَأَلْفَحَ فَهُوَ مُلْفَحُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ هُوَ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ أَرْبَعُ شَرَائِطَ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِصَابَةُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ (جَلْدَ مِائَةٍ) مَفْعُولُ يَأْمُرُ (وَتَغْرِيبَ عَامٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا ﵊ بِسَوْطٍ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ شَدِيدٍ لَهُ ثَمَرَةٌ، فَقَالَ: سَوْطٌ دُونَ هَذَا. فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ لَيِّنٍ، فَقَالَ: سَوْطٌ فَوْقَ هَذَا. فَأَتَى بِسَوْطٍ بَيْنَ سَوْطَيْنِ، فَقَالَ: هَذَا. فَأَمَرَ بِهِ، فَجَلَدُوهُ» . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِسَوْطٍ، فَذَكَرَهُ. وَذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجْتَنِبُ كُلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الثَّمَرَةُ مِنَ الْعُقْدَةِ وَالْفَرْعِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ ذَنَبَيْنِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ حَنْظَلَةَ السُّدُوسِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ يُؤْمَرُ بِالسَّوْطِ فَيُقْطَعُ ثَمَرَتُهُ ثُمَّ يُدَقُّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ حَتَّى يَلِينَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِهِ، قُلْنَا لَهُ: فِي زَمَنِ مَنْ كَانَ هَذَا؟ قَالَ: فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَالْحَاصِلُ
стр. 4954
أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ لَا يُضْرَبَ بِهِ وَفِي طَرَفِهِ يُبْسٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجْرَحُ، أَوْ يُبَرِّحُ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ فِيهِ عُقْدَةٌ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ جَلَدَ بِسَوْطٍ لَهُ طَرَفَانِ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً، فَكَانَتِ الضَّرْبَةُ ضَرْبَتَيْنِ، وَفِي الْهِدَايَةِ، وَيَفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى أَعْضَائِهِ ; لِأَنَّ جَمْعَهُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ قَدْ يُفْسِدُهُ، وَاسْتَثْنَى الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ وَالْفَرْجَ. وَذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِلَّذِي أَمَرَهُ بِضَرْبِ الْحَدِّ: اتَّقِ الْوَجْهَ وَالْمَذَاكِيرَ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَمْ يَحْفَظِ الْمُخَرِّجُونَ مَرْفُوعًا بَلْ مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ سَكْرَانَ أَوْ فِي حَدٍّ، فَقَالَ: اضْرِبْ، وَأَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ، وَاتَّقِ الْوَجْهَ وَالْمَذَاكِيرَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفَيْهِمَا وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ وَقَدْ أُتِيَ بِرَجُلٍ: اضْرِبْ، وَأَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ. قَالَ: رُوِّينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَالنَّخَعِيِّ اه وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنَّفُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﵊ قَالَ: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ وَالْمَذَاكِيرَ» . وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُرَادًا عَلَى الْإِطْلَاقِ ; لِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ فِي حَالِ قِيَامِ الْحَرْبِ مَعَ الْكُفَّارِ لَوْ تَوَجَّهَ لِأَحَدٍ ضَرَبَ وَجْهَ مَنْ يُبَارِزُهُ، وَهُوَ فِي مُقَابَلَتِهِ حَالَةَ الْحَمْلَةِ لَا يَكُفُّ عَنْهُ إِذْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَقْتُلُهُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ إِلَّا مَنْ يَضْرِبُ صَبْرًا فِي حَدٍّ قَتْلًا، أَوْ غَيْرَ قَتْلٍ، وَمَا قِيلَ فِي الْمَنْظُومَةِ وَالْكَافِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَخُصُّ الظَّهْرَ لِاسْتِدْلَالِ الشَّارِحِينَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ ﵊ «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» غَيْرُ ثَابِتٍ فِي كُتُبِهِمْ بَلِ الَّذِي فِيهَا كَقَوْلِنَا وَإِنَّمَا يَذْكُرُ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ خَصَّ الظَّهْرَ وَمَا يَلِيهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالظَّهْرِ نَفْسَهُ أَيْ حَدٌّ عَلَيْكَ بِدَلِيلِ مَا ثَبَتَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ خَصَّ مِنْهُ الْفَرَجَ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُضْرَبُ الرَّأْسُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً رَجَعَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَوَّلًا يَقُولُ: لَا يُضْرَبُ لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْمَسْعُودِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أُتِيَ بِرَجُلٍ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ فَقَالَ اضْرِبْ فِي رَأْسِهِ فَإِنَّ فِيهِ شَيْطَانًا. وَالْمَسْعُودِيُّ مُضَعَّفٌ وَلَكِنْ رَوَى الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: صُبَيْغٌ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَأَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ صُبَيْغٌ. فَأَخَذَ عُمَرُ ﵁ عُرْجُونًا مِنْ تِلْكَ الْعَرَاجِينِ فَضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ. وَجَعَلَ يَضْرِبُهُ حَتَّى دَمِيَ رَأْسُهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَسَبُكَ، فَقَدْ ذَهَبَ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ فِي رَأْسِي.
стр. 4955
٣٥٥٧ - وَعَنْ عُمَيْرٍ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٥٥٧ - (وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ) أَيْ بِالصِّدْقِ وَهَذَا مُقَدِّمَةٌ لِلْكَلَامِ وَتَوْطِئَةٌ لِلْمَرَامِ رَفْعًا لِلرِّيبَةِ، وَدَفْعًا لِلتُّهْمَةِ النَّاشِئَةِ مِنْ فُقْدَانِ تِلَاوَةِ آيَةِ الرَّجْمِ بِنَسْخِهَا مَعَ بَقَاءِ حُكْمِهَا (فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةُ الرَّجْمِ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا اسْمُ كَانَ وَمِنَ التَّبْعِيضِيَّةُ فِي (مِمَّا أَنْزَلَ) خَبَرُهُ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ فَالتَّقْدِيرُ: فَكَانَ بَعْضُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الرَّجْمِ وَهِيَ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. أَيِ الثَّيِّبُ وَالثَّيِّبَةُ كَذَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالْأَظْهَرُ تَفْسِيرُهُمَا بِالْمُحْصَنِ وَالْمُحْصَنَةِ (رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِبَقَاءِ حُكْمِهَا (وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ) أَيْ تَبَعًا لَهُ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَهُ (وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ) أَيْ ثَابِتٌ أَوْ وَاجِبٌ (عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) ظَرْفًا لِلزِّنَا (إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ) أَيِ الْمَعْرُوفَةُ فِي الزِّنَا (أَوْ كَانَ) أَيْ أَوْ إِذَا وَقَعَ (الْحَبَلُ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الْحَمْلُ مِنْ غَيْرِ ذَاتِ الزَّوْجِ (أَوِ الِاعْتِرَافُ) أَيْ إِذَا وَقَعَ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَا أَوْ بِالْحَبَلِ ظَرْفٌ لِلرَّحِمِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَإِنَّمَا جَعَلَ قَوْلَهُ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ إِلَخْ مُقَدِّمَةً لِلْكَلَامِ دَفْعًا لِلرِّيبَةِ وَالِاتِّهَامِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي تَمَامِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ مِنْ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ وَفِي آخِرِهِ وَايْمُ اللَّهِ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُهَا. أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ إِلَّا النَّسَائِيُّ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَقَدْ قَرَأْتُهَا: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الرَّجْمُ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْكَارُ الْخَوَارِجِ لِلرَّجْمِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُمْ إِنْ أَنْكَرُوا
стр. 4956
حُجِّيَّةَ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَجَهْلٌ مُرَكَّبٌ بِالدَّلِيلِ بَلْ هُوَ إِجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ وَإِنْ أَنْكَرُوا وُقُوعَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ مُتَوَاتِرُ الْمَعْنَى كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ وَجُودِ حَاتِمٍ، وَالْآحَادُ فِي تَفَاصِيلِ صُوَرِهِ وَخُصُوصِيَّاتِهِ، وَأَمَّا أَصْلُ الرَّجْمِ، فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَلَقَدْ كُوشِفَ بِهِمْ عُمَرُ، وَكَاشَفَ بِهِمْ حَيْثُ قَالَ: خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أُحْصِنَ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ خَطَبَ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا، وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَجَمْنَا مِنْ بَعْدِهِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، فَيَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ الرَّجْمَ. الْحَدِيثَ وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ عُمَرَ زَادَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُهَا عَلَى حَاشِيَةِ الْمُصْحَفِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الدَّارِ، وَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا مِنْ إِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ، وَزِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ: وَقَتْلُ نَفْسٍ» . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ فِعْلِهِ ﵊ مِنْ قَوْلِ أَبِي قِلَابَةَ حَيْثُ قَالَ: «وَاللَّهِ مَا قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا فِي ثَلَاثِ خِصَالٍ: رَجُلٌ قُتِلَ بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ فَقُتِلَ أَوْ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ أَوْ رَجُلٌ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ» . وَلَا شَكَّ فِي رَجْمِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَ الْمُخَرِّجِ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يُرَادُ بِهِ الْمَتْنُ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَاقِعٌ فِي خُصُوصِ ذَلِكَ السَّنَدِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الشُّهْرَةَ وَقَطْعِيَّةَ الثُّبُوتِ بِالتَّظَافُرِ وَالْقَبُولِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ إِنْكَارَهُ إِنْكَارُ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنَّ الْخَوَارِجَ يُوجِبُونَ الْعَمَلَ بِالْمُتَوَاتِرِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَنَّ انْحِرَافَهُمْ عَنِ الِاخْتِلَاطِ بِالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَرْكِ التَّرَدُّدِ إِلَى عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَرُوَاتِهِمْ أَوْقَعَهُمْ فِي جَهَالَاتٍ كَثِيرَةٍ لِخَفَاءِ السَّمْعِ عَنْهُمْ وَالشُّهْرَةِ وَلِذَا حِينَ عَابُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْقَوْلَ بِالرَّجْمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَلْزَمَهُمْ بِإِعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَمَقَادِيرِ الزَّكَوَاتِ فَقَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ لَهُمْ وَهَذَا أَيْضًا فَعَلَهُ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا وَكَانَ حُرًّا فَحَدُّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ لِقَوْلَهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وَإِنَّمَا قَدَّمَ الزَّانِيَةَ مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ عَكْسُهُ ; لِأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ إِذِ الدَّاعِيَةُ مِنْهَا أَكْثَرُ وَلَوْلَا تَمْكِينُهَا لَمْ يَزْنِ: قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهَذَا عَامٌّ فِي الْمُحْصَنِ وَغَيْرُهُ نَسْخٌ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ قَطْعًا، وَيَكْفِينَا فِي تَعْيِينِ النَّاسِخِ الْقَطْعُ بِرَجْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَكُونُ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ الْقَطْعِيَّةِ وَهُوَ أَوْلَى مِنِ ادِّعَاءِ كَوْنِ النَّاسِخِ (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) . لِعَدَمِ الْقَطْعِ بِكَوْنِهَا قُرْآنًا ثُمَّ انْتِسَاخُ تِلَاوَتِهَا وَإِنْ ذَكَرَهَا عُمَرُ وَسَكَتَ النَّاسُ فَإِنَّ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ حُجَّةً مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَبِتَقْدِيرِ حُجِّيَّتِهِ لَا يُقْطَعُ بِأَنَّ جَمِيعَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا إِذْ ذَاكَ حَضَرُوا ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ الطَّرِيقَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ ظَنِّيٌّ وَلِهَذَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ الرَّجْمَ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ لِلْقُرْآنِ الْمَنْسُوخِ تِلَاوَةً وَعُرِفَ مِنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ أَنَّهُ قَائِلٌ بِعَدَمِ نَسْخِ عُمُومِ الْآيَةِ فَيَكُونُ رَأْيَهُ أَنَّ الرَّجْمَ حُكْمٌ زَائِدٌ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ قِيلَ بِهِ وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﵊: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ» وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَرَمْيٌ بِالْحِجَارَةِ.
стр. 4957
٣٥٥٨ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٥٥٨ - (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: خُذُوا عَنِّي) أَيْ حُكْمَ حَدِّ الزِّنَا (خُذُوا عَنِّي) كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) أَيْ حَدًّا وَاضِحًا وَطَرِيقًا نَاضِحًا فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ [النساء: ١٥] إِلَى قَوْلِهِ ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] وَلَمْ يَقُلْ ﵊: لَكُمْ لِيُوَافِقَ نَظْمَ الْقُرْآنِ، وَمَعَ هَذَا فِيهِ تَغْلِيبٌ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ مَبْدَأٌ لِلشَّهْوَةِ، وَمُنْتَهَى الْفِتْنَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَانَ هَذَا الْقَوْلُ حِينَ شُرِعَ الْحَدُّ فِي الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ، وَالسَّبِيلُ هَاهُنَا الْحَدُّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا ذَلِكَ الْوَقْتَ وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ
стр. 4958
مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] (الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ) أَيْ حَدُّ زِنَا الْبِكْرِ بِالْبِكْرِ (جَلْدُ مِائَةٍ) أَيْ ضَرْبُ مِائَةِ جَلْدَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَتَغْرِيبُ عَامٍ) أَيْ نَفْيُ سَنَةٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ وَالْمَعْنَى إِنِ اقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ (وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ) الْجَلْدُ مَنْسُوخٌ فِي حَقِّهِمَا بِالْآيَةِ الَّتِي نُسِخَتْ تِلَاوَتُهَا وَبَقِيَ حُكْمُهَا وَلِأَنَّهُ ﷺ اقْتَصَرَ عَلَى رَجْمِ مَاعِزٍ وَغَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ حَدًّا لَمَا تَرَكَهُ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ إِنْ كَانَا غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ، وَالرَّجْمُ إِنْ كَانَا مُحْصَنَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّكْرِيرُ فِي قَوْلِهِ: خُذُوا عَنِّي يَدُلُّ عَلَى ظُهُورِ أَمْرٍ قَدْ خَفِيَ شَأْنُهُ، وَاهْتَمَّ بِبَيَانِهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) مُبْهَمٌ فِي التَّنْزِيلِ وَلَمْ يُعْلَمْ مَا تِلْكَ السَّبِيلُ أَيِ الْحَدُّ الثَّابِتُ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ، وَغَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ إِلَخْ بَيَانٌ لِلْمُبْهَمِ، وَتَفْصِيلٌ لِلْمُجْمَلِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنَافِ؛ مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] وَالتَّقْسِيمُ حَاصِرٌ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومُ ; لِأَنَّ اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ لَا تَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِكْرًا، أَوْ ثَيِّبًا، وَالْأُولَى إِمَّا زَنَتْ بِالْبِكْرِ، أَوْ بِالثَّيِّبِ، وَالثَّانِيَةُ أَيْضًا كَذَلِكَ فَبَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ مَا حَدُّ الْبِكْرِ بِالْبِكْرِ، وَالثَّيِّبِ بِالثَّيِّبِ، وَتَرَكَ ذِكْرَ الثَّيِّبِ مَعَ الْبِكْرِ لِظُهُورِهِ، وَلِحَدِيثِ عَسِيفٍ عَلَى مَا سَبَقَ قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقِيلَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُفَسِّرٌ لَهَا، وَقِيلَ: مَنْسُوخَةٌ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي أَوَّلِ سُورَةِ النُّورِ، وَقِيلَ: إِنَّ آيَةَ النُّورِ فِي الْبِكْرَيْنِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الثَّيِّبَيْنِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ مُبْتَدَأٌ، وَجَلْدُ مِائَةٍ خَبَرُهُ أَيْ حَدُّ زِنَا الْبِكْرِ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ بَلْ حَدُّ الْبِكْرِ الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ سَوَاءٌ زَنَى بِبِكْرٍ أَمْ بِثَيِّبٍ، وَحَدُّ الثَّيِّبِ الرَّجْمُ سَوَاءٌ زَنَى بِثَيِّبٍ أَوْ بِبِكْرٍ، فَهُوَ بِالتَّقْيِيدِ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى الْغَالِبِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبِكْرِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَنْ لَمْ يُجَامِعْ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَهُوَ حُرٌّ بَالِغٌ عَاقِلٌ سَوَاءٌ جَامَعَ بِوَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَالْمُرَادُ بِالثَّيِّبِ عَكْسُ ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ وَالرَّشِيدُ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، قُلْتُ: فِي الْكَافِرِ خِلَافٌ لَنَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ، قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ جَلْدِ الزَّانِي الْبِكْرِ مِائَةً، وَرَجْمِ الْمُحْصَنِ وَهُوَ الثَّيِّبُ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَلْدِ الثَّيِّبِ مَعَ الرَّجْمِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُجْلَدُ، ثُمَّ يُرْجَمُ، وَبِهِ قَالَ عَلِيٌّ ﵁، وَالْحَسَنُ، وَإِسْحَاقُ، وَدَاوُدُ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْوَاجِبُ الرَّجْمُ، وَحَدُّهُ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اقْتَصَرَ عَلَى رَجْمِ الثَّيِّبِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا قَضِيَّةُ مَاعِزٍ، وَقَضِيَّةُ الْمَرْأَةِ الْغَامِدِيَّةِ، وَقَضِيَّةُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْعَسِيفِ، وَحَدِيثُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ مَنْسُوخٌ ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ، وَأَمَّا تَغْرِيبُ عَامٍ فَفِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَالْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ يَجِبُ نَفْيُ سَنَةٍ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَجِبُ النَّفْيُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا نَفْيَ عَلَى النِّسَاءِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ قَالُوا: لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، وَفِي نَفْيِهَا تَضْيِيعٌ لَهَا، وَتَعْرِيضٌ لِلْفِتْنَةِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ فَفِيهِمَا أَقْوَالٌ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهَا تَغْرِيبُ نِصْفِ سَنَةٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَا يُجْمَعُ فِي الْمُحْصَنِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَيُجْمَعُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ ذَلِكَ، وَلِلْجُمْهُورِ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَجْمَعْ، وَهَذَا عَلَى وَجْهِ الْقَطْعِ فِي مَاعِزٍ، وَالْغَامِدِيَّةِ، وَصَاحِبَةِ الْعَسِيفِ، وَتَظَاهَرَتِ الطُّرُقُ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ بَعْدَ سُؤَالِهِ عَنِ الْإِحْصَانِ، وَتَلْقِينِهِ الرُّجُوعَ لَمْ يَزِدْ عَلَى الْأَمْرِ بِالرَّجْمِ، فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ، وَقَالَ: اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ، وَلَمْ يَقُلْ: فَاجْلِدْهَا ثُمَّ ارْجُمْهَا، وَقَالَ فِي بَاقِي الْحَدِيثِ: فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ، وَكَذَا فِي الْغَامِدِيَّةِ وَالْجُهَيْنِيَّةِ إِنْ كَانَتْ غَيْرَهَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الْأَمْرِ بِرَجْمِهَا، وَتَكَرَّرَ، وَلَمْ يَزِدْ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ، فَقَطَعْنَا بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ الرَّجْمِ، فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: خُذُوا عَنِّي إِلَى قَوْلِهِ «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ أَوْ رَمْيٌ بِالْحِجَارَةِ» يَجِبُ قَطْعًا كَوْنُهُ مَنْسُوخًا وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ خُصُوصُ النَّاسِخِ وَأَمَّا جَلْدُ عَلِيٍّ شُرَاحَةَ فِي رَجْمِهَا فَإِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ إِحْصَانُهَا إِلَّا بَعْدَ جَلْدِهَا أَوْ هُوَ رَأْيٌ لَا يُقَاوِمُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَمَا ذُكِرَ مِنَ الْقَطْعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ لَا يُجْمَعُ فِي الْبِكْرِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالنَّفْيِ، وَالشَّافِعِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَلَهُ فِي الْعَبْدِ تَغْرِيبُ نِصْفِ سَنَةٍ، وَلَنَا لَا يُغَرَّبُ أَصْلًا، وَأَمَّا تَغْرِيبُ الْمَرْأَةِ فَمَعَ مَحْرَمٍ وَأُجْرَتُهُ عَلَيْهَا فِي قَوْلٍ، وَفِي بَيْتِ الْمَالِ فِي قَوْلٍ، وَلَوِ امْتَنَعَ فِي قَوْلٍ يُجْبِرُهُ الْإِمَامُ، وَفِي قَوْلٍ لَا وَلَوْ كَانَتِ الطَّرِيقُ آمِنَةً فَفِي تَغْرِيبِهَا بِلَا مَحْرَمٍ قَوْلَانِ
стр. 4959
لِقَوْلِهِ ﵊: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: خُذُوا عَنِّي. الْحَدِيثَ وَلِأَنَّ فِيهِ حَسْمَ مَادَّةِ الزِّنَا لِقِلَّةِ الْمَعَارِفِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الدَّاعِيَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَلِذَا قِيلَ لِامْرَأَةٍ مِنَ الْعَرَبِ: مَا حَمَلَكِ عَلَى الزِّنَا مَعَ فَضْلِ عَقْلِكِ؟ قَالَتْ: طُولُ السَّوَادِ وَقُرْبُ الْوِسَادِ. وَالسَّوَادُ الْمُسَارَّةُ مِنْ سَاوَدَهُ إِذَا سَارَّهُ، وَلَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] شَارِعًا فِي بَيَانِ حُكْمِ الزِّنَا، فَكَانَ الْمَذْكُورُ تَمَامَ حُكْمِهِ، وَإِلَّا كَانَ تَجْهِيلًا إِذْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ تَمَامُ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ تَمَامَهُ فِي الْوَاقِعِ، فَكَانَ مَعَ الشُّرُوعِ فِي الْبَيَانِ أَبْعَدَ مِنْ تَرْكِ الْبَيَانِ ; لِأَنَّهُ يُوقِعُ فِي الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ، وَذَاكَ فِي الْبَسِيطِ، وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمَفْهُومُ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ جَزَاءَ الشَّرْطِ، فَيُفِيدَ أَنَّ الْوَاقِعَ هَذَا فَقَطْ، وَلَوْ ثَبَتَ مَعَهُ شَيْءٌ آخَرُ كَانَ مُثْبِتُهُ مُعَارِضًا لَا مُبَيِّنًا لِمَا سَكَتَ عَنْهُ الْكِتَابُ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ الْمَمْنُوعَةُ نَعَمْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، فَتَجُوزُ بِهِ الزِّيَادَةُ اتِّفَاقًا، وَالْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إِلَى ادِّعَاءِ نَسْخِ هَذَا الْخَبَرِ مُسْتَأْنِسًا لَهُ بِنَسْخِ شَطْرِهِ الثَّانِي، وَهُوَ الدَّالُّ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ، فَكَذَا نِصْفُهُ الْآخَرُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُرْوَى جُمَلٌ بَعْضُهَا نُسِخَ وَبَعْضُهَا لَا، وَلَوْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ، وَادَّعَى أَنَّهُ آحَادٌ لَا مَشْهُورٌ، وَتَلَقَّى الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ إِنْ كَانَ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فَمَمْنُوعٌ لِظُهُورِ الْخِلَافِ، وَإِنْ كَانَ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى صِحَّتِهِ بِمَعْنَى صِحَّةِ سَنَدِهِ فَكَثِيرٌ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ كَذَلِكَ، فَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهَا آحَادٌ، وَقَدْ خُطِّئَ مِنْ ظَنِّهِ أَنَّهُ يَصِيرُ قَطْعِيًّا وَادَّعَى فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ذَلِكَ، وَغَلِطَ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِذَا كَانَ آحَادًا وَقَدْ تَطَرَّقَ إِلَيْهِ احْتِمَالُ النَّسْخِ بِقَرِينَةِ نَسْخِ شَطْرِهِ فَلَا شَكَّ أَنْ يَنْزِلَ عَنِ الْآحَادِ الَّتِي لَمْ يَتَطَرَّقْ ذَلِكَ إِلَيْهَا فَأَحْرَى أَلَّا يُنْسَخَ بِهِ، مَا أَفَادَهُ الْكِتَابُ مِنْ أَنَّ جَمِيعَ الْمُوجِبِ الْجَلْدُ ; فَإِنَّهُ يُعَارِضُهُ فِيهِ لَا أَنَّ الْكِتَابَ سَاكِتٌ عَنْ نَفْيِ التَّغْرِيبِ فَكَيْفَ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْهُ التَّغْرِيبُ بِطَرِيقِ الْحَدِّ فَإِنَّ أَقْصَى مَا فِيهِ دَلَالَةُ قَوْلِهِ: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» . فَهُوَ عَطْفُ وَاجِبٍ عَلَى وَاجِبٍ وَهُوَ لَا يَقْتَضِيهِ، بَلْ مَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْيِ عَامٍ» ، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ النَّفْيَ لَيْسَ مِنَ الْحَدِّ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ فَجَازَ كَوْنُهُ تَغْرِيبًا لِمَصْلَحَةٍ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَرَأَى أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى الرَّجُلِ بِقَوْلِهِ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ فَلَمْ تَدْخُلِ الْمَرْأَةُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمَوَاقِعِ الَّتِي تُثْبِتُ الْأَحْكَامَ فِي النِّسَاءِ بِالنُّصُوصِ الْمُفِيدَةِ إِيَّاهَا لِلرِّجَالِ بِتَقَرُّحِ الْمَنَاطِ وَأَيْضًا فَإِنَّ نَفْسَ الْحَدِيثِ يَجِبُ أَنْ يَشْمَلَهُنَّ ; فَإِنَّهُ قَالَ: عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ الْحَدِيثَ فَنَصَّ عَلَى أَنَّ النَّفْيَ وَالْجَلْدَ سَبِيلٌ لَهُنَّ، وَالْبِكْرُ يُقَالُ عَلَى الْأُنْثَى أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ﵊: الْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ. ثُمَّ عَارَضَ مَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ مِنَ الْمَعْنَى بِأَنَّ فِي النَّفْيِ فَتْحَ بَابِ الْفِتْنَةِ لِانْفِرَادِهَا عَنِ الْعَشِيرَةِ وَعَمَّنْ تَسْتَحِي مِنْهُمْ إِنْ كَانَ لَهَا شَهْوَةٌ قَوِيَّةٌ فَتَفْعَلُهُ، وَقَدْ تَفْعَلُ لِحَامِلٍ آخَرَ وَهُوَ حَاجَتُهَا إِلَى مَا يُقَوِّمُ أَوَدَهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى فِي إِفْضَائِهِ إِلَى الْفَسَادِ أَرْجَحُ مِمَّا ذَكَرَهُ مِنْ إِفْضَاءِ قِلَّةِ الْمَعَارِفِ إِلَى عَدَمِ الْإِفْسَادِ خُصُوصًا فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ لِمَنْ شَاهَدَ أَحْوَالَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فَيَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي الْبِكْرِ يَزْنِي بِالْبِكْرِ: يُجْلَدَانِ مِائَةً وَيُنْفَيَانِ سَنَةً. قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ حَسْبُهُمَا مِنَ الْفِتْنَةِ أَنْ يُنْفَيَا. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: غَرَّبَ عُمَرُ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فِي الشَّرَابِ إِلَى خَيْبَرَ، فَلَحِقَ بِهِرَقْلَ، فَتَنَصَّرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا أُغَرِّبُ بَعْدَهُ مُسْلِمًا. نَعَمْ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْإِمَامِ مَصْلَحَةٌ فِي التَّغْرِيبِ تَعْزِيرًا لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَهُوَ مَحَلُّ التَّغْرِيبِ الْوَاقِعِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ ﵃، فَهَذَا التَّغْرِيبُ كَمَا غَرَّبَ عُمَرُ نَصْرَ بْنَ الْحَجَّاجِ وَغَيْرَهُ بِسَبَبِ أَنَّهُ افْتَتَنَ بِجَمَالِهِ بَعْضُ النِّسَاءِ حِينَ سَمِعَ قَوْلَ قَائِلَةٍ:
هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا ... أَمْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاجِ
إِلَى فَتًى مَاجِدِ الْأَعْرَاقِ مُقْتَبِلٍ ... سَهْلِ الْمُحَيَّا كَرِيمٍ غَيْرِ مِلْجَاجِ
وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ نَفْيًا، وَعَلَى هَذَا كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِ السُّلُوكِ الْمُحَقِّقِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنَّا بِهِمْ، وَحَشَرَنَا مَعَهُمْ يُغَرِّبُونَ الْمُرِيدَ إِذَا بَدَا مِنْهُ قُوَّةُ نَفْسٍ وَلَجَاجٌ لِتَنْكَسِرَ نَفْسُهُ، وَتَلِينَ وَمِثْلُ هَذَا الْمُرِيدِ أَوْ مَنْ هُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ رَأْيُ الْقَاضِي فِي التَّغْرِيبِ ; لِأَنَّ مِثْلَهُ فِي نَدَمٍ وَشِدَّةٍ، وَإِنَّمَا زَلَّ زَلَّةً لِغَلَبَةِ النَّفْسِ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَسْتَحْيِ وَلَهُ حَالٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ لِغَلَبَةِ النَّفْسِ فَنَفْيُهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ يُوَسِّعُ طَرِيقَ الْفَسَادِ وَيُسَهِّلُهَا عَلَيْهِ.
стр. 4960
٣٥٥٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ قَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا، وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ فَإِذَا فِيهَا آيَةٌ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فَإِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَرُجِمَا.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ، وَلِكِنَّا نَتَكَاتَمُهُ بَيْنَنَا، فَأَمَرَ بِهِمَا، فَرُجِمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٥٥٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ الْيَهُودَ) أَيْ طَائِفَةً مِنْهُمْ (جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً) وَفِي رِوَايَةٍ امْرَأَةً وَرَجُلًا (زَنَيَا) أَيْ وَكَانَا مُحْصَنَيْنِ (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَجِدُونَ؟) اسْتِفْهَامٌ أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ تَجِدُونَهُ مَذْكُورًا؟ (فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ قَالُوا: نَفْضَحُهُمْ) بِفَتْحِ الضَّادِ أَيْ نُعَزِّرُهُمْ (وَيُجْلَدُونَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُضْرَبُونَ عَلَى جُلُودِهِمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ حُكْمَ الرَّجْمِ بَلْ نَجِدُ أَنْ نَفْضَحَهُمْ، وَيُجْلَدُونَ، وَإِنَّمَا أَتَى أَحَدُ الْفِعْلَيْنِ مَجْهُولًا، وَالْآخَرُ مَعْرُوفًا لِيُشْعِرَ بِأَنَّ الْفَضِيحَةَ مَوْكُولَةٌ إِلَيْهِمْ وَإِلَى اجْتِهَادِهِمْ إِنْ شَاءُوا سَخَّمُوا وَجْهَ الزَّانِي بِالْفَحْمِ، أَوْ عَزَّرُوهُ، وَالْجَلْدُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ (كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى الْمَاضِي، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، قَالَ ﷺ : فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَجَاءُوا بِهَا (فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ) وَفِي رِوَايَةٍ وَالَّذِي وَضَعَ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا (فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ) أَيْ فَرَفَعَ يَدَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (فَإِذَا فِيهَا) أَيْ فِي التَّوْرَاةِ (آيَةُ الرَّجْمِ فَقَالُوا: صَدَقَ) أَيِ ابْنُ سَلَامٍ (فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَرُجِمَا) بِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ فِي الْإِحْصَانِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ رَجْمَ الْيَهُودِيَّيْنِ إِنَّمَا كَانَ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَالْإِحْصَانُ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي دِينِهِمْ، وَكَانَ ﷺ يَعْمَلُ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ حُكْمُ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا نَزَلَ حُكْمُ الْقُرْآنِ نُسِخَ ذَلِكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ لِوُجُوبِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْكَافِرِ، وَإِنَّهُ يَصِحُّ نِكَاحُهُمْ، وَعَلَى الْمُحْصَنِ الرَّجْمُ، وَلَا يُجْلَدُ مَعَ الرَّجْمِ إِذْ لَوْ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهُ لَمْ يَثْبُتْ إِحْصَانُهُ، وَلَمْ يُرْجَمْ، وَفِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرَائِعِ، وَأَنَّ الْكُفَّارَ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا يَحْكُمُ الْقَاضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ شَرْعِنَا، قَالُوا: وَسُؤَالُهُ ﷺ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ لَيْسَ لِتَقْلِيدِهِمْ وَلَا لِمَعْرِفَةِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا هُوَ لِإِلْزَامِهِمْ مَا يَعْتَقِدُونَ فِي كِتَابِهِمْ، وَلِإِظْهَارِ مَا كَتَمُوهُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَأَرَادُوا تَعْطِيلَ نَصِّهَا، فَفَضَحَهُمْ بِذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ ﷺ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّ الرَّجْمَ فِي التَّوْرَاةِ مَوْجُودٌ فِي أَيْدِيهِمْ لَمْ يُغَيِّرُوهُ كَمَا لَمْ يُغَيِّرُوا أَشْيَاءَ أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ رَجَمَهُمَا بِمَا ذَكَرَتِ الْيَهُودُ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا إِذْ لَا اعْتِبَارَ بِشَهَادَتِهِمْ قُلْنَا: الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا أَقَرَّا بِذَلِكَ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِمَا أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِاحْتِمَالِ مَا جَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِمَا أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِي اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ فِي الْإِحْصَانِ وَكَذَا أَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَقَوْلُ مَالِكٍ كَقَوْلِنَا، فَلَوْ زَنَى الذِّمِّيُّ الثَّيِّبُ الْحُرُّ يُجْلَدُ عِنْدَنَا، وَيُرْجَمُ عِنْدَهُمْ، لَهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ، وَأَجَابَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا رَجَمَهَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، فَإِنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَوَّلًا، وَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ عِنْدَمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ حَدِّ الزِّنَا، وَلَيْسَ فِيهَا اشْتِرَاطُ الْإِسْلَامِ فِي الرَّجْمِ، ثُمَّ نَزَلَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فَالرَّجْمُ بِاشْتِرَاطِ الْإِحْصَانِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَتْلُوٍّ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «مَنْ شَرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» . رَوَاهُ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» . قَالَ إِسْحَاقُ: رَفَعَهُ مَرَّةً فَقَالَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَقَفَهُ مَرَّةً. وَمِنْ طَرِيقَةٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَقَالَ يَرْفَعُهُ غَيْرُ إِسْحَاقَ ابْنِ رَاهَوَيْهِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَلَفْظُ إِسْحَاقَ كَمَا تَرَاهُ لَيْسَ فِيهِ رُجُوعٌ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ عَنِ الرَّاوِي أَنَّهُ مَرَّةً رَفَعَهُ، وَمَرَّةً أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْفَتْوَى، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِثْلَهُ بَعْدَ صِحَّةِ الطَّرِيقِ إِلَيْهِ مَحْكُومٌ بِرَفْعِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ الرَّفْعُ وَالْوَقْفُ حُكِمَ بِالرَّفْعِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا ضَعْفٌ لَا يَضُرُّ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَسْهَلَ مِمَّا أَنْ يُدَّعَى أَنْ يُقَالَ حِينَ رَجَمَهُمَا: كَانَ الرَّجْمُ ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي
стр. 4961
شَأْنِ الرَّجْمِ» ثُمَّ الظَّاهِرُ كَوْنُ اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا وَإِلَّا لَمْ يَرْجُمْهَا لِانْتِسَاخِ شَرِيعَتِهِمْ وَإِنَّمَا كَانَ يَحْكُمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا سَأَلَهُمْ عَنِ الرَّجْمِ لِيُبَكِّتَهُمْ بِتَرْكِهِمْ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ، فَحَكَمَ بِرَجْمِهِمَا بِشَرْعِهِ الْمُوَافِقِ لِشَرْعِهِمْ، وَإِذَا لَزِمَ كَوْنُ الرَّجْمِ كَانَ ثَابِتًا فِي شَرْعِنَا حَالَ رَجْمِهِمْ بِلَا اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ الْمُفِيدُ لِاشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ تَارِيخٌ يُعْرَفُ بِهِ، أَمَّا تَقَدُّمُ اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ أَوْ تَأَخُّرُهُ فَيَكُونُ رَجْمُهُ الْيَهُودِيَّيْنِ وَقَوْلُهُ الْمَذْكُورُ مُتَعَارِضَيْنِ فَيُطْلَبُ التَّرْجِيحُ، وَالْقَوْلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ تَقْدِيمَ هَذَا الْقَوْلِ يُوجِبُ دَرْءَ الْحُدُودِ، وَتَقْدِيمُ ذَلِكَ الْفِعْلِ يُوجِبُ الِاحْتِيَاطَ فِي إِيجَابِ الْحَدِّ، وَالْأَوْلَى فِي الْحُدُودِ تَرْجِيحُ الدَّافِعِ عِنْدَ التَّعَارُضِ (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ) أَيِ الْوَاضِعُ يَدَهُ (فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ) أَيْ تَظْهَرُ غَايَةَ الْوُضُوحِ (فَقَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالُوا: (يَا مُحَمَّدُ) ﷺ (إِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ لَكِنَّا نَتَكَاتَمُهُ) أَيْ حُكْمَ الرَّجْمِ (بَيْنَنَا) أَيْ لِنَخُصَّ بِهِ الضَّعِيفَ دُونَ الشَّرِيفِ (فَأَمَرَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (بِهِمَا) أَيْ بِرَجْمِهِمَا أَوْ بِإِحْضَارِهِمَا (فَرُجِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4962
٣٥٦٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا شَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: أُحْصِنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ قَالَ: نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ فَأُدْرِكَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ» .
ــ
٣٥٦٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ) أَيْ جَاءَ ﷺ رَجُلٌ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ (فَنَادَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَتَنَحَّى) أَيِ الرَّجُلُ وَهُوَ تَفَعُّلٌ مِنَ النَّحْوِ بِمَعْنَى الْجِهَةِ (لِشِقِّ وَجْهِهِ) بِكَسْرِ الشِّينِ، وَضَمِيرُ وَجْهِهِ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَيْ: قَصَدَ الْجِهَةَ الَّتِي إِلَيْهَا وَجْهُهُ وَنَحَا نَحْوَهَا مِنْ قَوْلِهِ نَحَوْتُ الشَّيْءَ أَنْحُوهُ (الَّذِي) صِفَةُ وَجْهِهِ (أَعْرَضَ) أَيْ عَنْهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (قِبَلَهُ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ أَيْ مُقَابِلَ شِقِّ وَجْهِهِ (فَقَالَ: إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (فَلَمَّا شَهِدَ) أَيْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ كَأَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهَا بِإِقْرَارِهِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) أَيْ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ بِشَرْطِ غُيُوبَتِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَلَى مَا سَبَقَ وَبِالدَّلِيلِ تَحَقَّقَ فَكَانَ الشَّهَادَاتُ الْأَرْبَعُ بِمَنْزِلَةِ الشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَشْتَرِطُ التَّكْرَارَ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَيَحْتَجُّ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَجِيئِهِ مِنَ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ التَّكْرَارَ قَالَ: إِنَّمَا رَدَّهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لِشُبْهَةٍ دَاخَلَتْهُ فِي أَمْرِهِ، وَلِذَلِكَ (دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ سَأَلَهُ (قَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا) وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ: أَشَرِبْتَ خَمْرًا؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ فَقَالَ) زَنَيْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَرُدَّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لِلْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ لَا أَنَّ التَّكْرَارَ فِيهِ شَرْطٌ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ كَانَ الْمَأْخَذُ مُنْحَصِرًا فِي هَذَا الدَّلِيلِ وَلَمْ يُوجَدِ التَّكْرَارُ فِي غَيْرِ هَذَا الشَّخْصِ الْمُتَوَهِّمِ بِالتَّعْلِيلِ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: إِنَّمَا قَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ لِتَحَقُّقِ حَالِهِ فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَصِيرُ عَلَى إِقْرَارِ مَا يَقْتَضِي هَلَاكَهُ، مَعَ أَنَّ لَهُ طَرِيقًا إِلَى سُقُوطِ الْإِثْمِ بِالتَّوْبَةِ، وَهَذَا مُبَالَغَةٌ فِي تَحْقِيقِ حَالِ الْمُسْلِمِ وَصِيَانَةِ دَمِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِقْرَارَ الْمَجْنُونِ بَاطِلٌ، وَأَنَّ الْحُدُودَ لَا تُجْرَى عَلَيْهِ (قَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ (أُحْصِنْتَ؟) أَيْ أَأُحْصِنْتَ؟ (قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شُرُوطِ الرَّجْمِ مِنْ إِحْصَانٍ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ أَمْ بِالْبَيِّنَةِ، وَفِيهِ مُؤَاخَذَةُ الْإِنْسَانِ بِإِقْرَارِهِ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالْعَفْوِ عَنْ حَدِّ الزَّانِي إِذَا رَجَعَ عَنِ الْإِقْرَارِ (قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجْمَ كَافٍ وَلَا يُجْلَدُ (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) أَيِ الزُّهْرِيُّ (فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) أَيْ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ (يَقُولُ) أَيْ جَابِرٌ (فَرَجَمْنَاهُ بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ) أَيْ أَصَابَتْهُ بِحَدِّهَا فَعَقَرَتْهُ مِنْ ذَلَقَ الشَّيْءَ طَرَقَهُ (هَرَبَ) أَيْ فَرَّ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْجُومَ لَا يُشَدُّ، وَلَا يُرْبَطُ، وَلَا يُجْعَلُ فِي الْحُفْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْهُ الْفِرَارُ وَالْهَرَبُ، قُلْتُ: فِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى، ثُمَّ قَالَ: فَقَالَ قَوْمٌ لَا يُحْفَرُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يُحْفَرُ لِلْمَرْأَةِ لَا لِلرَّجُلِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا وَكَذَا التَّعْزِيرُ قَائِمًا غَيْرَ مَمْدُودٍ، وَتُضْرَبُ الْمَرْأَةُ جَالِسَةً، لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: يُضْرَبُ الرَّجُلُ
стр. 4963
قَائِمًا وَالْمَرْأَةُ قَاعِدَةً فِي الْحَدِّ وَلِأَنَّ مَبْنَى الْحَدِّ عَلَى التَّشْهِيرِ زَجْرًا لِلْعَامَّةِ عَنْ مِثْلِهِ، وَالْقِيَامُ أَبْلَغُ فِيهِ وَالْمَرْأَةُ مَبْنَى أَمْرِهَا عَلَى السَّتْرِ فَيُكْتَفَى بِتَشْهِيرِ الْحَدِّ فَقَطْ بِلَا زِيَادَةٍ وَإِنْ حُفِرَ لَهَا فِي الرَّجْمِ جَازَ ; لِأَنَّهُ أَسْتَرُ وَلِذَلِكَ حَفَرَ ﵊ لِلْغَامِدِيَّةِ إِلَى ثَنْدُوَتِهَا، وَالثَّنْدُوَةُ وَالْهَمْزَةُ مَكَانَ الْوَاوِ وَفَتْحُهَا مَعَ الْوَاوِ مَفْتُوحَةُ ثَدْيِ الرَّجُلِ أَوْ لَحْمُ الثَّدْيَيْنِ وَالدَّالُ مَضْمُومَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ وَمَا قِيلَ: الثَّدْيُ لِلْمَرْأَةِ وَالثَّنْدُوَةُ لِلرَّجُلِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِحَدِيثِ الَّذِي وَضَعَ سَيْفَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ وَكَذَا حَفَرَ عَلِيٌّ لِشُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ بِسُكُونِ الْمِيمِ وَهَى قَبِيلَةٌ كَانَتْ عَيْبَةَ عَلِيٍّ وَقَدْ مَدَحَهُمْ وَقَالَ فِي مَدْحِهِ لَهُمْ:
وَلَوْ كُنْتُ بَوَّابًا عَلَى بَابِ جَنَّةٍ ... لَقُلْتُ لِهَمَذَانَ ادْخُلْنَ بِسَلَامِ
وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ شُرَاحَةَ وَفِيهِ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ حَفَرَ لَهَا إِلَى السُّرَّةِ وَلَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ، لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَحْفُرْ لِمَاعِزٍ، وَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَتِهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ حَفَرَ لَهُ، وَهُوَ مُنْكَرٌ لِمُخَالَفَتِهِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ الْمَشْهُورَةَ وَالرِّوَايَاتِ الْكَثِيرَةَ وَالْمُتَظَافِرَةَ، وَلِأَنَّ مَبْنَى الْحَدِّ عَلَى التَّشْهِيرِ، زَادَ فِي شُهْرَةِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، وَيُكْتَفَى فِي الْمَرْأَةِ بِالْإِخْرَاجِ وَالْإِتْيَانِ بِهَا إِلَى مُجْتَمَعِ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ خُصُوصًا فِي الرَّجْمِ وَأَمَّا فِي الْجَلْدِ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] أَيِ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي وَاسْتُحِبَّ أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ طَائِفَةً أَيْ جَمَاعَةً أَنْ يَحْضُرُوا إِقَامَةَ الْحَدِّ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الطَّائِفَةِ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاحِدٌ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَقَالَ عَطَاءٌ، وَإِسْحَاقُ اثْنَانِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ثَلَاثَةٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَشَرَةٌ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ أَرْبَعَةٌ، وَالرَّبْطُ وَالْإِمْسَاكُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ تَجْرِيدٌ وَلَا مَدٌّ. وَلِأَنَّ مَاعِزًا انْتَصَبَ لَهُمْ قَائِمًا، لَمْ يُمْسَكْ وَلَمْ يُرْبَطْ، إِلَّا أَنْ لَا يَصْبِرَ وَأَعْيَاهُمْ، فَحِينَئِذٍ يُمْسَكُ فَيُرْبَطُ (حَتَّى إِذَا أَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ) وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ بَيْنَ جَبَلَيِ الْمَدِينَةِ (فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فَإِذَا هَرَبَ فِي الرَّجْمِ فَإِنْ كَانَ مُقِرًّا لَا يُتْبَعُ وَيُتْرَكُ، وَإِنْ كَانَ مَشْهُودًا عَلَيْهِ اتُّبِعَ، وَرُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ ; لِأَنَّ هَرَبَهُ رُجُوعٌ ظَاهِرًا، وَرُجُوعُهُ يَعْمَلُ فِي إِقْرَارِهِ لَا فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي صِفَةِ الرَّجُلِ أَنْ يَصُفُّوا ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ كَصُفُوفِ الصَّلَاةِ كُلَّمَا رَجَمَهُ صَفٌّ تَنَحَّوْا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْأَصْلِ بَلْ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ شُرَاحَةَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ عَنِ الْأَجْلَحِ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَفِيهِ إِحَاطَةُ النَّاسِ بِهَا، وَأَخَذُوا الْحِجَارَةَ قَالَ: لَيْسَ هَذَا الرَّجْمَ، إِذَا يُصِيبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، صُفُّوا كَصَفِّ الصَّلَاةِ صَفًّا خَلْفَ صَفٍّ، إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ رَجَمَهَا، فَرَجَمَهَا صَفٌّ ثُمَّ صَفٌّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . (وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ بِالْمُصَلَّى) قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالُوا الْمُرَادُ بِهِ مُصَلَّى الْجَنَائِزِ. وَتَشْهَدُ لَهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْجَنَائِزِ بِالْمَدِينَةِ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُصَلَّى الْجَنَائِزِ وَالْأَعْيَادِ إِذَا لَمْ يُجْعَلْ مَسْجِدًا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ حُكْمُهُ لَاجْتَنَبَ الرَّجْمَ فِيهِ لِتَلَطُّخِهِ بِالدِّمَاءِ. وَقَالَ الدَّارِمِيُّ: عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ مُصَلَّى الْعِيدِ وَغَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا هَلْ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا يُقَامُ حَدٌّ فِي مَسْجِدٍ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ وَلَا تَعْزِيرٌ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّأْدِيبِ فِي الْمَسْجِدِ خَمْسَةَ أَسْوَاطٍ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَقَامَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى الْحَدَّ فِي الْمَسْجِدِ فَخَطَّأَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ، وَمَجَانِينَكُمْ، وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ، وَشِرَاءَكُمْ، وَبَيْعَكُمْ، وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَجَمِّرُوهَا فِي جَمْعِكُمْ، وَضَعُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَظَاهِرَ» . وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنَ الْحَدِّ فَيَجِبُ نَفْيُهُ عَنِ الْمَسْجِدِ (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ) أَيْ مَسَّتْهُ وَأَصَابَتْهُ وَأَقْلَقَتْهُ (الْحِجَارَةُ) أَيْ طَرَفُهَا الْحَادُّ (فَرَّ فَأُدْرِكَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِدْرَاكِ بِمَعْنَى اللُّحُوقِ (فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ) أَيْ أَثْنَى عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ (خَيْرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي الْمُحْصَنِ إِذَا أَقَرَّ بِالزِّنَا، وَشَرَعُوا فِي رَجْمِهِ فَهَرَبَ هَلْ يُتْرَكُ أَمْ يُتَّبَعُ لِيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا: يُتْرَكُ وَلَكِنْ يُسْتَقَالُ لَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنِ الْإِقْرَارِ تُرِكَ، وَإِنْ أَعَادَهُ رُجِمَ، وَاحْتَجُّوا بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ وَلَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: الْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُتْرَكُ مُطْلَقًا. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يُتْبَعُ وَيُرْجَمُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُلْزِمْهُمْ دِيَتَهُ مَعَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ بَعْدَ هَرَبِهِ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالرُّجُوعِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الْحُكْمَ قَبْلَ ذَلِكَ وَالْجَهْلُ بِهِ عُذْرٌ.
стр. 4964
٣٥٦١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ، قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: أَنِكْتَهَا؟ - لَا يُكَنِّي - قَالَ: نَعَمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٥٦١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا أَتَى) أَيْ جَاءَ (مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ) وَفِي نُسْخَةٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ) بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ أَيْ فَعَلْتَ الْقُبْلَةَ بِالضَّمِّ (أَوْ غَمَزْتَ) أَيْ لَمَسْتَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ مِنْ غَمَزْتُ الشَّيْءَ بِيَدِي أَيْ لَمَسْتُ بِهَا، أَوْ أَشَرْتُ إِلَيْهِ بِهَا (أَوْ نَظَرْتَ) أَيْ قَصَدْتَ النَّظَرَ إِلَيْهَا فَإِنَّ كُلًّا يُسَمَّى زِنًا (قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَنِكْتَهَا) بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْكَافِ أَيْ أَجَامَعْتَهَا وَهُوَ مَقُولُ الْقَوْلِ وَقَوْلُهُ (لَا يُكَنِّي) حَالٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْكِنَايَةِ ضِدُّ التَّصْرِيحِ وَهُوَ قَوْلُ الرَّاوِي أَيْ قَالَ ﵊ ذَلِكَ مُصَرِّحًا غَيْرَ مُكَنٍّ عَنْهُ، وَهَذَا التَّصْرِيحُ تَصْرِيحٌ فِي اسْتِحْبَابِ التَّعْرِيضِ بِالْعَفْوِ إِذَا كَنَّى الْجَانِي، وَلَمْ يُصَرِّحْ (قَالَ) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (فَعِنْدَ ذَلِكَ) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ أَيْ مَاعِزٌ: نَعَمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ (أَمَرَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (بِرَجْمِهِ) أَيْ فَرُجِمَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَلْقِينِ الْمُقِرِّ بِالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرِهِمَا بِالرُّجُوعِ وَبِمَا يُعْتَذَرُ بِهِ مِنْ شُبْهَةٍ، فَيُقْبَلُ رُجُوعُهُ ; لِأَنَّ الْحُدُودَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالدَّرْءِ بِخِلَافِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَالِيَّةِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَغَيْرِهِمَا ; فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّلْقِينُ فِيهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ: «فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَقْبَلَ فِي الْخَامِسَةِ، فَقَالَ: أَنِكْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: حَتَّى ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَهَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا كَمَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ حَلَالًا، قَالَ: فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي. فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ، فَسَكَتَ عَنْهُمَا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلَيْهِ فَقَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ فَقَالَا: نَحْنُ هَذَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: انْزِلَا وَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ، فَقَالَا: وَمَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عَرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنَ الْأَكْلِ مِنْهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا» .
стр. 4965
٣٥٦٢ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: «جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي فَقَالَ: وَيْحَكَ! ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَتُبْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟ قَالَ: مِنَ الزِّنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَبِهِ جُنُونٌ؟ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ فَقَالَ: أَشَرِبَ خَمْرًا؟ فَقَامَ رَجُلٌ، فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، فَقَالَ: أَزَنَيْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَلَبِثُوا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ، ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيَحَكِ ارْجِعِي، فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: تُرِيدُ أَنْ تَرْدُدَنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَ: أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ. قَالَ: وَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَتَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: اذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي. فَلَمَّا وَلَدَتْ، قَالَ: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ. فَلَمَّا فَطَمَتْهُ، أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ، فَرَجَمُوهَا فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجْرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا، فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَهْلًا يَا خَالِدُ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ - مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٥٦٢ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي) أَيْ كُنْ سَبَبَ تَطْهِيرِي مِنَ الذَّنْبِ بِإِجْرَاءِ الْحَدِّ عَلَيَّ (فَقَالَ: وَيَحَكَ!) فِي النِّهَايَةِ: وَيْحَ كَلِمَةُ تَرَحُّمٍ وَتَوَجُّعٍ يُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَقَدْ يُقَالُ بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالتَّعَجُّبِ وَهَى مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقَدْ يُرْفَعُ، وَيُضَافُ، وَلَا يُضَافُ، يُقَالُ وَيْحَ زَيْدٍ، وَوَيْحًا لَهُ، وَوَيْحٌ لَهُ (ارْجِعْ) أَيْ عَنْ هَذَا الْمَقَالِ وَعَنْ هَذَا الْكَلَامِ (فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ) أَيْ بِاللِّسَانِ (وَتُبْ إِلَيْهِ) أَيْ بِالْجَنَانِ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِغْفَارِ التَّوْبَةُ، وَبِالتَّوْبَةِ الْمُدَاوَمَةُ وَالِاسْتِقَامَةُ عَلَيْهَا (قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ) أَيْ غَيْرَ زَمَانٍ بَعِيدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَالْأَظْهَرُ غَيْرَ مَكَانٍ بَعِيدٍ أَوْ رُجُوعًا غَيْرَ بَعِيدٍ بِمَعْنَى غَيْبَةٍ غَيْرِ بَعِيدَةٍ (ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي) وَلَعَلَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَطْهِيرِ نَفْسِهِ بِالتَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ، وَالرَّجْعَةِ النَّصِيحَةِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ) وَيْحَكَ إِلَخْ (حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ) أَيْ، وَقَالَ طَهِّرْنِي (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فِيمَ أُطَهِّرُكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: مِمَّ أُطَهِّرُكَ؟ وَفِي نُسْخَةٍ: بِمَ أُطَهِّرُكَ؟ وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيمَ بِالْفَاءِ وَالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ بِنُقْطَتَيْنِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَفِيهِ مَعْنَى التَّسَبُّبِ (قَالَ: مِنَ الزِّنَا) أَيْ مِنْ ذَنْبِهِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا يُسْأَلُ بِهَا عَنْ عُمُومِ الْأَحْوَالِ وَمَنِ ابْتِدَائِيَّةٌ فِي الْجَوَابِ مُضَمَّنَةٌ مَعْنَى السَّبَبِ ; لِأَنَّهَا لِإِنْشَاءِ الِابْتِدَاءِ، فَخُصَّتْ مَا بِهِ لِيُطَابِقَهَا كَأَنَّهُ قِيلَ فِي أَيِّ سَبَبٍ أُطَهِّرُكَ؟ وَأَجَابَ بِسَبَبِ الزِّنَا، وَنَظِيرُهُ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ
стр. 4966
الْعَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦ - ٨٧] ; لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ (مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ) مَعْنَى الْمَالِكِيَّةِ كَأَنَّهُ قِيلَ لِمَنِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ لِأَصْحَابِهِ (أَبِهِ جُنُونٌ فَأُخْبِرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ فَأَخْبَرُوهُ (أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: أَشَرِبَ خَمْرًا، فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ) أَيْ طَلَبَ نَكْهَتَهُ مِنْ رَائِحَةِ فَمِهِ لِيَعْلَمَ أَشَارِبٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ شَارِبٍ (فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، فَقَالَ: أَزَنَيْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ) أَيْ بِرَجْمِهِ (فَرُجِمَ، فَلَبِثُوا يَوْمَيْنِ) أَيْ بَعْدِ رَجْمِهِ (أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ) أَيِ اطْلُبُوا لَهُ مَزِيدَ الْمَغْفِرَةِ وَتَرَقِّي الدَّرَجَةِ (لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً) أَيْ مِنْ ذَنْبِهِ هَذَا (لَوْ قُسِّمَتْ) أَيْ ثَوَابُهَا (بَيْنَ أُمَّةٍ) أَيْ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ (لَوَسِعَتْهُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَكَفَتْهُمْ سَعَةً يَعْنِي تَوْبَةً تَسْتَوْجِبُ مَغْفِرَةً وَرَحْمَةً تَسْتَوْعِبَانِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنَ الْخَلْقِ يَدُلُّ قَوْلُهُ فِي الْغَامِدِيَّةِ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ - مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ فَإِنْ قُلْتَ: فَإِذًا مَا فَائِدَةُ اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزٍ؟ قَلْتُ: فَائِدَةُ قَوْلِهِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] إِلَى قَوْلِهِ: وَاسْتَغْفِرُوا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ١ - ٢] فَإِنَّ الثَّانِي طَلَبُ مَزِيدِ الْغُفْرَانِ وَمَا يَسْتَدْعِيهِ مِنَ التَّرَقِّي فِي الْمَقَامَاتِ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٩٠] (ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَمَنِ (مِنَ الْأَزْدِ) قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْغَامِدِيَّةُ مِنْ بَنِي غَامِدٍ حَيٌّ مِنَ الْأَزْدِ قَالَهُ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ، وَفِي كِتَابِ أَنْسَابِ الْعَرَبِ غَامِدٌ بَطْنٌ مِنْ خُزَاعَةَ، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَتَتِ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيْحَكِ! فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: تُرِيدُ أَنْ تَرْدُدَنِي) أَيْ تُرْجِعَنِي (كَمَا رَرَدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَا) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الزِّنَا مَقْصُورٌ فِي اللُّغَةِ الْفُصْحَى لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) وَيُمَدُّ فِي لُغَةِ نَجْدٍ وَعَلَيْهَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ
أَبَا طَاهِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفُ زِنَاؤُهُ وَمَنْ يَشْرَبِ الْخُرْطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرَا بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِهَا مِنَ السُّكْرِ وَالْخُرْطُومُ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ إِنَّهَا حُبْلَى جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةُ بَيَانٍ لِمُوجِبِ قِيَاسِ حَالِهَا عَلَى حَالِ مَاعِزٍ وَالْعِلَّةُ غَيْرُ جَامِعَةٍ، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: إِنِّي غَيْرُ مُتَمَكِّنَةٍ مِنَ الْإِنْكَارِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ لِظُهُورِ الْحَبَلِ بِخِلَافِهِ، وَقَوْلُهُ: إِنَّهَا حُبْلَى عَلَى الْغَيْبَةِ حِكَايَةُ مَعْنًى، وَقَوْلُهَا: إِنِّي حُبْلَى يَدُلُّ عَلَى الْجَوَابِ (فَقَالَ: أَنْتِ؟) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَدِّ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ لِأَنَّهُ تَقْرِيرٌ لِمَا تَكَلَّمَتْ بِهِ (قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ لَهَا: حَتَّى) أَيِ اصْبِرِي إِلَى أَنْ (تَضَعِي) وَقَالَ الطِّيبِيُّ: غَايَةٌ لِجَوَابِ قَوْلِهَا: طَهِّرْنِي أَيْ لَمْ أُطَهِّرْكِ حَتَّى تَضَعِي (مَا فِي بَطْنِكِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ أَنَّ الْحَامِلَ لَا يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ مَا لَمْ تَضَعِ الْحَمْلَ لِئَلَّا يَلْزَمَ إِهْلَاكُ الْبَرِيءِ بِسَبَبِ الْمُذْنِبِ سَوَاءٌ كَانَتِ الْعُقُوبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْعِبَادِ (قَالَ) أَيِ الرَّاوِي (فَكَفَلَهَا) بِالتَّخْفِيفِ أَيْ قَامَ بِمُؤْنَتِهَا وَمَصَالِحِهَا (رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْكَفَالَةِ الَّتِي بِمَعْنَى الضَّمَانِ لِأَنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي حُدُودِ اللَّهِ (فَأَتَى) أَيِ الرَّجُلُ (النَّبِيَّ ﷺ أَيْ بَعْدَ مُدَّةٍ (فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ) أَيْ فَمَا الْحُكْمُ فِيهَا؟ (فَقَالَ: إِذًا) بِالتَّنْوِينِ (لَا نَرْجُمُهَا)
стр. 4967
بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ (وَتَدَعُ وَلَدَهَا) بِالْوَجْهَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذًا هُوَ جَوَابٌ وَجَزَاءٌ يَعْنِي إِذَا وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ فَلَا تَرْجُمْهَا، وَتَتْرُكُ وَلَدَهَا (صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ (فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرٍ أَيْ رَضَاعُهُ مَوْكُولٌ إِلَيَّ (يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ:) أَيِ الرَّاوِي (فَرَجَمَهَا) أَيْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجْمِهَا، فَرُجِمَتْ (وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: اذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي. فَلَمَّا وَلَدَتْ، قَالَ: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ أَيْ تَفْصِلِينَهُ مِنَ الرَّضَاعِ (فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ أَتَتْهُ، وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ رَاجِعٌ إِلَيْهِ ﷺ (فِي يَدِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ وَفِي يَدِهِ (كِسْرَةُ خُبْزٍ) الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ مَفْعُولٌ (فَقَالَتْ: هَذَا) أَيْ وَلَدِي (يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ) فِيهِ أَنَّ رَجْمَ الْحَامِلِ يُؤَخَّرُ إِلَى أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا وَلَدُهَا إِذَا لَمْ يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ (فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ النَّوَوِيُّ: الرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ مُخَالِفَةٌ لِلْأُولَى، فَإِنَّ الثَّانِيَةَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ رَجْمَهَا كَانَ بَعْدَ الْفِطَامِ وَأَكَلِ الْخُبْزِ، وَالْأُولَى ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ رَجْمَهَا عَقِيبَ الْوِلَادَةِ فَوَجَبَ تَأْوِيلُ الْأُولَى لِصَرَاحَةِ الثَّانِيَةِ لِتَتَّفِقَا؛ لِأَنَّهُمَا فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ، فَقَوْلُهُ فِي الْأُولَى: فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ إِنَّمَا قَالَهُ بَعْدَ الْفِطَامِ، وَأَرَادَ بِالرَّضَاعَةِ كَفَالَتَهُ وَتَرْبِيَتَهُ سَمَّاهَا رَضَاعًا مَجَازًا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالطَّرِيقَانِ فِي مُسْلِمٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ رَجَمَهَا حِينَ فَطَمَتْ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ أَنَّهُ رَجَمَهَا حِينَ وَضَعَتْ، وَهَذَا أَصَحُّ طَرِيقًا ; لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ وَفِيهِ مُقَاتِلٌ وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَتَيْنِ، وَوَقَعَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ نِسْبَتُهَا إِلَى الْأَزْدِ وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَفِيهِ رَجَمَهَا بَعْدَ أَنْ وَضَعَتْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ أَيْ إِنِّي أَتَكَفَّلُ مُؤْنَةَ الْمُرْضِعَةِ لِتُرْضِعَ وَلَدَهَا كَمَا كَفَلَ الرَّجُلُ مُؤْنَتَهَا حِينَ كَانَتْ حَامِلًا، فَإِذَا الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَرَجَمَهَا فَصَيْحَةٌ أَيْ سَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ وَلَدِهَا فَأَرْضَعَتْهُ حَتَّى فَطَمَتْهُ، وَأَتَتْهُ بِهِ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى غَيْرِهَا (ثُمَّ أَمَرَ بِهَا) أَيْ بِرَجْمِهَا (فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِأَمْرٍ مِنْهُ ﷺ وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: إِنَّ تَرْكَ الْحَفْرِ لَمْ يَضُرَّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ. اه وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِتَقْدِيرِهِ فَيُسْتَحَبُّ الْحَفْرُ لَهَا عَلَى مَا سَبَقَ. وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يَعْنِي لَمْ يُوجِبْهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ هُوَ الْإِيجَابُ، وَقَالَ: إِنَّهُ ﵊ حَفَرَ لِلْغَامِدِيَّةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادَ إِلَّا أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ فَيَكُونُ مَجَازًا عَنْ أَمَرَ (وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا) وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ حُضُورِهِ فِي رَجْمِهَا بَلِ الظَّاهِرُ وَجُودُهُ حِينَئِذٍ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ ﵊ لِخَالِدٍ بَعْدَ سَبِّهِ إِيَّاهَا، وَلِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «رَجَمَ الْغَامِدِيَّةَ، فَحَفَرَ لَهَا إِلَى الثَّنْدُوَةِ» . ثُمَّ ذَكَرَ إِسْنَادًا آخَرَ، وَزَادَ: ثُمَّ رَمَاهَا بِحَصَاةٍ مِثْلِ الْحِمِّصَةِ وَقَالَ: ارْمُوا، وَاتَّقُوا الْوَجْهَ، فَلَمَّا طُفِئَتْ، أَخْرَجَهَا، وَصَلَّى عَلَيْهَا، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ، وَفِيهِمْ مَجْهُولٌ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ تَمَّ أَمْرُ هَذَا الْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطٍ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ، فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ عَلِيًّا كَانَ إِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ الشُّهُودُ عَلَى الزِّنَا أَمَرَ الشُّهُودَ أَنْ يَرْجُمُوا، ثُمَّ يَرْجُمُ هُوَ، ثُمَّ يَرْجُمُ النَّاسُ، فَإِنْ كَانَ بِإِقْرَارٍ بَدَأَ هُوَ فَرَجَمَ، ثُمَّ رَجَمَ النَّاسُ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرِيُّ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الزِّنَا زِنَاآنِ زِنَا السِّرِّ وَزِنَا الْعَلَانِيَةِ، فَزِنَا السِّرِّ يَشْهَدُ الشُّهُودُ، فَيَكُونُ الشُّهُودُ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِي ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَزِنَا الْعَلَانِيَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ فَيَكُونُ الْإِمَامُ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِي، قَالَ: وَفِي يَدِهِ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ فَرَمَاهَا بِحَجَرٍ، فَأَصَابَ صُدْغَهَا، فَاسْتَدَارَتْ، وَرَمَى النَّاسُ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ لِشُرَاحَةَ زَوْجٌ غَائِبٌ بِالشَّامِ، وَأَنَّهَا حَمَلَتْ فَجَاءَ بِهَا مَوْلَاهَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ زَنَتْ، فَاعْتَرَفَتْ فَجَلَدَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَحَفَرَ لَهَا إِلَى السُّرَّةَ وَأَنَا شَاهِدٌ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الرَّجْمَ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَلَوْ كَانَ
стр. 4968
شَهِدَ عَلَى هَذِهِ أَحَدٌ لَكَانَ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِي الشَّاهِدُ يَشْهَدُ ثُمَّ يُتْبِعُ شَهَادَتَهُ حَجَرَهُ، وَلَكِنَّهَا أَقَرَّتْ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَرْمِيهَا، فَرَمَاهَا بِحَجَرٍ، فَرَمَاهَا النَّاسُ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْأَجْلَحِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: لَعَلَّهُ وَقَعَ عَلَيْكِ وَأَنْتَ نَائِمَةٌ، قَالَتْ: لَا. قَالَ: لَعَلَّهُ اسْتَكْرَهَكِ. قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَأَمَرَ بِهَا، فَحُبِسَتْ فَلَمَّا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا أَخْرَجَهَا يَوْمَ الْخَمِيسَ، فَضَرَبَهَا مِائَةً، وَحُفِرَ لَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الرَّحْبَةِ، وَأَحَاطَ النَّاسُ بِهَا. الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ صَفَّهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ، ثُمَّ رَجَمَهَا، ثُمَّ أَمَرَهُمْ، فَرَجَمَ صَفٌّ ثُمَّ صَفٌّ ثُمَّ صَفٌّ (فَيُقْبِلُ) مِنَ الْإِقْبَالِ وَالْمُضَارِعُ لِحِكَايَةِ الْحَالِ (خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرْوَى هَذَا اللَّفْظُ بِالْيَاءِ ذَاتِ النُّقْطَتَيْنِ مِنْ تَحْتُ بَيْنَ يَدَيِ الْقَافِ وَاللَّامِ عَلَى زِنَةِ الْمَاضِي مِنَ التَّقْبِيلِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ مَعْنًى، وَرِوَايَةً وَإِنَّمَا أَتَاهُمُ الْغَلَطُ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الرَّاوِيَ أَتَى بِهِ عَلَى بِنَاءِ الْمُضَارِعِ مِنَ الْإِقْبَالِ كَأَنَّهُ يُرِيدُ حِكَايَةَ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ، وَرَوَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الْإِقْبَالِ لَأَتَى بِهِ عَلَى زِنَةِ الْمَاضِي لِكَوْنِهِ أَشْبَهَ بِنَسَقِ الْكَلَامِ، وَصَحَّحَ الْقَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَقَالَ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَتَقَيَّلَ بِالْيَاءِ عَلَى صِيغَةِ الْمَاضِي مِنَ التَّقَيُّلِ وَهُوَ التَّبَعُ أَيْ تَبِعَهَا بِحَجَرٍ (فَرَمَى رَأْسَهَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي أَنَّ الْقِصَّةَ إِذَا كَانَتْ عَجِيبَةَ الشَّأْنِ يُعَدَّلُ مِنَ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِعِ لِتَصْوِيرِ تِلْكَ الْحَالَةِ مُشَاهَدَةً وَاسْتِحْضَارًا لِيَتَعَجَّبَ السَّامِعُ مِنْهَا وَلَا ارْتِيَابَ أَنَّ قِصَّةَ خَالِدٍ وَمَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: مَهْلًا. وَمِنْ تَمْثِيلِ تَوْبَتِهَا بِتَوْبَةِ الْعِشَارِ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهَا، وَيُسْتَغْرَبُ فِيهَا قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْأَفْعَالُ الْمَذْكُورَةُ كُلُّهَا بِالصِّيغَةِ الْمُضَارِعَةِ فَتَأَمَّلْ (فَتَنَضَّحَ) بِتَشْدِيدِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِي بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُعْجَمَةِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْمُهْمَلَةِ، وَالْمَعْنَى تَرَشَّشَ، وَانْصَبَّ وَفِي النِّهَايَةِ: النَّضْحُ قَرِيبٌ مِنَ النَّضْخِ، وَقِيلَ: بِالْمُعْجَمَةِ الْأَثَرُ يَبْقَى فِي الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ وَبِالْمُهْمَلَةِ الْفِعْلُ نَفْسُهُ، وَقِيلَ: هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ مَا فُعِلَ تَعَمُّدًا وَبِالْمُهْمَلَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ (فَسَبَّهَا) أَيْ فَشَتَمَهَا (خَالِدٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَهْلًا) أَيْ أَمْهِلْ مَهْلًا أَيِ ارْفِقْ رِفْقًا فَإِنَّهَا مَغْفُورَةٌ فَلَا تَسُبَّهَا (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً) أَيْ نَدِمَتْ نَدَامَةً، أَوْ رَجَعَتْ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ رَجْعَةً (لَوْ تَابَهَا) لَوْ تَابَ تَوْبَتَهَا (صَاحِبُ مَكْسٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَأَصْلُهُ الْجِنَايَةُ وَيُطْلَقُ عَلَى الضَّرِيبَةِ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْمَاكِسُ وَهُوَ الْعِشَارُ (لَغُفِرَ لَهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْمَكْسَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي الْمُوبِقَاتِ وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُطَالَبَةِ النَّاسِ وَمَظْلَمَاتِهِمْ عِنْدَهُ لِتَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَصَرْفِهَا فِي غَيْرِ وَجْهِهَا، قُلْتُ: وَهُوَ مَنْ أَقْبَحِ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَالَ الَّذِي شَقِيقُ الرُّوحِ فِي وَقْتٍ ضَيِّقٍ قَهْرًا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ وَلَا طَرِيقٍ عُرْفِيٍّ بَلْ يَتَعَدَّى عَلَى الْمُسْلِمِينَ زِيَادَةً عَلَى مُصْطَلَحِ الْكَافِرِينَ، وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ عُلَمَاءِ زَمَانِنَا وَمَشَايِخِ أَوَانِنَا إِنَّهُمْ يَقْبَلُونَ مِنْهُمْ هَذَا الْمَالَ وَيَصْرِفُونَهُ فِي تَحْصِيلِ الْمَنَالِ، وَلَا يَتَأَمَّلُونَ فِي الْمَالِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ وَالرِّزْقَ الْحَلَالَ، وَسَنَّ الْأَعْمَالِ (ثُمَّ أَمَرَ) أَيِ النَّاسَ (بِهَا) أَيْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا (فَصُلِّيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَنَائِبُهُ قَوْلُهُ: (عَلَيْهَا) وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ أَوِ الْمَأْمُورُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا، قَالَ الْقَاضِيَ عِيَاضٌ: هِيَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَاللَّامِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ رُوَاةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَعِنْدَ الصُّبْرِيِّ بِضَمِّ الصَّادِ، قَالَ: وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبَى دَاوُدَ كَذَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ فَصَلَّى بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَصْلًا، وَيَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَيْ بِتَجْهِيزِهَا مِنْ غَسْلِهَا، وَتَكْفِينِهَا، وَإِحْضَارِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَقَدْ زَنَتْ؟ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهَا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تُنَافِي الْأُولَى، فَتُحْمَلُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ صَلَاتَهُ ﵊ عَلَى مَاعِزٍ، وَقَدْ ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ اه.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَكَانَ أَرْبَابُ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي الْمِشْكَاةِ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الرِّوَايَاتِ اخْتَلَفَتْ فِي أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَيْهَا أَمْ لَا اخْتَارُوا ضَبْطَ لَفْظِهِ (صُلِّيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ لِيَشْمَلَ الِاحْتِمَالَيْنِ، لَكِنَّهُ مُوهِمٌ، فَالْأَوْلَى مُتَابَعَةُ الْجُمْهُورِ مُوَافَقَةَ النَّقْلِ الْمَشْهُورِ. (وَدُفِنَتْ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْجُومِ، وَكَرِهَهَا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ لِلْإِمَامِ، وَلِأَهْلِ الْفَضْلِ دُونَ بَاقِي
стр. 4969
النَّاسِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ: يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ، وَأَهْلُ الْفَضْلِ فِي غَيْرِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْفُسَّاقِ وَالْمَقْتُولِينَ فِي الْمُحَارَبَةِ وَالْحُدُودِ وَأَوْلَادِ الزِّنَا، سِوَى قَتَادَةَ فَإِنَّهُ مَنَعَ مِنْ أَنْ يُصَلَّى عَلَى أَوْلَادِ الزِّنَا. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ يُكَفِّرُ ذَنْبَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي حُدَّ بِهَا. فَإِنْ قِيلَ: مَا بَالُ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ لَمْ يَقْنَعَا بِالتَّوْبَةِ، وَهِيَ مُحَصِّلَةٌ لِغَرَضِهَا مِنْ سُقُوطِ الْإِثْمِ، فَأَصَرَّا عَلَى الْإِقْرَارِ، فَرَجَمَهَا؟ . فَالْجَوَابُ: أَنَّ تَحْصِيلَ الْبَرَاءَةِ بِالْحَدِّ مُتَيَقَّنٌ لَاسِيَّمَا بِمُشَاهَدَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا التَّوْبَةُ فَيُخَافُ أَنْ لَا تَكُونَ نَصُوحًا، وَأَنْ يُخِلَّ بِشَيْءٍ مِنْ شُرُوطِهَا، وَفِيهِ احْتِجَاجٌ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْحِجَازِيِّينَ، أَنَّهُ يُحَدُّ مَنْ وُجِدَ فِيهِ رِيحُ الْخَمْرِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، وَلَمْ يُقِرَّ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبَى حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ بِمُجَرَّدِ الرِّيحِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ وَإِقْرَارٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا تُرْجَمُ الْحُبْلَى حَتَّى تَضَعَ، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلُهَا مِنْ زِنًا أَوْ غَيْرِهِ، لِئَلَّا يُقْتَلَ الْبَرِئُ مِنَ الذَّنْبِ، وَكَذَا لَا تُجْلَدُ، وَأَنَّهُ إِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا قِصَاصٌ وَهِيَ حَامِلٌ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا وَتُرْضِعَ وَلَدَهَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ بُرَيْدَةَ قَالَ: «رُجِمَ مَاعِزٌ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: " اصْنَعُوا بِهِ مَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ مِنَ الْغُسْلِ وَالْحَنُوطِ وَالْكَفَنِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ» ". وَأَمَّا صَلَاتُهُ ﵊ عَلَى الْغَامِدِيَّةِ، فَأَخْرَجَهُ السِّتَّةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. الْحَدِيثَ بِطُولِهِ إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِرَجْمِهَا، فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: " لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ» ". وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي أَمْرِ مَاعِزٍ قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحُوهُ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ دَاوُدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، أَنَّهُ ﵊ لَمْ يُصَلِّ عَلَى مَاعِزٍ، وَلَمْ يَنْهَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَفِيهِ مَجَاهِيلُ، فَإِنَّ فِيهِ عَنْ أَبِي بُسْرٍ: حَدَّثَنِي نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ. نَعَمْ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي مَاعِزٍ، وَقَالَ لَهُ خَيْرًا، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، مُعَارِضٌ صَرِيحٌ فِي صَلَاتِهِ عَلَيْهِ لَكِنَّ الْمُثْبِتَ أَوْلَى مِنَ النَّافِي.
стр. 4970
٣٥٦٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٥٦٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا) : أَيْ: ظَهَرَ (فَلْيَجْلِدْهَا) أَيْ أَحَدُكُمْ (الْحَدَّ) أَيِ الْجَلْدَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَلْيَجْلِدْهَا) . قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَدُّ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ الْمَشْرُوعَ. وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: وَفِي ذِكْرِ الْأَمَةِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ حَدَّهَا مَنْكُوحَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا الْجَلْدُ إِلَّا أَنَّهُ نِصْفُ جَلْدِ الْحَرَائِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وَأُرِيدَ بِالْعَذَابِ الْجَلْدُ لَا الرَّجْمُ، لِأَنَّهُ لَا يُنَصَّفُ، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ لِلْمَوْلَى إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى مَمْلُوكِهِ، وَعُلَمَاؤُنَا حَمَلُوا قَوْلَهُ: فَلْيَجْلِدْهَا عَلَى التَّسَبُّبِ أَيْ لِيَكُنْ سَبَبًا لِجَلْدِهَا بِالْمُرَافَعَةِ إِلَى الْإِمَامِ، وَفِي الْهِدَايَةِ: لَا يُقِيمُ الْمَوْلَى الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ: يُقِيمُ بِلَا إِذْنٍ. وَعَنْ مَالِكٍ إِلَّا فِي الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ مِنَ الْمَوْلَى أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا أَوْ مُكَاتَبًا أَوِ امْرَأَةً، وَهَلْ يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَتْلًا بِسَبَبِ الرِّدَّةِ، أَوْ قَطْعِ الطَّرِيقِ، أَوْ قَطْعًا لِلسَّرِقَةِ؟ فَفِيهِ خِلَافٌ عِنْدَهُمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ، نَعَمْ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: الْأَصَحُّ أَنَّ الْقَتْلَ وَالْقَطْعَ إِلَى الْإِمَامِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَهُمْ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ ﷺ عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ؟ قَالَ: (إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، وَإِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، وَإِنْ زَنَتْ، فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ» ) . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: مَا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، وَالضَّفِيرُ: الْحَبْلُ. وَفِي السُّنَنِ قَالَ ﵊: ( «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» ) وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَعْزِيرَهُ صِيَانَةً لِمِلْكِهِ عَنِ الْفَسَادِ فَكَذَا الْحَدُّ، وَلِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً مُطْلَقَةً عَلَيْهِ
стр. 4971
حَتَّى مَلَكَ مِنْهُ مَا لَا يَمْلِكُ الْإِمَامُ مِنَ التَّصَرُّفِ، فَمِلْكُهُ الْإِقَامَةُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنَ الْإِمَامِ، وَلَنَا مَا رَوَى الْأَصْحَابُ فِي كُتُبِهِمْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: «أَرْبَعٌ إِلَى الْوُلَاةِ الْحُدُودُ وَالصَّدَقَاتُ وَالْجُمُعَاتُ وَالْفَيْءُ» ; وَلِأَنَّ الْحَدَّ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ فَلَا يَسْتَوْفِيهِ إِلَّا نَائِبُهُ وَهُوَ الْإِمَامُ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ يَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَوْنِهِ حَقَّ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَوْفِيهِ نَائِبُهُ مُسْلِمٌ، لَكِنَّ الِاسْتِنَابَةَ تُعْرَفُ بِالسَّمْعِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ اسْتَنَابَ فِي حَقِّهِ الْمُتَوَجِّهِ مِنْهُ عَلَى الْأَرِقَّاءِ مَوَالِيهِمْ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْإِقَامَةِ بِنَفْسِهِ ظَاهِرَةٌ، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِقَامَةَ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَوْ أَمَرَ بِهِ غَيْرُهُ كَانَ مُمْتَثِلًا، فَجَازَ كَوْنُ الْمُرَادِ ذَكَرَهُ لِلْإِمَامِ لِيَأْمُرَ بِإِقَامَتِهِ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَثْبُتِ الْمُعَارِضُ الْمَذْكُورُ لَا يَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ عَلَى الظَّاهِرِ الْمُتَبَادِرِ مِنْ كَوْنِ الْقَائِلِ: أَقَامَ فُلَانٌ أَوْ جُلِدَ فُلَانٌ، أَنَّهُ بَاشَرَهُ أَوْ أَمَرَ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُتَبَادِرَ أَحَدُ دَائِرَةٍ فِيهِمَا لَا فِي ثَلَاثَةٍ، وَهُمَا هَذَانِ مَعَ رَفْعِهِ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَحُدَّهُ نَعَمْ مَنِ اسْتَقَرَّ اعْتِقَادُهُ عَلَى أَنَّ إِقَامَةَ الْحُدُودِ إِلَى الْإِمَامِ فَالْمُتَبَادِرُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ الْأَخِيرِ بِخُصُوصِهِ اه. كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْمُحَقِّقِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. (وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ لَا يَعِيبُ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى الْأَمَةِ وَلَا يُعَيِّرْهَا أَحَدٌ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، لِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ لِذَنْبِهَا. قَالَ الْقَاضِي: التَّثْرِيبُ التَّأْنِيبُ وَالتَّعْيِيرُ، وَكَانَ تَأْدِيبُ الزُّنَاةِ قَبْلَ شَرْعِ الْحَدِّ هُوَ التَّثْرِيبَ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُمْ بِالْجَلْدِ، وَنَهَى عَنِ الِاقْتِصَارِ بِالتَّثْرِيبِ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا أَسْقَطَ التَّغْرِيبَ عَنِ الْمَمَالِيكِ نَظَرًا لِلسَّادَةِ صِيَانَةً لِحُقُوقِهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ، وَأَنَّ السَّيِّدَ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِمَا، وَلَهُ أَنْ يَتَفَحَّصَ عَنْ جُرْمِهِمَا، وَيَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ لِلْجُمْهُورِ. قُلْتُ: الصَّرَاحَةُ مَمْنُوعَةٌ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَكَذَا لَفْظُ أَحَدِكُمْ فَيَشْمَلُ الْإِمَامَ وَغَيْرَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ فَيَنْصَرِفُ الْمُطْلَقُ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ الْعَالِمُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِّ مِنَ الشُّرُوطِ، وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِكِينَ لَهُ أَهْلِيَّةُ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الْمَالِكَ مُتَّهَمٌ فِي ضَرْبِهِ وَقَتْلِهِ أَنَّهُ لِذَلِكَ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ جَوَّزَ لَهُ عَلَى إِطْلَاقِهِ لَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَسَادٌ كَثِيرٌ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ رِوَايَةُ: إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، وَرِوَايَةُ: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» . وَلَعَلَّ وَجْهُ التَّخْصِيصِ أَنَّ الزِّنَا لَمْ يَكُنْ عَيْبًا فِي الْجَوَارِي وَالْعَبِيدِ أَيَّامَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي الْحَدِّ مَعَ الْأَحْرَارِ، لَكِنْ بِطْرِيقِ التَّنْصِيصِ كَمَا دَلَّ عَلَى الْآيَةِ. (ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ) ، فِيهِ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِّ وَالتَّثْرِيبِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ الزَّانِيَ إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الزِّنَا تَكَرَّرَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَأَمَّا إِذَا زَنَا مَرَّاتٍ وَلَمْ يُحَدَّ، فَيَكْفِي حَدٌّ وَاحِدٌ لِلْجَمِيعِ، (ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا) : أَيْ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ أَوْ قَبْلَهَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: فَلْيَجْلِدْهَا لِيَكُنْ سَبَبُ جَلْدِهَا بِالْمُرَافَعَةِ، لِيَحْصُلَ تَأْدِيبُهَا، وَلَمَّا تَكَرَّرَ مِنْهَا، وَعُلِمَ عَدَمُ النَّفْعِ فِيهَا، فَأَمَرَهُ بِبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِ إِقَامَةِ حَدِّهَا. (وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهَا قَلِيلًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَرْكُ مُخَالَطَةِ الْفُسَّاقِ وَأَهْلِ الْمَعَاصِي، وَهَذَا الْبَيْعُ الْمَأْمُورُ بِهِ مُسْتَحَبٌّ. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ وَاجِبٌ، وَفِيهِ جَوَّزَ بَيْعَهُ الشَّيْءَ الثَّمِينَ بِثَمَنٍ حَقِيرٍ إِذَا كَانَ الْبَائِعُ عَالِمًا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَفِيهِ خِلَافٌ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ فَإِنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَهُ خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ، وَعَلَى الْبَائِعِ بَيَانُ حَالِ السِّلْعَةِ وَعَيْبِهَا لِلْمُشْتَرِي. قُلْتُ: هَذَا كَلَامٌ بِرَأْسِهِ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكْرَهُ شَيْئًا لِنَفْسِهِ وَيَرْتَضِيهِ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ؟ فَالْجَوَابُ: لَعَلَّ الزَّانِيَةَ تَسْتَعِفُّ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِهَا أَوْ بِصَوْنِهَا أَوْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَالتَّوْسِعَةِ عَلَيْهَا، أَوْ تَزْوِيجِهَا. قُلْتُ: إِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، فَالسُّؤَالُ سَاقِطٌ مَنْ أَصِلِهِ، نَعَمْ يَحْتَاجُ الْجَوَابُ عَمَّنْ يَشْتَرِيهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ بَيْعَهَا بِمَنْزِلَةِ التَّغْرِيبِ زَجْرًا وَسِيَاسَةً وَدَلَالَةً إِلَى أَنَّهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّرْبِيَةِ عِنْدَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4972
٣٥٦٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: (أَحْسَنْتَ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ (دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) .
ــ
٣٥٦٤ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ) أَيِ الْمُؤْمِنُونَ (أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمْ) : بِتَشْدِيدِ الْقَافِ جَمْعُ رَقِيقٍ أَيْ: مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ (الْحَدَّ) : أَيْ ضَرْبُ جَلْدِ (مَنْ أُحْصِنَ) : أَيْ وَتَزَوَّجَ (مِنْهُمْ) : أَيْ مِنْهُنَّ فَفِيهِ حَذْفٌ أَوْ تَغْلِيبٌ (وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَقْيِيدُ الْأَرِقَّاءِ بِالْإِحْصَانِ، مَعَ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ شَرْطُ الْإِحْصَانِ يُرَادُ بِهِ كَوْنُهُنَّ مُزَوَّجَاتٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] حَيْثُ وَصَفَهُنَّ بِالْإِحْصَانِ، فَقَالَ: فَإِذَا أُحْصِنَّ وَحَكَمَ (فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا) وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ التَّأْوِيلِ (فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ) : أَيْ جَدِيدُ زَمَانٍ (بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا) . قَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ مَفْعُولُ فَخَشِيتُ وَجَلَدْتُهَا مُفَسِّرٌ لِعَامِلِ أَنَا الْمُقَدَّرِ بَعْدَ إِنِ الشَّرْطِيَّةِ كَقَوْلِ الْحَمَاسِيِّ:
وَإِنْ هِيَ لَمْ تَحْمِلْ عَنِ النَّفْسِ ضَيْمَهَا ... فَلَيْسَ إِلَى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبِيلُ
وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ الْمُعْتَرِضُ فِيهِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَمَفْعُولِهِ. (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (أَحْسَنْتَ) . فِيهِ: إِنَّ جَلْدَ ذَاتِ النِّفَاسِ يُؤَخَّرُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ نِفَاسِهَا ; لِأَنَّ نِفَاسَهَا نَوْعُ مَرْضٍ فَتُؤَخَّرُ إِلَى زَمَانِ الْبُرْءِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَإِذَا زَنَى الْمَرِيضُ وَحْدَهُ الرَّجْمُ بِأَنْ كَانَ مُحْصَنًا حَدٌّ ; لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ قَتْلُهُ وَرَجْمُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ حَدُّهُ الْجَلْدَ لَا يُجْلَدُ حَتَّى يَبْرَأَ ; لِأَنَّ جَلْدَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى هَلَاكِهِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالسُّلِّ، أَوْ كَانَ خِدَاجًا ضَعِيفَ الْخِلْقَةِ، فَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُضْرَبُ بِعِثْكَالٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَيُضْرَبُ بِهِ دَفْعَةً، وَلَا بُدَّ مِنْ وُصُولِ كُلِّ شِمْرَاخٍ إِلَى بَدَنِهِ، وَلِذَا قِيلَ: لَا بُدَّ حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ مَبْسُوطَةً، وَلِخَوْفِ التَّلَفِ لَا يُقَامُ الْحَدُّ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدِ، بَلْ يُؤَخَّرُ إِلَى اعْتِدَالِ الزَّمَانِ، وَإِذَا زَنَتِ الْحَامِلُ لَا تُحَدُّ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا وَلَوْ جَلْدًا كَيْلَا يُؤَدِّيَ إِلَى هَلَاكِ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ نَفْسٌ مُحَرَّمَةٌ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ لَا جَرِيمَةَ مِنْهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ (دَعْهَا) : أَيِ اتْرُكْهَا (حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا) : أَيْ دَمُ نِفَاسِهَا ( «ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» ) . أَيْ لَا تَتْرُكُوا الْحُدُودَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ مَنْفَعَتَهَا وَاصِلَةٌ إِلَيْكُمْ وَإِلَيْهِمْ، وَلَيْسَ فِيهِ صَرَاحَةُ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّ لِلْمَوَالِي إِقَامَةَ حُدُودِ مَمَالِيكِهِمْ، وَنَظِيرُهُ مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : ( «أَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ، وَلَا تَأْخُذْكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» ) . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اتِّفَاقُ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِهِمْ نَقْلًا عَنِ الصَّحَابَةِ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: «إِنَّ وِلَايَةَ الْحَدِّ إِلَى الْوُلَاةِ» وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 4973
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٥٦٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «جَاءَ مَاعِزٌ الْأَسْلَمِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضُ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الْآخَرِ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى. فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الْآخَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ زَنَى. فَأَمَرَ فِي الرَّابِعَةِ، فَأُخْرِجَ إِلَى الْحَرَّةِ فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ فَرَّ يَشْتَدُّ، حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لَحْيُ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ بِهِ، وَضَرَبَهُ النَّاسُ حَتَّى مَاتَ. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ فَرَّ حِينَ وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ وَمَسَّ الْمَوْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ: (هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) .
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٥٦٥ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مَاعِزٌ الْأَسْلَمِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى) ، هَذَا نَقْلٌ بِالْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى، إِذْ لَفْظُهُ: إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ مَاعِزًا قَدْ زَنَا (فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ شِقِّهِ الْآخَرِ) ، أَيْ بَعْدَ غَيْبَتِهِ عَنِ الْمَجْلِسِ (فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ شِقِّهِ الْآخَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ زَنَى. فَأَمَرَ بِهِ) : أَيْ بِرَجْمِهِ (فِي الرَّابِعَةِ) ، أَيْ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ مِنْ مَجَالِسِ الِاعْتِرَافِ
стр. 4974
(فَأُخْرِجَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُمِرَ بِإِخْرَاجِهِ (إِلَى الْحَرَّةِ) ، هِيَ بُقْعَةٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ خَارِجَ الْمَدِينَةِ (فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ) ، أَيْ أَلَمَ إِصَابَتِهَا (فَرَّ) : أَيْ هَرَبَ (يَشْتَدُّ) ، بِتَشْدِيدِ الدَّالِ يَسْعَى، وَهُوَ حَالٌ (حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لَحْيُ جَمَلٍ) فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبْهَمًا، وَقَدْ فُسِّرَ بِمَا بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ وَلَعَلَّهُ كَرَّرَ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ، وَقَوْلِهِ: (وَمَسِّ الْمَوْتِ) عُطِفَ عَلَى مَسِّ الْحِجَارَةِ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ الْآيَةَ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] ، بَيَانًا. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ) . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ لِابْنِ مَاجَهْ، أَوْ لَهُمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا (هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ) : أَيْ عَسَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْ فِعْلِهِ (فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) . أَيْ يَرْجِعَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ أَنَّ الْمُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا لَوْ قَالَ: مَا زَنَيْتُ، أَوْ كَذَبْتُ، أَوْ رَجَعْتُ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ، فَلَوْ رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ إِقَامَتِهِ عَلَيْهِ سَقَطَ الْبَاقِي، وَقَالَ جَمْعٌ: لَا يَسْقُطُ إِذْ لَوْ سَقَطَ لَصَارَ مَاعِزٌ مَقْتُولًا خَطَأً فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِ الْقَاتِلِينَ. قُلْنَا: إِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ صَرِيحًا؛ لِأَنَّهُ هَرَبَ، وَبِالْهَرَبِ لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: (هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ) أَيْ لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ أَهَرِبَ مِنْ أَلَمِ الْحِجَارَةِ أَوْ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ بِالزِّنَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاخَذَهُمْ بِقَتْلِهِ حَيْثُ فَرَّ، فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ قَوَدٌ؟ إِذَا قُلْتَ: لَا؛ لِأَنَّهُ مَضَى ﷺ وَأَخَذَهُمْ بِشُبْهَةٍ عَرَضَتْ تَصْلُحُ أَنْ يُدْفَعَ بِهَا الْحَدُّ، وَقَدْ عَرَضَتْ لَهُمْ شُبْهَةٌ أَيْضًا، وَهِيَ إِمْضَاءُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمُ اه. وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ قَوَدٌ خَطَأٌ إِذْ لَا مَعْنَى لِلْقَصَاصِ فِي هَذَا الْمَقَامِ.
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا إِذَا رَجَعَ فِي خِلَالِ الْحَدِّ فَقَالَ: كَذَبْتُ أَوْ مَا زَنَيْتُ أَوْ رَجَعْتُ، سَقَطَ مَا بَقِيَ مِنَ الْحَدِّ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ السَّارِقُ وَشَارِبُ الْخَمْرِ.
стр. 4975
٣٥٦٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: (أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟) قَالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: (بَلَغَنِي أَنَّكَ قَدْ وَقَعْتَ عَلَى جَارِيَةِ آلِ فُلَانٍ) قَالَ: نَعَمْ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٥٦٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: (أَحَقٌّ) : أَيْ أَثَابِتٌ (مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟ قَالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ قَدْ وَقَعْتَ بِجَارِيَةِ آلِ فُلَانٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ عَلَى جَارِيَةِ آلِ فُلَانٍ أَيْ عَلَى بِنْتِهِمْ (قَالَ: نَعَمْ، فَشَهِدَ) : أَيْ أَقَرَّ (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) ، أَيْ مَرَّاتٍ فِي مَجَالِسَ مُتَعَدِّدَةٍ (فَأَمَرَ بِهِ) : أَيْ بِرَجْمِهِ) (فَرُجِمَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ تَنْبِيهٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ مُقِرٍّ فِي مَكَانِهِ بَلْ مَكَانُهُ الْفَصْلُ السَّابِقُ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، يَعْنِي عَلَى مَا سَبَقَ فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ عَارِفًا بِزِنَا مَاعِزٍ، فَاسْتَنْطَقَهُ لِيُقِرَّ بِهِ لِيُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَيِ السَّابِقُ، وَيَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ أَيِ اللَّاحِقُ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِهِ، فَجَاءَ مَاعِزٌ، فَأَقَرَّ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ مِرَارًا، ثُمَّ جَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْوَالٌ جَمَّةٌ ثُمَّ رُجِمَ؟ قُلْتُ: لِلْبُلَغَاءِ مَقَامَاتٌ، فَمِنْ مَقَامٍ يَقْتَضِي الْإِيجَازَ فَيَقْتَصِرُونَ عَلَى كَلِمَاتٍ مَعْدُودَةٍ، وَمِنْ مَقَامٍ يَقْتَضِي الْإِطْنَابَ فَيُطْنِبُونَ فِيهِ كُلَّ الْإِطْنَابِ. قَالَ:
يَرْمُونَ بِالْخُطَبِ الطِّوَالِ تَارَةً ... وَحْيَ الْمُلَاحِظِ خِيفَةَ الرُّقَبَاءِ
فَابْنُ عَبَّاسٍ سَلَكَ طَرِيقَ الِاخْتِصَارِ، فَأَخَذَ مِنْ أَوَّلِ الْقِصَّةِ وَآخِرِهَا، إِذْ كَانَ قَصْدُهُ بَيَانَ رَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ، وَبُرَيْدَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَيَزِيدُ سَلَكُوا سَبِيلَ الْإِطْنَابِ فِي بَيَانِ مَسَائِلَ مُهِمَّةٍ لِلْأُمَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنَّ
следующие страницы →