← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

٣٦٣٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٣٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ» ) بِكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ فَوْقِيَّةٍ وَقَدْ يُحَرَّكُ (وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ) وَكَذَا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَزَادَ فِي الْقَامُوسِ الْمُشْتَدُّ أَوْ سُلَالَةُ الْعِنَبِ وَبِالْكَسْرِ الْخَمْرُ (فَقَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ عَنِ الْبِتْعِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ مَا أَسْكَرَ وَعَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ بِاطِّرَادِ الْعِلَّةِ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ أَيِ الْآتِي: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَصْرِيحٌ بِتَحْرِيمِ جَمِيعِ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ، وَأَنَّ كُلَّهَا تُسَمَّى خَمْرًا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْفَضِيخُ وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالرُّطَبِ وَالْبُسْرِ وَالزَّبِيبِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْعَسَلِ وَغَيْرِهَا، هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّمَا يَحْرُمُ عَصْرُ ثَمَرَاتِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا إِلَّا أَنْ يُطْبَخَ حَتَّى يَنْقُصَ ثُلُثُهَا وَأَمَّا نَقِيعُ التَّمْرِ وَالرُّطَبِ، فَقَالَ: يَحِلُّ مَطْبُوخُهَا وَإِنْ مَسَّتْهُ النَّارُ شَيْئًا قَلِيلًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ حَدٍّ كَمَا اعْتُبِرَ الثُّلُثُ فِي سُلَالَةِ الْعِنَبِ، قَالَ: وَالَّتِي مِنْهُ حَرَامٌ وَلَكِنْ لَا يُحَدُّ شَارِبُهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يُسْكِرْ فَإِنْ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَنِ اعْتَبَرَ الْإِسْكَارَ بِالْقُوَّةِ مَنَعَ شُرْبَ الْمُثَلَّثِ، وَمَنِ اعْتَبَرَهُ بِالْفِعْلِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَمْ يَمْنَعْهُ ; لِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ غَيْرُ مُسْكِرٍ بِالْفِعْلِ، وَأَمَّا الْقَلِيلُ مِنَ الْخَمْرِ فَحَرَامٌ، وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ. وَسَيَأْتِي مَا بِهِ يُسْتَقْصَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ.

стр. 5077

٣٦٣٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٣٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَنْ سَكِرَ مِنَ النَّبِيذِ حُدَّ وَالْحَدُّ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ مِنَ الْأَنْبِذَةِ بِالسُّكْرِ، وَفِي الْخَمْرِ بِشُرْبِ قَطْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ كُلُّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ وَحُدَّ بِهِ لِقَوْلِهِ ﵊: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَانِ مَطْلُوبَانِ وَيَسْتَدِلُّونَ تَارَةً بِالْقِيَاسِ وَتَارَةً بِالسَّمَاعِ، أَمَّا السَّمَاعُ فَتَارَةً بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ لُغَةً كُلُّ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، وَتَارَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَمِنَ الْأَوَّلِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ الْحَدِيثَ، وَمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْهُ ﵊: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» . وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» ، فَأَمَّا مَا يُقَالُ: أَنَّ ابْنَ مَعِينٍ طَعَنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يُوجَدْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَكَيْفَ لَهُ بِذَلِكَ وَقَدْ رَوَى الْجَمَاعَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: كَنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَوْلُ عُمَرَ: الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. وَإِذَا ثَبَتَ عُمُومُ الِاسْمِ ثَبَتَ تَحْرِيمُ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ بِنَصِّ

стр. 5078

الْقُرْآنُ وَوُجُوبُ الْحَدِّ بِالْحَدِيثِ الْمُوجِبِ ثُبُوتُهُ فِي الْخَمْرِ ; لِأَنَّهُ مُسَمَّى الْخَمْرِ لَكِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّشْبِيهِ بِحَذْفِ أَدَاتِهِ، فَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ كَ (زَيْدٌ أَسَدٌ) أَيْ فِي حُكْمِهِ وَكَذَا الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ أَوْ مِنْ خَمْسَةٍ هُوَ عَلَى الِادِّعَاءِ حِينَ اتَّحَدَ حُكْمُهَا بِهَا جَازَ تَنْزِيلُهَا مَنْزِلَتَهَا فِي الِاسْتِعْمَالِ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الِاسْتِعْمَالَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ، تَقُولُ: السُّلْطَانُ هُوَ فُلَانٌ إِذَا كَانَ فُلَانٌ نَافِذَ الْكَلِمَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَيَعْمَلُ بِكَلَامِهِ أَيِ الْمُحَرَّمُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مَاءِ الْعِنَبِ بَلْ كُلُّ مَا كَانَ مِثْلَهُ، مِنْ كَذَا مِثْلُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ هُوَ، وَلَا يُرَادُ بِهِ إِلَّا الْحُكْمُ ثُمَّ لَا يَلْزَمُ فِي التَّشْبِيهِ عُمُومُ وَجْهِهِ فِي كُلِّ صِفَةٍ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ثُبُوتُ الْحَدِّ بِالْأَشْرِبَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الْخَمْرِ بَلْ يَصِحُّ الْحَمْلُ الْمَذْكُورُ فِيهَا بِثُبُوتِ حُرْمَتِهَا فِي الْجُمْلَةِ إِمَّا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا أَوْ كَثِيرِهَا الْمُسْكِرِ مِنْهَا، وَكَوْنُ التَّشْبِيهِ خِلَافَ الْأَصْلِ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ عِنْدَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّ الثَّابِتَ فِي اللُّغَةِ مِنْ تَفْسِيرِ الْخَمْرِ بِالنَّيِّءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إِذَا اشْتَدَّ وَهَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِيهِ مِنْ تَتَبُّعِ مَوَاقِعِ اسْتِعْمَالَاتِهِمْ وَلَقَدْ يَطُولُ الْكَلَامُ بِإِيرَادِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ الْمَذْكُورَ عَلَى الْخَمْرِ بِطَرِيقِ التَّشْبِيهِ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ (حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ مَاءَ الْعِنَبِ لِثُبُوتِ أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ غَيْرُهَا لِمَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِ أَنَسٍ، وَمَا شَرَابُهُمْ يَوْمَئِذٍ - أَيْ يَوْمَ حُرِّمَتْ - إِلَّا الْفَضِيخُ الْبُسْرُ وَالتَّمْرِ، فَعُرِفَ أَنَّ مَا أُطْلِقَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَمْلِ لِغَيْرِهَا عَلَيْهَا، هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِغَيْرِ عُمُومِ الِاسْمِ لُغَةً فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْهُ ﵊: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» ، وَمَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ. وَفِي لَفْظِ التِّرْمِذِيِّ: فَالْحَسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَجْوَدُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ. أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لِأَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ الثِّقَاتِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: وَاحْتَجَّ بِهِمَا الشَّيْخَانِ فَحِينَئِذٍ فَجَوَابُهُمْ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَكَذَا حَمْلُهُ عَلَى مَا بِهِ حَصَلَ السُّكْرُ، وَهُوَ الْقَدَحُ الْأَخِيرُ ; لِأَنَّهُ صَرِيحُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْقَلِيلُ وَمَا أُسْنِدَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، قَالَ: هِيَ الشَّرْبَةُ الَّتِي أَسْكَرَتْكَ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ فِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَعَمَّارُ بْنُ مَطَرٍ قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ يَعْنِي النَّخَعِيَّ وَأُسْنِدَ إِلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: حَدِيثٌ بَاطِلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَسُنَ عَارَضَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَرْفُوعَاتِ الصَّرِيحَةِ الصَّحِيحَةِ فِي تَحْرِيمِ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، وَلَوْ عَارَضَهُ كَانَ الْمُحَرَّمُ مُقَدَّمًا، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ، لَمْ يَسْلَمْ، نَعَمْ هُوَ مِنْ طَرِيقٍ جَيِّدَةٍ عَنِ ابْنِ عَوْفٍ عَنِ ابْنِ شَدَّادٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: وَمَا أَسْكَرَ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي شُبْرُمَةَ، وَهَذَا إِنَّمَا فِيهِ تَحْرِيمُ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ وَإِذَا كَانَتْ طَرِيقُهُ أَقْوَى وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَلَفْظُ السُّكْرِ تَصْحِيفٌ ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ تَرْجِيحُ الْمَنْعِ السَّابِقِ عَلَيْهِ يَكُونُ التَّرْجِيحُ فِي حَقِّ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ ثُبُوتَ الْحَقِّ بِالْقَلِيلِ إِلَّا بِسَمْعٍ أَوْ قِيَاسٍ فَهُمْ يَقِيسُونَهُ بِجَامِعِ كَوْنِهِ مُسْكِرًا، وَلِأَصْحَابِنَا فِيهِ مَنْعٌ خُصُوصًا وَعُمُومًا أَمَّا خُصُوصًا فَمَنَعُوا أَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ مُعَلَّلَةٌ بِالْإِسْكَارِ إِذْ ذُكِرَ عَنْهُ ﵊: «حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَالْمُسْكِرُ» . إِلَخْ وَفِيهِ مَا عَلِمْتَ ثُمَّ قَوْلُهُ (بِعَيْنِهَا) لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ عِلَّةَ الْحُرْمَةِ عَيْنُهَا بَلْ إِنَّ عَيْنَهَا حُرِّمَتْ وَلِذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا. وَالرِّوَايَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِيهِ بِالْيَاءِ لَا بِاللَّامِ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْإِسْكَارَ هُوَ الْمُحَرَّمُ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ ; لِأَنَّهُ الْمُوقِعُ لِلْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنِ الصَّلَاةِ وَإِتْيَانِ الْمَفَاسِدِ مِنَ الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ كَمَا أَشَارَ النَّصُّ إِلَى عَيْنِهَا، وَلَكِنَّ تَقْدِيرَ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بِالْقِيَاسِ لَا يُثْبِتُ الْحَدَّ ; لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يُثْبَتْ بِمُجَرَّدِ الشُّرْبِ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ وَلَكِنْ ثَبَتَ بِالسُّكْرِ مِنْهُ بِأَحَادِيثَ مِنْهَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِذَا سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ. الْحَدِيثَ وَلَوْ ثَبَتَ بِهِ حِلُّ مَا لَمْ يُسْكُرْ لَكَانَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ وَهُوَ مُنْتَفٍ عِنْدَهُمْ فَمُوجِبُهُ لَيْسَ إِلَّا ثُبُوتُ الْحَدِّ بِالسُّكْرِ، ثُمَّ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى السُّكْرِ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ ; لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ مِنَ الْخَمْرِ يَنْفِي فَائِدَةَ التَّقْيِيدِ بِالسُّكْرِ ; لِأَنَّ فِي الْخَمْرِ حَدًّا بِالْقَلِيلِ مِنْهَا بَلْ يُوهِمُ عَدَمَ التَّقْيِيدِ بِغَيْرِهَا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ

стр. 5079

مِنْهَا حَتَّى يَسْكَرَ وَإِذَا وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِهَا صَارَ الْحَدُّ مُنْتَفِيًا عِنْدَ عَدَمِ السُّكْرِ بِالْأَصْلِ حَتَّى يَثْبُتَ مَا يُخْرِجُهُ عَنْهَا، وَمِنْهَا مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا شَرِبَ مِنْ إِدَاوَةِ عُمَرَ نَبِيذًا فَسَكِرَ مِنْهُ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: إِنَّمَا شَرِبْتُهُ مِنْ إِدَاوَتِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّمَا جَلَدْنَاكَ بِالسُّكْرِ. وَهُوَ ضَعِيفٌ بِسَعِيدِ بْنِ دُنَى. . لِقُوَّةِ ضَعْفِهِ وَفِيهِ جَهَالَةٌ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ مُخَارِقٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سَايَرَ رَجُلًا فِي سَفَرٍ، وَكَانَ صَائِمًا فَلَمَّا أَفْطَرَ أَهْوَى إِلَى قِرْبَةٍ لِعُمَرَ مُعَلَّقَةً فِيهَا نَبِيذٌ فَشَرِبَهُ فَسَكِرَ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ الْحَدَّ فَقَالَ: إِنَّمَا شَرِبْتُهُ مِنْ قِرْبَتِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّمَا جَلَدْنَاكَ لِسُكْرِكَ وَفِيهِ بَلَاغٌ وَهُوَ عِنْدِي انْقِطَاعٌ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ دَاوَرَ بِفَتْحِ الْوَاوِ فِيهِ مَقَالٌ: وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ فِرَاسٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلًا شَرِبَ مِنْ إِدَاوَةِ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ فَسَكِرَ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ ثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ وَقَالَ: فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ حَجَّاجٍ عَنِ ابْنِ عَوْفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فِي السُّكْرِ مِنَ النَّبِيذِ ثَمَانِينَ. فَهَذِهِ وَإِنْ ضَعُفَ بَعْضُهَا فَتَعَدُّدُ الطُّرُقِ يُرَقِّيهِ إِلَى الْحَسَنِ مَعَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْحَدِّ بِالْكَثِيرِ فَإِنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ بِالْحَدِّ فِي الْقَلِيلِ (وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا) أَيْ يُدَاوِمُ عَلَى شُرْبِهَا بِأَنْ (لَمْ يَتُبْ) عَنْهَا حَتَّى مَاتَ عَلَى ذَلِكَ (لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ) أَيْ إِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا لَهَا أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الزَّجْرُ الْأَكِيدُ وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ، وَفِي النِّهَايَةِ: هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ بِالْبَيَانِ، أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ ; لِأَنَّ الْخَمْرَ مِنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قِيلَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ شُرْبُهَا فَإِنَّهَا مِنْ فَاخِرِ أَشْرِبَةِ الْجَنَّةِ، فَيُحْرَمُهَا هَذَا الْعَاصِي بِشُرْبِهَا فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَنْسَى شَهْوَتَهَا ; لِأَنَّ الْجَنَّةَ فِيهَا كُلُّ مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ وَقِيلَ: لَا يَشْتَهِيهَا وَإِنْ ذَكَرَهَا، وَيَكُونُ هَذَا نَقْصًا عَظِيمًا بِحِرْمَانِهِ عَنْ أَشْرَفِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ، قُلْتُ: وَنَظِيرُهُ حِرْمَانُ الْمُعْتَزِلِيِّ وَنَحْوِهِ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَيَّدَ الْحِرْمَانُ بِمِقْدَارِ مُدَّةِ عَيْشِ الْعَاصِي فِي الدُّنْيَا أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ مَعَ الْفَائِزِينَ السَّابِقِينِ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، أَوْ لَمْ يَشْرَبْهَا شُرْبًا كَامِلًا فِي الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّائِبِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

стр. 5080

٣٦٣٩ - وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَمُسْكِرٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٣٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ) أَيْ بِدَارِ أَهْلِ الْيَمَنِ (مِنَ الذُّرَةِ) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ حَبٌّ مَعْرُوفٌ وَأَصْلُهُ ذُرَوْ أَوْ ذُرَى وَالْهَاءُ عِوَضٌ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، " وَمِنْ " مُتَعَلِّقٌ بِ يَشْرَبُ أَوْ بَيَانِيَّةٌ (يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَمُسْكِرٌ) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ أَيَشْرَبُونَهُ وَمُسْكِرٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا) اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ أَيْ وَعِيدًا أَكِيدًا (لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهُ وَضَمِّهِ (مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: ضُمِّنَ عَهْدٌ مَعْنَى الْحَتْمِ فَعُدِّيَ بِعَلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] أَيْ كَانَ وُرُودُهُمْ وَسَقْيُهُمْ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ وَاجِبًا عَلَى اللَّهِ وَعِيدًا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَوْعَدَ عَلَيْهِ وَعَزَمَ عَلَى أَلَّا يَكُونَ غَيْرَهُمَا وَفِيهِ مَعْنَى الْحَلِفِ وَالْقَسَمِ لِقَوْلِهِ ﷺ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ وَقَوْلِهِ: «حَلَفَ رَبِّي بِعِزَّتِهِ لَا يَشْرَبُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي جَرْعَةً مِنْ خَمْرَةٍ إِلَّا سَقَيْتُهُ مِنَ الصَّدِيدِ مِثْلَهَا» وَاللَّامُ فِي لِمَنْ يَشْرَبُ بَيَانٌ كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ: إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا قِيلَ: هَذَا الْعَهْدُ لِمَنْ قِيلَ لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ (مَا) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ عَلَى الْحِكَايَةِ وَعَلَى طِبْقِهِ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ) أَيْ مَا يَسِيلُ عَنْهُمْ مِنَ الدَّمِ وَالصَّدِيدِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5081

٣٦٤٠ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَعَنْ خَلِيطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ، وَقَالَ: انْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٤٠ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ» ) فِي الْقَامُوسِ: هُوَ التَّمْرُ قَبْلَ إِرْطَابِهِ (وَعَنْ خَلِيطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ) أَيِ الْبُسْرِ الْمُلَوَّنِ (وَالرُّطَبِ وَقَالَ: انْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدَةٍ عَلَى حِدَةٍ) أَيْ بِانْفِرَادِهَا قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْخَلْطِ وَجَوَّزَ انْتِبَاذَ كُلِّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَسْرَعَ التَّغَيُّرُ إِلَى أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ فَيُفْسِدُ الْآخَرَ، وَرُبَّمَا لَمْ يَظْهَرْ فَيَتَنَاوَلُ مُحَرَّمًا، وَفِي شَرْحِ الْمُظْهِرِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: يَحْرُمُ شُرْبُ نَبِيذٍ خُلِطَ فِيهِ شَيْئَانِ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَحْرُمُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْكِرًا، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 5082

٣٦٤١ - وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ يُتَّخَذُ خَلًّا، فَقَالَ: لَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٤١ - (وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ يُتَّخَذُ خَلًّا» ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ حَالٍ أَيْ عَنْ جَوَازِ جَعْلِ الْخَمْرِ خَلًّا بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهَا مِنْ نَحْوِ بَصَلٍ أَوْ مِلْحٍ أَوْ بِوَضْعِهَا فِي شَمْسٍ (فَقَالَ: لَا) فِيهِ حُرْمَةُ التَّخْلِيلِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ: يَطْهُرُ بِالتَّخْلِيلِ، وَعَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ أَصَحُّهَا عَنْهُ أَنَّ التَّخْلِيلَ حَرَامٌ فَلَوْ خَلَّلَهَا عَصَى وَطَهُرَتْ، وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أُلْقِيَ فِيهِ شَيْءٌ لِلتَّخَلُّلِ لَمْ يَطْهُرْ أَبَدًا، وَأَمَّا بِالنَّقْلِ إِلَى الشَّمْسِ مَثَلًا فَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا تَطْهِيرُهُ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ﵊: لَا. عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَخْلِيلَ الْخَمْرِ أَنَّ الْقَوْمَ كَانَتْ نُفُوسُهُمْ أَلِفَتْ بِالْخَمْرِ وَكُلُّ مَأْلُوفٍ تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ فَخَشِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ دَوَاخِلِ الشَّيْطَانِ فَنَهَاهُمْ عَنِ اقْتِرَانِهِمْ نَهْيَ تَنْزِيهٍ كَيْلَا يَتَّخِذُوا التَّخْلِيلَ وَسِيلَةً إِلَيْهَا، وَأَمَّا بَعْدَ طُولِ عَهْدِ التَّحْرِيمِ فَلَا يُخْشَى هَذِهِ الدَّوَاخِلُ وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ: «وَخَيْرُ خَلِّكُمْ خَلُّ خَمْرِكُمْ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِمَنْصِبِ الشَّارِعِ لَا بَيَانِ اللُّغَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.

стр. 5083

٣٦٤٢ - وَعَنْ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ «أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٤٢ - (وَعَنْ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ) هُوَ ابْنُ حُجْرٍ وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ وَأَنَّهُ صَحَابِيٌّ (أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَهُ صُحْبَةٌ وَلَهُ ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ الْخَمْرِ (سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ) أَيْ عَنْ شُرْبِهَا أَوْ صُنْعِهَا (فَنَهَاهُ) أَيْ عَنْهَا (فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا) أَيْ أَشْتَغِلُهَا أَوْ أَسْتَعْمِلُهَا (لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: إِنَّهُ) أَيِ الْخَمْرَ وَفِي الْقَامُوسِ: إِنَّهُ يُذَكَّرُ وَقِيلَ ذُكِّرَ بِتَأْوِيلِ اسْمٍ مُذَكَّرٍ كَالشَّرَابِ (لَيْسَ بِدَوَاءٍ لَكِنَّهُ دَاءٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ فَيَحْرُمُ التَّدَاوِي بِهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا دَوَاءٌ فَكَأَنَّهُ تَنَاوَلَهَا بِلَا سَبَبٍ، وَأَمَّا إِذَا غُصَّ بِلُقْمَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُسِيغُهَا بِهِ إِلَّا الْخَمْرَ فَيَلْزَمُهُ الْإِسَاغَةُ بِهَا ; لِأَنَّ حُصُولَ الشِّفَاءِ بِهَا حِينَئِذٍ مَقْطُوعٌ بِهِ بِخِلَافِ التَّدَاوِي (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5084

الْفَصْلُ الثَّانِي ٣٦٤٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ; فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَقَاهُ مِنْ نَهْرِ الْخَبَالِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٣٦٤٣ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ) أَيْ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا (لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً) بِالتَّنْوِينِ وَقَوْلُهُ (أَرْبَعِينَ صَبَاحًا) ظَرْفٌ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ أَيْ لَمْ يَجِدْ لَذَّةَ الْمُنَاجَاةِ الَّتِي هِيَ مُخُّ الْعِبَادَاتِ وَلَا الْحُضُورَ الَّذِي هُوَ رُوحُهَا فَلَمْ يَقَعْ عِنْدَ اللَّهِ بِمَكَانٍ وَإِنْ سَقَطَ مُطَالَبَةُ فَرْضِ الْوَقْتِ وَخَصَّ الصَّلَاةَ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهَا سَبَبُ حُرْمَتِهَا أَوْ لِأَنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ عَلَى مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ أُمُّ

стр. 5085

الْعِبَادَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وَقَالَ ﷺ : مَنْ شَرِبَ خَمْرًا خَرَجَ نُورُ الْإِيمَانِ مِنْ جَوْفِهِ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ الْأَشْرَفُ: إِنَّمَا خَصَّ الصَّلَاةَ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهَا أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ مِنْهَا فَلَأَنْ لَا يَقْبَلَ مِنْهَا عِبَادَةً أَصْلًا كَانَ أَوْلَى، قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا وَأَمْثَالُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الزَّجْرِ وَأَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ فَرْضُ الصَّلَاةِ إِذَا أَدَّاهَا بِشَرَائِطِهَا وَلَكِنْ لَيْسَ ثَوَابُ صَلَاةِ الْفَاسِقِ كَثَوَابِ صَلَاةِ الصَّالِحِ، بَلِ الْفِسْقُ يَنْفِي كَمَالَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الطَّاعَاتِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّ لِكُلِّ طَاعَةٍ اعْتِبَارَيْنِ: أَحَدُهُمَا سُقُوطُ الْقَضَاءِ عَنِ الْمُؤَدِّي، وَثَانِيهُمَا تَرْتِيبُ حُصُولِ الثَّوَابِ فَعَبَّرَ عَنْ عَدَمِ تَرْتِيبِ الثَّوَابِ بِعَدَمِ قَبُولِ الصَّلَاةِ (فَإِنْ تَابَ) أَيْ بِالْإِقْلَاعِ وَالنَّدَامَةِ (تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ قَبِلَ تَوْبَتَهُ (فَإِنْ عَادَ) أَيْ إِلَى شُرْبِهَا (لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا) وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّقْيِيدِ بِالْأَرْبَعِينَ لِبَقَاءِ أَثَرِ الشَّرَابِ فِي بَاطِنِهِ مِقْدَارَ هَذِهِ، وَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ: لَوْ تَرَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ كُلَّ الْحَرَامِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَاخْتَلَّ نِظَامُ الْعَالَمِ بِتَرْكِهِمْ أُمُورَ الدُّنْيَا، قِيلَ: لَوْلَا الْحَمْقَى لَخَرِبَتِ الدُّنْيَا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا أَظْهَرَ اللَّهُ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ. رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَوَرَدَ ( «وَمَنْ حَفِظَ عَنْ أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا بَعَثَهُ اللَّهُ فَقِيهًا» . رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِعَدَدِ الْأَرْبَعِينَ تَأْثِيرًا بَلِيغًا فِي صَرْفِهَا إِلَى الطَّاعَةِ أَوِ الْمَعْصِيَةِ وَإِذَا قِيلَ: مَنْ بَلَغَ الْأَرْبَعِينَ وَلَمْ يَغْلِبْ خَيْرُهُ شَرَّهُ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ (فَإِنْ تَابَ) أَيْ رَجِعَ إِلَيْهِ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ (تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ (فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا) ظَاهَرُهُ عَدَمُ قَبُولِ طَاعَتِهِ وَلَوْ تَابَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ مُدَّتِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْفَاءُ التَّعْقِيبِيَّةُ فِي قَوْلِهِ (فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ) وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وَلَوْ كَانَتِ التَّوْبَةُ قَبْلَ ذَلِكَ وَالْفَاءُ تَكُونُ تَفْرِيعِيَّةً (فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ) أَيْ رَجِعَ الرَّجْعَةَ الرَّابِعَةَ وَفِي نُسْخَةٍ فِي الرَّابِعَةِ (لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ) هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي الْوَعِيدِ وَالزَّجْرِ الشَّدِيدِ وَإِلَّا فَقَدَ وَرَدَ ( «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ فَإِنْ تَابَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ عَازِمٌ عَلَى أَنْ يَعُودَ لَا يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، قُلْتُ فِيهِ: إِنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِتَوْبَةٍ مَعَ أَنَّ هَذَا وَارِدٌ فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ لَا خُصُوصِيَّةَ لَهَا بِالرَّابِعَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أَنَّ قَوْلَهُ (إِنْ تَابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ) مَحْمُولٌ عَلَى إِصْرَارِهِ وَمَوْتِهِ عَلَى مَا كَانَ فَإِنَّ عَدَمَ قَبُولِ التَّوْبَةِ لَازِمٌ لِلْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ مَاتَ عَاصِيًا وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ (وَسَقَاهُ) أَيِ اللَّهُ (مِنْ نَهْرِ الْخَبَالِ) . اهـ وَالْمَعْنَى أَنَّ صَدِيدَ أَهْلِ النَّارِ لِكَثْرَتِهِ يَصِيرُ جَارِيًا كَالْأَنْهَارِ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى مَا وَرَدَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ( «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ أَتَى عَطْشَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَعَلَّ نَقْضَ التَّوْبَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِمَّا يَكُونُ سَبَبًا لِغَضَبِ اللَّهِ عَلَى صَاحِبِهَا كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧] وَكَانَ الْغَالِبُ أَنَّ صَاحِبَ الْعَوْدِ إِلَى الذَّنْبِ ثَلَاثًا لَمْ تَصِحِّ لَهُ التَّوْبَةُ كَمَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ الْآيَةُ بِعَدَمِ الْهِدَايَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] الْكَشَّافُ فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ كَيْفَمَا ازْدَادَ كُفْرًا فَإِنَّهُ مَقْبُولُ التَّوْبَةِ إِذَا تَابَ فَمَا مَعْنَى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتَهُمْ، قُلْتُ: جُعِلَتْ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ ; لِأَنَّ الَّذِي لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مِنَ الْكُفَّارِ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ عَلَى الْكُفْرِ، كَأَنَّهُ قِيلَ إِنَّ الْيَهُودَ وَالْمُرْتَدِّينَ مَيِّتُونَ عَلَى الْكُفْرِ دَاخِلُونَ فِي جُمْلَةِ مَنْ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمُ اهـ. وَحَاصِلُ الْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى التَّوْبَةِ فِي الثَّالِثَةِ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.

стр. 5086

٣٦٤٤ - وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. ــ ٣٦٤٤ - (وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَيْ بِالْوَاوِ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ مَرْفُوعًا: «مَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا مَا كَانَ لَمْ يُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» .

стр. 5087

٣٦٤٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٣٦٤٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِالْوَاوِ.

стр. 5088

٣٦٤٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٦٤٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَيُفْتَحُ: مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا كَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا، وَفِي النِّهَايَةِ: الْفَرَقُ بِالْفَتْحِ مِكْيَالٌ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ مُدًّا وَثَلَاثَةُ أَصْوُعٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَقِيلَ: الْفَرَقُ خَمْسَةُ أَقْسَاطٍ الْقِسْطُ نِصْفُ صَاعٍ، فَأَمَّا الْفَرْقُ بِالسُّكُونِ فَمِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَمِنْهُ الْحَدِيثُ ( «مَا أَسْكَرَ الْفِرْقُ مِنْهُ فَالْحَسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ» ) اهـ. فَالسُّكُونُ هُوَ الْأَنْسَبُ بِمَقَامِ الْمُبَالِغَةِ وَكَذَا ضُبِطَ بِهِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْفَرْقُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَصْوُعٍ، وَيُحَرَّكُ أَوْ هُوَ أَفْصَحُ أَوْ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا وَأَرْبَعَةَ أَرْبَاعٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْفَرْقُ بِالسُّكُونِ مِنَ الْأَوَانِي وَالْمَقَادِيرِ مَا يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ مُدًّا، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: سِتَّةَ وَثَلَاثِينَ رِطْلًا، وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ مِنْ أَنَّ الْفَرَقَ بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ يُسَكِّنُونَهَا وَهُوَ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا (فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَرْقُ وَمِلْءُ الْكَفِّ عِبَارَتَانِ عَنِ التَّكْثِيرِ وَالتَّقْلِيلِ لَا التَّحْدِيدِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) .

стр. 5089

٣٦٤٧ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنَ الْحِنْطَةِ خَمْرًا وَمِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا وَمِنَ التَّمْرِ خَمْرًا وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا وَمِنَ الْعَسَلِ خَمْرًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٣٦٤٧ - (وَعَنِ النُّعْمَانِ) بِضَمِّ النُّونِ (ابْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ «مِنَ الْحِنْطَةِ خَمْرًا» ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَسْمِيَتُهُ خَمْرًا مَجَازًا لِإِزَالَتِهِ الْعَقْلَ ( «وَمِنَ التَّمْرِ خَمْرًا وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا وَمِنَ الْعَسَلِ خَمْرًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 5090

٣٦٤٨ - «وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ فَلَمَّا نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ وَقُلْتُ: إِنَّهُ لِيَتِيمٍ، فَقَالَ: أَهْرِيقُوهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٣٦٤٨ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ: كَانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ فَلَمَّا نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ) قَالَ الْمُظْهِرُ: يُرِيدُ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الْآيَتَيْنِ وَفِيهِمَا دَلَائِلٌ سَبْعَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَحَدُهَا قَوْلُهُ رِجْسٌ وَالرِّجْسُ هُوَ النَّجَسُ وَكُلُّ نَجَسٍ حَرَامٌ، وَالثَّانِي قَوْلُهُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ وَمَا هُوَ مِنْ عَمَلِهِ حَرَامٌ، وَالثَّالِثُ قَوْلُهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِاجْتِنَابِهِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَالرَّابِعُ قَوْلُهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَمَا عَلَّقَ رَجَاءَ الْفَلَاحِ بِاجْتِنَابِهِ، فَالْإِتْيَانُ بِهِ حَرَامٌ، وَالْخَامِسُ قَوْلُهُ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] وَمَا هُوَ سَبَبُ وُقُوعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَالسَّادِسُ قَوْلُهُ: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١] وَمَا يَصُدُّ بِهِ الشَّيْطَانُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَرَامٌ.

стр. 5091

وَالسَّابِعُ قَوْلُهُ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] مَعْنَاهُ انْتَهُوا، وَمَا أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالْانْتِهَاءِ عَنْهُ فَالْإِتْيَانُ بِهِ حَرَامٌ، الْكَشَّافُ قَوْلُهُ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] مِنْ أَبْلَغِ مَا يُنْهَى بِهِ كَأَنَّهُ قِيلَ: قَدْ تُلِيَ عَلَيْكُمْ مَا فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الصَّوَارِفِ وَالْمَوَانِعِ فَهَلْ أَنْتُمْ مَعَ هَذِهِ الصَّوَارِفِ مُنْتَهُونَ أَمْ أَنْتُمْ عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ كَأَنْ لَمْ تُوعَظُوا وَلَمْ تُزْجَرُوا، قُلْتُ: وَالثَّامِنُ اقْتِرَانُهَا بِالْأَوْثَانِ حَيْثُ قَالَ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ [المائدة: ٩٠] وَمَا يَقْتَرِنُ بِالْكُفْرِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا، وَلِذَا وَرَدَ: شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ وَشَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَسَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ) أَيْ عَنِ الْخَمْرِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ أَوْ بِتَأْوِيلِ الْمَشْرُوبِ أَوِ الْمُدَامِ (وَقُلْتُ: إِنَّهُ لِيَتِيمٍ فَقَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ: (أَهْرِيقُوهُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَبِفَتْحٍ أَيْ صُبُّوهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالضَّمِيرُ فِي عَنْهُ رَاجِعٌ إِلَى الْخَمْرِ عَلَى حَذْفٍ مُضَافٍ أَيْ سَأَلَتْ عَنْ شَأْنِ خَمْرِ يَتِيمٍ، وَفِي (إِنَّهُ) وَفِي (أَهْرِيقُوهُ) (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 5092

٣٦٤٩ - «وَعَنْ أَنَسِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْرًا لِأَيْتَامٍ فِي حِجْرِي، قَالَ: أَهْرِقِ الْخَمْرَ وَاكْسِرِ الدِّنَانَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ «سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، قَالَ: أَهْرِقْهَا، قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: لَا» . ــ ٣٦٤٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ «عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْرًا لِأَيْتَامٍ فِي حِجْرِي» ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيُكْسَرُ أَيْ فِي كَنَفِي وَتَرْبِيَتِي (قَالَ: أَهْرِقِ الْخَمْرَ وَاكْسِرِ الدِّنَانَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ الدِّنِ وَهُوَ ظَرْفُهَا، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِكَسْرِهِ لِنَجَاسَتِهِ بِتَشَرُّبِهَا وَعَدَمِ إِمْكَانِ تَطْهِيرِهِ أَوْ مُبَالَغَةً لِلزَّجْرِ عَنْهَا وَمَا قَارَبَهَا كَمَا كَانَ التَّغْلِيظُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حَيْثُ نَهَى عَنِ الْحَنْتَمِ وَنَحْوِهِ ثُمَّ نُسِخَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا قَالَ: أَهْرِقْهَا، قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: لَا) إِمَّا زَجْرًا كَمَا سَبَقَ أَوْ نَهْيَ تَنْزِيهٍ وَهُوَ الْأَحَقُّ.

стр. 5093

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٣٦٥٠ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٣٦٥٠ - (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) وَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ» ) بِكَسْرِ التَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْمُفْتِرُ هُوَ الَّذِي إِذَا شُرِبَ أَحْمَى الْجَسَدَ وَصَارَ فِيهِ فُتُورٌ وَهُوَ ضَعْفٌ وَانْكِسَارٌ، وَيُقَالُ: أَفْتَرَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُفْتِرٍ إِذَا ضَعُفَتْ جُفُونُهُ وَانْكَسَرَ طَرَفُهُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَفْتَرَ بِمَعْنَى فَتَرَ أَيْ جَعَلَهُ فَاتِرًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَفْتَرَ الشَّرَابُ إِذَا فَتَرَ شَارِبُهُ كَأَقْطَفَ الرَّجُلُ إِذَا قَطَفَتْ دَابَّتُهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ الْبِنْجِ وَالشَّعْثَاءِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُفْتِرُ وَيُزِيلُ الْعَقْلَ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَهِيَ إِزَالَةُ الْعَقْلِ مُطَّرِدَةٌ فِيهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا أَحْمَدُ.

стр. 5094

٣٦٥١ - «وَعَنْ دَيْلَمٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضٍ بَارِدَةٍ وَنُعَالِجُ فِيهَا عَمَلًا شَدِيدًا، وَإِنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا مِنْ هَذَا الْقَمْحِ نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلَادِنَا، قَالَ: هَلْ يُسْكِرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَاجْتَنِبُوهُ. قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ غَيْرُ تَارِكِيهِ، قَالَ: إِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ قَاتِلُوهُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٦٥١ - (وَعَنْ دَيْلَمٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ (الْحِمْيَرِيِّ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ نِسْبَةً إِلَى حِمْيَرَ كَدِرْهَمٍ مَوْضِعٌ غَرْبِيَّ صَنْعَاءِ الْيَمَنِ وَأَبُو قَبِيلَةٍ (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ (لِرَسُولِ اللَّهِ) (إِنَّا بِأَرْضٍ بَارِدَةٍ) أَيْ ذَاتِ بَرْدٍ شَدِيدٍ (وَنُعَالِجُ) أَيْ نُمَارِسُ وَنُزَاوِلُ (فِيهَا عَمَلًا شَدِيدًا) أَيْ قَوِيًّا يَحْتَاجُ إِلَى نَشَاطٍ عَظِيمٍ (وَإِنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا مِنْ هَذَا الْقَمْحِ) أَيِ الْحِنْطَةِ (نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلَادِنَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ الْأُمُورَ الدَّاعِيَةَ إِلَى الشُّرْبِ وَأَتَى بِهَذَا وَوَصَفَهُ بِهِ لِمَزِيدٍ مِنَ الْبَيَانِ فِي أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْمُسْكِرُ كَالْعِنَبِ وَالزَّبِيبِ مُبَالَغَةً فِي اسْتِدْعَاءِ الْإِجَازَةِ (قَالَ: هَلْ يُسْكِرُ؟) وَفِي نُسْخَةٍ مُسْكِرٌ (قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَاجْتَنِبُوهُ، قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ غَيْرُ تَارِكِيهِ) فَكَأَنَّهُ وَقَعَ لَهُمْ هُنَاكَ نَهْيٌ عَنْ سَالِكِيهِ (قَالَ: إِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ) أَيْ وَاسْتَحَلُّوا شُرْبَهُ (قَاتِلُوهُمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 5095

٣٦٥٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْكُوبَةِ وَالْغُبَيْرَاءِ، وَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٦٥٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ وَفِي نُسْخَةٍ بِدُونِهَا (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) أَيِ الْقِمَارِ (الْكُوبَةِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ فِي النِّهَايَةِ قِيلَ: هِيَ النَّرْدُ وَقِيلَ: الطَّبْلُ، أَيِ الصَّغِيرِ وَقِيلَ: الْبَرْبَطُ (وَالْغُبَيْرَاءِ) بِالتَّصْغِيرِ ضَرْبٌ مِنَ الشَّرَابِ يَتَّخِذُهُ الْحَبَشُ مِنَ الذُّرَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّهَا مِثْلُ الْخَمْرِ الَّتِي يَتَعَارَفُهَا النَّاسُ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا فِي التَّحْرِيمِ (وَقَالَ) أَيْ لِزِيَادَةِ إِفَادَةِ التَّعْمِيمِ ( «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، كَانَ الْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ: رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ أَبُو دَاوُدَ.

стр. 5096

٣٦٥٣ - وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَاقٌّ وَلَا قَمَّارٌ وَلَا مَنَّانٌ وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَا وَلَدَ زِنْيَةٍ بَدَلَ قَمَّارٍ» . ــ ٣٦٥٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ مَعَ الْفَائِزِينَ السَّابِقِينَ أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمُسْتَحِلُّ لِلْمَعَاصِي أَوْ قَصَدَ بِهِ الزَّجْرَ الشَّدِيدَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَشَدُّ وَعِيدًا مِنْ لَوْ قِيلَ: يَدْخُلُ النَّارَ ; لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى مِنْهُ الْخَلَاصُ (عَاقٌّ) بِتَشْدِيدِ الْقَافِ أَيْ مُخَالِفٌ لِأَحَدِ وَالِدَيْهِ فِيمَا أُبِيحَ لَهُ بِحَيْثُ يَشُقُّ عَلَيْهِمَا (وَلَا قَمَّارٌ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ ذُو قِمَارٍ وَالْمَعْنَى مَنْ يُقَامِرُ وَالْقِمَارُ فِي عُرْفِ زَمَانِنَا كُلُّ لَعِبٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ غَالِبًا أَنْ يَأْخُذَ الْغَالِبُ مِنَ الْمُلَاعِبِينَ شَيْئًا مِنَ الْمَغْلُوبِ، كَالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ وَأَمْثَالِهِمَا (وَلَا مَنَّانٌ) أَيْ عَلَى الْفُقَرَاءِ فِي صَدَقَتِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مِنَّةً وَاعْتَدَّ بِهِ عَلَى مَنْ أَعْطَاهُ وَهُوَ مَذْمُومٌ ; لِأَنَّ الْمِنَّةَ تُفْسِدُ الصَّنِيعَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقَطَّاعُ لِلرَّحِمِ مِنْ مَنَّ أَيْ قَطَعَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الَّذِي يَأْتِي (وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ) أَيْ مُصِرٌّ عَلَى شُرْبِهَا (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَا وَلَدَ زِنْيَةٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ بَدَلَ (قَمَّارٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ تَغْلِيظٌ وَتَشْدِيدٌ عَلَى وَلَدِ الزِّنْيَةِ تَعْرِيضًا بِالزَّانِي لِئَلَّا يُوَرِّطَهُ فِي السِّفَاحِ فَيَكُونُ سَبَبًا لِشَقَاوَةِ نَسَمَةٍ بَرِيئَةٍ، وَمِمَّا يُؤْذِنُ أَنَّهُ تَغْلِيظٌ وَتَشْدِيدٌ سُلُوكُ وَلَدِ زِنْيَةٍ فِي قَرَنِ الْعَاقِّ وَالْمَنَّانِ وَالْقَمَّارِ وَمُدْمِنِ خَمْرٍ وَلَا ارْتِيَابَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ زُمْرَةِ مَنْ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَبَدًا، وَقِيلَ: إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا خَبُثَتْ خُبْثَ النَّاشِئُ مِنْهَا فَيَجْتَرِئُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَتُؤَدِّيهِ إِلَى الْكُفْرِ الْمُوجِبِ لِلْخُلُودِ، قُلْتُ: وَلَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَغْلَبِ وَلِذَا وَرَدَ: «وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَ: إِذَا عَمِلَ بِعَمَلِ أَبَوَيْهِ.

стр. 5097

٣٦٥٤ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ وَأَمَرَنِي رَبِّي بِمَحْقِ الْمَعَازِفِ وَالْمَزَامِيرِ وَالْأَوْثَانِ وَالصُّلُبِ. وَأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَحَلَفَ رَبِّي بِعِزَّتِهِ: لَا يَشْرَبُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي جَرْعَةً مِنْ خَمْرٍ إِلَّا سَقَيْتُهُ مِنَ الصَّدِيدِ مِثْلَهَا، وَلَا يَتْرُكُهَا مِنْ مَخَافَتِي إِلَّا سَقَيْتُهُ مِنْ حِيَاضِ الْقُدُسِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٣٦٥٤ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» ) وَهِيَ تَعُمُّ الْكَافِرِينَ (وَهُدًى لِلْعَالِمِينَ) لَكِنْ خَصَّ الْمُتَّقِينَ لِكَوْنِهِمُ الْمُنْتَفِعِينَ ( «وَأَمَرَنِي رَبِّي بِمَحْقِ الْمَعَازِفِ» ) أَيْ بِمَحْوِ آلَاتِ اللَّهْوِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْعَزْفُ اللَّعِبُ بِالْمَعَازِفِ، وَهِيَ الدُّفُوفُ وَغَيْرُهَا مِمَّا يُضْرَبُ، وَقِيلَ: إِنَّ كُلَّ لَعِبٍ عَزْفٌ (وَالْمَزَامِيرِ) جَمْعُ مِزْمَارٍ وَهِيَ الْقَصَبَةُ الَّتِي يُزَمَّرُ بِهَا (وَالْأَوْثَانِ) أَيِ الْأَصْنَامِ (وَالصُّلُبِ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ صَلِيبٍ

стр. 5098

الَّذِي لِلنَّصَارَى قَالَ الْقَامُوسِيُّ: وَفِي النِّهَايَةِ الثَّوْبُ الْمُصَلَّبُ الَّذِي فِيهِ نَقْشٌ أَمْثَالُ الصُّلْبَانِ وَضَرَبَهُ فَصُلِبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَيْ صَارَتِ الضَّرْبَةُ كَالصَّلِيبِ، (وَأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) كَالنِّيَاحَةِ وَالْحَمِيَّةِ لِلْعَصَبِيَّةِ وَالْفَخْرِ بِالْأَحْسَابِ وَالطَّعْنِ بِالْأَنْسَابِ وَقَوْلِهِمْ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا عِلَّةُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَحَادِيثِ فَفِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «ثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الْجَاهِلِيَّةِ: الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَالنِّيَاحَةُ» ". عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مَرْفُوعًا: «ثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُهُنَّ النَّاسُ: الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالنِّيَاحَةُ، وَقَوْلُهُمْ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا» ) وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ أَمْرٍ مَبْنِيٍّ عَلَى الْجَهْلِ وَاصْطِلَاحِ أَهْلِهِ وَلَوْ كَانَ فِي الْأَزْمِنَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ (وَحَلَفَ رَبِّي بِعِزَّتِهِ لَا يَشْرَبُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي) وَنُسْخَةٍ (مِنْ عِبَادِي) (جَرْعَةً مِنْ خَمْرٍ إِلَّا سَقَيْتُهُ مِنَ الصَّدِيدِ مِثْلَهَا) أَيْ مِقْدَارَهَا (وَلَا يَتْرُكُهَا) أَيْ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي (مِنْ مَخَافَتِي) أَيْ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ (إِلَّا سَقَيْتُهُ) أَيْ: شَرَابًا طَهُورًا (مِنْ حِيَاضِ الْقُدُسِ) بِسُكُونِ الدَّالِ وَيُضَمُّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي إِفْرَازِ هَذَا النَّوْعِ الْخَبِيثِ عَنْ سَائِرِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْخَبَائِثِ وَجَعَلَهُ مَصْدَرًا بِالْحَلْفِ وَالْقَسَمِ بَعْدَ مَا جَعَلَ مُقَدِّمَةَ الْكُلِّ بَعْثَهُ ﵊ رَحْمَةً وَهُدًى إِيذَانٌ بِأَنَّ أَخْبَثَ الْخَبَائِثِ وَأَبْلَغَ مَا يُبْعِدُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُقَرِّبُ إِلَى الضَّلَالِ هِيَ أُمُّ الْخَبَائِثِ ثُمَّ انْظُرْ كَمِ التَّفَاوُتُ بَيْنَ مَنْ يَسْقِيهِ رَبُّهُ مِنْ حِيَاضِ الْقُدُسِ الشَّرَابَ الطَّهُورَ وَبَيْنَ مَنْ يُسْقَى فِي دَرْكِ جَهَنَّمَ صَدِيدَ أَهْلِ النَّارِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 5099

٣٦٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ الْخَمْرِ وَالْعَاقُّ وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَثَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٣٦٥٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (ثَلَاثَةٌ) أَيْ أَشْخَاصٌ (قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ) أَيْ أَنْ يَدْخُلُوهَا مَعَ الْفَائِزِينَ (مُدْمِنُ الْخَمْرِ) أَيْ مُدَاوِمُهَا (وَالْعَاقُّ) أَيِ الْمُخَالِفُ لِوَالِدَيْهِ (وَالدَّيُّوثُ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمَضْمُومَةِ (الَّذِي يُقِرُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ يُثْبِتُ بِسُكُوتِهِ (عَلَى أَهْلِهِ) أَيْ مِنَ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ أَوْ قَرَابَتِهِ (الْخَبَثَ) أَيِ الزِّنَا أَوْ مُقَدَّمَاتِهِ وَفِي مَعْنَاهُ سَائِرُ الْمَعَاصِي كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَتَرْكِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهِمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ الَّذِي يَرَى فِيهِنَّ مَا يَسُوءُهُ وَلَا يَغَارُ عَلَيْهِنَّ وَلَا يَمْنَعُهُنَّ فَيُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَثَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 5100

٣٦٥٦ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ الْخَمْرِ وَقَاطِعُ الرَّحِمِ وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٣٦٥٦ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ الْخَمْرِ وَقَاطِعُ الرَّحِمِ) هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْعَاقِّ (وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ) أَيِ الْقَائِلُ بِتَأْثِيرِهِ لِذَاتِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَقَاطِعُ رَحِمٍ وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ مُدْمِنُ الْخَمْرِ سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ نَهْرِ الْغُوطَةِ، نَهْرٌ يَجْرِي مِنْ فُرُوجِ الْمُومِسَاتِ يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ رِيحُ فُرُوجِهِنَّ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَ (الْمُومِسَةُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ الزَّانِيَةُ.

стр. 5101

٣٦٥٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مُدْمِنُ الْخَمْرِ إِنْ مَاتَ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى كَعَابِدِ وَثَنٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٣٦٥٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مُدْمِنُ الْخَمْرِ إِنْ مَاتَ) أَيْ عَلَى إِدْمَانِهِ أَوْ إِذَا مَاتَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: (إِنْ) لِلشَّكِّ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِقَاءُ شَارِبِ الْخَمْرِ رَبَّهُ تَعَالَى بَعْدَ الْمَوْتِ مُشَابِهًا بِلِقَاءِ عَابِدِ الْوَثَنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي يُورِدُهُ الْوَاثِقُ بِأَمْرِهِ الْمُدِلُّ لِحُجَّتِهِ. اهـ كَ (إِنْ كُنْتَ وَلَدَى فَافْعَلْ أَوْ لَا تَفْعَلْ) وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فِي وَجْهٍ وَالظَّاهِرُ مَا قَدَّمْنَاهُ فَتَدَبَّرْ (لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى) أَيْ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ (كَعَابِدِ وَثَنٍ) أَيْ صَنَمٍ وَهُوَ وَعِيدٌ وَكَيْدٌ وَزَجْرٌ شَدِيدٌ وَلَعَلَّ تَشْبِيهَهُ بِعَابِدِ الْوَثَنِ حَيْثُ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ وَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالصَّنَمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ [المائدة: ٩٠] أَيِ الْأَصْنَامُ الْمَنْصُوبَةُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَغَيْرُهَا (رَوَاهُ أَحْمَدُ) أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْهُ بِلَفْظِ: «مَا مَاتَ وَهُوَ مُدْمِنُ خَمْرٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ كَعَابِدِ وَثَنٍ» .

стр. 5102

٣٦٥٨ - وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ــ ٣٦٥٨ - (وَرَوَى) الْأَظْهَرُ وَرَوَاهُ (ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

стр. 5103

٣٦٥٩ - وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ: ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ. ــ ٣٦٥٩ - وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ) : أَيِ الْبَيْهَقِيُّ (ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ) أَيِ الْحَدِيثِ (فِي التَّارِيخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بِالتَّكْبِيرِ (عَنْ أَبِيهِ) .

стр. 5104

٣٦٦٠ - عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أُبَالِي شَرِبْتُ الْخَمْرَ أَوْ عَبَدْتُ هَذِهِ السَّارِيَةَ دُونَ اللَّهِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. ــ ٣٦٦٠ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أُبَالِي شَرِبَتُ الْخَمْرَ أَوْ عَبَدْتُ هَذِهِ السَّارِيَةَ) أَيِ الْأُسْطُوَانَةَ (دُونَ اللَّهِ) حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ أَيْ عَبَدْتُهَا مُتَجَاوِزًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَا أُبَالِي فِي تَسْوِيَتِي بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ وَجَعْلِهِمَا مُنْخَرِطَيْنِ فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ مُبَالَغَةً وَهُوَ أَبْلَغُ مِمَّا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ مِنْ قَوْلِهِ: لَقِيَ اللَّهَ كَعَابِدِ وَثَنٍ لِتَصْرِيحِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ فِيهِ، وَخُلُوِّهِ عَنْهُ هُنَا (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) أَيْ مَوْقُوفًا.

стр. 5105

[كِتَابُ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٣٦٦١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ بَابُ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ الْإِمَارَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ الْإِمْرَةُ وَقَدْ أَمَّرَهُ إِذَا جَعَلَهُ أَمِيرًا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَأَمَّا الْأَمَارَةُ بِالْفَتْحِ فَمَعْنَاهَا الْعَلَامَةُ، وَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ هُنَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٣٦٦١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) هَذَا مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (وَمَنْ عَصَانِي قَدْ عَصَى اللَّهَ) هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] (وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ) ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أَمِيرِي (فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي) فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ الْخِلَافَةِ وَالنِّيَابَةِ قِيلَ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْعَرَبِ لَا يَعْرِفُونَ الْإِمَارَةَ وَلَا يَدِينُونَ لِغَيْرِ رُؤَسَاءِ قَبَائِلِهِمْ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَوَلِيَ عَلَيْهِمُ الْأُمَرَاءُ أَنْكَرَتْهُ نُفُوسُهُمْ وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنَ الطَّاعَةِ، فَقَالَ لَهُمْ ﷺ لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ طَاعَتَهُمْ مَرْبُوطَةٌ بِطَاعَتِهِ وَعِصْيَانَهُمْ مَنُوطَةٌ بِعِصْيَانِهِ لِيُطِيعُوا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ (فَإِنَّمَا الْإِمَامُ) أَيِ الْخَلِيفَةُ أَوْ أَمِيرُهُ (جُنَّةٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ كَالتُّرْسِ فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ (يُقَاتَلُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مِنْ وَرَائِهِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَيُتَّقَى بِهِ) بَيَانٌ لِكَوْنِهِ جُنَّةً أَيْ يَكُونُ الْأَمِيرُ فِي الْحَرْبِ قُدَّامَ الْقَوْمِ لِيَسْتَظْهِرُوا بِهِ وَيُقَاتِلُوا بِقُوَّتِهِ كَالتُّرْسِ لِلْمُتَتَرِّسِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ; لِأَنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مَلْجَأً لِلْمُسْلِمِينَ فِي حَوَائِجِهِمْ دَائِمًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ (يُتَّقَى بِهِ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ (يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ) ، وَالْبَيَانُ مَعَ الْمُبَيَّنِ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: «وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ» . قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ هُوَ كَالسَّاتِرِ ; لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَمْنَعُ النَّاسَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَيَحْمِي بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ، وَيَتَّقِيهِ النَّاسُ وَيَخَافُونَ سَطْوَتَهُ، وَمَعْنَى (يُقَاتَلُ) وَ (مِنْ وَرَائِهِ) أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُ الْكُفَّارَ وَالْبُغَاةَ وَالْخَوَارِجَ وَسَائِرَ أَهْلِ الْفَسَادِ وَيُنْصَرَ عَلَيْهِمْ (فَإِنْ أَمَرَ) أَيِ الْإِمَامُ (بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ) أَيْ قَضَى بِحُكْمِ اللَّهِ (فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا) أَيْ عَظِيمًا (وَإِنْ قَالَ) أَيْ فِي الْأَمْرِ وَالْحُكْمِ (بِغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّقْوَى وَالْعَدْلِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ (قَالَ) أَيْ حَكَمَ، يُقَالُ: قَالَ الرَّجُلُ إِذَا حَكَمَ وَمِنْهُ الْقِيلُ وَهُوَ

стр. 5106

الْمَلِكُ الَّذِي يَنْفُذُ قَوْلُهُ وَحُكْمُهُ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ أَحَبَّهُ وَأَخَذَ بِهِ إِيثَارًا لَهُ وَمَيْلًا إِلَيْهِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِكِ: فُلَانٌ يَقُولُ بِالْقَدَرِ، وَمَا أَشْبَهَهُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُحِبُّهُ وَيُؤْثِرُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: أَيْ أَمَرَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ تَقْوَى وَلَا عَدْلٌ، بِدَلِيلٍ أَنَّهُ جُعِلَ قَسِيمًا فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقَوْلُ الْمُطْلَقُ أَوْ أَعَمُّ مِنْهُ وَهُوَ مَا يَرَاهُ وَيُؤْثِرُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يَقُولُ بِالْقَدَرِ، أَيْ وَإِنْ رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ وَآثَرَهُ قَبُولًا كَانَ أَوْ فِعْلًا لِيَكُونَ مُقَابِلًا لِقَسِيمِهِ بِقُطْرَيْهِ وَمَا سَدَّ الطُّرُقَ الْمُخَالِفَةَ الْمُؤَدِّيَةَ إِلَى هَيْجِ الْفِتَنِ الْمُرْدِيَةِ (فَإِنَّ عَلَيْهِ) أَيْ وِزْرًا ثَقِيلًا (مِنْهُ) أَيْ مِنْ صَنِيعِهِ ذَلِكَ فَمِنْهُ جَارٌّ وَمَجْرُورٌ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَبَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ (مُنَّةً) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَتَاءِ التَّأْنِيثِ فَتَحْرِيفٌ وَتَصْحِيفٌ ; لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْقُوَّةِ وَلَا وَجْهَ لَهَا هُنَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: عَلَيْهِ كَذَا وَجَدْنَا مِنْهُ بِحَرْفِ الْجَرِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ وَقَدْ وَجَدْنَاهُ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: مُنَّةً. بِتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى أَنَّهُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِوَجْهٍ هُنَا، قَالَ الْقَاضِي: فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ، أَيْ وِزْرًا ثَقِيلًا وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ حَثٌّ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَسَبَبُهَا اجْتِمَاعُ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ ; فَإِنَّ الْخِلَافَ سَبَبٌ لِفَسَادِ أَحْوَالِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. اهـ وَيُسْتَثْنَى مِنْ جَمِيعِ الْأَحْوَالِ حَالُ الْمَعْصِيَةِ لِمَا يُسْتَفَادُ مِنْ صَدْرِ الْحَدِيثِ وَلِمَا سَيَأْتِي فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَحَّحَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5107

٣٦٦٢ - وَعَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٦٢ - (وَعَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ) بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ بِنْتُ إِسْحَاقَ الْأَحْمَسِيَّةُ رَوَى عَنْهَا ابْنُهَا يَحْيَى بْنُ الْحُصَيْنِ وَغَيْرُهُ شَهِدَتْ حَجَّةَ الْوَدَاعِ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أُمِّرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّفْعِيلِ أَيْ جُعِلَ أَمِيرًا (عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ مَقْطُوعُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ (يَقُودُكُمْ) أَيْ يَأْمُرُكُمْ (بِكِتَابِ اللَّهِ) أَيْ بِحُكْمِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى حُكْمِ الرَّسُولِ قَالَ الْقَاضِي: أَيْ يَسُوقُكُمْ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى مَا هُوَ مُقْتَضَى كِتَابُ اللَّهِ وَحُكْمُهُ (فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا) فِيهِ حَثٌّ عَلَى الْمُدَارَاةِ وَالْمُوَافَقَةِ مَعَ الْوُلَاةِ عَلَى التَّحَرُّزِ عَمَّا يُثِيرُ الْفِتْنَةَ وَيُؤَدِّي إِلَى اخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5108

٣٦٦٣ - وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٦٦٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اسْمَعُوا) أَيْ كَلَامَ الْحَاكِمِ (وَأَطِيعُوا) أَيِ انْقَادُوا فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ مَا لَمْ يُخَالِفْ أَمْرَ اللَّهِ وَنَبِيِّهِ (وَإِنِ اسْتُعْمِلَ) بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا (عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ) أَيْ وَإِنِ اسْتَعْمَلَهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ عَلَى الْقَوْمِ لَا أَنَّ الْعَبْدَ الْحَبَشِيَّ هُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ وَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الْأَمْرِ بِطَاعَتِهِ وَالنَّهْيِ عَنْ شِقَاقِهِ وَمُخَالَفَتِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِمَا لَا يَكَادُ يَصِحُّ فِي الْوُجُودِ (كَأَنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ (رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ) أَيْ كَالزَّبِيبَةِ فِي صِغَرِهِ وَسَوَادِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةٌ أُخْرَى لِلْعَبْدِ شَبَّهَ رَأْسَهُ بِالزَّبِيبَةِ إِمَّا لِصِغَرِهِ وَإِمَّا لِأَنَّ شَعْرَ رَأْسِهِ مُقَطَّطٌ كَالزَّبِيبَةِ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِ. اهـ وَهَذَا أَيْضًا مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ فِي طَاعَةِ الْوَالِي وَإِنْ كَانَ حَقِيرًا مَعَ أَنَّ الْحَثَّ بِوَصْفِ صِغَرِ الرَّأْسِ الَّذِي هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْحَقَارَةِ، قَالَ الْأَشْرَفُ: أَيِ اسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوهُ إِنْ كَانَ حَقِيرًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 5109

٣٦٦٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٦٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ» ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: حَقٌّ عَلَى الْمَرْءِ ( «الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ» ) أَيِ الْمَرْءُ (بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ) أَيْ عَلَيْهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ (وَلَا وَطَاعَةَ) قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي، سَمْعُ كَلَامِ الْحَاكِمِ وَطَاعَتُهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَوَاءٌ أَمَرَهُ بِمَا يُوَافِقُ طَبْعَهُ أَوْ لَمْ يُوَافِقْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَأْمُرَهُ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أَمَرَهُ بِهَا فَلَا تَجُوزُ طَاعَتُهُ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُ مُحَارَبَةُ الْإِمَامِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ.

стр. 5110

٣٦٦٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٦٥ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا طَاعَةَ) أَيْ لِأَحَدٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَيْ مِنَ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ كَالْوَالِدِ وَالشَّيْخِ (فِي مَعْصِيَةٍ) وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ (إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) أَيْ مَا لَا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 5111

٣٦٦٦ - «وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٦٦ - (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا) أَيْ عَاهَدْنَا نَحْنُ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فِيهِمَا، وَفِي الْقَامُوسِ: الْعُسْرُ بِالضَّمِّ وَبِالضَّمَّتَيْنِ وَبِالتَّحْرِيكِ ضِدُّ الْيُسْرِ وَهُوَ بِضَمٍّ وَبِضَمَّتَيْنِ الْيَسَارُ، وَبِالتَّحْرِيكِ السَّهْلُ (وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ) بِفَتْحَتَيْنِ فِيهِمَا فَهُمَا مَصْدَرَانِ مِيمِيَّانِ أَوِ اسْمَا زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، قَالَ الْقَاضِي: أَيْ عَاهَدْنَاهُ بِالْتِزَامِ السَّمْعِ فِي حَالَتَيِ الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ وَتَارَتَيِ الضَّرَّاءِ وَالسَّرَّاءِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّهُ إِلْتِزَمٌ لَهُمْ أَيْضًا بِالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ وَالشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْحِسَابِ عَلَى الْقِيَامِ بِمَا إِلْتَزَمُوا، وَالْمَنْشَطُ وَالْمَكْرَهُ مَفْعَلَانِ مِنَ النَّشَاطِ وَالْكَرَاهَةِ لِلْمَحَلِّ أَيْ فِيمَا فِيهِ نَشَاطُهُمْ وَكَرَاهَتُهُمْ أَوِ الزَّمَانِ أَيْ فِي زَمَانَيِ انْشِرَاحِ صُدُورِهِمْ وَطِيِبِ قُلُوبِهِمْ وَمَا يُضَادُّ ذَلِكَ (وَعَلَى أَثَرَةٍ) بِفَتْحَتَيْنِ اسْمٌ مِنْ " أَثَرَ " بِمَعْنَى اخْتَارَ أَيْ عَلَى اخْتِيَارِ شَخْصٍ عَلَيْنَا بِأَنْ نُؤْثِرَهُ عَلَى أَنْفُسِنَا كَذَا قِيلَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ عَلَى الصَّبْرِ إِيثَارُ الْأُمَرَاءِ أَنْفُسَهُمْ عَلَيْنَا وَحَاصِلُهُ أَنَّ (عَلَى أَثَرَةٍ) لَيْسَتْ بِصِلَةٍ لِلْمُبَالَغَةِ بَلْ مُتَعَلِّقٍ مُقَدَّرٍ أَيْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ نَصْبِرَ عَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَفِي النِّهَايَةِ: الْأَثَرَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالثَّاءِ اسْمٌ مِنَ الْإِيثَارِ أَيْ يَسْتَأْثِرُ عَلَيْكُمْ فَيُفَضِّلُ غَيْرَكُمْ فِي إِعْطَاءِ نَصِيبِهِ مِنَ الْفَيْءِ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْأَثَرَةُ الِاسْتِئْثَارُ وَالْاخْتِصَاصُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا أَيِ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اخْتُصَّ الْأُمَرَاءُ بِالدُّنْيَا عَلَيْكُمْ وَلَمْ يُوصِلُوكُمْ حَقَّكُمْ مِمَّا عِنْدَهُمْ (وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ) أَيْ لَا نَطْلُبُ الْإِمَارَةَ وَلَا نَعْزِلُ الْأَمِيرَ مِنَّا وَلَا نُحَارِبُهُ وَالْمُرَادُ بِالْأَهْلِ مَنْ جَعَلَهُ الْأَمِيرُ نَائِبًا عَنْهُ وَهُوَ كَالْبَيَانِ وَالتَّقْرِيرِ لِلسَّابِقِ ; لِأَنَّ مَعْنَى عَدَمِ الْمُنَازَعَةِ هُوَ الصَّبْرُ عَلَى الْأَثَرَةِ (وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا) أَيْ وَعِنْدَ مَنْ كُنَّا (لَا نَخَافُ) اسْتِئْنَافٌ أَوْ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ نَقُولُ: أَيْ غَيْرَ خَائِفِينَ (فِي اللَّهِ) أَيْ لِأَجْلِهِ أَوْ فِيمَا فِيهِ رِضَاهُ (لَوْمَةَ لَائِمٍ) أَيْ مَلَامَةَ مُلِيمٍ وَأَذِيَّةَ لَئِيمٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ عَلَى الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، لَا نُدَاهِنُ أَحَدًا وَلَا نَخَافُ وَلَا نَلْتَفِتُ إِلَى لَائِمَةٍ (وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا) أَيْ تُبْصِرُوا وَتَعْلَمُوا فِي الْأُمَرَاءِ (كُفْرًا بَوَاحًا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهُ وَاوٌ كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَنَا لِلْمِشْكَاةِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَشَارِقِ وَالْقَامُوسِ وَالنِّهَايَةِ أَيْ كُفْرًا ظَاهِرًا صَرِيحًا فَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ تَرَوْا. حِكَايَةُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْقَرَائِنُ السَّابِقَةُ مَعْنًى تَلَفَّظَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وَقَوْلُهُ (عِنْدَكُمْ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَقَوْلُهُ (مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالظَّرْفِ أَوْ حَالٌ مِنَ الْمُسْتَتِرِ فِي الظَّرْفِ (مِنْهُ) أَيْ فِي ظُهُورِ الْكُفْرِ (بُرْهَانٌ) أَيْ دَلِيلٌ وَبَيَانٌ مِنْ حَدِيثٍ أَوْ قُرْآنٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ بُرْهَانٌ حَاصِلٌ عِنْدَكُمْ كَائِنًا مِنَ اللَّهِ، أَيْ مِنْ دِينِ اللَّهِ. اهـ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ حِينَئِذٍ تَجُوزُ الْمُنَازَعَةُ بَلْ يَجِبُ عَدَمُ الْمُطَاوَعَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: بَوَاحًا بِالْوَاوِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالرَّاءِ يُقَالُ: بَاحَ الشَّيْءُ إِذْ ظَهَرَ بَوَاحًا وَالْبَوَاحُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَمْرًا بَوَاحًا وَبَرَاحًا بِمَعْنَاهُ مِنَ الْأَرْضِ وَالْبَرَاحِ وَهِيَ الْبَارِزَةُ وَالْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعَاصِي، وَالْمَعْنَى لَا تُنَازِعُوا وُلَاةَ الْأُمُورِ فِي وِلَايَتِهِمْ وَلَا تَعْتَرِضُوا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ تَرَوْا مِنْهُمْ مُنْكَرًا مُحَقَّقًا تَعْلَمُونَهُ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَنْكِرُوهُ عَلَيْهِمْ، وَقُومُوا بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِمْ وَقِتَالُهُمْ فَمُحَرَّمٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً ظَالِمِينَ وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ لِتَهَيُّجِ الْفِتَنِ فِي عَزْلِهِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَتَفْرِيقِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَتَكُونُ الْمَفْسَدَةُ فِي عَزْلِهِ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي بَقَائِهِ وَلَا تَنْعَقِدُ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ ابْتِدَاءً، وَاجْتَمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَنْعَقِدُ لِكَافِرٍ وَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ

стр. 5112

انْعَزَلَ وَكَذَا لَوْ تَرَكَ إِقَامَةَ الصَّلَوَاتِ وَالدُّعَاءِ إِلَيْهَا وَكَذَا الْبِدْعَةُ، قَالَ الْقَاضِي: فَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ كُفْرٌ وَتَغْيِيرٌ فِي الشَّرْعِ أَوْ بِدْعَةٌ سَقَطَتْ إِطَاعَتُهُ وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ خَلْعُهُ وَنَصْبُ إِمَامٍ عَادِلٍ إِنْ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ فِي الْمُبْتَدَعِ إِلَّا إِذَا ظَنُّوا الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَيُهَاجِرُ الْمُسْلِمُ عَنْ أَرْضِهِ إِلَى غَيْرِهَا وَيَفِرُّ بِدِينِهِ. اهـ وَفِيهِ أَبْحَاثٌ، أَمَّا أَوَّلًا، فَقَوْلُهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مُسْتَدْرَكٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِ (كُفْرًا) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَأَمَا ثَانِيًا فَقَوْلُهُ (الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعَاصِي) مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْكُفْرَ عَلَى بَابِهِ وَالْاسْتِثْنَاءُ عَلَى صِرَافَتِهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا أُرِيدَ الْمَعَاصِي فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ إِذْ لَا تَجُوزُ مُنَازَعَةُ الْأَمْرِ مِنْ أَهْلِهِ بِسَبَبِ عِصْيَانِهِ كَمَا فُهِمَ مِنْ تَقْرِيرِهِ وَبَيَانِهِ، وَأَمَا ثَالِثًا فَقَوْلُهُ (لَا تَنْعَقِدُ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ) فَإِنَّهُ يُشْكِلُ بِسَلْطَنَةِ الْمُتَسَلْطِنِينَ الظَّاهِرِ عَلَيْهِمْ حَالُ التَّوْلِيَةِ أَنَّهُمْ مِنَ الْفَاسِقِينَ، وَفِي الْقَوْلِ بِعَدَمِ انْعِقَادِ إِمَامَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ حَرَجٌ عَظِيمٌ فِي الدِّينِ حَيْثُ يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ صِحَّةِ الْجُمُعَةِ وَوِلَايَةِ الْقُضَاةِ وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْقَضَايَا اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ لَكِنَّ الْمُرَادَ لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ، وَفِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ نَصْبَ الْإِمَامِ وَاجِبٌ ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَتَنْفِيذِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِمْ وَسَدِّ ثُغُورِهِمْ وَتَجْهِيزِ جُيُوشِهِمْ وَأَخْذِ صَدَقَاتِهِمْ وَقَهْرِ الْمُتَغَلِّبَةِ وَالْمُتَلَصِّصَةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ وَتَزْوِيجِ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ اللَّذَيْنِ لَا أَوْلِيَاءَ لَهُمَا وَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَتَوَلَّاهَا آحَادُ الْأُمَّةِ ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَنْعَزِلُ الْإِمَامُ بِالْفِسْقِ ; لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلْإِمَامَةِ ابْتِدَاءً فَبَقَاءٌ أَوْلَى، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِمَامَ يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ وَكَذَا كُلُّ قَاضٍ وَأَمِيرٍ وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْفَاسِقَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ فَكَيْفَ يَنْظُرُ لِغَيْرِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ حَتَّى يَصِحَّ لِلْأَبِ الْفَاسِقِ تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ، وَالْمَسْطُورُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ بِخِلَافِ الْإِمَامِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي انْعِزَالِهِ وَوُجُوبِ نَصْبِ غَيْرِهِ إِثَارَةَ الْفِتْنَةِ لِمَا لَهُ مِنَ الشَّرِكَةِ بِخِلَافِ الْقَاضِي (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5113

٣٦٦٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٦٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) قَدْ أَشَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ تَعْدِيَةَ (بَايَعْنَا) بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى عَاهَدْنَا (يَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ فِيمَا (اسْتَطَعْتُ) عَلَى التَّكَلُّمِ أَيْ قُلْ: فِيمَا اسْتَطَعْتُ، تَلْقِينًا لَهُمْ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ شَفَقَتِهِ وَرَأْفَتِهِ بِأُمَّتِهِ حَيْثُ لَقَّنَهُمْ بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ فِيمَا اسْتَطَعْتُ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي عُمُومِ بَيْعَتِهِ مَا لَا يُطِيقُهُ. اهـ وَيُحْتَمَلُ حَمْلُ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لِيَتَّفِقَ الْحَدِيثَانِ فِي الْمَبْنَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا فِي كَلَامِهِ ﷺ حَالَةَ الْمُبَايَعَةِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ رَحْمَةً عَلَى الْأُمَّةِ.

стр. 5114

٣٦٦٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٦٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا) أَيْ أَمْرًا أَوْ فِعْلًا (يَكْرَهُهُ) أَيْ شَرْعًا أَوْ طَبْعًا (فَلْيَصْبِرْ) أَيْ وَلَا يَخْرُجْ عَلَيْهِ (فَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنَ (لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ) أَيِ الْمُنْتَظِمَةَ بِنَصْبِ الْإِمَامَةِ (شِبْرًا) أَيْ قَدْرًا يَسِيرًا (فَيَمُوتَ) بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَانِبِ النَّفْيِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى (يُفَارِقُ) أَيْ فَيَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ (إِلَّا مَاتَ) اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ (مِيتَةً) بِكَسْرِ الْمِيمِ لِلْهَيْئَةِ وَالْحَالَةِ وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ (جَاهِلِيَّةً) أَيْ مَنْسُوبَةً إِلَى الْجَاهِلِ فِي الدِّينِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمِيتَةُ وَالْقِتْلَةُ بِالْكَسْرِ الْحَالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَفَارَقَ جَمَاعَةَ الْإِسْلَامِ وَشَذَّ عَنْهُمْ وَخَالَفَ إِجْمَاعَهُمْ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَمَاتَ عَلَى هَيْئَةٍ كَانَ يَمُوتُ عَلَيْهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ ; لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَى طَاعَةِ أَمِيرٍ فَلَا يَتَّبِعُونَ هُدَى إِمَامٍ بَلْ كَانُوا مُسْتَنْكِفِينَ عَنْهَا مُسْتَبِدِّينَ فِي الْأُمُورِ لَا يَجْتَمِعُونَ فِي شَيْءٍ وَلَا يَتَّفِقُونَ عَلَى رَأْيٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5115

٣٦٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ يَدْعُو لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي بِسَيْفِهِ يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٦٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ) أَيْ طَاعَةِ الْإِمَامِ (وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ) أَيْ جَمَاعَةَ الْإِسْلَامِ (فَمَاتَ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ (مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ) بِالْأَلْفِ أَيْ عَلَمٍ (عِمِّيَّةٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَيُضَمُّ وَبِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْعَمِيَّةُ كَغَنِيَّةٍ وَيُضَمُّ الْغِوَايَةُ وَاللِّجَاجُ وَبِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ مُشَدَّدَتَيِ الْمِيمِ وَالْيَاءِ الْكِبْرُ وَالضَّلَالُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا وَتَشْدِيدِهَا وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَالْيَاءِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَهِيَ الْأَمْرُ الْأَعْمَى لَا يَسْتَبِينُ وَجْهُهُ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ حَنْبَلٍ وَالْجُمْهُورُ فِي الْغَرِيبَيْنِ قَالَ إِسْحَاقُ: هَذَا فِي تَخَارُجِ الْقَوْمِ وَقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَكَانَ أَصْلُهُ مِنَ التَّعْمِيَةِ وَهُوَ التَّلْبِيسُ (يَغْضَبُ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ يَغْضَبُ (لِعَصَبِيَّةٍ) وَهِيَ الْخَصْلَةُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى الْعَصَبِيَّةِ أَيْ لِإِعْلَاءِ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ (أَوْ يَدْعُو) أَيْ غَيْرَهُ (لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ يَنْصُرُ) أَيْ بِالْفِعْلِ مِنَ الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ (عَصَبِيَّةً) تَمْيِيزٌ أَوْ مَفْعُولٌ لَهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ يُقَاتِلُ بِغَيْرِ بَصِيرَةٍ وَعِلْمٍ تَعَصُّبًا كَقِتَالِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا يَعْرِفُ الْمُحِقَّ مِنَ الْمُبْطِلِ، وَإِنَّمَا يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ لَا لِنُصْرَةِ الدِّينِ، وَالْعَصَبِيَّةُ إِعَانَةُ قَوْمِهِ عَلَى الظُّلْمِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ (تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ) كِنَايَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مُجْتَمِعِينَ عَلَى أَمْرٍ مَجْهُولٍ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ فَيَدْعُونَ النَّاسَ إِلَيْهِ وَيُقَاتِلُونَ لَهُ، وَقَوْلُهُ (يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ) حَالٌ إِمَّا مُؤَكِّدَةٌ إِذَا ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي نَفْسِهِ بَاطِلٌ، أَوْ مُتَنَقِّلَةٌ إِذَا فَرَضَ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّ مَنْ قَاتَلَ تَعَصُّبًا لَا لِإِظْهَارِ دِينٍ وَلَا لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ الْمَغْضُوبُ لَهُ مُحِقًّا كَانَ عَلَى الْبَاطِلِ (فَقُتِلَ) أَيْ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ (فَقِتْلَةٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ قَتَلَهُ قِتْلَةٌ (جَاهِلِيَّةٌ) وَالْجُمْلَةُ مَعَ الْفَاءِ جَوَابُ الشَّرْطِ (وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي) أَيْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ (بِسَيْفِهِ) أَيْ بِآلَةٍ مِنْ آلَاتِ الْقَتْلِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا أَيْ خَرَجَ مُشَاهِرًا بِسَيْفِهِ وَقَوْلُهُ (يَضْرِبُ بَرَّهَا) أَيْ صَالِحَهَا (وَفَاجِرَهَا) أَيْ طَالِحَهَا حَالٌ مُتَدَاخِلَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ يَضْرِبُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَتَقَدُّمُ الْبَرِّ لِلْاهْتِمَامِ وَإِظْهَارِ الْحِرْصِ وَالْأَذَى (وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا) أَيْ لَا يَكْتَرِثُ وَلَا يُبَالِي بِمَا يَفْعَلُهُ وَلَا يَخَافُ عُقُوبَتَهُ وَوَبَالَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ فَقَوْلُهُ (بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا) يَشْتَمِلُ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَالْمَعَاهَدِ وَالذِّمِّيِّ، وَقَوْلُهُ (لَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِيَ لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ) كَالتَّفْصِيلِ لَهُ. اهـ وَلَا يَخْفَى بَعْدَ كَوْنِ الْمُرَادِ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ (فَلَيْسَ مِنِّي) أَيْ مِنْ أُمَّتِي أَوْ عَلَى طَرِيقَتِي (وَلَسْتُ مِنْهُ) وَفِيهِ تَهْدِيدٌ وَتَشْدِيدٌ وَهَذَا السَّلْبُ كَسَلْبِ الْأَهْلِيَّةِ عَنِ ابْنِ نُوحٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] لِعَدَمِ اتِّبَاعِهِ لِأَبِيهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
следующие страницы →