Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.
стр. 5041
رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: " صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا فَدَعَانَا وَسَقَانَا مِنَ الْخَمْرِ فَأَخَذَتِ الْخَمْرُ مِنَّا، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَقَدَّمُونِي فَقَرَأْتُ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ". قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَوِ ارْتَدَّ السَّكْرَانُ لَا تَبِينُ امْرَأَتُهُ ; لِأَنَّ الْكُفْرَ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادِ أَوِ الِاسْتِخْفَافِ وَلِذَا حُكِمَ بِكُفْرِ الْهَازِلِ مَعَ اعْتِقَادِهِ لِمَا يَقُولُ وَلَا اعْتِقَادَ لِلسَّكْرَانِ وَلَا اسْتِخْفَافَ لِأَنَّهُمَا فَرْعُ قِيَامِ الْإِدْرَاكِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ قِرَاءَةَ عَلِيٍّ إِنَّمَا وَقَعَتْ سَهْوًا لَا قَصْدًا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسَائِلَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْبَابِ أَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ إِنْ أَقَرَّ بَعْدَ ذَهَابِ رَائِحَتِهَا لَمْ يُحَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَكَذَا إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ بَعْدَمَا ذَهَبَ رِيحُهَا أَوْ ذَهَبَ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَمَّا التَّقَادُمُ فَيَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ حَتَّى يَزُولَ عَنْهُ السُّكْرُ تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الِانْزِجَارِ، وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ; لِأَنَّ غَيْبُوبَةَ الْعَقْلِ أَوْ غَلَبَةَ الطَّرَبِ وَالتَّرَحِ تُخَفِّفُ الْأَلَمَ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ الْجَائِزِ عَنْ أَبِي مَاجِدٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِابْنِ أَخٍ لَهُ سَكْرَانَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: تَرْتِرُوهُ وَمَزْمِزُوهُ وَاسْتَنْكِهُوهُ فَفَعَلُوا فَدَفَعَهُ إِلَى السِّجْنِ ثُمَّ دَعَا بِهِ مِنَ الْغَدِ، فَدَعَا بِسَوْطٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَدُقَّتْ ثَمَرَتُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ حَتَّى صَارَتْ دِرَّةً، ثُمَّ قَالَ لِلْجَلَّادِ: اجْلِدْ وَارْفَعْ يَدَكَ وَأَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَائِزُ وَالتَّرْتَرَةُ وَالْمَزْمَزَةُ التَّحْرِيكُ بِعُنْفٍ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ ; لِأَنَّ التَّحْرِيكَ يُظْهِرُ الرَّائِحَةَ مِنَ الْمَعِدَةِ الَّتِي كَانَتْ خَفِيَتْ وَكَانَ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَحْسَنْتَ. فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ وَجَدَ مِنْهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ فَقَالَ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ» ، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ ضَرَبَ رَجُلًا وَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ وَفِي لَفْظٍ رِيحَ شَرَابٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَدَّهُ عِنْدَ وُجُودِ الرِّيحِ عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارُ لَا يَسْتَلْزِمُ اشْتِرَاطَ الرَّائِحَةِ مَعَ أَحَدِهِمَا ثُمَّ هُوَ مَذْهَبٌ لِبَعْضٍ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَالْأَصَحُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ نَفْيُهُ وَمَا ذَكَرْنَا عَنْ عُمَرَ يُعَارِضُ مَا ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ عَزَّرَ مَنْ وَجَدَ مِنْهُ الرَّائِحَةَ وَيَتَرَجَّحُ لِأَنَّهُ أَصَحُّ وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ جَلَدَ مَنْ وَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ الْحَدَّ تَامًّا وَقَدِ اسْتَبْعَدَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحُدُودِ إِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا مُقِرًّا أَنْ يُرَدَّ وَيُدْرَأَ مَا اسْتُطِيعَ فَكَيْفَ يَأْمُرُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِالْمَزْمَزَةِ عِنْدَ عَدَمُ الرَّائِحَةُ لِيَظْهَرَ الرِّيحُ فَيَحُدَّهُ.
فَإِنْ صَحَّ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مُولَعًا بِالشَّرَابِ مُدْمِنًا فَاسْتَجَازَ ذَلِكَ فِيهِ، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وُجِدَ بِهِ رِيحُ الْخَمْرِ ; لِأَنَّ الرَّائِحَةَ مُحْتَمَلَةٌ فَلَا تُثْبِتُ مَعَ الِاحْتِمَالِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ قَالَ: الشَّاعِرُ:
يَقُولُونَ لِي أَنْكَهْ شَرِبْتَ مُدَامَةً ... فَقُلْتُ لَا بَلْ أَكَلْتُ السَّفَرْجَلَا
وَأَنْكَهْ بِوَزْنِ أَمْنَعُ وَنَكَهَ مِنْ بَابِهِ أَيْ أَظْهَرَ رَائِحَةَ فَمِهِ وَقَالَ الْآخَرُ:
سَفَرْجَلَةٌ تَحْكِي ثَدْيَ الْفَرَاهِدِ ... لَهَا عُرْفٌ ذِي فِسْقٍ وَصُفْرَةِ زَاهِدِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلِ
стр. 5042
[بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٦١٤ - عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ. وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٦١٤ - (عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ) أَيْ أَمَرَ بِالضَّرْبِ (فِي الْخَمْرِ) أَيْ فِي شَارِبِهَا أَوِ التَّقْدِيرُ ضَرَبَ شَارِبَ الْخَمْرِ لِأَجْلِ شُرْبِهَا (بِالْجَرِيدِ) وَهُوَ جَمْعُ جَرِيدَةٍ وَهَى السَّعَفَةُ سُمِّيَتْ بِهِمَا لِكَوْنِهَا مُجَرَّدَةً عَنِ الْخُوصِ وَهُوَ وَرَقُ النَّخْلِ (وَالنِّعَالِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ النَّعْلِ وَهُوَ مَا يُلْبَسُ فِي الرِّجْلِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ضَرَبَهُ ضَرْبًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عَدَدٍ وَهَذَا مُجْمَلٌ بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ الْعَدَدَ أَرْبَعِينَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ الضَّرْبَ أَوَّلًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْهُمَامِ، لَكِنَّهُ دُونَ الْأَرْبَعِينَ وَقَدْ يَصِلُ إِلَى الْأَرْبَعِينَ لِمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ السَّائِبِ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ ﵊ ضَرَبَ رَجُلًا بِجَرِيدَتَيْنِ أَرْبَعِينَ فَتَصِيرُ ثَمَانِينَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا «مِنْ
стр. 5043
شَرِبَ نَصِيفَةً مِنْ خَمْرٍ فَاجْلِدُوهُ ثَمَانِينَ» . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّعْيِينِ وَكَانَ الرَّأْيُ لِلْإِمَامِ فِي التَّبْيِينِ مِمَّا يُقَارِبُ الْأَرْبَعِينَ إِلَى تَمَامِ الثَّمَانِينَ عَلَى مَا سَيَأْتِي بُرْهَانُهُ وَتَمَامُ بَيَانِهِ (وَجَلَدَ) لَعَلَّ فِيهِ تَجْرِيدًا أَيْ ضَرَبَ (أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ) أَيْ جَلْدَةً أَوْ ضَرْبَةً فِي شَرْحِ السُّنَّةِ اخْتَلَفُوا فِي شَارِبِ الْخَمْرِ فَذَهَبَ قَوْمٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً وَقَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ ثَمَانُونَ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ: أَرَى أَنْ يُجْلَدَ ثَمَانِينَ ; فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، أَوْ كَمَا قَالَ، فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ قَالَ: وَمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ كَانَ تَعْزِيرًا وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْعُقُوبَةِ إِذَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي رَجُلٍ شَرِبَ الْخَمْرَ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ، قَالَ عَلَيٌّ لِلْحَسَنِ: أَقِمْ. فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا فَقَالَ عَلِيٌّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ، قَالَ: فَأَخَذَ السَّوْطَ فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَعُدُّ فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ قَالَ: حَسْبُكَ جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. وَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ عِنْدَ الْأَرْبَعِينَ حَسْبُكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْحُدُودِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ تَعْزِيرٌ وَلَوْ كَانَ حَدًّا لَمَا كَانَ لِأَحَدٍ فِيهِ الْخِيَارُ، وَقَوْلُهُ وَلِّ حَارَّهَا أَيْ وَلِّ الْعُقُوبَةَ وَالضَّرْبَ مَنْ تَوَلَّى الْعَمَلَ وَالنَّفْعَ وَالْقَارُّ الْبَارِدُ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَلِّ شَدِيدَهَا مَنْ تَوَلَّى هَيِّنَهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرَانِ الْمُؤَنَّثَانِ رَاجِعَانِ إِلَى الْخِلَافَةِ وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِعُثْمَانَ ﵁، يَعْنِي وَلِّ مَشَاقَّ الْخِلَافَةِ مَنْ تَوَلَّى مَلَاذَّهَا فَإِنَّ الْحَرَارَةَ وَالْبُرُودَةَ مَثَلَانِ لِلْمَشَقَّةِ وَاللَّذَّةِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَكُلٌّ سُنَّةٌ أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْقَضِيَّتَيْنِ مَبْنَاهَا عَلَى السُّنَّةِ فَسَمَّى كِلْتَيْهِمَا سُنَّةً لِأَنَّهُمَا أُخِذَتَا مِنَ السُّنَّةِ، وَيُبَيِّنُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» . قَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُ عَلِيٍّ كُلٌّ سُنَّةٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا كَانَ مُعَظِّمًا لِآثَارِ عُمَرَ وَأَنَّ حُكْمَهُ وَقَوْلَهُ سُنَّةٌ وَأَمْرَهُ حَقٌّ وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ بِخِلَافِ مَا يَفْتَرِي الشِّيعَةُ عَلَيْهِ اه. وَفِيهِ أَنَّ عُمَرَ مَا اخْتَارَ الثَّمَانِينَ إِلَّا بِمَشُورَةِ عَلِيٍّ وَإِشَارَتِهِ وَكَانَ هَذَا عِنْدَ عُتُوِّ أَهِلِ الشُّرْبِ بِزِيَادَةِ الْفِسْقِ مِنَ الْهَذَيَانِ وَالْقَذْفِ وَالضَّرْبِ وَنَحْوِهَا فِي حَالِ سُكْرِهِمْ، فَرَأَوْا تَضْعِيفَ الْحَدِّ سِيَاسَةً مُنَاسِبَةً لِحَالِهِمْ مِنْ سُوءِ فِعَالِهِمْ وَقُبْحِ مَقَالِهِمْ وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي الْهِدَايَةِ: وَحَدُّ الشُّرْبِ وَالسُّكْرِ أَيْ مِنْ غَيْرِهَا ثَمَانُونَ سَوْطًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَرْبَعُونَ إِلَّا أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ رَأَى أَنْ يَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَلَى تَعْيِينِ الثَّمَانِينَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5044
٣٦١٥ - وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ أَرْبَعِينَ» .
стр. 5045
٣٦١٥ - (وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ) أَيْ عَنْ أَنَسٍ ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ أَرْبَعِينَ» ) .
стр. 5046
٣٦١٦ - وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: «كَانَ يُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ فَنَقُومُ عَلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٦١٦ - (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ يُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ) بِكَسْرِ هَمْزٍ وَسُكُونِ مِيمٍ أَيْ إِمَارَتِهِ وَخِلَافَتِهِ (وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ) أَيْ شَيْئًا مِنْ أَوَّلِ عَهْدِهِ (فَنَقُومُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ضَرْبِ الشَّارِبِ (بِأَيْدِينَا) أَيْ بِكُفُوفِنَا (وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا) وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يَلْوُونَهَا وَيَضْرِبُونَهُ بِهَا وَأَرَادَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنَ الْأَرْبَعِينَ لِقَوْلِهِ (حَتَّى كَانَ) أَيْ وُجِدَ وَقَعَ (آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ أَيْ كَانَ الزَّمَانُ آخِرَ إِمَارَةِ عُمَرَ (فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ) أَيْ عَلَى التَّعْيِينِ وَالتَّبْيِينِ (حَتَّى) أَيْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى (إِذَا عَتَوْا) أَيْ أَهْلُ الشَّرَابِ بِأَنْ أَفْسَدُوا بِمُقْتَضَى فَسَادِ الزَّمَانِ وَانْهَمَكُوا فِي الطُّغْيَانِ (وَفَسَقُوا) أَيْ خَرَجُوا عَنِ الْحَدِّ وَتَجَاوَزُوا فِي الْعِصْيَانِ (جَلَدَ ثَمَانِينَ) أَيْ لِلسِّيَاسَةِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْمُخَالَفَةُ مَعَ أَنَّ الْعُتُوَّ هَلُمَّ جَرَّا فِي الزِّيَادَةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَى قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الْخَمْرِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ يُجْعَلَ ثَمَانِينَ كَأَخَفِّ الْحُدُودِ، قَالَ: فَجَعَلَهُ عُمَرُ ثَمَانِينَ» ، وَفِي الْمُوَطَّأِ: اسْتَشَارَ فِي الْخَمْرِ يَشْرَبُهَا الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَرَى أَنْ نَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ. وَعَنْ مَالِكٍ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَلَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ عَلِيٍّ
стр. 5047
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَشَارَ بِذَلِكَ فَرَوَى الْحَدِيثَ مُقْتَصِرًا عَلَى هَذَا مَرَّةً وَعَلَى هَذَا أُخْرَى، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الشُّرَّبَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضْرَبُونَ بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَالْعِصِيِّ حَتَّى تُوُفِّيَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَجْلِدُهُمْ أَرْبَعِينَ حَتَّى تُوُفِّيَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: إِذَا شَرِبَ إِلَخْ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَضَرَبَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ، وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ» فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِجَرِيدَتَيْنِ مُتَعَاقِبَتَيْنِ بِأَنِ انْكَسَرَتْ وَاحِدَةٌ وَأُخِذَتِ الْأُخْرَى، وَإِلَّا فَهِيَ ثَمَانُونَ، فَيَكُونُ مِمَّا رَأَى ﵊ فِي ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَقَوْلُ الرَّاوِي بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ إِلَخْ لَا يُنَافِي ذَلِكَ فَإِنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ اسْتَشَارَ فَوَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى تَقْدِيرِ الثَّمَانِينَ الَّتِي انْتَهَى عَلَيْهَا فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، يُبْعِدُهُ وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَلَدَ ثَمَانِينَ وَمَا تَقَدَّمَ مِمَّا يُفِيدُ أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي جَلَدَ الثَّمَانِينَ بِخِلَافِ أَبِي بَكْرٍ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنْتُ أُقِيمُ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فِيهِ فَأَجِدَ مِنْهُ فِي نَفْسِي إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُنَّهُ، وَالْمُرَادُ لَمْ يَسُنَّ فِيهِ عَدَدًا مُعَيَّنًا، قَالَ: فَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّهُ أَمَرَ بِضَرْبِهِ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُفِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا فِي زَمَنِهِ ﵊ بِعَدَدٍ مُعَيِّنٍ ثُمَّ قَدَّرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بِأَرْبَعِينَ ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى ثَمَانِينَ، وَبِهِمَا جَازَ لَهُمْ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى تَعْيِينِهِ، وَالْحُكْمُ الْمَعْلُومُ مِنْهُ ﵊ عَدَمُ تَعْيِينِهِ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ ﵊ انْتَهَى إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ فِي ذَلِكَ الرَّجُلِ لِزِيَادَةِ فَسَادٍ فِيهِ، ثُمَّ رَأَوْا أَهْلَ الزَّمَانِ تَغَيَّرُوا إِلَى نَحْوِهِ أَكْثَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ السَّائِبِ حَتَّى عَتَوْا وَفَسَقُوا وَعَلِمُوا أَنَّ الزَّمَانَ كُلَّمَا تَأَخَّرَ كَانَ فَسَادُ أَهْلِهِ أَكْثَرَ فَكَانَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ هُوَ مَا كَانَ حُكْمُهُ ﵊ فِي أَمْثَالِهِمْ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ جَلْدِ عَلِيٍّ أَرْبَعِينَ بَعْدَ عُمَرَ فَلَمْ يَصِحَّ، وَذَلِكَ مَا فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أُتِيَ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَشَهِدَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ وَرَجُلٌ آخَرُ فَشَهِدَ أَنَّهُ رَآهُ شَرِبَهَا وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُهَا فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ. الْحَدِيثَ.
стр. 5048
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٦١٧ - عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ فَضَرَبَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٦١٧ - (عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ إِنَّ مَنْ (شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ) الْمُرَادُ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ أَوِ الْأَمْرُ لِلْوَعِيدِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ يَقْتُلُ وَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ (قَالَ) أَيْ جَابِرٌ (ثُمَّ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ جِيءَ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ (بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ فَضَرَبَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ) فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْقَتْلَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ مَنْسُوخٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا قَرِينَةٌ نَاهِضَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فَاقْتُلُوهُ مَجَازٌ عَنِ الضَّرْبِ الْمُبَرِّحِ، مُبَالَغَةً لَمَّا عَتَا وَتَمَرَّدَ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَخَذَ جَلْدَ ثَمَانِينَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ يُرِيدُ الْأَمْرَ بِالْوَعِيدِ وَلَا يُرَادُ بِهِ وُقُوعُ الْفِعْلِ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ الرَّدْعُ وَالتَّحْذِيرُ كَقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ» . وَهُوَ لَوْ قَتَلَ عَبْدَ نَفْسِهِ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ أَبُو عِيسَى: إِنَّمَا كَانَ هَذَا أَوَّلَ الْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَعَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِهَا سَوَاءٌ شَرِبَ قَلِيلًا أَوْ شَرِبَ كَثِيرًا، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ طَائِفَةٍ شَاذَّةٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: يُقْتَلُ بَعْدَ جَلْدِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ وَالْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ قِيلَ: نَسَخَهُ قَوْلُهُ ﵊ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» . الْحَدِيثَ، وَحَدُّ الْعَبْدِ عَلَى نِصْفِ حَدِّ الْحُرِّ كَمَا فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ وَهُوَ مَا سِوَى عَصِيرِ الْعِنَبِ مِنَ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ: هُوَ حَرَامٌ يُجْلَدُ فِيهِ كَجَلْدِ شَارِبِ الْخَمْرِ سَوَاءٌ كَانَ يَعْتَقِدُ إِبَاحَتَهُ أَوْ تَحْرِيمَهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ: لَا يَحْرُمُ وَلَا يُحَدُّ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: هُوَ حَرَامٌ يُجْلَدُ بِشُرْبِهِ مَنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ دُونَ إِبَاحَةٍ اه. وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْأَدِلَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ عَنْ جَابِرٍ.
стр. 5049
٣٦١٨ - وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ.
ــ
٣٦١٨ - (وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ قَبِيصَةَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ (ابْنِ ذُؤَيْبٍ) تَصْغِيرُ ذِئْبٍ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: اخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ.
стр. 5050
٣٦١٩ - وَفِي أُخْرَى لَهُمَا وَلِلنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيِّ عَنْ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ وَمُعَاوِيَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَالشَّرِيدُ إِلَى قَوْلِهِ فَاقْتُلُوهُ.
ــ
٣٦١٩ - (وَفِي أُخْرَى لَهُمَا) أَيْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلتِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ (وَلِلنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيِّ عَنْ نَفَرٍ) أَيْ جَمَاعَةٍ آخَرِينَ (مِنْ إِعْجَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمُ ابْنُ عَمْرٍو وَمُعَاوِيَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَالشَّرِيدُ) إِلَى قَوْلِهِ فَاقْتُلُوهُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْأَصْلُ فِي ثُبُوتِ حَدِّ الشُّرْبِ قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ ضَرَبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِنْ عَادَ إِلَى الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ» . أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إِنْ سَكِرَ إِلَخْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَصَحَّحَهُ الذَّهَبِيُّ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى ثُمَّ نُسِخَ الْقَتْلُ بِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ إِلَخْ قَالَ: «ثُمَّ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الرَّابِعَةِ فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ، وَزَادَ فِي لَفْظٍ وَرَأَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْحَدَّ قَدْ وَقَعَ وَأَنَّ الْقَتْلَ قَدِ ارْتَفَعَ» . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِهِ «أَنَّهُ ﵊ أُتِيَ بِالنُّعْمَانِ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ ثَلَاثًا فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ» فَكَانَ نَسْخًا وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ ثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: ثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ وَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ وَإِنْ عَادَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجَلَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، فَرُفِعَ الْقَتْلُ فَكَانَ رُخْصَةً» . قَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَ الزُّهْرِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَعِنْدَهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ وَمُخَوَّلُ بْنُ رَاشِدٍ فَقَالَ لَهُمَا: كُونَا وَافِدَيْ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِهَذَا الْحَدِيثِ اه. وَقَبِيصَةُ فِي صُحْبَتِهِ خِلَافٌ وَإِثْبَاتُ النَّسْخِ بِهَذَا أَحْسَنُ مِمَّا أَثْبَتَهُ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ. الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ التَّارِيخِ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِالنَّسْخِ الِاجْتِهَادِيِّ أَيْ تَعَارُضًا فِي الْقَتْلِ فَرَجَحَ النَّافِي لَهُ فَيَلْزَمُ الْحُكْمُ بِنَسْخِهِ فَإِنَّ هَذَا لَازِمٌ فِي كُلِّ تَرْجِيحٍ عِنْدَ التَّعَارُضِ.
стр. 5051
٣٦٢٠ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَزْهَرِ قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَقَالَ لِلنَّاسِ: اضْرِبُوهُ. فَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْعَصَا وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْمِيتَخَةِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِي الْجَرِيدَةَ الرَّطْبَةَ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُرَابًا مِنَ الْأَرْضِ فَرَمَى بِهِ فِي وَجْهِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٦٢٠ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَزْهَرِ) أَيِ الْقُرَشِيِّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَهِدَ حُنَيْنًا رَوَى عَنْهُ ابْنَهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ وَغَيْرُهُ مَاتَ بِالْحَرَّةِ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيِ الْآنَ (إِذْ أُتِيَ بِرَجُلٍ) أَيْ فِي مَاضِي الزَّمَانِ وَفَائِدَتُهُ بَيَانُ اسْتِحْضَارِ الْقِصَّةِ كَالْعَيَانِ (قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَقَالَ لِلنَّاسِ: اضْرِبُوهُ. فَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْعَصَا) أَيْ بِجِنْسِهَا وَهَى بِالْأَلِفِ فِي الْأُصُولِ وَلَوْ وُجِدَتْ مَرْسُومَةً بِالْيَاءِ فَكَانَ بِكَسْرَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ جَمْعُ الْعَصَا (وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْمِيتَخَةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالتَّاءِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى وَزْنِ الْمِلْعَقَةِ هَكَذَا فِي الْأُصُولِ فَقَطْ، وَهِيَ الْعَصَا الْخَفِيفَةُ، وَقِيلَ: هِيَ الدِّرَّةُ بِكَسْرِ دَالٍ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ، وَرُوِيَ عَلَى غَيْرِهِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا، وَفِي الْقَامُوسِ: الْمِتِّيخَةُ كَسِكِّينَةٍ الْعَصَا وَالْمِطْرَقُ الدَّقِيقُ، وَفِي النِّهَايَةِ: اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهَا فَقِيلَ: هِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ وَبِفَتْحِ الْمِيمِ مَعَ تَشْدِيدِ التَّاءِ وَبِفَتْحِ الْمِيمِ مَعَ التَّشْدِيدِ وَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ السَّاكِنَةِ بَعْدَ التَّاءِ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَهَذِهِ كُلُّهَا أَسْمَاءٌ لِجَرَائِدِ النَّخْلِ وَأَصْلِ الْعُرْجُونِ وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِلْعَصَا وَقِيلَ لِلْقَضِيبِ الدَّقِيقِ اللَّيِّنِ وَقِيلَ: كُلُّ مَا ضُرِبَ بِهِ مِنْ جَرِيدٍ أَوْ عَصًا أَوْ دِرَّةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَصْلُهَا فِيمَا قِيلَ مِنْ تَيَّخَ اللَّهُ رَقَبَتَهُ بِالسَّهْمِ إِذَا ضَرَبَهُ، وَقِيلَ: مِنْ يَتُخُّهُ
стр. 5052
الْعَذَابَ وَطَيَّخَهُ إِذَا أَتَاحَ عَلَيْهِ فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ مِنَ الطَّاءِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ خَرَجَ وَفِي يَدِهِ مَتِيخَةٌ فِي طَرَفِهَا خُوصٌ مُعْتَمِدًا عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ (قَالَ ابْنُ وَهْبٍ) أَيْ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (يَعْنِي) أَيْ يُرِيدُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بِالْمِيتَخَةِ (الْجَرِيدَةَ الرَّطْبَةَ) وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُفَسِّرَةٌ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُرَابًا مِنَ الْأَرْضِ فَرَمَى بِهِ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ فَرَمَاهُ (فِي وَجْهِهِ) أَيْ فِي جَانِبِهِ وَجِهَتِهِ وَلَعَلَّهُ تَكَرَّرَ مِنْهُ هَذَا الْفِعْلُ حَتَّى اسْتَحَقَّ زِيَادَةَ عُقُوبَتِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: رُمِيَ بِهِ إِرْغَامًا لَهُ وَاسْتِهْجَانًا لِمَا ارْتَكَبَهُ فَإِنَّهُ أَزَالَ أَشْرَفَ الْأَشْيَاءِ وَمَقَرَ تَكَالِيفَ اللَّهِ وَمَعْرِفَتَهُ بِأَنْجَسِ الْأَشْيَاءِ وَأَخْبَثِهَا اه. وَلَوْ قَالَ: بِأَنْجَسِ الْأَشْيَاءِ وَأَنْجَسِهَا لَكَانَ تَنْجِيسًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5053
٣٦٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ: اضْرِبُوهُ. فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: بَكِّتُوهُ. فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ: مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ مَا خَشِيتَ اللَّهَ وَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، قَالَ: لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ وَلَكِنْ قُولُوا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٦٢١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ) أَيِ الْخَمْرَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (فَقَالَ: اضْرِبُوهُ. فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ) أَيْ كَفِّهِ (وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ) أَيْ بِرِدَائِهِ الْمَلْوِيِّ (وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ) أَيْ مِنَّا هَذِهِ الْأَصْنَافُ (ثُمَّ قَالَ: بَكِّتُوهُ) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ مِنَ التَّبْكِيتِ وَهُوَ التَّوْبِيخُ وَالتَّعْيِيرُ بِاللِّسَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لِلْإِيجَابِ (فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَاضٍ مِنَ الْإِقْبَالِ أَيْ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ (يَقُولُونَ: مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ) أَيْ مُخَالَفَتَهُ (مَا خَشِيتَ اللَّهَ) أَيْ مَا لَاحَظْتَ عَظَمَتَهُ أَوْ مَا خِفْتَ عُقُوبَتَهُ (وَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ مِنْ تَرْكِ مُتَابَعَتِهِ أَوْ مِنْ مُوَاجَهَتِهِ وَمُقَابَلَتِهِ (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ) وَهُوَ دُعَاءٌ بِالْخِزْيِ وَالْفَضِيحَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ نَصِيحَةً بَلَى آلَ إِلَى فَضِيحَةٍ (قَالَ) أَيْ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَكَاشِفُ الْغُمَّةِ (لَا تَقُولُوا) خِطَابٌ شَامِلٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَوْ عَدَلَ عَنْهُ غَضِبَ عَلَيْهِ (لَا تَقُولُوا هَكَذَا) أَيْ مِثْلَ أَخْزَاكَ اللَّهُ أَيْ مِمَّا يَضُرُّهُ بَلْ قُولُوا كَمَا سَبَقَ مِمَّا يَنْفَعُهُ (لَا تُعِينُوا الشَّيْطَانَ) قَالَ الْقَاضِي: أَيْ بِنَحْوِ هَذَا الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ إِذَا أَخْزَاهُ الرَّحْمَنُ غَلَبَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ أَوْ لِأَنَّهُ إِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَيِسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَانْهَمَكَ فِي الْمَعَاصِي أَوْ حَمَلَهُ اللِّجَاجُ وَالْغَضَبُ عَلَى الْإِصْرَارِ، فَيَصِيرُ الدُّعَاءُ وَصْلَةً وَمَعُونَةً فِي إِغْوَائِهِ وَتَسْوِيلِهِ (وَلَكِنْ قُولُوا) أَيْ أَوَّلًا أَوِ الْآنَ وَهُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْأَوَّلِ هُوَ التَّبْكِيتُ وَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِقَوْلِهِ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) أَيْ بِمَحْوِ الْمَعْصِيَةِ (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) أَيْ بِتَوْفِيقِ الطَّاعَةِ أَوِ اغْفِرْ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَارْحَمْهُ فِي الْعُقْبَى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5054
٣٦٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «شَرِبَ رَجُلٌ فَسَكِرَ فَلُقِيَ يَمِيلُ فِي الْفَجِّ فَانْطُلِقَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا حَاذَى دَارَ الْعَبَّاسِ انْفَلَتَ فَدَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ فَالْتَزَمَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَضَحِكَ وَقَالَ: أَفَعَلَهَا، وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهَا بِشَيْءٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٦٢٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَرِبَ رَجُلٌ فَسَكِرَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ (فَلُقِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ رُؤِيَ (يَمِيلُ) حَالٌ مِنَ الْمُسْتَكِنِّ فِي لَقِيَ أَيْ مَائِلًا (فِي الْفَجِّ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيِ الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ (فَانْطُلِقَ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ فَأُخِذَ وَأُرِيدَ أَنْ يُذْهَبَ بِهِ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا حَاذَى) أَيْ قَابَلَ (دَارَ الْعَبَّاسَ انْفَلَتَ) أَيْ تَخَلَّصَ وَفَرَّ (فَدَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ فَالْتَزَمَهُ) أَيِ الْتَجَأَ الشَّارِبُ إِلَيْهِ وَتَمَسَّكَ بِهِ أَوِ اعْتَنَقَهُ مُتَشَفِّعًا لَدَيْهِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَرَى أَنَّ ذَلِكَ بِمَكَّةَ ; لِأَنَّ دَارَ الْعَبَّاسِ بِهَا وَاقِعَةٌ فِي أَحَدِ شِعَابِهَا إِذْ لَيْسَتِ الدَّارُ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَى الْعَبَّاسِ بِالْمَدِينَةِ فِي فَجٍّ مِنَ الْفِجَاجِ وَلَا مُقَارِبَةً مِنْهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعَارَ لِلزُّقَاقِ الْوَاسِعِ الْفَجُّ فَيَكُونُ بِالْمَدِينَةِ اه. وَفِيهِ أَنَّ لَقْيَهُ مَائِلًا فِي الْفَجِّ ثُمَّ انْطِلَاقَهُ وَوُصُولَهُ إِلَى مُحَاذَاةِ دَارِ الْعَبَّاسِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ دَارِ الْعَبَّاسِ فِي الْفَجِّ أَوْ
стр. 5055
مُقَارِبَةً لَهُ (فَذُكِرَ ذَلِكَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ فَحُكِيَ مَا ذُكِرَ (لِلنَّبِيِّ ﷺ فَضَحِكَ وَقَالَ: أَفَعَلَهَا) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ التَّعَجُّبِيِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ لِلْمَذْكُورَاتِ مِنَ الِانْفِلَاتِ وَالدُّخُولِ وَالِالْتِزَامِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَصْدَرِ أَيْ أَفَعَلَ الْفَعْلَةَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا فَالْفِعْلُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ اللَّازِمِ (وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِشَيْءٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ أَخَفُّ الْحُدُودِ وَأَنَّ الْخَطَرَ فِيهِ أَيْسَرُ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْفَوَاحِشِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا لَمْ يَعْرِضْ لَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ دَارَ الْعَبَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ أَوْ شَهَادَةِ عُدُولٍ وَإِنَّمَا لُقِيَ فِي الطَّرِيقِ يَمِيلُ فَظُنَّ بِهِ السُّكْرُ فَلَمْ يَكْشِفْ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَرَكَهُ عَلَى ذَلِكَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5056
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٦٢٣ - عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ النَّخَعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: مَا كُنْتُ لِأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ ; فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٦٢٣ - (عَنْ عُمَيْرِ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ سَعِيدٍ) بِالْيَاءِ (النَّخَعِيِّ) بِفَتْحَتَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَقُولُ: مَا كُنْتُ لِأُقِيمَ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَنَصْبِ الْمِيمِ وَتُسَمَّى لَامَ الْجُحُودِ (عَلَى أَحَدٍ حَدًّا) قَالَ الطِّيبِيُّ: دَخَلَ اللَّامُ فِي خَبَرِ كَانَ تَأْكِيدًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكَمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَقَوْلُهُ (فَيَمُوتَ) مُسَبَّبٌ مِنْ أُقِيمَ وَقَوْلُهُ (فَأَجِدَ) مُسَبَّبٌ عَنْ مَجْمُوعِ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ اه وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا بِتَقْدِيرِ هُوَ فِي الْأَوَّلِ وَأَنَا فِي الثَّانِي بَعْدَ فَإِنَّهُمَا وَالْمَعْنَى فَأُصَادِفَ (فِي نَفْسِي فِيهِ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِّ أَوِ الْمَحْدُودِ (شَيْئًا) أَيْ مِمَّا يُرِيبُنِي وَيُزْعِجُنِي (إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ) أَيْ بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِمَّا سَبَقَ (وَدَيْتُهُ) أَيْ غَرِمْتُ دِيَتَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَكِنْ أَجِدُ مِنْ حَدِّ صَاحِبٍ إِذَا مَاتَ شَيْئًا وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ مَا أَجِدُ مِنْ مَوْتِ أَحَدٍ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ شَيْئًا إِلَّا مِنْ مَوْتِ صَاحِبِ الْخَمْرِ فَيَكُونَ مُتَّصِلًا (وَذَلِكَ) أَيْ مَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ أَوِ الْوِجْدَانُ أَوِ الِاسْتِثْنَاءُ (أَنَّ) أَيْ بِأَنَّ أَوْ ; لِأَنَّ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ فَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ لَا غَيْرُ أَيْ لَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ حَدًّا مَضْبُوطًا مُعَيَّنًا وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَمَرَ بِضَرْبِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ فَجَلَدَهُ الْإِمَامُ أَوْ جَلَّادُهُ الْحَدَّ الشَّرْعِيَّ فَمَاتَ فَلَا دِيَةَ فِيهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى جَلَّادِهِ وَلَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَأَمَّا مَنْ مَاتَ بِالتَّعْزِيرِ فَمَذْهَبُنَا وُجُوبُ ضَمَانِهِ بِالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَنْ حَدَّهُ الْإِمَامُ أَوْ عَزَّرَهُ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُضَمَّنُ ثُمَّ فِي قَوْلٍ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّ نَفْعَ عَمَلِهِ يَرْجِعُ إِلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ الْغُرْمُ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ عَمَلِهِ لَهُمْ، عَلَيْهِمْ وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ ; لِأَنَّ أَصْلَ التَّعْزِيرِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ وَلَوْ وَجَبَ فَالضَّرْبُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ فِي التَّعْزِيرِ فَيَكُونُ فِعْلُهُ مُبَاحًا، فَيَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَلَمْ يُسَلَّمْ فَتَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَهَذَا يَخُصُّ التَّعْزِيرَ وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الْإِمَامَ مَأْمُورٌ بِالْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ عِنْدَ ظُهُورِ الِانْزِجَارِ لَهُ فِي التَّعْزِيرِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَفِعْلُ الْمَأْمُورِ لَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَمَا فِي الْفَسَادِ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْفِعْلِ وَإِلَّا عُوقِبَ وَالسَّلَامَةُ خَارِجَةٌ عَنْ وُسْعِهِ إِذِ الَّذِي فِي وُسْعِهِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ بِسَبَبِهَا الْقَرِيبُ وَهُوَ مَا بَيْنَ أَنْ يُبَالِغَ فِي التَّخْفِيفِ فَلَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ عَنْهُ بِهِ أَوْ بِفِعْلِ مَا يَقَعُ عَنْهُ زَاجِرًا وَهُوَ مَا هُوَ مُؤْلِمٌ زَاجِرٌ وَقَدْ يَتَّفِقُ أَنْ يَمُوتَ الْإِنْسَانُ بِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْأَمْرُ بِالضَّرْبِ الْمُؤْلِمِ الزَّاجِرِ مَعَ اشْتِرَاطِ السَّلَامَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُبَاحَاتِ فَإِنَّهَا رَفْعُ الْجُنَاحِ فِي الْفِعْلِ وَإِطْلَاقُهُ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ مُلْزَمٍ بِهِ فَصَحَّ تَقْيِيدُهُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ وَالِاصْطِيَادِ وَلِهَذَا يَضْمَنُ إِذَا عَزَّرَ امْرَأَتَهُ فَمَاتَتْ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ وَمَنْفَعَتُهُ تَرْجِعُ إِلَيْهِ كَمَا تَرْجِعُ إِلَى الْمَرْأَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ اسْتِقَامَتُهَا عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَذَكَرَ الْحَاكِمُ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَيَضْرِبُ ابْنَهُ وَكَذَا الْمُعَلِّمُ إِذَا أَدَّبَ الصَّبِيَّ فَمَاتَ لَا يُضَمَّنُ عِنْدَنَا وَالشَّافِعِيِّ أَمَّا لَوْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فَمَاتَتْ لَا يُضَمَّنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ مَعَ أَنَّهُ مُبَاحٌ فَيَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ لِأَنَّهُ
стр. 5057
يُضَمَّنُ الْمَهْرَ بِذَلِكَ الْجِمَاعِ فَلَوْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ وَجَبَ ضَمَانَاتٌ بِمَضْمُونٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ لَمْ يَسُنَّهُ الْحَدَّ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى التَّعْزِيرِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدُ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَمُشَاوَرَةِ عُمَرَ عَلِيًّا، وَحَدِيثِ عُثْمَانَ مَعَهُ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَقَوْلِهِ حَسْبُكَ وَتَلْخِيصُ الْمَعْنَى أَنَّهُ إِنَّمَا خَافَ مِنْ سُنَّةٍ سَنَّهَا عُمَرُ وَقَرَّرَهَا بِرَأْيِ عَلِيٍّ لَا مِمَّا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ جَلَدَ أَرْبَعِينَ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بِدَلَائِلَ عَلَى إِثْبَاتِهِ وَرَوَيْنَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ «أَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِجَعْفَرٍ لَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ: حَسْبُكَ، جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ» . وَقَدْ أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ أَيْضًا فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ قَالَ: إِنَّ الثَّمَانِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ ثُمَّ أَخَافُ مِنْهُ، قُلْتُ: إِنَّ الْمَحَبَّةَ وَالْخَوْفَ يَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَوْقَاتِ اه. وَفِيهِ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ عَدَدُ الْأَرْبَعِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: حَسْبُكَ لَا عَدَدُ الثَّمَانِينَ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وَيُقَوِّيهِ أَنَّهُ لَا خَوْفَ فِي الْأَقَلِّ الْمُتَيَقَّنِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5058
٣٦٢٤ - وَعَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدَّيْلِمِيِّ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ; فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى فَجَلَدَ عُمَرُ فِي حَدِّ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
٣٦٢٤ - (وَعَنْ ثَوْرِ) بَاسِمِ الْحَيَوَانِ الْمَعْرُوفِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (ابْنِ زَيْدٍ الدَّيْلَمِيِّ) بِفَتْحِ الدَّالِّ نِسْبَةً إِلَى دَيْلَمَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ مِنَ النَّاسِ كَذَا فِي الْمُغْنِي وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ الدَّيْلِيُّ بِغَيْرِ الْمِيمِ وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْمُغْنِي وَالْأَنْسَابِ لَكِنَّ الْأَخِيرَ عَبَّرَ عَنْهُ بِابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَكَذَا فِي الْمَشَارِقِ لِعِيَاضٍ قَالَ: وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي الدَّيْلِ وَفِي مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ الدَّيْلَمِيُّ شَيْخُ مَالِكٍ ثِقَةٌ اتَّهَمَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْبَرْقِيِّ بِالْقَدَرِ وَكَأَنَّهُ شُبِّهَ عَلَيْهِ بِثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، وَرَوَى عَنْهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَجْهُولٌ. اه وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ وَلَعَلَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ الْكَلَاعِيِّ الشَّامِيِّ الْحِمْصِيِّ سَمِعَ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةً، لَهُ ذِكْرٌ فِي الْمَلَاحِمِ وَفِي نُسْخَةِ عَفِيفِ الدِّينِ ضُبِطَ بِضَمِّ الدَّالِ مَعَ كَسْرِهَا وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ (قَالَ: إِنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ) أَيِ الصَّحَابَةَ (فِي حَدِّ الْخَمْرِ) أَيْ فِي أَنَّهُ هَلْ يُضْرَبُ شَارِبُهَا أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ لِعُتُوِّ الْمُفْسِدِينَ وَعَدَمِ ضَبْطِ الدِّينِ سِيَاسَةً لَهُمْ وَزَجْرًا عَنْ فِعْلِهِمْ حَيْثُ مَا انْتَهَوْا عَنِ الْحَدِّ الْأَيْسَرِ (فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ أَرَى) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الرَّأْيِ وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا أَيْ أَظُنُّ خَيْرًا (أَنْ تَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى) أَيْ تَكَلَّمَ بِالْهَذَيَانِ (وَإِذَا هَذَى) أَيْ وَعَتَا وَتَعَدَّى كَمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ (افْتَرَى) أَيْ قَذَفَ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسْوَانِ فَيَسْتَحِقُّ الثَّمَانِينَ وَالْحُكْمُ لِلْأَغْلَبِ أَوْ لِوُجُودِ السَّبَبِ كَمَا حَقَّقَ فِي النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ حُكْمًا قَالَ الطِّيبِيُّ: جَعَلَ سَبَبَ السَّبَبِ سَبَبًا وَأَجْرَى عَلَى الْأَوَّلِ مَا عَلَى الْأَخِيرِ فَحَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ حَدُّ الْقَاذِفِ تَغْلِيظًا وَذَلِكَ لِعُتُوِّهِ وَتَمَادِيهِ فِي الْفَسَادِ كَمَا سَبَقَ، وَمَا هَذَا شَأْنُهُ يَكُونُ مُبَيَّنًا عَلَى الِاجْتِهَادِ (فَجَلَدَ عُمَرُ فِي حَدِّ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ) .
بَابُ مَا لَا يُدْعَى عَلَى الْمَحْدُودِ وَفِي نُسْخَةٍ بِتَنْوِينِ بَابٍ وَحَذْفِ مَا وَالْمَقْصُودُ بِالْمَحْدُودِ الْمَضْرُوبُ فِي الْحَدِّ.
стр. 5059
[بَابُ مَا لَا يُدْعَى عَلَى الْمَحْدُودِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٦٢٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «أَنَّ رَجُلًا اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ يُلَقَّبُ حِمَارًا كَانَ يُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٦٢٥ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﵁ (أَنَّ رَجُلَا اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ يُلَقَّبُ حِمَارًا كَانَ يُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ أَيْ يَتَسَبَّبُ بِالْمُطَايَبَةِ لِضَحِكِهِ (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ) أَيْ مَرَّةً (فِي الشَّرَابِ) أَيْ فِي شُرْبِهِ وَفِي نُسْخَةٍ فِي الشُّرْبِ (فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا) أَيْ أُخِذَ (فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ) أَيْ أَبْعِدْهُ عَنْ رَحْمَتِكَ (مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ) مَا الْأُولَى تَعَجُّبِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ مَا أَكْثَرَ إِتْيَانِهِ كَقَوْلِكَ مَا
стр. 5060
أَحْسَنَ زَيْدًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَلْعَنُوهُ) نَظِيرُهُ مَرَّ فَتَذَكَّرْ (فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ) بِضَمِّ التَّاءِ (أَنَّهُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَمَا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَنَّهُ أَيِ الَّذِي عَلِمْتُ أَنَّهُ أَوْ هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ الَّذِي عَلِمْتُ أَنَّهُ، وَأَنَّ مَعَ اسْمِهِ وَخَبَرِهِ سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمْتُ، وَالْجُمْلَةُ جَوَابُ الْقَسَمِ، وَفِي مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ: مَعْنَاهُ فَوَاللَّهِ الَّذِي عَلِمْتُهُ أَنَّهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا عَلِمَ بِمَعْنَى عَرَفَ وَأَنَّهُ خَبَرُ الْمَوْصُولِ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ عِلْمِي بِهِ أَنَّهُ (يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وَقِيلَ: مَا زَائِدَةٌ، أَيْ وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ مِنْهُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ قَدْ يَصْدُرُ مِنْهُ الزَّلَّةُ، وَقِيلَ: مَا نَافِيَةٌ وَالتَّاءُ عَلَى الْخِطَابِ، أَيْ مَا عَلِمْتُ عَلَى طَرِيقِ التَّقْرِيرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَصِحُّ حِينَئِذٍ كَسْرُ أَنَّهُ وَفَتْحُهَا وَالْكَسْرُ عَلَى جَوَابِ الْقَسَمِ، وَفِي رِوَايَةِ شَرْحِ السُّنَّةِ: إِلَّا أَنَّهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَعْنُ الْمُذْنِبِ بِخُصُوصِهِ وَأَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَمَحَبَّةَ رَسُولِهِ مُوجِبَتَانِ لِلزُّلْفَى مِنَ اللَّهِ وَالْقُرْبَى مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ لَعْنُهُ ; لِأَنَّهُ طُرِدَ مِنْ رَحْمَتِهِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5061
٣٦٢٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ: اضْرِبُوهُ فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ قَالَ: لَا تَقُولُوا هَكَذَا لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٦٢٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ: اضْرِبُوهُ. فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ قَالَ: لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5062
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٦٢٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ الْأَسْلَمِيُّ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصَابَ امْرَأَةً حَرَامًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ فَأَقْبَلَ فِي الْخَامِسَةِ فَقَالَ: أَنِكْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ حَلَالًا، قَالَ: فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ، فَسَكَتَ عَنْهُمَا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ قَالَا: نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ الْحِمَارِ، فَقَالَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ بِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٦٢٧ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ الْأَسْلَمِيُّ) أَيْ مَاعِزٌ (إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصَابَ امْرَأَةً حَرَامًا) أَيْ بِطَرِيقِ الزِّنَا (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) أَيْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ (كُلَّ ذَلِكَ) بِالنَّصْبِ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ (يُعْرِضُ عَنْهُ) أَيْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنَ الْمَرَّاتِ الْأَرْبَعِ يُعْرِضُ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْأَسْلَمِيِّ دَرَأً لِلْحَدِّ (فَأَقْبَلَ فِي الْخَامِسَةِ فَقَالَ: أَنِكْتَهَا؟) بِكَسْرِ النُّونِ أَيْ أَجَامَعْتَهَا؟ (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ) إِشَارَةٌ إِلَى آلَةِ الرَّجُلِ وَهِيَ الذَّكَرُ (فِي ذَلِكَ مِنْهَا) إِشَارَةٌ إِلَى آلَةِ الْمَرْأَةِ وَهِيَ الْفَرْجُ (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيِ الْمَيْلُ (فِي الْمُكْحُلَةِ) بِضَمَّتَيْنِ (وَالرِّشَاءُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْمِرْوَدِ وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ أَيِ الْحَبْلُ (فِي الْبِئْرِ) بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ وَلَعَلَّ الْمِثَالَ الْأَوَّلَ كِنَايَةٌ عَنِ الْبِكْرِ، وَالثَّانِي عَنِ الثَّيِّبِ (فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ أَتَيْتُ مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْمَرْأَةِ الْمُزَنِيَّةِ (حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ) أَيِ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ (حَلَالًا قَالَ: فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي) أَيْ مِمَّا وَقَعَ لِي مِنْ عَمَلِ الرِّجْسِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كُلُّ ذَلِكَ تَعَلُّلٌ وَسَوْقٌ لِلْمَعْلُومِ مَسَاقَ الْمَجْهُولِ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ مِنْ شَهَادَتِهِ تِلْكَ إِيذَانًا بِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُسَاهَلَةِ، وَعَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْرِضَ عَنِ الْمَحْدُودِ بِإِنْكَارِ مُوجِبِهِ (فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ) أَيْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ أَوْ أَصْحَابِ مَاعِزٍ (يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ) أَيْ لِلْآخَرِ (انْظُرْ) أَيْ نَظَرَ تَعَجُّبٍ وَإِنْكَارٍ (إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ أَيْ لَمْ تَتْرُكْهُ (حَتَّى رُجِمَ) مَاضٍ مَجْهُولٌ (رَجْمَ الْكَلْبِ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (فَسَكَتَ عَنْهُمَا) أَيْ حِينَئِذٍ
стр. 5063
لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهُ (ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ) أَيْ رَافِعٍ (بِرِجْلِهِ) أَيْ مِنْ شِدَّةِ الِانْتِفَاخِ بِالْمَوْتِ (فَقَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ) كِنَايَتَانِ عَنِ الْمُغْتَابَيْنِ (فَقَالَا: نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ حَاضِرَانِ (فَقَالَ: انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ، فَقَالَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: فَمَا نِلْتُمَا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ فَمَا أَصَبْتُمَا قَالَ الْمُظْهِرُ: مَا الْمَوْصُولَةُ مَعَ صِلَتِهَا مُبْتَدَأٌ أَوْ أَشَدُّ خَبَرُهُ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَا نِلْتُمَاهُ (مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا) أَيْ مَا تَنَاوَلَهُ (آنِفًا) بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ أَيْ قُبَيْلَ هَذِهِ السَّاعَةِ (أَشَدُّ) أَيْ أَكْثَرُ قُبْحًا (مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْحِمَارِ ; لِأَنَّ أَكْلَهُ حَلَالٌ حَالَ الِاضْطِرَارِ وَفِي حَالِ الِاخْتِيَارِ مَعْصِيَةٌ قَاصِرَةٌ بِخِلَافِ الْغِيبَةِ لَا سِيَّمَا غِيبَةُ النَّفْسِ الطَّاهِرَةِ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى حَقِّيَّةِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ.
стр. 5064
٣٦٢٨ - وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٣٦٢٨ - (وَعَنْ خُزَيْمَةَ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ) أَيْ مَنْ فَعَلَ (ذَنْبًا) يُوجِبُ حَدًّا أَوْ مِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ أُقِيمَ (عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَهُوَ) أَيِ الْحَدُّ (كَفَّارَتُهُ) أَيْ يُكَفِّرُ ذَلِكَ الذَّنْبَ أَوْ مُصِيبَهُ وَهُوَ الْمُذْنِبُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ: إِقَامَةُ الْحَدِّ بِمُجَرَّدِهِ كَفَّارَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتِ الذَّنْبِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَرْكِ التَّوْبَةِ مِنْهُ فَلَا يُكَفِّرُهَا الْحَدُّ ; لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ أُخْرَى، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ جَمْعٍ أَنَّ إِقَامَتَهُ لَيْسَتْ كَفَّارَةً بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ (رَوَاهُ) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ» . الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالضِّيَاءُ.
стр. 5065
٣٦٢٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصَابَ حَدًّا فَعُجِّلَ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَى عَبْدِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا فَسَتَرَهُ اللَّهُ وَعَفَا عَنْهُ فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٣٦٢٩ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَصَابَ حَدًّا) أَيْ ذَنْبًا يُوجِبُ حَدًّا فَأُقِيمَ الْمُسَبَّبُ مَقَامَ السَّبَبِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْحَدِّ الْمُحَرَّمُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] أَيْ تِلْكَ مَحَارِمُهُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (فَعُجِّلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ فَقُدِّمَ (عُقُوبَتُهُ فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ يُكَرِّرَ (عَلَى عَبْدِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الْآخِرَةِ وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) بِأَنْ تَابَ عَنِ الذَّنَبِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ وَتَوْبَتَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَوْلَى مِنَ الْإِظْهَارِ (وَعَفَا عَنْهُ فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
بَابُ التَّعْزِيرِ فِي الْمُغْرِبِ: التَّعْزِيرُ تَأْدِيبٌ دُونَ الْحَدِّ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْعَزْرِ بِمَعْنَى الرَّدِّ وَالرَّدْعِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطْعَنْكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤] أَمَرَ بِضَرْبِ الزَّوْجَاتِ تَأْدِيبًا وَتَهْذِيبًا، وَفِي الْكَافِي قَالَ ﵊: «لَا تَرْفَعْ عَصَاكَ عَنْ أَهْلِكَ» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ عَزَّرَ رَجُلًا قَالَ لِغَيْرِهِ: يَا مُخَنَّثُ» . وَفِي الْمُحِيطِ رُوِيَ عَنْهُ ﵊ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَلَّقَ سَوْطَهُ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُهُ» . وَأَقْوَى هَذِهِ الْأَحَادِيثُ قَوْلُهُ ﵊: «فَاضْرِبُوهُمْ عَلَى تَرْكِهَا بِعَشْرٍ فِي الصِّبْيَانِ» . فَهَذَا دَلِيلُ شَرْعِيَّةِ التَّعْزِيرِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ
стр. 5066
الصَّحَابَةُ، وَذَكَرَ التَّمْرُتَاشِيُّ عَنِ السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ بَلْ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأَيِ الْقَاضِي ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الزَّجْرُ، وَأَحْوَالُ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُزْجَرُ بِالنَّصِيحَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى اللَّطْمَةِ وَإِلَى الضَّرْبِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْحَبْسِ، وَسُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ عَمَّنْ وَجَدَ رَجُلًا مَعَ امْرَأَةٍ أَيَحِلُّ لَهُ قَتْلَهُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْزَجِرُ عَنِ الزِّنَا بِالصِّيَاحِ وَالضَّرْبِ بِمَا دُونَ السِّلَاحِ لَا يَقْتُلُهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ إِلَّا بِالْقَتْلِ حَلَّ لَهُ قَتْلُهُ، وَإِنْ طَاوَعَتْهُ الْمَرْأَةُ حَلَّ قَتْلُهَا أَيْضًا، وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الضَّرْبَ تَعْزِيرٌ يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَسِبًا وَصُرِّحَ فِي الْمُنْتَقَى بِذَلِكَ وَهَذَا لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ وَالشَّارِعُ وَلَّى كُلَّ أَحَدٍ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ» . الْحَدِيثَ بِخِلَافِ الْحُدُودِ لَمْ يَثْبُتْ تَوْلِيَتُهَا إِلَّا لِلْوُلَاةِ، ثُمَّ التَّعْزِيرُ فِيمَا شُرِعَ فِيهِ التَّعْزِيرُ إِذَا رَآهُ الْإِمَامُ وَاجِبًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَمَّا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَتَلَا عَلَيْهِ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَقَالَ فِي الْأَنْصَارِ: «اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ» . وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي الْحُكْمِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ لِلزُّبَيْرِ فِي سَقْيِ أَرْضِهِ فَلَمْ يُوَافِقْ غَرَضَهُ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَغَضِبَ ﷺ وَلَمْ يُعَزِّرْهُ، وَلَنَا أَنَّ مَا كَانَ مَنْصُوصًا مِنَ التَّعْزِيرِ كَمَا فِي وَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ يَجِبُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ فِيهِ وَمَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ إِذَا رَأَى الْإِمَامُ بَعْدَ مُجَانَبَةِ هَوَى نَفْسِهِ الْمَصْلَحَةَ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ إِلَّا بِهِ وَجَبَ لِأَنَّهُ زَاجِرٌ مَشْرُوعٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ كَالْحَدِّ وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ يَنْزَجِرُ بِدُونِهِ لَا يَجِبُ، وَهُوَ مَحْمَلُ حَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا أَصَابَ مِنَ الْمَرْأَةِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِلَّا وَهُوَ نَادِمٌ مُنْزَجِرٌ ; لِأَنَّ ذِكْرَهُ لَهُ لَيْسَ إِلَّا لِلِاسْتِعْلَامِ بِمُوجَبِهِ لِيُفْعَلَ مَعَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ الزُّبَيْرِ فَالتَّعْزِيرُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ.
стр. 5067
[بَابُ التَّعْزِيرِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٦٣٠ - عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ دِينَارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٦٣٠ - (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بِضَمِّ الْمُوَحِّدَةِ وَاسْمُهُ هَانِئٌ بِالْهَمْزِ (ابْنِ دِينَارٍ) بِكَسْرِ نُونٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُخَفَّفَةٍ فِي آخِرِهِ رَاءٌ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ مَعَ السَّبْعِينَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ وَهُوَ خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَلَا عَقِبَ لَهُ، مَاتَ فِي أَوَّلِ زَمَنِ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ شُهُودِهِ مَعَ عَلِيٍّ حُرُوبَهُ كُلَّهَا، رَوَى عَنْهُ الْبَرَاءُ وَجَابِرٌ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ» ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ. جَمْعُ جَلْدَةٍ بِمَعْنَى ضَرْبَةٍ (إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ «أَحْمَدُ» وَالْأَرْبَعَةُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، قَالَ أَصْحَابُنَا: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ جَاوَزُوا عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ، وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: إِنَّهُ كَانَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِزَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: لَا يَبْلُغُ تَعْزِيرُ كُلِّ إِنْسَانٍ أَدْنَى الْحُدُودِ كَالشُّرْبِ، فَلَا يَبْلُغُ تَعْزِيرُ الْعَبْدِ عِشْرِينَ وَلَا تَعْزِيرُ الْحُرِّ أَرْبَعِينَ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَشْهَبُ الْمَالِكِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى عَشَرَةٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالطَّحَاوِيُّ ﵏: لَا ضَبْطَ لِعَدَدِ الضَّرَبَاتِ بَلْ ذَلِكَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ الْحُدُودِ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ التَّعْزِيرَ أَدَبٌ يَقْصُرُ عَنْ مَبْلَغِ أَقَلِّ الْحُدُودِ ; لِأَنَّ الْجِنَايَةَ الْمُوجِبَةَ لِلتَّعْزِيرِ قَاصِرَةٌ عَنْ كَمَالِ دِيَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالتَّعْزِيرُ أَكْثَرُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطًا عِنْدِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُبْلَغُ بِهِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَوْطًا، وَالْأَصْلُ فِي نَقْصِهِ عَنِ الْحُدُودِ، قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ» ، ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ الْمَحْفُوظَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ نَاجِيَةَ فِي فَوَائِدِهِ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُصَيْنٍ الْأَصْبَحِيُّ ثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ ثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنِ النُّعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ بَلَغَ. الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ مُرْسَلًا وَقَالَ: أَخْبَرَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ عُثْمَانَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ بَلَغَ الْحَدِيثَ وَالْمُرْسَلُ عِنْدَنَا حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلْعَمَلِ وَعِنْدَ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَبُو يُوسُفَ قَلَّدَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِيهِ لَكِنْ قَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ: إِنَّهُ غَرِيبٌ، وَنَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي
стр. 5068
شَرْحُ السُّنَّةِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَبِقَوْلِنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْحُرِّ وَقَالَ: فِي الْعَبْدِ تِسْعَةَ عَشَرَ ; لِأَنَّ حَدَّ الْعَبْدِ عِنْدَهُ عِشْرُونَ وَفِي الْأَحْرَارِ أَرْبَعُونَ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّعْزِيرِ فِي الْحَدِّ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ مُجَانِبًا لِهَوَى النَّفْسِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ عَمِلَ خَاتَمًا عَلَى نَقْشِ خَاتَمِ بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ جَاءَ بِهِ لِصَاحِبِ بَيْتِ الْمَالِ فَأَخَذَ مِنْهُ مَالًا فَبَلَغَ عُمَرَ ذَلِكَ فَضَرْبَهُ مِائَةً وَحَبَسَهُ فَكُلِّمَ فِيهِ، فَضَرَبَهُ مِائَةً أُخْرَى فَكُلِّمَ فِيهِ مِنْ بَعْدُ، فَضَرَبَهُ مِائَةً، فَنَفَاهُ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ الشَّاعِرِ قَدْ شَرِبَ خَمْرًا فِي رَمَضَانَ فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ لِلشُّرْبِ وَعِشْرِينَ سَوْطًا لِفِطْرِهِ فِي رَمَضَانَ. وَلَنَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَلِأَنَّ الْعُقُوبَةَ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِمَا هُوَ أَهْوَنُ مِنَ الزِّنَا فَوْقَ مَا فُرِضَ بِالزِّنَا وَحَدِيثُ مَعْنٍ يَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ ذُنُوبًا كَثِيرَةً أَوْ كَانَ ذَنْبُهُ يَشْمَلُ كَثِيرًا مِنْهَا كَتَزْوِيرِهِ وَأَخْذِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقِّهِ وَفَتْحِهِ بَابَ هَذِهِ الْحِيلَةِ لِغَيْرِهِ مِمَّا كَانَتْ نَفْسُهُ عَارِيَةً عَنِ اسْتِشْرَافِهَا، وَحَدِيثُ النَّجَاشِيِّ ظَاهِرٌ أَنْ لَا احْتِجَاجَ فِيهِ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ ضَرَبَهُ الْعِشْرِينَ فَوْقَ الثَّمَانِينَ لِفِطْرِهِ فِي رَمَضَانَ وَقَدْ نَصَّتْ عَلَى أَنَّهُ لِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الْقَائِلَةُ أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ الشَّاعِرِ وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ ثُمَّ ضَرَبَهُ مِنَ الْغَدِ عِشْرِينَ وَقَالَ: ضَرَبْنَاكَ الْعِشْرِينَ بِجَرَاءَتِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِفْطَارِكَ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى الْحَدِّ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَعَنْ أَحْمَدَ لَا يُزَادُ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ وَعَلَيْهِ حَمَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ لِمَا اشْتُهِرَ عَنْ قَوْلِهِ إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﵊ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» ، وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْهُ وَبَعْضُ الثِّقَاتِ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِدَلِيلِ عَمَلِ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِهِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارِ أَحَدٍ وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى أَنْ لَا تَبْلُغَ بِنَكَالٍ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَوْطًا. وَرُوِيَ ثَلَاثِينَ إِلَى أَرْبَعِينَ وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَقْدِيرِ أَكْثَرِهِ بِتِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ يُعْرَفُ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّعْزِيرِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ بَلْ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ أَيْ مِنْ أَنْوَاعِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَمَّا إِنِ اقْتَضَى رَأْيُهُ الضَّرْبَ فِي خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَزِيدُ عَلَى التِّسْعَةِ وَالثَّلَاثِينَ قَالَ: وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 5069
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٦٣١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٦٣١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ) أَيْ أَحَدًا فِي حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ (فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ) أَيْ فَلْيَتَجَنَّبْ مَنْ ضَرَبَ وَجْهَهُ وَقَدْ سَبَقَ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحِكْمَةٍ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ فَارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ» أَيْ عَنْ ضَرْبِهِ.
стр. 5070
٣٦٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: يَا يَهُودِيُّ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ، وَإِذَا قَالَ: يَا مُخَنَّثُ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ، وَمَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٣٦٣٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أَيِ الْمُسْلِمِ (يَا يَهُودِيُّ) وَفِي مَعْنَاهُ يَا نَصْرَانِيُّ وَيَا كَافِرُ (فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ) أَيْ سَوْطًا (وَإِذَا قَالَ: يَا مُخَنَّثُ) بِفَتْحِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَيُكْسَرُ (فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ يَا يَهُودِيُّ فِيهِ تَوْرِيَةٌ وَإِيهَامٌ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكُفْرُ وَالذِّلَّةُ ; لِأَنَّ الْيَهُودَ مَثَلٌ فِي الصَّغَارِ وَالْحَمْلُ عَلَى الثَّانِي أَرْجَحُ لِلدَّرْءِ فِي الْحُدُودِ وَعَلَى هَذَا الْمُخَنَّثِ. اه وَفِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَنْ قَذَفَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ كَافِرًا بِالزِّنَا عُزِّرَ بِالْإِجْمَاعِ إِلَّا عَلَى قَوْلِ دَاوُدَ فِي الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ بِهِ وَإِلَّا فَمَا عُزِّرَ بِهِ ; لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ جِنَايَةُ قَذْفٍ وَقَدِ امْتَنَعَ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ لِفَقْدِ الْإِحْصَانِ فَوَجَبَ التَّعْزِيرُ وَكَذَا إِذَا قَذَفَ مُسْلِمًا بِغَيْرِ الزِّنَا فَقَالَ: يَا فَاسِقُ أَوْ يَا كَافِرُ أَوْ يَا
стр. 5071
خَبِيثُ أَوْ يَا سَارِقُ وَمِثْلُهُ يَا لُصُّ يَا فَاجِرُ أَوْ يَا زِنْدِيقُ أَوْ يَا مَقْبُوحُ يَا ابْنَ الْقَحْبَةِ يَا قَرْطَبَانُ يَا مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ أَوْ يَا لُوطِيُّ أَوْ قَالَ: أَنْتَ تَلْعَبُ بِالصِّبْيَانِ يَا آكِلَ الرِّبَا يَا شَارِبَ الْخَمْرِ يَا دَيُّوثُ يَا مُخَنَّثُ يَا مَأْوَى الزَّوَانِي يَا مَأْوَى اللُّصُوصِ يَا مُنَافِقُ يَا يَهُودِيُّ عُزِّرَ هَكَذَا مُطْلَقًا فِي فَتَاوَى قَاضِيخَانَ وَذَكَرَهُ النَّاطِفِيُّ وَقَيَّدَهُ بِمَا إِذَا قَالَ لِرَجُلٍ صَالِحٍ، أَمَّا لَوْ قَالَ لِفَاسِقٍ يَا فَاسِقُ أَوْ لِلِصٍّ يَا لُصُّ أَوْ لِلْفَاجِرِ يَا فَاجِرُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالتَّعْلِيلُ يُفِيدُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُنَا: إِنَّهُ آذَاهُ بِمَا أَلْحَقَ بِهِ مِنَ الشَّيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَنْ لَمْ يُعْلَمِ اتِّصَافُهُ بِهَذِهِ أَمَّا لَوْ عَلِمَ فَإِنَّ الشَّيْنَ قَدْ أَلْحَقَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ قَبْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ ثُمَّ فِي كُلِّ مَا قَذَفَهُ بِغَيْرِ الزِّنَا مِنَ الْمَعَاصِي فَالرَّأْيُ إِلَى الْإِمَامِ وَلَوْ قَالَ: يَا حِمَارُ أَوْ يَا خِنْزِيرُ لَمْ يُعَزَّرْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى شَيْنِ مَعْصِيَةٍ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْنٌ أَصْلًا بَلْ إِنَّمَا أَلْحَقَ الشَّيْنَ بِنَفْسِهِ حَيْثُ كَانَ كَذِبُهُ ظَاهِرًا وَمِثْلُهُ يَا بَقَرُ يَا ثَوْرُ يَا حَيَّةُ يَا تَيْسُ يَا قِرْدُ يَا ذِئْبُ يَا وَلَدَ حَرَامٍ يَا كَلْبُ لَمْ يُعَزَّرْ، وَعَدَمُ التَّعْزِيرِ فِي الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهِمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَاخْتَارَ الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّهُ يُعَزَّرْ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تُذْكَرُ لِلشَّتِيمَةِ فِي عُرْفِنَا، وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ اسْتَحْسَنَ التَّعْزِيرَ إِذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ مِنَ الْأَشْرَافِ فَتَحَصَّلَتْ ثَلَاثَةٌ، ثُمَّ الْأَوْلَى لِلْإِنْسَانِ فِيمَا إِذَا قِيلَ لَهُ مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ لَا يُجِيبُهُ قَالُوا: وَلَوْ قَالَ لَهُ يَا خَبِيثُ الْأَحْسَنُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ وَلَوْ رُفِعَ إِلَى الْقَاضِي لِيُؤَدِّبَهُ يَجُوزُ، وَلَوْ أَجَابَ مَعَ هَذَا فَقَالَ: بَلْ أَنْتَ لَا بَأْسَ، وَإِذَا أَسَاءَ الْعَبْدُ حَلَّ لِمَوْلَاهُ تَأْدِيبُهُ، وَكَذَا الزَّوْجَةُ وَبَائِعُ الْخَمْرِ، وَآكِلُ الرِّبَا يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ وَكَذَا الْمُغَنِّي وَالْمُخَنَّثُ وَالنَّائِحَةُ يُعَزَّرُونَ وَيُحْبَسُونَ حَتَّى يُحْدِثُوا تَوْبَةً، وَكَذَا الْمُسْلِمُ إِذَا شَتَمَ الذِّمِّيَّ يُعَزَّرُ ; لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً وَكَذَا مَنْ قَبَّلَ أَجْنَبِيَّةً أَوْ عَانَقَهَا أَوْ مَسَّهَا بِشَهْوَةٍ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَمَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ) أَيْ بِالْجِمَاعِ مُتَعَمِّدًا أَيْ (فَاقْتُلُوهُ) قِيلَ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِذَلِكَ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: حَكَمَ أَحْمَدُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقَالَ غَيْرُهُ: إِذَا زُجِرَ وَإِلَّا حُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الزُّنَاةِ يُرْجَمُ إِنْ كَانَ مُحْصَنًا وَيُجْلَدُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 5072
٣٦٣٣ - وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاحْرُقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٣٦٣٣ - (وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ» ) أَيْ خَانَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) بِأَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ (فَاحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِحْرَاقُ الْمَتَاعِ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ نُسِخَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَمَّا تَأْدِيبُهُ عُقُوبَةً فِي نَفْسِهِ عَلَى سُوءِ فِعْلِهِ فَلَا أَعْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، وَأَمَّا عُقُوبَتُهُ فِي مَالِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، فَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يُحْرَقُ مَالُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُصْحَفًا أَوْ حَيَوَانًا، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِلَّا أَنَّهُ لَا يُحْرَقُ مَا قَدْ غَلَّ ; لِأَنَّ حَقَّ الْغَاَنِمِينَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُعَاقَبُ الرَّجُلُ فِي بَدَنِهِ دُونَ مَتَاعِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 5073
[بَابُ بَيَانِ الْخَمْرِ وَوَعِيدِ شَارِبِهَا]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٦٣٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
بَابُ بَيَانِ الْخَمْرِ وَوَعِيدِ شَارِبِهَا
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٦٣٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ» ) بِالْجَرِّ فِيهِمَا بَدَلًا، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِهِمَا، وَيَجُوزُ نَصْبُهُمَا ثُمَّ إِنَّهُ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّ مُعْظَمَ خُمُورِهَا كَانَ مِنْهُمَا لَا أَنَّهُ لَا خَمْرَ إِلَّا مِنْهُمَا، لِقَوْلِهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» . وَهُوَ عَامٌّ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ بَيَانُ حُصُولِ الْخَمْرِ مِنْهُمَا غَالِبًا وَلَيْسَ لِلْحَصْرِ لِخُلُوِّ التَّرْكِيبِ، عَنْ أَدَاتِهِ وَلِأَنَّ عُمَرَ ﵁ زَادَ عَلَيْهِ إِلَى خَمْسَةٍ وَتَعْدَادُ عُمَرَ أَيْضًا لَيْسَ لِلْحَصْرِ لِتَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ الْمَرَامِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ.
стр. 5074
٣٦٣٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَمَرَ الْعَقْلَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٦٣٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنَ (قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ) أَيِ الْخَمْرُ وَفِي الْقَامُوسِ قَدْ يُذَكَّرُ (مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَمَرَ الْعَقْلَ) أَيْ سَتَرَهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِيهِ أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْخَمْرِ إِذَا سَتَرَ، وَفِيهِ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنْ لَا خَمْرَ إِلَّا مِنْ عِنَبٍ وَهَذَا غَفْلَةٌ مِنْهُ عَنْ مَذْهَبِهِ فَإِنَّ الْخَمْرَ عَلَى مَا عَرَّفَهُ عُلَمَاؤُنَا هِيَ الَّتِي مِنْ مَاءِ عِنَبٍ غَلَا وَاشْتَدَّ وَقُذِفَ بِالزُّبْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَمْ يُشْتَرَطِ الْقَذْفُ بِالزُّبْدِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5075
٣٦٣٦ - «وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ وَمَا نَجِدُ خَمْرَ الْأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلًا وَعَامَّةُ خَمْرِنَا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٦٣٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ) فِيهِ إِخْبَارٌ بِأَنَّ الْخَمْرَ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ تَحْرِيمَهَا وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهَا ; لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا قَالَ: أَمَرَنَا أَوْ حَرَّمَ أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ كَانَ مَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ( «وَمَا نَجِدُ خَمْرَ الْأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلًا وَعَامَّةُ خَمْرِنَا» ) أَيْ أَكْثَرُهَا (الْبُسْرُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ (وَالتَّمْرُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5076
٣٦٣٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٦٣٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ» ) بِكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ فَوْقِيَّةٍ وَقَدْ يُحَرَّكُ (وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ) وَكَذَا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَزَادَ فِي الْقَامُوسِ الْمُشْتَدُّ أَوْ سُلَالَةُ الْعِنَبِ وَبِالْكَسْرِ الْخَمْرُ (فَقَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ عَنِ الْبِتْعِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ مَا أَسْكَرَ وَعَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ بِاطِّرَادِ الْعِلَّةِ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ أَيِ الْآتِي: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَصْرِيحٌ بِتَحْرِيمِ جَمِيعِ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ، وَأَنَّ كُلَّهَا تُسَمَّى خَمْرًا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْفَضِيخُ وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالرُّطَبِ وَالْبُسْرِ وَالزَّبِيبِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْعَسَلِ وَغَيْرِهَا، هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّمَا يَحْرُمُ عَصْرُ ثَمَرَاتِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا إِلَّا أَنْ يُطْبَخَ حَتَّى يَنْقُصَ ثُلُثُهَا وَأَمَّا نَقِيعُ التَّمْرِ وَالرُّطَبِ، فَقَالَ: يَحِلُّ مَطْبُوخُهَا وَإِنْ مَسَّتْهُ النَّارُ شَيْئًا قَلِيلًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ حَدٍّ كَمَا اعْتُبِرَ الثُّلُثُ فِي سُلَالَةِ الْعِنَبِ، قَالَ: وَالَّتِي مِنْهُ حَرَامٌ وَلَكِنْ لَا يُحَدُّ شَارِبُهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يُسْكِرْ فَإِنْ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَنِ اعْتَبَرَ الْإِسْكَارَ بِالْقُوَّةِ مَنَعَ شُرْبَ الْمُثَلَّثِ، وَمَنِ اعْتَبَرَهُ بِالْفِعْلِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَمْ يَمْنَعْهُ ; لِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ غَيْرُ مُسْكِرٍ بِالْفِعْلِ، وَأَمَّا الْقَلِيلُ مِنَ الْخَمْرِ فَحَرَامٌ، وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ. وَسَيَأْتِي مَا بِهِ يُسْتَقْصَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ.
стр. 5077
٣٦٣٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٦٣٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَنْ سَكِرَ مِنَ النَّبِيذِ حُدَّ وَالْحَدُّ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ مِنَ الْأَنْبِذَةِ بِالسُّكْرِ، وَفِي الْخَمْرِ بِشُرْبِ قَطْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ كُلُّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ وَحُدَّ بِهِ لِقَوْلِهِ ﵊: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَهَذَانِ مَطْلُوبَانِ وَيَسْتَدِلُّونَ تَارَةً بِالْقِيَاسِ وَتَارَةً بِالسَّمَاعِ، أَمَّا السَّمَاعُ فَتَارَةً بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ لُغَةً كُلُّ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، وَتَارَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَمِنَ الْأَوَّلِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ الْحَدِيثَ، وَمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْهُ ﵊: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» . وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» ، فَأَمَّا مَا يُقَالُ: أَنَّ ابْنَ مَعِينٍ طَعَنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يُوجَدْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَكَيْفَ لَهُ بِذَلِكَ وَقَدْ رَوَى الْجَمَاعَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: كَنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَوْلُ عُمَرَ: الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. وَإِذَا ثَبَتَ عُمُومُ الِاسْمِ ثَبَتَ تَحْرِيمُ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ بِنَصِّ
стр. 5078
الْقُرْآنُ وَوُجُوبُ الْحَدِّ بِالْحَدِيثِ الْمُوجِبِ ثُبُوتُهُ فِي الْخَمْرِ ; لِأَنَّهُ مُسَمَّى الْخَمْرِ لَكِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّشْبِيهِ بِحَذْفِ أَدَاتِهِ، فَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ كَ (زَيْدٌ أَسَدٌ) أَيْ فِي حُكْمِهِ وَكَذَا الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ أَوْ مِنْ خَمْسَةٍ هُوَ عَلَى الِادِّعَاءِ حِينَ اتَّحَدَ حُكْمُهَا بِهَا جَازَ تَنْزِيلُهَا مَنْزِلَتَهَا فِي الِاسْتِعْمَالِ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الِاسْتِعْمَالَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ، تَقُولُ: السُّلْطَانُ هُوَ فُلَانٌ إِذَا كَانَ فُلَانٌ نَافِذَ الْكَلِمَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَيَعْمَلُ بِكَلَامِهِ أَيِ الْمُحَرَّمُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مَاءِ الْعِنَبِ بَلْ كُلُّ مَا كَانَ مِثْلَهُ، مِنْ كَذَا مِثْلُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ هُوَ، وَلَا يُرَادُ بِهِ إِلَّا الْحُكْمُ ثُمَّ لَا يَلْزَمُ فِي التَّشْبِيهِ عُمُومُ وَجْهِهِ فِي كُلِّ صِفَةٍ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ثُبُوتُ الْحَدِّ بِالْأَشْرِبَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الْخَمْرِ بَلْ يَصِحُّ الْحَمْلُ الْمَذْكُورُ فِيهَا بِثُبُوتِ حُرْمَتِهَا فِي الْجُمْلَةِ إِمَّا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا أَوْ كَثِيرِهَا الْمُسْكِرِ مِنْهَا، وَكَوْنُ التَّشْبِيهِ خِلَافَ الْأَصْلِ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ عِنْدَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّ الثَّابِتَ فِي اللُّغَةِ مِنْ تَفْسِيرِ الْخَمْرِ بِالنَّيِّءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إِذَا اشْتَدَّ وَهَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِيهِ مِنْ تَتَبُّعِ مَوَاقِعِ اسْتِعْمَالَاتِهِمْ وَلَقَدْ يَطُولُ الْكَلَامُ بِإِيرَادِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ الْمَذْكُورَ عَلَى الْخَمْرِ بِطَرِيقِ التَّشْبِيهِ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ (حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ مَاءَ الْعِنَبِ لِثُبُوتِ أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ غَيْرُهَا لِمَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِ أَنَسٍ، وَمَا شَرَابُهُمْ يَوْمَئِذٍ - أَيْ يَوْمَ حُرِّمَتْ - إِلَّا الْفَضِيخُ الْبُسْرُ وَالتَّمْرِ، فَعُرِفَ أَنَّ مَا أُطْلِقَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَمْلِ لِغَيْرِهَا عَلَيْهَا، هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِغَيْرِ عُمُومِ الِاسْمِ لُغَةً فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْهُ ﵊: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» ، وَمَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ. وَفِي لَفْظِ التِّرْمِذِيِّ: فَالْحَسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَجْوَدُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ. أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لِأَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ الثِّقَاتِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: وَاحْتَجَّ بِهِمَا الشَّيْخَانِ فَحِينَئِذٍ فَجَوَابُهُمْ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَكَذَا حَمْلُهُ عَلَى مَا بِهِ حَصَلَ السُّكْرُ، وَهُوَ الْقَدَحُ الْأَخِيرُ ; لِأَنَّهُ صَرِيحُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْقَلِيلُ وَمَا أُسْنِدَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، قَالَ: هِيَ الشَّرْبَةُ الَّتِي أَسْكَرَتْكَ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ فِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَعَمَّارُ بْنُ مَطَرٍ قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ يَعْنِي النَّخَعِيَّ وَأُسْنِدَ إِلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: حَدِيثٌ بَاطِلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَسُنَ عَارَضَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَرْفُوعَاتِ الصَّرِيحَةِ الصَّحِيحَةِ فِي تَحْرِيمِ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، وَلَوْ عَارَضَهُ كَانَ الْمُحَرَّمُ مُقَدَّمًا، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ، لَمْ يَسْلَمْ، نَعَمْ هُوَ مِنْ طَرِيقٍ جَيِّدَةٍ عَنِ ابْنِ عَوْفٍ عَنِ ابْنِ شَدَّادٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: وَمَا أَسْكَرَ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي شُبْرُمَةَ، وَهَذَا إِنَّمَا فِيهِ تَحْرِيمُ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ وَإِذَا كَانَتْ طَرِيقُهُ أَقْوَى وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَلَفْظُ السُّكْرِ تَصْحِيفٌ ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ تَرْجِيحُ الْمَنْعِ السَّابِقِ عَلَيْهِ يَكُونُ التَّرْجِيحُ فِي حَقِّ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ ثُبُوتَ الْحَقِّ بِالْقَلِيلِ إِلَّا بِسَمْعٍ أَوْ قِيَاسٍ فَهُمْ يَقِيسُونَهُ بِجَامِعِ كَوْنِهِ مُسْكِرًا، وَلِأَصْحَابِنَا فِيهِ مَنْعٌ خُصُوصًا وَعُمُومًا أَمَّا خُصُوصًا فَمَنَعُوا أَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ مُعَلَّلَةٌ بِالْإِسْكَارِ إِذْ ذُكِرَ عَنْهُ ﵊: «حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَالْمُسْكِرُ» . إِلَخْ وَفِيهِ مَا عَلِمْتَ ثُمَّ قَوْلُهُ (بِعَيْنِهَا) لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ عِلَّةَ الْحُرْمَةِ عَيْنُهَا بَلْ إِنَّ عَيْنَهَا حُرِّمَتْ وَلِذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا. وَالرِّوَايَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِيهِ بِالْيَاءِ لَا بِاللَّامِ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْإِسْكَارَ هُوَ الْمُحَرَّمُ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ ; لِأَنَّهُ الْمُوقِعُ لِلْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنِ الصَّلَاةِ وَإِتْيَانِ الْمَفَاسِدِ مِنَ الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ كَمَا أَشَارَ النَّصُّ إِلَى عَيْنِهَا، وَلَكِنَّ تَقْدِيرَ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بِالْقِيَاسِ لَا يُثْبِتُ الْحَدَّ ; لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يُثْبَتْ بِمُجَرَّدِ الشُّرْبِ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ وَلَكِنْ ثَبَتَ بِالسُّكْرِ مِنْهُ بِأَحَادِيثَ مِنْهَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِذَا سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ. الْحَدِيثَ وَلَوْ ثَبَتَ بِهِ حِلُّ مَا لَمْ يُسْكُرْ لَكَانَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ وَهُوَ مُنْتَفٍ عِنْدَهُمْ فَمُوجِبُهُ لَيْسَ إِلَّا ثُبُوتُ الْحَدِّ بِالسُّكْرِ، ثُمَّ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى السُّكْرِ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ ; لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ مِنَ الْخَمْرِ يَنْفِي فَائِدَةَ التَّقْيِيدِ بِالسُّكْرِ ; لِأَنَّ فِي الْخَمْرِ حَدًّا بِالْقَلِيلِ مِنْهَا بَلْ يُوهِمُ عَدَمَ التَّقْيِيدِ بِغَيْرِهَا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ
стр. 5079
مِنْهَا حَتَّى يَسْكَرَ وَإِذَا وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِهَا صَارَ الْحَدُّ مُنْتَفِيًا عِنْدَ عَدَمِ السُّكْرِ بِالْأَصْلِ حَتَّى يَثْبُتَ مَا يُخْرِجُهُ عَنْهَا، وَمِنْهَا مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا شَرِبَ مِنْ إِدَاوَةِ عُمَرَ نَبِيذًا فَسَكِرَ مِنْهُ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: إِنَّمَا شَرِبْتُهُ مِنْ إِدَاوَتِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّمَا جَلَدْنَاكَ بِالسُّكْرِ. وَهُوَ ضَعِيفٌ بِسَعِيدِ بْنِ دُنَى. . لِقُوَّةِ ضَعْفِهِ وَفِيهِ جَهَالَةٌ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ مُخَارِقٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سَايَرَ رَجُلًا فِي سَفَرٍ، وَكَانَ صَائِمًا فَلَمَّا أَفْطَرَ أَهْوَى إِلَى قِرْبَةٍ لِعُمَرَ مُعَلَّقَةً فِيهَا نَبِيذٌ فَشَرِبَهُ فَسَكِرَ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ الْحَدَّ فَقَالَ: إِنَّمَا شَرِبْتُهُ مِنْ قِرْبَتِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّمَا جَلَدْنَاكَ لِسُكْرِكَ وَفِيهِ بَلَاغٌ وَهُوَ عِنْدِي انْقِطَاعٌ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ دَاوَرَ بِفَتْحِ الْوَاوِ فِيهِ مَقَالٌ: وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ فِرَاسٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلًا شَرِبَ مِنْ إِدَاوَةِ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ فَسَكِرَ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ ثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ وَقَالَ: فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ حَجَّاجٍ عَنِ ابْنِ عَوْفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فِي السُّكْرِ مِنَ النَّبِيذِ ثَمَانِينَ. فَهَذِهِ وَإِنْ ضَعُفَ بَعْضُهَا فَتَعَدُّدُ الطُّرُقِ يُرَقِّيهِ إِلَى الْحَسَنِ مَعَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْحَدِّ بِالْكَثِيرِ فَإِنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ بِالْحَدِّ فِي الْقَلِيلِ (وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا) أَيْ يُدَاوِمُ عَلَى شُرْبِهَا بِأَنْ (لَمْ يَتُبْ) عَنْهَا حَتَّى مَاتَ عَلَى ذَلِكَ (لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ) أَيْ إِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا لَهَا أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الزَّجْرُ الْأَكِيدُ وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ، وَفِي النِّهَايَةِ: هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ بِالْبَيَانِ، أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ ; لِأَنَّ الْخَمْرَ مِنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قِيلَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ شُرْبُهَا فَإِنَّهَا مِنْ فَاخِرِ أَشْرِبَةِ الْجَنَّةِ، فَيُحْرَمُهَا هَذَا الْعَاصِي بِشُرْبِهَا فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَنْسَى شَهْوَتَهَا ; لِأَنَّ الْجَنَّةَ فِيهَا كُلُّ مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ وَقِيلَ: لَا يَشْتَهِيهَا وَإِنْ ذَكَرَهَا، وَيَكُونُ هَذَا نَقْصًا عَظِيمًا بِحِرْمَانِهِ عَنْ أَشْرَفِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ، قُلْتُ: وَنَظِيرُهُ حِرْمَانُ الْمُعْتَزِلِيِّ وَنَحْوِهِ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَيَّدَ الْحِرْمَانُ بِمِقْدَارِ مُدَّةِ عَيْشِ الْعَاصِي فِي الدُّنْيَا أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ مَعَ الْفَائِزِينَ السَّابِقِينِ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، أَوْ لَمْ يَشْرَبْهَا شُرْبًا كَامِلًا فِي الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّائِبِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
стр. 5080
٣٦٣٩ - وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَمُسْكِرٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٦٣٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ) أَيْ بِدَارِ أَهْلِ الْيَمَنِ (مِنَ الذُّرَةِ) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ حَبٌّ مَعْرُوفٌ وَأَصْلُهُ ذُرَوْ أَوْ ذُرَى وَالْهَاءُ عِوَضٌ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، " وَمِنْ " مُتَعَلِّقٌ بِ يَشْرَبُ أَوْ بَيَانِيَّةٌ (يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَمُسْكِرٌ) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ أَيَشْرَبُونَهُ وَمُسْكِرٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا) اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ أَيْ وَعِيدًا أَكِيدًا (لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهُ وَضَمِّهِ (مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: ضُمِّنَ عَهْدٌ مَعْنَى الْحَتْمِ فَعُدِّيَ بِعَلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] أَيْ كَانَ وُرُودُهُمْ وَسَقْيُهُمْ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ وَاجِبًا عَلَى اللَّهِ وَعِيدًا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَوْعَدَ عَلَيْهِ وَعَزَمَ عَلَى أَلَّا يَكُونَ غَيْرَهُمَا وَفِيهِ مَعْنَى الْحَلِفِ وَالْقَسَمِ لِقَوْلِهِ ﷺ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ وَقَوْلِهِ: «حَلَفَ رَبِّي بِعِزَّتِهِ لَا يَشْرَبُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي جَرْعَةً مِنْ خَمْرَةٍ إِلَّا سَقَيْتُهُ مِنَ الصَّدِيدِ مِثْلَهَا» وَاللَّامُ فِي لِمَنْ يَشْرَبُ بَيَانٌ كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ: إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا قِيلَ: هَذَا الْعَهْدُ لِمَنْ قِيلَ لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ (مَا) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ عَلَى الْحِكَايَةِ وَعَلَى طِبْقِهِ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ) أَيْ مَا يَسِيلُ عَنْهُمْ مِنَ الدَّمِ وَالصَّدِيدِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
следующие страницы →