Полный текст (8 767 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
عِنْدَهُ مِنَ الثَّوَابِ. (وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ) : أَيْ: إِيَّاهُ عَدْلًا، وَفِي تَقْدِيمِ الْإِعْطَاءِ عَلَى الْمَنْعِ إِيمَاءٌ إِلَى سَبْقِ رَحْمَتِهِ غَضَبَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ أَوْجَبُوا الثَّوَابَ فَاسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي تَقْيِيدِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بِالثَّالِثَةِ وَإِطْلَاقِ الْقِسْمِ الثَّانِي يَعْنِي الْآتِي إِشَارَةٌ إِلَى بَوْنٍ بَعِيدٍ بَيْنَهُمَا (أَمَّا هَؤُلَاءِ) : أَيْ: وَأَمْثَالُهُمْ (فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ) : أَيْ أَوَّلًا (أَوِ الْعِلْمَ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ) : أَيْ: ثَانِيًا (فَهُمْ أَفْضَلُ) : لِكَوْنِهِمْ جَامِعِينَ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ وَهُمَا الْكَمَالُ وَالتَّكْمِيلُ، فَيَسْتَحِقُّونَ الْفَضْلَ عَلَى جِهَةِ التَّبْجِيلِ (وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا) : أَيْ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ لَا بِالتَّعَلُّمِ مِنَ الْخَلْقِ، وَلِذَا اكْتَفَى بِهِ (ثُمَّ جَلَسَ فِيهِمْ) : إِشْعَارٌ بِأَنَّهُمْ مِنْهُ وَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ جَلَسَ فِيهِمْ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ جَلَسَ فِيهِمْ لِاحْتِيَاجِهِمْ إِلَى التَّعْلِيمِ مِنْهُ ﵊، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: بُعِثْتُ مُعَلِّمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 527
٢٥٨ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا حَدُّ الْعِلْمِ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الرَّجُلُ كَانَ فَقِيهًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا فِي أَمْرِ دِينِهَا، بَعَثَهُ اللَّهُ فَقِيهًا، وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا وَشَهِيدًا»
ــ
٢٥٨ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (مَا حَدُّ الْعِلْمِ) . قَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ وَصْفُ الشَّيْءِ الْمُحِيطِ بِمَعْنَاهُ الْمُتَمَيِّزِ عَنْ غَيْرِهِ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. أَقُولُ: هَذَا اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ، وَالْأَظْهَرُ الْمُرَادُ بِالْحَدِّ: الْمِقْدَارُ؛ وَلِذَا قَالَ: الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الرَّجُلُ كَانَ فَقِيهًا؟) يَعْنِي عَالِمًا فِي الْآخِرَةِ وَمَبْعُوثًا فِي زُمْرَةِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِهَا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي) : أَيْ: شَفَقَةً عَلَيْهِمْ أَوْ لِأَجْلِ انْتِفَاعِهِمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ضُمِّنَ حَفِظَ مَعْنَى رَقَبَ، وَعُدِّيَ بِعَلَى، احْفَظْ عَلَيَّ عِنَانَ فَرَسِي وَلَا تَغْفُلْ عَنِّي، وَفِي الْمُغْرِبِ: الْحِفْظُ: خِلَافُ النِّسْيَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي حَفِظَ يَعْنِي: مَنْ جَمَعَ أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةً مُرَاقِبًا إِيَّاهَا بِحَيْثُ تَبْقَى مَسْأَلَةً عَلَى أُمَّتِي اهـ. وَفِيهِ تَكَلُّفَاتٌ وَالْوَجْهُ مَا قَدَّمْتُهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَالْوَجْهُ مَا ذَكَرْتُهُ فِي تَقْرِيرِهِ اهـ. وَلَيْسَ فِي تَقْرِيرِهِ، وَلَا تَحْرِيرِهِ ذِكْرُ وَجْهٍ حَتَّى يُنْظَرَ فِي وَجْهِهِ (أَرْبَعِينَ حَدِيثًا) : وَفِي مَعْنَاهُ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً (" فِي أَمْرِ دِينِهَا) : احْتِرَازٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْإِخْبَارِيَّةِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالدِّينِ اعْتِقَادًا أَوْ عِلْمًا أَوْ عَمَلًا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ أَوْ أَنْوَاعٍ، وَلَا وَجْهَ لِمَنْ قَيَّدَهَا بِكَوْنِهَا مُتَفَرِّقَةً (بَعَثَهُ اللَّهُ فَقِيهًا) : مِنْ جُمْلَةِ الْفُقَهَاءِ (وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا) : بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّفَاعَاتِ الْخَاصَّةِ (وَشَهِيدًا) : أَيْ: حَاضِرًا لِأَحْوَالِهِ، وَمُزَكِّيًا لِأَعْمَالِهِ، وَمُثْنِيًا عَلَى أَقْوَالِهِ، وَمُخَلِّصًا لَهُ مِنْ أَهْوَالِهِ. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْحِفْظِ هُنَا نَقْلُ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا وَلَا عَرِفَ مَعْنَاهَا، هَذَا حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ انْتِفَاعُ الْمُسْلِمِينَ، لَا يَحْفَظُهَا مَا لَمْ يَنْقُلْ إِلَيْهِمْ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَأَقُولُ فِي قَوْلِهِ: وَلَا عَرِفَ مَعْنَاهَا نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ الْمَقَامَ الَّذِي هُوَ حَدُّ الْعِلْمِ إِذِ الْفِقْهُ هُوَ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ وَالْفَهْمُ لَهُ وَغَلَبَ عَلَى عِلْمِ الدِّينِ لِشَرَفِهِ وَإِلَّا فَالْحَامِلُ غَيْرُ فَقِيهٍ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قِيلَ مَعْرِفَةُ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا بِأَسَانِيدِهَا مَعَ تَعْلِيمِهَا النَّاسَ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْرِفَةَ أَسَانِيدِهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، ثُمَّ قَالَ أَوْ. . . . .
стр. 528
٢٥٩ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «هَلْ تَدْرُونَ مَنْ أَجْوَدُ جُودًا؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " اللَّهُ تَعَالَى أَجْوَدُ جُودًا، ثُمَّ أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ وَأَجْوَدُهُمْ مِنْ بَعْدِي رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَنَشَرَهُ، يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمِيرًا وَحْدَهُ أَوْ قَالَ: أُمَّةً وَاحِدَةً» .
ــ
٢٥٩ - (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَلْ تَدْرُونَ مَنْ أَجْوَدُ جُودًا؟) : أَيْ: أَكْثَرُ كَرَمًا. قَالَ الرَّاغِبُ: الْجُودُ بَذْلُ الْمُقْتَنَيَاتِ مَالًا كَانَ أَوْ عِلْمًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ :
стр. 529
" إِنَّ عِلْمًا لَا يُقَالُ بِهِ كَكَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ مَنِ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ، وَأَجْوَدُ خَبَرُهُ، وَجُودًا تَمْيِيزٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَجْوَدُ مِنَ الْجُودِ أَيْ أَحْسَنُ جُودًا أَوْ مِنَ الْجُودِ أَيْ مِنَ الَّذِي جُودُهُ أَجْوَدُ عَلَى حَدِّ نَهَارِهِ صَائِمٌ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (اللَّهُ تَعَالَى أَجْوَدُ جُودًا) : وَهُوَ لِمُجَرَّدِ الْمُبَالَغَةِ فَإِنَّهُ الْمُتَفَضِّلُ بِالْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ عَلَى جَمِيعِ الْبِلَادِ طِبْقَ الْمُرَادِ (ثُمَّ أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ) . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَيْ: أَفْضَلُهُمْ وَأَكْرَمُهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ» ، ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ لِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ أَنَّ الْجِنْسَ الْبَشَرِيَّ أَفْضَلُ مِنَ الْجِنْسِ الْمَلَكِيِّ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ (وَأَجْوَدُهُ) : أَيْ: جِنْسُ بَنِي آدَمَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ لِبَنِي آدَمَ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِنْسَانِ أَوْ لِلْجُودِ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَجْوَدُهُمْ يَعْنِي فِي زَمَانِهِ (مِنْ بَعْدِي) : يَحْتَمِلُ الْبَعْدِيَّةَ بِحَسَبِ الْمَرْتَبَةِ وَبِحَسَبِ الزَّمَانِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ (رَجُلٌ عَلِمَ) : بِالتَّخْفِيفِ بِلَا خِلَافٍ (عِلْمًا) : أَيْ: عَظِيمًا نَافِعًا فِي الدِّينِ (فَنَشَرَهُ) : يَعُمُّ التَّدْرِيسَ وَالتَّصْنِيفَ وَتَرْغِيبَ النَّاسِ، فِيهِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَمِنْهُ وَقْفُ الْكُتُبِ وَإِعَارَتُهَا لِأَهْلِهَا (يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمِيرًا وَحْدَهُ) : يَعْنِي كَالْجَمَاعَةِ الَّتِي لَهَا أَمِيرٌ وَمَأْمُورٌ فِي الْعِزَّةِ وَالْعَظَمَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا مُسْتَقِلًّا مَعَ أَتْبَاعِهِ غَيْرَ تَابِعٍ لِغَيْرِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ: أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. (أَوْ قَالَ: (أُمَّةً وَاحِدَةً) : الشَّكُّ يُحْتَمَلُ مِنْ أَنَسٍ، أَوْ مَنْ بَعْدَهُ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] حَيْثُ أَطْلَقَ الْأُمَّةَ عَلَى مَنْ جَمَعَ خِصَالًا لَا تُوجَدُ غَالِبًا إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ، وَلِذَا قَالَ الشَّاعِرُ:
لَيْسَ مِنَ اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ... أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدِ
وَلَمَّا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي مُعَاذٍ: كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: الْأُمَّةُ الَّذِي يَعْلَمُ الْخَيْرَ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ خَبَرُ: مُعَاذٌ أُمَّةٌ قَانِتٌ لِلَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا الْمُرْسَلُونَ. سَبَبُ ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ " أَنَّهُ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ".
стр. 530
٢٦٠ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: مَنْهُومٌ فِي الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا» ".
رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " وَقَالَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: هَذَا مَتْنٌ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
٢٦٠ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْهُومَانِ) : حَرِيصَانِ عَلَى تَحْصِيلِ أَقْصَى غَايَاتِ مَطْلُوبَيْهِمَا، وَفِي النِّهَايَةِ النَّهْمَةُ: بُلُوغُ الْهِمَّةِ فِي الشَّيْءِ (لَا يَشْبَعَانِ) : أَيْ لَا يَقْنَعَانِ (مَنْهُومٌ فِي الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ) : لِأَنَّهُ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ دَائِمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وَلَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ إِذْ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا) : أَيْ فِي تَحْصِيلِ مَالِهَا وَجَاهِهَا (لَا يَشْبَعُ مِنْهَا) : فَإِنَّهُ كَالْمَرِيضِ
стр. 531
الْمُسْتَشْفِي (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَقَالَ) : أَيِ: الْبَيْهَقِيُّ (قَالَ قُلْتُ: وَفِي قَوْلِهِ: لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ.
стр. 532
٢٦١ - وَعَنْ عَوْنٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: صَاحِبُ الْعِلْمِ، وَصَاحِبُ الدُّنْيَا، وَلَا يَسْتَوِيَانِ ; أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضًى لِلرَّحْمَنِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطُّغْيَانِ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى - أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧] قَالَ: وَقَالَ الْآخَرُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٦١ - (وَعَنْ عَوْنٍ) : تَابِعِيٌّ (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْهُومَانِ) : أَيْ: حَرِيصَانِ لَا يَشْبَعَانِ) : فِي الْقَامُوسِ النَّهَمُ: مُحَرَّكَةً إِفْرَاطُ الشَّهْوَةِ فِي الطَّعَامِ، وَأَنْ لَا تَمْتَلِئَ عَيْنُ الْآكِلِ وَلَا يَشْبَعُ، نَهِمَ كَفَرِحَ وَعُنِيَ فَهُوَ نَهِمٌ وَنَهِيمٌ وَمَنْهُومٌ، وَهُوَ مَنْهُومٌ بِكَذَا مُولَعٌ بِهِ (صَاحِبُ الْعِلْمِ، وَصَاحِبُ الدُّنْيَا، وَلَا يَسْتَوِيَانِ) : أَيْ فِي الْمَآلِ وَالْعَاقِبَةِ فِيمَا يَزِيدَانِ (أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضًا لِلرَّحْمَنِ) . وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّخْصِيصِ بِالرَّحْمَنِ أَنَّهُ مَظْهَرُ الرَّحْمَةِ حَيْثُ رَحِمَ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَتَخْلِيصِ الْجَهْلِ (وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى) . أَيْ: يَزْدَادُ وَيَتَوَسَّعُ (فِي الطُّغْيَانِ) : وَيَبْعُدُ عَنْ رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ (ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ) : اسْتِشْهَادًا لِذَمِّ الثَّانِي عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الْآيَةَ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى - أَنْ رَآهُ﴾ [العلق: ٦ - ٧] أَيْ: لِأَجْلِ أَنْ رَأَى نَفْسَهُ (اسْتَغْنَى) عَنِ النَّاسِ لِكَثْرَةِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ (قَالَ) : أَيْ عَوْنٌ (وَقَالَ) : أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ بَعْدَ قِرَاءَتِهِ مَا سَبَقَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] (الْآخَرُ) : بِالرَّفْعِ أَيِ الِاسْتِشْهَادُ الْآخَرُ، وَقِيلَ: بِالنَّصْبِ أَيْ: وَذَكَرَ الِاسْتِشْهَادَ الْآخَرَ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] بِنَصْبِ الْأَوَّلِ وَرَفْعِ الثَّانِي فِي الْمُتَوَاتِرِ وَعَكْسُهُ فِي الشَّوَاذِّ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوَّلَ مُوجِبٌ لِزِيَادَةِ الطُّغْيَانِ الْمُقْتَضِي تَرْكَ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَالثَّانِي سَبَبٌ لِزِيَادَةِ الْخَشْيَةِ الْمُوَرَّثَةِ لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ فَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 533
٢٦٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَقُولُونَ: نَأْتِي الْأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَنَعْتَزِلُهُمْ بِدِينِنَا. وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ إِلَّا الشَّوْكُ، كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِمْ إِلَّا - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ: كَأَنَّهُ يَعْنِي - الْخَطَايَا» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٦٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ أُنَاسًا) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: جَمَاعَةً (مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ) : أَيْ سَيَدَّعُونَ الْفِقْهَ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ أَوْ يَطْلُبُونَ الْفِقْهَ وَيُحَصِّلُونَهُ (فِي الدِّينِ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ) : أَيْ بِالْقِرَاءَاتِ أَوْ بِتَفْسِيرِ الْآيَاتِ وَيَأْتُونَ الْأُمَرَاءَ لَا لِحَاجَةٍ ضَرُورِيَّةٍ إِلَيْهِمْ، بَلْ لِإِظْهَارِ الْفَضْلِيَّةِ وَالطَّمَعِ لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: كَيْفَ تَجْمَعُونَ بَيْنَ التَّفَقُّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِمْ (يَقُولُونَ) : وَفِي نُسْخَةٍ وَيَقُولُونَ (نَأْتِي الْأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ) : أَيْ: نَأْخُذُ (مِنْ دُنْيَاهُمْ وَنَعْتَزِلُهُمْ) : أَيْ: نَبْعُدُ عَنْهُمْ (بِدِينِنَا) : بِأَنْ لَا نُشَارِكَهُمْ فِي إِثْمٍ يَرْتَكِبُونَهُ. قَالَ ﵊ (وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ) : أَيْ: لَا يَصِحُّ وَلَا يَسْتَقِيمُ مَا ذُكِرَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ ثُمَّ مَثَّلَ وَقَالَ (كَمَا لَا يُجْتَنَى) : أَيْ: لَا يُؤْخَذُ (مِنَ الْقَتَادِ) : بِفَتْحِ الْقَافِ شَجَرٌ كُلُّهُ شَوْكٌ (إِلَّا الشَّوْكُ) : لِأَنَّهُ لَا يُثْمِرُ إِلَّا الْجِرَاحَةَ وَالْأَلَمَ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ (كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى) : أَيْ: لَا يَحْصُلُ (مِنْ قُرْبِهِمْ إِلَّا) : وَقَعَ كَلَامُهُ ﵊ بِلَا ذِكْرِ الِاسْتِثْنَاءِ لِكَمَالِ ظُهُورِهِ. (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) : أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (كَأَنَّهُ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (يَعْنِي) : أَيْ: يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمُسْتَثْنَى الْمُقَدَّرِ بَعْدَ إِلَّا (الْخَطَايَا) : وَهِيَ مَضَرَّةُ الدَّارَيْنِ، وَلَقَدْ أَشَارَ إِلَى كَثِيرٍ مِنْهَا بَعْضُ مَنْ كَتَبَ لِلزُّهْرِيِّ لَمَّا خَالَطَ السَّلَاطِينَ بِقَوْلِهِ فِي جُمْلَةِ مَوَاعِظَ وَعَظَهُ بِهَا: وَاعْلَمْ أَنَّ أَيْسَرَ مَا ارْتَكَبْتَ، وَأَخَفَّ مَا احْتَمَلْتَ، أَنَّكَ آنَسْتَ وَحْشَةَ الظَّلَمَةِ، وَسَهَّلْتَ سَبِيلَ الْغَيِّ بِدُنُوِّكَ مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ حَقًّا، وَلَمْ يَتْرُكْ بَاطِلًا، حِينَ أَدْنَاكَ اتَّخَذُوكَ قُطْبًا تَدُورُ عَلَيْكَ رَحَى بَاطِلِهِمْ، وَجِسْرًا يَعْبُرُونَ عَلَيْكَ إِلَى بَلَائِهِمْ، وَسُلَّمًا يَصْعَدُونَ فِيكَ إِلَى ضَلَالِهِمْ، يُدْخِلُونَ الشَّكَّ بِكَ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَيَقْتَادُونَ بِكَ قُلُوبَ الْجُهَلَاءِ، فَمَا أَيْسَرَ مَا عَمَّرُوا لَكَ فِي جَنْبِ مَا خَرَّبُوا لَكَ، وَمَا أَكْثَرَ مَا أَخَذُوا مِنْكَ فِيمَا أَفْسَدُوا عَلَيْكَ مِنْ دِينِكَ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: الذُّبَابُ عَلَى الْعُذْرَةِ أَحْسَنُ مِنْ قَارِئٍ عَلَى بَابِ هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةِ، وَرَحِمَ اللَّهُ وَالِدِي كَانَ يَقُولُ لِي: مَا أُرِيدُ أَنْ تَصِيرَ مِنَ الْعُلَمَاءِ خَشْيَةَ أَنْ تَقِفَ عَلَى بَابِ الْأُمَرَاءِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)
стр. 534
٢٦٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ، لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ، فَهَانُوا عَلَيْهِمْ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)
ــ
٢٦٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ) : أَيِ: الشَّرْعِيِّ (صَانُوا الْعِلْمَ) : أَيْ: حَفِظُوهُ عَنِ الْمَهَانَةِ بِحِفْظِ أَنْفُسِهِمْ عَنِ الْمَذَلَّةِ وَمُلَازَمَةِ الظَّلَمَةِ وَمُصَاحَبَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا طَمَعًا لِمَا لَهُمْ مِنْ جَاهِهِمْ وَمَالِهِمْ، وَعَنِ الْحَسَدِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَوَضَعَ الْمُظْهَرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ (وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ) : أَيْ: أَهْلِ الْعِلْمِ يَعْنِي: الَّذِينَ يَعْرِفُونَ قَدْرَ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ وَيُلَازِمُونَ الْعُلَمَاءَ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يُؤْتَى وَلَا يَأْتِي (لَسَادُوا بِهِ) : أَيْ: فَاقُوا بِالسِّيَادَةِ وَفَضِيلَةِ السَّعَادَةِ بِسَبَبِ الصِّيَانَةِ وَالْوَضْعِ عَنْ أَهْلِ الْكَرَامَةِ دُونَ أَهْلِ الْإِهَانَةِ (أَهْلَ زَمَانِهِمْ) : أَيْ كَمَالًا وَشَرَفًا لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ الْمُلُوكُ فَمَنْ دُونَهُمْ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ وَأَقْلَامِهِمْ، وَطَوْعَ آرَائِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ رَفِيعُ الْقَدْرِ يَرْفَعُ قَدْرَ مَنْ يَصُونُهُ عَنِ الِابْتِذَالِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: الْعِلْمُ ذَكَرٌ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا ذُكُورُ الرِّجَالِ أَيِ: الَّذِينَ يُحِبُّونَ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَتَنَزَّهُونَ عَنْ
стр. 535
سَفْسَافِهَا اهـ. وَفِي كَلَامِ الزُّهْرِيِّ إِيمَاءٌ بِطْرِيقِ الْمَفْهُومِ وَالْمُقَابَلَةِ إِلَى أَنَّ الدُّنْيَا أُنْثَى لَا يُحِبُّهَا إِلَّا نَاقِصُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ الْمَرَاتِبَ الدَّنِيَّةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا) : أَيْ: بِأَنْ خَصُّوهُمْ بِهِ أَوْ تَرَدَّدُوا إِلَيْهِمْ بِهِ (لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ) : لَا لِأَجْلِ الدِّينِ بِالنَّصِيحَةِ وَالشَّفَاعَةِ وَغَيْرِهِمَا (فَهَانُوا) : أَيْ: أَهْلُ الْعِلْمِ ذَلُّوا قَدْرًا (عَلَيْهِمْ) : أَيْ: مُسْتَثْقَلِينَ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " عِلْمُهُمْ " بَدَلَ " عَلَيْهِمْ " وَهُوَ تَصْحِيفٌ لِأَنَّ هَانَ لَازِمٌ بِمَعْنَى ذَلَّ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَصِيرَ مُتَعَدِّيًا إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ فِي عِلْمِهِمْ وَبَذْلِهِ إِيَّاهُمْ (سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ، هَذَا الْخِطَابُ تَوْبِيخٌ لِلْمُخَاطَبِينَ حَيْثُ خَالَفُوا أَمْرَ نَبِيِّهِمْ، فَخُولِفَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ افْتِتَانًا (يَقُولُ: (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ) : أَيِ: الْهُمُومَ الَّتِي تَطْرُقُهُ مِنْ مِحَنِ الدُّنْيَا وَكَدَرِهَا وَمُرِّ عَيْشِهَا (هَمًّا وَاحِدًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَمَّ الْأَمْرَ يَهِمُّ إِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ اهـ. أَيْ: مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى هَمٍّ وَاحِدٍ مِنَ الْهُمُومِ وَتَرَكَ سَائِرَ الْمَطَالِبِ وَبَقِيَّةَ الْمَقَاصِدِ وَجَعَلَ كَأَنَّهُ لَا هَمَّ إِلَّا هَمٌّ وَاحِدٌ (هَمَّ آخِرَتِهِ) : بَدَلٌ مِنْ هَمًّا وَهُوَ هَمُّ الدِّينِ (كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ) : الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْهُمُومِ يَعْنِي كَفَاهُ هَمَّ دُنْيَاهُ أَيْضًا (وَمَنْ تَشَعَّبَتْ) : وَفِي نُسْخَةٍ: تَشَعَّبَ (بِهِ الْهُمُومُ) : أَيْ: تَفَرَّقَتْ يَعْنِي مَرَّةً اشْتَغَلَ بِهَذَا الْهَمِّ وَأُخْرَى بِهَمٍّ آخَرَ وَهَلُمَّ جَرًّا ( [فِي] أَحْوَالِ الدُّنْيَا) : بَدَلٌ مِنَ الْهُمُومِ (لَمْ يُبَالِ اللَّهُ) : أَيْ: لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ نَظَرَ رَحْمَةٍ (فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا) : أَيْ: أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا أَوِ الْهُمُومِ (هَلَكَ) : يَعْنِي لَا يَكْفِيهِ هَمُّ دُنْيَاهُ وَلَا هَمُّ أُخْرَاهُ، فَيَكُونُ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ. ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ.
стр. 536
٢٦٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ: (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ) إِلَى آخِرِهِ.
ــ
٢٦٤ - (وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ) : أَيْ مُبْتَدَأٌ مِنْ قَوْلِهِ، (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ إِلَخْ) . يَعْنِي: رَوَى الْمَرْفُوعَ لَا الْمَوْقُوفَ.
стр. 537
٢٦٥ - وَعَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ، وَإِضَاعَتُهُ أَنْ تُحَدِّثَ بِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا.
ــ
٢٦٥ - (وَعَنِ الْأَعْمَشِ) : هُوَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ، وَأَحَدِ الْأَعْلَامِ الْمَشْهُورِينَ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ وَالْقِرَاءَةِ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْ كَاهِلٍ فَأَعْتَقَهُ فَاجْتَهَدَ فِي الْعِلْمِ فَصَارَ إِمَامًا عَلَمًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ» ) : أَيْ: بَعْدَ حُصُولِهِ وَإِلَّا فَقَدْ قِيلَ: لِكُلِّ شَيْءٍ آفَةٌ وَلِلْعِلْمِ آفَاتٌ. أَيْ: قَبْلَ التَّحْصِيلِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَلْيُحْذَرْ مِنْ أَسْبَابِ النِّسْيَانِ كَالْإِعْرَاضِ عَنِ اسْتِحْضَارِهِ وَالِاشْتِغَالِ بِمَا يُشْغِفُ الْقَلْبَ مِنَ الْمُسْتَحْسَنَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَيُذْهِلُ الْعَقْلَ مِنَ الْمَظَاهِرِ الشَّهَوِيَّةِ (وَإِضَاعَتُهُ) : أَيْ: جَعْلُ الْعِلْمِ ضَائِعًا (أَنْ تُحَدِّثَ) : أَيْ أَنْتَ (" بِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ ") : بِأَنْ لَا يَفْهَمَهُ أَوْ لَا يَعْمَلُ بِهِ مِنْ أَرْبَابِ الدُّنْيَا: (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا) . قَالَ السَّيِّدُ: الْمُرَادُ بِالْإِرْسَالِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ الَّذِي هُوَ الِانْقِطَاعُ، لِأَنَّ الْأَعْمَشَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنْ ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْ أَنَسٍ فَالْمُرْسَلُ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ.
стр. 538
٢٦٦ - وَعَنْ سُفْيَانَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵁ قَالَ لِكَعْبٍ: مَنْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ. قَالَ فَمَا أَخْرَجَ الْعِلْمَ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ؟ قَالَ: الطَّمَعُ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٦٦ - (وَعَنْ سُفْيَانَ) : أَيِ: الثَّوْرِيِّ، وَهُوَ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ فِي الْفِقْهِ وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى دِينِهِ وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ، وَكَوْنِهِ ثِقَةً أَخَذَ عَنْهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِكَعْبٍ) : أَيْ: كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَيُقَالُ لَهُ كَعْبُ الْحَبْرُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ، وَخَصَّهُ بِذَلِكَ السُّؤَالِ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ عَلِمَ التَّوْرَاةَ وَغَيْرَهَا، وَأَحَاطَ بِالْعِلْمِ الْأَوَّلِ (مِنْ أَرْبَابِ الْعِلْمِ) أَيْ: مَنْ هُمْ أَصْحَابُهُ عِنْدَكُمْ، أَوْ فِي كِتَابِكُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَنْ مَلَكَ الْعِلْمَ وَرَسَخَ فِيهِ وَاسْتَحَقَّ أَنْ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ (قَالَ: الَّذِينَ) : أَيْ: هُمُ الَّذِينَ (يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ وَهُمُ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ الْحُكَمَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ. (قَالَ) : أَيْ: عُمَرُ (فَمَا أَخْرَجَ الْعِلْمَ) : مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَخْرَجَ الْعِلْمَ أَيْ نُورَهُ وَثَمَرَتَهُ وَتَأْثِيرَهُ وَبَرَكَتَهُ (مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ؟) أَيِ: الْعَامِلِينَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ غَيْرَ الْعَامِلِينَ لَيْسُوا عُلَمَاءَ (قَالَ: الطَّمَعُ) . لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَالْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِدُونِ الْإِخْلَاصِ لَا يُوصِلَانِ السَّالِكَ إِلَى مَقَامِ الِاخْتِصَاصِ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْوَرَعَ يُدْخِلُ الْعِلْمَ فِي قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وَالتَّعْرِيفُ فِي الْعِلْمِ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ وَهُوَ مَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْعِلْمِ أَيْ: إِذَا كَانَ أَرْبَابُ الْعِلْمِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ فَلِمَ تَرَكَ الْعَالِمُ الْعَمَلَ، وَمَا الَّذِي دَعَاهُ إِلَى تَرْكِ الْعَمَلِ لِيُعْزَلَ عَنْ هَذَا الِاسْمِ؟ قَالَ: الطَّمَعُ فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةُ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) : أَيْ مَوْقُوفًا.
стр. 539
٢٦٧ - وَعَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ ﵁ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الشَّرِّ. فَقَالَ: " لَا تَسْأَلُونِي عَنِ الشَّرِّ، وَسَلُونِي عَنِ الْخَيْرِ " يَقُولُهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: " أَلَا إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ شِرَارُ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ الْعُلَمَاءِ» ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٦٧ - (وَعَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ) : لَمْ يَذْكُرْهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الشَّرِّ) : أَيْ فَقَطْ (فَقَالَ: (لَا تَسْأَلُونِي) : بِالتَّخْفِيفِ فَإِنَّ لَا نَاهِيَةٌ (عَنِ الشَّرِّ) : فَحَسْبُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنِّي رَءُوفٌ رَحِيمٌ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، فَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ لَازِمِ ذَلِكَ مِنْ إِيهَامِ غَلَبَةِ مَظَاهِرِ الْجَلَالِ فِيهِ عَلَى مَظَاهِرِ الْجَمَالِ، وَإِلَّا فَالسُّؤَالُ عَنِ الشَّرِّ لِيُجْتَنَبَ وَاجِبٌ كِفَايَةً أَوْ عَيْنًا فَكَيْفَ يُنْهَى عَنْهُ (وَسَلُونِي عَنِ الْخَيْرِ) : إِمَّا مُنْفَرِدًا أَوْ مُنْضَمًّا بِالسُّؤَالِ عَنِ الشَّرِّ (يَقُولُهَا ثَلَاثًا) . قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مِنْ فَاعِلِ قَالَ، وَالضَّمِيرُ الْمُؤَنَّثُ رَاجِعٌ إِلَى الْجُمْلَةِ أَعْنِي: لَا تَسْأَلُونِي إِلَخْ. وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ مِثْلِ هَذَا السُّؤَالِ لِأَنَّهُ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] قُلْتُ الْأَقْرَبُ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْجُمْلَةِ الْقَرِيبَةِ (ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ) : أَيْ: أَعْظَمَهُ (شِرَارُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ الْعُلَمَاءِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا كَانُوا شَرَّ الشَّرِّ وَخَيْرَ الْخَيْرِ لِأَنَّهُمْ سَبَبٌ لِصَلَاحِ الْعَالَمِ وَفَسَادِهِ، وَإِلَيْهَا تَنْتَمِي أُمُورُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَبِهِمُ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ اهـ. أَوْ لِأَنَّ عَذَابَ شِرَارِهِمْ فِي الْعُقْبَى شَرُّ الْعِقَابِ، وَمَرَاتِبَ خِيَارِهِمْ فِي الْمَنَازِلِ الْجَنَّةِ خَيْرُ مَآبٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 540
٢٦٨ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَالِمٌ لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٦٨ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ) : الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَمِنْ زَائِدَةٌ. وَعَالِمٌ خَبَرُ إِنَّ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْقَامُوسِ: لُغَةٌ قَلِيلَةٌ أَوْ رَدِيئَةٌ اهـ. وَالصَّوَابُ أَنَّهَا قَلِيلَةٌ وَأَنَّ مِنْ غَيْرُ زَائِدَةٍ بَلْ هِيَ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ بَعْضَ أَشْرَارِهِمْ (عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً) : تَمْيِيزٌ أَيْ مَرْتَبَةً (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَالِمُ لَا يَنْتَفِعُ) : أَيْ هُوَ (بِعِلْمِهِ) : بِأَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لَا يَنْفَعُ، أَوْ تَعَلَّمَ عِلْمًا شَرْعِيًّا، لَكِنْ مَا عَمِلَ بِهِ، فَإِنَّهُ شَرٌّ مِنَ الْجَاهِلِ وَعَذَابُهُ أَشَدُّ مِنْ عِقَابِهِ كَمَا قِيلَ: وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً وَوَيْلٌ لِلْعَالِمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَكَمَا وَرَدَ: " «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ» . (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) : أَيْ مَوْقُوفًا.
стр. 541
٢٦٩ - وَعَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا! قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ، رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٦٩ - (وَعَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا رَاءٌ كَذَا فِي الْأَسْمَاءِ لِلْمُصَنِّفِ. قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: تَابِعِيٌّ سَمِعَ عُمَرَ وَعَلِيًّا (قَالَ) : قَالَ لِي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟ أَيْ: يُزِيلُ عِزَّتَهُ، وَالْهَدْمُ فِي الْأَصْلِ إِسْقَاطُ الْبِنَاءِ: (قُلْتُ: لَا!) . أَيْ: لَا أَعْرِفُ (قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ) : أَيْ عَثْرَتُهُ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ (وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ) : الَّذِي يُظْهِرُ السُّنَّةَ وَيُبْطِنُ الْبِدْعَةَ (بِالْكِتَابِ) : وَإِنَّمَا خُصَّ لِأَنَّ الْجِدَالَ بِهِ أَقْبَحُ، إِذْ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ (وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ) : بِالْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ (الْمُضِلِّينَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِهَدْمِ الْإِسْلَامِ تَعْطِيلُ أَرْكَانِهِ الْخَمْسَةِ فِي قَوْلِهِ ﵊: " «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» " الْحَدِيثَ. وَتَعْطِيلُهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ وَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى، وَمِنْ جِدَالِ الْمُبْتَدِعَةِ، وَغُلُوِّهِمْ فِي إِقَامَةِ الْبِدَعِ بِالتَّمَسُّكِ بِتَأْوِيلَاتِهِمُ الزَّائِفَةِ وَمِنْ ظُهُورِ ظُلْمِ الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ وَحُكْمِ الْمُزَوِّرِينَ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ زَلَّةُ الْعَالِمِ لِأَنَّهَا هِيَ السَّبَبُ فِي الْخَصْلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، كَمَا جَاءَ: زَلَّةُ الْعَالِمِ زَلَّةُ الْعَالَمِ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) : أَيْ مَوْقُوفًا.
стр. 542
٢٧٠ - وَعَنِ الْحَسَنِ ﵁، قَالَ: الْعِلْمُ عِلْمَانِ: فَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَاكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى ابْنِ آدَمَ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٧٠ - (وَعَنِ الْحَسَنِ) : أَيِ: الْبَصْرِيِّ (قَالَ: الْعِلْمُ) : أَيِ الْمَعْرِفَةُ أَوِ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ (عِلْمَانِ) : أَيْ: نَوْعَانِ (فَعِلْمٌ) : الْفَاءُ تَفْصِيلِيَّةٌ أَيْ: فَنَوْعٌ مِنْهُ (فِي الْقَلْبِ) : أَيْ: حَاصِلٌ وَدَاخِلٌ فِيهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ (فَذَاكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ) : إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ فِي كَمَالِ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ لَا يَنَالُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَذَلِكَ بِاللَّامِ، وَلَعَلَّ الْأُولَى أَوْلَى إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَرَّبَ الْمَرْءُ إِلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ، كَمَا أَنَّهُ أَوْرَدَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُبْعَدَ عَنْهُ، وَالْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ: فَبِسَبَبِ اسْتِقْرَارِهِ فِي الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ حُبِّ الرَّبِّ هُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ فِي الدَّارَيْنِ (وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ) : أَيْ: وَنَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْعِلْمِ جَارٍ عَلَى اللِّسَانِ ظَاهِرٌ عَلَيْهِ فَقَطْ، وَلِكَوْنِ مَا فِيهِ مِنَ الْخَطَرِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْخُلُقِ الْمُقْتَضِي لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ وَالْمُدَاهَنَةِ لِلْأُمَرَاءِ قَالَ (فَذَلِكَ) : أَيْ: فَبِسَبَبِ ذَلِكَ هُوَ (حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى ابْنِ آدَمَ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وَقَدْ يُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى عِلْمِ الْبَاطِنِ، وَالثَّانِي عَلَى عِلْمِ
стр. 543
الظَّاهِرِ، لَكِنْ فِيهِ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ شَيْءٌ مِنْ عِلْمِ الْبَاطِنِ إِلَّا بَعْدَ التَّحَقُّقِ بِإِصْلَاحِ الظَّاهِرِ كَمَا أَنَّ عِلْمَ الظَّاهِرِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِصْلَاحِ الْبَاطِنِ، وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: مَنْ تَفَقَّهَ وَلَمْ يَتَصَوَّفْ فَقَدْ تَفَسَّقَ، وَمَنْ تَصَوَّفَ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ فَقَدْ تَزَنْدَقَ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ تَحَقَّقَ، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ: هُمَا عِلْمَانِ أَصْلِيَّانِ لَا يَسْتَغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِمَنْزِلَةِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ مُرْتَبِطٌ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ، كَالْجِسْمِ وَالْقَلْبِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدٌ عَنْ صَاحِبِهِ، (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) . أَيْ: مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَالْمُنَاسِبُ لِدَأْبِهِ أَنْ يَقْتَصِرَ وَيَقُولَ: رَوَى الْأَحَادِيثَ السِّتَّةَ الدَّارِمِيُّ.
стр. 544
٢٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِيكُمْ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ - يَعْنِي مَجْرَى الطَّعَامِ - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٧١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ: مِنْ كَلَامِهِ ﷺ ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ (عَنْ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ (مِنْ) بَدَلَ (عَنْ) وَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَلَقِّيهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِلَا وَاسِطَةٍ (وِعَاءَيْنِ) : أَيْ: نَوْعَيْنِ كَثِيرَيْنِ مِنَ الْعِلْمِ مِلْءَ ظَرْفَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ (فَأَمَّا أَحَدُهُمَا) : وَهُوَ عِلْمُ الظَّاهِرِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْأَخْلَاقِ (فَبَثَثْتُهُ) : أَيْ: أَظْهَرْتُهُ بِالنَّقْلِ (فِيكُمْ، وَأَمَّا الْآخَرُ) : وَهُوَ عِلْمُ الْبَاطِنِ (قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ) : بِضَمِّ الْبَاءِ أَيِ الْحُلْقُومُ، لِأَنَّ أَسْرَارَ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ مِمَّا يَعْسُرُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمُرَادِ، وَلِذَا كُلُّ مَنْ نَطَقَ بِهِ وَقَعَ فِي تَوْهِيمِ الْحُلُولِ وَالْإِلْحَادِ، إِذَ فَهْمُ الْعَوَامِّ قَاصِرٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْمَرَامِ، وَمِنْ كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ صُدُورُ الْأَحْرَارِ قُبُورُ الْأَسْرَارِ، وَقَوْلُهُ: " قُطِعَ " يَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ مِمَّا يُتَوَقَّعُ، وَيَحْتَمِلُ الدُّعَاءَ مُبَالَغَةً فِي إِسْرَارِ الْأَسْرَارِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْخُلَّصِ مِنَ الْأَبْرَارِ، وَقِيلَ إِنَّهُ عِلْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمُنَافِقِينَ بِأَعْيَانِهِمْ أَوْ بِوِلَادَةِ الْجَوْرِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَوْ بِفِتَنٍ أُخْرَى فِي زَمَنِهِ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: حَمَلَ الْعُلَمَاءُ الْوِعَاءَ الَّذِي لَمْ يَبُثَّهُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا يَتَبَيَّنُ أَسَامِي أُمَرَاءِ الْجَوْرِ وَأَحْوَالُهُمْ وَذَمُّهُمْ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُكَنِّي عَنْ بَعْضِهِ وَلَا يُصَرِّحُ بِهِ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُمْ كَقَوْلِهِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ رَأْسِ السِّتِّينَ، وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ، يُشِيرُ إِلَى خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ سِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَاتَ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ (يَعْنِي مَجْرَى الطَّعَامِ) . تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . لَكِنْ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: زَادَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْبُلْعُومُ مَجْرَى الطَّعَامِ وَعَلَى هَذَا لَا يَخْفَى مَا فِي الْمِشْكَاةِ إِذْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ تِلْكَ الْعِبَارَةَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ أَحَدِ رُوَاتِهِ وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهَا لِلْبُخَارِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 545
٢٧٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٧٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ) : إِذَا أُطْلِقَ فَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ (قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ!) : يَشْمَلُ الْعُلَمَاءَ وَغَيْرَهُمْ (مَنْ عَلِمَ شَيْئًا) : مِنْ عُلُومِ الدِّينِ فَسَأَلَهُ عَنْهُ مَنْ هُوَ مُتَأَهِّلٌ لِفَهْمِ جَوَابِهِ (فَلْيَقُلْ بِهِ) : أَيْ: بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَعْلُومِ لِوَخِيمِ عَذَابِ سَتْرِهِ وَلِعَظِيمِ ثَوَابِ نَشْرِهِ (وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ) : أَيْ: فِي الْجَوَابِ (اللَّهُ أَعْلَمُ) : كَمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] وَلَا يَسْتَحْيِي فِي نَفْيِ الْعِلْمِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّ جَهْلَ الْإِنْسَانِ أَكْثَرُ مِنْ عِلْمِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فَمَعْنَاهُ: اللَّهُ أَكْثَرُ عِلْمًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَعْلَمُ بِمَعْنَى عَالِمٍ لِاسْتِحَالَةِ الْمُشَارَكَةِ. قُلْتُ: الْمُشَارَكَةُ الِاسْتِقْلَالِيَّةُ هِيَ الْمُسْتَحِيلَةُ، وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فِي الْأَبْرَارِ أَنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ؟
стр. 546
فَقَالَ: لَا أَدْرِي: فَقِيلَ: كَيْفَ تَقُولُ لَا أَدْرِي وَأَنْتَ طَلَعْتَ فَوْقَ الْمِنْبَرِ؟ فَقَالَ ﵁: إِنَّمَا طَلَعْتُ بِقَدْرِ عِلْمِي، وَلَوْ طَلَعْتُ بِمِقْدَارِ جَهْلِي لَبَلَغْتُ السَّمَاءَ (فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ) : أَيْ: مِنْ آدَابِهِ الْوَاجِبِ رِعَايَتُهَا وُجُوبًا عَيْنِيًّا مُتَأَكِّدًا عَلَى كُلِّ مَنْ نُسِبَ لِلْعِلْمِ أَوِ التَّقْدِيرِ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِلْمِ وَهُوَ خَبَرُ إِنَّ وَاسْمُهُ (أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ) : بِالْخِطَابِ فِيهِمَا، وَقِيلَ: بِالْغَيْبَةِ أَيْ لِأَجْلِهِ أَوْ عَنْهُ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) . أَيْ: وَنَحْوُهُ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فَإِنَّ تَمْيِيزَ الْمَعْلُومِ مِنَ الْمَجْهُولِ نَوْعٌ مِنَ الْعِلْمِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا قِيلَ: لَا أَدْرِي نِصْفُ الْعِلْمِ.
وَيُقَالُ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ هَذَا التَّمْيِيزُ جَهْلُهُ مُرَكَّبٌ، وَمِنْ ثَمَّ اشْتَدَّ خَوْفُ السَّلَفِ مِنَ الْإِفْتَاءِ فَكَثُرَ امْتِنَاعُهُمْ مِنْهُ حَتَّى أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَأَجَابَ عَنْ أَرْبَعَةٍ: وَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ: لَا أَدْرِي. ثُمَّ اسْتَدَلَّ ابْنُ مَسْعُودٍ لِمَا ذَكَرَهُ مِنَ امْتِنَاعِ التَّكَلُّفِ وَالتَّصَنُّعِ فِي الْجَوَابِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْإِفْتَاءِ بِالْبَاطِلِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ) وَهُوَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [ص: ٨٦] : أَيْ: عَلَى التَّبْلِيغِ (مِنْ أَجْرٍ) : أَيْ: آخُذُهُ مِنْكُمْ ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] : أَيْ: مِنَ الَّذِينَ يَتَصَنَّعُونَ وَيَتَحَلَّوْنَ بِمَا لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ، كَذَا قَالَهُ مِيرَكُ شَاهْ، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا سُئِلَ الصِّدِّيقُ عَنِ الْأَبِّ فِي: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] قَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا عِلْمَ لِي بِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 547
٢٧٣ - وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ ; فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٧٣ - (وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ) : وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، مَوْلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ، وَالْمَزِيدَتَيْنِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَلِيٍّ فِي اعْتِبَارِ مُجَرَّدٍ الزَّائِدَتَيْنِ (قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ) : اللَّامُ لِلْعَهْدِ، وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِتَعْلِيمِ الْخَلْقِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُمَا أُصُولُ الدِّينِ (فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ) : الْمُرَادُ الْأَخْذُ مِنَ الْعُدُولِ وَالثِّقَاتِ، " وَعَنْ " مُتَعَلِّقٌ بِتَأْخُذُونَ عَلَى تَضْمِينِ مَعْنَى تَرْوُونَ، وَدُخُولُ الْجَارِّ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ هُنَا كَدُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] وَتَقْدِيرُهُ أَعَمَّنْ تَأْخُذُونَ، وَضُمِّنَ انْظُرْ مَعْنَى الْعِلْمِ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ سَدَّتْ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ تَعْلِيقًا كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
стр. 548
٢٧٤ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ! اسْتَقِيمُوا، فَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَإِنْ أُخِذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٧٤ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ) أَيِ: الَّذِينَ يَحْفَظُونَ الْقُرْآنَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ، قَالَ الشَّيْخُ، الْمُرَادُ بِهِمُ الْعُلَمَاءُ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ اهـ. فَكَأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّغْلِيبِ أَوِ الْقُرَّاءُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانُوا جَامِعِينَ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَلِذَا وَرَدَ الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ وَالْأَقْرَأُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَقَطْ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ " «أَكْثَرُ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا» " فَلَا وَجْهَ لَهُ تَقْيِيدًا وَتَعْلِيلًا (اسْتَقِيمُوا) : أَيْ: عَلَى جَادَّةِ الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ فَإِنَّ الِاسْتِقَامَةَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ كَرَامَةٍ وَهِيَ الثَّبَاتُ عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ. وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْإِخْلَاصُ الْخَالِصُ، وَالْحُضُورُ مَعَ اللَّهِ وَالْغَيْبَةُ عَنْ شُهُودِ مَا سِوَاهُ. وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: الِاسْتِقَامَةُ كِنَايَةٌ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ فِعْلًا وَتَرْكًا (فَقَدْ سَبَقْتُمْ) : قِيلَ: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْبَاءِ وَالْمَشْهُورُ ضَمُّ السِّينِ وَكَسْرُ الْبَاءِ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ اسْلُكُوا طَرِيقَ الِاسْتِقَامَةِ لِأَنَّكُمْ أَدْرَكْتُمْ أَوَائِلَ الْإِسْلَامِ. فَإِنْ تَتَمَسَّكُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَسْبِقُوا إِلَى خَيْرٍ إِذْ مَنْ جَاءَ بَعْدَكُمْ وَإِنْ عَمِلَ بِعَمَلِكُمْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْكُمْ لِسَبْقِكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمَرْتَبَةُ الْمَتْبُوعِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ التَّابِعِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ أَيْ سَبَقَكُمُ الْمُتَّصِفُونَ بِتِلْكَ الِاسْتِقَامَةِ إِلَى اللَّهِ فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِنُفُوسِكُمْ هَذَا التَّخَلُّفَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى الِانْحِرَافِ عَنْ سُنَنِ الِاسْتِقَامَةِ يَمِينًا وَشِمَالًا الْمُوجِبِ لِلْهَلَاكِ الْأَبَدِيِّ (سَبْقًا بَعِيدًا) : أَيْ ظَاهِرُ
стр. 549
التَّفَاوُتِ (وَإِنْ أُخِذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا) : أَيْ بِالْإِعْرَاضِ عَنِ الْجَادَّةِ وَالدُّخُولِ فِي طُرُقِ الضَّلَالَةِ (لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بِعِيدًا) . أَيْ: عَنِ الْحَقِّ بِحَيْثُ يَبْعُدُ رُجُوعُكُمْ عَنْهُ إِلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] قَالَ الطِّيبِيُّ: النَّاسُ مَخْلُوقُونَ لِلْعِبَادَةِ، وَلَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْإِخْلَاصِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُمَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَأَنَّ الْعَبْدَ يَتَحَرَّى فِيهِمَا السَّيْرَ إِلَى اللَّهِ ، وَيَتَوَخَّى سُلُوكَ طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ لِيُوصِلَهُ إِلَى الْمَقْصُودِ وَالطَّرِيقُ هُوَ الْإِسْلَامُ وَالِاسْتِسْلَامُ، فَمَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ وَثَبَتَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَأْخُذْ يَمِينًا وَشِمَالًا قَدْ فَازَ وَسَبَقَ، وَمَنْ رَكِبَ مَتْنَ الرِّيَاءِ أُخِذَ عَنْ يَمِينِ الصِّرَاطِ وَشَمَالِهِ، ثُمَّ إِذَا ثَبَتَ الْمُرَائِي عَلَى اعْوِجَاجِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ هَامَ فِي أَوْدِيَةِ الضَّلَالِ، وَأَدَّاهُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ إِلَى الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ضَلَالًا بَعِيدًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 550
٢٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ؟ قَالَ: " وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَمِائَةِ مَرَّةٍ ". قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَنْ يَدْخُلُهَا؟ قَالَ: " الْقُرَّاءُ الْمُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ» ".
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ فِيهِ: " «وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ» " قَالَ الْمُحَارِبِيُّ: يَعْنِي الْجَوَرَةَ.
ــ
٢٧٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ» ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَبِفَتْحِهَا أَيْ مِنْ بِئْرٍ فِيهَا الْحُزْنُ لَا غَيْرَ: قَالَ الطِّيبِيُّ: جُبُّ الْحَزَنِ عَلَمٌ وَالْإِضَافَةُ فِيهِ كَمَا هِيَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَيْ: دَارٌ فِيهَا السَّلَامَةُ مِنْ كُلِّ حَزَنٍ وَآفَةٍ: ( «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ؟ قَالَ: (وَادٍ» ) : أَيْ: هُوَ وَادٍ عَمِيقٌ مِنْ كَمَالِ عُمْقِهِ يُشْبِهُ الْبِئْرَ (فِي جَهَنَّمَ) : بِالتَّذْكِيرِ لِلْفَصْلِ، وَقِيلَ: بِالتَّأْنِيثِ (مِنْهُ) : أَيْ: مِنْ شِدَّةِ عَذَابِهِ (جَهَنَّمُ) : مَعَ اشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّعَوُّذُ مِنْ جَهَنَّمَ هُنَا كَالنُّطْقِ مِنْهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] وَكَالتَّمَيُّزِ وَالتَّغَيُّظِ ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] وَالظَّاهِرُ أَنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ فِي الْكَشَّافِ: سُؤَالُ جَهَنَّمَ وَجَوَابُهَا مِنْ بَابِ التَّخْيِيلِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ تَصْوِيرُ الْمَعْنَى فِي الْقَلْبِ، وَتَبْيِينُهُ وَتَمَيُّزُهَا وَتَغَيُّظُهَا تَشْبِيهٌ لِشِدَّةِ غَلَيَانِهَا بِالْكُفَّارِ بِغَيْظِ الْمُغْتَاظِ وَتَمَيُّزِهِ وَاضْطِرَابِهِ عِنْدَ الْغَضَبِ (كُلَّ يَوْمٍ) : يُحْتَمَلُ النَّهَارُ وَالْوَقْتُ (أَرْبَعَمِائَةِ مَرَّةٍ) : لَعَلَّ خُصُوصَ الْعَدَدِ بِاعْتِبَارِ جِهَاتِهَا الْأَرْبَعَةِ يَعْنِي كُلَّ جِهَةٍ مِائَةٌ وَهُوَ يَحْتَمِلُ التَّحْدِيدَ وَالتَّكْثِيرَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ أَيْ: يَتَعَوَّذُ زَبَانِيتُهَا أَوْ أَهْلُهَا ( «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَنْ يَدْخُلُهَا» ؟) أَيْ تِلْكَ: الْبُقْعَةُ الْمُسَمَّاةُ بِجُبِّ الْحَزَنِ الَّتِي ذَكَرَ شِدَّتَهَا وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ: ذَلِكَ شَيْءٌ عَظِيمٌ هَائِلٌ، فَمِنَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهَا وَمَنِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهَا؟ (قَالَ: (الْقُرَّاءُ) : بِضَمِّ الْقَافِ أَيِ الرَّجُلِ الْمُتَنَسِّكُ يُقَالُ: تَقَرَّأَ تَنَسَّكَ أَيْ تَعَبَّدَ، وَالْجَمْعُ الْقُرَّاءُونَ وَقَدْ يَكُونُ جَمْعُ الْقَارِئِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَفِي الْقَامُوسِ الْقَرَّاءُ: كَكَتَّانٍ، الْحَسَنُ الْقِرَاءَةِ وَكَرُمَّانٍ النَّاسِكُ الْمُتَعَبِّدُ كَالْقَارِئُ وَالْمُقْرِئُ (الْمُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ) : السَّمَّاعُونَ بِأَقْوَالِهِمْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، كَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ) : أَيِ: ابْنُ مَاجَهْ (فِيهِ) : أَيْ فِي حَدِيثِهِ أَوْ مَرْوِيِّهِ ( «وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» ) : قِيلَ: أَيْ مِنَ الْقُرَّاءِ الْمَذْكُورِينَ، وَهُمُ الْمُرَاءُونَ قَرَّائِينَ مَخْصُوصِينَ ( «وَهُمُ الَّذِينَ يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ» ) . أَيْ: مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ تُلْجِئُهُمْ بِهِمْ بَلْ طَمَعًا فِي مَالِهِمْ وَجَاهَهِمْ، وَلِذَا قِيلَ: بِئْسَ الْفَقِيرُ عَلَى بَابِ الْأَمِيرِ، وَنِعْمَ الْأَمِيرُ عَلَى بَابِ الْفَقِيرِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الدُّنْيَا، وَالثَّانِي مُشِيرٌ بِأَنَّهُ مُتَقَرِّبٌ إِلَى الْأُخْرَى (قَالَ الْمُحَارِبِيُّ) : أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (يَعْنِي الْجَوَرَةَ) : جَمْعُ جَائِرٍ أَيِ: الظَّلَمَةُ لِأَنَّ زِيَارَةَ الْأَمِيرِ الْعَادِلِ عِبَادَةٌ.
стр. 551
٢٧٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ. وَلَا يَبْقَى مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، مَسَاجِدُهُمْ عَامِرَةٌ وَهِيَ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى، عُلَمَاؤُهُمْ شَرُّ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، مِنْ عِنْدِهِمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ، وَفِيهِمْ تَعُودُ» ".
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)
ــ
٢٧٦ - (وَعَنْ عَلِيٍّ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يُوشِكُ) : أَيْ: يَقْرُبُ (أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ) : أَيْ: فَاسِدٌ لِفَسَادِ أَهْلِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَتَى مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ بِلَا وَاسِطَةٍ فَعُدِّيَ بِعَلَى لِيُشْعِرَ بِأَنَّ الزَّمَانَ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَهُمْ. قَالَ مِيرَكُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ ضُمِّنَ أَتَى مَعْنَى الْإِقْبَالِ أَوِ الْمُرُورِ فَعُدِّيَ بِعَلَى اهـ.
قُلْتُ: يُؤَيِّدُ كَلَامَ الطِّيبِيِّ مَا فِي الْقَامُوسِ: أَتَى عَلَيْهِ الدَّهْرُ أَهْلَكَهُ مَعَ أَنَّ كَلَامَ الطِّيبِيِّ لَا يُنَافِي التَّضْمِينَ ثُمَّ لَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ يُوشِكُ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ إِلَّا فِي مَقَامِ الْمَدْحِ وَالْمُرُورُ أَكْثَرُ تَعْدِيَتِهِ بِالْبَاءِ (لَا يَبْقَى مِنَ الْإِسْلَامِ) : أَيْ شَعَائِرِهِ (إِلَّا اسْمَهُ) : أَيْ: مَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ كَلَفْظَةِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ (وَلَا يَبْقَى مِنَ الْقُرْآنِ) : أَيْ: مِنْ عُلُومِهِ وَآدَابِهِ (إِلَّا رَسْمَهُ) : أَيْ: أَثَرَهُ الظَّاهِرَ مِنْ قِرَاءَةِ لَفْظِهِ وَكِتَابَةِ خَطِّهِ بِطَرِيقِ الرَّسْمِ وَالْعَادَةِ لَا عَلَى جِهَةِ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: خُصَّ الْقُرْآنُ بِالرَّسْمِ، وَالْإِسْلَامُ بِالِاسْمِ دَلَالَةً عَلَى مُرَاعَاةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ مِنَ التَّجْوِيدِ فِي حِفْظِ مَخَارِجِ حُرُوفِهِ وَتَحْسِينِ الْأَلْحَانِ فِيهِ دُونَ التَّفَكُّرِ فِي مَعَانِيهِ وَالِامْتِثَالِ بِأَوَامِرِهِ، وَالِانْتِهَاءِ عَنْ نَوَاهِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِسْلَامُ، فَإِنَّ الِاسْمَ بَاقٍ وَالْمُسَمَّى مَدْرُوسٌ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ الَّتِي شُرِعَتْ لِلشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى انْدَرَسَتْ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ سَاهُونَ عَنِ الصَّلَاةِ تَارِكُوهَا وَلَيْسَ أَحَدُهُمْ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ فَيُقِيمُونَهَا وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَتْرُكُونَهَا اهـ.
وَيَتَمَكَّنُ مِنْهُمُ اهـ، وَالْمَشْهُورُ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أَنَّهَا بِمَعْنَى (عَلَى) فَكَانَ الِاكْتِفَاءُ بِالْآيَةِ الْأُولَى أَوْلَى (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
قُلْتُ: وَمِنْ مُنَاسَبَةِ الرَّسْمِ بِالْقُرْآنِ أَنَّ مُحَافَظَةَ آدَابِ كَيْفِيَّةِ كِتَابَةِ كَلِمَاتِهِ مِنَ الْوَصْلِ وَالْفَصْلِ وَالْمَجْرُورِ وَالْمَرْبُوطِ وَالْحَذْفِ وَالْإِثْبَاتِ بِغَيْرِهَا مِمَّا يُسَمَّى بِعِلْمِ الرَّسْمِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ عُلُومِ الْقُرْآنِ الَّتِي انْدَرَسَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ (مَسَاجِدُهُمْ عَامِرَةٌ) : أَيْ بِالْأَبْنِيَةِ الْمُرْتَفِعَةِ وَالْجُدْرَانِ الْمُنْتَقَشَةِ وَالْقَنَادِيلِ الْمُسَرَّجَةِ وَالْبُسُطِ الْمَفْرُوشَةِ، وَالْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنَةِ الْجَهَلَةِ الْمُوَظَّفَةِ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ (وَهِيَ) : أَيِ: الْمَسَاجِدُ أَوْ أَهْلُهَا (خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى) : أَيْ: مِنْ ذِي الْهُدَى أَوِ الْهَادِي لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ الْهَادِي لَوُجِدَ الْهُدَى، فَأُطْلِقَ الْهُدَى وَأُرِيدَ الْهَادِي عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ خَرَابَ الْمَسَاجِدِ مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الْهَادِي الَّذِي يَنْفَعُ النَّاسَ بِهُدَاهُ فِي أَبْوَابِ الدِّينِ وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ خَرَابَهَا لِوُجُودِ هُدَاةِ السُّوءِ الَّذِينَ يُزِيغُونَ النَّاسَ بِبِدْعَتِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ، وَتَسْمِيَتُهُمْ بِالْهُدَاةِ مِنْ بَابِ التَّهَكُّمِ، لِذَا عَقَّبَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْنَافِ لِبَيَانِ الْمُوجَبِ بِقَوْلِهِ: (عُلَمَاؤُهُمْ شَرُّ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ) . أَيْ: وَجْهِهَا، وَكَذَا أَدِيمُ الْأَرْضِ وَهُوَ صَعِيدُهَا. قِيلَ: وَمِنْهُ اشْتُقَّ آدَمُ، لِأَنَّ جَسَدَهُ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ السَّيِّدُ، أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِ مَسَاجِدِهِمْ عَامِرَةً عِمَارَةُ بِنَائِهَا الظَّاهِرِ، وَبِكَوْنِهَا خَرَابًا مِنَ الْهُدَى تَرْكُهَا إِيَّاهَا عَاطِلَةً مِنَ الصَّلَاةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَإِقَامَةِ الْأَذَانِ فِيهَا، وَوَضْعِ الْمَصَابِيحِ وَالسُّرُجِ فِيهَا وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا عُبِّرَ عَنْهَا بِالْهُدَى لِأَنَّهَا سَبَبُ هِدَايَةِ الشَّخْصِ اهـ. أَوِ التَّقْدِيرُ مِنْ آثَارِ الْهِدَايَةِ أَوْ أَهْلِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مِنْ عِنْدِهِمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ) : أَيْ: لِلنَّاسِ لِمَا مَرَّ أَنَّ فَسَادَ الْعَالِمِ فَسَادُ الْعَالَمِ (وَفِيهِمْ تَعُودُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي مِثْلِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أَيْ: يَسْتَقِرُّ عَوْدُ ضَرَرِهِمْ فِيهِمْ وَيَتَمَكَّنُ مِنْهُمُ اهـ. وَالْمَشْهُورُ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أَنَّهَا بِمَعْنَى (عَلَى) فَكَانَ الِاكْتِفَاءُ بِالْآيَةِ أَوْلَى (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 552
٢٧٧ - وَعَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁، قَالَ: «ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا: فَقَالَ: ذَاكَ عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْمِ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا وَيُقْرِئُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ زِيَادُ! إِنْ كُنْتُ لَأُرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ! أَوَلَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ لَا يَعْمَلُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا؟» ! " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ نَحْوَهُ.
ــ
٢٧٧ - (وَعَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ) : أَنْصَارِيٌّ، خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ (قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا) : أَيْ: هَائِلًا (فَقَالَ: (ذَلِكَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: ذَاكَ أَيِ: الشَّيْءُ الْمَخُوفُ يَقَعُ (عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْمِ) : أَيْ: وَقْتَ انْدِرَاسِهِ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ) : الْوَاوُ لِلْعَطْفِ أَيْ: مَتَى يَقَعُ ذَلِكَ الْمَهُولُ وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ (وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا وَيُقْرِئُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) : يَعْنِي: وَالْحَالُ أَنَّ الْقُرْآنَ مُسْتَمِرٌّ بَيْنَ النَّاسِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى بَقَاءِ الْقُرْآنِ إِلَى أَنْ يُرْفَعَ قُرْبَ السَّاعَةِ، فَالْمَعْنَى مَعَ وُجُودِ كَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ؟ (فَقَالَ (: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ) : أَيْ: فَقَدَتْكَ وَأَصْلُهُ الدُّعَاءُ بِالْمَوْتِ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّعَجُّبِ (زِيَادُ!) : أَيْ: يَا زِيَادُ (إِنْ كُنْتُ) : إِنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ بِدَلِيلِ اللَّامِ الْآتِيَةِ الْفَارِقَةِ، وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أَيْ: إِنَّ الشَّأْنَ كُنْتُ أَنَا (لَأُرَاكَ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: لَأَظُنُّكَ أَوْ بِفَتْحِهَا أَيْ: لَأَعْلَمُكَ (مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ!) : ثَانِي مَفْعُولَيْ أُرَاكَ، وَمِنْ زَائِدَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ أَيْ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ كَائِنًا كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي، وَلَا نَظَرَ لِإِفْرَادِ رَجُلٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الِاسْتِغْرَاقُ (أَوَلَيْسَ) : أَيْ: أَتَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ وَلَيْسَ (هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) : أَيْ: آبَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ (وَلَا يَعْمَلُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا؟) : أَيْ: فَكَمَا لَمْ تُفِدْهُمْ قِرَاءَتُهُمَا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِمَا فِيهِمَا، فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ يَقْرَءُونَ أَيْ يَقْرَءُونَ غَيْرَ عَالِمِينَ نَزَّلَ الْعَالِمَ الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ مَنْزِلَةَ الْجَاهِلِ، بَلْ مَنْزِلَةَ الْحِمَارِ الَّذِي يَحْمِلُ أَسْفَارًا، بَلْ أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ) : بِهَذَا اللَّفْظِ (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ) : أَيْ: عَنْ زِيَادٍ (نَحْوَهُ) : أَيْ: نَحْوَ هَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ مَعْنَاهُ.
стр. 553
٢٧٨ - وَكَذَا الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.
ــ
٢٧٨ - (وَكَذَا الدَّارِمِيُّ) . أَيْ: رَوَاهُ بِمَعْنَاهُ لَكِنْ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) : لَا عَنْ زِيَادٍ.
стр. 554
٢٧٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ ; فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وَالْعِلْمُ سَيَنْقَبِضُ بَعْدِي، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي فَرِيضَةٍ لَا يَجِدَانِ أَحَدًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا» ، رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
٢٧٩ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ أَوْ خَصَّهُ بِالْخِطَابِ وَعَمَّ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِ ( «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ» ) : أَوِ الْجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ عِلْمُ الشَّرِيعَةِ بِأَنْوَاعِهَا (وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ) : لِتَكُونُوا كَامِلِينَ مُكَمِّلِينَ ( «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ» ) : أَيْ: عِلْمُهَا خُصُوصًا سَوَاءً أُرِيدَ بِهَا فَرَائِضُ الْإِسْلَامِ أَوْ
стр. 555
فَرَائِضُ الْإِرْثِ (وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ) : أَيْ: هَذَا الْعِلْمُ فَالضَّمِيرُ إِلَى الْمُضَافِ الْمُقَدَّرِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، فَإِنَّ عِلْمَهَا أَهَمُّ وَثَوَابَهَا أَتَمُّ ( «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ» ) وَهُوَ تَخْصِيصٌ مِنْ وَجْهٍ وَتَعْمِيمٌ مِنْ وَجْهٍ، وَعَلَى كُلٍّ فَتَأْخِيرُهُ لِلتَّرَقِّي فَإِنَّ الِاهْتِمَامَ بِحِفْظِهِ وَلَوْ بِلَفْظِهِ أَوْجَبُ، فَإِنَّهُ مُعْجِزَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ بَعْدَهُ ﵊ ( «فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ» ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] أَيْ كَوْنِي امْرَءًا مِثْلَكُمْ عِلَّةٌ لِكَوْنِي مَقْبُوضًا لَا أَعِيشُ أَبَدًا فَاغْتَنِمُوا فُرْصَةَ حَيَاتِي ( «وَالْعِلْمُ سَيَنْقَبِضُ» ) : لِأَنَّ بَعْدَ كُلِّ كَمَالٍ نُقْصَانًا وَزَوَالًا، وَفِي نُسْخَةٍ: سَيَنْقَبِضُ، أَيْ: بِقَبْضِي أَوْ بِغَيْرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ: سَيُقْبَضُ مَجْهُولٌ مُجَرَّدٌ أَيْ: بِقَبْضِ أَهْلِهِ (وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ) الْوَاوُ لِمُجَرَّدِ الْجَمْعِيَّةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَبْضُ الْعِلْمِ سَبَبَ الْفِتْنَةِ أَوْ هِيَ سَبَبُ قَبْضِ الْعِلْمِ (حَتَّى يَخْتَلِفَ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِكُلٍّ مِنَ الْفِعْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ (اثْنَانِ) : أَيْ: مُتَكَلِّمَانِ أَوْ وَارِثَانِ (فِي فَرِيضَةٍ) : مِنْ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ أَوْ مِنْ فَرَائِضِ الْمِيرَاثِ ( «لَا يَجِدَانِ أَحَدًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا» ) : لِقِلَّةِ الْعِلْمِ أَوْ لِكَثْرَةِ الْفِتْنَةِ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ) .
стр. 556
٢٨٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَثَلُ عِلْمٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَمَثَلِ كَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٨٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَثَلُ عِلْمٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ» ) : أَيْ: بِالْعَمَلِ وَالتَّعْلِيمِ وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ فِي نَفْسِهِ نَافِعًا ( «كَمَثَلِ كَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) : أَيْ: لَا عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ فِي الْجِهَادِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الْخَيْرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّشْبِيهُ فِي عَدَمِ النَّفْعِ وَالِانْتِفَاعِ وَالْإِنْفَاقِ مِنْهُمَا لَا فِي أَمْرٍ آخَرَ، وَكَيْفَ لَا وَالْعِلْمُ يَزِيدُ بِالْإِنْفَاقِ وَالْكَنْزُ يَنْقُصُ، وَالْعِلْمُ بَاقٍ وَالْكَنْزُ فَانٍ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 557
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
стр. 558
[٣]- كِتَابُ الطَّهَارَةِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٨١ - عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ ( «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَمْلَآنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» ) لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَلَا فِي (الْجَامِعِ) . وَلَكِنْ ذَكَرَهَا الدَّارِمِيُّ بَدَلَ (سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) .
ــ
[٣] كِتَابُ الطَّهَارَةِ
أَيْ: مِنَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَأَصْلُهَا النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ حِسِّيٍّ أَوْ مَعْنَوِيٍّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) وَلَمَّا كَانَتِ الْعِبَادَةُ نَتِيجَةَ الْعِلْمِ، وَالصَّلَاةُ أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ، وَالطَّهَارَةُ مِنْ شُرُوطِهَا الْمُتَوَقِّفِ صِحَّتُهَا عَلَيْهَا عَقَّبَ كِتَابَ الْعِلْمِ بِكِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَاخْتُصَّتْ مِنْ بَيْنِ شُرُوطِهَا لِكَوْنِهَا غَيْرَ قَابِلَةٍ لِلسُّقُوطِ، وَلِكَثْرَةِ مَسَائِلِهَا الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا هُنَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: لِلطَّهَارَةِ مَرَاتِبُ مِنْ تَطْهِيرِ الظَّاهِرِ عَنِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، ثُمَّ تَطْهِيرِ الْجَوَارِحِ عَنِ الْجَرَائِمِ، ثُمَّ تَطْهِيرِ الْقَلْبِ عَنِ الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ، ثُمَّ تَطْهِيرِ السِّرِّ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٨١ - (وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ) . قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مَالِكٌ، كَعْبُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيُّ، كَذَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ أَوْ أَبُو عَامِرٍ بِالشَّكِّ قَالَ ابْنُ الْمَدَنِيِّ: أَبُو مَالِكٍ هُوَ الصَّوَابُ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الطُّهُورُ) : بِالضَّمِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالْأَظْهَرُ أَوْ بِالْفَتْحِ: قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ: عَلَى أَنَّ الطُّهُورَ وَالْوُضُوءَ يُضَمَّانِ إِذَا أُرِيدَ بِهِمَا الْمَصْدَرُ، وَيُفْتَحَانِ إِذَا أُرِيدَ بِهِمَا مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، كَذَا عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، وَذَهَبَ الْخَلِيلُ وَالْأَصْمَعِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، وَالْأَظْهَرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ بِالْفَتْحِ فِي الِاسْمِ وَالْمَصْدَرِ اهـ. وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الطُّهُورُ بِالضَّمِّ هَهُنَا، وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَنْ جُمْهُورِ الرُّوَاةِ وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ لِأَنَّ الْفَعُولُ قَدْ يَجِيءُ مَصْدَرًا كَالْوَلُوعِ وَالْقَبُولِ، فَإِنْ جَعَلْتَهُ اسْمًا لِمَا يُتَطَهَّرُ بِهِ كَالسَّعُوطِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيِ اسْتِعْمَالُهُ وَمَنْ رَوَاهُ بِالضَّمِّ فَلَا إِشْكَالَ (شَطْرُ الْإِيمَانِ) . قَالَ النَّوَوِيُّ: أَصْلُ الشَّطْرِ النِّصْفُ، قِيلَ مَعْنَى شَطْرِ الْإِيمَانِ: أَنَّ الْأَجْرَ فِي الْوُضُوءِ يَنْتَهِي إِلَى نِصْفِ أَجْرِ الْإِيمَانِ، قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ ثَوَابَ الصَّلَاةِ الَّتِي مِنْ جُمْلَةِ شُرُوطِهَا الْوُضُوءُ لَا يُقَالُ إِنَّهُ نِصْفُ ثَوَابِ الْإِيمَانِ بَلْ جَمِيعُ الْأَعْمَالِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نِصْفًا لِلْإِيمَانِ إِلَّا عَلَى مُعْتَقَدٍ فَاسِدٍ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ، حَيْثُ جَعَلُوا الْعَمَلَ شَطْرَ الْإِيمَانِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْعَمَلِ شَطْرًا أَنَّهُ يُسَاوِي ثَوَابُهُ ثَوَابَ الْإِيمَانِ، كَيْفَ وَيَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعَمَلِ عَلَى الْإِيمَانِ دُونَ الْعَكْسِ، فَهُوَ أَصْلٌ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يَكُونُ مُسَاوِيًا لِلْفَرْعِ أَبَدًا مَعَ أَنَّهُ كَالْعَلَامَةِ عَلَى تَحَقُّقِ الْإِيمَانِ وَقِيلَ: إِنَّ الْإِيمَانَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْخَطَايَا، وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ إِلَّا أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُّ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ فَصَارَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ فِي مَعْنَى الشَّطْرِ. قُلْتُ: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ وَهِيَ لَا تَصِحُّ إِلَّا مِنْ أَهْلِهَا وَإِلَّا فَعِنْدَنَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ مِنَ الْكَافِرِ فَالْأَظْهَرُ أَنَمَا يُقَالُ: إِنَّمَا كَانَ شَطْرًا لَهُ لِأَنَّهُ يَحُطُّ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ وَالْوُضُوءُ يَخْتَصُّ بِالصَّغَائِرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ هَذَا الْوُضُوءِ عِنْدَنَا أَيْضًا بِالنِّيَّةِ لِيَصِيرَ عِبَادَةً مُكَفِّرَةً لِلسَّيِّئَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ: الْمُرَادُ هُنَا بِالْإِيمَانِ الصَّلَاةُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ: صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأُطْلِقَ الْإِيمَانُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا أَعْظَمُ آثَارِهِ وَأَشْرَفُ نَتَائِجِهِ وَأَنْوَارُ أَسْرَارِهِ وَجُعِلَتِ الطَّهَارَةُ شَطْرَهَا لِأَنَّ صِحَّتَهَا بِاسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ وَالطَّهَارَةُ أَقْوَى الشَّرَائِطِ وَأَظْهَرُهَا، فَجُعِلَتْ كَأَنَّهَا لَا شَرْطَ سِوَاهَا، وَالشَّرْطُ شَرْطُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَشْرُوطُ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالشَّطْرِ مُطْلَقُ الْجُزْءِ لَا النِّصْفُ الْحَقِيقِيُّ. قُلْتُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] ثُمَّ إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْإِيمَانِ الصَّلَاةُ فَلَا إِشْكَالَ أَوْ يُرَادُ بِهِ الْإِيمَانُ الْمُتَعَارَفُ، فَالْجُزْءُ مَحْمُولٌ عَلَى أَجْزَاءِ كَمَالِهِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ بِعِبَارَةِ النِّصْفِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى النِّصْفِ كَمَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: ( «عِلْمُ الْفَرَائِضِ نِصْفُ الْعِلْمِ» ) وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ حَقِيقَتُهُ لِأَنَّ الْإِيمَانَ طَهَارَةُ الْقَلْبِ عَنِ الشِّرْكِ وَالطَّهُورُ طَهَارَةُ الْأَعْضَاءِ مِنَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الطَّهَارَةَ نِصْفَانِ أَيْ: فَجِنْسُهَا نَوْعَانِ طَهَارَةُ الظَّاهِرِ وَطَهَارَةُ الْبَاطِنِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الطَّهُورُ تُزَكِّيهِ عَنِ الْعَقَائِدِ الزَّائِغَةِ وَالْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ وَهِيَ شَطْرُ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ، فَإِنَّهُ تَخْلِيَةٌ وَتَحْلِيَةٌ، وَالْأَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْإِيمَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ الْمُنْبِئَةِ عَنْ نَفْيِ
стр. 559
الْأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى، وَإِثْبَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالتَّوْحِيدِ الذَّاتِيِّ لَهُ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا الْمُرَكَّبُ هُوَ مَعْنَى الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي عَلَيْهَا مَبْنَى الْإِيمَانِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] وَلَا يَضُرُّنَا إِيرَادُ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ بِحَسَبِ فَهْمِ بَعْضِ الْمُصَنِّفِينَ وَبِمَا قُلْنَا تَظْهَرُ الْمُنَاسَبَةُ التَّامَّةُ بَيْنَ الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ فِي قَوْلِهِ (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) : أَيْ تَلَفُّظُهُ أَوْ تَصَوُّرُهُ (تَمْلَأُ الْمِيزَانَ) بِالتَّأْنِيثِ عَلَى تَأْوِيلِ الْكَلِمَةِ أَوِ الْجُمْلَةِ وَقِيلَ بِالتَّذْكِيرِ عَلَى إِرَادَةِ اللَّفْظِ أَوِ الْكَلَامِ أَوِ الْمُضَافِ الْمُقَدَّرِ أَيْ: لَوْ قُدِّرَ ثَوَابُهُ مُجَسَّمًا لَمَلَأَ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْأَقْوَالَ وَالْأَعْمَالَ وَالْمَعَانِيَ تَتَجَسَّدُ ذَوَاتُهَا فِي الْعَالَمِ الثَّانِي وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ: ثَوَابُهَا لَوْ جُسِّمَ أَوْ هِيَ لَوْ جُسِّمَتْ بِاعْتِبَارِ ثَوَابِهَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِظُهُورِ عَدَمِ الْفَرْقِ هَذَا وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ تُوزَنُ الْأَعْمَالُ وَهِيَ أَعْرَاضٌ مُسْتَحِيلَةُ الْبَقَاءِ، وَكَذَا الْأَعْرَاضُ لَا تُوصَفُ بِالثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ نُصُوصَ الشَّرْعِ تَظَاهَرَتْ عَلَى وَزْنِ الْأَفْعَالِ وَثِقَلِ الْمَوَازِينِ وَخِفَّتِهَا، وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ لِلْمِيزَانِ لِسَانًا وَكِفَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِالْمَشْرِقِ، وَالْأُخْرَى بِالْمَغْرِبِ، تُكْتَبُ حَسَنَاتُهُ فِي صَحِيفَةٍ وَتُوضَعُ فِي كِفَّةٍ، وَتُكْتَبُ سَيِّئَاتُهُ وَتُوضَعُ فِي الْأُخْرَى فَوَجَبَ الْقَبُولُ وَتُرِكَ الِاعْتِرَاضُ بِسَبَبِ قُصُورِ الْفَهْمِ وَرَكَاكَةِ الْعَقْلِ، فَإِنَّ مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى الْأَسْرَارِ وَكَشَفَ لَهُ عَجَائِبَ الْأَقْدَارِ يَرَى أَنَّ الْمُقَيَّدَ بِعَقْلِهِ لَيْسَ لَهُ مِقْدَارٌ عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ وَزْنُ الصَّحَائِفِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ: النَّفْسُ بِذَاتِهَا مُهَيِّئَةٌ لِأَنْ يَنْكَشِفَ لَهَا حَقَائِقُ الْأُمُورِ، لَكِنَّ تَعَلُّقَهَا بِالْجَسَدِ مَانِعٌ عَنْ ذَلِكَ، فَإِذَا انْكَشَفَ الْغِطَاءُ بِالْمَوْتِ يَعْرِفُ أَنَّ أَعْمَالَهُ مُؤَثِّرَةٌ فِي تَقْرِيبِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِبْعَادِهِ، وَيَعْلَمُ مَقَادِيرَ تِلْكَ الْآثَارِ وَأَنَّ بَعْضَهَا أَشَدُّ تَأْثِيرًا مِنَ الْبَعْضِ، وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُجْرِيَ سَبَبًا يُعَرِّفُ الْخَلْقَ فِي لَحْظَةٍ مَقَادِيرَ الْأَعْمَالِ بِتَشْكِيلٍ حَقِيقِيٍّ أَوْ تَمْثِيلٍ خَيَالِيٍّ، فَحَدُّ الْمِيزَانِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ، وَمِثَالُهُ فِي الْعَالَمِ الْحِسِّيِّ مُخْتَلِفٌ، كَالْمِيزَانِ وَالْقَبَّانِ لِلْأَثْقَالِ، وَالِاضْطِرَابِ لِحَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ، وَالْمَسْطَرَةِ لِمَقَادِيرِ الشِّعْرِ فَلِتَقْرِيبِهِ بِأَفْهَامِ الْبَلِيدِ وَالْجَلِيدِ مِثْلَ مَا أُرِيدَ اهـ.
فَمُخَالَفَتُهُ الْمُعْتَزِلَةَ فِيهِ كَنَظَائِرِهِ إِنَّمَا نَشَأَتْ عَنْ تَحْكِيمِ عُقُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ، وَنَظَرِهِمْ إِلَى الْأَدِلَّةِ الْوَاهِيَةِ الْكَاسِدَةِ ( «وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ أَوْ تَمْلَأُ» ) الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي. قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطْنَاهُمَا بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ قَالَ الطِّيبِيُّ فَالْأَوَّلُ أَيْ: تَمْلَآنِ ظَاهِرٌ، وَالثَّانِي فِيهَا ضَمِيرُ الْجُمْلَةِ أَيِ: الْجُمْلَةُ الشَّامِلَةُ لَهُمَا. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْإِفْرَادُ بِتَقْدِيرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) : إِمَّا بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ أَوْ لِأَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ وَنَفْيِ النُّعُوتِ السَّلْبِيَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( «وَالصَّلَاةُ نُورٌ» ) أَيْ: فِي الْقَبْرِ وَظُلْمَةِ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ: إِنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ الْفَحْشَاءِ وَتَهْدِي إِلَى الصَّوَابِ كَالنُّورِ، وَقِيلَ أَرَادَ بِالنُّورِ الْأَمْرَ الَّذِي يَهْتَدِي بِهِ صَاحِبُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] وَقِيلَ: لِأَنَّهَا سَبَبُ إِشْرَاقِ أَنْوَاعِ الْعَارِفِ وَانْشِرَاحِ الْقَلْبِ وَمُكَاشَفَاتِ الْحَقَائِقِ لِفَرَاغِ الْقَلْبِ فِيهَا، وَقِيلَ: النُّورُ: السِّيمَا فِي وَجْهِ الْمُصَلِّي، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ( «وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ» ) مَعْنَاهُ يُفْزَعُ إِلَيْهَا كَمَا يُفْزَعُ إِلَى الْبُرْهَانِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سُئِلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ مَصْرِفِ مَالِهِ كَانَتْ صَدَقَتُهُ بَرَاهِينُ فِي الْجَوَابِ، وَقِيلَ: يُوسَمُ الْمُتَصَدِّقُ بِسِيمَاءَ يُعْرَفُ بِهَا فَيَكُونُ بُرْهَانًا عَلَى الْفَلَاحِ وَالْهُدَى، فَلَا يُسْأَلُ عَنِ الْمَصْرِفِ وَقِيلَ: إِنَّهَا حُجَّةٌ عَلَى إِيمَانِ صَاحِبِهَا فَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَمْتَنِعُ مِنْهَا ( «وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» ) : بِالْيَاءِ الْمُنْقَلِبَةِ عَنِ الْوَاوِ لِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا وَرُوِيَ بِالْهَمْزَةِ قَبْلَ الْأَلِفِ، قِيلَ: الصَّبْرُ هُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَمَّا تَتَمَنَّى مِنَ الشَّهَوَاتِ وَعَلَى مَا يَشُقُّ عَلَيْهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ وَفِيمَا يَصْعُبُ عَلَيْهَا مِنَ النَّائِبَاتِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الصَّبْرُ عَنِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا الدَّنِيَّةِ، وَعَنِ الْمَعَاصِي، وَعَلَى التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ. وَفِي الْمُصِيبَاتِ وَالْمِحَنِ الْكَوْنِيَّةِ فَيَخْرُجُ الْعَبْدُ عَنْ عُهْدَتِهَا فَتَكُونُ ضِيَاءً لِأَنَّ بِتَرْكِ الصَّبْرِ عَلَيْهَا يَدْخُلُ فِي ظُلْمَةِ الْمَعَاصِي، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالصَّبْرِ هُنَا الصَّوْمُ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ مَعَ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ، إِذِ الْمُرَادُ بِهَا الزَّكَاةُ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وَسُمِّيَ الصَّوْمُ صَبْرًا لِثَبَاتِ الصَّائِمِ وَحَبْسِهِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَسُمِّيَ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَقِيلَ قَوْلُهُ: (ضِيَاءٌ) يَعْنِي فِي ظُلْمَةِ الْقَبْرِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا صَبَرَ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالْبَلَايَا فِي سَعَةِ الدُّنْيَا، وَعَنِ الْمَعَاصِي فِيهَا جَازَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّفْرِيجِ وَالتَّنْوِيرِ فِي ضِيقِ الْقَبْرِ وَظُلْمَتِهِ: وَقَالَ
стр. 560
بَعْضُهُمْ: الصَّبْرُ ضِيَاءٌ فِي قَلْبِهِ لِأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْمَكَارِهِ فِي دِينِ اللَّهِ تَذَلُّلٌ وَمَنْ تَذَلَّلَ فِي اللَّهِ سَهُلَ عَلَيْهِ الطَّاعَاتُ وَمَشَاقُّ الْعِبَادَاتِ وَتَجَنُّبُ الْمَحْظُورَاتِ، وَمَنْ كَانَ هَذَا شِعَارَهُ لَا شَكَّ أَنَّ فِي قَلْبِهِ ضِيَاءً وَالضِّيَاءُ أَقْوَى مِنَ النُّورِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّبْرَ أَوْسَعُ مِنَ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَحْظُورَاتِ تَحْتَاجُ إِلَى الصَّبْرِ، نَعَمْ إِذَا فُسِّرَ الصَّوْمُ بِالصَّبْرِ، فَذَلِكَ لِتَخْصِيصِهِ بِالنَّهَارِ كَتَخْصِيصِ الشَّمْسِ بِهِ، لَا لِمَزِيَّةِ الصَّوْمِ عَلَى الصَّلَاةِ أَيْ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الصَّوْمُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الصَّوْمَ إِمْسَاكٌ يُشْبِهُ الصَّمَدَانِيَّةَ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ وَالصَّلَاةُ تَذَلُّلٌ وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْعَبْدِ وَلِقَوْلِهِ ﵊: ( «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» ) كَذَا حَقَّقَهُ السَّيِّدُ (وَالْقُرْآنُ) : أَيْ: قِرَاءَتُهُ (حُجَّةٌ لَكَ) : إِنْ عَمِلْتَ بِهِ (أَوْ عَلَيْكَ) : إِنْ أَعْرَضْتَ عَنْهُ أَوْ قَصَّرْتَ مِنْهُ بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِمَعَانِيهِ (كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو) أَيْ يُصْبِحُ أَوْ يَسِيرُ، قِيلَ: الْغُدُوُّ: السَّيْرُ أَوَّلَ النَّهَارِ ضِدُّ الرَّوَاحِ، وَقَدْ غَدَا يَغْدُو غُدُوًّا مَأْخُوذٌ مِنَ الْغَدْوَةِ مَا بَيْنَ الصَّبَاحِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالْمَعْنَى كُلُّ أَحَدٍ يَسْعَى وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّنْيَا وَيَرَى أَثَرَ عَمَلِهِ فِي الْعُقْبَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ مُجْمَلٌ تَفْصِيلُهُ (فَبَائِعٌ نَفْسَهُ) : أَيْ: حَظَّهَا بِإِعْطَائِهَا وَأَخْذِ عِوَضِهَا وَهُوَ عَمَلُهُ وَكَسْبُهُ، فَإِنْ عَمِلَ خَيْرًا فَقَدْ بَاعَهَا وَأَخَذَ الْخَيْرَ عَنْ ثَمَنِهَا (فَمُعْتِقُهَا) مِنَ النَّارِ بِذَلِكَ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَهُوَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلَ الْبَعْضِ مِنْ قَوْلِهِ: فَبَائِعٌ نَفْسَهُ (أَوْ مُوبِقُهَا) أَيْ: مُهْلِكُهَا بِأَنْ بَاعَهَا وَأَخَذَ الشَّرَّ عَنْ ثَمَنِهَا. وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ تَبَعًا لِلْأَشْرَافِ وَغَيْرُهُ: الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ يُطْلَقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِارْتِبَاطِهِ بِهِ، وَعَبَّرَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَنْ تَرْكِ حَالَةٍ وَكَسْبِ أُخْرَى كَتَرْكِ الْبَائِعِ مَا فِي يَدِهِ إِيثَارًا لِمَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَمَنْ صَرَفَ نَفْسَهُ عَمَّا تَتَوَخَّاهُ وَآثَرَ آخِرَتَهُ عَلَى دُنْيَاهُ وَاشْتَرَى نَفْسَهُ بِالْآخِرَةِ، فَقَدْ أَعْتَقَهَا عَنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ، وَمَنْ آثَرَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَاشْتَرَاهَا بِهَا فَقَدْ أَوْبَقَ نَفْسَهُ أَيْ: أَهْلَكَهَا بِأَنْ جَعَلَهَا عُرْضَةً لِعَظِيمِ عَذَابِهِ وَقَوْلُهُ: فَبَائِعٌ نَفْسَهُ أَيْ: فَمُشْتَرِي نَفْسَهُ مِنْ رَبِّهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَمُعْتِقُهَا. وَالْإِعْتَاقُ إِنَّمَا يَصِحُّ مِنَ الْمُشْتَرِي، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا وَآثَرَ الْآخِرَةَ يَكُونُ مُشْتَرِيًا نَفْسَهُ مِنْ رَبِّهِ بِالدُّنْيَا، فَيَكُونُ مُعْتِقَهَا، وَمَنْ تَرَكَ الْآخِرَةَ وَآثَرَ الدُّنْيَا يَكُونُ مُشْتَرِيًا بِالْأُخْرَى فَيَكُونُ مُوبِقَهَا، وَقِيلَ: الْمَعْنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَسْعَى فِي الْأُمُورِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَبِيعُهَا مِنَ اللَّهِ فَيُعْتِقُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبِيعُهَا مِنَ الشَّيْطَانِ فَيُوبِقُهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، (وَفِي رِوَايَةٍ) : ظَاهِرَةٌ أَنَّهَا لِمُسْلِمٍ، وَلِذَا يَجِيءُ الِاعْتِرَاضُ الْآتِي (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَمْلَآنِ) : التَّأْنِيثُ، وَقِيلَ بِالتَّذْكِيرِ (مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) إِمَّا بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ، وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ. قَالَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ (لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ) : أَيِ: الَّتِي نَسَبَهَا صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ إِلَى مُسْلِمٍ (فِي الصَّحِيحَيْنِ) : أَيْ: مَتْنُهُمَا (لَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) : الْجَامِعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ (وَلَا فِي الْجَامِعِ: أَيْ لِلْأُصُولِ السِّتَّةِ (وَلَكِنْ ذَكَرَهَا) : أَيْ: هَذِهِ الرِّوَايَةَ الدَّارِمِيُّ بَدَلَ (سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) : وَهُوَ لَيْسَ بِمُخْلِصٍ لَهُ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ مِنَ الصِّحَاحِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِمَّا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَيْسَتْ فِي أَحَدِهِمَا، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الِالْتِزَامَ إِنَّمَا هُوَ فِي أُصُولِ الْأَحَادِيثِ، وَأَمَّا هَذِهِ فَإِنَّمَا هِيَ زِيَادَةُ إِفَادَةٍ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ الْمَوْجُودِ فِي مُسْلِمٍ
стр. 561
اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَفِي تَخْرِيجِ الْمَصَابِيحِ لِلْقَاضِي عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيِّ الشَّافِعِيِّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا فِي مُسْلِمٍ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، فَظَاهِرُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ فِيهِ الْجَمْعَ لَا التَّبْدِيلَ، وَأَمَّا ظَاهِرُ رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ فَالتَّبْدِيلُ اهـ.
стр. 562
٢٨٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: (إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» )
ــ
٢٨٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَلَا أَدُلُّكُمْ) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَلَا نَافِيَةٌ وَلَيْسَ أَلَا لِلتَّنْبِيهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ بَلَى، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّهُ حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ غَفْلَةٌ مِنْهُ ( «عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: مَحْوُ الْخَطَايَا كِنَايَةٌ عَنْ غُفْرَانِهَا، وَيُحْتَمَلُ الْمَحْوُ عَنْ كِتَابِ الْحَفَظَةِ دَلَالَةً عَلَى غُفْرَانِهَا ( «وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ» ؟) : أَعْلَى الْمَنَازِلِ فِي الْجَنَّاتِ (قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ!) : وَفَائِدَةُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ بِحُكْمِ الْإِبْهَامِ وَالتَّبْيِينِ قَالَ: (إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ) : بِضَمِّ الْوَاوِ، وَقِيلَ بِالْفَتْحِ أَيْ تَكْمِيلُهُ وَإِتْمَامُهُ بِاسْتِيعَابِ الْمَحَلِّ بِالْغُسْلِ وَتَطْوِيلُ الْغُرَّةِ وَتَكْرَارُ الْغُسْلِ ثَلَاثًا، وَقِيلَ: إِسْبَاغُهُ مَا لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهِ. كَذَا فِي زَيْنِ الْعَرَبِ نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَهَذَا بَعِيدٌ يَأْبَى عَنْهُ لَفْظُ الْإِسْبَاغِ وَمَعْنَى رَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَأَصْلُ الْوُضُوءِ مِنَ الْوَضَاءَةِ لِأَنَّهُ يُحَسِّنُ الْمُتَوَضِّئَ وَفِي النِّهَايَةِ أَثْبَتَ سِيبَوَيْهِ الْوَضُوءَ وَالطَّهُورَ وَالْوَقُودَ بِالْفَتْحِ فِي الْمَصَادِرِ وَهِيَ تَقَعُ عَلَى الِاسْمِ وَالْمَصْدَرِ (عَلَى الْمَكَارِهِ) : جَمْعُ مَكْرَهٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ مِنَ الْكُرْهِ بِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ وَالْأَلَمِ قِيلَ: مِنْهَا إِعْوَازُ الْمَاءِ وَالْحَاجَةُ إِلَى طَلَبِهِ أَوِ ابْتِيَاعِهِ بِالثَّمَنِ الْغَالِي، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ حَالُ مَا يَكْرَهُ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ كَالتَّوَضُّؤِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الشِّتَاءِ أَوْ أَلَمِ الْجِسْمِ (وَكَثْرَةُ الْخُطَا) : جَمْعُ خُطْوَةٍ بِضَمِّ الْخَاءِ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ وَكَثْرَتِهَا إِمَّا لِبُعْدِ الدَّارِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّكْرَارِ (إِلَى الْمَسَاجِدِ) : لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى فَضْلِ الدَّارِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَرِيبَةِ مِنْهُ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، فَإِنَّهُ لَا فَضِيلَةَ لِلْبُعْدِ فِي ذَاتِهِ، بَلْ فِي تَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ، وَلِذَا لَوْ كَانَ لِلدَّارِ طَرِيقَانِ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَيَأْتِي مِنَ الْأَبْعَدِ لَيْسَ لَهُ ثَوَابٌ عَلَى قَدْرِ الزِّيَادَةِ، وَإِنَّمَا رَغَّبَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى كَثْرَةِ الْخُطَا تَسْلِيَةً لِمَنْ بَعُدَ دَارُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊: ( «دِيَارُكُمْ تَكْتُبُ آثَارَكُمْ» ) لِمَنْ بَعُدَتْ دِيَارُهُمْ عَنْ مَسْجِدِهِ؛ فَأَرَادُوا الْقُرْبَ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْقُرْبَ مِنْهُ أَفْضَلُ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ وَعَدَمِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ، فَسَلَّاهُمْ ﵊ بِقَوْلِهِ: (تَكْتُبُ آثَارَكُمْ) يَعْنِي إِنْ فَاتَكُمْ بَعْضُ الْفَوَائِدِ يَحْصُلُ لَكُمْ بَعْضُ الْعَوَائِدِ، وَالْأَمْرُ بِلُزُومِ الدِّيَارِ لِمَا يَتَرَتَّبُ مِنْ تَغْيِيرِ الدَّارِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَكْدَارِ مَعَ أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّمَا أَمْرَهُمْ بِالِاسْتِمْرَارِ لِئَلَّا يَخْلُوَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيَصِيرَ مَحَلَّ الْإِمْكَارِ، وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا عَدُّهُ ﵊ مِنْ شُؤْمِ الدَّارِ بُعْدَهَا مِنَ الْمَسْجِدِ (وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ) : أَيْ: وَقْتُهَا أَوْ جَمَاعَتُهَا (بَعْدَ الصَّلَاةِ) : يَعْنِي إِذَا صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ أَوْ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ يَنْتَظِرُ صَلَاةً أُخْرَى وَيُعَلِّقُ فِكْرَهُ بِهَا بِأَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي بَيْتِهِ يَنْتَظِرُهَا، أَوْ يَكُونَ فِي شُغْلِهِ وَقَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِهَا (فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ يُقَالُ: رَابَطْتُ أَيْ لَازَمْتُ الثَّغْرَ وَهُوَ أَيْضًا اسْمٌ لِمَا يُرْبَطُ بِهِ وَسُمِّيَ مَكَانُ الْمُرَابَطَةِ رِبَاطًا قَالَ الْقَاضِي: إِنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ هِيَ الْمُرَابَطَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِأَنَّهَا تَسُدُّ طُرُقَ الشَّيْطَانِ عَلَى النَّفْسِ وَتَقْهَرُ الْهَوَى وَتَمْنَعُهَا مِنْ قَبُولِ الْوَسَاوِسِ فَيَغْلِبُ بِهَا حِزْبُ اللَّهِ جُنُودَ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ.
стр. 563
٢٨٣ - وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: ( «فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ) رَدَّدَ مَرَّتَيْنِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ثَلَاثًا.
ــ
٢٨٣ - (وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: ( «فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» ) قِيلَ: اسْمُ الْإِشَارَةِ يَدُلُّ عَلَى بُعْدِ مَنْزِلَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَكَذَا إِيقَاعُ الرِّبَاطِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ الْجِنْسِيَّةِ خَبَرًا لِاسْمِ الْإِشَارَةِ أَيْ: هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى رِبَاطًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] كَأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الِاسْمَ، وَلِزِيَادَةِ التَّقْرِيرِ وَالتَّأْكِيدِ (رَدَّدَ مَرَّتَيْنِ) : أَيْ: كَرَّرَ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ الرِّبَاطُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وَالرِّبَاطُ (الْجِهَادُ أَيْ ثَوَابُ هَذِهِ كَثَوَابِ الْجِهَادِ إِذْ فِيهِ مُجَاهَدَةُ
стр. 564
النَّفْسِ بِإِذَاقَتِهَا الْمَكَارِهَ وَالشَّدَائِدَ كَمَا فِي الْجِهَادِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: ثَلَاثًا) أَيْ: كَرَّرَهُ ثَلَاثًا لِأَجْلِ زِيَادَةِ الْحَثِّ، وَقِيلَ: يُرِيدُ بِالْأَوَّلِ رَبْطُ الْخَيْلِ، وَبِالثَّانِي جِهَادُ النَّفْسِ، وَبِالثَّالِثِ طَلَبُ الْحَلَالِ.
стр. 565
٢٨٤ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» : مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٨٤ - (وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ بِمَنْزِلَةِ ثُمَّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى تَرَاخِي الرُّتْبَةِ، فَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْإِجَادَةَ مِنْ تَطْوِيلِ الْغُرَّةِ وَتَكْرَارِ الْغُسْلِ ثَلَاثًا وَمُرَاعَاةِ الْأَدَبِ مِنَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَالدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ أَفْضَلُ مِنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ مُطْلَقًا، وَفِيهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ مِنْ أَنَّ ثَوَابَ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ أَجْرِ النَّفْلِ: نَعَمْ يُقَالُ: إِحْسَانُ الْوُضُوءِ وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِالْمُكَمِّلَاتِ أَفْضَلُ مِنْ مَرْتَبَةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَاجِبَاتِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْفَاءَ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ وَالْجَزَاءُ الْمَذْكُورُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى مَجْمُوعِ الشَّرْطِ مِنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، (خَرَجَتْ خَطَايَاهُ) تَمْثِيلٌ وَتَصْوِيرٌ لِبَرَاءَتِهِ، لَكِنَّ هَذَا الْعَامَّ خُصَّ بِالصَّغَائِرِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا سَيَأْتِي مَا لَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً، وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَلَى أَنَّ الْكَبَائِرَ لَا تُغْفَرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ وَأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ مَنُوطَةٌ بِرِضَاهُمْ، كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَفِيهِ: أَنَّهُ بِظَاهِرِهِ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ الْقَاطِعِ الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وَالتَّقْيِيدُ بِالتَّوْبَةِ فِي الثَّانِي مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ الْمَدْفُوعُ بِأَنَّ الشِّرْكَ أَيْضًا يُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ (مِنْ جَسَدِهِ) أَيْ: جَمِيعِ بَدَنِهِ أَوْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ ( «حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» ) أَيْ: مَثَلًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَاقْتَصَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى عَزْوِهِ لِمُسْلِمٍ.
следующие страницы →