Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.
стр. 4971
حَتَّى مَلَكَ مِنْهُ مَا لَا يَمْلِكُ الْإِمَامُ مِنَ التَّصَرُّفِ، فَمِلْكُهُ الْإِقَامَةُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنَ الْإِمَامِ، وَلَنَا مَا رَوَى الْأَصْحَابُ فِي كُتُبِهِمْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: «أَرْبَعٌ إِلَى الْوُلَاةِ الْحُدُودُ وَالصَّدَقَاتُ وَالْجُمُعَاتُ وَالْفَيْءُ» ; وَلِأَنَّ الْحَدَّ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ فَلَا يَسْتَوْفِيهِ إِلَّا نَائِبُهُ وَهُوَ الْإِمَامُ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ يَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَوْنِهِ حَقَّ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَوْفِيهِ نَائِبُهُ مُسْلِمٌ، لَكِنَّ الِاسْتِنَابَةَ تُعْرَفُ بِالسَّمْعِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ اسْتَنَابَ فِي حَقِّهِ الْمُتَوَجِّهِ مِنْهُ عَلَى الْأَرِقَّاءِ مَوَالِيهِمْ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْإِقَامَةِ بِنَفْسِهِ ظَاهِرَةٌ، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِقَامَةَ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَوْ أَمَرَ بِهِ غَيْرُهُ كَانَ مُمْتَثِلًا، فَجَازَ كَوْنُ الْمُرَادِ ذَكَرَهُ لِلْإِمَامِ لِيَأْمُرَ بِإِقَامَتِهِ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَثْبُتِ الْمُعَارِضُ الْمَذْكُورُ لَا يَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ عَلَى الظَّاهِرِ الْمُتَبَادِرِ مِنْ كَوْنِ الْقَائِلِ: أَقَامَ فُلَانٌ أَوْ جُلِدَ فُلَانٌ، أَنَّهُ بَاشَرَهُ أَوْ أَمَرَ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُتَبَادِرَ أَحَدُ دَائِرَةٍ فِيهِمَا لَا فِي ثَلَاثَةٍ، وَهُمَا هَذَانِ مَعَ رَفْعِهِ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَحُدَّهُ نَعَمْ مَنِ اسْتَقَرَّ اعْتِقَادُهُ عَلَى أَنَّ إِقَامَةَ الْحُدُودِ إِلَى الْإِمَامِ فَالْمُتَبَادِرُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ الْأَخِيرِ بِخُصُوصِهِ اه. كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْمُحَقِّقِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. (وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ لَا يَعِيبُ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى الْأَمَةِ وَلَا يُعَيِّرْهَا أَحَدٌ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، لِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ لِذَنْبِهَا. قَالَ الْقَاضِي: التَّثْرِيبُ التَّأْنِيبُ وَالتَّعْيِيرُ، وَكَانَ تَأْدِيبُ الزُّنَاةِ قَبْلَ شَرْعِ الْحَدِّ هُوَ التَّثْرِيبَ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُمْ بِالْجَلْدِ، وَنَهَى عَنِ الِاقْتِصَارِ بِالتَّثْرِيبِ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا أَسْقَطَ التَّغْرِيبَ عَنِ الْمَمَالِيكِ نَظَرًا لِلسَّادَةِ صِيَانَةً لِحُقُوقِهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ، وَأَنَّ السَّيِّدَ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِمَا، وَلَهُ أَنْ يَتَفَحَّصَ عَنْ جُرْمِهِمَا، وَيَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ لِلْجُمْهُورِ. قُلْتُ: الصَّرَاحَةُ مَمْنُوعَةٌ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَكَذَا لَفْظُ أَحَدِكُمْ فَيَشْمَلُ الْإِمَامَ وَغَيْرَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ فَيَنْصَرِفُ الْمُطْلَقُ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ الْعَالِمُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِّ مِنَ الشُّرُوطِ، وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِكِينَ لَهُ أَهْلِيَّةُ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الْمَالِكَ مُتَّهَمٌ فِي ضَرْبِهِ وَقَتْلِهِ أَنَّهُ لِذَلِكَ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ جَوَّزَ لَهُ عَلَى إِطْلَاقِهِ لَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَسَادٌ كَثِيرٌ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ رِوَايَةُ: إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، وَرِوَايَةُ: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» . وَلَعَلَّ وَجْهُ التَّخْصِيصِ أَنَّ الزِّنَا لَمْ يَكُنْ عَيْبًا فِي الْجَوَارِي وَالْعَبِيدِ أَيَّامَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي الْحَدِّ مَعَ الْأَحْرَارِ، لَكِنْ بِطْرِيقِ التَّنْصِيصِ كَمَا دَلَّ عَلَى الْآيَةِ. (ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ) ، فِيهِ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِّ وَالتَّثْرِيبِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ الزَّانِيَ إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الزِّنَا تَكَرَّرَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَأَمَّا إِذَا زَنَا مَرَّاتٍ وَلَمْ يُحَدَّ، فَيَكْفِي حَدٌّ وَاحِدٌ لِلْجَمِيعِ، (ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا) : أَيْ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ أَوْ قَبْلَهَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: فَلْيَجْلِدْهَا لِيَكُنْ سَبَبُ جَلْدِهَا بِالْمُرَافَعَةِ، لِيَحْصُلَ تَأْدِيبُهَا، وَلَمَّا تَكَرَّرَ مِنْهَا، وَعُلِمَ عَدَمُ النَّفْعِ فِيهَا، فَأَمَرَهُ بِبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِ إِقَامَةِ حَدِّهَا. (وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهَا قَلِيلًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَرْكُ مُخَالَطَةِ الْفُسَّاقِ وَأَهْلِ الْمَعَاصِي، وَهَذَا الْبَيْعُ الْمَأْمُورُ بِهِ مُسْتَحَبٌّ. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ وَاجِبٌ، وَفِيهِ جَوَّزَ بَيْعَهُ الشَّيْءَ الثَّمِينَ بِثَمَنٍ حَقِيرٍ إِذَا كَانَ الْبَائِعُ عَالِمًا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَفِيهِ خِلَافٌ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ فَإِنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَهُ خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ، وَعَلَى الْبَائِعِ بَيَانُ حَالِ السِّلْعَةِ وَعَيْبِهَا لِلْمُشْتَرِي. قُلْتُ: هَذَا كَلَامٌ بِرَأْسِهِ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكْرَهُ شَيْئًا لِنَفْسِهِ وَيَرْتَضِيهِ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ؟ فَالْجَوَابُ: لَعَلَّ الزَّانِيَةَ تَسْتَعِفُّ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِهَا أَوْ بِصَوْنِهَا أَوْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَالتَّوْسِعَةِ عَلَيْهَا، أَوْ تَزْوِيجِهَا. قُلْتُ: إِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، فَالسُّؤَالُ سَاقِطٌ مَنْ أَصِلِهِ، نَعَمْ يَحْتَاجُ الْجَوَابُ عَمَّنْ يَشْتَرِيهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ بَيْعَهَا بِمَنْزِلَةِ التَّغْرِيبِ زَجْرًا وَسِيَاسَةً وَدَلَالَةً إِلَى أَنَّهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّرْبِيَةِ عِنْدَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4972
٣٥٦٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: (أَحْسَنْتَ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ (دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) .
ــ
٣٥٦٤ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ) أَيِ الْمُؤْمِنُونَ (أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمْ) : بِتَشْدِيدِ الْقَافِ جَمْعُ رَقِيقٍ أَيْ: مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ (الْحَدَّ) : أَيْ ضَرْبُ جَلْدِ (مَنْ أُحْصِنَ) : أَيْ وَتَزَوَّجَ (مِنْهُمْ) : أَيْ مِنْهُنَّ فَفِيهِ حَذْفٌ أَوْ تَغْلِيبٌ (وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَقْيِيدُ الْأَرِقَّاءِ بِالْإِحْصَانِ، مَعَ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ شَرْطُ الْإِحْصَانِ يُرَادُ بِهِ كَوْنُهُنَّ مُزَوَّجَاتٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] حَيْثُ وَصَفَهُنَّ بِالْإِحْصَانِ، فَقَالَ: فَإِذَا أُحْصِنَّ وَحَكَمَ (فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا) وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ التَّأْوِيلِ (فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ) : أَيْ جَدِيدُ زَمَانٍ (بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا) . قَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ مَفْعُولُ فَخَشِيتُ وَجَلَدْتُهَا مُفَسِّرٌ لِعَامِلِ أَنَا الْمُقَدَّرِ بَعْدَ إِنِ الشَّرْطِيَّةِ كَقَوْلِ الْحَمَاسِيِّ:
وَإِنْ هِيَ لَمْ تَحْمِلْ عَنِ النَّفْسِ ضَيْمَهَا ... فَلَيْسَ إِلَى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبِيلُ
وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ الْمُعْتَرِضُ فِيهِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَمَفْعُولِهِ. (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (أَحْسَنْتَ) . فِيهِ: إِنَّ جَلْدَ ذَاتِ النِّفَاسِ يُؤَخَّرُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ نِفَاسِهَا ; لِأَنَّ نِفَاسَهَا نَوْعُ مَرْضٍ فَتُؤَخَّرُ إِلَى زَمَانِ الْبُرْءِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَإِذَا زَنَى الْمَرِيضُ وَحْدَهُ الرَّجْمُ بِأَنْ كَانَ مُحْصَنًا حَدٌّ ; لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ قَتْلُهُ وَرَجْمُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ حَدُّهُ الْجَلْدَ لَا يُجْلَدُ حَتَّى يَبْرَأَ ; لِأَنَّ جَلْدَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى هَلَاكِهِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالسُّلِّ، أَوْ كَانَ خِدَاجًا ضَعِيفَ الْخِلْقَةِ، فَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُضْرَبُ بِعِثْكَالٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَيُضْرَبُ بِهِ دَفْعَةً، وَلَا بُدَّ مِنْ وُصُولِ كُلِّ شِمْرَاخٍ إِلَى بَدَنِهِ، وَلِذَا قِيلَ: لَا بُدَّ حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ مَبْسُوطَةً، وَلِخَوْفِ التَّلَفِ لَا يُقَامُ الْحَدُّ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدِ، بَلْ يُؤَخَّرُ إِلَى اعْتِدَالِ الزَّمَانِ، وَإِذَا زَنَتِ الْحَامِلُ لَا تُحَدُّ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا وَلَوْ جَلْدًا كَيْلَا يُؤَدِّيَ إِلَى هَلَاكِ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ نَفْسٌ مُحَرَّمَةٌ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ لَا جَرِيمَةَ مِنْهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ (دَعْهَا) : أَيِ اتْرُكْهَا (حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا) : أَيْ دَمُ نِفَاسِهَا ( «ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» ) . أَيْ لَا تَتْرُكُوا الْحُدُودَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ مَنْفَعَتَهَا وَاصِلَةٌ إِلَيْكُمْ وَإِلَيْهِمْ، وَلَيْسَ فِيهِ صَرَاحَةُ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّ لِلْمَوَالِي إِقَامَةَ حُدُودِ مَمَالِيكِهِمْ، وَنَظِيرُهُ مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : ( «أَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ، وَلَا تَأْخُذْكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» ) . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اتِّفَاقُ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِهِمْ نَقْلًا عَنِ الصَّحَابَةِ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: «إِنَّ وِلَايَةَ الْحَدِّ إِلَى الْوُلَاةِ» وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 4973
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٥٦٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «جَاءَ مَاعِزٌ الْأَسْلَمِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضُ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الْآخَرِ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى. فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الْآخَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ زَنَى. فَأَمَرَ فِي الرَّابِعَةِ، فَأُخْرِجَ إِلَى الْحَرَّةِ فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ فَرَّ يَشْتَدُّ، حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لَحْيُ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ بِهِ، وَضَرَبَهُ النَّاسُ حَتَّى مَاتَ. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ فَرَّ حِينَ وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ وَمَسَّ الْمَوْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ: (هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) .
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٥٦٥ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مَاعِزٌ الْأَسْلَمِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى) ، هَذَا نَقْلٌ بِالْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى، إِذْ لَفْظُهُ: إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ مَاعِزًا قَدْ زَنَا (فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ شِقِّهِ الْآخَرِ) ، أَيْ بَعْدَ غَيْبَتِهِ عَنِ الْمَجْلِسِ (فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ شِقِّهِ الْآخَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ زَنَى. فَأَمَرَ بِهِ) : أَيْ بِرَجْمِهِ (فِي الرَّابِعَةِ) ، أَيْ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ مِنْ مَجَالِسِ الِاعْتِرَافِ
стр. 4974
(فَأُخْرِجَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُمِرَ بِإِخْرَاجِهِ (إِلَى الْحَرَّةِ) ، هِيَ بُقْعَةٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ خَارِجَ الْمَدِينَةِ (فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ) ، أَيْ أَلَمَ إِصَابَتِهَا (فَرَّ) : أَيْ هَرَبَ (يَشْتَدُّ) ، بِتَشْدِيدِ الدَّالِ يَسْعَى، وَهُوَ حَالٌ (حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لَحْيُ جَمَلٍ) فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبْهَمًا، وَقَدْ فُسِّرَ بِمَا بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ وَلَعَلَّهُ كَرَّرَ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ، وَقَوْلِهِ: (وَمَسِّ الْمَوْتِ) عُطِفَ عَلَى مَسِّ الْحِجَارَةِ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ الْآيَةَ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] ، بَيَانًا. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ) . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ لِابْنِ مَاجَهْ، أَوْ لَهُمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا (هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ) : أَيْ عَسَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْ فِعْلِهِ (فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) . أَيْ يَرْجِعَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ أَنَّ الْمُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا لَوْ قَالَ: مَا زَنَيْتُ، أَوْ كَذَبْتُ، أَوْ رَجَعْتُ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ، فَلَوْ رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ إِقَامَتِهِ عَلَيْهِ سَقَطَ الْبَاقِي، وَقَالَ جَمْعٌ: لَا يَسْقُطُ إِذْ لَوْ سَقَطَ لَصَارَ مَاعِزٌ مَقْتُولًا خَطَأً فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِ الْقَاتِلِينَ. قُلْنَا: إِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ صَرِيحًا؛ لِأَنَّهُ هَرَبَ، وَبِالْهَرَبِ لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: (هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ) أَيْ لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ أَهَرِبَ مِنْ أَلَمِ الْحِجَارَةِ أَوْ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ بِالزِّنَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاخَذَهُمْ بِقَتْلِهِ حَيْثُ فَرَّ، فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ قَوَدٌ؟ إِذَا قُلْتَ: لَا؛ لِأَنَّهُ مَضَى ﷺ وَأَخَذَهُمْ بِشُبْهَةٍ عَرَضَتْ تَصْلُحُ أَنْ يُدْفَعَ بِهَا الْحَدُّ، وَقَدْ عَرَضَتْ لَهُمْ شُبْهَةٌ أَيْضًا، وَهِيَ إِمْضَاءُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمُ اه. وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ قَوَدٌ خَطَأٌ إِذْ لَا مَعْنَى لِلْقَصَاصِ فِي هَذَا الْمَقَامِ.
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا إِذَا رَجَعَ فِي خِلَالِ الْحَدِّ فَقَالَ: كَذَبْتُ أَوْ مَا زَنَيْتُ أَوْ رَجَعْتُ، سَقَطَ مَا بَقِيَ مِنَ الْحَدِّ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ السَّارِقُ وَشَارِبُ الْخَمْرِ.
стр. 4975
٣٥٦٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: (أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟) قَالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: (بَلَغَنِي أَنَّكَ قَدْ وَقَعْتَ عَلَى جَارِيَةِ آلِ فُلَانٍ) قَالَ: نَعَمْ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٥٦٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: (أَحَقٌّ) : أَيْ أَثَابِتٌ (مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟ قَالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ قَدْ وَقَعْتَ بِجَارِيَةِ آلِ فُلَانٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ عَلَى جَارِيَةِ آلِ فُلَانٍ أَيْ عَلَى بِنْتِهِمْ (قَالَ: نَعَمْ، فَشَهِدَ) : أَيْ أَقَرَّ (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) ، أَيْ مَرَّاتٍ فِي مَجَالِسَ مُتَعَدِّدَةٍ (فَأَمَرَ بِهِ) : أَيْ بِرَجْمِهِ) (فَرُجِمَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ تَنْبِيهٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ مُقِرٍّ فِي مَكَانِهِ بَلْ مَكَانُهُ الْفَصْلُ السَّابِقُ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، يَعْنِي عَلَى مَا سَبَقَ فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ عَارِفًا بِزِنَا مَاعِزٍ، فَاسْتَنْطَقَهُ لِيُقِرَّ بِهِ لِيُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَيِ السَّابِقُ، وَيَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ أَيِ اللَّاحِقُ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِهِ، فَجَاءَ مَاعِزٌ، فَأَقَرَّ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ مِرَارًا، ثُمَّ جَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْوَالٌ جَمَّةٌ ثُمَّ رُجِمَ؟ قُلْتُ: لِلْبُلَغَاءِ مَقَامَاتٌ، فَمِنْ مَقَامٍ يَقْتَضِي الْإِيجَازَ فَيَقْتَصِرُونَ عَلَى كَلِمَاتٍ مَعْدُودَةٍ، وَمِنْ مَقَامٍ يَقْتَضِي الْإِطْنَابَ فَيُطْنِبُونَ فِيهِ كُلَّ الْإِطْنَابِ. قَالَ:
يَرْمُونَ بِالْخُطَبِ الطِّوَالِ تَارَةً ... وَحْيَ الْمُلَاحِظِ خِيفَةَ الرُّقَبَاءِ
فَابْنُ عَبَّاسٍ سَلَكَ طَرِيقَ الِاخْتِصَارِ، فَأَخَذَ مِنْ أَوَّلِ الْقِصَّةِ وَآخِرِهَا، إِذْ كَانَ قَصْدُهُ بَيَانَ رَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ، وَبُرَيْدَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَيَزِيدُ سَلَكُوا سَبِيلَ الْإِطْنَابِ فِي بَيَانِ مَسَائِلَ مُهِمَّةٍ لِلْأُمَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنَّ
стр. 4976
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَغَهُ حَدِيثُ مَاعِزٍ، فَأَحْضَرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاسْتَنْطَقَهُ لِيُنْكِرَ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ لِدَرْءِ الْحَدِّ، فَلَمَّا أَقَرَّ أَعْرَضَ عَنْهُ، فَجَاءَهُ مِنْ قِبَلِ الْيَمِينِ بَعْدَمَا كَانَ مَائِلًا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَجَاءَهُ مِنْ قِبَلِ الشِّمَالِ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ شِقِّهِ الْآخَرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لِيَرْجِعَ عَمَّا أَقَرَّ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ فِيهِ ذَلِكَ، فَقَالَ: (أَبِهِ جُنُونٌ؟) إِلَخْ وَنَظِيرُ سُلُوكِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَخْذِ الْقِصَّةِ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا مُلَخَّصًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا - فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦] : (لَحْيُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ عَظْمُ ذَقْنِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَيْهِ الْأَسْنَانُ (فَضَرَبَهُ) : أَيِ الرَّجُلُ (بِهِ) ، أَيْ بِاللَّحْيِ (وَضَرَبَهُ النَّاسُ) : أَيْ آخَرُونَ بِأَشْيَاءَ أُخَرَ (حَتَّى مَاتَ. فَذَكَرُوا) : أَيْ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا فَالْفَاءُ فِي فَأَخَذْنَاهُ كَالْفَاءِ فِي فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَالْفَاءُ تَسْتَدْعِي حَالَاتٍ وَتَارَّاتٍ وَشُئُونًا لَا تَكَادُ تَنْضَبِطُ إِلَى أَوَّلِ الْقِصَّةِ مِنْ قَوْلِهِ: كَمَا أَرْسَلْنَا فَعَصَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَالْمَشْهُورُ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: طَهِّرْنِي. قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، فَيَكُونُ قَدْ جِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ أَنَّ قَوْمَهُ أَرْسَلُوهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي أَرْسَلَهُ: (لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ يَا هَزَّالُ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ) . وَكَانَ مَاعِزٌ عِنْدَهُ هَزَّالٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَاعِزٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لَهُ الَّذِينَ حَضَرُوا مَعَهُ مَا جَرَى لَهُ: (أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟) إِلَخْ.
стр. 4977
٣٥٦٧ - وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ مَاعِزًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَقَرَّ عِنْدَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ وَقَالَ لِهَزَّالٍ: (لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ» ) قَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّ هَزَّالًا أَمَرَ مَاعِزًا أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَيُخْبِرَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٥٦٧ - (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ أَبِيهِ) : أَيْ هَزَّالٍ الْأَسْلَمِيِّ يُكَنَّى أَبَا نُعَيْمٍ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ نُعَيْمٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ (أَنَّ مَاعِزًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَقَرَّ عِنْدَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) ، أَيْ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ (فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ) : أَيْ فَرُجِمَ (وَقَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لِهَزَّالٍ) : بِتَشْدِيدِ الزَّايِ مُبَالَغَةُ هَازِلٍ (لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ قَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ وَقَالَ (ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّ هَزَّالًا أَمَرَ مَاعِزًا أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَيُخْبِرَهُ) . وَذَلِكَ أَنَّ هَزَّالًا كَانَ لَهُ مَوْلَاةٌ اسْمُهَا فَاطِمَةُ وَقَعَ عَلَيْهَا مَاعِزٌ، فَعَلِمَ بِهِ هَزَّالٌ فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِالْمَجِيءِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ بِهِ السُّوءَ وَالْهَوَانَ قِصَاصًا لِفِعْلِهِ بِمَوْلَاتِهِ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ نَصِيحَةً لَهُ مِنْ هَزَّالٍ عَلَى مَا سَيُرْوَى فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنَ الْفَصْلِ الثَّالِثِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ( «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» ) . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْهُ ﵊ قَالَ: ( «مَنْ رَأَى أَيَّ عَوْرَةٍ فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَا أَحْيَا مَوْءُودَةً» ) ، فَإِذَا كَانَ السِّتْرُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بِهِ خِلَافَ الْأُولَى الَّتِي مَرْجِعُهَا إِلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ؛ لِأَنَّهَا فِي رُتْبَةِ النَّدْبِ فِي جَانِبِ الْفِعْلِ، وَكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ فِي جَانِبِ التَّرْكِ، وَهَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَمْ يَعْتَدِ الزِّنَا وَلَمْ يَتَهَتَّكْ بِهِ، أَمَّا إِذَا وَصَلَ الْحَالُ إِلَى إِشَاعَتِهِ وَالتَّهَتُّكِ بِهِ، بَلْ بَعْضُهُمْ رُبَّمَا افْتَخَرَ بِهِ، فَيَجِبُ كَوْنُ الشَّهَادَةِ بِهِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا ; لِأَنَّ مَطْلُوبَ الشَّارِعِ إِخْلَاءُ الْأَرْضِ مِنَ الْمَعَاصِي وَالْفَوَاحِشِ بِالْخِطَابَاتِ الْمُفِيدَةِ لِذَلِكَ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْفَاعِلِينَ وَبِالزَّجْرِ لَهُمْ فَإِذَا ظَهَرَ الشَّرَهُ فِي الزِّنَا مَثَلًا وَالشُّرْبِ وَعَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِهِ وَإِشَاعَتُهُ وَإِخْلَاءُ الْأَرْضِ الْمَطْلُوبُ حِينَئِذٍ بِالتَّوْبَةِ احْتِمَالٌ يُقَابِلُهُ ظُهُورُ عَدَمِهَا، مِمَّا اتُّصِفَ بِذَلِكَ فَيَجِبُ تَحَقُّقُ السَّبَبِ الْآخَرِ لِلْإِخْلَاءِ، وَهُوَ الْحُدُودُ بِخِلَافِ مَنْ زَلَّ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا مُسْتَتِرًا مُتَخَوِّفًا مُتَنَدِّمًا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَحَلُّ اسْتِحْبَابِ سَتْرِ الشَّاهِدِ، وَقَوْلُهُ ﵊ لِهَزَّالٍ فِي مَاعِزٍ: (لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ) الْحَدِيثَ، كَانَ فِي مِثْلِ مَنْ ذَكَرْنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 4978
٣٥٦٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٣٥٦٨ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (تَعَافَوْا) : أَمْرٌ مِنَ التَّعَافِي وَالْخِطَابُ لِغَيْرِ الْأَئِمَّةِ أَيْ: لِيَعْفُ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ (الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ) ، أَيْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَنِي ذَلِكَ (فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ) : أَيْ فَوَجَبَ عَلَيَّ إِقَامَتُهُ عَلَيْكُمْ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَفْوُ عَنْ حُدُودِ اللَّهِ إِذَا رُفِعَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يُجْرِيَ الْحَدَّ عَلَى مَمْلُوكِهِ بَلْ يَعْفُو أَوْ يَرْفَعُ إِلَى الْحَاكِمِ أَمْرَهُ، فَإِنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتِ هَذَا الْأَمْرِ وَهُوَ اسْتِحْبَابٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 4979
٣٥٦٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٥٦٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَقِيلُوا) : أَمْرٌ مِنَ الْإِقَالَةِ (ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: زَلَّاتِهِمْ (إِلَّا الْحُدُودَ) . أَيْ إِلَّا مَا يُوجِبُ الْحُدُودَ، وَالْخِطَابُ مَعَ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي الْحُقُوقِ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْمُؤَاخَذَةَ وَالتَّأْدِيبَ عَلَيْهَا، وَأَرَادَ مِنَ الْعَثَرَاتِ مَا يَتَوَجَّهُ فِيهِ التَّعْزِيرُ لِإِضَاعَةِ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، وَمِنْهَا مَا يُطَالَبُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ، فَأَمْرُ الْفَرِيقَيْنِ بِذَلِكَ نَدْبٌ وَاسْتِحْبَابٌ بِالتَّجَافِي عَنْ زَلَّاتِهِمْ، ثُمَّ إِنْ أُرِيدَ بِالْعَثَرَاتِ الصَّغَائِرُ وَمَا يَنْدُرُ عَنْهُمْ مِنَ الْخَطَايَا، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ أَوِ الذُّنُوبُ مُطْلَقًا، وَبِالْحُدُودِ مَا يُوجِبُهَا مِنَ الذُّنُوبِ فَهُوَ مُتَّصِلٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي تَفْسِيرِ ذَوِي الْهَيْئَةِ: هُوَ مَنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ ذَنْبُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْهَيْئَةُ الْحَالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْمَرْضِيَّةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: الْهَيْئَةُ فِي الْأَصْلِ صُورَةٌ أَوْ حَالَةٌ تَعْرِضُ لِأَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ فَيَصِيرُ بِسَبَبِهَا مَقُولًا عَلَيْهَا إِنَّهَا وَاحِدَةٌ ثُمَّ يُطْلَقُ عَلَى الْخَصْلَةِ، فَيُقَالُ لِفُلَانٍ هَيْئَاتٌ أَيْ خِصَالٌ، الْمُرَادُ بِذَوِي الْهَيْئَاتِ أَصْحَابُ الْمُرُوءَاتِ وَالْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ، وَقِيلَ: ذَوُو الْوُجُوهِ بَيْنَ النَّاسِ اه. وَالْمَعْنِيُّ بِهِمُ الْأَشْرَافُ، وَقِيلَ: أَهْلُ الصَّلَاحِ وَالْوَرَعِ، وَقِيلَ: خَوْفًا كَأَنَّهُ ﵊ خَافَ تَغَيُّرَ الزَّمَانِ، وَمَيْلَ النَّاسِ إِلَى الْمُدَاهَنَةِ مَعَ الْأَكَابِرِ فِي التَّجَاوُزِ وَالسَّتْرِ إِلَى أَنْ يَتْرُكُوا إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى مَنْ يُلَازِمُهُمْ مِنْهُمْ أَوْ طَمَعًا فِيهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَيْهِمْ كَمَا يُقِيمُونَ عَلَى السُّوقَةِ، فَإِنْ وَقَعَ الْعَفْوُ فَلْيَقَعْ فِيمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَأَتَى ﷺ بِأُسْلُوبٍ لَطِيفٍ حَتَّى لَا يَتَأَذَّى الْأَكَابِرُ بِتَصْرِيحِ الْعِبَارَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْمُرَادَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ. وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ ( «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ، وَأَقِيلُوا الْكِرَامَ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» ) .
стр. 4980
٣٥٧٠ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: قَدْ رُوِيَ عَنْهَا وَلَمْ يُرْفَعْ وَهُوَ أَصَحُّ) .
ــ
٣٥٧٠ - (وَعَنْهَا) : أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ادْرَأُوا) : بِفَتْحِ الرَّاءِ أَمْرٌ مِنَ الدَّرْءِ أَيِ: ادْفَعُوا (الْحُدُودَ) : أَيْ إِيقَاعَهَا (عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أَيْ مُدَّةَ اسْتِطَاعَتِكُمْ، وَقَدْرَ طَاقَتِكُمْ (فَإِنْ كَانَ لَهُ) : أَيْ لِلْحَدِّ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالْحُدُودِ (مَخْرَجٌ) : اسْمُ مَكَانٍ أَيْ عُذْرٌ يَدْفَعُهُ (فَخَلُّوا سَبِيلَهُ) : أَيِ اتْرُكُوا إِجْرَاءَ الْحَدِّ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ لَهُ لِلْمُسْلِمِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ: فَإِنْ وَجَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِ مَخْرَجًا، فَالْمَعْنَى اتْرُكُوهُ أَوْ لَا تَعَرَّضُوا لَهُ، (فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ) : أَيْ خَطَؤُهُ (فِي الْعَفْوِ) : مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ) : وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ: لِأَنْ يُخْطِئَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ لَامُ الِابْتِلَاءِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: بِأَنْ يُخْطِئَ أَوْ ; لِأَنْ يُخْطِئَ إِشَارَةٌ إِلَى حَذْفِ يَاءِ السَّبَبِيَّةِ، أَوْ لَامِ الْعِلَّةِ لَكِنْ لَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ، بَلْ وَلَا مَعْنَى فَتَأَمَّلْ، ثُمَّ قَالَ: يَعْنِي ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيَّ، فَإِنَّ الْإِمَامَ إِذَا سَلَكَ سَبِيلَ الْخَطَأِ فِي الْعَفْوِ الَّذِي صَدَرَ مِنْكُمْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْلُكَ سَبِيلَ الْخَطَأِ فِي الْحُدُودِ، فَإِنَّ الْحُدُودَ إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِنْفَاذُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: نَزَلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَهُوَ: ( «تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» ) . وَجُعِلَ الْخِطَابُ فِي الْحَدِيثِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ رَجُلٍ، وَبُرَيْدَةَ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ، فَيَكُونُ الْخِطَابُ لِلْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ لِلرَّجُلِ: (أَبِكَ جُنُونٌ؟) ثُمَّ قَوْلِهِ: (أُحْصِنْتَ؟) وَلِمَاعِزٍ (أَبِكَ جُنُونٌ؟) ثُمَّ قَوْلِهِ: (أَشَرِبَ؟) ; لِأَنَّ كُلَّ هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَدْرَأَ الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ. قُلْتُ: هَذَا
стр. 4981
التَّأْوِيلُ مُتَعَيَّنٌ، وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْمُسْلِمِينَ مَأْمُورُونَ بِالسَّتْرِ مُطْلَقًا، وَلَا يُنَاسِبُهُ أَيْضًا لَفْظُ خَيْرٍ كَمَا لَا يَخْفَى، فَالصَّوَابُ أَنَّ الْخِطَابَ لِلْأُمَّةِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا الْحُدُودَ بِكُلِّ عُذْرٍ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُدْفَعَ بِهِ، كَمَا وَقَعَ مِنْهُ ﵊ لِمَاعِزٍ وَغَيْرِهِ مِنْ تَلْقِينِ الْأَعْذَارِ، وَتَفْتِيشِ مَخَارِجِ الْأَوْزَارِ، ثُمَّ بَالَغَ مُبَالَغَهً بَلِيغَةً بِقَوْلِهِ: فَإِنَّ الْإِمَامَ إِلَخْ. وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ لِأَجْلِ الدَّرْءِ فِي الْخَطَأِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْعَفْوِ، خَيْرٌ مِنْ وُقُوعِهِ فِي الْخَطَأِ الْمُتَعَلِّقِ بِجَانِبِ الْعُقُوبَةِ، لِمَا فِي سَعَةِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِلِاحْتِيَاطِ فِي جَانِبِ الْبَرِيءِ أَنْ لَا يُضْرَبَ وَلَا يُقْتَلَ فَتَأَمَّلْ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْإِمَامَ مُظْهَرٌ أُقِيمَ مَقَامَ الْمُضْمَرِ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ حَثًّا عَلَى إِظْهَارِ الرَّأْفَةِ، قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ مِنْكُمْ أَوْ إِمَامُكُمْ، عَلَى أَنَّ اللَّامَ بَدَلٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَبِيلُ عَفْوِهِ بِعُذْرٍ خَيْرٌ مِنْ طَرِيقِ عُقُوبَتِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ) : أَيِ التِّرْمِذِيُّ (وَقَدْ رُوِيَ) : أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ (عَنْهَا وَلَمْ يُرْفَعْ) : أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَائِشَةَ (وَهُوَ) : أَيِ الْوَقْفُ (أَصَحُّ) . أَيْ مِنْ رَفْعِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ سَنَدَ الْمَوْقُوفِ أَصَحُّ مِنْ سَنَدِ الْمَرْفُوعِ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: ( «ادْرَءُوا بِالْحُدُودِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِ مَخْرَجًا فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ لِأَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» ) . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: ( «ادْرَءُوا الْحُدُودَ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ تَعْطِيلُ الْحُدُودِ» ) . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «ادْفَعُوا الْحُدُودَ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ مَا وَجَدْتُمْ لَهُ مَدْفَعًا» .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمِمَّا يَدْرَأُ الْحَدَّ أَنْ لَا يُعْلَمَ أَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ، وَنُقِلَ فِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِحُرْمَةِ الزِّنَا إِجْمَاعُ الْفُقَهَاءِ وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﵊: (ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) . وَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي الْأَصْلِ قَالَ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ وَيَزِيدُ ضَعِيفٌ وَأُسْنِدَ فِي عِلَلِهِ عَنِ الْبُخَارِيِّ: يَزِيدُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ذَاهِبٌ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ بِهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَالْمَوْقُوفُ إِلَى الصَّوَابِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ، وَهُوَ دَرْءُ الْحَدِّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَقْوَى وَكَانَ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ذِكْرًا لِمُسْتَنَدِ الْإِجْمَاعِ، وَفِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ) . وَأَسْنَدَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ النَّخَعِيُّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لِأَنَّ أُعَطِّلَ الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقِيمَهَا بِالشُّبُهَاتِ. وَأُخْرِجَ عَنْ مُعَاذٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالُوا: إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ الْحَدُّ فَادْرَأْ. وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ أَصْحَابِهِ الظَّاهِرِيَّةِ: أَنَّ الْحَدَّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَحِلُّ أَنْ يُدْرَأَ بِشُبْهَةٍ وَشَنَّعَ بِأَنَّ الْآثَارَ الْمَذْكُورَةَ لِإِثْبَاتِ الدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ لَيْسَ فِيهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ، بَلْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ مِنْ طُرُقٍ لَا خَيْرَ فِيهَا، وَأُعِلَّ مَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِمَّا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ بِالْإِرْسَالِ، وَهُوَ غَيْرُ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، فَإِنَّهَا مَعْلُولَةٌ بِإِسْحَاقَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِمَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: ( «وَمَنِ اجْتَرَّ عَلَى مَا يُشَكُّ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ أَوْ يُشَكُّ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» ) ، فَمَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ جَهِلَ حُرْمَةَ شَيْءٍ وَحِلَّهُ، فَالْوَرَعُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْهُ، وَمَنْ جَهِلَ وُجُوبَ أَمْرٍ وَعَدَمَهُ فَلَا يُوجِبْهُ مِنْ جَهْلٍ أَوَجَبَ الْحَدُّ أَمْ لَا. وَجَبَ أَنْ يُقِيمَهُ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الْإِرْسَالَ لَا يَقْدَحُ، وَإِنَّ الْمَوْقُوفَ فِي هَذَا لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ ; لِأَنَّ إِسْقَاطَ الْوَاجِبِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِشُبْهَةٍ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْلِ، بَلْ مُقْتَضَاهُ أَنَّ بَعْدَ تَحَقُّقِ الثُّبُوتِ لَا يَرْتَفِعُ بِشُبْهَةٍ، فَحَيْثُ ذَكَرَهُ صَحَابِيٌّ حُمِلَ عَلَى الرَّفْعِ، وَأَيْضًا فِي إِجْمَاعِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ كِفَايَةً، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَفِي تَتَبُّعِ الْمَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ مَا يَقْطَعُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِمَاعِزٍ: ( «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، لَعَلَّكَ غَمَزْتَ، لَعَلَّكَ لَمَسْتَ» ) . كُلُّ ذَلِكَ يُلَقِّنُهُ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِالزِّنَا، وَلَيْسَ لِتِلْكَ فَائِدٌ إِلَّا كَوْنُهُ إِذَا قَالَهَا تَرَكَهُ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ، وَلَمْ يَقُلْ لِمَنِ اعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِدَيْنٍ، لَعَلَّهُ كَانَ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَضَاعَتْ وَنَحْوَهُ، وَكَذَا قَالَ عَلِيٌّ لِشُرَاحَةَ: لَعَلَّهُ اسْتَكْرَهَكِ لَعَلَّهُ وَقَعَ عَلَيْكِ وَأَنْتِ نَائِمَةٌ، لَعَلَّ مَوْلَاكِ زَوَّجَكِ مِنْهُ وَأَنْتَ تَكْتُمِينَهُ، وَتَتَبُّعُ مِثْلِهِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ يُوجِبُ طُولًا، فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ كَوْنُ الْحَدِّ يُحْتَالُ فِي دَرْئِهِ بِلَا شَكٍّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِفْسَارَاتِ الْمُفِيدَةَ لِقَصْدِ الِاحْتِيَالِ لِلدَّرْءِ كُلِّهِ كَانَتْ بَعْدَ الثُّبُوتِ لِأَنَّهُ كَانَ صَرِيحَ الْإِقْرَارِ، وَبِهِ الثُّبُوتُ، وَهَذَا هُوَ الْحَاصِلُ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ، وَمِنْ قَوْلِهِ: ( «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» ) فَكَانَ هَذَا الْمَعْنَى مَقْطُوعًا بِثُبُوتِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، فَكَانَ الشَّكُّ فِيهِ شَكًّا فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الِاخْتِلَافُ أَحْيَانًا فِي بَعْضٍ أَهِيَ شُبْهَةٌ صَالِحَةٌ لِلدَّرْءِ أَوْ لَا؟ وَبَيَّنَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْسِيمِهَا وَتَسْمِيَتِهَا اصْطِلَاحًا إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 4982
فَفِي تَتَبُّعِ الْمَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ مَا يَقْطَعُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِمَاعِزٍ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، لَعَلَّكَ غَمَزْتَ، لَعَلَّكَ لَمَسْتَ. كُلُّ ذَلِكَ يُلَقِّنُهُ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ. بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِالزِّنَا، وَلَيْسَ لِذَلِكَ فَائِدَةٌ إِلَّا كَوْنُهُ إِذَا قَالَهَا تَرَكَهُ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ، وَلَمْ يَقُلْ لِمَنِ اعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِدَيْنٍ: لَعَلَّهُ كَانَ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَضَاعَتْ وَنَحْوَهُ، وَكَذَا قَالَ لِلسَّارِقِ الَّذِي جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ: أَسَرَقْتَ مَا أَخَالُهُ سُرِقَ، وَلِلْغَامِدِيَّةِ نَحْوَ ذَلِكَ وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ لِشُرَاحَةَ: لَعَلَّهُ اسْتَكْرَهَكِ، لَعَلَّهُ وَقَعَ عَلَيْكِ وَأَنْتِ نَائِمَةٌ، لَعَلَّ مَوْلَاكِ زَوَّجَكِ مِنْهُ وَأَنْتِ تَكْتُمِينَهُ، وَتَتَبُّعُ مِثْلِهِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ يُوجِبُ طُولًا فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ كَوْنُ الْحَدِّ يُحْتَالُ فِي دَرْئِهِ بِلَا شَكٍّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِفْسَارَاتِ الْمُفِيدَةَ لِقَصْدِ الِاحْتِيَالِ لِلدَّرْءِ كُلَّهَا كَانَتْ بَعْدَ الثُّبُوتِ لِأَنَّهُ كَانَ بَعْدَ صَرِيحِ الْإِقْرَارِ، وَبِهِ الثُّبُوتُ، وَهَذَا هُوَ الْحَاصِلُ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ وَمِنْ قَوْلِهِ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» فَكَانَ هَذَا الْمَعْنَى مَقْطُوعًا بِثُبُوتِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَكَانَ الشَّكُّ فِيهِ شَكًّا فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الِاخْتِلَافُ أَحْيَانًا فِي بَعْضٍ أَهِيَ شُبْهَةٌ صَالِحَةٌ لِلدَّرْءِ أَوْ لَا، وَبَيَّنَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْسِيمِهَا وَتَسْمِيَتِهَا اصْطِلَاحًا إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 4983
٣٥٧١ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: «اسْتُكْرِهَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ وَأَقَامَهُ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مَهْرًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٣٥٧١ - (وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ) بِضَمِّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ جِيمٍ وَبِالرَّاءِ كَذَا ضَبَطَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ (قَالَ: اسْتُكْرِهَتِ امْرَأَةٌ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، جَامَعَهَا رَجُلٌ بِالْإِكْرَاهِ (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) أَيْ فِي زَمَانِهِ ﷺ فَدَرَأَ) أَيْ مَنَعَ (عَنْهَا الْحَدَّ وَأَقَامَهُ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا) أَيْ جَامَعَهَا (وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيِ الرَّاوِي وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ (أَنَّهُ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (جَعَلَ لَهَا مَهْرًا) أَيْ عَلَى مُجَامِعِهَا، قَالَ الْمُظْهِرُ وَكَذَا ابْنُ الْمَلَكِ: لَا يَدُلُّ هَذَا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْمَهْرِ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ وُجُوبُهُ لَهَا بِإِيجَابِهِ ﷺ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 4984
٣٥٧٢ - وَعَنْهُ «أَنَّ امْرَأَةً خَرَجَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ تُرِيدُ الصَّلَاةَ، فَتَلَقَّاهَا رَجُلٌ، فَتَجَلَّلَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا، فَصَاحَتْ، وَانْطَلَقَ، وَمَرَّتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَتْ: إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَعَلَ بِي كَذَا وَكَذَا، فَأَخَذُوا الرَّجُلَ، فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ ﷺ ، فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي، فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكِ. وَقَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا: ارْجُمُوهُ. وَقَالَ: لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَقُبِلَ مِنْهُمْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٥٧٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ وَائِلٍ (أَنَّ امْرَأَةً خَرَجَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ تُرِيدُ الصَّلَاةَ) حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ (فَتَلَقَّاهَا رَجُلٌ) أَيْ فَقَابَلَهَا (فَتَجَلَّلَهَا) أَيْ فَغَشِيَهَا بِثَوْبِهِ فَصَارَ كَالْجُلِّ عَلَيْهِ (فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا) قَالَ الْقَاضِي: أَيْ غَشِيَهَا وَجَامَعَهَا كَنَّى بِهِ عَنِ الْوَطْءِ كَمَا كَنَّى عَنْهُ بِالْغَشَيَانِ (فَصَاحَتْ) أَيْ بَعْدِ تَخْلِيَتِهَا (وَانْطَلَقَ) أَيِ الرَّجُلُ (وَمَرَّتْ عِصَابَةٌ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ جَمَاعَةٌ قَوِيَّةٌ (مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَتْ: إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَعَلَ بِي كَذَا) أَيْ مِنَ الْغَشَيَانِ (وَكَذَا) أَيْ مِنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (فَأَخَذُوا الرَّجُلَ فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكِ) لِكَوْنِهَا مُكْرَهَةً (وَقَالَ) أَيْ لِأَصْحَابِهِ (لِلرَّجُلِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا) أَيْ فِي حَقِّهِ (ارْجُمُوهُ) وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالزِّنَا، فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ، فَرَجَمُوهُ لِكَوْنِهِ مُحْصَنًا (قَالَ: لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً) أَيْ بِاعْتِرَافِهِ أَوْ بِإِجْرَاءِ حَدِّهِ (لَوْ تَابَهَا) أَيْ لَوْ تَابَ مِثْلَ تَوْبَتِهِ (أَهْلُ الْمَدِينَةِ) أَيْ أَهْلُ بَلَدٍ فِيهِمْ عِشَارٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الظُّلْمَةِ (لَقُبِلَ مِنْهُمْ) وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لَوْ قُسِّمَ هَذَا الْمِقْدَارُ مِنَ التَّوْبَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَكَفَاهُمُ اه وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ تَحْتَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَعْنَى فَإِنَّ التَّوْبَةَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلْقِسْمَةِ وَالتَّجْزِئَةِ فَأَمَّا مَا وَرَدَ: اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ. فَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ أَوْ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ
стр. 4985
٣٥٧٣ - وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَجُلِدَ الْحَدَّ ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ مُحْصَنٌ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٥٧٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَجُلِدَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ فُضُرِبَ (الْحَدَّ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ فَأَمَرَ لَيْسَ خَبَرًا ; لِأَنَّ وَإِنْ كَانَ اسْمُهَا نَكِرَةً مَوْصُوفَةً لِعَدَمِ شُيُوعِهِ وَإِبْهَامِهِ بَلْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ هُوَ خَبَرُ إِنَّ أَيِ أُخْبِرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأَمَرَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أُخْبِرَ اه وَهُوَ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ زَنَى خَبَرُ أَنَّ وَقَوْلَهُ: فَأَمَرَ عَطْفٌ عَلَيْهِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أُخْبِرَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَا وَقَعَ إِخْبَارٌ، وَإِنَّمَا ظَنَّ ظَنًّا، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ أَوَّلَ الْأَمْرِ (ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ مُحْصَنٌ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَيُكْسَرُ (فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ، وَعَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّ الْوَاجِبَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ الْمَصِيرُ إِلَى الْوَاجِبِ الشَّرْعِيِّ، ذَكَرَهُ الْأَشْرَفُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ لَكِنَّ قَوْلَهُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ لَا يَصِحُّ عَلَى إِطْلَاقِهِ إِذِ الرَّجْمُ يَقُومُ مَقَامَ الْجَلْدِ صُورَةً وَمَعْنًى ; فَإِنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ يُكَفِّرُهُ مِنَ الزِّيَادَةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 4986
٣٥٧٤ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ «أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِرَجُلٍ كَانَ فِي الْحَيِّ مُخْدَجٍ سَقِيمٍ فَوَجَدَ عَلَى أَمَةٍ مِنْ إِمَائِهِمْ يَخْبُثُ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خُذُوا لَهُ عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً» . رَوَاهُ شَرْحُ السُّنَّةِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ نَحْوُهُ.
ــ
٣٥٧٤ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ السَّاعِدِيَّ الْخَزْرَجِيَّ كَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ الِاثْنَى عَشَرَ وَكَانَ سَيِّدَ الْأَنْصَارِ مُقَدَّمًا فِيهِمْ وَجِيهًا لَهُ رِيَاسَةٌ وَسِيَادَةٌ تَعْتَرِفُ لَهُ قَوْمُهُ بِهَا رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ يُقَالُ: إِنَّ الْجِنَّ قَتَلَتْهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ وُجِدَ مَيْتًا فِي مُغْتَسَلِهِ، وَقَدْ أُحْضِرَ جَسَدُهُ، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِمَوْتِهِ حَتَّى سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ وَلَا يَرَوْنَ أَحَدًا: قَدْ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمٍ فَلَمْ يُخْطِهِ فُؤَادُهْ (أَتَى النَّبِيَّ) أَيْ جَاءَهُ ﷺ بِرَجُلٍ كَانَ فِي الْحَيِّ) أَيْ فِي الْقَبِيلَةِ (مُخْدَجٍ) مَجْرُورٌ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ نَاقِصِ الْخِلْقَةِ (سَقِيمٍ) أَيْ مَرِيضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ لِمَا سَبَقَ (فَوَجَدَ) أَيِ الرَّجُلُ (عَلَى أَمَةٍ مِنْ إِمَائِهِمْ يَخْبُثُ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ يَزْنِي بِهَا فَإِنَّ الزِّنَا مِنْ خَبِيثِ الْفِعْلِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خُذُوا لَهُ عِثْكَالًا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ كِبَاسَةً وَهِيَ لِلرُّطَبِ بِمَنْزِلَةِ الْعُنْقُودِ لِلْعِنَبِ (فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ) بِكَسْرٍ أَوَّلِهِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْبُسْرُ مِنْ عِيدَانِ الْكِبَاسَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْعِثْكَالُ الْغُصْنُ الْكَبِيرُ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ أَغْصَانٌ صِغَارٌ وَيُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَغْصَانِ شِمْرَاخًا (فَاضْرِبُوهُ) أَيْ بِهَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ (ضَرْبَةً) أَيْ وَاحِدَةً لَكِنْ بِحَيْثُ يَصِلُ أَثَرُ ضَرْبِ الْمِائَةِ جَمِيعِهَا إِلَى بَدَنِهِ (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ نَحْوُهُ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ لِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] وَالضَّرْبُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ جُمْلَةِ الرَّأْفَةِ اه وَهُوَ خَطَأٌ تَفْسِيرًا وَحَدِيثًا وَفِقْهًا أَمَّا التَّفْسِيرُ فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] أَيْ فِي طَاعَتِهِ وَإِقَامَةِ حَدِّهِ، فَتُعَطِّلُوهُ، أَوْ تُسَامِحُوا فِيهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﵊ عَلَى مَا رَوَاهُ السِّتَّةُ: " «لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» ". كَذَا قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَفِي الْمَعَالِمِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فَتُعَطِّلُوا الْحُدُودَ، وَلَا تُقِيمُوهَا، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَعْنَاهَا وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فَتُخَفِّفُوا الضَّرْبَ وَلَكِنْ أَوْجِعُوهُمَا ضَرْبًا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ، وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ جَلَدَ جَارِيَةً لَهُ زَنَتْ، فَقَالَ لِلْجَلَّادِ: اضْرِبْ ظَهْرَهَا وَرِجْلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِهَا، وَقَدْ ضُرِبَتْ، فَأُوجِعَتْ. اه وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَرِيضَ الشَّدِيدَ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ لَوْ ضُرِبَ ضَرْبًا وَجِيعًا لَمَاتَ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَمَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ فَهَذَا هُوَ الْحِيلَةُ مُرَاعَاةً
стр. 4987
لِلْجَانِبَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى لِأَيُّوبَ ﵊ وَكَانَ قَدْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ امْرَأَتَهُ مِائَةَ سَوْطٍ لَمَّا تَوَهَّمَ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الضَّرْبَ فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤] وَهُوَ مَلْءُ الْكَفِّ مِنَ الشَّجَرِ أَوِ الْحَشِيشِ ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ [ص: ٤٤] لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا الضَّرْبَ الْمُتَعَارَفَ، ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] فِي يَمِينِكَ، فَأَخَذَ ضِغْثًا يَشْتَمِلُ عَلَى مِائَةِ عُودٍ صِغَارٍ، فَضَرَبَهَا بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَتَبَيَّنَ لَكَ مِنَ التَّفْسِيرِ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يُخَالِفُ الْآيَةَ مَعَ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ عَلَى مَقْصُودِهِ كَمَا تَوَهَّمَ وَأَمَّا الْفِقْهُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْإِمَامِ ابْنِ الْهُمَامِ عَنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ خُصُوصُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاقِبَ الْمَجْلُودَ، وَيُحَافِظَ عَلَى حَيَاتِهِ، وَأَنَّ حَدَّ الْمَرِيضِ لَا يُؤَخَّرُ إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُ أَمْرٌ مَرْجُوٌّ كَالْحَبَلِ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: يُؤَخَّرُ الْحَدُّ إِلَى أَنْ يَبْرَأَ، وَقَدْ عُدَّ الْحَدِيثُ مِنَ الْمَرَاسِيلِ فَإِنَّ سَعِيدًا لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُمْ مَحْجُوبُونَ بِهِ إِذِ الْمَرَاسِيلُ مَقْبُولَةٌ عِنْدَهُمْ قُلْتُ: نَعَمِ الْمَرَاسِيلُ حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُؤَخَّرْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُرْجَى بُرْؤُهُ.
стр. 4988
٣٥٧٥ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٥٧٥ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ وَجَدْتُمُوهُ) أَيْ عَلِمْتُمُوهُ (يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِي حَدِّ اللُّوطِيِّ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ حَدَّ الْفَاعِلِ حَدُّ الزِّنَا أَيْ إِنْ كَانَ مُحْصَنًا يُرْجَمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا يُجْلَدُ مِائَةً وَعَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً مُحْصَنًا أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ ; لِأَنَّ التَّمْكِينَ فِي الدُّبُرِ لَا يُحْصِنُهَا فَلَا يَلْزَمُهَا حَدُّ الْمُحْصَنَاتِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ اللُّوطِيَّ يُرْجَمُ مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُقْتَلُ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ قِيلَ فِي كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِمَا هَدْمُ بِنَاءٍ عَلَيْهِمَا، وَقِيلَ: رَمْيُهُمَا مِنْ شَاهِقٍ كَمَا فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعَزَّرُ وَلَا يُحَدُّ. اه وَقِيلَ: يُقْتَلُ بِالضَّرْبِ وَقِيلَ: الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِيقَاعِ الْقَتْلِ ; لِأَنَّ الضَّرْبَ الْأَلِيمَ قَدْ يُسَمَّى قَتْلًا، وَنَقَلَ كَمَالُ بَاشَا عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الرَّأْيَ فِيهِ إِلَى الْإِمَامِ إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ إِنِ اعْتَادَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَرَبَهُ، وَحَبَسَهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4989
٣٥٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ. قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَاهُ كَرِهَ أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا أَوْ يُنْتَفَعَ بِهَا، وَقَدْ فُعِلَ بِهَا ذَلِكَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٥٧٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ عِكْرِمَةَ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وَفِي نُسْخَةٍ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ» ) أَيْ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبًا شَدِيدًا أَوْ أَرَادَ بِهِ وَعِيدًا أَوْ تَهْدِيدًا (وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ) قِيلَ: لِئَلَّا يَتَوَلَّدَ مِنْهَا حَيَوَانٌ عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ وَقِيلَ كَرَاهَةَ أَنْ يَلْحَقَ صَاحِبَهَا خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا لِإِبْقَائِهَا وَفِي شَرْحِ الْمُظْهِرِ: قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ أَنَّهُ يُعَزَّرُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: يُقْتَلُ إِنْ عَمِلَ ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ بِالنَّهْيِ وَالْبَهِيمَةُ قِيلَ: إِنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً تُقْتَلُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ الْقَتْلُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَعَدَمُ الْقَتْلِ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ إِلَّا لِأَكْلِهِ (قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ؟) أَيْ إِنَّهَا لَا عَقْلَ لَهَا وَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْهَا فَمَا بَالُهَا تُقْتَلُ؟ (قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْئًا) أَيْ مِنَ الْعِلَلِ وَالْحِكَمِ (وَلَكِنْ أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّهُ (كَرِهَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا أَوْ يُنْتَفَعَ بِهَا) أَيْ بِلَبَنِهَا وَبِشَعْرِهَا وَتَوْلِيدِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَقَدْ فُعِلَ بِهَا ذَلِكَ) أَيِ الْفِعْلُ الْمَكْرُوهُ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ
стр. 4990
قَالَ الطِّيبِيُّ: تَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا أَوْجَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْعَالَمِ جَعَلَهُ صَالِحًا لِفِعْلٍ خَاصٍّ فَلَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ الْعَمَلِ سِوَاهُ فَإِنَّ الْمَأْكُولَ مِنَ الْحَيَوَانِ خُلِقَ لِأَكْلِ الْإِنْسَانِ إِيَّاهُ لَا لِقَضَاءِ شَهْوَتِهِ مِنْهُ وَالذَّكَرُ مِنَ الْإِنْسَانِ خُلِقَ لِلْفَاعِلِيَّةِ وَالْأُنْثَى لِلْمَفْعُولِيَّةِ وَوُضِعَ فِيهَا الشَّهْوَةُ لِتَكْثِيرِ النَّسْلِ بَقَاءً لِنَوْعِ الْإِنْسَانِ، فَإِنْ عُكِسَ كَانَ إِبْطَالًا لِتِلْكَ الْحِكْمَةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: ٨١] أَيْ لَا حَامِلَ لَكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا مُجَرَّدُ الشَّهْوَةِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ آخَرَ وَلَا ذَمَّ أَعْظَمُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ لَهُمْ بِالْبَهِيمَةِ، وَأَنَّهُ لَا دَاعِيَ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ أَلْبَتَّةَ كَطَلَبِ النَّسْلِ، وَالتَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ وَنَحْوِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4991
٣٥٧٧ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٥٧٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ) أَخْوَفَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ قَالَ الطِّيبِيُّ: أَضَافَ أَفْعَلَ إِلَى مَا وَهِيَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اسْتَقْصَى الْأَشْيَاءَ الْمَخُوفَ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ بِشَيْءٍ أَخْوَفَ مِنْ فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ.
стр. 4992
٣٥٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ لَيْثٍ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَجَلَدَهُ مِائَةً وَكَانَ بِكْرًا ثُمَّ سَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَقَالَتْ: كَذَبَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَجُلِدَ حَدَّ الْفِرْيَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٥٧٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ لَيْثٍ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) أَيْ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ وَهُوَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ أَقَرَّ (فَجَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ) أَيْ ضَرَبَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ (وَكَانَ) أَيِ الرَّجُلُ (بِكْرًا ثُمَّ سَأَلَ) أَيْ طَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الرَّجُلِ (الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ) أَيْ عَلَى زِنَاهَا (فَقَالَتْ) أَيْ بَعْدَ عَجْزِ الرَّجُلِ عَنِ الْبَيِّنَةِ (كَذَبَ) أَيِ الرَّجُلُ عَلَيَّ (وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَجُلِدَ) أَيْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً (حَدَّ الْفِرْيَةِ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَهَى الْكَذِبُ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْقَذْفُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 4993
٣٥٧٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْمِنْبَرِ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَةِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٥٧٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي) أَيِ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى بَرَاءَتِهَا شَبَّهَتْهَا بِالْعُذْرِ الَّذِي يُبَرِّئُ الْمَعْذُورَ مِنَ الْجُرْمِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ (قَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ) أَيْ عُذْرِي (فَلَمَّا نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ) أَيْ بِحَدِّهِمَا أَوْ إِحْضَارِهِمَا وَهُمَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَمِسْطَحُ بْنُ أَثَاثَةَ (وَالْمَرْأَةِ) أَيْ وَبِالْمَرْأَةِ وَهَى حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ (فَضُرِبُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (حَدَّهُمْ) أَيْ حَدَّ الْمُفْتَرِينَ وَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ فَحُدُّوا حَدَّهُمْ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 4994
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٥٨٠ -. عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْإِمَارَةِ وَقَعَ عَلَى وَلِيدَةٍ مِنَ الْخُمُسِ، فَاسْتَكْرَهَهَا حَتَّى اقْتَضَّهَا، فَجَلَدَهُ عُمَرُ، وَلَمْ يَجْلِدْهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٥٨٠ - (عَنْ نَافِعٍ) أَيْ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ صَفَّيْهَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: ثَقَفِيَّةٌ وَهِيَ أُخْتُ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ وَهِيَ زَوْجَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَدْرَكَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَسَمِعَتْ مِنْهُ، وَلَمْ تَرْوِ عَنْهُ، وَرَوَتْ عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ (أَخْبَرَتْهُ) أَيْ نَافِعًا (أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْإِمَارَةِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ مِنْ مَمَالِيكِ سَلْطَنَةِ
стр. 4995
الْخَلِيفَةِ وَهُوَ عُمَرُ ﵁ (وَقَعَ عَلَى وَلِيدَةٍ) أَيْ جَامَعَ أَمَةً (مِنَ الْخُمُسِ) بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي (فَاسْتَكْرَهَهَا) أَيِ الْعَبْدُ (حَتَّى اقْتَضَّهَا) بِالْقَافِ وَتَشْدِيدِ الضَّادِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَاءِ بَدَلَ الْقَافِ أَيْ أَخَذَ بَكَارَتَهَا، وَفِي الْمُغْرِبِ: اقْتَضَّ الْجَارِيَةَ ذَهَبَ بِقِضَّتِهَا وَهَى بَكَارَتُهَا وَمَدَارُ التَّرْكِيبِ عَلَى الْكَسْرِ. وَفِي النِّهَايَةِ: فَضُّ الْخَاتَمِ كِنَايَةٌ عَنِ الْوَطْءِ، وَجَاءَ بِنُطْفَةٍ فِي أَدَاوَةٍ فَافْتَضَّهَا أَيْ صَبَّهَا. وَرُوِيَ بِالْقَافِ أَيْ فَتَحَ رَأْسَهَا مِنِ اقْتِضَاضِ الْبِكْرِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُوَ بِالْقَافِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَزَالَ بَكَارَتَهَا، وَالْقِضَّةُ بِالْكَسْرِ عُذْرَةُ الْجَارِيَةِ، وَالِافْتِضَاضُ بِالْفَاءِ أَيْضًا بِمَعْنَاهُ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هُوَ بِقَافٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقِضَّةِ وَهَى عُذْرَةُ الْبِكْرِ. (فَجَلَدَهُ عُمَرُ) أَيِ الْعَبْدَ خَمْسِينَ جَلْدَةً (وَلَمْ يَجْلِدْهَا) أَيِ الْوَلِيدَةَ (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 4996
٣٥٨١ - وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي فَأَصَابَ جَارِيَةً مِنَ الْحَيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعْتَ لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَكَ وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَخْرَجًا، فَآتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّى زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَادَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ. حَتَّى قَالَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّكَ قَدْ قُلْتَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَبِمَنْ قَالَ: بِفُلَانَةَ. قَالَ: هَلْ ضَاجَعْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ بَاشَرْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ جَامَعْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ، فَأُخْرِجُ بِهِ إِلَى الْحَرَّةِ فَلَمَّا رُجِمَ فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ، فَجَزِعَ، فَخَرَجَ يَشْتَدُّ فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَقَدْ عَجَزَ أَصْحَابُهُ، فَنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ، فَرَمَاهُ بِهِ، فَقَتَلَهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ، فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٥٨١ - (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ عَنْ أَبِيهِ) أَيْ نُعَيْمٍ (قَالَ: كَانَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيُكْسَرُ أَيْ فِي تَرْبِيَةِ أَبِي هَزَّالٍ عَنْ أَبِيهِ (فَأَصَابَ جَارِيَةً) أَيْ جَامَعَ مَمْلُوكَةً (مِنَ الْحَيِّ) أَيِ الْقَبِيلَةِ (فَقَالَ لَهُ أَبِي) أَيْ هَزَّالٌ (ائْتِ) أَمْرُ مِنَ الْإِتْيَانِ أَيِ احْضَرْ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعْتَ لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَكَ إِنَّمَا) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ وَإِنَّمَا (يُرِيدُ) وَفِي نُسْخَةٍ هُوَ يُرِيدُ (بِذَلِكَ) أَيْ بِمَا ذَكَرَ مِنَ الْإِتْيَانِ وَالْإِخْبَارِ (رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَخْرَجًا) أَيْ عَنِ الذَّنْبِ أَيْ لَا قَصَدَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَمَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ لِكَوْنِهِ هَزَّالًا قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْمُ كَانَ يَرْجِعُ إِلَى الْمَذْكُورِ وَخَبَرُهُ مَخْرَجًا وَلَهُ ظَرْفُ لَغْوٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] وَالْمَعْنَى يَكُونُ إِتْيَانُكَ وَإِخْبَارُكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَخْرَجًا لَكَ وَبِنَصْرِهِ مَا اتَّبَعَهُ مِنْ قَوْلِهِ (فَآتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ) أَيْ حُكْمَهُ (فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَادَ) أَيْ فَرَجَعَ بَعْدَمَا غَابَ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ حَتَّى قَالَهَا) أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) أَيْ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّكَ قَدْ قُلْتَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَبِمَنْ؟) أَيْ فَبِمَنْ زَنَيْتَ؟ وَهَذَا دَلِيلٌ صَرِيحٌ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ لِلْإِقْرَارِ بِالزِّنَا عَلَى الْخُصُوصِ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ كَمَالُ سَتْرِهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَبِمَنْ؟ جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ إِذَا كَانَ كَمَا قُلْتَ فَبِمَنْ زَنَيْتَ؟ (قَالَ: بِفُلَانَةَ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ (قَالَ: هَلْ ضَاجَعْتَهَا؟) أَيْ عَانَقْتَهَا؟ (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ بَاشَرْتَهَا؟) أَيْ وَصَلَ بَشَرَتُكَ بَشَرَتَهَا وَقَدْ يُكَنَّى بِالْمُبَاشَرَةِ عَنِ الْمُجَامَعَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] (قَالَ: نَعَمْ) (قَالَ: هَلْ جَامَعْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ) أَيِ الرَّاوِي (فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ) بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي بِهِ (فَأُخْرِجَ بِهِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (إِلَى الْحَرَّةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعُدِّيَ أُخْرِجَ بِالْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ تَأْكِيدًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] قَالَهُ الْحَرِيرِيُّ فِي دُرَّةِ الْغَوَّاصِ قِيلَ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ حِرَفِ التَّعْدِيَةِ فِي قِرَاءَةِ ضَمِّ التَّاءِ عِدَّةُ أَقْوَالٍ وَالْأَحْسَنُ أَنَّهُ إِنَّمَا زِيدَتِ التَّاءُ ; لِأَنَّ إِنْبَاتَهَا الدُّهْنَ بَعْدَ إِنْبَاتِ الثَّمَرِ الَّذِي يَخْرُجُ الدُّهْنُ مِنْهُ فَلَمَّا كَانَ الْفِعْلُ فِي الْمَعْنَى قَدْ تَعَلَّقَ بِمَفْعُولَيْنِ يَكُونَانِ فِي حَالٍ بَعْدَ حَالٍ وَمَا الثَّمَرَةُ وَالدُّهْنُ احْتِيجَ إِلَى تَقْوِيَتِهِ فِي التَّعَدِّي بِالْبَاءِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَرَجَمْنَاهُ يَعْنِي مَاعِزًا بِالْمُصَلَّى. وَفِي مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ وَالْمُصَلَّى
стр. 4997
كَانَ بِهِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مُصَلَّى الْجَنَائِزِ فَيَتَّفِقَ الْحَدِيثَانِ وَأَمَّا فِي التِّرْمِذِيَّ مِنْ قَوْلِهِ: فَأَمَرَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْحَرَّةِ فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ فَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ عَلَى أَنَّهُ اتُّبِعَ حِينَ هَرَبَ حَتَّى أُخْرِجَ إِلَى الْحَرَّةِ وَإِلَّا فَهُوَ غَلَطٌ ; لِأَنَّ الصِّحَاحَ وَالْحِسَانَ مُتَظَافِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا صَارَ إِلَيْهَا هَارِبًا لَا أَنَّهُ ذَهَبَ بِهِ إِلَيْهَا ابْتِدَاءً لِيُرْجَمَ بِهَا (فَلَمَّا رُجِمَ فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ) أَيْ أَلَمَ إِصَابَتِهَا (فَجَزِعَ) أَيْ فَلَمْ يَصْبِرْ (فَخَرَجَ أَيْ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي يُرْجَمُ فِيهِ (يَشْتَدُّ) أَيْ يَسْعَى وَيَجْرِي حَالٌ (فَلَقِيَهُ) أَيْ فَتَلَقَّاهُ (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ) بِالتَّصْغِيرِ (وَقَدْ عَجَزَ أَصْحَابُهُ) أَيْ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ أَصْحَابُ مَاعِزٍ الَّذِي يَرْجُمُونَهُ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ (فَنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ) وَالْوَظِيفُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ مُسْتَدَقُّ الذِّرَاعِ وَالسَّاقِ مِنَ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَغَيْرِهِمَا وَفِي الْمُغْرِبِ وَظِيفُ الْبَعِيرِ مَا فَوْقَ الرُّسْغِ مِنَ السَّاقِ (فَرَمَاهُ بِهِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَيْ جَاءَ ابْنُ أُنَيْسٍ (فَذَكَرَ ذَلِكَ) أَيْ جَزَعَهُ وَهَرَبَهُ (لَهُ قَالَ: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ) جَمَعَ الْخِطَابَ لِيَشْمَلَهُ وَغَيْرَهُ (لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ) أَيْ يَرْجِعُ عَنْ إِقْرَارِهِ (فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ فَيَقْبَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ، وَيُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَتَهُ مِنْ غَيْرِ رَجْمِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءَاتُ الْمَذْكُورَةُ بَعْدَ لِمَا فِي قَوْلِهِ فَلَمَّا رُجِمَ إِلَى قَوْلِهِ: فَقَتَلَهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَصْلُحُ لِلْعَطْفِ إِمَّا عَلَى الشَّرْطِ أَوْ عَلَى الْجَزَاءِ إِلَّا قَوْلُهُ: فَوَجَدَ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ ; لِأَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الْجَزَاءِ، وَقَوْلُهُ، فَقَالَ: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَصْلُحُ لِلْجَزَاءِ وَفِي إِشْكَالٍ ; لِأَنَّ جَوَابَ لَمَّا لَا يَدْخُلُهُ الْفَاءُ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ الْجَزَاءُ، وَيُقَالَ: تَقْدِيرُهُ لَمَّا رُجِمَ فَكَانَ كَيْتَ فَكَيْتَ عَلِمْنَا حُكْمَ الرَّجْمِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا الْفَاءَاتُ كُلُّهَا لَا تَحْتَمِلُ إِلَّا الْعَطْفَ عَلَى الشَّرْطِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، وَقَالَ: فِيهِ فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ، فَرُجِمَ، فَلَمْ يُقْتَلْ حَتَّى رَمَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَلَحْيِ بِعِيرٍ، فَأَصَابَ رَأْسَهُ، فَقَتَلَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَرْبَعَةُ عَدَدًا مُعْتَبَرًا فِي اعْتِبَارِ إِفْرَادِهِ لَمْ يُؤَخَّرْ رَجْمُهُ إِلَى الثَّانِيَةِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَرْتِيبُهُ ﷺ الْحُكْمَ عَلَيْهَا وَهُوَ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّتِهَا، وَكَذَا الصَّحَابَةُ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ هَزَّالٍ: إِنَّكَ قَدْ قُلْتَهَا أَرْبَعًا، فَبِمَنْ؟ وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَزَادَ فِيهِ قَالَ: هِشَامٌ فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ حِينَ رَآهُ: «وَاللَّهِ يَا هَزَّالُ لَوْ كُنْتَ سُتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ مِمَّا صَنَعْتَ بِهِ» . قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: وَإِسْنَادُهُ صَالِحٌ، وَيَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَأَبُو نُعَيْمٍ ذَكَرَهُ فِي الثِّقَاتِ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، وَقَدْ رَوَى تَرْتِيبَهُ ﵊ عَلَى الْأَرْبَعِ جَمَاعَةٌ بِاللَّفْظِ مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهَا مَا ذَكَرْنَا وَمِنْهَا مَا لُفِظَ لَأَبَى دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّكَ قَدْ شَهِدْتَ عَلَى نَفْسِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَهَ: أَلَيْسَ أَنَّكَ قُلْتَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؟ وَتَقَدَّمَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ بِحَضْرَتِهِ ﵊: إِنِ اعْتَرَفْتَ الرَّابِعَةَ رَجَمَكَ. إِلَّا أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ جَابِرًا الْجُعْفِيَّ وَكَوْنُهُ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ رَدَّهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَمِنِ اخْتِصَارِ الرَّاوِي وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَقَرَّ أَرْبَعًا، فَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْعَسِيفِ: فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا مَعْنَاهُ الِاعْتِرَافُ الْمَعْرُوفُ فِي الزِّنَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ خُصُوصًا لِمَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ خَاصَّةِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا كَوْنُ الْغَامِدِيَّةِ لَمْ تُقِرَّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَمْنُوعٌ، بَلْ أَقَرَّتْ أَرْبَعًا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ الْغَامِدِيَّةَ وَمَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ لَوْ رَجَعَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِمَا لَمْ يَطْلُبْهُمَا وَإِنَّمَا رَجَمَهُمَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ» فَهَذَا نَصٌّ فِي إِقْرَارِهَا أَرْبَعًا غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ تَفَاصِيلُهَا وَالرُّوَاةُ كَثِيرًا مَا يَحْذِفُونَ بَعْضَ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى أَنَّهُ رَوَى الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ أَنَّهَا أَقَرَّتْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَهُوَ يَرُدُّهَا ثُمَّ قَالَ: اذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي الْحَدِيثَ. غَيْرَ أَنَّ فِيهِ مَجْهُولًا تَنْجَبِرُ جَهَالَتُهُ بِمَا يَشْهَدُ لَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ هَذَا وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي اسْتِفْسَارِ مَاعِزٍ أَنَّهُ رَجَمَهُ بَعْدَ الْخَامِسَةِ وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ عِنْدَ آحَادِ الْإِقْرَارَيْنِ، فَإِنَّ مِنْهَا إِقْرَارَيْنِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَكَانَتْ خَمْسًا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 4998
٣٥٨٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الزِّنَا إِلَّا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ، وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرِّشَا إِلَّا أُخِذُوا بِالرُّعْبِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٣٥٨٢ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ) أَيْ ظُهُورًا فَاشِيًا (فِيهِمْ بِالزِّنَا إِلَّا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ) بِفَتْحَتَيْنِ فِي النِّهَايَةِ: هِيَ الْجَدْبُ يُقَالُ: أَخَذَتْهُمُ السَّنَةُ إِذَا أُجْدِبُوا وَأُقْحِطُوا وَهَى مِنَ الْأَسْمَاءِ الْغَالِبَةِ نَحْوَ الدَّابَّةِ فِي الْفَرَسِ وَالْمَالِ وَالْإِبِلِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي اسْتِجْلَابِ الزِّنَا الْقَحْطَ أَنَّ الزِّنَا يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالِ النَّسْلِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرِّشَا) بِضَمِّ الرَّاءِ وَيُكْسَرُ جَمْعُ الرِّشْوَةِ وَفِي الْقَامُوسِ: الرِّشْوَةُ مُثَلَّثَةً الْجِعْلَةُ، وَفِي النِّهَايَةِ: هِيَ الْوَصْلَةُ إِلَى الْحَاجَةِ بِالْمُصَانَعَةِ، وَالرَّاشِي مَنْ يُعْطِي الَّذِي يُعِينُهُ عَلَى الْبَاطِلِ، وَالْمُرْتَشِي الْآخِذُ، وَالرَّائِشُ الَّذِي يَسْعَى بَيْنَهُمَا يَسْتَزِيدُ لِهَذَا وَيَسْتَنْقِصُ لِهَذَا. اه وَهَى مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرِّشَاءِ وَهُوَ حَبَلُ الدَّلْوِ إِذْ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْبُغْيَةِ كَمَا يُتَوَصَّلُ بِالرِّشَاءِ إِلَى الْمَالِ (إِلَّا أُخِذُوا بِالرُّعْبِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَبِضَمَّتَيْنِ أَيِ الْخَوْفِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ إِنَّمَا يُنْفِذُ حُكْمَهُ وَيُمْضِي أَمْرَهُ فِي الْوَضِيعِ وَالشَّرِيفِ إِذَا تَنَزَّهَ عَنِ الرِّشْوَةِ فَإِذَا تَلَطَّخَ بِهَا خُوِّفَ وَرُعِّبَ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 4999
٣٥٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» . رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
٣٥٨٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» . رَوَاهُ رَزِينٌ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ أَبَاهُ مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ أُمَّهُ، مَلْعُونٌ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِ، مَلْعُونٌ مَنْ كَمَهَ أَعْمَى عَنْ طَرِيقٍ، مَلْعُونٌ مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ، مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
стр. 5000
٣٥٨٤ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا أَحْرَقَهُمَا وَأَبَا بَكْرٍ هَدَمَ عَلَيْهِمَا حَائِطًا.
ــ
٣٥٨٤ - (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ لِرَزِينٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَيْ وَحْدَهُ (أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَحْرَقَهُمَا) أَيْ أَمَرَ بِإِحْرَاقِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ لَهُ فِي اللُّوَاطَةِ (وَأَبَا بَكْرٍ) أَيْ: وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ (هَدَمَ عَلَيْهَمَا حَائِطًا) أَيْ: أَمَرَ بِهَدْمِ جِدَارٍ عَلَيْهِمَا.
стр. 5001
٣٥٨٥ - وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٣٥٨٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ أَيْ نَظَرَ رَحْمَةٍ وَرِعَايَةٍ (إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا) أَيْ فِي دُبُرِهِ (أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
стр. 5002
٣٥٨٦ - وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَهُوَ «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ» . وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
ــ
٣٥٨٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّهُ قَالَ) مَرْفُوعًا، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لَهُ لِقَوْلِ الثَّوْرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي أَنَّ هَذَا أَصَحُّ ( «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ) أَيْ نَاقِلًا عَنْهُ (أَنَّهُ قَالَ: هَذَا) أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ (أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَهُوَ) أَيِ الْأَوَّلُ ( «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ» . وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا) أَيْ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ» (عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ) فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا أَصَحُّ فِي الْإِسْنَادِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادَهُ أَنَّ هَذَا الْمَوْقُوفَ أَصَحُّ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْفُوعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 5003
٣٥٨٧ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَلَا تَأْخُذْكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٥٨٧ - (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا الْقُرْبُ وَالْبُعْدُ فِي النَّسَبِ أَوِ الْقُوَّةُ أَوِ الضَّعْفُ وَالثَّانِي أَنْسَبُ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى أَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ فِي كُلِّ أَحَدٍ (وَلَا تَأْخُذْكُمْ) بِالْجَزْمِ عَطْفٌ عَلَى أَقِيمُوا فَيَكُونُ نَهْيًا تَأْكِيدًا لِلْأَمْرِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ فَيَكُونُ خَبَرًا بِمَعْنَى النَّهْيِ (فِي اللَّهِ) أَيْ فِي إِجْرَاءِ حُكْمِهِ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ (لَوْمَةُ لَائِمٍ) أَيْ مَلَامَةُ أَحَدٍ مِنَ اللَّائِمِينَ الْمُوَافِقِينَ أَوِ الْمُخَالِفِينَ الْمُنَافِقِينَ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 5004
٣٥٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِقَامَةُ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فِي بِلَادِ اللَّهِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٥٨٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «إِقَامَةُ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فِي بِلَادِ اللَّهِ» ) أَيْ جَمِيعِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ فِي إِقَامَتِهَا زَجْرًا لِلْخَلْقِ عَنِ الْمَعَاصِي، وَسَبَبًا لِفَتْحِ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، وَفِي الْقُعُودِ عَنْهَا وَالتَّهَاوُنِ بِهَا انْهِمَاكٌ لَهُمْ فِي الْمَعَاصِي، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِأَخْذِهِمْ بِالْجَدْبِ وَإِهْلَاكِ الْخَلْقِ كَمَا وَرَدَ أَنَّ «الْحُبَارَى لَتَمُوتُ هَزْلًا بِذَنْبِ بَنِي آدَمَ» أَيْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْبِسُ الْقَطْرَ عَنْهَا بِشُؤْمِ ذُنُوبِكُمْ، وَخَصَّ الْحُبَارَى بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَبْعَدُ الطَّيْرِ نُجْعَةً فَرُبَّمَا تُذْبَحُ بِالْبَصْرَةِ وَيُوجَدُ فِي حَوْصَلَتِهَا الْحَبَّةُ الْخَضْرَاءُ وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ وَبَيْنَ مَنَابِتِهَا مَسِيرَةُ أَيَّامٍ وَتَخْصِيصُ اللَّيْلَةِ بِالْأَمْطَارِ تَتْمِيمٌ لِمَعْنَى الْخِصْبِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) أَيْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
стр. 5005
٣٥٨٩ - وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ــ
٣٥٨٩ - (وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) .
بَابُ قَطْعِ السَّرِقَةِ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَأَمَّا بِفَتْحَتِهَا فَجَمْعُ سَارِقٍ وَفِي الْمُغْرِبِ: سَرَقَ مِنْهُ مَالًا، وَسَرَقَ مَالًا سَرَقَا وَسَرِقَةً إِذَا أَخَذَهُ فِي خَفَاءٍ وَحِيلَةٍ، وَفَتْحُ الرَّاءِ فِي السَّرِقَةِ لُغَةٌ، وَأَمَّا السُّكُونُ فَلَمْ نَسْمَعْهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْإِضَافَةُ إِلَى الْمَفْعُولِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ قَطْعُ أَهْلِ السَّرِقَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهَى لُغَةُ أَخْذِ الشَّيْءِ مِنَ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ الْخُفْيَةِ وَمِنْهُ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ وَهُوَ أَنْ يَسْمَعَ مُسْتَخْفِيًا وَفِي الشَّرِيعَةِ هِيَ هَذَا أَيْضًا، وَإِنَّمَا زِيدَ عَلَى مَفْهُومِهَا قُيُودٌ فِي إِنَاطَةِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَإِذًا لَا شَكَّ أَنَّ أَخْذَ أَقَلَّ مِنَ النِّصَابِ خُفْيَةً سَرِقَةٌ شَرْعًا لَكِنْ لَمْ يُعَلِّقِ الشَّرْعُ بِهِ حُكْمَ الْقَطْعِ فَهِيَ شُرُوطٌ لِثُبُوتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَإِذَا قِيلَ: الشَّرْعِيَّةُ الْأَخْذُ خُفْيَةً مَعَ كَذَا وَكَذَا لَا يَحْسُنُ بَلِ السَّرِقَةُ الَّتِي عَلَّقَ بِهَا الشَّرْعُ وُجُوبَ الْقَطْعِ هِيَ أَخْذُ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ مِقْدَارَهَا خُفْيَةً عَمَّنْ هُوَ يَقْصِدُ لِلْحِفْظِ مِمَّا لَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ مِنَ الْمَالِ الْمُتَمَوَّلِ لِلْغَيْرِ مِنْ حِرْزٍ بِلَا شُبْهَةٍ وَتُعَمَّمُ الشُّبْهَةُ فِي التَّأْوِيلِ فَلَا يَقْطَعُ السَّارِقُ مِنَ السَّارِقِ وَلَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الْآخَرِ أَوْ ذِي الرَّحِمِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] .
стр. 5006
[بَابُ قَطْعِ السَّرِقَةِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٥٩٠ - عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلَّا بِرُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٥٩٠ - (عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُقْطَعُ) بِالتَّأْنِيثِ وَالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّذْكِيرِ وَالْجَزْمِ (يَدُ السَّارِقِ) أَيْ جِنْسُهُ فَيَشْمَلُ السَّارِقَةَ أَوْ يُعْرَفُ حُكْمُهَا بِنَصِّ الْآيَةِ وَالْمُقَايَسَةِ وَالْمُرَادُ يَمِينُهُ لِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) أَيْ إِلَى الرُّسْغِ كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهَا (إِلَّا بِرُبْعِ دِينَارٍ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَيُسَكَّنُ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَالْمَعْنَى بِسَبَبِهِ أَوْ لِأَجْلِهِ (فَصَاعِدًا) أَيْ فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ فِي أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِيمَا دُونَ رُبُعٍ دِينَارٍ، وَكَانَ رُبُعُ الدِّينَارِ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
стр. 5007
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: «لَا يُقْطَعُ إِلَّا فِي دِينَارٍ» . عَلَى مَا سَيَأْتِي قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ، وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ وَقَدْرِهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: النِّصَابُ رُبُعُ دِينَارٍ ذَهَبًا أَوْ مَا قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَبَى ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي رِوَايَةٍ: يُقْطَعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ مَا قِيمَتُهُ أَحَدُهُمَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا يُقْطَعُ إِلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ مَا قِيمَتُهُ ذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ النِّصَابَ بِلَفْظِهِ فِي الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ رُبُعُ دِينَارٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَنَّهُ ﷺ قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ رُبُعُ دِينَارٍ فَصَاعِدًا أَوْ عَلَى أَنَّهَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ صَرِيحِ اللَّفْظِ فِي تَحْدِيدِ النَّصَّابِ لِلْمُحْتَمَلِ، بَلْ يَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى مُوَافَقَةِ لَفْظِهِ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: «لَمْ تُقْطَعْ يَدُ سَارِقٍ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ» ، فَمَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُبُعَ دِينَارٍ، وَأَمَّا مَا يَحْتَجُّ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةٍ جَاءَتْ: «قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ خَمْسَةٌ، فَهِيَ ضَعِيفَةٌ لَا يُعْمَلُ بِهَا لَوِ انْفَرَدَتْ فَكَيْفَ وَهَى مُخَالِفَةٌ لِصَرِيحِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّهُ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ اتِّفَاقًا لَا أَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ فِي قَطْعِ السَّارِقِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» . فَقَالَ جَمَاعَةٌ: الْمُرَادُ بِهِمَا بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَحَبْلُ السَّفِينَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ، وَأَنْكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَقَالُوا: لَيْسَ هَذَا السِّيَاقُ مَوْضِعَ اسْتِعْمَالِهِمَا بَلِ الْبَلَاغَةُ تَأْبَاهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَذُمُّ فِي الْعَادَةِ مَنْ خَاطَرَ بِيَدِهِ فِي شَيْءٍ لَهُ قَدْرٌ وَإِنَّمَا يَذُمُّ مَنْ خَاطَرَ فِيمَا لَا قَدْرَ لَهُ، فَالْمُرَادُ التَّنْبِيهُ عَلَى عِظَمِ مَا خَسِرَ يَدَهُ فِي مُقَابَلَةِ حَقِيرٍ مِنَ الْمَالِ، فَرُبْعُ دِينَارٍ يُشَارِكُ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فِي الْحَقَارَةِ، فَالْمُرَادُ جِنْسُ الْبِيضِ وَجِنْسُ الْحِبَالِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى عَادَةِ الْوُلَاةِ سِيَاسَةً لَا قَطْعًا جَائِزًا شَرْعًا وَقِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ هَذَا عِنْدَ نُزُولِ آيَةِ السَّرِقَةِ مُجْمَلَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانِ نِصَابٍ ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ النِّصَابَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: اخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ هَلْ يُقْطَعُ بِكُلِّ مِقْدَارٍ مِنَ الْمَالِ أَوْ بِمُعَيَّنٍ لَا يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْهُ، فَقَالَ بِالْأَوَّلِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَدَاوُدُ وَالْخَوَارِجُ وَابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَلِقَوْلِهِ ﵊: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ الْحَدِيثَ. وَمَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَعُلَمَاءِ الْأَقْطَارِ عَلَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ إِلَّا بِمَالٍ مُقَدَّرٍ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . فَلَزِمَ فِي الْأَوَّلِ التَّأْوِيلُ بِالْحَبْلِ الَّذِي يَبْلُغُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَبَيْضَةً مِنَ الْحَدِيدِ، أَوِ النُّسَخُ وَلَوْ قِيلَ: وَنَسْخُهُ أَيْضًا لَيْسَ أَوْلَى مِنْ نَسْخِ مَا رَوَيْتُمْ قُلْنَا: لَا تَارِيخَ بَقِيَ وَجَّهَ أَوْلَوِيَّةَ الْحَمْلِ وَهُوَ مَعَ الْجُمْهُورِ فَإِنَّ مِثْلَهُ فِي بَابِ الْحُدُودِ مُتَعَيَّنٌ عِنْدَ التَّعَارُضِ ثُمَّ قَدْ نُقِلَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَبِهِ يَتَقَيَّدُ إِطْلَاقُ الْآيَةِ، وَبِالْعَقْلِ إِنَّ الْحَقِيرَ مُطْلَقًا تَفْتُرُ الرَّغَبَاتُ فِيهِ فَلَا يُمْنَعُ أَصْلًا كَحَبَّةِ قَمْحٍ وَهُوَ مِمَّا يَشْمَلُهُ إِطْلَاقُ الْآيَةِ، وَكَذَا لَا يَخْفَى أَخْذُهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِأَخْذِهِ رُكْنُ السَّرِقَةِ وَهُوَ الْأَخْذُ خُفْيَةً وَلَا حِكْمَةَ الزَّجْرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا فِيمَا يَغْلُبُ فَإِنَّ مَا يَغْلُبُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَرْعِ الزَّاجِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَعَاطَى فَلَا حَاجَةَ إِلَى الزَّجْرِ عَنْهُ فَهَذَا مُخَصَّصٌ عَقْلِيٌّ بَعْدَ كَوْنِهَا مَخْصُوصَةً بِمَا لَيْسَ مِنْ حِرْزٍ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الشَّارِحُونَ لِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ فِي تَعْيِينِهِ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا فِي جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ إِلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَذَهَبُ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ رُبُعُ دِينَارٍ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّهُ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لِمَا رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أُتْرُجَّةً، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ، فَقُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ بِدِينَارٍ فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ قَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إِلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ سَوَاءٌ ارْتَفَعَ الصَّرْفُ أَوِ اتَّضَعَ، وَذَلِكَ «أَنَّهُ ﵊ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» ، وَعُثْمَانُ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُهُ اه.
وَكَوْنُ مِجَنٍّ بِثَلَاثَةٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَخْرَجَهُمَا الشَّيْخَانِ وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: كَانَتْ قِيمَةُ الدِّينَارِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا فَالثَّلَاثَةُ رُبْعُهَا فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْهُ ﵊: «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ
стр. 5008
أَدْنَى عَنْ ذَلِكَ» . وَكَانَ رُبُعُ الدِّينَارِ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَلَنَا أَنَّ الْأَخْذَ بِالْأَكْثَرِ فِي هَذَا الْبَابِ أَوْلَى احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ، تَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ أَكْثَرُ مِمَّا ذُكِرَ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَيْمَنَ، قَالَ: «لَمْ تُقْطَعِ الْيَدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ وَثَمَنُهُ يَوْمَئِذٍ دِينَارٌ» ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطَعَ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، فَكَيْفَ قُلْتَ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا، فَقَالَ: قَدْ رَوَى شَرِيكٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَيْمَنَ ابْنِ أُمِّ أَيْمَنَ أَخِي أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ لِأُمِّهِ، وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَجَابَ بِأَنَّ أَيْمَنَ قُتِلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ مُجَاهِدٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْمَرَاسِيلِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، عَنْ أَيْمَنَ وَكَانَ فَقِيهًا قَالَ: تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَكَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا قَالَ أَبِي: هُوَ مُرْسَلٌ. وَأَرَى أَنَّهُ وَالِدُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ، وَلَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ، وَظَهَرَ بِهَذَا الْقَدْرِ أَنَّ أَيْمَنَ اسْمٌ لِلصَّحَابِيِّ، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَأَنَّهُ اسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحُنَيْنٍ وَاسْمُ التَّابِعِيِّ آخَرُ، وَقَالَ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمُزَنِيُّ فِي كِتَابِهِ: أَيْمَنُ الْحَبَشِيُّ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ رَوَى عَنْ سَعْدٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ، ثُمَّ قَالَ: أَيْمَنُ مَوْلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقِيلَ: مَوْلَى ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّرِقَةِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَعَنْهُ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ قَالَ النَّسَائِيُّ: مَا أَحْسَبُ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَقَدْ جَعَلَهُ اسْمًا لِتَابِعَيْنِ وَأَمَّا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ فَجَعَلَاهُمَا وَاحِدًا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَيْمَنُ الْحَبَشِيُّ مَوْلَى ابْنِ أَبِي عُمَرَ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَرَوَى عَنْهُ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ ذَلِكَ، وَسُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ أَيْمَنَ وَالِدِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: مَكِّيٌّ ثِقَةٌ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ: وَأَيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحَبَشِيُّ مَوْلًى لِابْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَخْزُومِيِّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَرَوَى عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَى عَنْهُ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، وَكَانَ أَخَا أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ لِأُمِّهِ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً وَهِمَ حَدِيثُهُ فِي الْقَطْعِ مُرْسَلٌ فَهَذَا يُخَالِفُ الشَّافِعِيَّ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّ أَيْمَنَ ابْنَ أُمِّ أَيْمَنَ قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَأَنَّهُ صَحَابِيٌّ حَيْثُ جَعَلَهُ مِنَ التَّابِعِينَ وَهَكَذَا قَوْلُ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي سُنَنِهِ: أَيْمَنُ لَا صُحْبَةَ لَهُ وَهُوَ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَلَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ وَهُوَ الَّذِي يَرْوِي أَنَّ ثَمَنَ الْمِجَنِّ دِينَارٌ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي أَيْمَنَ رَاوِي قِيمَةِ الْمِجَنِّ هَلْ هُوَ صَاحِبِيٌّ أَمْ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ فَإِنْ كَانَ صَحَابِيًّا فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ تَابِعِيًّا ثِقَةً كَمَا ذَكَرَ أَبُو زُرْعَةَ الْإِمَامُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ وَابْنُ حِبَّانَ فَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ، وَالْإِرْسَالُ لَيْسَ عِنْدَنَا، وَلَا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ قَادِحًا بَلْ هُوَ حُجَّةٌ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ حِينَئِذٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَقْوِيمِ الْمِجَنِّ أَهُوَ ثَلَاثَةٌ أَوْ عَشْرَةٌ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ هُنَا لَا يُجَابُ الشَّرْعُ الدَّرْءُ أَمْكَنُ فِي الْحُدُودِ، ثُمَّ يَقْوَى بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ» . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا، وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَكَذَا إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ قَطَعْتُ يَدَ صَاحِبِهَا» . وَكَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَشْرَ دَرَاهِمَ، قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵊: «لَا قَطْعَ إِلَّا فِي دِينَارٍ أَوْ عَشْرِ دَرَاهِمَ» . وَهَذَا بِهَذَا اللَّفْظِ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مُرْسَلٌ عَنْهُ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ، فَقَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا قَطْعَ إِلَّا فِي دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَهُوَ مُرْسَلٌ. رَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ اه. وَهُوَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ الْكُلَّ مَا وَرَدَ إِلَّا عَنِ الْقَاسِمِ لَكِنَّ فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مُقَاتِلٍ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «كَانَ تُقْطَعُ الْيَدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» . وَهَذَا مَوْصُولٌ وَفِي رِوَايَةِ خَلَفِ بْنِ يَاسِينَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَمَا كَانَ الْقَطْعُ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خِسْرُو مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَرْفَعُهُ: «لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» ، وَهَذَا مَوْصُولٌ مَرْفُوعٌ وَلَوْ كَانَ مَوْقُوفًا لَكَانَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ; لِأَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لَا دَخْلَ لِلْعَقْلِ فِيهَا فَالْمَوْقُوفُ فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى الرَّفْعِ الْمَرْفُوعِ.
стр. 5009
٣٥٩١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَ السَّارِقِ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٥٩١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَ سَارِقٍ) أَيْ يَمِينَهُ مِنَ الرُّسْغِ (فِي مِجَنٍّ) بِكَسْرِ مِيمٍ وَفَتْحِ جِيمٍ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهَى الْجُنَّةُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالدَّرَقَةُ بِفَتْحَتَيْنِ وَالتُّرْسُ مِنَ الْجِنِّ إِذَا سُتِرَ (ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) قَالَ الشَّمَنِيُّ: هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَاهُ أَبُو شَيْبَةَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَشْرُ دَرَاهِمَ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَمَّا كَوْنُ الْمُرَادِ بِالْيَدِ الْيَمِينَ فَبِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) وَهِيَ مَشْكُورَةٌ كَانَ خَبَرًا مَشْهُورًا فَيُفِيدُ إِطْلَاقَ النَّصِّ فَهَذَا مِنْ تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ لَا مِنْ بَيَانِ الْمُجْمَلِ ; لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِي فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا، وَقَدْ قَطَعَ ﵊ الْيَمِينَ، وَكَذَا أَصْحَابُهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّقْيِيدُ مُرَادًا لَمْ يَفْعَلْهُ، وَكَانَ يَقْطَعُ الْيَسَارَ وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْيُمْنَى أَنْفَعُ مِنَ الْيَسَارِ؛ لِأَنَّهُ يَتَّمَكُنَّ بِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ وَحْدَهَا مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ بِهِ مِنَ الْيَسَارِ فَلَوْ كَانَ الْإِطْلَاقُ مُرَادًا وَالِامْتِثَالُ يَحْصُلُ بِكُلٍّ لَمْ يَقْطَعْ إِلَّا الْيَسَارَ عَلَى عَادَتِهِ مِنْ طَلَبِ الْأَيْسَرِ لَهُمْ مَا أَمْكَنَ، وَأَمَّا كَوْنُ الْقَطْعِ مِنَ الزَّنْدِ وَهُوَ مِفْصَلُ الرُّسْغِ، وَيُقَالُ لَهُ: الْكُوعُ ; لِأَنَّهُ الْمُتَوَاتِرُ وَمِثْلُهُ لَا يُطْلَبُ بِسَنَدٍ بِخُصُوصِهِ كَالْمُتَوَاتِرِ لَا يُبَالَى فِيهِ بِكُفْرِ النَّاقِلِينَ فَضْلًا عَنْ فِسْقِهِمْ أَوْ ضَعْفِهِمْ وَرُوِيَ فِيهَا خُصُوصُ مُتُونٍ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي حَدِيثِ رَجَاءِ بْنِ صَفْوَانَ، قَالَ فِيهِ ثُمَّ أَمَرَ بِقَطْعِهِ مِنَ الْمِفْصَلِ وَضُعِّفَ بِالْعُذْرِيِّ وَابْنِ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَ سَارِقٍ مِنَ الْمِفْصَلِ» . فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا أَعْرِفُ لَهُ حَالًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ رَجُلًا مِنَ الْمِفْصَلِ» ، وَفِيهِ الْإِرْسَالُ وَفِيهِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَطَعَا مِنَ الْمِفْصَلِ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِيمَا نُقِلَ عَنْ شُذُوذٍ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِقَطْعِ الْأَصَابِعِ ; لِأَنَّ بِهَا الْبَطْشَ، وَعَنِ الْخَوَارِجِ الْقَطْعُ مِنَ الْمِنْكَبِ ; لِأَنَّ الْيَدَ اسْمٌ لِذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِثُبُوتِهِ، وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ هُوَ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَهُمْ لَمْ يَقْدَحُوا فِي الْإِجْمَاعِ قَبْلَ الْفِتْنَةِ وَلِأَنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ عَلَى مَا ذُكِرَ وَعَلَى مَا إِلَى الرُّسْغِ إِطْلَاقًا أَشْهَرَ مِنْهُ إِلَى الْمَنْكِبِ بَلْ صَارَ يَتَبَادَرُ مِنْ إِطْلَاقِ الْيَدِ فَكَانَ أَوْلَى بِاعْتِبَارِهِ وَلَإِنْ سَلِمَ اشْتِرَاكُ الِاسْمِ جَازَ كَوْنُ مَا إِلَى الْمَنْكِبِ وَهُوَ الْمُرَادُ وَمَا إِلَى الرُّسْغِ فَيَتَعَيَّنُ مَا إِلَى الرُّسْغِ دَرَأً لِلزَّائِدِ عِنْدَ احْتِمَالِ عَدَمِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 5010
٣٥٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ بَيْضَةً فَتُقْطَعَ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعَ يَدُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٥٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ لَعْنِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ مِنَ الْعُصَاةِ ; لِأَنَّهُ لَعَنَ الْجِنْسَ مُطْلَقًا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَلَا يَجُوزُ لَعْنُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنَ اللَّعْنِ الْإِهَانَةُ وَالْخِذْلَانُ كَأَنَّهُ قِيلَ لَمَّا اسْتَعْمَلَ أَعَزَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ فِي أَهْوَنِ شَيْءٍ وَأَحْقَرِهِ خَذَلَهُ اللَّهُ، وَأَهَانَهُ حَتَّى قُطِعَ (يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعَ) بِالتَّأْنِيثِ، وَيُذَكَّرُ (يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) قِيلَ: الْمُرَادُ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَحَبْلُ السَّفِينَةِ، وَقِيلَ: كَانَ الْقَطْعُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْحَقِيرُ فَإِنَّ النَّصَّابَ يُشَارِكُ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فِي الْحَقَارَةِ وَقِيلَ الْحَقِيرُ يُؤَدِّي بِالِاعْتِيَادِ إِلَى الْقَطْعِ، وَيُفْضِي إِلَيْهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ التَّهْدِيدُ، وَقِيلَ: يُقْطَعُ سِيَاسَةً وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
следующие страницы →