Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
[بَابُ قَطْعِ السَّرِقَةِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٥٩٠ - عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلَّا بِرُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٥٩٠ - (عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُقْطَعُ) بِالتَّأْنِيثِ وَالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّذْكِيرِ وَالْجَزْمِ (يَدُ السَّارِقِ) أَيْ جِنْسُهُ فَيَشْمَلُ السَّارِقَةَ أَوْ يُعْرَفُ حُكْمُهَا بِنَصِّ الْآيَةِ وَالْمُقَايَسَةِ وَالْمُرَادُ يَمِينُهُ لِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) أَيْ إِلَى الرُّسْغِ كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهَا (إِلَّا بِرُبْعِ دِينَارٍ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَيُسَكَّنُ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَالْمَعْنَى بِسَبَبِهِ أَوْ لِأَجْلِهِ (فَصَاعِدًا) أَيْ فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ فِي أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِيمَا دُونَ رُبُعٍ دِينَارٍ، وَكَانَ رُبُعُ الدِّينَارِ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
стр. 5007
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: «لَا يُقْطَعُ إِلَّا فِي دِينَارٍ» . عَلَى مَا سَيَأْتِي قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ، وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ وَقَدْرِهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: النِّصَابُ رُبُعُ دِينَارٍ ذَهَبًا أَوْ مَا قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَبَى ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي رِوَايَةٍ: يُقْطَعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ مَا قِيمَتُهُ أَحَدُهُمَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا يُقْطَعُ إِلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ مَا قِيمَتُهُ ذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ النِّصَابَ بِلَفْظِهِ فِي الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ رُبُعُ دِينَارٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَنَّهُ ﷺ قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ رُبُعُ دِينَارٍ فَصَاعِدًا أَوْ عَلَى أَنَّهَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ صَرِيحِ اللَّفْظِ فِي تَحْدِيدِ النَّصَّابِ لِلْمُحْتَمَلِ، بَلْ يَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى مُوَافَقَةِ لَفْظِهِ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: «لَمْ تُقْطَعْ يَدُ سَارِقٍ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ» ، فَمَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُبُعَ دِينَارٍ، وَأَمَّا مَا يَحْتَجُّ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةٍ جَاءَتْ: «قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ خَمْسَةٌ، فَهِيَ ضَعِيفَةٌ لَا يُعْمَلُ بِهَا لَوِ انْفَرَدَتْ فَكَيْفَ وَهَى مُخَالِفَةٌ لِصَرِيحِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّهُ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ اتِّفَاقًا لَا أَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ فِي قَطْعِ السَّارِقِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» . فَقَالَ جَمَاعَةٌ: الْمُرَادُ بِهِمَا بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَحَبْلُ السَّفِينَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ، وَأَنْكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَقَالُوا: لَيْسَ هَذَا السِّيَاقُ مَوْضِعَ اسْتِعْمَالِهِمَا بَلِ الْبَلَاغَةُ تَأْبَاهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَذُمُّ فِي الْعَادَةِ مَنْ خَاطَرَ بِيَدِهِ فِي شَيْءٍ لَهُ قَدْرٌ وَإِنَّمَا يَذُمُّ مَنْ خَاطَرَ فِيمَا لَا قَدْرَ لَهُ، فَالْمُرَادُ التَّنْبِيهُ عَلَى عِظَمِ مَا خَسِرَ يَدَهُ فِي مُقَابَلَةِ حَقِيرٍ مِنَ الْمَالِ، فَرُبْعُ دِينَارٍ يُشَارِكُ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فِي الْحَقَارَةِ، فَالْمُرَادُ جِنْسُ الْبِيضِ وَجِنْسُ الْحِبَالِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى عَادَةِ الْوُلَاةِ سِيَاسَةً لَا قَطْعًا جَائِزًا شَرْعًا وَقِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ هَذَا عِنْدَ نُزُولِ آيَةِ السَّرِقَةِ مُجْمَلَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانِ نِصَابٍ ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ النِّصَابَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: اخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ هَلْ يُقْطَعُ بِكُلِّ مِقْدَارٍ مِنَ الْمَالِ أَوْ بِمُعَيَّنٍ لَا يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْهُ، فَقَالَ بِالْأَوَّلِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَدَاوُدُ وَالْخَوَارِجُ وَابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَلِقَوْلِهِ ﵊: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ الْحَدِيثَ. وَمَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَعُلَمَاءِ الْأَقْطَارِ عَلَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ إِلَّا بِمَالٍ مُقَدَّرٍ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . فَلَزِمَ فِي الْأَوَّلِ التَّأْوِيلُ بِالْحَبْلِ الَّذِي يَبْلُغُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَبَيْضَةً مِنَ الْحَدِيدِ، أَوِ النُّسَخُ وَلَوْ قِيلَ: وَنَسْخُهُ أَيْضًا لَيْسَ أَوْلَى مِنْ نَسْخِ مَا رَوَيْتُمْ قُلْنَا: لَا تَارِيخَ بَقِيَ وَجَّهَ أَوْلَوِيَّةَ الْحَمْلِ وَهُوَ مَعَ الْجُمْهُورِ فَإِنَّ مِثْلَهُ فِي بَابِ الْحُدُودِ مُتَعَيَّنٌ عِنْدَ التَّعَارُضِ ثُمَّ قَدْ نُقِلَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَبِهِ يَتَقَيَّدُ إِطْلَاقُ الْآيَةِ، وَبِالْعَقْلِ إِنَّ الْحَقِيرَ مُطْلَقًا تَفْتُرُ الرَّغَبَاتُ فِيهِ فَلَا يُمْنَعُ أَصْلًا كَحَبَّةِ قَمْحٍ وَهُوَ مِمَّا يَشْمَلُهُ إِطْلَاقُ الْآيَةِ، وَكَذَا لَا يَخْفَى أَخْذُهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِأَخْذِهِ رُكْنُ السَّرِقَةِ وَهُوَ الْأَخْذُ خُفْيَةً وَلَا حِكْمَةَ الزَّجْرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا فِيمَا يَغْلُبُ فَإِنَّ مَا يَغْلُبُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَرْعِ الزَّاجِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَعَاطَى فَلَا حَاجَةَ إِلَى الزَّجْرِ عَنْهُ فَهَذَا مُخَصَّصٌ عَقْلِيٌّ بَعْدَ كَوْنِهَا مَخْصُوصَةً بِمَا لَيْسَ مِنْ حِرْزٍ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الشَّارِحُونَ لِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ فِي تَعْيِينِهِ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا فِي جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ إِلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَذَهَبُ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ رُبُعُ دِينَارٍ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّهُ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لِمَا رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أُتْرُجَّةً، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ، فَقُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ بِدِينَارٍ فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ قَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إِلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ سَوَاءٌ ارْتَفَعَ الصَّرْفُ أَوِ اتَّضَعَ، وَذَلِكَ «أَنَّهُ ﵊ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» ، وَعُثْمَانُ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُهُ اه.
وَكَوْنُ مِجَنٍّ بِثَلَاثَةٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَخْرَجَهُمَا الشَّيْخَانِ وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: كَانَتْ قِيمَةُ الدِّينَارِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا فَالثَّلَاثَةُ رُبْعُهَا فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْهُ ﵊: «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ
стр. 5008
أَدْنَى عَنْ ذَلِكَ» . وَكَانَ رُبُعُ الدِّينَارِ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَلَنَا أَنَّ الْأَخْذَ بِالْأَكْثَرِ فِي هَذَا الْبَابِ أَوْلَى احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ، تَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ أَكْثَرُ مِمَّا ذُكِرَ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَيْمَنَ، قَالَ: «لَمْ تُقْطَعِ الْيَدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ وَثَمَنُهُ يَوْمَئِذٍ دِينَارٌ» ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطَعَ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، فَكَيْفَ قُلْتَ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا، فَقَالَ: قَدْ رَوَى شَرِيكٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَيْمَنَ ابْنِ أُمِّ أَيْمَنَ أَخِي أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ لِأُمِّهِ، وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَجَابَ بِأَنَّ أَيْمَنَ قُتِلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ مُجَاهِدٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْمَرَاسِيلِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، عَنْ أَيْمَنَ وَكَانَ فَقِيهًا قَالَ: تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَكَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا قَالَ أَبِي: هُوَ مُرْسَلٌ. وَأَرَى أَنَّهُ وَالِدُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ، وَلَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ، وَظَهَرَ بِهَذَا الْقَدْرِ أَنَّ أَيْمَنَ اسْمٌ لِلصَّحَابِيِّ، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَأَنَّهُ اسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحُنَيْنٍ وَاسْمُ التَّابِعِيِّ آخَرُ، وَقَالَ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمُزَنِيُّ فِي كِتَابِهِ: أَيْمَنُ الْحَبَشِيُّ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ رَوَى عَنْ سَعْدٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ، ثُمَّ قَالَ: أَيْمَنُ مَوْلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقِيلَ: مَوْلَى ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّرِقَةِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَعَنْهُ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ قَالَ النَّسَائِيُّ: مَا أَحْسَبُ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَقَدْ جَعَلَهُ اسْمًا لِتَابِعَيْنِ وَأَمَّا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ فَجَعَلَاهُمَا وَاحِدًا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَيْمَنُ الْحَبَشِيُّ مَوْلَى ابْنِ أَبِي عُمَرَ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَرَوَى عَنْهُ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ ذَلِكَ، وَسُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ أَيْمَنَ وَالِدِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: مَكِّيٌّ ثِقَةٌ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ: وَأَيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحَبَشِيُّ مَوْلًى لِابْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَخْزُومِيِّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَرَوَى عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَى عَنْهُ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، وَكَانَ أَخَا أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ لِأُمِّهِ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً وَهِمَ حَدِيثُهُ فِي الْقَطْعِ مُرْسَلٌ فَهَذَا يُخَالِفُ الشَّافِعِيَّ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّ أَيْمَنَ ابْنَ أُمِّ أَيْمَنَ قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَأَنَّهُ صَحَابِيٌّ حَيْثُ جَعَلَهُ مِنَ التَّابِعِينَ وَهَكَذَا قَوْلُ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي سُنَنِهِ: أَيْمَنُ لَا صُحْبَةَ لَهُ وَهُوَ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَلَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ وَهُوَ الَّذِي يَرْوِي أَنَّ ثَمَنَ الْمِجَنِّ دِينَارٌ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي أَيْمَنَ رَاوِي قِيمَةِ الْمِجَنِّ هَلْ هُوَ صَاحِبِيٌّ أَمْ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ فَإِنْ كَانَ صَحَابِيًّا فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ تَابِعِيًّا ثِقَةً كَمَا ذَكَرَ أَبُو زُرْعَةَ الْإِمَامُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ وَابْنُ حِبَّانَ فَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ، وَالْإِرْسَالُ لَيْسَ عِنْدَنَا، وَلَا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ قَادِحًا بَلْ هُوَ حُجَّةٌ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ حِينَئِذٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَقْوِيمِ الْمِجَنِّ أَهُوَ ثَلَاثَةٌ أَوْ عَشْرَةٌ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ هُنَا لَا يُجَابُ الشَّرْعُ الدَّرْءُ أَمْكَنُ فِي الْحُدُودِ، ثُمَّ يَقْوَى بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ» . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا، وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَكَذَا إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ قَطَعْتُ يَدَ صَاحِبِهَا» . وَكَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَشْرَ دَرَاهِمَ، قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵊: «لَا قَطْعَ إِلَّا فِي دِينَارٍ أَوْ عَشْرِ دَرَاهِمَ» . وَهَذَا بِهَذَا اللَّفْظِ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مُرْسَلٌ عَنْهُ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ، فَقَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا قَطْعَ إِلَّا فِي دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَهُوَ مُرْسَلٌ. رَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ اه. وَهُوَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ الْكُلَّ مَا وَرَدَ إِلَّا عَنِ الْقَاسِمِ لَكِنَّ فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مُقَاتِلٍ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «كَانَ تُقْطَعُ الْيَدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» . وَهَذَا مَوْصُولٌ وَفِي رِوَايَةِ خَلَفِ بْنِ يَاسِينَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَمَا كَانَ الْقَطْعُ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خِسْرُو مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَرْفَعُهُ: «لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» ، وَهَذَا مَوْصُولٌ مَرْفُوعٌ وَلَوْ كَانَ مَوْقُوفًا لَكَانَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ; لِأَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لَا دَخْلَ لِلْعَقْلِ فِيهَا فَالْمَوْقُوفُ فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى الرَّفْعِ الْمَرْفُوعِ.
стр. 5009
٣٥٩١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَ السَّارِقِ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٥٩١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَ سَارِقٍ) أَيْ يَمِينَهُ مِنَ الرُّسْغِ (فِي مِجَنٍّ) بِكَسْرِ مِيمٍ وَفَتْحِ جِيمٍ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهَى الْجُنَّةُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالدَّرَقَةُ بِفَتْحَتَيْنِ وَالتُّرْسُ مِنَ الْجِنِّ إِذَا سُتِرَ (ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) قَالَ الشَّمَنِيُّ: هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَاهُ أَبُو شَيْبَةَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَشْرُ دَرَاهِمَ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَمَّا كَوْنُ الْمُرَادِ بِالْيَدِ الْيَمِينَ فَبِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) وَهِيَ مَشْكُورَةٌ كَانَ خَبَرًا مَشْهُورًا فَيُفِيدُ إِطْلَاقَ النَّصِّ فَهَذَا مِنْ تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ لَا مِنْ بَيَانِ الْمُجْمَلِ ; لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِي فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا، وَقَدْ قَطَعَ ﵊ الْيَمِينَ، وَكَذَا أَصْحَابُهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّقْيِيدُ مُرَادًا لَمْ يَفْعَلْهُ، وَكَانَ يَقْطَعُ الْيَسَارَ وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْيُمْنَى أَنْفَعُ مِنَ الْيَسَارِ؛ لِأَنَّهُ يَتَّمَكُنَّ بِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ وَحْدَهَا مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ بِهِ مِنَ الْيَسَارِ فَلَوْ كَانَ الْإِطْلَاقُ مُرَادًا وَالِامْتِثَالُ يَحْصُلُ بِكُلٍّ لَمْ يَقْطَعْ إِلَّا الْيَسَارَ عَلَى عَادَتِهِ مِنْ طَلَبِ الْأَيْسَرِ لَهُمْ مَا أَمْكَنَ، وَأَمَّا كَوْنُ الْقَطْعِ مِنَ الزَّنْدِ وَهُوَ مِفْصَلُ الرُّسْغِ، وَيُقَالُ لَهُ: الْكُوعُ ; لِأَنَّهُ الْمُتَوَاتِرُ وَمِثْلُهُ لَا يُطْلَبُ بِسَنَدٍ بِخُصُوصِهِ كَالْمُتَوَاتِرِ لَا يُبَالَى فِيهِ بِكُفْرِ النَّاقِلِينَ فَضْلًا عَنْ فِسْقِهِمْ أَوْ ضَعْفِهِمْ وَرُوِيَ فِيهَا خُصُوصُ مُتُونٍ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي حَدِيثِ رَجَاءِ بْنِ صَفْوَانَ، قَالَ فِيهِ ثُمَّ أَمَرَ بِقَطْعِهِ مِنَ الْمِفْصَلِ وَضُعِّفَ بِالْعُذْرِيِّ وَابْنِ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَ سَارِقٍ مِنَ الْمِفْصَلِ» . فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا أَعْرِفُ لَهُ حَالًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ رَجُلًا مِنَ الْمِفْصَلِ» ، وَفِيهِ الْإِرْسَالُ وَفِيهِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَطَعَا مِنَ الْمِفْصَلِ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِيمَا نُقِلَ عَنْ شُذُوذٍ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِقَطْعِ الْأَصَابِعِ ; لِأَنَّ بِهَا الْبَطْشَ، وَعَنِ الْخَوَارِجِ الْقَطْعُ مِنَ الْمِنْكَبِ ; لِأَنَّ الْيَدَ اسْمٌ لِذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِثُبُوتِهِ، وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ هُوَ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَهُمْ لَمْ يَقْدَحُوا فِي الْإِجْمَاعِ قَبْلَ الْفِتْنَةِ وَلِأَنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ عَلَى مَا ذُكِرَ وَعَلَى مَا إِلَى الرُّسْغِ إِطْلَاقًا أَشْهَرَ مِنْهُ إِلَى الْمَنْكِبِ بَلْ صَارَ يَتَبَادَرُ مِنْ إِطْلَاقِ الْيَدِ فَكَانَ أَوْلَى بِاعْتِبَارِهِ وَلَإِنْ سَلِمَ اشْتِرَاكُ الِاسْمِ جَازَ كَوْنُ مَا إِلَى الْمَنْكِبِ وَهُوَ الْمُرَادُ وَمَا إِلَى الرُّسْغِ فَيَتَعَيَّنُ مَا إِلَى الرُّسْغِ دَرَأً لِلزَّائِدِ عِنْدَ احْتِمَالِ عَدَمِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 5010
٣٥٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ بَيْضَةً فَتُقْطَعَ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعَ يَدُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٥٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ لَعْنِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ مِنَ الْعُصَاةِ ; لِأَنَّهُ لَعَنَ الْجِنْسَ مُطْلَقًا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَلَا يَجُوزُ لَعْنُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنَ اللَّعْنِ الْإِهَانَةُ وَالْخِذْلَانُ كَأَنَّهُ قِيلَ لَمَّا اسْتَعْمَلَ أَعَزَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ فِي أَهْوَنِ شَيْءٍ وَأَحْقَرِهِ خَذَلَهُ اللَّهُ، وَأَهَانَهُ حَتَّى قُطِعَ (يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعَ) بِالتَّأْنِيثِ، وَيُذَكَّرُ (يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) قِيلَ: الْمُرَادُ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَحَبْلُ السَّفِينَةِ، وَقِيلَ: كَانَ الْقَطْعُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْحَقِيرُ فَإِنَّ النَّصَّابَ يُشَارِكُ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فِي الْحَقَارَةِ وَقِيلَ الْحَقِيرُ يُؤَدِّي بِالِاعْتِيَادِ إِلَى الْقَطْعِ، وَيُفْضِي إِلَيْهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ التَّهْدِيدُ، وَقِيلَ: يُقْطَعُ سِيَاسَةً وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 5011
٣٥٩٣ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» . رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٥٩٣ - (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الثِّمَارِ كُلِّهَا، وَيَغْلُبُ عِنْدَهُمْ عَلَى ثَمَرِ النَّخْلِ وَهُوَ الرُّطَبُ مَا دَامَ عَلَى رَأْسِ النَّخْلِ فِي النِّهَايَةِ الثَّمَرُ الرُّطَبُ مَا دَامَ عَلَى رَأْسِ النَّخْلَةِ، فَإِذَا قُطِعَ فَهُوَ الرُّطَبُ، فَإِذَا كَنَزَ بِالْكَافِ وَالنُّونِ وَالزَّايِ فَهُوَ التَّمْرُ (وَلَا كَثَرٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُثَلَّثَةِ جُمَّارُ النَّخْلِ وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ شَحْمُهُ الَّذِي فِي وَسَطِهِ وَهُوَ يُؤْكَلُ وَقِيلَ: هُوَ الْقَطْعُ أَوَّلَ مَا يَبْدُو وَهُوَ يُؤْكَلُ أَيْضًا (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يُوجِبِ الْقَطْعَ فِي سَرِقَةِ شَيْءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُحْرَزَةً أَوْ غَيْرَ مُحْرَزَةٍ، وَقَاسَ عَلَيْهِ اللُّحُومَ وَالْأَلْبَانَ وَالْأَشْرِبَةَ وَالْخُبُورَ وَأَوْجَبَ الْآخَرُونَ الْقَطْعَ فِي جَمِيعِهَا إِذَا
стр. 5012
كَانَ مُحْرَزًا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَتَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ الْحَدِيثَ عَلَى الثِّمَارِ الْمُعَلَّقَةِ غَيْرِ الْمُحْرَزَةِ، وَقَالَ: نَخِيلُ الْمَدِينَةِ لَا حَوَائِطَ لِأَكْثَرِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مُحْرَزًا يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ اه وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَفِي الْهِدَايَةِ: لَا قَطْعَ فِيمَا يُوجَدُ تَافِهًا مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَيْ إِذَا سُرِقَ مِنْ حِرْزٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ أُخِذَ وَأُحْرِزَ وَصَارَ مَمْلُوكًا لِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمْ يَكُنِ السَّارِقُ يُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ» . زَادَ فِي مُسْنَدِهِ: «وَلَمْ يُقْطَعْ فِي أَدْنَى مِنْ ثَمَنِ جَحْفَةٍ أَوْ تُرْسٍ» . وَأَمَّا حَدِيثُ «لَا قَطْعَ فِي الطَّيْرِ» . لَا يُعْرَفُ رَفْعُهُ بَلْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ فِيهِ الْجُعْفِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: «أُتِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِرَجُلٍ قَدْ سَرَقَ دَجَاجَةً فَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَهُ فَقَالَ لَهُ سَلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ عُثْمَانُ: لَا قَطْعَ فِي الطَّيْرِ» . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حَفْصَةَ، قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِرَجُلٍ قَدْ سَرَقَ طَيْرًا فَاسْتَفْتَى فِي ذَلِكَ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطَعَ فِي الطَّيْرِ، وَمَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ قَطْعٌ. فَتَرَكَهُ فَإِنْ كَانَ هَذَا مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ السَّمَاعِ، وَإِلَّا فَتَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ عِنْدَنَا وَاجِبٌ لِمَا عُرِفَ أَيْ فِي الْأُصُولِ.
стр. 5013
٣٥٩٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ قَالَ: مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
ــ
٣٥٩٤ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مَوْضِعٌ يُجْمَعُ فِيهِ التَّمْرُ لِلتَّجْفِيفِ وَهُوَ لَهُ كَالْبَيْدَرِ لِلْحِنْطَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (فَبَلَغَ ثَمَنُهُ الْمِجَنَّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ طَابَقَ هَذَا جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَإِنْ سُئِلَ هَلْ يُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ وَكَانَ ظَاهِرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا، فَلِمَ أَطْنَبْ ذَلِكَ الْإِطْنَابَ؟ قُلْتُ: لِيُجِيبَ عَنْهُ مُعَلِّلًا كَأَنَّهُ قِيلَ: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ مِنَ الْحِرْزِ وَهُوَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالُوا: الْحِرْزُ مَشْرُوطٌ فَلَا قَطْعَ إِلَّا فِيمَا سُرِقَ مِنْ حِرْزٍ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْعُرْفُ فَمَا لَمْ يَعُدَّهُ الْعُرْفُ حِرْزًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ فَلَيْسَ بِحِرْزٍ لَهُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلسَّارِقِ فِي الْمَسْرُوقِ شُبْهَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لَمْ يُقْطَعْ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُطَالِبَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ بِالْمَالِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا قَطْعَ فِيمَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ كَاللَّبَنِ وَاللَّحْمِ وَالْخُبْزِ وَالْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: يُقْطَعُ بِهَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﵊ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ ﵊ «سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ وَعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَهِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَرِيسَةِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ مَرَاتِعِهَا، فَقَالَ: فِيهَا ثَمَنُهَا مَرَّتَيْنِ، وَضَرْبٌ وَنَكَالٌ، وَمَا أُخِذَ مِنْ عَطَنِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ إِذَا بَلَغَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالثِّمَارُ وَمَا أُخِذَ مِنْ أَكْمَامِهَا، فَقَالَ: مَنْ أَخَذَ بِفِيهِ وَلَمْ يَتَّخِذْ خُبْنَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنِ احْتَمَلَ الْمِجَنَّ فَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ مَرَّتَيْنِ وَضَرْبٌ وَنَكَالٌ، وَمَا أُخِذَ مِنْ أَجْرَانِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَفِيهِ لَفْظُهُ: «مَا تَرَى فِي الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ قَطْعٌ إِلَّا مَا أَوَاهُ الْجَرِينُ، فَمَا أُخِذَ مِنَ الْجَرِينِ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَجَلَدَاتٌ وَنَكَالٌ» . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِهَذَا الْمَتْنِ، وَقَالَ: قَالَ إِمَامُنَا إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ إِذَا كَانَ الرَّاوِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ثِقَةً فَهُوَ كَأَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَوَقَفَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَالَ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الثِّمَارِ قَطْعٌ حَتَّى يَأْوِيَ الْجَرِينَ. وَأَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ سَوَاءٌ أَجَابَ بِأَنَّهُ أُخْرِجَ عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ أَوِ الَّذِي يُؤْوِيهِ الْجَرِينُ فِي عَادَتِهِمْ هُوَ الْيَابِسُ مِنَ
стр. 5014
الثَّمَرِ وَفِيهِ الْقَطْعُ لَكِنْ مَا فِي الْمُغْرِبِ مِنْ قَوْلِهِ: الْجَرِينُ الْمِرْبَدُ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَبْقَى فِيهِ الرُّطَبُ لِيَجِفَّ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ الرُّطَبُ فِي زَمَانٍ وَهُوَ أَوَّلُ وَضْعِهِ وَالْيَابِسُ هُوَ الْكَائِنُ فِي آخِرِ حَالِهِ فِيهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﷺ : «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» . وَقَوْلِهِ: «لَا قَطْعَ فِي الطَّعَامِ» . أَمَّا الْأَوَّلُ فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ «أَنَّ غُلَامًا سَرَقَ وَدِيًّا مِنْ حَائِطٍ فَرُفِعَ إِلَى مَرْوَانَ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْقَسَمِ الثَّانِي، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: هَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ وَاسِعًا اه. وَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَعَارَضَ الِانْقِطَاعُ وَالْوَصْلُ فَالْوَصْلُ أَوْلَى لِمَا عُرِفَ أَنَّهُ زِيَادَةٌ مِنَ الرَّاوِي الثِّقَةِ، وَقَدْ تَلَقَّتِ الْأُمَّةُ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْقَبُولِ، وَقَدْ تَعَارَضَ فِي الرُّطَبِ الْمَوْضُوعِ فِي الْجَرِينِ وَفِي مِثْلِهِ مِنَ الْحُدُودِ يَجِبُ تَقْدِيمُ مَا يَمْنَعُ الْحَدَّ دَرْءًا لِلْحَدِّ، وَلِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَا يُضْمَنُ الْمَسْرُوقُ لِمِثْلَيْ قِيمَتِهِ وَإِنْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ فَعُلَمَاءُ الْأُمَّةِ عَلَى خِلَافِهِ لِأَنَّهُ لَا يَبْلُغُ قُوَّةَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَلَا يَصِحُّ عَنْهُ ﵊ ذَلِكَ فَفِيهِ دَلَالَةُ الضَّعْفِ أَوِ النَّسْخِ فَيَنْفَرِدُ هَذَا الْحَدِيثُ فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَتَقَيَّدُ حَدِيثُ الثَّمَرِ وَالْكَثَرِ بِهَذَا التَّفْصِيلِ يَعْنِي تَفْصِيلَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ أَنْ يَأْكُلَهُ مِنْ أَعْلَى النَّخْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَوْ يُخْرِجَهُ فَفِيهِ ضِعْفُ قِيمَتِهِ وَجَلَدَاتٌ وَنَكَالٌ أَوْ يَأْخُذَ مِنْ بَيْدَرِهِ فَيُقْطَعَ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَا أَقْطَعُ فِي الطَّعَامِ» . وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَلَمْ يُعِلَّهُ بِغَيْرِ الْإِرْسَالِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ عِنْدَنَا فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ، وَلَمَّا كَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ يُقْطَعُ فِي الْحِنْطَةِ وَالسُّكَّرِ لَزِمَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا يَتَصَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ كَالْمُهَيَّأِ لِلْأَكْلِ مِنْهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَاللَّحْمِ وَالثِّمَارِ الرَّطْبَةِ مُطْلَقًا فِي الْجَرِينِ وَغَيْرِهِ، هَذَا وَالْقَطْعُ فِي الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا إِجْمَاعًا إِنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ سَنَةِ الْقَحْطِ أَمَّا فِيهَا فَلَا سَوَاءَ مِمَّا كَانَ يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ أَوَّلًا لِأَنَّهُ عَنْ ضَرُورَةٍ ظَاهِرًا وَهَى تُبِيحُ التَّنَاوُلَ وَعَنْهُ ﵊: «لَا قَطْعَ فِي مَجَاعَةِ مُضْطَرٍّ» . وَعَنْ عُمَرَ لَا قَطْعَ فِي عَامِ سَنَةٍ.
стр. 5015
٣٥٩٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَفِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ فَإِذَا آوَاهُ الْمُرَاحُ وَالْجَرِينُ فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» . رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
٣٥٩٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ) وَفِي نُسْخَةٍ عَنْ بَدَلَ ابْنٍ وَالصَّوَابُ هُوَ الْأَوَّلُ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ قُرَشِيٌّ تَابِعِيٌّ رَوَى عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ وَسَمِعَ نَفَرًا مِنَ التَّابِعِينَ، وَرَوَى عَنْ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَحْرُوسَةُ جَبَلٍ وَهَى دَابَّةٌ تَرْعَى فِي الْجَبَلِ، وَلَهَا مَنْ يَحْفَظُهَا، وَقِيلَ: الْحَرِيسَةُ الشَّاةُ الْمَسْرُوقَةُ لَيْلًا، وَإِنَّمَا أُضِيفَتْ إِلَى الْجَبَلِ ; لِأَنَّ السَّارِقَ يَذْهَبُ بِهَا إِلَى الْجَبَلِ لِتَكُونَ أَحْرَزَ مِنَ الْمَطَالِبِ، فِي النِّهَايَةِ: وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَرِيسَةِ الْجَبَلِ قَالَ: فِيهَا غُرْمُ مِثْلَيْهَا وَجَلَدَاتٌ نَكَالًا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَإِنْ سَرَقَ مِنَ الْقِطَارِ بَعِيرًا أَوْ حِمْلًا لَمْ يُقْطَعْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحِرْزٍ مَقْصُودٍ فَيُمْكِنُ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ وَهَذَا ; لِأَنَّ السَّائِقَ وَالْقَائِدَ وَالرَّاكِبَ يَقْصِدُونَ قَطْعَ الْمَسَافَةِ وَنَقْلَ الْأَمْتِعَةِ دُونَ الْحِفْظِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَعَ الْأَحْمَالِ مَنْ يَتْبَعُهَا لِلْحِفْظِ، قَالُوا: يُقْطَعُ وَإِنْ شَقَّ الْحِمْلَ وَأَخَذَ مِنْهُ قُطِعَ ; لِأَنَّ الْجُوَالِقَ فِي مِثْلِ هَذَا حِرْزٌ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِوَضْعِ الْأَمْتِعَةِ فِيهِ صِيَانَتَهَا كَالْكَمِّ فَوَجَدَ الْأَخْذَ مِنَ الْحِرْزِ فَيُقْطَعُ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ كُلٌّ مِنَ الرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ هُمْ حِرْزٌ فَيُقْطَعُ فِي أَخْذِ الْجَمَلِ وَالْجُوَالِقِ وَالشِّقِّ ثُمَّ الْأَخْذُ وَأَمَّا الْقَائِدُ فَحَافِظٌ لِلْحِمْلِ، الَّذِي زِمَامُهُ بِيَدِهِ فَقَطْ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ إِذَا كَانَ بِحَيْثُ يَرَاهَا إِذَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا حَافِظٌ لِلْكُلِّ فَالْكُلُّ مُحْرَزَةٌ عِنْدَهُمْ بِقَوَدِهِ وَفَرْضُ أَنَّ قَصْدَهُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ وَنَقْلُ الْأَمْتِعَةِ لَا يُنَافِي أَنْ يَقْصِدَ الْحِفْظَ مَعَ ذَلِكَ بَلِ الظَّاهِرُ ذَلِكَ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَكَوْنُهُ ﵊ لَمْ يُوجِبِ الْقَطْعَ فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ يُحْمَلُ عَلَى تَرْكِ الرَّاعِي إِيَّاهَا فِي الْمَرْعَى وَغَيْبَتِهِ عَنْهَا أَوْ مَعَ نَوْمِهِ. اه وَبِهَذَا يَظْهَرُ فَسَادُ قَوْلِ الطِّيبِيِّ كَمَا لَا يَخْفَى (فَإِذَا آوَاهُ) بِالْمَدِّ وَالضَّمِيرِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ (الْمُرَاحُ) بِضَمِّ
стр. 5016
الْمِيمِ وَهُوَ مَا تَأْوِي إِلَيْهِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ إِلَيْهِ لِلْحِرْزِ، وَيُقَالُ لِلشَّاةِ الَّتِي يُدْرِكُهَا اللَّيْلُ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَى مُرَاحِهَا حَرِيسَةٌ وَفُلَانٌ يَأْكُلُ الْحَرِيسَاتِ إِذَا سَرَقَ أَغْنَامَ النَّاسِ فَأَكَلَهَا، وَالِاحْتِرَاسُ أَنْ يُسْرَقَ الشَّيْءُ مِنَ الْمَرْعَى كَذَا فِي النِّهَايَةِ (وَالْجَرِينُ) مَوْضِعُ التَّمْرِ الَّذِي يُجَفَّفُ، وَفِي نُسَخِ الْمُوَطَّأِ أَوِ الْجَرِينُ فَالْوَاوُ هُنَا بِمَعْنَى أَوْ لِلتَّنْوِيعِ (فَالْقَطْعُ) أَيْ لَازِمٌ (فِيمَا بَلَغَ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (ثَمَنَ الْمِجَنِّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: حَتَّى يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ أَيِ الْمِرْبَدُ حَتَّى يَجِفَّ أَيْ حَتَّى يَتِمَّ إِبْرَاءُ الْجَرِينِ إِيَّاهُ وَعِنْدَ ذَلِكَ يُنْقَلُ عَنْهُ، وَيُدْخَلُ الْحِرْزَ وَإِلَّا فَنَفْسُ الْجَرِينِ لَيْسَ حِرْزًا لِيَجِبَ الْقَطْعُ بِالْأَخْذِ مِنْهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ حَارِسٌ مُتَرَصِّدٌ (رَوَاهُ مَالِكٌ) كَانَ حَقُّ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ مُرْسَلًا لِمَا عَرَفْتَ أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ تَابِعِيٌّ نَقَلَهُ مَوْصُولًا أوَلَمْ يَذْكُرِ الصِّحَابِيُّ ثَلَاثَةً ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: الثَّالِثُ عَبْدُ اللَّهِ وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ جَابِرٌ وَالسَّابِعُ بُسْرٌ بِمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنَ الْأَصْلِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالسَّادِسِ حَدِيثَ صَفْوَانَ وَيَكُونُ قُصُورٌ فِي تَعْبِيرِ الطِّيبِيِّ.
стр. 5017
٣٥٩٦ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً مَشْهُورَةً فَلَيْسَ مِنَّا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٥٩٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ) النَّهْبُ هُوَ الْأَخْذُ عَلَى وَجْهِ الْعَلَانِيَةِ قَهْرًا وَهُوَ وَإِنْ كَانَ أَقْبَحَ مِنْ أَخْذِهِ سِرًّا لَكِنْ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ بِعَدَمِ إِطْلَاقِ السَّرِقَةِ عَلَيْهِ (وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً) بِضَمِّ النُّونِ الْمَالُ الَّذِي يُنْهَبُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْفَتْحِ وَيُرَادُ بِهَا الْمَصْدَرُ (مَشْهُورَةً) أَيْ ظَاهِرَةً غَيْرَ مَخْفِيَّةٍ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ (فَلَيْسَ مِنَّا) أَيْ مِنْ أَهْلِ طَرِيقَتِنَا أَوْ مَنْ مِلَّتِنَا زَجْرًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5018
٣٥٩٧ - وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٣٥٩٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ جَابِرٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْخِيَانَةِ وَهُوَ أَنْ يُؤْتَمَنَ عَلَى شَيْءٍ بِطَرِيقِ الْعَارِيَةِ وَالْوَدِيعَةِ فَيَأْخُذَهُ وَيَدَّعِيَ ضَيَاعَهُ أَوْ يُنْكِرَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَةٌ، وَعَلَيْهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِقُصُورِ الْحِرْزِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي يَدِ الْخَائِنِ وَحِرْزِهِ لَا حِرْزِ الْمَالِكِ عَلَى الْخُلُوصِ وَذَلِكَ لِأَنَّ حِرْزَهُ وَإِنْ كَانَ حِرْزَ الْمَالِكِ فَإِنَّهُ أَحْرَزَهُ بِإِيدَاعِهِ عِنْدَهُ لَكِنَّهُ حِرْزٌ مَأْذُونٌ لِلسَّارِقِ فِي دُخُولِهِ (وَلَا مُنْتَهِبٍ) لِأَنَّهُ مُجَاهِرٌ بِفِعْلِهِ لَا مُخْتَفٍ فَلَا سَرِقَةَ وَلَا قَطْعَ (وَلَا مُخْتَلِسٍ) ، لِأَنَّهُ الْمُخْتَطِفُ لِلشَّيْءِ مِنَ الْبَيْتِ وَيَذْهَبُ أَوْ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ، فِي الْمُغْرِبِ: الِاخْتِلَاسُ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ ظَاهِرٍ بِسُرْعَةٍ وَقَوْلُهُ (قَطْعٌ) اسْمُ لَيْسَ قَالَ الْمُظْهِرُ: لَيْسَ عَلَى الْمُغِيرِ وَالْمُخْتَلِسِ وَالْخَائِنِ قَطْعٌ وَلَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ نِصَابًا أَوْ قِيمَتَهُ ; لِأَنَّ شَرْطَهُ إِخْرَاجُ مَا هُوَ نِصَابٌ أَوْ قِيمَتُهُ مِنَ الْحِرْزِ أَيْ بِخُفْيَةٍ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى إِيجَابَ الْقَطْعِ عَلَى السَّارِقِ وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا كَالِاخْتِلَاسِ وَالِانْتِهَابِ وَالْغَصْبِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّرِقَةِ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِرْجَاعُ هَذَا النَّوْعِ بِالِاسْتِغَاثَةِ إِلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ وَتَسْهِيلِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِهَا فَيَعْظُمُ أَمْرُهَا وَاشْتَدَّتْ عُقُوبَتُهَا لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ عَنْهَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَكَتَ عَنْهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَعَبْدُ الْحَقِّ فِي أَحْكَامِهِ وَهُوَ تَصْحِيحٌ مِنْهُمَا، وَتَعْلِيلُ أَبِي دَاوُدَ مَرْجُوحٌ بِذَلِكَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ وَلَا عَلَى الْمُخْتَلِسِ وَلَا عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا مَذْهَبُنَا وَعَلَيْهِ بَاقِي الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ، لَكِنَّ مَذْهَبَ إِسْحَاقَ ابْنِ رَاهَوَيْهِ وَرِوَايَةَ أَحْمَدَ فِي جَاحِدِ الْعَارِيَةِ أَنَّهُ يُقْطَعُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِهَا» . وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ أَخَذُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّ الْقَطْعَ كَانَ لِسَرِقَةٍ صَدَرَتْ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُتَّصِفَةً مَشْهُورَةً بِجَحْدِ الْعَارِيَةِ فَعَرَّفَتْهَا عَائِشَةُ بِوَصْفِهَا الْمَشْهُورِ فَالْمَعْنَى امْرَأَةٌ كَانَ وَصْفُهَا جَحْدَ الْعَارِيَةِ سَرَقَتْ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهَا بِدَلِيلِ أَنَّ فِي قِصَّتِهَا أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ شَفَعَ فِيهَا، الْحَدِيثَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا حَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّعَدُّدِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ خُصُوصًا وَقَدْ تَلَقَّتِ الْأُمَّةُ الْحَدِيثَ الْآخَرَ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ بِهِ فَلَوْ فُرِضَ أَنَّهَا لَمْ تَسْرِقْ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ
стр. 5019
يُحَدِّثُ «أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَعَارَتْ مِنِّي حُلِيًّا عَلَى أَلْسِنَةِ أُنَاسٍ يُعْرَفُونَ وَلَا تُعْرَفُ هِيَ فَبَاعَتْهُ فَأُخِذَتْ فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا وَهَى الَّتِي شَفَعَ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ» . كَانَ حَدِيثُ جَابِرٍ مُقَدَّمًا فَيُحْمَلُ الْقَطْعُ بِجَحْدِ الْعَارِيَةِ عَلَى النَّسْخِ، وَكَذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ وَأَنَّهُ ﵊ قَطَعَ امْرَأَةً بِجَحْدِ الْمَتَاعِ وَأُخْرَى بِالسَّرِقَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى نَسْخِ الْقَطْعِ بِالْعَارِيَةِ لِمَا قُلْنَا، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ رُكَانَةَ، عَنْ أُمِّهِ عَائِشَةَ بِنْتِ مَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهَا، قَالَ: «لَمَّا سَرَقَتِ الْمَرْأَةُ تِلْكَ الْقَطِيفَةَ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَغْضَبَنَا ذَلِكَ، وَكَانَتِ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ، فَجِئْنَا النَّبِيَّ ﷺ لِنُكَلِّمَهُ، فَقُلْنَا: نَحْنُ نَفْدِيهَا بِأَرْبَعِينَ وُقِيَّةً، فَقَالَ ﷺ : تَطَهُّرُهَا خَيْرٌ لَهَا، فَأَتَيْنَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَقُلْنَا لَهُ: كَلِّمْ لَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ: مَا إِكْثَارُكُمْ عَلَيَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسْوَدِ، وَقِيلَ: هِيَ أُمُّ عُمَيْرٍ بِنْتُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسْوَدِ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ.
стр. 5020
٣٥٩٨ - وَرُوِيَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: «أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَجَاءَ سَارِقٌ، وَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَخَذَهُ صَفْوَانُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ. فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا، هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» .
ــ
٣٥٩٨ - (وَرَوَى) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ (أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ) بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ الْقُرَشِيُّ «هَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ - وَابْنُهُ وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّنَهُ وَأَعْطَاهُمَا رِدَاهُ أَمْنًا لَهُ، فَأَدْرَكَهُ وَهْبٌ، فَرَدَّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا وَهْبَ بْنَ عُمَيْرٍ زَعَمَ أَنَّكَ أَمَّنْتَنِي عَلَى أَنَّ أَسِيرَ شَهْرَيْنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ، فَقَالَ: لَا حَتَّى تُبَيِّنَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْزِلْ فَلَكَ أَنْ تَسِيرَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَنَزَلَ وَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى حُنَيْنٍ فَشَهِدْنَا وَشَهِدَ الطَّائِفَ كَافِرًا وَأَعْطَاهُ مِنَ الْغَنَائِمِ فَأَكْثَرَ، فَقَالَ صَفْوَانُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا طَابَ بِهَذَا إِلَّا نَفْسُ نَبِيٍّ، فَأَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» ، وَكَانَ صَفْوَانُ أَحَدَ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَفْصَحَهُمْ لِسَانًا، وَكَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ (قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا كَمَا سَيَأْتِي (وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ) أَيْ جَعَلَ رِدَاءَهُ وِسَادَةً تَحْتَ رَأْسِهِ، فِي الْهِدَايَةِ: الْأَصَحُّ أَنَّ وَضْعَ الشَّيْءِ تَحْتَ الرَّأْسِ حِرْزٌ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْإِخْرَاجُ مِنَ الْحِرْزِ شَرْطٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَعَنْ عَائِشَةَ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ: أَنَّ مَنْ جَمَعَ الْمَالَ فِي الْحِرْزِ قُطِعَ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ، وَعَنِ الْحَسَنِ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَعَنْ دَاوُدَ لَا يُعْتَبَرُ الْحِرْزُ أَصْلًا، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ ثَابِتَةٌ عَمَّنْ نُقِلَتْ عَنْهُ، وَلَا يُقَالُ لِأَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا فَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثُمَّ هُوَ أَيِ الْحِرْزُ عَلَى نَوْعَيْنِ حِرْزٌ بِالْمَكَانِ كَالدُّورِ وَالْبُيُوتِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْحَافِظِ وَهُوَ بَدَلٌ عَنِ الْأَمَاكِنِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ، وَذَلِكَ كَمَنْ جَلَسَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ وَعِنْدَهُ مَتَاعٌ فَهُوَ مُحْرَزٌ بِهِ (فَجَاءَ سَارِقٌ وَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَخَذَهُ) أَيِ السَّارِقُ (صَفْوَانُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ) أَيْ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِالسَّرِقَةِ أَوْ ثُبُوتِهَا بِالْبَيِّنَةِ (أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ) بِتَأْنِيثِ الْفِعْلِ وَجُوِّزَ تَذْكِيرُهُ (فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا) أَيْ قَطْعَهُ بَلْ قَصَدْتُ تَعْزِيرَهُ (هُوَ) أَيْ رِدَائِي كَمَا فِي رِوَايَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى السَّارِقِ (صَدَقَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَهَلَّا أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ) أَيْ لِمَ لَا تَرَكْتَ حَقَّكَ عَلَيْهِ وَعَفَوْتَ عَنْهُ قَبْلَ إِتْيَانِكَ بِهِ إِلَيَّ، وَأَمَّا الْآنُ فَقَطْعُهُ وَاجِبٌ وَلَا حَقَّ لَكَ فِيهِ، بَلْ هُوَ مِنَ الْحُقُوقِ الْخَالِصَةِ لِلشَّرْعِ وَلَا سَبِيلَ فِيهَا إِلَى التَّرْكِ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَفْوَ جَائِزٌ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا قَضَى عَلَى رَجُلٍ بِالْقَطْعِ فِي سَرِقَةٍ فَوَهَبَهَا لَهُ الْمَالِكُ وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ أَوْ بَاعَهَا مِنْهُ لَا يُقْطَعُ، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُقْطَعُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ; لِأَنَّ السَّرِقَةَ قَدْ تَمَّتِ انْعِقَادًا لِفِعْلِهَا بِلَا شُبْهَةٍ، وَظُهُورًا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقَضَى عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ صَفْوَانَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي رِوَايَةٍ كَمَا ذُكِرَ وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ أَنَا أَبِيعُهُ وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهُ وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ بَلْ قَوْلُهُ: مَا كُنْتُ أُرِيدُ هَذَا، أَوْ قَوْلُهُ أَوَيُقْطَعُ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ فِي ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا؟ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ فِي الْهِبَةِ، ثُمَّ الْوَاقِعَةُ وَاحِدَةٌ فَكَانَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ اضْطِرَابٌ وَالِاضْطِرَابُ مُوجِبٌ لِلضَّعْفِ.
стр. 5021
٣٥٩٩ - وَرَوَى نَحْوَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ.
ــ
٣٥٩٩ - (وَرَوَى نَحْوَهُ) أَيْ فِي الْمَعْنَى (ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ أَبِيهِ) .
стр. 5022
٣٦٠٠ - وَالدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
ــ
٣٦٠٠ - (وَالدَّارِمِيُّ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى ابْنِ مَاجَهْ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) مُتَعَلِّقٌ بِرُوَاةِ الْمُقَدَّرِ فَتَدَبَّرْ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَالْحَاكِمُ وَحَكَمَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، وَأَلْفَاظُهُ مُخْتَلِفَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهَا انْقِطَاعٌ وَفِي بَعْضِهَا مَنْ هُوَ مُضَعَّفٌ وَلَكِنْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَاتَّسَعَ مَجِيئُهُ اتِّسَاعًا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ بِلَا شُبْهَةٍ وَفِي طَرِيقِ السُّنَنِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى ثُمَّ لَفَّ رِدَاءً لَهُ مِنْ بُرْدٍ فَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ فَقَامَ، فَأَتَاهُ لِصٌّ فَاسْتَلَّهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ فَأَخَذَهُ فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا سَرَقَ رِدَائِي. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَسَرَقْتَ رِدَاءَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبَا بِهِ فَاقْطَعَا يَدَهُ. فَقَالَ صَفْوَانُ: مَا كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ فِي رِدَائِي، فَقَالَ: لَوْلَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ. زَادَ النَّسَائِيُّ: فَقَطَعَهُ» . وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ: سَمَّاهُ خَمِيصَةً ثَمَنُهُ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا. اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُعَارِضُ مَا فِي الْأَصْلِ مِنْ قَوْلِهِ: قَدِمَ الْمَدِينَةَ، إِذِ الْقَضِيَّةُ لَا تَحْتَمِلُ التَّعَدُّدَ فَهُوَ إِمَّا وَهْمٌ مِنَ الْبَغَوِيِّ حَيْثُ خَالَفَ أَصْحَابَ السُّنَنِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَدِينَةِ الْمَدِينَةُ اللُّغَوِيَّةُ الشَّامِلَةُ بِمَكَّةَ.
стр. 5023
٣٦٠١ - وَعَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزْوِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا: " فِي السَّفَرِ ". بَدَلَ " الْغَزْوِ ".
стр. 5024
٣٦٠١ - (وَعَنْ بُسْرِ) بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ سِينٍ مُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ (بْنِ أَرْطَاةَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ كَذَا فِي النُّسَخِ بِغَيْرِ لَفْظِ أَبِي، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَاسْمُ أَبِي أَرْطَاةَ عُمَرُ الْعَامِرِيُّ الْقُرَشِيُّ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِصِغَرِهِ وَأَهْلُ الشَّامِ يُثْبِتُونَ إِلَيْهِ سَمَاعًا، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَتَيْنِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ خَرَفَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، مَاتَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ وَقِيلَ: زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. اهـ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمُغْنِي حَيْثُ قَالَ أَبُو أَرْطَاةَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزْوِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَا تُقْطَعُ أَيْدِي السَّارِقِ فِي الْغَزْوِ إِذَا كَانَ الْجَيْشُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ فِيهِمْ، وَإِنَّمَا يَتَوَلَّهُمْ أَمِيرُ الْجَيْشِ، وَإِنَّمَا يُقْطَعُ لِاحْتِمَالِ افْتِتَانِ الْمَقْطُوعِ بِاللُّحُوقِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ فَيُتْرَكُ إِلَى أَنْ يَنْفَصِلَ الْجَيْشُ وَقِيلَ أَيْ فِي مَالِ الْغَزْوِ أَيِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إِذْ لَهُ حَقٌّ فِيهَا، قَالَ الْمُظْهِرُ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أُسْقِطَ عِنْدَ الْحَدِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا، وَإِنَّمَا كَانَ أَمِيرًا وَصَاحِبَ جَيْشٍ وَأَمِيرُ الْجَيْشِ لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فِي مَذْهَبِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامًا أَوْ أَمِيرًا وَاسِعَ الْمَمْلَكَةِ كَصَاحِبِ الْعِرَاقِ أَوِ الشَّامِ أَوْ مِصْرَ فَإِنَّهُ يُقِيمُ الْحُدُودَ فِي عَسْكَرِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَقْطَعُ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ حَتَّى يَقْفِلَ مِنَ الدَّرْبِ، فَإِذَا قَفَلَ قَطَعَ، وَأَمَّا أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أَرْضِ الْحَرْبِ وَلَا غَيْرِهَا وَيَرَوْنَ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَهَا كَمَا يَرَوْنَ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ وَالْعِبَادَاتِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْحَرْبِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَلَعَلَّ الْأَوْزَاعِيَّ فِيهِ احْتِمَالُ افْتِتَانِ الْمَقْطُوعِ بِأَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ رَأَى أَنَّهُ إِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ وَالْأَمِيرُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْغَزْوِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الدَّفْعِ وَلَا يُغْنِي عَنَّا فَيُتْرَكُ إِلَى أَنْ يَقْفُلَ الْجَيْشُ، قَالَ الْقَاضِي: وَلَعَلَّهُ ﵊ أَرَادَ بِهِ الْمَنْعَ مِنَ الْقَطْعِ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمَغَانِمِ اهـ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُ، وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُحْرَزٌ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ قَبْلَ الْحَاجَةِ، وَلَنَا أَنَّهُ مَالُ الْعَامَّةِ وَهُوَ مِنْهُمْ، وَعَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ مِثْلَهُ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَالَ: أَرْسِلْهُ فَمَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ إِلَّا أَنَّهُمَا) أَيْ أَبَا دَاوُدَ وَالنَّسَائِيَّ قَالَ فِي السَّفَرِ بَدَلَ الْغَزْوِ) أَيْ عِوَضَ قَوْلِهِ فِي الْغَزْوِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: السَّفَرُ الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مُطْلَقٌ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ وَالضِّيَاءُ عَنْ بُسْرِ بْنِ أَبِي أَرْطَاةَ.
стр. 5025
٣٦٠٢ - وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي السَّارِقِ: إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٣٦٠٢ - (وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: إِنَّ اسْمَهُ كُنْيَتُهُ وَهُوَ كَثِيرُ الْحَدِيثِ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَابْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُمْ وَرَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الْمَشْهُورِينَ بِالْفِقْهِ فِي الْمَدِينَةِ وَمِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ رَوَى عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي السَّارِقِ) أَيْ فِي شَأْنِهِ أَوْ لِأَجْلِهِ (إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ) أَيِ الْيُمْنَى (ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ) أَيِ الْيُسْرَى قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: ثُمَّ الْقَطْعُ مِنَ الْكَعْبِ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفَعَلَ عُمَرُ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: وَالرَّوَافِضُ تَقْطَعُ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ مِنْ مَقْعَدِ الشِّرَاكِ ; لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقْطَعُ كَذَلِكَ، وَيَدَعُ لَهُ عَقِبًا يَمْشِي عَلَيْهِ (ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ) بِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: يُحْبَسُ بَعْدَ الثَّانِي لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْحَدِيثُ إِنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلَى التَّهْدِيدِ أَوِ السِّيَاسَةِ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السَّارِقَ إِذَا سَرَقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى ثُمَّ إِذَا سَرَقَ ثَانِيًا تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا سَرَقَ ثَالِثًا بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ إِذَا سَرَقَ رَابِعًا تُقْطَعُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ إِذَا سَرَقَ بَعْدُ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ سَرَقَ بَعْدَمَا قُطِعَتْ إِحْدَى يَدَيْهِ وَإِحْدَى رِجْلَيْهِ لَمْ يُقْطَعْ وَحُبِسَ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَفِي الْهِدَايَةِ: فَإِنْ سَرَقَ ثَالِثًا لَا يُقْطَعُ بَلْ يُعَزَّرُ وَيُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَتُوبَ أَوْ يَمُوتَ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ (رَوَاهُ) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ.
стр. 5026
٣٦٠٣ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطِعَ فَأُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ، فَقَتَلْنَاهُ ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ، وَرَمَيْنَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٣٦٠٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اقْطَعُوهُ) أَيْ يَدَهُ (فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ) أَيِ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ أَوِ الْمَجِيئَةَ الثَّانِيَةَ (فَقَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اقْطَعُوهُ، فَأُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَصْلُهُ فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَأُقِيمَ الْمَفْعُولُ مَقَامَ الْفَاعِلِ وَهُوَ ضَمِيرُ النَّبِيِّ ﷺ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ قَدْ أُقِيمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي جِيءَ بِهِ قُلْتُ: وَكَذَا فِي جِيءَ بِسَارِقٍ (فَقَالَ: اقْتُلُوهُ) قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: إِنْ صَحَّ هَذَا فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ فَقَدْ صَحَّ: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ. الْحَدِيثَ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ: لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ سِيَاسَةً، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ يُبِيحُ دَمَ السَّارِقِ إِنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ السَّرِقَةُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُبَاحَ دَمُهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَعْزِيرِ الْمُفْسِدِ وَيَفْعَلَ بِهِ مَا رَأَى مِنَ الْعُقُوبَةِ وَإِنْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ وَإِنْ رَأَى أَنْ يُقْتَلَ قُتِلَ وَيُعْزَى ذَلِكَ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالْحَدِيثُ إِنْ كَانَ ثَابِتًا فَهُوَ يُؤَيِّدُ هَذَا الرَّأْيَ. اهـ كَلَامُهُ وَقِيلَ: هَذَا مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ» . (فَانْطَلَقْنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ) مِنَ الْجَرِّ (فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ وَأَلْقَيْنَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قَتْلَهُ هَذَا لِلْإِهَانَةِ وَالصَّغَارِ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْمُسْلِمِ وَإِنِ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ فَإِنَّهُ قَدْ يُعَزَّرُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ وَتَطْهِيرِهِ فَلَعَلَّهُ يَرْتَدُّ وَوَقَفَ ﷺ عَلَى ارْتِدَادِهِ كَمَا فَعَلَ بِالْعُرَنِيِّينَ مِنَ الْمُثْلَةِ وَالْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ، وَلَعَلَّ الرَّجُلَ بَعْدَ الْقَطْعِ تَكَلَّمَ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ اهـ وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ مُسْتَحِلًّا لِلسَّرِقَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ قَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: اقْطَعُوهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: اقْطَعُوهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الْخَامِسَةَ قَالَ: اقْتُلُوهُ، قَالَ جَابِرٌ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَيْنَاهُ وَرَمَيْنَا عَلَيْهِ
стр. 5027
الْحِجَارَةَ» . قَالَ النَّسَائِيُّ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الْحَارِسِ بْنِ حَاطِبٍ اللَّخْمِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلِصٍّ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: اقْطَعُوهُ، ثُمَّ سَرَقَ فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى قُطِعَتْ قَوَائِمُهُ الْأَرْبَعَةُ كُلُّهَا ثُمَّ سَرَقَ الْخَامِسَةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ بِهَذَا حِينَ قَالَ اقْتُلُوهُ» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ وَرُوِيَ مُفَسَّرًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ أَيْ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﵊ قَالَ: «إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» . وَفِي سَنَدِهِ الْوَاقِدِيُّ وَهُنَا طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ لَمْ تَسْلَمْ مِنْ طَعْنٍ وَلِذَا طَعَنَ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ: تَتَبَّعْنَا هَذِهِ الْآثَارَ فَلَمْ نَجِدْ لِشَيْءٍ مِنْهَا أَصْلًا، وَفِي الْمَبْسُوطِ: غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِلَّا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي مُشَاوَرَةِ عَلِيٍّ وَلَئِنْ سَلِمَ يُحْمَلُ عَلَى الِانْتِسَاخِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ تَغْلِيظٌ فِي الْحُدُودِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ أَيْدِيَ الْعُرَنِيِّينَ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ انْتُسِخَ ذَلِكَ وَأَمَّا فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ فَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَمَنِ أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدِمَ فَنَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّ عَامِلَ الْيَمَنِ ظَلَمَهُ فَكَانَ يُصَلِّي فِي اللَّيْلِ وَيَبْكِي فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: مَا لِي لَكَ بِلَيْلٍ سَارِقٍ ثُمَّ أَنَّهُمْ فَقَدُوا عِقْدًا لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ امْرَأَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَطُوفُ مَعَهُمْ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِمَنْ بَيَّتَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ فَوَجَدُوا الْحُلِيَّ عِنْدَ صَائِغٍ زَعَمَ أَنَّ الْأَقْطَعَ جَاءَ بِهِ، فَاعْتَرَفَ الْأَقْطَعُ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَدُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ سَرِقَتِهِ.
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَجُلٌ أَقْطَعُ فَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ فِي سَرِقَةٍ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زَادَتْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُوَلِّينِي شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ فَخُنْتُهُ فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطَعَ يَدِي وَرِجْلِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَلَأُقِيدَنَّكَ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى فَقَدَ آلُ أَبِي بَكْرٍ حُلِيًّا لَهُمْ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَظْهِرْ مَنْ سَرَقَ آلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ قَالَ: فَمَا انْتَصَفَ النَّهَارُ حَتَّى عَثَرُوا عَلَى الْمَتَاعِ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: وَيْلَكَ إِنَّكَ لَقَلِيلُ الْعِلْمِ فَقَطَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ الثَّانِيَةَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي مُوَطَّئِهِ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَيُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ الَّذِي سَرَقَ عِقْدَ أَسْمَاءَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُمْنَى فَقَطَعَ أَبُو بَكْرٍ رِجْلَهُ الْيُسْرَى قَالَ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ أَعْلَمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِهِ، هَذَا وَقَدْ حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ الْعَزِيزِ ﵏ أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ كَقَوْلِنَا فِي الثَّالِثَةِ، وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ قَطَعْتُ يَدَهُ الْيُمْنَى وَإِنْ عَادَ قَطَعْتُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَإِنْ عَادَ ضَمَّنْتُهُ السِّجْنَ حَتَّى يُحْدِثَ خَيْرًا إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَدَعَهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا وَرِجْلٌ يَمْشِي عَلَيْهَا. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ لَا يَقْطَعُ إِلَّا الْيَدَ وَالرِّجْلَ وَإِنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ سَجَنَهُ وَيَقُولُ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ لَا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقْطَعَ يَدًا وَرِجْلًا فَإِذَا أُتِيَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ لَأَدَعُهُ لَا يَتَطَهَّرُ لِصَلَاتِهِ وَلَكِنِ احْبِسُوهُ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمَةَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَقَالَ: أَقْطَعُ يَدَهُ بِأَيِّ شَيْءٍ يَتَمَسَّحُ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ يَأْكُلُ، أَقْطَعُ رِجْلَهُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَمْشِي إِنِّي أَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ ثُمَّ ضَرَبَهُ وَخَلَّدَهُ فِي السِّجْنِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنِ السَّارِقِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِمِثْلِ قَوْلِ عَلِيٍّ وَأَخْرَجَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اسْتَشَارَهُمْ فِي سَارِقٍ فَأَجْمَعُوا عَلَى مِثْلِ قَوْلِ عَلِيٍّ، وَأَخْرَجَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: إِذَا سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ثُمَّ إِذَا عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، وَلَا تَقْطَعُوا يَدَهُ الْأُخْرَى وَفِّرُوهُ يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا وَلَكِنِ احْبِسُوهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَخْرَجَ عَنِ النَّخَعِيِّ كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُتْرَكُ ابْنُ آدَمَ مِثْلَ الْبَهِيمِ لَيْسَ لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا وَلَا يَسْتَنْجِي بِهَا،
стр. 5028
وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ ثَبَتَ ثُبُوتًا لَا مَرَدَّ لَهُ فَبَعِيدٌ أَنْ يَقَعَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ هَذِهِ الْحَادِثَةِ الَّتِي غَالِبًا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا مِثْلُ سَارِقٍ يَقْطَعُ ﷺ أَرْبَعَتَهُ ثُمَّ يَقْتُلُهُ أَوِ الصَّحَابَةُ يَجْتَمِعُونَ عَلَى قَتْلِهِ وَلَا خَبَرَ بِذَلِكَ عِنْدَ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ مِنَ الْأَصْحَابِ الْمُلَازِمِينَ بَلْ أَقَلُّ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ كَانَ يَنْقُلُ لَهُمْ إِنْ غَابُوا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وَبِذَلِكَ تَقْضِي الْعَادَةُ فَامْتِنَاعُ عَلِيٍّ بَعْدَ ذَلِكَ إِمَّا لِضَعْفِ الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْإِتْيَانِ عَلَى أَرْبَعَتِهِ وَإِمَّا لِعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حَدًّا مُسْتَمِرًّا بَلْ مَنْ رَأَى الْإِمَامُ قَتْلَهُ لِمَا شَاهَدَ فِيهِ مِنَ السَّعْيِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَبَعْضِ الطِّبَاعِ عَنِ الرُّجُوعِ فَلَهُ قَتْلُهُ سِيَاسَةً فَيَفْعَلُ ذَلِكَ الْقَتْلَ الْمَعْنَوِيَّ، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَبِهَذَا حَاجَّ عَلِيٌّ بَقِيَّةَ الصَّحَابَةِ، فَحَجَّهُمْ، فَانْعَقَدَ إِجْمَاعًا يُشِيرُ إِلَى مَا فِي تَنْقِيحِ ابْنِ عَبْدِ الْهَادِي قَالَ: سَعْدُ بْنُ مَنْصُورٍ ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَضَرْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُتِيَ بِرَجُلٍ مَقْطُوعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدْ سَرَقَ قَالَ لِصَاحِبِهِ: مَا تَرَوْنَ فِي هَذَا؟ قَالُوا: اقْطَعْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: قَتَلْتُهُ إِذًا وَمَا عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِأَيِّ شَيْءٍ يَأْكُلُ الطَّعَامَ بِأَيِّ شَيْءٍ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ بِأَيِّ شَيْءٍ يَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَتِهِ بِأَيِّ شَيْءٍ يَقُومُ عَلَى حَاجَتِهِ فَرَدَّهُ إِلَى السِّجْنِ أَيَّامًا ثُمَّ اسْتَخْرَجَهُ فَاسْتَشْارَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا مِثْلَ قَوْلِهِمُ الْأَوَّلِ، وَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَجَلَدَهُ جَلْدًا شَدِيدًا ثُمَّ أَرْسَلَهُ. وَقَالَ سَعِيدٌ أَيْضًا ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِأَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدْ سَرَقَ قَالَ: أَنْقَطَعُ يَدَهُ فَنَدَعُهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا أَوْ نَقْطَعُ رِجْلَهُ فَنَدَعُهُ لَيْسَ لَهُ قَاعِدَةٌ يَمْشِي عَلَيْهَا، إِمَّا أَنْ نُعَزِّرَهُ وَإِمَّا أَنْ نُودِعَهُ السِّجْنَ فَاسْتَوْدَعَهُ السِّجْنَ. وَهَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ لَا يُقَالُ: الْيَدُ الْيُسْرَى مَحَلٌّ لِلْقَطْعِ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا وَجَبَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ مِنْهُ عَلَى الْمُقَيِّدِ عَمَلًا بِالْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا مُرَادَهُ وَبَقِيَتِ الْيُمْنَى مُرَادَهُ وَالْأَمْرُ الْمَقْرُونُ بِالْوَصْفِ وَإِنْ تَكَرَّرَ بِتَكْرَارِ الْوَصْفِ لَكِنْ إِنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ أَمْكَنَ وَإِذَا انْتَقَى إِرَادَةُ الْيُسْرَى بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّقْيِيدِ انْتَفَى مَحَلِّيَّتُهَا لِلْقَطْعِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَكْرَارُهُ فَيَلْزَمُ مَعْنَى الْآيَةِ السَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَثَبَتَ قَطْعُ الرِّجْلِ فِي الثَّانِيَةِ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَانْتَفَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى الْعَدَمِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 5029
٣٦٠٤ - وَرُوِيَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِي قَطْعِ السَّارِقِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ» .
ــ
٣٦٠٤ - (وَرَوَى) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ (فِي قَطْعِ السَّارِقِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ» ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَمَّا دَلِيلُ الْحَسْمِ فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ ﵊ أُتِيَ بِسَارِقٍ سَرَقَ شَمْلَةً فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَخَالُهُ سَرَقَ، فَقَالَ السَّارِقُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ، ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ. فَقُطِعَ ثُمَّ حُسِمَ ثُمَّ أُتِيَ فَقَالَ: تُبْتُ إِلَى اللَّهِ قَالَ: تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ» . وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ وَكَذَا رَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي حُجَّتِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ مِنَ الْمِفْصَلِ ثُمَّ حَسَمَهُمْ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى أَيْدِيهِمْ كَأَنَّهَا أُيُورُ الْحُمُرِ، وَالْحَسْمُ الْكَيُّ لِيَنْقَطِعَ الدَّمُ، وَفِي الْمُغْرِبِ وَالْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ: هُوَ أَنْ يُغْمَسَ فِي الدُّهْنِ الَّذِي أُغْلِيَ، وَثَمَنُ الزَّيْتِ وَكُلْفَةُ الْحَسْمِ فِي بَيْتِ الْمَالِ عِنْدَهُمْ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي وَجْهٍ، وَعِنْدَنَا هُوَ عَلَى السَّارِقِ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ ; لِأَنَّ لَوْ لَمْ يُحْسَمْ يُؤَدِّي إِلَى التَّلَفِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ، وَالْمَنْقُولُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَا يَأْثَمُ.
стр. 5030
٣٦٠٥ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٦٠٥ - (وَعَنْ فَضَالَةَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ (بْنِ عُبَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ: أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ أُمِرَ بِهَا) أَيْ بِيَدِهِ (فَعُلِّقَتْ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مَجْهُولًا (فِي عُنُقِهِ) أَيْ لِيَكُونَ عِبْرَةً وَنَكَالًا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْمَنْقُولُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ يُسَنُّ تَعْلِيقُ يَدِهِ فِي عُنُقِهِ ; لِأَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِهِ، وَعِنْدَنَا ذَلِكَ مُطْلَقٌ لِلْإِمَامِ إِنْ رَآهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ﵊ فِي كُلِّ مَنْ قَطَعَهُ لِيَكُونَ سُنَّةً. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 5031
٣٦٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا سَرَقَ مَمْلُوكٌ فَبِعْهُ وَلَوْ بِنَشٍّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٦٠٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا سَرَقَ الْمَمْلُوكُ) أَيْ أَيَّ نَوْعٍ مِنَ السَّرِقَةِ شَرْعِيَّةً أَوْ عُرْفِيَّةً (فَبِعْهُ) أَيْ وَلَا تُمْسِكْهُ فَإِنَّهُ مَعْيُوبٌ مِنْ وَجْهَيْنِ (وَلَوْ بِنَشٍّ) بِفَتْحِ نُونٍ وَتَشْدِيدِ شِينٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا نِصْفِ أُوقِيَّةٍ وَالْمَعْنَى بِعْهُ وَلَوْ بِثَمَنٍ بَخْسٍ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالُوا: الْعَبْدُ إِذَا سَرَقَ قُطِعَ آبِقًا كَانَ أَوْ غَيْرَ آبِقٍ، يُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدًا لَهُ سَرَقَ وَكَانَ آبِقًا فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ لِيَقْطَعَ يَدَهُ، فَأَبَى سَعِيدٌ وَقَالَ: لَا تُقْطَعُ يَدُ الْآبِقِ إِذَا سَرَقَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فِي أَيِّ كِتَابٍ وَجَدْتَ هَذَا فَأَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَإِذَا سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ أَوِ الْعَبْدُ مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ زَوْجَةِ سَيِّدِهِ لَمْ يُقْطَعْ لِوُجُودِ الْآذِنِ فِي الدُّخُولِ عَادَةً فَاخْتَلَّ الْحِرْزُ وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أُتِيَ بِغُلَامٍ سَرَقَ مِرْآةً لِامْرَأَةِ سَيِّدِهِ، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ خَادِمِكُمْ يَسْرِقُ مَتَاعَكُمْ فَإِذَا لَمْ يُقْطَعْ خَادِمُ الزَّوْجِ فَالزَّوْجُ أَوْلَى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ
стр. 5032
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٦٠٧ - عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَارِقٍ فَقَطَعَهُ، فَقَالُوا: مَا كُنَّا نَرَاكَ تَبْلُغُ بِهِ هَذَا، قَالَ: لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُهَا» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٦٠٧ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُتِيَ) أَيْ جِيءَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَارِقٍ فَقَطَعَهُ) أَيْ أَمَرَ بِقَطْعِهِ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فَقُطِعَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَةً (قَالُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ مِنْ حِضَارِ الْمَجْلِسِ الْعَالِي أَوِ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِ (مَا كُنَّا نُرَاكَ) بِضَمِّ النُّونِ أَيْ نَظُنُّكَ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا مِنَ الرَّأْيِ (تَبْلُغُ بِهِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ تَوْصِيلَةٌ (هَذَا) أَيِ الْقَطْعُ (قَالَ: لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ) أَيْ لَوْ فُرِضَ كَوْنُ السَّارِقِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءَ (لَقَطَعْتُهَا) أَيْ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَتَسْوِيَةِ الْأُمَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِكَمَالِ الْعَدَالَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَا كُنَّا نَظُنُّكَ أَنْ تَقْطَعَهُ بَلْ تَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وَتَرْأَفُ بِهِ فَأَجَابَ إِنَّ هَذَا حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ عَلَيَّ إِمْضَاؤُهُ وَلَا يَسَعُ الْمُسَامَحَةُ فِيهِ وَلَوْ صَدَرَ ذَلِكَ عَنْ بِضْعَةٍ مِنِّي لَقَطَعْتُهَا وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّحَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
стр. 5033
٣٦٠٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بِغُلَامٍ لَهُ فَقَالَ: اقْطَعْ يَدَهُ فَإِنَّهُ سَرَقَ مِرْآةً لِامْرَأَتِي، فَقَالَ عُمَرُ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَهُوَ خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ. رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
٣٦٠٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بِغُلَامٍ) أَيْ عَبْدٍ (لَهُ فَقَالَ: اقْطَعْ يَدَهُ فَإِنَّهُ سَرَقَ مِرْآةً) بِكَسْرِ مِيمٍ وَسُكُونِ رَاءٍ وَهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ (لِامْرَأَتِي) أَيْ لِزَوْجَتِي، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَكَانَ ثَمَنُ الْمِرْآةِ سِتِّينَ دِرْهَمًا (فَقَالَ عُمَرُ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ هُوَ) وَفِي نُسْخَةٍ وَهُوَ (خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ رَوَاهُ مَالِكٌ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَوْ سَرَقَ الْمَوْلَى مِنْ مُكَاتَبِهِ لَا يُقْطَعُ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ لِلْمَوْلَى حَقًّا فِي إِكْسَابِهِ وَلِأَنَّ مَالَهُ مَوْقُوفٌ دَائِرٌ بَيْنَ السَّارِقِ وَغَيْرِهِ كَمَا إِذَا سَرَقَ أَحَدُ الْمُبْتَاعَيْنِ مَا شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ وَكَمَا لَا قَطْعَ عَلَى السَّيِّدِ لَا قَطْعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ إِذَا سَرَقَ مَالَ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ أَوْ مِنْ زَوْجَةِ سَيِّدِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ مَنْ عَدَا سَيِّدَهُ كَزَوْجَةِ سَيِّدِهِ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَتَقَدَّمَ أَثَرُ عُمَرَ وَهُوَ فِي السَّرِقَةِ مِنْ مَالِ زَوْجَةِ سَيِّدِهِ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ فَتُخَصُّ بِهِ الْآيَةُ وَالْحُكْمُ فِي الْمُدَبَّرِ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ السَّارِقُ مِنَ الْمَغْنَمِ لَا يُقْطَعُ ; لِأَنَّ لَهُ فِيهِ نَصِيبًا وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ رَدًّا وَتَعْلِيلًا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِي عَبِيدِ بْنِ الْأَبْرَصِ وَهُوَ يَزِيدُ عَنْ دِثَارٍ قَالَ: أُتِيَ عَلَيٌّ بِرَجُلٍ سَرَقَ مِنَ الْمَغْنَمِ فَقَالَ: لَهُ نَصِيبٌ وَهُوَ خَائِنٌ، فَلَمْ يَقْطَعْهُ وَكَانَ قَدْ سَرَقَ مِغْفَرًا. وَرَوَاهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ وَقِيلَ فِي الْبَابِ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ثَنَاهُ جِيَادَةُ بْنُ الْمُفْلِسِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْخُمُسِ سَرَقَ مِنَ الْخُمُسِ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَالُ اللَّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا» ، وَكَلَامُنَا فِيمَا سَرَقَهُ بَعْضُ مُسْتَحِقِّي الْغَنِيمَةِ. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
стр. 5034
٣٦٠٩ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا ذَرٍّ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ يَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْوَصِيفِ يَعْنِي الْقَبْرَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ.» قَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سَلْمَانَ: تُقْطَعُ يَدُ النَّبَّاشِ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْمَيْتِ بَيْتَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٦٠٩ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا ذَرٍّ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ) أَيْ أَجَبْتُ لَكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَطَلَبْتُ السَّعَادَةَ لِإِجَابَتِكَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةَ (قَالَ: كَيْفَ أَنْتَ) أَيْ كَيْفَ حَالُكَ وَمَالُكَ (إِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ) أَيْ وَبَاءٌ عَظِيمٌ (يَكُونُ الْبَيْتُ) أَيْ بَيْتُ الْمَوْتِ أَوِ الْمَيْتِ وَهُوَ الْقَبْرُ (فِيهِ) أَيْ فِي وَقْتِ إِصَابَتِهِ (بِالْوَصِيفِ) أَيْ بِمُقَابَلٍ بِهِ فِي النِّهَايَةِ الْوَصِيفُ الْعَبْدُ يُرِيدُ أَنَّهُ أَكْثَرَ الْمَوْتَ حَتَّى يَصِيرَ مَوْضِعَ قَبْرٍ يُشْتَرَى بِعَبْدٍ مِنْ كَثْرَةِ الْمَوْتَى وَقَبْرُ الْمَيْتِ بَيْتُهُ (يَعْنِي) أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ (الْقَبْرَ) وَهُوَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مِنْ أَبِي ذَرٍّ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الرُّوَاةِ (قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) أَيْ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] الْآيَةَ (قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ) أَيِ الْزَمِ الصَّبْرَ فِي جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَمْرُ، فَإِنَّ الصَّابِرَ عَلَى دِينِهِ حِينَئِذٍ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْفِتْنَةَ تَعُمُّ الدِّينَ وَالْبَدَنَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (قَالَ حَمَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ: تُقْطَعُ يَدُ النَّبَّاشِ) أَيْ نَبَّاشُ الْقُبُورِ لِأَخْذِ الْكَفَنِ (لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْمَيْتِ بَيْتَهُ) بِالْجَرِّ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْمَيِّتِ وَمَنْصُوبًا عَلَى التَّفْسِيرِ وَالتَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي. اه وَجَوَازُ كَوْنِ التَّمْيِيزِ نَكِرَةً مَذْهَبُ بَعْضِ النُّحَاةِ قَالَ: وَاسْتَدَلَّ حَمَّادٌ بِتَسْمِيَتِهِ الْقَبْرَ الْبَيْتَ عَلَى أَنَّ الْقَبْرَ حِرْزٌ لِلْمَيْتِ فَتُقْطَعُ يَدُ النَّبَّاشِ. اه. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ إِطْلَاقِ الْيَدِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَوْنُهُ حِرْزًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَابٌ مُغْلَقٌ أَوْ حَارِسٌ لَمْ يُقْطَعْ بِلَا خِلَافٍ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالُ: حُرِّزَ كُلُّ شَيْءٍ بِحَسَبِ مَا يَعُدُّهُ الْعُرْفُ حِرْزًا، وَلِذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَطْعِهِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا قَطْعَ عَلَى نَبَّاشٍ وَهُوَ الَّذِي يَسْرِقُ أَكْفَانَ الْمَوْتَى بَعْدَ الدَّفْنِ، هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَبَاقِي الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ: عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ أَبُو ثَوْرٍ وَالْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالزَّهْرِيُّ لَهُمْ قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ نَبَشَ قَطَعْنَاهُ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَصَرَّحَ بِضَعْفِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَفِي سَنَدِهِ مَنْ يُجْهَلُ حَالُهُ كَبِشْرِ بْنِ حَازِمٍ وَغَيْرِهِ وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: لَا قَطْعَ فِي الْمُخْتَفِي، قَالَ: وَهُوَ النَّبَّاشُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيْ بِعُرْفِهِمْ وَأَمَّا الْآثَارُ فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَطَعَ نَبَّاشًا وَهُوَ ضَعِيفٌ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ ثُمَّ أَعَلَّهُ بِسُهَيْلِ بْنِ ذَكْوَانَ الْمَكِّيِّ قَالَ عَطَاءٌ: كُنَّا نَتَّهِمُهُ بِالْكَذِبِ وَيُمَاثِلُهُ أَيْ فِي الضَّعْفِ أَثَرٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَفِيهِ مَجْهُولٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَقِيتُهُ بِمِنًى عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْسَ عَلَى النَّبَّاشِ قَطْعٌ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِيُّ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ وَجَدَ قَوْمَا يَخْتَفُونَ الْقُبُورَ بِالْيَمَنِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَتَبَ فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ عُمَرُ أَنِ اقْطَعْ أَيْدِيَهُمْ، فَأَحْسَنُ مِنْهُ بِلَا شَكٍّ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أُتِيَ مَرْوَانُ بِقَوْمٍ يَخْتَفُونَ أَيْ يَنْبُشُونَ الْقُبُورَ فَضَرَبَهُمْ وَنَفَاهُمْ وَالصَّحَابَةُ يَتَوَافَرُونَ. اه وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ بِهِ وَزَادَ: وَطَوَّفَ بِهِمْ. وَكَذَا أَحْسَنُ مِنْهُ بِلَا شَكٍّ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا حَفْصُ بْنُ أَشْعَثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أُخِذَ نَبَّاشِيٌّ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ فَسَأَلَ مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ فَأَجْمَعَ رَأْيَهُمْ عَلَى أَنْ يُضْرَبَ وَيُطَافَ بِهِ. اه فَحِينَئِذٍ فَلَا يُشَكُّ فِي تَرْجِيحِ مَذْهَبِنَا مِنْ جِهَةِ الْآثَارِ قُلْتُ: فَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ قَطْعِ نَبَّاشٍ يُحْمَلُ عَلَى السِّيَاسَةِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مِنَ السَّاعِي فِي الْفَسَادِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْعِبَادِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5035
[بَابُ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ]
стр. 5036
بَابُ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٦١٠ - عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ، فَكَلَّمُوهُ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهَا ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.
ــ
بَابُ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٦١٠ - (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ) أَيْ أَحْزَنَهُمْ وَأَوْقَعَهُمْ فِي الْهَمِّ (شَأْنُ الْمَرْأَةِ) قَالَ: التُّورِبِشْتِيُّ يُقَالُ: أَهَمَّنِي الْأَمْرُ إِذَا أَقْلَقَكَ وَأَحْزَنَكَ (الْمَخْزُومِيَّةِ) أَيِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى بَنِي مَخْزُومٍ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ أَبُو جَهْلٍ وَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بِنْتُ أَخِي أَبِي سَلَمَةَ (الَّتِي سَرَقَتْ) أَيْ وَكَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ أَيْضًا وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا (فَقَالُوا) أَيْ قَوْمُهَا (مَنْ يُكَلِّمُ) أَيْ بِالشَّفَاعَةِ (فِيهَا) أَيْ فِي شَأْنِهَا (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الْحُدُودَ تَنْدَرِئُ بِالشَّفَاعَةِ كَمَا أَنَّهَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ (فَقَالُوا) وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالُوا أَيْ بَعْضٌ مِنْهُمْ (وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ مَحْبُوبُهُ وَهُوَ بِالرَّفْعِ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ بَدَلٌ مِنْ أُسَامَةَ قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ وَمَنْ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ لَا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ مِنَّا أَحَدٌ لِمَهَابَتِهِ وَلِمَا لَا يَأْخُذُهُ فِي دِينِ اللَّهِ رَأْفَةٌ وَمَا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ. اه وَالْأَظْهَرُ أَنَّ (مَنْ) اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ يُعْطِي مَعْنَى النَّفْيِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ فَالْمَعْنَى: لَا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى يَجْتَرِئُ يَتَجَاسَرُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْإِذْلَالِ وَهَذِهِ مَنَقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأُسَامَةَ (فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ) أَيْ فَكَلَّمُوا أُسَامَةَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ كُلَّ شَفَاعَةٍ حَسَنَةٍ مَقْبُولَةٌ وَذُهُولًا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ) الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّوْبِيخِ (ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ) أَيْ بَالَغَ فِي خُطْبَتِهِ أَوْ أَظْهَرَ خُطْبَتَهُ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ أَيْ خَطَبَ (ثُمَّ قَالَ) أَيْ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَتِهِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِ حَمْدِهِ وَثَنَاءِ رَبِّهِ (إِنَّمَا أَهْلَكَ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (الَّذِينَ قَبْلَكُمْ) يَحْتَمِلُ كُلَّهُمْ أَوْ بَعْضَهُمْ (أَنَّهُمْ كَانُوا) أَيْ كَوْنُهُمْ إِذَا سَرَقَ إِلَخْ أَوْ مَا أَهْلَكَهُمْ إِلَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا وَالْحَصْرُ ادِّعَائِيٌّ إِذْ كَانَتْ فِيهِمْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا (إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ) أَيِ الْقَوِيُّ (تَرَكُوهُ) أَيْ بِلَا إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ (وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ) أَيِ الْقَطْعَ أَوْ غَيْرَهُ (وَايْمُ اللَّهِ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَسُكُونِ يَاءٍ وَضَمِّ مِيمٍ وَبِكَسْرٍ وَبِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَيُكْسَرُ فَفِي الْقَامُوسِ: وَايْمَنُ اللَّهِ وَايْمُ اللَّهِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا وَايْمُ اللَّهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ وَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ لِلْقَسَمِ وَالتَّقْدِيرُ ايْمُنُ اللَّهِ قَسَمِي، وَفِي النِّهَايَةِ: وَايْمُ اللَّهِ مِنْ أَلْفَاظِ الْقَسَمِ وَفِي هَمْزِهَا الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ وَالْقَطْعُ وَالْوَصْلُ وَفِي شَرْحِ الْجَزَرِيَّةِ لِابْنِ الْمُصَنِّفِ: الْأَصْلُ فِيهَا الْكَسْرُ ; لِأَنَّهَا هَمْزَةُ وَصْلٍ لِسُقُوطِهَا، وَإِنَّمَا فُتِحَتْ فِي هَذَا الِاسْمِ ; لِأَنَّهُ نَابَ مَنَابَ حَرْفِ الْقَسَمِ، وَهُوَ الْوَاوُ فَفُتِحَتْ لِفَتْحِهَا وَهُوَ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مُفْرَدٌ وَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ مِنَ الْيُمْنِ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَرَكَةُ اللَّهِ قَسَمِي وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ جَمْعُ يَمِينٍ وَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ قَطْعٍ وَإِنَّمَا سَقَطَتْ فِي الْوَصْلِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَفِي الْمَشَارِقِ لِعِيَاضٍ وَايْمُ اللَّهِ بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَوَصْلِهَا أَصْلُهُ ايْمَنُ فَلَمَّا كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ حَذَفُوا النُّونَ فَقَالُوا: ايْمُ اللَّهِ وَقَالُوا: امُ اللَّهِ وَمُ اللَّهِ. اه وَفِيهِ لُغَاتٌ كَثِيرَةٌ ذُكِرَتْ فِي الْقَامُوسِ (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا) إِنَّمَا ضَرْبَ الْمَثَلَ بِفَاطِمَةَ ; لِأَنَّهَا أَعَزُّ أَهْلِهِ ﷺ . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
стр. 5037
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةُ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ) وَإِنَّمَا ذُكِرَتِ الْجُحُودُ لِتَعْرِيفِهَا وَإِلَّا فَالْقَطْعُ كَانَ لِسَرِقَتِهَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فَالتَّقْدِيرُ فَسَرَقَتْ (فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ فَكَلَّمُوهُ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهَا ثُمَّ ذَكَرَ) أَيْ مُسْلِمٌ أَوِ الرَّاوِي عَنْ عَائِشَةَ (بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهَا قُطِعَتْ بِالسَّرِقَةِ وَإِنَّمَا ذُكِرَتِ الْعَارِيَةُ تَعْرِيفًا لَهَا وَوَصْفًا لَا لِأَنَّهَا سَبَبُ الْقَطْعِ وَإِنَّمَا لَمْ تُذْكَرِ السَّرِقَةُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا عِنْدَ الرَّاوِي ذِكْرُ مَنْعِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ لَا الْإِخْبَارُ عَنِ السَّرِقَةِ قَالَ الْجُمْهُورُ: لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ جَحَدَ الْعَارِيَةَ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: يَجِبُ الْقَطْعُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ إِلَى الْإِمَامِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَعَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّشْفِيعُ فِيهِ فَأَمَّا قَبْلَ الْبُلُوغِ فَقَدْ أَجَازَ فِيهَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَشْفُوعُ فِيهِ صَاحِبَ شَرٍّ وَأَذًى لِلنَّاسِ وَأَمَّا الْمَعَاصِي الَّتِي يَجِبُ فِيهَا التَّعْزِيرُ فَيَجُوزُ الشَّفَاعَةُ وَالتَّشْفِيعُ فِيهَا سَوَاءٌ بَلَغَتِ الْإِمَامَ أَمْ لَا لِأَنَّهَا أَهْوَنُ بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَشْفُوعُ فِيهِ صَاحِبَ أَذًى.
стр. 5038
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٦١١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدَ ضَادَّ اللَّهَ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سُخْطِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَنْزِعَ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: «مَنْ أَعَانَ خُصُومَةً لَا يَدْرِي أَحَقٌّ أَمْ بَاطِلٌ فَهُوَ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ» .
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٦١١ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ حَالَتْ) مِنَ الْحَيْلُولَةِ أَيْ حَجَبَتْ (شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ) أَيْ عِنْدَهُ وَالْمَعْنَى مَنْ مَنَعَ بِشَفَاعَتِهِ حَدًّا (مِنْ حُدُودِ اللَّهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ قُدَّامَ حَدٍّ فَيَحْجِزُ عَنِ الْحَدِّ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ بِأَنْ بَلَغَ الْإِمَامَ (فَقَدَ ضَادَّ اللَّهَ) أَيْ خَالَفَ أَمْرَهُ ; لِأَنَّ أَمْرَهُ إِقَامَةُ الْحُدُودِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا قَالَ: فَقَدَ ضَادَّ اللَّهَ ; لِأَنَّ حُدُودَ اللَّهِ حِمَاهُ وَمَنِ اسْتَبَاحَ حِمَى اللَّهِ تَعَدَّى طَوْرَهُ وَمَنْ نَازَعَ اللَّهَ تَعَالَى فِيمَا حَمَا فَقَدَ ضَادَّ اللَّهَ (وَمَنْ خَاصَمَ) أَيْ جَادَلَ أَحَدًا (فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ) أَيْ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ أَوْ يَعْلَمُ نَفْسَهُ أَنَّهُ عَلَى بَاطِلٍ أَوْ يَعْلَمُ أَنَّ خَصْمَهُ عَلَى حَقٍّ أَوْ يَعْلَمُ الْبَاطِلَ أَيْ ضِدَّهُ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ وَيُصِرُّ عَلَيْهِ (لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَنْزِعَ) أَيْ يَتْرُكَ وَيَنْتَهِيَ عَنْ مُخَاصَمَتِهِ يُقَالُ: نَزَعَ عَنِ الْأَمْرِ نُزُوعًا إِذَا انْتَهَى عَنْهُ (وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ) أَيْ مِنَ الْمَسَاوِئِ (أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ) بِسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَيُفْتَحُ وَالْخَبَالُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الرَّدْغَةُ بِسُكُونِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَرَوْنَهُ بِالسُّكُونِ لَا غَيْرُ، وَفِي النِّهَايَةِ جَاءَ تَفْسِيرُهَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ وَالرَّدْغَةُ بِسُكُونِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا طِينٌ وَوَحْلٌ كَثِيرٌ وَالْخَبَالُ فِي الْأَصْلِ الْفَسَادُ وَيَكُونُ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَبْدَانِ وَالْعُقُولِ اه. قِيلَ: سُمِّيَ بِهِ الصَّدِيدُ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ وَقِيلَ: الْخَبَالُ مَوْضِعٌ فِي جَهَنَّمَ مِثْلُ الْحِيَاضِ يَجْتَمِعُ فِيهِ صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ وَعُصَارَتُهُمْ (حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ) أَيْ مِنْ عُهْدَتِهِ بِاسْتِيفَاءِ عُقُوبَتِهِ أَوْ بِاسْتِدْرَاكِ شَفَاعَتِهِ أَوْ بِاسْتِيفَاءِ مَغْفِرَتِهِ قَالَ الْقَاضِي: وَخُرُوجُهُ مِمَّا قَالَ أَنْ يَتُوبَ عَنْهُ وَيَسْتَحِلَّ مِنَ الْمَقُولِ فِيهِ، وَقَالَ الْأَشْرَفُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إِثْمِ مَا قَالَ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ إِثْمِهِ أَيْ إِذَا اسْتَوْفَى عُقُوبَةَ إِثْمِهِ لَمْ يُسْكِنْهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ بَلْ يُنْجِيهِ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، وَيَتْرُكُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي غَايَةُ فِعْلِ الْمُغْتَابِ فَيَكُونُ فِي الدُّنْيَا فَيَجِبُ التَّأْوِيلُ فِي قَوْلِهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ بِسُخْطِهِ وَغَضَبِهِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ فِي إِسْكَانِهِ رَدْغَةَ الْخَبَالِ وَيُؤَيِّدُهُ الْقَرِينَةُ السَّابِقَةُ وَاللَّاحِقَةُ ; لِأَنَّ النَّزْعَ فِي الْقَرِينَةِ الْأُولَى مُفَسَّرٌ بِتَرْكِ الْخُصُومَةِ الْبَاطِلَةِ وَعَلَى هَذَا فِي الثَّالِثَةِ وَالْحَيْلُولَةُ بِالشَّفَاعَةِ أَعْظَمُهَا ; لِأَنَّهُ مُضَادَّةُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا النَّزْعَ قُلْتُ: لِأَنَّ الْحَيْلُولَةَ لَيْسَتْ مُسْتَمِرَّةً فِي الْعَادَةِ بِخِلَافِ الْبَقِيَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ تَقْيِيدُهُ بِحَدٍّ قَالَ: ثُمَّ الِاغْتِيَابُ بِوَضْعِ الْمُسَبَّبِ مَوْضِعَ السَّبَبِ تَصْوِيرٌ لِتَهْجِينِ أَمْرِ الْمُغْتَابِ وَكَأَنَّهُ فِيهَا الْآنَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ اه وَفِيهِ أَنَّ الْغَيْبَةَ أَنْ تَذْكُرَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُهُ وَهُوَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ بُهْتَانٌ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ لَا يَكُونُ مُغْتَابًا بَلْ يَكُونُ آتِيًا بِالْبُهْتَانِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ (فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مَنْ أَعَانَ) أَيْ تَعَصُّبًا أَوْ عَبَثًا (عَلَى خُصُومَةٍ لَا يَدْرِي أَحَقٌّ) أَيْ هِيَ (أَمْ بَاطِلٌ فَهُوَ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ) .
стр. 5039
٣٦١٢ - وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلِصٍّ قَدِ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَخَالُكَ سَرَقْتَ، قَالَ: بَلَى. فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَعْتَرِفُ فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ وَجِيءَ بِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ. ثَلَاثًا» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ هَكَذَا وَجَدْتُ فِي الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ وَجَامِعِ الْأُصُولِ.
ــ
٣٦١٢ - (وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ) قِيلَ: لَا يُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ (الْمَخْزُومِيِّ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: صَحَابِيٌّ عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ رَوَى عَنْهُ أَبُو الْمُنْذِرِ مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلُصٍّ) بِضَمِّ اللَّامِ وَيُكْسَرُ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي الْقَامُوسِ مُثَلَّثُ اللَّامِ أَيْ جِيءَ بِسَارِقٍ (قَدْ) وَفِي نُسْخَةٍ فَقَدِ (اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا) أَيْ أَقَرَّ إِقْرَارًا صَرِيحًا (وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ) أَيْ مِنَ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا إِخَالُكَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ هُوَ الْأَفْصَحُ وَأَصْلُهُ الْفَتْحُ قُلِبَتِ الْفَتْحَةُ بِالْكَسْرَةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَلَا يَفْتَحُ هَمْزَتَهَا إِلَّا بَنُو أَسَدٍ، فَإِنَّهُمْ يُجْرُونَهَا عَلَى الْقِيَاسِ وَهُوَ مِنْ خَالَ يَخَالُ أَيْ مَا أَظُنُّكَ (سَرَقْتَ) قَالَهُ دَرَأً لِلْقَطْعِ (قَالَ: بَلَى) أَيْ سَرَقْتُ (فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (كُلَّ ذَلِكَ) بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ وَلَا وَجْهَ لَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كُلَّ ذَلِكَ ظَرْفُ يَعْتَرِفُ قُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ وَالْمَعْنَى (يَعْتَرِفُ) فِي كُلٍّ مِنْ تِلْكَ الْمَرَّاتِ وَذَكَرَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ وَعَامِلُهُ فَأَعَادَ (فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ وَجِيءَ بِهِ) أَيِ السَّارِقُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ) أَيِ اطْلُبْ مَغْفِرَةَ اللَّهِ بِاللِّسَانِ (وَتُبْ إِلَيْهِ) أَيِ ارْجِعْ إِلَى اللَّهِ بِالْجَنَانِ (فَقَالَ) أَيِ السَّارِقُ (أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ ثَلَاثًا) أَيِ اقْبَلْ تَوْبَتَهُ أَوْ ثَبِّتْهُ عَلَيْهَا، وَهَذَا مِنْهُ ﷺ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ لَيْسَ مُطَهِّرًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِالْكُلِّيَّةِ مَعَ فَسَادِ الطَّوِيَّةِ وَإِنَّمَا هُوَ مُطَهِّرٌ لَعَيْنِ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَلَا عِقَابَ عَلَيْهِ ثَانِيًا مِنْ جِهَةِ الرَّبِّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَمْرُ بِالِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ الْقَطْعِ وَتَكْرِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا لِتَوْبَتِهِ. اه وَمَا فِيهِ لَا يَخْفَى قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَا يُسْتَشْهَدُ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْرِضَ لِلسَّارِقِ بِالرُّجُوعِ وَأَنَّهُ إِنْ رَجَعَ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ قُبِلَ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ كَمَا فِي الزِّنَا وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ الْمَحْكِيَّيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَلِمَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّرِقَةَ لَا تَثْبُتُ بِإِقْرَارٍ مَرَّةً وَاحِدَةً كَأَحْمَدَ وَأَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ الْأَوَّلِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ إِقَامَةُ الْحَدِّ وَيَحْرُمُ تَلْقِينُهُ بِالرُّجُوعِ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «تَعَافَوْا بِالْحُدُودِ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدَ وَجَبَ» . وَجَوَابُهُ أَنَّهُ ﵊ إِنَّمَا لَقَّنَهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ لَهُ مَخْرَجًا عَنْهُ بِالرُّجُوعِ وَقَدْ قَالَ ﷺ : «ادْرَءوُا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ» . وَإِنَّمَا يَجِبُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَجْهُ قَوْلِهِ ﵊ مَا أَخَالُكَ سَرَقْتَ عِنْدِي أَنَّهُ ظَنَّ بِالْمُعْتَرِفِ غَفْلَةً عَنِ السَّرِقَةِ وَأَحْكَامِهَا أَوْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهَا فَأَحَبَّ أَنْ يَسْتَبِينَ ذَلِكَ مِنْهُ يَقِينًا وَقَدْ نَقَلَ تَلْقِينَ السَّارِقِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. اه وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ إِلَّا إِعَادَةُ الْإِقْرَارِ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ اسْتِبَانَةُ أَمْرِ السَّرِقَةِ وَأَحْكَامِهَا لَا ظَنًّا وَلَا يَقِينًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنَّ مَا ظَنَّ لَمَّا اعْتَرَفَ الرَّجُلُ ذَلِكَ الِاعْتِرَافَ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ مَا فَإِنَّ هَذِهِ الْأَمَارَةَ كَافِيَةٌ فِي الظَّنِّ بِالْخَيْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ اه. وَفِيهِ أَنَّ ظَنَّ الْخَيْرِ بِالْمُسْلِمِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَمَارَةٍ مَعَ أَنَّ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَكْذِبُ خُصُوصًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَوْلُهُ وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ إِمَّا وَقَعَ اتِّفَاقًا أَوِ احْتِرَازًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ مَتَاعٌ مِنَ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ لَمَا لَقَّنَهُ لِئَلَّا يَفُوَتَ مَالُ الْمَظْلُومِ وَلِهَذَا مَنْ أَقَرَّ بِمَالٍ عِنْدَهُ أَوْ دَيْنٍ عَلَيْهِ فَلَا يُسَنُّ التَّلْقِينُ لَهُ كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى إِعَادَةِ الِاعْتِرَافِ الْأَوَّلِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَيَجِبُ الْقَطْعُ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُقْطَعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَزُفَرَ وَابْنِ شُبْرُمَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ لَمْ يَقْطَعْهُ إِلَّا بَعْدَ تَكْرَارِ إِقْرَارِهِ وَلَمَّا أَسْنَدَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِسَرِقَةٍ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ: قَدْ شَهِدْتَ عَلَى نَفْسِكَ شَهَادَتَيْنِ فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ فَعَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا أَسْنَدَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا سَرَقَ فَقَالَ: مَا أَخَالُهُ سَرَقَ، فَقَالَ السَّارِقُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ قَالَ: فَذَهَبَ بِهِ فَقُطِعَ ثُمَّ حُسِمَ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَقَالَ: تُبْ إِلَى اللَّهِ فَقَالَ: تُبْتُ إِلَى اللَّهِ فَقَالَ: تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ» فَقَدْ قَطَعَهُ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً اه. وَفِيهِ أَنَّهُ وَقَعَ حِينَئِذٍ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَيُحْتَاجُ إِلَى التَّصْحِيحِ وَالتَّرْجِيحِ فَالْأَوْلَى حَمَلُ الْحَدِيثِ السَّابِقِ عَلَى أَنَّ اعْتِرَافَهُ الْأَوَّلَ كَانَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ الصَّحَابَةُ بِنَاءً عَلَى اعْتِرَافِهِ عِنْدَهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا سَرَقَ لَا أَنَّهُمْ شَهِدُوا وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَيُرْفَعُ التَّنَاقُضُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ فَمَآلُهُمَا وَاحِدٌ فِي أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْإِقْرَارِ الْمُتَعَدِّدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ) أَيِ الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ (أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ هَكَذَا) أَيْ مِثْلَ مَا ذَكَرْتُ مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ لَا عَنْ أَبِي رِمْثَةَ (وَجَدْتُ فِي الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ) أَيِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيِّ (وَجَامِعِ الْأُصُولِ) أَيْ وَفِي جَامِعِ أُصُولِ السُّنَّةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ.
стр. 5040
٣٦١٣ - وَشُعَبُ الْإِيمَانِ وَمَعَالِمُ السُّنَنِ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ بِالرَّاءِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ.
ــ
٣٦١٣ - (وَشُعَبُ الْإِيمَانِ) أَيِ الْبَيْهَقِيُّ (وَمَعَالِمُ السُّنَنِ) أَيْ لِلْخَطَّابِيِّ (عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ) بِالتَّصْغِيرِ (وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ بِالرَّاءِ) أَيِ الْمَكْسُورَةِ قَبْلَ مِيمٍ سَاكِنَةٍ (وَالثَّاءُ الْمُثَلَّثَةُ بَدَلُ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ) أَيْ فِي صُورَةِ الْخَطِّ مَا قَطَعَ النَّظَرَ عَنِ الشَّكْلِ وَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ الْمُؤَلِّفُ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْتِزَامِهِ وَفِيهِ أَنَّهُ بَقِيَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَصْلِ الْبَابِ الْمُهِمِّ عِلْمُهُ فِي الْكِتَابِ مَا وَرَدَ فِي رَدِّ الْمَسْرُوقِ عِنْدَ وُجُودِهِ وَضَمَانِ السَّارِقِ عِنْدَ فَقْدِهِ بَعْدَ قَطْعِهِ وَأَنَا أَذْكُرُ لَكَ الْمَسْأَلَةَ وَاخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا مَعَ الْأَدِلَّةِ فَفِي الْهِدَايَةِ: وَإِذَا قُطِعَ السَّارِقُ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ فِي يَدِهِ رُدَّتْ عَلَى صَاحِبِهَا لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً لَمْ تُضْمَنْ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهَذَا الْإِطْلَاقُ يَشْمَلُ الْهَلَاكَ وَالِاسْتِهْلَاكَ ; لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُضْمَنْ بِالِاسْتِهْلَاكِ وَلَهُ فِيهِ جِنَايَةٌ ثَابِتَةٌ فَلِأَنْ لَا يُضْمَنَ بِالْهَلَاكِ وَلَا جِنَايَةَ أُخْرَى لَهُ فِيهِ أَوْلَى وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَمَكْحُولٌ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ سِيرِينَ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ يُضْمَنُ فِي الِاسْتِهْلَاكِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُضْمَنُ فِيهِمَا أَيْ فِي الْهَلَاكِ وَالِاسْتِهْلَاكِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَاللَّيْثِ وَإِسْحَاقَ وَحَمَّادٍ وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ السَّارِقُ مُوسِرًا ضُمِّنَ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ، وَلَا خِلَافَ إِنْ كَانَ بَاقِيًا أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى الْمَالِكِ وَكَذَا إِذَا بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ يُؤْخَذُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْقَطْعِ وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ قَبْلَهُ: أَنَا أَضْمَنُهُ لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَنَا فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ رُجُوعَهُ عَنْ دَعْوَى السَّرِقَةِ إِلَى دَعْوَى الْمَالِ وَجْهُ قَوْلِهِمْ عُمُومُ ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَعَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مَمْلُوكًا عُدْوَانِيًّا فَيَضْمَنُهُ قِيَاسًا عَلَى الْغَصْبِ وَالْمَانِعُ إِنَّمَا هُوَ الْمُنَافَاةُ بَيْنَ حَقَّيِ الْقَطْعِ وَالضَّمَانِ وَلَا مُنَافَاةَ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَحَدُهُمَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ هَذِهِ الْجِنَايَةِ الْخَاصَّةِ وَالْآخَرُ حَقُّ الضَّرَرِ فَيُقْطَعُ حَقُّ اللَّهِ وَيُضْمَنُ حَقُّ الْعَبْدِ وَصَارَ كَاسْتِهْلَاكِ صَيْدٍ مَمْلُوكٍ فِي الْحَرَمِ يَجِبُ الْجَزَاءُ حَقًّا لِلَّهِ وَيَضْمَنُهُ حَقًّا لِلْعَبْدِ، وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ فِيمَا رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ أَخِيهِ الْمِسْوَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَغْرَمُ صَاحِبُ سَرِقَةٍ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ» ، وَلَفْظُ الدَّارَقُطْنِيِّ: «لَا غُرْمَ عَلَى السَّارِقِ بَعْدَ قَطْعِ يَمِينِهِ وَضَعْفٍ» فَإِنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَلْقَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَهُوَ جَدُّهُ فَإِنَّهُ الْمِسْوَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مَجْهُولٌ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ آخَرُ فَإِنَّ إِسْحَاقَ بْنَ الْفُرَاتِ رَوَاهُ عَنِ الْمُفَضَّلِ فَأَدْخَلَ بَيْنَ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَسَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيَّ، وَقَالَ الْمُنْذِرُ: سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هَذَا مَجْهُولٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الزُّهْرِيُّ قَاضِي الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ وَعِنْدَنَا الْإِرْسَالُ غَيْرُ قَادِحٍ بَعْدَ ثِقَةِ الرَّاوِي وَأَمَانَتِهِ، وَذَلِكَ السَّاقِطُ إِنْ كَانَ قَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ الزُّهْرِيُّ فَقَدْ عُرِفَ وَبَطَلَ الْقَدَحُ بِهِ وَمَا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: أَنَّهُ يَحْمِلُ غُرْمَ السَّارِقِ عَلَى أُجْرَةِ الْقَاطِعِ مَدْفُوعٌ بِرِوَايَةِ الْبَزَّارِ، لَا يَضْمَنُ السَّارِقُ سَرِقَتَهُ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَفِي الْمَبْسُوطِ رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنِ السَّارِقِ قَضَاءً لِتَعَذُّرِ الْحُكْمِ بِالْمُمَاثَلَةِ وَأَمَّا دِيَانَةً فَيُفْتَى بِالضَّمَانِ لِلُحُوقِ الْخُسْرَانِ وَالنُّقْصَانِ لِلْمَالِكِ مِنْ جِهَةِ السَّارِقِ وَفِي الْإِيضَاحِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَحِلُّ لِلسَّارِقِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ; لِأَنَّ الثَّوْبَ عَلَى مِلْكِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ كَذَا لَوْ خَاطَ قَمِيصًا لَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِوَجْهٍ مَحْظُورٍ وَقَدْ تَقَرَّرَ إِيجَابُ الْقَضَاءِ بِهِ كَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَأَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لَمْ يَلْزَمْهُ الرَّدُّ قَضَاءً، وَيَلْزَمْهُ دِيَانَةً كَالْبَاغِي إِذَا أَتْلَفَ مَالَ الْعَادِلِ ثُمَّ تَابَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ لِتَعَذُّرِ إِيجَابِ الضَّمَانِ بِعَارِضٍ ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ، وَأَمَّا دِيَانَةً فَيُعْتَبَرُ قَضِيَّةَ السَّبَبِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْخَمْرُ سَتْرُ الشَّيْءِ وَيُقَالُ لِمَا يَسْتُرُ بِهِ خِمَارٌ وَالْخَمْرُ سُمِّيَ بِهِ لِكَوْنِهِ خَامِرًا لِمَقَرِّ الْعَقْلِ وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ اسْمٌ لِكُلِّ مُسْكِرٍ وَعِنْدَ بَعْضِهِمُ اسْمٌ لِلْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ اه. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ عِنْدَ بَابِ بَيَانِ الْخَمْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 5041
رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: " صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا فَدَعَانَا وَسَقَانَا مِنَ الْخَمْرِ فَأَخَذَتِ الْخَمْرُ مِنَّا، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَقَدَّمُونِي فَقَرَأْتُ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ". قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَوِ ارْتَدَّ السَّكْرَانُ لَا تَبِينُ امْرَأَتُهُ ; لِأَنَّ الْكُفْرَ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادِ أَوِ الِاسْتِخْفَافِ وَلِذَا حُكِمَ بِكُفْرِ الْهَازِلِ مَعَ اعْتِقَادِهِ لِمَا يَقُولُ وَلَا اعْتِقَادَ لِلسَّكْرَانِ وَلَا اسْتِخْفَافَ لِأَنَّهُمَا فَرْعُ قِيَامِ الْإِدْرَاكِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ قِرَاءَةَ عَلِيٍّ إِنَّمَا وَقَعَتْ سَهْوًا لَا قَصْدًا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسَائِلَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْبَابِ أَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ إِنْ أَقَرَّ بَعْدَ ذَهَابِ رَائِحَتِهَا لَمْ يُحَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَكَذَا إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ بَعْدَمَا ذَهَبَ رِيحُهَا أَوْ ذَهَبَ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَمَّا التَّقَادُمُ فَيَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ حَتَّى يَزُولَ عَنْهُ السُّكْرُ تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الِانْزِجَارِ، وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ; لِأَنَّ غَيْبُوبَةَ الْعَقْلِ أَوْ غَلَبَةَ الطَّرَبِ وَالتَّرَحِ تُخَفِّفُ الْأَلَمَ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ الْجَائِزِ عَنْ أَبِي مَاجِدٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِابْنِ أَخٍ لَهُ سَكْرَانَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: تَرْتِرُوهُ وَمَزْمِزُوهُ وَاسْتَنْكِهُوهُ فَفَعَلُوا فَدَفَعَهُ إِلَى السِّجْنِ ثُمَّ دَعَا بِهِ مِنَ الْغَدِ، فَدَعَا بِسَوْطٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَدُقَّتْ ثَمَرَتُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ حَتَّى صَارَتْ دِرَّةً، ثُمَّ قَالَ لِلْجَلَّادِ: اجْلِدْ وَارْفَعْ يَدَكَ وَأَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَائِزُ وَالتَّرْتَرَةُ وَالْمَزْمَزَةُ التَّحْرِيكُ بِعُنْفٍ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ ; لِأَنَّ التَّحْرِيكَ يُظْهِرُ الرَّائِحَةَ مِنَ الْمَعِدَةِ الَّتِي كَانَتْ خَفِيَتْ وَكَانَ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَحْسَنْتَ. فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ وَجَدَ مِنْهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ فَقَالَ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ» ، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ ضَرَبَ رَجُلًا وَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ وَفِي لَفْظٍ رِيحَ شَرَابٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَدَّهُ عِنْدَ وُجُودِ الرِّيحِ عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارُ لَا يَسْتَلْزِمُ اشْتِرَاطَ الرَّائِحَةِ مَعَ أَحَدِهِمَا ثُمَّ هُوَ مَذْهَبٌ لِبَعْضٍ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَالْأَصَحُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ نَفْيُهُ وَمَا ذَكَرْنَا عَنْ عُمَرَ يُعَارِضُ مَا ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ عَزَّرَ مَنْ وَجَدَ مِنْهُ الرَّائِحَةَ وَيَتَرَجَّحُ لِأَنَّهُ أَصَحُّ وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ جَلَدَ مَنْ وَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ الْحَدَّ تَامًّا وَقَدِ اسْتَبْعَدَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحُدُودِ إِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا مُقِرًّا أَنْ يُرَدَّ وَيُدْرَأَ مَا اسْتُطِيعَ فَكَيْفَ يَأْمُرُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِالْمَزْمَزَةِ عِنْدَ عَدَمُ الرَّائِحَةُ لِيَظْهَرَ الرِّيحُ فَيَحُدَّهُ.
فَإِنْ صَحَّ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مُولَعًا بِالشَّرَابِ مُدْمِنًا فَاسْتَجَازَ ذَلِكَ فِيهِ، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وُجِدَ بِهِ رِيحُ الْخَمْرِ ; لِأَنَّ الرَّائِحَةَ مُحْتَمَلَةٌ فَلَا تُثْبِتُ مَعَ الِاحْتِمَالِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ قَالَ: الشَّاعِرُ:
يَقُولُونَ لِي أَنْكَهْ شَرِبْتَ مُدَامَةً ... فَقُلْتُ لَا بَلْ أَكَلْتُ السَّفَرْجَلَا
وَأَنْكَهْ بِوَزْنِ أَمْنَعُ وَنَكَهَ مِنْ بَابِهِ أَيْ أَظْهَرَ رَائِحَةَ فَمِهِ وَقَالَ الْآخَرُ:
سَفَرْجَلَةٌ تَحْكِي ثَدْيَ الْفَرَاهِدِ ... لَهَا عُرْفٌ ذِي فِسْقٍ وَصُفْرَةِ زَاهِدِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلِ
стр. 5042
[بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٦١٤ - عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ. وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٦١٤ - (عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ) أَيْ أَمَرَ بِالضَّرْبِ (فِي الْخَمْرِ) أَيْ فِي شَارِبِهَا أَوِ التَّقْدِيرُ ضَرَبَ شَارِبَ الْخَمْرِ لِأَجْلِ شُرْبِهَا (بِالْجَرِيدِ) وَهُوَ جَمْعُ جَرِيدَةٍ وَهَى السَّعَفَةُ سُمِّيَتْ بِهِمَا لِكَوْنِهَا مُجَرَّدَةً عَنِ الْخُوصِ وَهُوَ وَرَقُ النَّخْلِ (وَالنِّعَالِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ النَّعْلِ وَهُوَ مَا يُلْبَسُ فِي الرِّجْلِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ضَرَبَهُ ضَرْبًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عَدَدٍ وَهَذَا مُجْمَلٌ بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ الْعَدَدَ أَرْبَعِينَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ الضَّرْبَ أَوَّلًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْهُمَامِ، لَكِنَّهُ دُونَ الْأَرْبَعِينَ وَقَدْ يَصِلُ إِلَى الْأَرْبَعِينَ لِمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ السَّائِبِ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ ﵊ ضَرَبَ رَجُلًا بِجَرِيدَتَيْنِ أَرْبَعِينَ فَتَصِيرُ ثَمَانِينَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا «مِنْ
стр. 5043
شَرِبَ نَصِيفَةً مِنْ خَمْرٍ فَاجْلِدُوهُ ثَمَانِينَ» . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّعْيِينِ وَكَانَ الرَّأْيُ لِلْإِمَامِ فِي التَّبْيِينِ مِمَّا يُقَارِبُ الْأَرْبَعِينَ إِلَى تَمَامِ الثَّمَانِينَ عَلَى مَا سَيَأْتِي بُرْهَانُهُ وَتَمَامُ بَيَانِهِ (وَجَلَدَ) لَعَلَّ فِيهِ تَجْرِيدًا أَيْ ضَرَبَ (أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ) أَيْ جَلْدَةً أَوْ ضَرْبَةً فِي شَرْحِ السُّنَّةِ اخْتَلَفُوا فِي شَارِبِ الْخَمْرِ فَذَهَبَ قَوْمٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً وَقَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ ثَمَانُونَ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ: أَرَى أَنْ يُجْلَدَ ثَمَانِينَ ; فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، أَوْ كَمَا قَالَ، فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ قَالَ: وَمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ كَانَ تَعْزِيرًا وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْعُقُوبَةِ إِذَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي رَجُلٍ شَرِبَ الْخَمْرَ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ، قَالَ عَلَيٌّ لِلْحَسَنِ: أَقِمْ. فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا فَقَالَ عَلِيٌّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ، قَالَ: فَأَخَذَ السَّوْطَ فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَعُدُّ فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ قَالَ: حَسْبُكَ جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. وَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ عِنْدَ الْأَرْبَعِينَ حَسْبُكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْحُدُودِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ تَعْزِيرٌ وَلَوْ كَانَ حَدًّا لَمَا كَانَ لِأَحَدٍ فِيهِ الْخِيَارُ، وَقَوْلُهُ وَلِّ حَارَّهَا أَيْ وَلِّ الْعُقُوبَةَ وَالضَّرْبَ مَنْ تَوَلَّى الْعَمَلَ وَالنَّفْعَ وَالْقَارُّ الْبَارِدُ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَلِّ شَدِيدَهَا مَنْ تَوَلَّى هَيِّنَهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرَانِ الْمُؤَنَّثَانِ رَاجِعَانِ إِلَى الْخِلَافَةِ وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِعُثْمَانَ ﵁، يَعْنِي وَلِّ مَشَاقَّ الْخِلَافَةِ مَنْ تَوَلَّى مَلَاذَّهَا فَإِنَّ الْحَرَارَةَ وَالْبُرُودَةَ مَثَلَانِ لِلْمَشَقَّةِ وَاللَّذَّةِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَكُلٌّ سُنَّةٌ أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْقَضِيَّتَيْنِ مَبْنَاهَا عَلَى السُّنَّةِ فَسَمَّى كِلْتَيْهِمَا سُنَّةً لِأَنَّهُمَا أُخِذَتَا مِنَ السُّنَّةِ، وَيُبَيِّنُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» . قَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُ عَلِيٍّ كُلٌّ سُنَّةٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا كَانَ مُعَظِّمًا لِآثَارِ عُمَرَ وَأَنَّ حُكْمَهُ وَقَوْلَهُ سُنَّةٌ وَأَمْرَهُ حَقٌّ وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ بِخِلَافِ مَا يَفْتَرِي الشِّيعَةُ عَلَيْهِ اه. وَفِيهِ أَنَّ عُمَرَ مَا اخْتَارَ الثَّمَانِينَ إِلَّا بِمَشُورَةِ عَلِيٍّ وَإِشَارَتِهِ وَكَانَ هَذَا عِنْدَ عُتُوِّ أَهِلِ الشُّرْبِ بِزِيَادَةِ الْفِسْقِ مِنَ الْهَذَيَانِ وَالْقَذْفِ وَالضَّرْبِ وَنَحْوِهَا فِي حَالِ سُكْرِهِمْ، فَرَأَوْا تَضْعِيفَ الْحَدِّ سِيَاسَةً مُنَاسِبَةً لِحَالِهِمْ مِنْ سُوءِ فِعَالِهِمْ وَقُبْحِ مَقَالِهِمْ وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي الْهِدَايَةِ: وَحَدُّ الشُّرْبِ وَالسُّكْرِ أَيْ مِنْ غَيْرِهَا ثَمَانُونَ سَوْطًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَرْبَعُونَ إِلَّا أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ رَأَى أَنْ يَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَلَى تَعْيِينِ الثَّمَانِينَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5044
٣٦١٥ - وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ أَرْبَعِينَ» .
стр. 5045
٣٦١٥ - (وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ) أَيْ عَنْ أَنَسٍ ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ أَرْبَعِينَ» ) .
следующие страницы →