← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

٣٦٦٦ - «وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٦٦ - (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا) أَيْ عَاهَدْنَا نَحْنُ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فِيهِمَا، وَفِي الْقَامُوسِ: الْعُسْرُ بِالضَّمِّ وَبِالضَّمَّتَيْنِ وَبِالتَّحْرِيكِ ضِدُّ الْيُسْرِ وَهُوَ بِضَمٍّ وَبِضَمَّتَيْنِ الْيَسَارُ، وَبِالتَّحْرِيكِ السَّهْلُ (وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ) بِفَتْحَتَيْنِ فِيهِمَا فَهُمَا مَصْدَرَانِ مِيمِيَّانِ أَوِ اسْمَا زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، قَالَ الْقَاضِي: أَيْ عَاهَدْنَاهُ بِالْتِزَامِ السَّمْعِ فِي حَالَتَيِ الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ وَتَارَتَيِ الضَّرَّاءِ وَالسَّرَّاءِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّهُ إِلْتِزَمٌ لَهُمْ أَيْضًا بِالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ وَالشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْحِسَابِ عَلَى الْقِيَامِ بِمَا إِلْتَزَمُوا، وَالْمَنْشَطُ وَالْمَكْرَهُ مَفْعَلَانِ مِنَ النَّشَاطِ وَالْكَرَاهَةِ لِلْمَحَلِّ أَيْ فِيمَا فِيهِ نَشَاطُهُمْ وَكَرَاهَتُهُمْ أَوِ الزَّمَانِ أَيْ فِي زَمَانَيِ انْشِرَاحِ صُدُورِهِمْ وَطِيِبِ قُلُوبِهِمْ وَمَا يُضَادُّ ذَلِكَ (وَعَلَى أَثَرَةٍ) بِفَتْحَتَيْنِ اسْمٌ مِنْ " أَثَرَ " بِمَعْنَى اخْتَارَ أَيْ عَلَى اخْتِيَارِ شَخْصٍ عَلَيْنَا بِأَنْ نُؤْثِرَهُ عَلَى أَنْفُسِنَا كَذَا قِيلَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ عَلَى الصَّبْرِ إِيثَارُ الْأُمَرَاءِ أَنْفُسَهُمْ عَلَيْنَا وَحَاصِلُهُ أَنَّ (عَلَى أَثَرَةٍ) لَيْسَتْ بِصِلَةٍ لِلْمُبَالَغَةِ بَلْ مُتَعَلِّقٍ مُقَدَّرٍ أَيْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ نَصْبِرَ عَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَفِي النِّهَايَةِ: الْأَثَرَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالثَّاءِ اسْمٌ مِنَ الْإِيثَارِ أَيْ يَسْتَأْثِرُ عَلَيْكُمْ فَيُفَضِّلُ غَيْرَكُمْ فِي إِعْطَاءِ نَصِيبِهِ مِنَ الْفَيْءِ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْأَثَرَةُ الِاسْتِئْثَارُ وَالْاخْتِصَاصُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا أَيِ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اخْتُصَّ الْأُمَرَاءُ بِالدُّنْيَا عَلَيْكُمْ وَلَمْ يُوصِلُوكُمْ حَقَّكُمْ مِمَّا عِنْدَهُمْ (وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ) أَيْ لَا نَطْلُبُ الْإِمَارَةَ وَلَا نَعْزِلُ الْأَمِيرَ مِنَّا وَلَا نُحَارِبُهُ وَالْمُرَادُ بِالْأَهْلِ مَنْ جَعَلَهُ الْأَمِيرُ نَائِبًا عَنْهُ وَهُوَ كَالْبَيَانِ وَالتَّقْرِيرِ لِلسَّابِقِ ; لِأَنَّ مَعْنَى عَدَمِ الْمُنَازَعَةِ هُوَ الصَّبْرُ عَلَى الْأَثَرَةِ (وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا) أَيْ وَعِنْدَ مَنْ كُنَّا (لَا نَخَافُ) اسْتِئْنَافٌ أَوْ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ نَقُولُ: أَيْ غَيْرَ خَائِفِينَ (فِي اللَّهِ) أَيْ لِأَجْلِهِ أَوْ فِيمَا فِيهِ رِضَاهُ (لَوْمَةَ لَائِمٍ) أَيْ مَلَامَةَ مُلِيمٍ وَأَذِيَّةَ لَئِيمٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ عَلَى الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، لَا نُدَاهِنُ أَحَدًا وَلَا نَخَافُ وَلَا نَلْتَفِتُ إِلَى لَائِمَةٍ (وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا) أَيْ تُبْصِرُوا وَتَعْلَمُوا فِي الْأُمَرَاءِ (كُفْرًا بَوَاحًا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهُ وَاوٌ كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَنَا لِلْمِشْكَاةِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَشَارِقِ وَالْقَامُوسِ وَالنِّهَايَةِ أَيْ كُفْرًا ظَاهِرًا صَرِيحًا فَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ تَرَوْا. حِكَايَةُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْقَرَائِنُ السَّابِقَةُ مَعْنًى تَلَفَّظَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وَقَوْلُهُ (عِنْدَكُمْ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَقَوْلُهُ (مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالظَّرْفِ أَوْ حَالٌ مِنَ الْمُسْتَتِرِ فِي الظَّرْفِ (مِنْهُ) أَيْ فِي ظُهُورِ الْكُفْرِ (بُرْهَانٌ) أَيْ دَلِيلٌ وَبَيَانٌ مِنْ حَدِيثٍ أَوْ قُرْآنٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ بُرْهَانٌ حَاصِلٌ عِنْدَكُمْ كَائِنًا مِنَ اللَّهِ، أَيْ مِنْ دِينِ اللَّهِ. اهـ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ حِينَئِذٍ تَجُوزُ الْمُنَازَعَةُ بَلْ يَجِبُ عَدَمُ الْمُطَاوَعَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: بَوَاحًا بِالْوَاوِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالرَّاءِ يُقَالُ: بَاحَ الشَّيْءُ إِذْ ظَهَرَ بَوَاحًا وَالْبَوَاحُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَمْرًا بَوَاحًا وَبَرَاحًا بِمَعْنَاهُ مِنَ الْأَرْضِ وَالْبَرَاحِ وَهِيَ الْبَارِزَةُ وَالْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعَاصِي، وَالْمَعْنَى لَا تُنَازِعُوا وُلَاةَ الْأُمُورِ فِي وِلَايَتِهِمْ وَلَا تَعْتَرِضُوا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ تَرَوْا مِنْهُمْ مُنْكَرًا مُحَقَّقًا تَعْلَمُونَهُ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَنْكِرُوهُ عَلَيْهِمْ، وَقُومُوا بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِمْ وَقِتَالُهُمْ فَمُحَرَّمٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً ظَالِمِينَ وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ لِتَهَيُّجِ الْفِتَنِ فِي عَزْلِهِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَتَفْرِيقِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَتَكُونُ الْمَفْسَدَةُ فِي عَزْلِهِ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي بَقَائِهِ وَلَا تَنْعَقِدُ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ ابْتِدَاءً، وَاجْتَمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَنْعَقِدُ لِكَافِرٍ وَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ

стр. 5112

انْعَزَلَ وَكَذَا لَوْ تَرَكَ إِقَامَةَ الصَّلَوَاتِ وَالدُّعَاءِ إِلَيْهَا وَكَذَا الْبِدْعَةُ، قَالَ الْقَاضِي: فَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ كُفْرٌ وَتَغْيِيرٌ فِي الشَّرْعِ أَوْ بِدْعَةٌ سَقَطَتْ إِطَاعَتُهُ وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ خَلْعُهُ وَنَصْبُ إِمَامٍ عَادِلٍ إِنْ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ فِي الْمُبْتَدَعِ إِلَّا إِذَا ظَنُّوا الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَيُهَاجِرُ الْمُسْلِمُ عَنْ أَرْضِهِ إِلَى غَيْرِهَا وَيَفِرُّ بِدِينِهِ. اهـ وَفِيهِ أَبْحَاثٌ، أَمَّا أَوَّلًا، فَقَوْلُهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مُسْتَدْرَكٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِ (كُفْرًا) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَأَمَا ثَانِيًا فَقَوْلُهُ (الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعَاصِي) مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْكُفْرَ عَلَى بَابِهِ وَالْاسْتِثْنَاءُ عَلَى صِرَافَتِهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا أُرِيدَ الْمَعَاصِي فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ إِذْ لَا تَجُوزُ مُنَازَعَةُ الْأَمْرِ مِنْ أَهْلِهِ بِسَبَبِ عِصْيَانِهِ كَمَا فُهِمَ مِنْ تَقْرِيرِهِ وَبَيَانِهِ، وَأَمَا ثَالِثًا فَقَوْلُهُ (لَا تَنْعَقِدُ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ) فَإِنَّهُ يُشْكِلُ بِسَلْطَنَةِ الْمُتَسَلْطِنِينَ الظَّاهِرِ عَلَيْهِمْ حَالُ التَّوْلِيَةِ أَنَّهُمْ مِنَ الْفَاسِقِينَ، وَفِي الْقَوْلِ بِعَدَمِ انْعِقَادِ إِمَامَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ حَرَجٌ عَظِيمٌ فِي الدِّينِ حَيْثُ يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ صِحَّةِ الْجُمُعَةِ وَوِلَايَةِ الْقُضَاةِ وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْقَضَايَا اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ لَكِنَّ الْمُرَادَ لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ، وَفِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ نَصْبَ الْإِمَامِ وَاجِبٌ ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَتَنْفِيذِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِمْ وَسَدِّ ثُغُورِهِمْ وَتَجْهِيزِ جُيُوشِهِمْ وَأَخْذِ صَدَقَاتِهِمْ وَقَهْرِ الْمُتَغَلِّبَةِ وَالْمُتَلَصِّصَةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ وَتَزْوِيجِ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ اللَّذَيْنِ لَا أَوْلِيَاءَ لَهُمَا وَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَتَوَلَّاهَا آحَادُ الْأُمَّةِ ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَنْعَزِلُ الْإِمَامُ بِالْفِسْقِ ; لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلْإِمَامَةِ ابْتِدَاءً فَبَقَاءٌ أَوْلَى، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِمَامَ يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ وَكَذَا كُلُّ قَاضٍ وَأَمِيرٍ وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْفَاسِقَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ فَكَيْفَ يَنْظُرُ لِغَيْرِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ حَتَّى يَصِحَّ لِلْأَبِ الْفَاسِقِ تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ، وَالْمَسْطُورُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ بِخِلَافِ الْإِمَامِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي انْعِزَالِهِ وَوُجُوبِ نَصْبِ غَيْرِهِ إِثَارَةَ الْفِتْنَةِ لِمَا لَهُ مِنَ الشَّرِكَةِ بِخِلَافِ الْقَاضِي (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5113

٣٦٦٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٦٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) قَدْ أَشَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ تَعْدِيَةَ (بَايَعْنَا) بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى عَاهَدْنَا (يَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ فِيمَا (اسْتَطَعْتُ) عَلَى التَّكَلُّمِ أَيْ قُلْ: فِيمَا اسْتَطَعْتُ، تَلْقِينًا لَهُمْ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ شَفَقَتِهِ وَرَأْفَتِهِ بِأُمَّتِهِ حَيْثُ لَقَّنَهُمْ بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ فِيمَا اسْتَطَعْتُ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي عُمُومِ بَيْعَتِهِ مَا لَا يُطِيقُهُ. اهـ وَيُحْتَمَلُ حَمْلُ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لِيَتَّفِقَ الْحَدِيثَانِ فِي الْمَبْنَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا فِي كَلَامِهِ ﷺ حَالَةَ الْمُبَايَعَةِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ رَحْمَةً عَلَى الْأُمَّةِ.

стр. 5114

٣٦٦٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٦٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا) أَيْ أَمْرًا أَوْ فِعْلًا (يَكْرَهُهُ) أَيْ شَرْعًا أَوْ طَبْعًا (فَلْيَصْبِرْ) أَيْ وَلَا يَخْرُجْ عَلَيْهِ (فَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنَ (لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ) أَيِ الْمُنْتَظِمَةَ بِنَصْبِ الْإِمَامَةِ (شِبْرًا) أَيْ قَدْرًا يَسِيرًا (فَيَمُوتَ) بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَانِبِ النَّفْيِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى (يُفَارِقُ) أَيْ فَيَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ (إِلَّا مَاتَ) اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ (مِيتَةً) بِكَسْرِ الْمِيمِ لِلْهَيْئَةِ وَالْحَالَةِ وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ (جَاهِلِيَّةً) أَيْ مَنْسُوبَةً إِلَى الْجَاهِلِ فِي الدِّينِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمِيتَةُ وَالْقِتْلَةُ بِالْكَسْرِ الْحَالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَفَارَقَ جَمَاعَةَ الْإِسْلَامِ وَشَذَّ عَنْهُمْ وَخَالَفَ إِجْمَاعَهُمْ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَمَاتَ عَلَى هَيْئَةٍ كَانَ يَمُوتُ عَلَيْهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ ; لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَى طَاعَةِ أَمِيرٍ فَلَا يَتَّبِعُونَ هُدَى إِمَامٍ بَلْ كَانُوا مُسْتَنْكِفِينَ عَنْهَا مُسْتَبِدِّينَ فِي الْأُمُورِ لَا يَجْتَمِعُونَ فِي شَيْءٍ وَلَا يَتَّفِقُونَ عَلَى رَأْيٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5115

٣٦٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ يَدْعُو لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي بِسَيْفِهِ يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٦٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ) أَيْ طَاعَةِ الْإِمَامِ (وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ) أَيْ جَمَاعَةَ الْإِسْلَامِ (فَمَاتَ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ (مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ) بِالْأَلْفِ أَيْ عَلَمٍ (عِمِّيَّةٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَيُضَمُّ وَبِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْعَمِيَّةُ كَغَنِيَّةٍ وَيُضَمُّ الْغِوَايَةُ وَاللِّجَاجُ وَبِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ مُشَدَّدَتَيِ الْمِيمِ وَالْيَاءِ الْكِبْرُ وَالضَّلَالُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا وَتَشْدِيدِهَا وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَالْيَاءِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَهِيَ الْأَمْرُ الْأَعْمَى لَا يَسْتَبِينُ وَجْهُهُ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ حَنْبَلٍ وَالْجُمْهُورُ فِي الْغَرِيبَيْنِ قَالَ إِسْحَاقُ: هَذَا فِي تَخَارُجِ الْقَوْمِ وَقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَكَانَ أَصْلُهُ مِنَ التَّعْمِيَةِ وَهُوَ التَّلْبِيسُ (يَغْضَبُ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ يَغْضَبُ (لِعَصَبِيَّةٍ) وَهِيَ الْخَصْلَةُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى الْعَصَبِيَّةِ أَيْ لِإِعْلَاءِ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ (أَوْ يَدْعُو) أَيْ غَيْرَهُ (لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ يَنْصُرُ) أَيْ بِالْفِعْلِ مِنَ الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ (عَصَبِيَّةً) تَمْيِيزٌ أَوْ مَفْعُولٌ لَهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ يُقَاتِلُ بِغَيْرِ بَصِيرَةٍ وَعِلْمٍ تَعَصُّبًا كَقِتَالِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا يَعْرِفُ الْمُحِقَّ مِنَ الْمُبْطِلِ، وَإِنَّمَا يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ لَا لِنُصْرَةِ الدِّينِ، وَالْعَصَبِيَّةُ إِعَانَةُ قَوْمِهِ عَلَى الظُّلْمِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ (تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ) كِنَايَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مُجْتَمِعِينَ عَلَى أَمْرٍ مَجْهُولٍ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ فَيَدْعُونَ النَّاسَ إِلَيْهِ وَيُقَاتِلُونَ لَهُ، وَقَوْلُهُ (يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ) حَالٌ إِمَّا مُؤَكِّدَةٌ إِذَا ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي نَفْسِهِ بَاطِلٌ، أَوْ مُتَنَقِّلَةٌ إِذَا فَرَضَ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّ مَنْ قَاتَلَ تَعَصُّبًا لَا لِإِظْهَارِ دِينٍ وَلَا لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ الْمَغْضُوبُ لَهُ مُحِقًّا كَانَ عَلَى الْبَاطِلِ (فَقُتِلَ) أَيْ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ (فَقِتْلَةٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ قَتَلَهُ قِتْلَةٌ (جَاهِلِيَّةٌ) وَالْجُمْلَةُ مَعَ الْفَاءِ جَوَابُ الشَّرْطِ (وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي) أَيْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ (بِسَيْفِهِ) أَيْ بِآلَةٍ مِنْ آلَاتِ الْقَتْلِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا أَيْ خَرَجَ مُشَاهِرًا بِسَيْفِهِ وَقَوْلُهُ (يَضْرِبُ بَرَّهَا) أَيْ صَالِحَهَا (وَفَاجِرَهَا) أَيْ طَالِحَهَا حَالٌ مُتَدَاخِلَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ يَضْرِبُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَتَقَدُّمُ الْبَرِّ لِلْاهْتِمَامِ وَإِظْهَارِ الْحِرْصِ وَالْأَذَى (وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا) أَيْ لَا يَكْتَرِثُ وَلَا يُبَالِي بِمَا يَفْعَلُهُ وَلَا يَخَافُ عُقُوبَتَهُ وَوَبَالَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ فَقَوْلُهُ (بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا) يَشْتَمِلُ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَالْمَعَاهَدِ وَالذِّمِّيِّ، وَقَوْلُهُ (لَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِيَ لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ) كَالتَّفْصِيلِ لَهُ. اهـ وَلَا يَخْفَى بَعْدَ كَوْنِ الْمُرَادِ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ (فَلَيْسَ مِنِّي) أَيْ مِنْ أُمَّتِي أَوْ عَلَى طَرِيقَتِي (وَلَسْتُ مِنْهُ) وَفِيهِ تَهْدِيدٌ وَتَشْدِيدٌ وَهَذَا السَّلْبُ كَسَلْبِ الْأَهْلِيَّةِ عَنِ ابْنِ نُوحٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] لِعَدَمِ اتِّبَاعِهِ لِأَبِيهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5116

٣٦٧٠ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ أَلَا مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٧٠ - (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ) بِالْهَمْزَتَيْنِ وَيَجُوزُ إِبْدَالُ الثَّانِيَةِ يَاءً وَهُوَ جَمْعُ إِمَامٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْوُلَاةُ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَوَّلًا هُمُ الْأَئِمَّةَ، فَلَمَّا وَلِيَ الْجُهَّالُ وَالْمُتَكَبِّرُونَ تَرَكُوا مَنْصِبَ الْإِمَامَةِ لِنُوَّابِهِمْ (الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ) أَيِ الَّذِينَ عَدَلُوا فِي الْحُكْمِ فَتَنْعَقِدُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مَوَدَّةٌ وَمَحَبَّةٌ (وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ) قَالَ الْأَشْرَفُ ﵀: الصَّلَاةُ هُنَا بِمَعْنَى الدُّعَاءِ أَيْ تَدْعُونَ لَهُمْ وَيَدْعُونَ لَكُمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَفِي قَسِيمِهِ (تَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ) ، وَكَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَقَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ يُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ إِذَا مُتُّمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ إِذَا مَاتُوا عَنِ الطَّوْعِ وَالرَّغْبَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ هَذَا الْوَجْهَ أَوْلَى أَيْ (تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ) مَا دُمْتُمْ فِي قَيْدِ الْحَيَاةِ فَإِذَا جَاءَ الْمَوْتُ يَتَرَحَّمُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَذْكُرُ صَاحِبَهُ بِخَيْرٍ ( «وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ» ) أَيْ تَدْعُونَ عَلَيْهِمْ وَيَدْعُونَ عَلَيْكُمْ أَوْ تَطْلُبُونَ الْبُعْدَ عَنْهُمْ لِكَثْرَةِ شَرِّهِمْ وَيَطْلُبُونَ الْبُعْدَ عَنْكُمْ لِقِلَّةِ خَيْرِكُمْ (قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ) أَيْ أَفَلَا نَعْزِلُهُمْ وَلَا نَطْرَحُ

стр. 5117

عَهْدَهُمْ وَلَا نُحَارِبُهُمْ (عِنْدَ ذَلِكَ) أَيْ إِذَا حَصَلَ مَا ذُكِرَ (قَالَ: لَا) أَيْ لَا تُنَابِذُوهُمْ (مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ) أَيْ مُدَّةَ إِقَامَتِهِمُ الصَّلَاةَ فِيمَا بَيْنَكُمْ ; لِأَنَّهَا عَلَامَةُ اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ فِي الْأُمَّةِ، قَالَ الطِّيبِيٌّ: فِيهِ إِشْعَارٌ بِتَعْظِيمِ أَمْرِ الصَّلَاةِ وَأَنَّ تَرْكَهَا مُوجِبٌ لِنَزْعِ الْيَدِ عَنِ الطَّاعَةِ كَالْكُفْرِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ: إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا. الْحَدِيثَ وَلِذَلِكَ كَرَّرَهُ وَقَالَ: (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ (مَنْ وُلِّيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّوْلِيَةِ بِمَعْنَى التَّأْمِيرِ أَيْ أُمِّرَ (عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ) أَيِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ الْوَالِيَ (يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] وَالْمَعْنَى فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِلِسَانِهِ (وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ) أَيْ بِالْخَلْعِ وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5118

٣٦٧١ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ أَنْكَرَ فَقْدَ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ: لَا مَا صَلَّوْا لَا مَا صَلَّوْا أَيْ مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَأَنْكَرَ بِقَلْبِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٧١ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ إِخْبَارًا عَنِ الْغَيْبِ (يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ) قَالَ الْقَاضِي: هُمَا صِفَتَانِ لِأُمَرَاءَ، وَالرَّاجِعُ فِيهَا مَحْذُوفٌ أَيْ تَعْرِفُونَ بَعْضَ أَفْعَالِهِمْ وَتُنْكِرُونَ بَعْضَهَا يُرِيدُ أَنَّ أَفْعَالَهُمْ يَكُونُ بَعْضُهَا حَسَنًا وَبَعْضُهَا قَبِيحًا (فَمَنْ أَنْكَرَ) أَيْ مَنْ قَدَرَ أَنْ يُنْكِرَ بِلِسَانِهِ عَلَيْهِمْ قَبَائِحَ أَفْعَالِهِمْ وَسِمَاتِ أَحْوَالِهِمْ وَأَنْكَرَ (فَقَدْ بَرِئَ) أَيْ مِنَ الْمُدَاهَنَةِ وَالنِّفَاقِ (وَمَنْ كَرِهَ) أَيْ وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ وَكَرِهَ ذَلِكَ (فَقَدْ سَلِمَ) أَيْ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ فِي الْوِزْرِ وَالْوَبَالِ (وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ) أَيْ بِفِعْلِهِمْ بِالْقَلْبِ (وَتَابَعَ) أَيْ تَابَعَهُمْ فِي الْعَمَلِ فَهُوَ الَّذِي شَارَكَهُمْ فِي الْعِصْيَانِ وَانْدَرَجَ مَعَهُمْ تَحْتَ اسْمِ الطُّغْيَانِ، وَحَذْفُ الْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ مَنْ رَضِيَ لِدَلَالَةِ الْحَالِ وَسِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ هَذَا الْقِسْمِ ضِدُّ مَا أَثْبَتَهُ لِقَسِيمِهِ (قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ) أَيْ حِينَئِذٍ (قَالَ: لَا) أَيْ لَا تُقَاتِلُوهُمْ (مَا صَلَّوْا لَا مَا صَلَّوْا) تَأْكِيدٌ وَإِنَّمَا مَنَعَ عَنْ مُقَاتَلَتِهِمْ مَا دَامُوا يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ عُنْوَانُ الْإِسْلَامِ وَالْفَارِقُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ حَذَرًا مِنْ هَيْجِ الْفِتَنِ وَاخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ أَشَدَّ نِكَايَةً مِنِ احْتِمَالِ نُكْرِهِمْ، وَالْمُصَابِرَةِ عَلَى مَا يُنْكِرُونَ مِنْهُمْ (أَيْ مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَأَنْكَرَ بِقَلْبِهِ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ فَمَنْ أَنْكَرَ وَمَنْ كَرِهَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْحَدِيثِ وَفِيهِ إِشْكَالٌ وَهُوَ لُزُومُ التَّكْرَارِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْإِنْكَارَ اللِّسَانِيَّ لَمَّا كَانَ مُتَفَرِّعًا عَنِ الْإِنْكَارِ الْقَلْبِيِّ صَحَّ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ بِلِسَانِهِ بِدُونِ إِنْكَارِ جَنَانِهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ عِصْيَانِهِ، فَالتَّقْدِيرُ مَنْ أَنْكَرَ إِنْكَارًا مُتَلَبِّسًا بِقَلْبِهِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: يَعْنِي مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَأَنْكَرَ بِلِسَانِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا لَا يَخْفَى هَذَا مَحْمِلُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَمَّا تَفْصِيلُ الْمَرَامِ فَقَدْ قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا التَّفْسِيرُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّ الْإِنْكَارَ يَكُونُ بِاللِّسَانِ وَالْكَرَاهَةَ بِالْقَلْبِ وَلَوْ كَانَ كِلَاهُمَا بِالْقَلْبِ لَكَانَا مُنْكَرَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَلْبِ وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَفِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ: مَنْ أَنْكَرَ بِلِسَانِهِ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا التَّعْلِيلُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَأَوَّلُ شَيْءٍ يَدْفَعُهُ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ تُنْكِرُونَ ; لِأَنَّ هَذَا الْإِنْكَارَ مُنْحَصِرٌ فِي اللِّسَانِ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ هَذَا الْبَيَانُ وَالْبُرْهَانُ لَيْسَ إِلَّا بِالْقَلْبِ لِوُقُوعِهِ قَسِيمًا لِـ (تَعْرِفُونَ) وَمَعْنَاهُ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ، أَيْ تَرَوْنَ مِنْهُمْ مِنْ حُسْنِ السِّيرَةِ مَا تَعْرِفُونَ وَتَرَوْنَ مِنْ سُوءِ السِّيرَةِ مَا تُنْكِرُونَ أَيْ تَجْهَلُونَهُ، فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ مَا يُعْرَفُ بِالشَّرْعِ وَالْمُنْكَرَ عَكْسُهُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: لَمْ يُنْكِرْ أَنَّ الْإِنْكَارَ مُنْحَصِرٌ فِي اللِّسَانِ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ هَذَا الْبَيَانُ وَالْبُرْهَانُ بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ الْإِنْكَارَ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِالْقَلْبِ ; لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ كَرَاهَةِ الْقَلْبِ وَأَيْضًا الْمُنْكَرُ وَاحِدٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الشَّرْطَيْنِ مُخْتَلِفًا، لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْرَارُ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلِأَنَّ قَوْلَهُ فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ تَفْصِيلٌ لِيُنْكِرُونَ بِشَهَادَةِ الْفَاءِ فِي (فَمَنْ أَنْكَرَ) فَلَنْ يَكُونَ الْمُفَصَّلُ مُخَالِفًا لِلْمُجْمَلٍ، قُلْتُ: لَا مُنَازَعَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُجْمَلَ هُوَ الْمُنْكَرُ الشَّرْعِيُّ، وَالتَّفْصِيلُ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُنْكِرِينَ لِذَلِكَ الْمُنْكَرِ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ قَالَ: وَمَعْنَاهُ فَمَنْ أَنْكَرَ مَا

стр. 5119

لَا يَعْرِفُ حُسْنَهُ فِي الشَّرْعِ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ، وَمَنْ لَمْ يُنْكِرْهُ حَقَّ الْإِنْكَارِ بَلْ كَرِهَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَا بُدَّ لِمَنْ أَنْكَرَهُ بِقَلْبِهِ حَقَّ الْإِنْكَارِ أَنْ يُظْهِرَهُ بِالْمُكَافَحَةِ بِلِسَانِهِ، بَلْ يُجَاهِدُهُ بِيَدِهِ وَجَمِيعِ جَوَارِحِهِ، وَإِذَا قَيَّدَ الْإِنْكَارَ بِقَلْبِهِ أَفَادَ هَذَا الْمَعْنَى وَإِذَا خَصَّ بِلِسَانِهِ لَمْ يُفْدِهِ، قُلْتُ: وُجُودُ الْإِفَادَةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَدَمُهَا إِنَّمَا هُوَ مِنَ الْخَارِجِ لَا مِنَ الْعِبَارَةِ كَمَا عَبَّرْنَا عَنْهُ فِيمَا سَبَقَ بِالْإِشَارَةِ ثُمَّ قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْكَارَ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَمَا يَنْبَغِي مُسَمًّى بِالْكَرَاهَةِ، قَوْلُ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ: وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَمَنَعَهُ الضَّعْفُ عَنْ إِظْهَارِ مَا يُضْمِرُ مِنَ النُّكْرَةِ، قُلْتُ: لَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ بَلْ هُوَ مُؤَيِّدٌ لِلْمُظْهِرِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ، ثُمَّ قَالَ: وَحَاشَا لِمَكَانَةِ إِمَامِ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا أَعْنِي مُسْلِمًا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ فِيهِ كَلَامٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لَا سِيَّمَا فِي تَفْسِيرِ الْكَلَامِ النَّبَوِيِّ، قُلْتُ: الْبُخَارِيُّ أَجَلُّ مِنْهُ قَدْرًا وَقَدْ وَقَعَ لَهُ سَهْوٌ فِي الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي كِتَابِهِ، مَعَ أَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ تَقْلِيدٍ وَإِلَّا فَكُلُّ أَحَدٍ يُقْبَلُ كَلَامُهُ وَيُرَدُّ إِلَّا الْمَعْصُومَ، عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِ بَلْ هُوَ نَاقِلٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِقَائِلِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَالرِّوَايَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ الْمُظْهِرُ بِهَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ كَذَا وَيُرْوَى: فَمَنْ أَنْكَرَ بِلِسَانِهِ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ. وَلَفْظُ يُرْوَى وَنَحْوِهِ إِنَّمَا يَسْتَعْمِلُهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ فِيمَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ، قُلْتُ: هَذَا غَالِبِيٌّ وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَقْوَى فِي اعْتِبَارِ الْمَعْنَى مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاوِي كَمَا لَا يَخْفَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَا أَخَبَرَ بِهِ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ وَقَدْ وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ وَسَكَتَ لَا يَأْثَمُ إِذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ. هَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِنْكَارَهُ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ وَيَسْلَمُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ (سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ كَرِهَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ) وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَفْظَةَ ( «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ نَابَذَهُمْ نَجَا وَمَنِ اعْتَزَلَهُمْ سَلِمَ وَمَنْ خَالَطَهُمْ هَلَكَ» ) وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ مِنْ بَعْدِي يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لَا تَعْرِفُونَ وَيَعْمَلُونَ بِمَا تُنْكِرُونَ فَلَيْسَ أُولَئِكَ عَلَيْكُمْ بِأَئِمَّةٍ أَيْ فِي الْحَقِيقَةِ. وَرَوَى أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ: «سَتَكُونُ أَئِمَّةٌ مِنْ بَعْدِي يَقُولُونَ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُمْ يَتَقَاحَمُونَ فِي النَّارِ كَمَا تَقَاحَمُ الْقِرَدَةُ» .

стр. 5120

٣٦٧٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٧٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لَنَا) أَيْ لِأَجْلِنَا أَوْ مُشَافِهًا لَنَا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ وَفِي الْقَامُوسِ: (أُثْرَةً) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الثَّاءِ وَبِفَتْحِهِمَا أَيْضًا، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ الْأَثَرَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالثَّاءِ وَيُقَالُ: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ ذَكَرَهُنَّ فِي الْمَشَارِقِ وَغَيْرِهِ وَهِيَ الِاسْتِئْثَارُ وَالْاخْتِصَاصُ بِأُمُورِ الدِّينِ (وَأُمُورًا) أَيْ أَشْيَاءَ أُخَرَ (تُنْكِرُونَهَا) أَيْ لَا تَسْتَحْسِنُوهَا قِيلَ: فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِدُونِ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ فَيَكُونُ بَيَانَ (أَثَرَةً) (قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟) أَيْ حِينَئِذٍ (يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ) أَيْ طَاعَتَكُمْ إِيَّاهُمْ (وَسَلُوا) بِالنَّقْلِ أَوْ مِنْ سَأَلَ بِالْأَلِفِ (اللَّهَ حَقَّكُمْ) أَيِ اطْلُبُوا اللَّهَ أَنْ يُوَصِّلَ إِلَيْكُمْ حَقَّكُمْ وَهُوَ مَا أَثَرُوا فِيهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّكُمْ وَلَا تُكَافِئُوا اسْتِئْثَارَهُمْ بِاسْتِئْثَارِكُمْ بَلْ وَفِّرُوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَحُقُوقِ الدِّينِ وَسَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يُوَصِّلَ إِلَيْكُمْ حَقَّكُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ وَنَحْوِهَا وَكِلُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَمْرَكُمْ، وَاللَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي غَدًا عَلَى الْحَوْضِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ.

стр. 5121

٣٦٧٣ - «وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ; فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٧٣ - (وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ مَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَّا) بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيُخَفَّفُ صِفَةُ أُمَرَاءَ أَيْ يَطْلُبُونَا (حَقَّهُمْ) أَيْ مِنَ الطَّاعَةِ وَالْخِدْمَةِ (وَيَمْنَعُونَا) بِالْوَجْهَيْنِ (حَقَّنَا) أَيْ مِنَ الْعَدْلِ وَإِعْطَاءِ الْغَنِيمَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: لَوْ ضَيَّعُونَا حَقَّنَا (فَمَا تَأْمُرُنَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا جَزَاءُ الشَّرْطِ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِعْلَامِ (قَالَ: اسْمَعُوا) أَيْ ظَاهِرًا (وَأَطِيعُوا) بَاطِنًا أَوِ اسْمَعُوا قَوْلًا وَأَطِيعُوا فِعْلًا (فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ مَا كُلِّفُوا مِنَ الْعَدْلِ وَإِعْطَاءِ حَقِّ الرَّعِيَّةِ (وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ أَيْ مِنَ الطَّاعَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلِيَّةِ وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَا كُلِّفَ بِهِ وَلَمْ يَتَعَدَّ حَدَّهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَدَّمَ الْجَارَّ عَلَى الْمَجْرُورِ عَلَى عَامِلِهِ لِلْاخْتِصَاصِ أَيْ لَيْسَ عَلَى الْأُمَرَاءِ إِلَّا مَا حَمَّلَهُ اللَّهُ وَكَلَّفَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَدْلِ وَالتَّسْوِيَةِ بِهَذَا لَمْ يُقِيمُوا بِذَلِكَ فَعَلَيْهِمُ الْوِزْرُ وَالْوَبَالُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَعَلَيْكُمْ مَا كُلِّفْتُمْ بِهِ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ، فَإِذَا قُمْتُمْ بِمَا عَلَيْكُمْ فَاللَّهُ تَعَالَى يَتَفَضَّلُ عَلَيْكُمْ وَيُثِيبُكُمْ بِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5122

٣٦٧٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٧٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ) أَيْ أَيِّ طَاعَةٍ كَانَتْ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَمَّا كَانَ وَضْعُ الْيَدِ كِنَايَةً عَنِ الْعَهْدِ وَإِنْشَاءِ الْبَيْعَةِ لِجَرْيِ الْعَادَةِ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْيَدِ حَالَ الْمُعَاهَدَةِ كَنَّى عَنِ النَّقْضِ بِخَلْعِ الْيَدِ وَنَزْعِهَا يُرِيدُ مَنْ نَقَضَ وَخَلَعَ نَفْسَهُ عَنْ بَيْعَةِ الْإِمَامِ (لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ) أَيْ آثِمًا وَلَا عُذْرَ لَهُ (وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ) أَيْ لِإِمَامٍ (مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) وَهُوَ مَعْنَى مَا اشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَذَكَرَهُ السَّعْدُ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ مِنْ حَدِيثِ (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5123

٣٦٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيُّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بَيْعَةَ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٧٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ) أَيْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ (الْأَنْبِيَاءُ) كَمَا يَفْعَلُ الْأُمَرَاءُ وَالْوُلَاةُ بِالرَّعِيَّةِ، وَالسِّيَاسَةُ الْقِيَامُ عَلَى الشَّيْءِ بِمَا يُصْلِحُهُ وَهُوَ خَبَرُ كَانَ (كُلَّمَا هَلَكَ) أَيْ مَاتَ (نَبِيٌّ خَلَفَهُ) أَيْ جَاءَ خَلْفَهُ (نَبِيٌّ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَيْ يَرْأَسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ تَتْرَى تَابِعًا بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَوْلُهُ (وَإِنَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (لَا نَبِيَّ بَعْدِي) مَعْطُوفٌ عَلَى كَانَتْ وَإِنَّمَا خُولِفَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِإِرَادَةِ الثَّبَاتِ وَالتَّوْكِيدِ فِي الثَّانِي، يَعْنِي قِصَّةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَيْتَ وَكَيْتَ وَقِصَّتُنَا كَيْتَ وَكَيْتَ (وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ) أَيْ أُمَرَاءُ (فَيَكْثُرُونَ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ، وَفِي مُسْلِمٍ فَتَكْثُرُ فِي الْقَامُوسِ: كَثُرَ كَكَرُمَ وَكَثَّرَهُ تَكْثِيرًا وَأَكْثَرَهُمْ وَكَاثَرُوهُمْ فَكَثَّرُوهُمْ أَيْ غَالَبُوهُمْ فِي الْكَثْرَةِ فَغَلَبُوهُمْ، وَأَمَّا مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ كَسْرِ الثَّاءِ مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ (قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا) جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ إِذَا كَثُرَ بَعْدَكَ الْخُلَفَاءُ فَوَقَعَ التَّشَاجُرُ وَالتَّنَازُعُ بَيْنَهُمْ فَمَا تَأْمُرُنَا نَفْعَلُ (قَالَ: فُوا) أَمْرٌ مِنْ وَفَى يَفِي أَيْ أَوْفُوا (بَيْعَةَ الْأَوَّلِ) مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ لِمُسْلِمٍ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: قُوا، بِالْقَافِ أَمْرٌ مِنْ وَقَى يَقِي أَيِ احْفَظُوا وَرَاعُوا بَيْعَةَ الْأَوَّلِ (فَالْأَوَّلِ) قَالَ الطِّيبِي: الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَالتَّكْرِيرُ لِلْاسْتِمْرَارِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ بَلِ الْحُكْمُ هَذَا عِنْدَ تَجَدُّدِ كُلِّ زَمَانٍ وَتَجَدُّدِ بَيْعَةٍ وَقَوْلُهُ (أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ) كَالْبَدَلِ، مِنْ قَوْلِهِ فُوا بَيْعَةَ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ (فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ) تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِإِعْطَاءِ حَقِّهِمْ وَفِيهَا اخْتِصَارٌ أَيْ: فَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُعْطُوكُمْ حَقَّكُمْ ; فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ (عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ) وَمُثِيبُكُمْ بِمَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ. وَقَوْلُهُ: اسْتَرْعَاهُمْ أَيْ طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ رَاعِيَهُمْ وَأَمِيرَهُمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مَنِ اسْتَرْعَيْتُهُ الشَّيْءَ فَرَعَاهُ وَفِي الْمَثَلِ: مَنِ اسْتَرْعَى الذِّئْبَ فَقَدْ ظَلَمَ، وَالرَّاعِي الْوَالِي، وَالرَّعِيَّةُ الْعَامَّةُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5124

٣٦٧٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٧٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ) أَيْ وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ (فَاقْتُلُوا الْآخِرَ) بِكَسْرِ مَا قَبْلَ الْآخِرِ (مِنْهُمَا) وَالْقَتْلُ مَجَازٌ عَنْ نَقْضِ الْعَهْدِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُدْفَعْ إِلَّا بِالْقَتْلِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ، قَالَ الْقَاضِي: قِيلَ أَرَادَ بِالْقَتْلِ الْمُقَاتَلَةَ ; لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا غَايَتُهَا وَقِيلَ: أَرَادَ إِبْطَالَ بَيْعَتِهِ وَتَوْهِينَ أَمْرِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ قَتَلْتُ الشَّرَابَ إِذَا مَزَجْتَهُ وَكَسَرْتَ سَوْرَتَهُ بِالْمَاءِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَوَّلُ مِنَ الْوِجْهَتَيْنِ يَسْتَدْعِي الثَّانِي ; لِأَنَّ الْآخَرَ مِنْهُمَا خَارِجٌ عَلَى الْأَوَّلِ بَاغٍ عَلَيْهِ فَتَجِبُ الْمُقَاتَلَةُ مَعَهُ حَتَّى يَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَإِلَّا قُتِلَ، فَهُوَ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا يُؤَوَّلُ لِلْحَثِّ عَلَى دَفْعِهِ وَإِبْطَالِ بَيْعَتِهِ وَتَوْهِينِ أَمْرِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قَاتِلُ أَهْلِ الْبَغْيِ غَيْرُ نَاقِضٍ عَهْدَهُ لَهُمْ إِنْ عَهِدَ لِأَنَّهُمْ حَارَبُوا مَنْ يَلْزَمُ الْإِمَامَ مُحَارَبَتُهُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ لِشَخْصَيْنِ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ اتَّسَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِ الْإِرْشَادِ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا لِشَخْصَيْنِ، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلِاثْنَيْنِ فِي صُقْعٍ وَاحِدٍ وَإِنْ بَعُدَ مَا بَيْنَهُمَا وَتَخَلَّلَتْ بَيْنَهُمَا شُسُوعٌ فَلِلْاحْتِمَالِ فِيهِ مَجَالٌ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْقَوَاطِعِ، وَحَكَى الْمَازِرِيُّ هَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ قَوْلٌ غَيْرُ سَدِيدٍ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ وَالظَّاهِرُ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5125

٣٦٧٧ - وَعَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٧٧ - (وَعَنْ عَرْفَجَةَ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ابْنُ سَعْدٍ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ طَرَفَةُ وَهُوَ الَّذِي أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ ذَهَبٍ، وَكَانَ ذَهَبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ بِضَمِّ الْكَافِ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنَ (سَتَكُونُ هَنَاتٌ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ (وَهَنَاتٌ) أَيْ شُرُورٌ وَفَسَادَاتٌ مُتَتَابِعَةٌ خَارِجَةٌ عَنِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْمُرَادُ بِهَا الْفِتَنُ الْمُتَوَالِيَةُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سَيَظْهَرُ فِي الْأَرْضِ أَنْوَاعُ الْفَسَادِ، الْفِتْنَةُ لِطَلَبِ الْإِمَارَةِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَإِنَّمَا الْإِمَامُ مَنِ انْعَقَدَ أَوَّلًا لَهُ الْبَيْعَةُ (فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ يَفْصِلَ وَيَقْطَعَ (أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ وَكَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ (فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ) أَيْ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِالتَّفْرِيقِ وَالتَّقْطِيعِ (كَائِنًا مَنْ كَانَ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَقَارِبِي أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ وَهِيَ الْخِلَافَةُ، وَفِي نُسْخَةٍ: كَائِنًا مَا كَانَ، وَمَشَى عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: إِنَّهُ حَالٌ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ أَيِ ادْفَعُوا مَنْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ بِالسَّيْفِ وَإِنْ كَانَ أَشْرَفَ وَأَعْلَمَ وَتَرَوْنَ أَنَّهُ أَحَقُّ وَأَوْلَى، وَهَذَا الْمَعْنَى أَظْهَرُ فِي لَفْظِهِ مِمَّا فِي الْمَتْنِ ; لِأَنَّهُ يَجْرِي حِينَئِذٍ عَلَى صِفَةِ ذَوِي الْعِلْمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] أَيْ عَظِيمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الشَّأْنِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَرْفَجَةَ بِلَفْظِ ( «سَتَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ أَوْ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ فَاقْتُلُوهُ ; لِأَنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ» ) وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ ( «سَتَكُونُ أَحْدَاثٌ وَفِتْنَةٌ وَفُرْقَةٌ وَاخْتِلَافٌ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ الْمَقْتُولَ لَا الْقَاتِلَ فَافْعَلْ» ) وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي سُلَالَةَ ( «سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَّةٌ يَمْلِكُونَ أَرْزَاقَكُمْ يُحَدِّثُونَكُمْ فَيَكْذِبُونَكُمْ وَيَعْمَلُونَ فَيُسِيئُونَ الْعَمَلَ لَا يَرْضَوْنَ مِنْكُمْ حَتَّى تُحَسِّنُوا قَبِيحَهُمْ وَتُصَدِّقُوا كَذِبَهُمْ فَأَعْطُوهُمُ الْحَقَّ مَا رَضُوا بِهِ فَإِذَا تَجَاوَزُوا فَمَنْ قُتِلَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ شَهِيدٌ) » وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَفْظُهُ ( «سَيَلِيكُمْ أُمَرَاءُ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَمَا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِمْ أَكْثَرُ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَلَهُمُ الْأَجْرُ وَعَلَيْكُمُ الشُّكْرُ وَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَعَلَيْهِمُ الْوِزْرُ وَعَلَيْكُمُ الصَّبْرُ» .

стр. 5126

٣٦٧٨ - وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٧٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ عَرْفَجَةَ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ أَمْرَكُمْ مُجْتَمِعٌ (عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ) أَيْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْخِلَافَةِ أَوْ لَهُ التَّسَلُّطُ وَالْغَلَبَةُ (يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ) فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: شَقَّ الْعَصَا إِذَا فَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَقَوْلُهُ (أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ) لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي أَوْ لِلتَّنْوِيعِ فَإِنَّ التَّفْرِيقَ غَيْرُ الْمُفَارَقَةِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا الْمُلَازَمَةُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: شَقُّ الْعَصَا تَمْثِيلٌ شَبَّهَ اجْتِمَاعَ النَّاسِ وَاتِّفَاقَهُمْ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ بِالْعَصَا إِذَا لَمْ تُشَقَّ وَافْتِرَاقُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ بِشَقِّ الْعَصَا ثُمَّ كَنَّى بِهِ عَنْهُ فَضَرَبَ مَثَلًا لِلتَّفْرِيقِ يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ: أَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ، حَيْثُ أَسْنَدَ الْجَمِيعَ إِلَى الْأَمْرِ إِسْنَادًا مَجَازِيًّا ; لِأَنَّهُ سَبَبُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ (فَاقْتُلُوهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5127

٣٦٧٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٧٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ) أَيِ الْإِمَامَ إِيَّاهُ أَوْ بِالْعَكْسِ (صَفْقَةَ يَدِهِ) فِي النِّهَايَةِ: الصَّفْقَةُ الْمَرَّةُ مِنَ التَّصْفِيقِ بِالْيَدِ ; لِأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَضَعُ أَحَدُهُمَا يَدَهُ فِي يَدِ الْآخَرِ عِنْدَ يَمِينِهِ وَبَيْعَتِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُتَبَايِعَانِ (وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ) أَيْ إِخْلَاصَهُ أَوْ خَالِصَ عَهْدِهِ أَوْ مَالَهُ وَقِيلَ: صَفْقَةُ يَدِهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْمَالِ وَثَمَرَةُ قَلْبِهِ كِنَايَةٌ عَنْ مُبَايَعَتِهِ مَعَ وَلَدِهِ (فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ) أَيْ إِمَامٌ آخَرُ (يُنَازِعُهُ) أَيِ الْإِمَامَ الْأَوَّلَ أَوِ الْمُبَايَعَ (فَاضْرِبُوا) خِطَابٌ عَامٌّ يَشْمَلُ الْمُبَايِعَ وَغَيْرَهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: جَمَعَ الضَّمِيرَ فِيهِ بَعْدَمَا أَفْرَدَ فِي (فَلْيُطِعْهُ) نَظَرًا إِلَى لَفْظٍ مَنْ تَارَةً وَمَعْنَاهَا أُخْرَى وَقَوْلُهُ (عُنُقَ الْآخَرِ) وَضَعَ مَوْضِعَ عُنُقِهِ إِيذَانًا بِأَنَّهُ كَوْنُهُ آخَرَ يَسْتَحِقُّ ضَرْبَ الْعُنُقِ تَقْرِيرٌ لِلْمُرَادِ وَتَحْقِيقًا لَهُ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ لَفْظَ الْآخَرِ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ مَعْنًى (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5128

٣٦٨٠ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ ; فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٨٠ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) أَيِ الْقُرَشِيِّ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَصَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَخَلْقٌ سِوَاهُمَا (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ لَا تَطْلُبِ الْحُكُومَةَ وَالْوِلَايَةَ لَا مِنَ الْخَلْقِ وَلَا مِنَ الْخَالِقِ (فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ) أَيْ إِعْطَاءً صَادِرًا عَنْ سُؤَالٍ (وُكِلْتَ إِلَيْهَا) أَيْ تُرِكْتَ إِلَيْهَا وَخُلِّيتَ مَعَهَا مِنْ غَيْرِ إِعَانَةٍ لَكَ فِيهَا لِأَنَّكَ اسْتَقْلَلْتَ فِي طَلَبِهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ فُوِّضْتَ إِلَى الْإِمَارَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّهَا أَمْرٌ شَاقٌّ لَا يَقُومُ بِهَا أَحَدٌ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَنَةٍ مِنَ اللَّهِ إِلَّا أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي وَرْطَةٍ خَسِرَ فِيهَا دُنْيَاهُ وَعُقْبَاهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَسْأَلْهَا اللَّبِيبُ الْحَازِمُ (وَإِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ) أَيْ حَالَ كَوْنِكَ مُفَوِّضًا أَمْرَكَ إِلَى اللَّهِ وَمُعْتَقِدًا أَلَّا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ (أُعِنْتَ عَلَيْهَا) أَيْ بِالتَّوْفِيقِ وَالتَّثْبِيتِ وَالتَّحْقِيقِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5129

٣٦٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٦٨١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا، فَفِي الْقَامُوسِ: حَرَصَ كَضَرَبَ وَمَنَعَ (عَلَى الْإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ) أَيِ الْإِمَارَةُ الْمَقْرُونَةُ بِالْحِرْصِ (نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْجَوَابِ فِي الْمُحَاسَبَةِ وَحُصُولِ الْعِتَابِ فِي مُقَابَلَةِ الْحُقُوقِ وَالْمُطَالَبَةِ (فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ) وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ (وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ) الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ وَالذَّمِّ مَحْذُوفٌ فِيهِمَا وَهُوَ الْإِمَارَةُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: لَفْظُ نِعْمَ وَبِئْسَ إِذَا كَانَ فَاعِلُهُمَا مُؤَنَّثًا جَازَ إِلْحَاقُ التَّأْنِيثِ وَجَازَ تَرْكُهَا فَلَمْ يُلْحِقْهَا هُنَا فِي نِعْمَ، وَأَلْحَقَهَا فِي بِئْسَتْ، يَعْنِي عَمَلًا بِاللُّغَتَيْنِ وَتَفَنُّنًا فِي الْعِبَارَتَيْنِ وَلَمْ يَعْكِسْ ; لِأَنَّ إِلْحَاقَ الزَّائِدِ أَوْلَى بِالثَّانِي، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا لَمْ يُلْحِقْهَا بِنِعْمَ لِأَنَّ

стр. 5130

الْمُرْضِعَةَ مُسْتَعَارَةٌ لِلْإِمَارَةِ ; وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَنَّثَةً إِلَّا أَنَّ تَأْنِيثَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ; وَأَلْحَقَهَا بِبِئْسَ ; نَظَرًا إِلَى كَوْنِ الْإِمَارَةِ حِينَئِذٍ: دَاهِيَةً دَهْيَاءَ، وَفِيهِ أَنَّ مَا يَنَالُهُ أَمِيرٌ مِنَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ; أَبْلَغُ وَأَشَدُّ مِمَّا يَنَالُهُ مِنَ النَّعْمَاءِ وَالسَّرَّاءِ ; وَأَتَى بِالتَّاءِ فِي الْمُرْضِعِ وَالْفَاطِمِ ; دَلَالَةً عَلَى تَصْوِيرِ تَيْنِكَ الْحَالَتَيْنِ الْمُتَجَدِّدَتَيْنِ فِي الْإِرْضَاعِ وَالْفِطَامِ ; يَعْنِي الْمُرْضِعَ وَالْفَاطِمَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ لِلنِّسَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِتْيَانِ تَاءِ التَّأْنِيثِ الْفَارِقَةِ بَيْنَ وَصْفَيِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ ; وَلِذَا يُقَالُ طَالِقٌ وَحَائِضٌ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهَا هَاهُنَا لِتَذْكِيرِ التَّصْوِيرِ، قَالَ الْقَاضِي: شَبَّهَ الْوِلَايَةَ بِالْمُرْضِعَةِ وَانْقِطَاعَهَا بِالْمَوْتِ، أَوِ الْعَزْلَ بِالْفَاطِمَةِ ; أَيْ نِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ الْوِلَايَةً ; فَإِنَّهَا تَدِرُّ عَلَيْكَ الْمَنَافِعَ وَاللَّذَّاتَ الْعَاجِلَةَ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ الْمُسِيئَةُ فَإِنَّهَا تَقْطَعُ عَنْكَ اللَّذَائِذَ وَالْمَنَافِعَ وَتُبْقِي عَلَيْكَ الْحَسْرَةَ وَالنَّدَامَةَ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُلِمَّ بِلَذَّاتٍ يَتْبَعُهَا حَسَرَاتٌ اهـ. وَقِيلَ جَعَلَ الْإِمَارَةَ فِي حَلَاوَةِ أَوَائِلِهَا وَمَرَارَةِ أَوَاخِرِهَا، كَمُرْضِعَةٍ تُحْسِنُ بِالْإِرْضَاعِ وَتُسِيءُ بِالْفِطَامِ، قُلْتُ فِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى أَنَّ حَلَاوَةَ الْإِمَارَةِ وَمَرَارَةَ الْوِلَايَةِ الْمُشَبَّهَتَيْنِ بِالرَّضَاعِ وَالْفِطَامِ، إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَطْفَالِ الطَّرِيقَةِ دُونَ الرِّجَالِ الْوَاصِلِينَ إِلَى مَرْتَبَةِ الْحَقِيقَةِ وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَظِلٌّ زَائِلٌ إِنَّ اللَّبِيبَ بِمِثْلِهَا لَا يُخْدَعُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ الْوَاقِفُونَ عَلَى الْبَابِ وَلِلْعِلِّيِّينَ أَرْبَابُ الْأَلْبَابِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ.

стр. 5131

٣٦٨٢ - «وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ; ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ ; وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ ; إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا. وَفِي رِوَايَةٍ ; قَالَ لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ ; إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا ; وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي ; لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ ; وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٨٢ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟) ; أَيْ أَلَا تَجْعَلُنِي عَامِلًا؟ (قَالَ) ; أَيْ أَبُو ذَرٍّ (فَضَرَبَ بِيَدِهِ) ; أَيْ ضَرْبُ لُطْفٍ وَشَفَقَةٍ، (عَلَى مَنْكِبِي) وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّثْنِيَةِ، (ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ) ; أَيْ عَنْ تَحَمُّلِ الْعَمَلِ، (وَإِنَّهَا) ; أَيِ الْإِمَارَةَ (أَمَانَةٌ) يَعْنِي وَمُرَاعَاةُ الْأَمَانَةِ لِكَوْنِهَا ثَقِيلَةً صَعْبَةً لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهَا إِلَّا كُلُّ قَوِيٍّ، وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الْآيَةَ قَالَ الطِّيبِيُّ: تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ إِمَّا بِاعْتِبَارِ الْإِمَارَةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ قَوْلِهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي، أَوْ بِاعْتِبَارِ تَأْنِيثِ الْخَبَرِ اهـ. فَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ وَالْعَمَلِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ لَفْظِ الِاسْتِعْمَالِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: (وَإِنَّهَا) ; أَيِ الْإِمَارَةَ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ) ; أَيْ عَذَابٌ وَفَضِيحَةٌ لِلظَّالِمِ ; (وَنَدَامَةٌ) ; أَيْ تَأَسُّفٌ وَتَنَدُّمٌ عَلَى قَبُولِهَا لِلْعَادِلِ، (إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ; أَيْ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ عَلَى مَنْ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، لَكِنْ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا (وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا) فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ خِزْيًا وَوَبَالًا عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ بِأَنَّهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ، أَوْ لَا تَكُونُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا كَوْنُهَا لَهُ فَلَا فَالْأَوْلَى تَرْكُهَا بِلَا ضَرُورَةٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي اجْتِنَابِ الْوِلَايَةِ، لَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ عَنِ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِهَا، وَالْخِزْيُ وَالنَّدَامَةُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهَا، أَوْ كَانَ أَهْلًا وَلَمْ يَعْدِلْ فَيُخْزِيهِ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَفْضَحُهُ وَيَنْدَمُ عَلَى مَا فَرَّطَ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا لَهَا وَعَدَلَ فِيهَا ; فَلَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ كَحَدِيثِ ( «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ» ) وَحَدِيثِ ( «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ» ) وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلِكَثْرَةِ الْخَطَرِ فِيهَا حَذَّرَهُ ﵊ مِنْهَا، وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ مِنْهَا خَلَائِقُ مِنَ السَّلَفِ وَصَبَرُوا عَلَى الْأَذَى حِينَ امْتَنَعُوا. (وَفِي رِوَايَةٍ) كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ أَيْ لَهُ (قَالَ لَهُ) فِيهِ الْتِفَاتٌ، أَوْ نُقِلَ بِالْمَعْنَى (يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ إِمَّا مِنَ الرَّأْيِ ; أَيْ أَظُنُّكَ، أَوْ مِنَ الرُّؤْيَةِ الْعِلْمِيَّةِ ; أَيْ أَعْرِفُكَ ( «ضَعِيفًا وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي» ) ; أَيْ لَوْ كُنْتُ ضَعِيفًا مِثْلَكَ لَمَا تَحَمَّلْتُ هَذَا الْحِمْلَ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَوَّانِي فَحَمَّلَنِي، وَلَوْلَا أَنَّهُ حَمَّلَنِي لَمَا حَمَلْتُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى مَا قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الْوِلَايَةَ أَفْضَلُ مِنَ الرِّسَالَةِ ; يَعْنِي وِلَايَةَ النَّبِيِّ أَفْضَلُ مِنْ رِسَالَتِهِ ; لِأَنَّ وَجْهَ الرِّسَالَةِ إِلَى الْخَلْقِ وَوَجْهَ الْوِلَايَةِ إِلَى الْحَقِّ ; فَالتَّوَجُّهُ إِلَى الْمَوْلَى لَا شَكَّ أَنَّهُ أَوْلَى (لَا تَأَمَّرَنَّ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ وَالنُّونِ، وَفِي نُسْخَةٍ لِمُسْلِمٍ فَلَا تَأَمَّرَنَّ ; أَيْ لَا تَقْبَلَنَّ الْإِمَارَةَ (عَلَى اثْنَيْنِ) ; أَيْ فَضْلًا عَنْ أَكْثَرَ مِنْهُمَا ; فَإِنَّ الْعَدْلَ وَالتَّسْوِيَةَ أَمْرٌ صَعْبٌ بَيْنَهُمَا (وَلَا تَوَلَّيَنَّ) ; بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ وَالنُّونِ (مَالَ يَتِيمٍ) ; أَيْ لَا تَقْبَلَنَّ وِلَايَةَ مَالِ يَتِيمٍ، وَفِي نُسْخَةٍ لِمُسْلِمٍ عَلَى مَالِ يَتِيمٍ ; أَيْ لَا تَكُنْ وَالِيًا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ خَطَرَهُ عَظِيمٌ وَوَبَالَهُ جَسِيمٌ، وَهَذَا مِثَالُ الْوِلَايَةِ عَلَى الْوَاحِدِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5132

٣٦٨٣ - «وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللَّهُ، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٨٣ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا) ضَمِيرُ فَصْلٍ لِيَصِحَّ عَطْفُ قَوْلِهِ (وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي فَقَالَ أَحَدُهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمِّرْنَا) أَمْرٌ مِنَ التَّأْمِيرِ ; أَيِ اجْعَلْنَا أَمِيرًا (عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللَّهُ) ; أَيْ عَلَى مَا جَعَلَكَ اللَّهُ حَاكِمًا فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ (وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ) وَلَعَلَّ إِتْيَانَ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُرِيدُ الْإِمَارَةَ لَهُ وَلِصَاحِبِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْوِلَايَةِ، (فَقَالَ إِنَّا وَاللَّهِ) فِيهِ تَأْكِيدَانِ بَلِيغَانِ (لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ) ; أَيِ الْمُتَعَلِّقِ بِالدِّينِ (أَحَدًا سَأَلَهُ) ; لِأَنَّ بِسُؤَالِهِ يُسْتَدَلُّ عَلَى مَحَبَّةِ جَاهِهِ وَمَالِهِ الْمُوَرِّثَةِ لِسُوءِ حَالَةٍ فِي مَآلِهِ، فَقَوْلُهُ (وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ) كَالتَّفْسِيرِ لَدَيْهِ وَضَبْطُ حَرَصَ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ) ; أَيْ لِنَفْسِهِ وَهَوَاهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حِينَئِذٍ مُعَانًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ) .

стр. 5133

٣٦٨٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الْأَمْرِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٨٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ثَانِي مَفْعُولَيْ تَجِدُونَ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُهُ: (أَشَدَّهُمْ) وَلَمَّا قُدِّمَ الْمَفْعُولُ الثَّانِيَ أُضْمِرُ فِي الْأَوَّلِ الرَّاجِعِ إِلَيْهِ (عَلَى التَّمْرَةِ مِثْلُهَا زُبْدًا) ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ (خَيْرِ النَّاسِ) عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجِيزُ زِيَادَةَ مِنْ فِي الْإِثْبَاتِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ (مِنْ) تَبْعِيضِيةٌ ; أَيْ تَجِدُونَ بَعْضَ خِيَارِ النَّاسِ أَشَدَّهُمْ (كَرَاهِيَةً لِهَذَا الْأَمْرِ) ; أَيْ أَمْرِ الْإِمَارَةِ (حَتَّى يَقَعَ فِيهِ) ; أَيْ فَيَكُونُ بَعْدَهُ نَدَامَةٌ، كَمَا سَبَقَ بِهِ الرِّوَايَةُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ غَايَةَ تَجِدُونَ أَيْ تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّ كَرَاهَةً حَتَّى يَقَعَ فِيهِ ; فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ خَيْرَهُمْ، وَثَانِيهُمَا أَنَّهَا غَايَةُ أَشَدَّ أَنْ يَكْرَهَهُ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ، فَحِينَئِذٍ يُعِينُهُ اللَّهُ فَلَا يَكْرَهُهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِقَوْلِهِ: (يَقَعَ فِيهِ) اهـ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا يَرْضَى أَحَدٌ عَنِ الْإِمَارَةِ فِي الْمَآلِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5134

٣٦٨٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ; فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهُ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٨٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ ( «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» ) . فِي النِّهَايَةِ الرَّعِيَّةُ كُلُّ مَنْ شَمِلَهُ حِفْظُ الرَّاعِي وَنَظَرُهُ ( «فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» ) يُقَالُ: رَعَى الْأَمِيرُ الْقَوْمَ رِعَايَةً فَهُوَ رَاعٍ ; أَيْ قَامَ بِإِصْلَاحِ مَا يَتَوَلَّاهُ، وَهُمْ رَعِيَّةٌ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَدَخَلَتِ التَّاءُ لِغَلَبَةِ الِاسْمِيَّةِ ( «وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ» ) ; أَيْ وَلَدِ زَوْجِهَا (وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ) عَنْ حَقِّ زَوْجِهَا وَأَوْلَادِهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، وَغَلَبَ الْعُقَلَاءُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِمْ ( «وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ» ) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَعْنَى الرَّاعِي هُنَا ; الْحَافِظُ الْمُؤْتَمَنُ عَلَى مَا يَلِيهِ، أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّصِيحَةِ فِيمَا يَلُونَهُمْ، وَحَذَّرَهُمُ الْخِيَانَةَ فِيهِ بِإِخْبَارِهِ أَنَّهُمْ مَسْئُولُونَ عَنْهُ، فَالرِّعَايَةُ حِفْظُ الشَّيْءِ وَحُسْنُ التَّعَهُّدِ، فَقَدِ اسْتَوَى هَؤُلَاءِ فِي الِاسْمِ وَلَكِنَّ مَعَانِيَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، أَمَّا رِعَايَةُ الْإِمَامِ وِلَايَةَ أُمُورِ الرَّعِيَّةِ: فَالْحِيَاطَةُ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ فِيهِمْ. وَرِعَايَةُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ: فَالْقِيَامُ عَلَيْهِمْ بِالْحَقِّ فِي النَّفَقَةِ، وَحُسْنُ الْعِشْرَةِ. وَرِعَايَةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا: فَحُسْنُ التَّدْبِيرِ فِي أَمْرِ بَيْتِهِ وَالتَّعَهُّدُ بِخِدْمَةِ أَضْيَافِهِ. وَرِعَايَةُ الْخَادِمِ: فَحِفْظُ مَا فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ وَالْقِيَامُ بِشُغْلِهِ (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ ثَانِيًا لِلتَّأْكِيدِ (فَكُلُّكُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ يَعْنِي تَقْدِيرَهُ ; فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ فَكُلُّكُمْ (رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) كَمَا أَجْمَلْنَاهُ، فَالْجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِلْكَلَامِ، وَخُلَاصَةٌ لِلْمَرَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] بَعْدَ ذِكْرِ الثَّلَاثِ وَالسَّبْعَةِ.

стр. 5135

قَالَ الطِّيبِيُّ وَالْفَذْلَكَةُ هِيَ الَّتِي يَأْتِي بِهَا الْمُحَاسِبُ بَعْدَ التَّفْصِيلِ، وَيَقُولُ فَذَلِكَ كَذَا ضَبْطًا لِلْحَاسِبِ، وَتَوَقِّيًا عَنِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فِيمَا فَصَّلَهُ فِي الْكِتَابِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ فَاءَ الْفَذْلَكَةِ، تَكُونُ تَعْرِيضِيَّةً - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ - (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (" «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْإِمَامُ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» ") رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ.

стр. 5136

٣٦٨٦ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ ; فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٨٦ - (وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ» ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى يَلِي وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ النَّفْيِ ; قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِيهِ، وَفِي قَوْلِهِ: فَلَمْ يَحُطْهَا يَعْنِي الْآتِي، كَاللَّامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] (وَهُوَ غَاشٌّ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ; أَيْ خَائِنٌ لَهُمْ، أَوْ ظَالِمٌ لَهُمْ، لَا يُعْطِي حُقُوقَهُمْ، وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، (إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) ; أَيْ دُخُولَهَا مَعَ النَّاجِينَ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، أَوْ زَجْرٌ وَكَيْدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ، أَوْ تَخْوِيفٌ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ; وَفِي قَوْلِهِ: فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ قَبْلَ حَالَةِ الْمَوْتِ بَاقِيَةٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عَرْضِ التَّوْبَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ نَاصِحًا فِي الرَّعِيَّةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: وَهُوَ غَاشٌّ حَالٌ قُيِّدَ لِلْفِعْلِ، وَمَقْصُودٌ لِلذِّكْرِ ; لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنَ الْفِعْلِ الْحَالُ ; هُوَ الْحَالُ يَعْنِي ; أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا وَلَّاهُ وَاسْتَرْعَاهُ عَلَى عِبَادِهِ لِيُدِيمَ النَّصِيحَةَ لَهُمْ، لَا لِيَغُشَّهُمْ فَيَمُوتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَلَبَ الْقَضِيَّةَ اسْتَحَقَّ أَنْ يُحْرَمَ الْجَنَّةَ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ: الْمَعْنَى مَنْ قَلَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَرْعَاهُ عَلَيْهِمْ، وَنَصَبَهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، فَإِذَا خَانَ فِيمَا ائْتُمِنَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْصَحْ فِيمَا قُلِّدَهُ ; إِمَّا بِتَضْيِيعِ حَقِّهِمْ وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ أُمُورِ دِينِهِمْ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ غَشَّهُمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَلَفَظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ( «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» ) .

стр. 5137

٣٦٨٧ - وَعَنْهُ ; قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ ; إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٦٨٧ - (وَعَنْهُ) ; أَيْ عَنْ مَعْقِلٍ (قَالَ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً» ) ; أَيْ يَطْلُبُهُ أَنْ يَكُونَ رَاعِيَ جَمَاعَةٍ، وَأَمِيرًا عَلَيْهِمْ (فَلَمْ يَحُطْهَا) بِضَمِّ الْحَاءِ ; أَيْ فَلَمْ يُرَاعِهَا (بِنَصِيحَةٍ) وَهِيَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ، فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ حَاطَهُ يَحُوطُهُ حَوْطًا وَحِيَاطَةٌ إِذَا حَفِظَهُ وَصَانَهُ وَذَبَّ عَنْهُ وَتَوَفَّرَ عَلَى مَصَالِحِهِ (إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ) ; أَيْ مَعَ الْوَاجِدِينَ فِي الْقِيَامَةِ ; فَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، أَوْ مَعَ الْفَائِزِينَ السَّابِقِينَ، أَوْ لَمْ يَجِدْ مُطْلَقًا إِنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ، أَوِ اسْتَحَلَّ الظُّلْمَ، أَوِ اسْتَحَقَّ أَنْ لَا يَجِدَ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ وَيُرْضِيَ خُصَمَاءَهُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5138

٣٦٨٨ - وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٨٨ - (وَعَنْ عَائِذِ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْعَوْذِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: مَدَنِيٌّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَحَدِيثُهُ فِي الْبَصْرِيِّينَ رَوَى عَنْهُ جِمَاعَةٌ، (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ) بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ جَمْعُ رَاعٍ كَتُجَّارٍ وَتَاجِرٍ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ (الْحُطَمَةُ) بِضَمٍّ فَفَتَحٍ مُبَالَغَةً، الْحَاطِمُ مِنَ الْحَطْمِ، وَهُوَ الْكَسْرُ، وَهُوَ " مَنْ يَظْلِمُ الرَّعِيَّةَ وَلَا يَرْحَمُهُمْ فِي الْبَلِيَّةِ، وَقِيلَ: الْأَكُولُ الْحَرِيصُ الَّذِي يَأْكُلُ مَا يَرَى وَيَقْضِمُهُ، وَمِنْهُ الْحُطَمَةُ لِلنَّارِ الْمُوقَدَةِ فَإِنَّ مَنْ هَذَا دَأْبُهُ يَكُونُ دَنِيئًا فِي النَّفْسِ ظَالِمًا بِالطَّبْعِ، شَدِيدَ الطَّمَعِ فِيمَا فِي أَيْدِيِ النَّاسِ. هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ الْقَاضِي، وَفِي الْفَائِقِ: الْحُطَمَةُ هُوَ الَّذِي يُعَنِّفُ الْإِبِلَ فِي السُّوقِ وَالْإِيرَادِ وَالْإِصْدَارِ، فَيُحَطِّمُهَا ضَرَبَهُ مَثَلًا لَوَالِي السُّوءِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا اسْتَعَارَ لِلْوَالِي وَالسُّلْطَانِ لَفْظَ الرَّاعِي، أَتْبَعَهُ بِمَا يُلَائِمُ الْمُسْتَعَارَ مِنْهُ مِنْ صِفَةِ الْحَطْمِ، فَالْحُطَمَةُ تَرْشِيحٌ لِاسْتِعَارَةِ الرَّاعِي لَهُمْ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَفِي صَحِيحِهِ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا ; حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، دَخَلَ عَلَيَّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ ; فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» ، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَ: هَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ؟ إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ، وَفِي غَيْرِهِمْ.

стр. 5139

٣٦٨٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٨٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ) ; بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهُ ; أَيْ مَنْ جُعِلَ وَالِيًا (مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا) ; أَيْ مِنَ الْأُمُورِ، أَوْ نَوْعًا مِنَ الْوِلَايَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: " مِنْ " بَيَانُ " شَيْئًا " كَانَتْ صِفَةً قُدِّمَتْ وَصَارَتْ حَالًا، (فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ) بِضَمِّ الْقَافِ، (عَلَيْهِ) ; أَيْ جَزَاءً وِفَاقًا ( «وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» ) بِفَتْحِ الْفَاءِ فِي الْمَاضِي وَضَمِّهَا فِي الْغَابِرِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا مِنْ أَبْلَغِ الزَّوَاجِرِ عَنِ الْمَشَقَّةِ عَلَى النَّاسِ، وَأَعْظَمِ الْحَثِّ عَلَى الرِّفْقِ بِهِمْ، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ مِنْ أَبْلَغِ مَا أَظْهَرَهُ ﷺ مِنَ الرَّأْفَةِ وَالشَّفَقَةِ وَالْمَرْحَمَةِ عَلَى الْأُمَّةِ فَنَقُولُ بِلِسَانِ الْحَالِ: اللَّهُمَّ هَذَا أَوَانُ أَنْ تَرْحَمَ عَلَى أُمَّةِ حَبِيبِكَ الْكَرِيمِ وَتُنْجِيَهُمْ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5140

٣٦٩٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ - وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ - الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِهِمْ مَا وَلُوا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٦٩٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الْمُقْسِطِينَ) ; أَيِ الْعَادِلِينَ، ضِدَّ الْقَاسِطِينَ ; أَيِ الْجَائِرِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْقِسْطُ بِالْكَسْرِ الْعَدْلُ وَالْأَصْلُ فِيهِ النَّصِيبُ، تَقُولُ: مِنْهُ قَسَطَ الرَّجُلُ إِذَا جَارَ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ قِسْطَ غَيْرِهِ، وَالْمَصْدَرُ الْقُسُوطُ، وَأَقْسَطَ إِذَا عَدَلَ، وَهُوَ أَنْ يُعْطَى نَصِيبُ غَيْرِهِ، وَيُحْتَمَلَ أَنَّ الْأَلِفَ أُدْخِلَ فِيهِ لِسَلْبِ الْمَعْنَى ; كَمَا أُدْخِلَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَفْعَالِ، فَيَكُونُ الْإِقْسَاطُ إِزَالَةَ الْقُسُوطِ (عِنْدَ اللَّهِ) ; أَيْ مُقَرَّبُونَ إِلَيْهِ وَمُكَرَّمُونَ لَدَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ زِيَادَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (عَلَى مَنَابِرَ) ; أَيْ مُرْتَفِعُونَ عَلَى أَمَاكِنَ عَالِيَةٍ غَالِيَةٍ، (مِنْ نُورٍ) ; أَيْ مُنَوَّرَةٍ، كَأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ نُورٍ، أَوْ هِيَ نُورٌ مُبَالَغَةً، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَنَابِرُ جَمْعُ مِنْبَرٍ سُمِّيَ بِهِ لِارْتِفَاعِهِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مَنَابِرَ حَقِيقَةً عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَأَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ، قَالَ الشَّيْخُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى مَنَابِرَ فَهُوَ عَلَى أَعْلَى مَرْتَبَةً، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ (عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمُرَادُ مِنْهُ كَرَامَتُهُمْ عَلَى اللَّهِ، وَقُرْبُ مَحَلِّهِمْ وَعُلُوُّ مَنْزِلَتِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ شَأْنِ مَنْ عُظِّمَ قَدْرُهُ فِي النَّاسِ ; أَنْ يُبَوَّأَ عَنْ يَمِينِ الْمَلِكِ، ثُمَّ إِنَّهُ نَزَّهَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ عَمَّا سَبَقَ إِلَى فَهْمِ مَنْ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، مِنْ مُقَابَلَةِ الْيَمِينِ بِالْيَسَارِ، وَكَشَفَ عَنْ حَقِيقَةِ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ (وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ فِيمَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَةِ الْيَدَيْنِ شِمَالٌ ; لِأَنَّ الشِّمَالَ عَلَى النَّقْصِ وَالضَّعْفِ، وَقَوْلُهُ: وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ ; هِيَ صِفَةٌ جَاءَ بِهَا التَّوْقِيفُ، فَنَحْنُ نُطْلِقُهَا عَلَى مَا جَاءَتْ وَلَا نُكَيِّفُهَا، وَنَنْتَهِي إِلَى حَيْثُ انْتَهَى بِنَا الْكِتَابُ وَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ ; وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْعَرَبُ تَنْسُبُ الْفِعْلَ الَّذِي يَحْصُلُ بِالْجُهْدِ وَالْقُوَّةِ إِلَى الْيَمِينِ، وَكَذَا الْإِحْسَانَ وَالْإِفْضَالَ إِلَيْهَا، وَضِدُّهَا إِلَى الْيَسَارِ، وَقَالُوا: الْيَمِينُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْيُمْنِ، وَقَالَ الْقَاضِي: وَكِلْتَا يَدَيْهِ ; دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ لَهُ يَمِينًا مِنْ جِنْسِ أَيْمَانِنَا الَّتِي يُقَابِلُهَا يَسَارٌ، وَأَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ حَتَّى فَازَ بِالْوُصُولِ إِلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الزُّلْفَى مِنَ اللَّهِ ; عَاقَ غَيْرَهُ عَنْ أَنْ يَفُوزَ بِمِثْلِهِ كَالسَّابِقِ إِلَى مَحِلٍّ مِنْ مَجْلِسِ السُّلْطَانِ، بَلْ جِهَاتِهِ وَجَوَانِبِهِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ إِلَيْهَا الْعِبَادُ سَوَاءٌ (الَّذِينَ يَعْدِلُونَ) صِفَةُ الْمُقْسِطِينَ، أَوْ بَدَلٌ، أَوْ مَنْصُوبٌ بِأَعْنِي ; مَرْفُوعٌ بِتَقْدِيرِهِمْ، أَوِ اسْتِئْنَافٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: هَؤُلَاءِ السَّادَةُ الْمُقَرَّبُونَ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ (فِي حُكْمِهِمْ) ; أَيْ فِيمَا يُقَلَّدُونَ مِنْ خِلَافَةٍ، أَوْ قَضَاءٍ، أَوْ إِمَارَةٍ، (وَأَهْلِيهِمْ) ; أَيْ مَا يَجِبُ لِأَهْلِيهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَيْهِمْ، (وَمَا وَلُوا) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَضَمِّ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ، وَالْأَصْلُ وَلِيُوا، عَلَى وَزْنِ عَلِمُوا نُقِلَتْ ضَمَّةُ الْيَاءِ إِلَى اللَّامِ بَعْدَ سَلْبِ حَرَكَتِهَا وَحُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ; أَيْ وَمَا كَانَتْ لَهُمْ عَلَيْهِمْ وِلَايَةٌ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْيَتِيمِ، أَوْ وَقْفٍ، أَوْ حِسْبَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَرُوِيَ بِضَمِّ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ ; أَيْ مَا جُعِلُوا وَالِينَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَسْتَوْعِبُ مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ فَيُدْخِلُ فِيهِ نَفْسَهُ أَيْضًا، قَالَ الْأَشْرَفُ: فَالرَّجُلُ يَعْدِلُ مَعَ نَفْسِهِ بِأَنْ لَا يُضِيعَ وَقْتَهُ فِي غَيْرِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، بَلْ يَمْتَثِلُ أَوَامِرَ اللَّهِ وَيَنْزَجِرُ عَنْ نَوَاهِيهِ عَلَى الدَّوَامِ، كَمَا هُوَ دَأْبُ الْأَوْلِيَاءِ الْكِرَامِ الْمُقَرَّبِينَ، أَوْ غَالِبًا كَمَا هُوَ دَيْدَنُ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَسَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُصْطَفَيْنَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵊ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ; ظَالِمٍ وَمُقْتَصِدٍ وَسَابِقٍ ; وَالْمُقْتَصِدُ مَنْ عَدَلَ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ إِلَى حَدِّ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَتَرَقَّ إِلَى مَرْتَبَةِ السَّابِقِ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 5141

٣٦٩١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ ; بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٦٩١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ) ; أَيْ نَبِيًّا (وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ) ; أَيْ إِمَامًا بَعْدَهُ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ (إِلَّا كَانَتْ لَهُ) ; أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (بِطَانَتَانِ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ; أَيْ وَزِيرَانِ وَمُشِيرَانِ، مُشَبَّهَانِ بِالْبِطَانَةِ لِمُلَازَمَتِهِ بِحَيْثُ لَا يَنْفَكَّانِ عَنْ صُحْبَتِهِ، (بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ) ; أَيْ بِالْخَيْرِ (وَتَحُضُّهُ) بِتَشْدِيدِ الضَّادِ ; أَيْ تَحُثُّهُ عَلَيْهِ وَتُرَغِّبُهُ إِلَيْهِ وَتُحَسِّنُهُ لَدَيْهِ (وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ ; أَيْ بِالْمُنْكِرِ (وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ) ; أَيْ تُحَرِّضُهُ عَلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو نَبِيٌّ، أَوْ مَنْ يَخْلُفُ مَكَانَهُ مِنْ شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أَوْ جَمَاعَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ فِي الرَّأْيِ ; كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي جُلَسَاءِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، (وَالْمَعْصُومُ) ; أَيْ مِنَ النَّبِيِّ وَالْخَلِيفَةِ (مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ) ; أَيْ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِّ وَقَبُولِ كَلَامِهِ، وَالتَّوْفِيقِ بِمُتَابَعَةِ الْخَيْرِ وَقَضَاءِ مَرَامِهِ، وَالْمَعْصُومُ مِنَ الْبِطَانَتَيْنِ مَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّرِّ وَوَفَّقَهُ لِلْخَيْرِ. هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ بِطَانَةُ الرَّجُلِ صَاحِبُ سِرِّهِ وَدَاخِلَةُ أَمْرِهِ، الَّذِي يُشَاوِرُهُ فِي أَحْوَالِهِ، الْكَشَّافُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] بِطَانَةُ الرَّجُلِ ; ذُو وَلِيجَتِهِ وَخَصِيصُهُ، وَصَفِيِّهُ الَّذِي يُفْضِي إِلَيْهِ بِحَوَائِجِهِ ثِقَةً بِهِ، شُبِهَ بِبِطَانَةِ الثَّوْبِ، كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ شِعَارِيٌّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: الْبِطَانَةُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، قَدْ تُتَصَوَّرُ فِي بَعْضِ الْخُلَفَاءِ، وَلَكِنَّهَا مُنَافِيَةٌ بِحَالِ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَيْفَ لَا وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَامَّةَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ، قُلْتُ: الْوَجْهُ مَا رَوَى الْأَشْرَفُ عَنْ بَعْضِهِمْ ; أَنَّ الْمُرَادَ بِأَحَدِهِمَا الْمَلَكُ، وَبِالثَّانِي الشَّيْطَانُ، وَيُرِيدُهُ قَوْلُهُ: وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ ﵊: " «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِيَّايَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» ". أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ «حَدِيثِ أَبِي الْهَيْثَمِ، وَضِيَافَتِهِ لَهُ ﵊ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فِي حَائِطٍ لَهُ مِنْ ذَبْحِ الْغَنَمِ وَإِحْضَارِ الرُّطَبِ وَالْمَاءِ الْعَذْبِ إِلَى أَنْ قَالَ ﷺ : " هَلْ لَكَ خَادِمٌ " قَالَ لَا " قَالَ: فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا " فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اخْتَرْ مِنْهُمَا " فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ اخْتَرْ لِي فَقَالَ ﷺ : " إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ فَخُذْ هَذَا فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا " فَانْطَلَقَ بِهِ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ; إِلَّا أَنْ تُعْتِقَهُ، قَالَ: فَهُوَ عَتِيقٌ، فَقَالَ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ» ". (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 5142

٣٦٩٢ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ مِنَ الْأَمِيرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٦٩٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ) ; أَيِ ابْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَابْنُ سَيِّدِهَا، أَحَدُ دُهَاةِ الْعَرَبِ، وَأَهْلِ الرَّأْيِ وَرِيَاسَةِ الْبُيُوتِ، وَكَانَ مِنْ ذَوِي النَّجْدَةِ، وَالْبَسَالَةِ، وَالْكَرَمِ، وَالسَّخَاءِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ جَسِيمًا طَوِيلًا، وَكَانَ مُنْتَصِبًا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِتَنْفِيذِ مَا يُرِيدُهُ وَيَأْمُرُ بِهِ (بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ (مِنَ الْأَمِيرِ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَهُوَ جَمْعُ شُرْطِيٍّ، وَهُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيِ الْأَمِيرِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ عَلَى الشُّرَطِ لِلْأُمُورِ السِّيَاسِيَّةِ، سُمُّوا بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا لِأَنْفُسِهِمْ عَلَامَةً يُعْرَفُونَ بِهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 5143

٣٦٩٣ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: «لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٦٩٣ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) بِالتَّاءِ (قَالَ لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ السِّينِ (قَدْ مَلَّكُوا) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ; أَيْ جَعَلُوا الْمَلِكَ (عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى) بِكَسْرِ الْكَافِ وَيَفْتَحُ، مَلِكُ الْفُرْسِ مُعَرَّبٌ خِسْرُوا ; أَيْ وَاسِعُ الْمُلْكِ ذَكَرَهُ فِي الْقَامُوسِ، وَفِي النِّهَايَةِ لَقَبُ مَلِكِ الْفُرْسِ، يَعْنِي كَمَا أَنَّ قَيْصَرَ لَقَبُ مَلِكِ الرُّومِ، وَفِرْعَوْنَ لَقَبُ مَلِكِ مِصْرَ، وَتُبَّعَ لِمَلِكِ الْيَمَنِ، (قَالَ لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا) بِالتَّشْدِيدِ ; أَيْ فَوَّضُوا (أَمْرَهُمْ) ; أَيْ أَمْرَ مُلْكِهِمْ (امْرَأَةً) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ; لَا تَصْلُحُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَكُونَ إِمَامًا، وَلَا قَاضِيًا ; لِأَنَّهُمَا مُحْتَاجَانِ إِلَى الْخُرُوجِ لِلْقِيَامِ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ نَاقِصَةٌ ; وَالْقَضَاءُ مِنْ كَمَالِ الْوِلَايَاتِ ; فَلَا يَصْلُحُ لَهَا إِلَّا الْكَامِلُ مِنَ الرِّجَالِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 5144

الْفَصْلُ الثَّانِي ٣٦٩٤ - عَنِ الْحَارِسِ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ: بِالْجَمَاعَةِ وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يُرَاجِعَ وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جُثَى جَهَنَّمَ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٣٦٩٤ - (عَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيُّ يُعَدُّ فِي الشَّامِيِّينَ ; رَوَى عَنْهُ أَبُو سَلَّامٍ الْحَبَشِيُّ وَغَيْرُهُ، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آمُرُكُمْ) ; أَيْ أَنَا (بِخَمْسٍ) ; أَيْ خِصَالٍ (بِالْجَمَاعَةِ) ; أَيْ بِاتِّبَاعِ إِجْمَاعِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْاعْتِقَادِ، وَالْقَوْلِ، وَالْعَمَلِ الْمُتَعَلِّقِ بِالدِّينِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ الصَّحَابَةُ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَتَابِعِي التَّابِعِينَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ ; أَيْ آمُرُكُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِهَدْيِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ وَالْانْخِرَاطِ فِي ذِمَّتِهِمْ، (وَالسَّمْعِ) ; أَيِ اسْتِمَاعِ كَلِمَةِ الْحَقِّ وَقَبُولِهَا مِنَ الْأَمِيرِ وَالْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالسَّمْعِ ; الْإِصْغَاءُ إِلَى الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَتَفَهُّمُهُمَا، (وَالطَّاعَةِ) ; أَيْ طَاعَةِ الْأَمِيرِ فِي الْمَشْرُوعَاتِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالطَّاعَةِ الِامْتِثَالُ بِالْأَوَامِرِ وَالْانْزِجَارُ عَنِ النَّوَاهِي (وَالْهِجْرَةِ) ; أَيِ الِانْتِقَالِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَمِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ دَارِ الْبِدْعَةِ إِلَى دَارِ السُّنَّةِ، وَمِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى التَّوْبَةِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» " (وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ; أَيْ مَعَ الْكُفَّارِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَقَمْعِ أَعْدَائِهَا، وَمَعَ النَّفْسِ بِكَفِّهَا عَنْ شَهَوَاتِهَا، وَمَنْعِهَا عَنْ لَذَّاتِهَا، فَإِنَّ مُعَادَاةَ النَّفْسِ مَعَ الشَّخْصِ أَقْوَى وَأَضَرُّ مِنْ مُعَادَاةِ الْكَفَرَةِ مَعَهُ، وَقَدْ رَوَى: أَعْدَى عَدُّوِكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ (فَإِنَّهُ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (وَإِنَّهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْمُ " إِنَّ " ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ تَفْسِيرُهُ، وَهُوَ كَالتَّعْلِيلِ لِلْأَمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِعُرَى الْجَمَاعَةِ، وَالْوَاوُ مِثْلُهَا ; فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥] فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْجُمْلَتَيْنِ، وَتَفْوِيضِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا إِلَى ذِهْنِ السَّامِعِ ( «مَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ» ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ ; أَيْ قَدْرَهُ وَأَصْلُهُ الْقَوَدُ مِنَ الْقَوْدِ ; وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ وَالْقِصَاصُ، وَالْمَعْنَى مَنْ فَارَقَ مَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ بِتَرْكِ السُّنَّةِ وَاتِّبَاعِ الْبِدْعَةِ وَنَزْعِ الْيَدِ عَنِ الطَّاعَةِ، وَلَوْ كَانَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ يُقَدَّرُ فِي الشَّاهِدِ بِقَدْرِ شِبْرٍ، ( «فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ» ) ; أَيْ نَقَضَ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ (مِنْ عُنُقِهِ) وَانْحَرَفَ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَخَرَجَ عَنِ الْمُوَافَقَةِ (إِلَّا أَنْ يُرَاجِعَ) بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالرِّبْقَةُ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ ; وَهِيَ فِي الْأَصْلِ ; عُرْوَةٌ فِي حَبْلٍ يُجْعَلُ فِي عُنُقِ الْبَهِيمَةِ، أَوْ يَدِهَا تُمْسِكُهَا، فَاسْتَعَارَهَا لِلْإِسْلَامِ، يَعْنِي مَا شَدَّ الْمُسْلِمُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ عُرَى الْإِسْلَامِ ; أَيْ حُدُودِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْمَعْنَى فَقَدْ نَبَذَ عَهْدَ اللَّهِ، وَأَخْفَرَ ذِمَّتَهُ الَّتِي لَزِمَتْ أَعْنَاقَ الْعِبَادِ ; لُزُومَ الرِّبْقَةِ، بِالْكَسْرِ، وَهِيَ وَاحِدَةُ الرِّبَقُ، وَهُوَ حَبْلٌ فِيهِ عِدَّةُ عُرَى يُشَدُّ بِهِمُ الْبُهُمُ ; أَيْ أَوْلَادُ الضَّأْنِ، وَالْوَاحِدَةُ مِنْ تِلْكَ الْعُرَى رِبْقَةٌ، (وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: عُطِفَ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي وَقَعَتْ مُفَسِّرَةً لِضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ التَّمَسُّكَ

стр. 5145

بِالْجَمَاعَةِ وَعَدَمَ الْخُرُوجِ عَنْ زُمْرَتِهِمْ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْخُرُوجَ عَنْ زُمْرَتِهِمْ مِنْ هِجِّيرَى الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا قَالَ ﷺ : " «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» " فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ بِسُنَنِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ ; لِأَنَّهَا تَدْعُو إِلَيْهَا، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْ مَا قَالَ الْقَاضِي، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ الدَّعْوَى تُطْلَقُ عَلَى الدُّعَاءِ وَهُوَ النِّدَاءُ، وَالْمَعْنَى مَنْ نَادَى فِي الْإِسْلَامِ بِنِدَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ خَصْمُهُ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ قَوْمَهُ، يَا آلَ فُلَانٍ، فَيَبْتَدِرُونَ إِلَى نَصْرِهِ ظَالِمًا كَانَ، أَوْ مَظْلُومًا، جَهْلًا مِنْهُمْ وَعَصَبِيَّةً، وَحَاصِلُ هَذَا الْوَجْهِ يَرْجِعُ أَيْضًا إِلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ، وَيَنْصُرُهُ مَا رُوِيَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَادْعُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ الْمُسْلِمُونَ، وَالْمُؤْمِنُونَ، وَعِبَادُ اللَّهِ، (فَهُوَ) أَيِ الدَّاعِي الْمَذْكُورُ (مِنْ جُثَى جَهَنَّمَ) بِضَمِّ الْجِيمِ مَقْصُورًا ; أَيْ مِنْ جَمَاعَاتِهِمْ، جَمْعُ جَثَوَةٍ، بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمَجْمُوعَةُ، وَرُوِيَ مِنْ جُثِيٍّ، بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَضَمِّ الْجِيمِ، جَمْعُ جَاثٍ، مِنْ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَجْثُو، أَوْ يُجِثِي، وَكَسْرُ الْجِيمِ، جَائِزٌ لِمَا بَعْدَهَا مِنَ الْكَسْرَةِ، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] وَفِي الْفَائِقِ، وَاحِدَتُهَا جُثْوَةٌ، بِضَمِّ الْجِيمِ ; أَيْ مِنْ جَمَاعَاتِ جَهَنَّمَ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَا جُمِعَ مِنْ تُرَابٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَاسْتُعِيرَ لِلْجَمَاعَةِ، (وَإِنْ صَامَ) أَيْ وَلَوْ صَامَ (وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) .

стр. 5146

٣٦٩٥ - وَعَنْ زِيَادِ بْنِ كُسَيْبٍ الْعَدَوِيِّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرَةَ تَحْتَ مِنْبَرِ ابْنِ عَامِرٍ وَهُوَ يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِنَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الْفُسَّاقِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَهَانَهُ اللَّهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٣٦٩٥ - (وَعَنْ زِيَادِ بْنِ كُسَيْبٍ) بِالتَّصْغِيرِ (الْعَدَوِيِّ) بِفَتْحَتَيْنِ نِسْبَةً إِلَى بَنِي عَدِيٍّ ; قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ تَابِعِيٌّ، رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرَةَ (قَالَ كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرَةَ، تَحْتَ مِنْبَرِ ابْنِ عَامِرٍ، وَهُوَ يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ رِقَاقٌ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ; أَيْ رَقِيقَةٌ رَفِيعَةٌ (فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ، وَلَعَلَّهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَلَدُهُ بِلَالٌ كَانَ وَالِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ (انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِنَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الْفُسَّاقِ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ ثِيَابًا مُحَرَّمَةً مِنَ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُمَا أَنْ تَكُونَ رِقَاقًا، وَلَعَلَّ الِاعْتِرَاضَ الْوَارِدَ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ نَصِيحَةً تَتَضَمَّنُ فَضِيحَةً، يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ صَرِيحَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُمَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ لُبْسُ ثِيَابِ الرِّقَاقِ مِنْ دَأْبِ الْمُتَنَعِّمِينَ نَسَبَهُ إِلَى الْفِسْقِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ رَقَّ ثَوْبُهُ رَقَّ دِينُهُ (فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ اسْكُتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» ) ; أَيْ أَذَلَّ حَاكِمًا بِأَنَّ أَذَاهُ، أَوْ عَصَاهُ (أَهَانَهُ اللَّهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالظَّاهِرُ هَذَا الِاحْتِمَالُ ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ رَدَّهُ بِقَوْلِهِ: مَنْ أَهَانَ إِلَخْ، يَعْنِي تَفْسِيقَكَ إِيَّاهُ بِسَبَبِ لُبْسِهِ هَذِهِ الثِّيَابَ الَّتِي يَصُونُ بِهَا عِزَّتَهُ لَيْسَ بِحَقٍّ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى مَنْ أَهَانَ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّهُ وَأَلْبَسَهُ خِلَعَ السُّلْطَةِ ; أَهَانَهُ اللَّهُ، وَفِي الْأَرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِسُلْطَانِ اللَّهِ، تَعَلُّقَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] وَالْإِضَافَةُ فِي سُلْطَانِ اللَّهِ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ، كَبَيْتِ اللَّهِ، وَنَاقَةِ اللَّهِ. وَيُحْكَى عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ مَعَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ; وَعَلَى جَعْفَرٍ جُبَّةٌ خَزٍّ دَكْنَاءٌ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ لِبَاسِكَ، فَحَسِرَ عَنْ رَدْنِ جُبَّتِهِ فَإِذَا تَحْتَهَا جُبَّةُ صُوفٍ بَيْضَاءُ يَقْصُرُ الذَّيْلُ وَالرَّدْنُ عَنِ الرَّدْنِ، فَقَالَ يَا ثَوْرِيُّ: لَبِسْنَا هَذَا لِلَّهِ وَهَذِي لَكُمْ، فَمَا كَانَ لِلَّهِ أَخْفَيْنَاهُ، وَمَا كَانَ لَكُمْ أَبْدَيْنَاهُ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ فِي كِتَابِ مَنَاقِبِ الْأَوْلِيَاءِ، وَالدَّكْنَاءُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ تَأْنِيثُ الْأَدْكَنِ، وَهُوَ ثَوْبٌ مُغْبَرُّ اللَّوْنِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْإِمَامُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ: ذُكِرَ أَنْ فَرْقَدَ السَّبَخِيَّ دَخَلَ عَلَى الْحَسَنِ وَعَلَيْهِ كِسَاءٌ، وَعَلَى الْحَسَنِ حُلَّةٌ، فَجَعَلَ يَلْمِسُهَا، فَقَالَ الْحَسَنُ: مَا لَكَ تَنْظُرُ إِلَى ثِيَابِي، ثِيَابِي ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَثِيَابُكَ ثِيَابُ أَهْلِ النَّارِ؟ بَلَغَنِي أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ أَصْحَابُ الْأَكْسِيَةِ، ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ: جَعَلُوا الزُّهْدَ فِي ثِيَابِهِمْ، وَالْكِبْرَ فِي صُدُورِهِمْ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَأَحَدُكُمْ بِكِسَائِهِ أَعْظَمُ كِبْرًا مِنْ صَاحِبِ الْمِطْرَفِ بِمِطْرَفِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .

стр. 5147

٣٦٩٦ - وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. ــ ٣٦٩٦ - (وَعَنِ النَّوَّاسِ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ (ابْنِ سِمْعَانَ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ» ) صِلَةُ طَاعَةٍ، وَقَوْلُهُ: (فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ) خَبَرُ لَا، وَفِيهِ مَعْنَى النَّهْيِ، يَعْنِي لَا يَنْبَغِي وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ، وَتَخْصِيصُ ذِكْرِ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ مُشْعِرٌ بِعَلِيَّةِ هَذَا الْحُكْمِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ الْوُلَاةُ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: مَا أَمَرَ بِهِ الْوُلَاةُ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَهُمْ، يَسَعُهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ فِيمَا كَانَتْ وِلَايَتُهُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا يَسَعُ الْمَأْمُورَ أَنْ يَفْعَلَهُ حَتَّى يَكُونَ الَّذِي أَمَرَهُ عَدْلًا، وَحَتَّى يَشْهَدَ عَدْلٌ سِوَاهُ، عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَأْمُورِ ذَلِكَ، الْكَشَّافُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ لَهُ: أَلَسْتُمْ أُمِرْتُمْ بِطَاعَتِنَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ نَزَعْتُ عَنْكُمْ إِذَا خَالَفْتُمُ الْحَقَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] قَالَ الطِّيبِيُّ: ﵀ يُرِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ عَطْفٌ عَلَى أَطِيعُوا اللَّهَ وَكُرِّرَ الْفِعْلُ لِيَدُلَّ عَلَى اسْتِقْلَالِ طَاعَةِ الرَّسُولِ، وَلَمْ يُؤْتَ بِقَوْلِهِ وَأَطِيعُوا فِي ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] دَلَالَةً عَلَى عَدَمِ اسْتِقْلَالِهِمْ، وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ أُولُوا الْأَمْرِ مُسْتَقِلِّينَ، وَشَاهَدْتُمْ مِنْهُمْ خِلَافَ الْحَقِّ فَرُدُّوهُ إِلَى الْحَقِّ، وَلَا يَأْخُذْكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ. (رَوَاهُ) ; أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) ; أَيْ بِإِسْنَادِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ; عَنْ عِمْرَانَ، وَالْحَاكِمِ بْنِ عُمَرَ الْغِفَارِيِّ، وَذَكَرَ الْجَزَرِيُّ فِي أَسْنَى الْمَنَاقِبِ بِسَنَدِهِ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّ فِيكَ مِنْ عِيسَى مَثَلًا أَبْغَضَتْهُ الْيَهُودُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وَأَحْبَبَتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلَتْهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَيْسَ بِهَا، قَالَ: فَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: إِنَّهُ يَهْلِكُ فِيَّ مُحِبٌّ مُطْرٍ لِي، يُقَرِّظُنِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ، وَمُبْغِضٌ مُفْتَرٍ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي، عَلَى أَنْ بَهَتَنِيَ أَلَا وَإِنِّي لَسْتُ بِنَبِيٍّ، وَلَا يُوحَى إِلَيَّ، وَلَكِنِّي أَعْمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ، مَا اسْتَطَعْتُ لَهُ فَمَا أَمَرْتُكُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فَحَقٌّ عَلَيْكُمْ طَاعَتِي فِيمَا أَحْبَبْتُمْ، أَوْ كَرِهْتُمْ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ أَنَا وَغَيْرِي فَلَا طَاعَةَ لِأَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» . حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ اهـ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَنْ أَمَرَكُمْ مِنَ الْوُلَاةِ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا تُطِيعُوهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ " «وَمَنْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ فَلْيَكُنْ أَمْرُهُ بِمَعْرُوفٍ» ".

стр. 5148

٣٦٩٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلَّا يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولًا حَتَّى يُفَكَّ عَنْهُ الْعَدْلُ، أَوْ يُوبِقَهُ الْجَوْرُ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٣٦٩٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ) بِفَتْحَتَيْنِ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ، بِسُكُونِ الشِّينِ، وَهُوَ سَهْوٌ، وَمِنْ زَائِدَةٌ، لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ فِي إِفَادَةِ عُمُومِ الْعَادِلِ وَالظَّالِمِ (إِلَّا يُؤْتَى بِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ، إِلَّا وَهُوَ يُؤْتَى بِهِ ; أَيْ يُحْضَرُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولًا) ; أَيْ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، عَكْسُ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا، مَبْسُوطَةً فِي إِرَادَةِ نَفْسِهِ وَإِفَادَةِ حِكْمَةٍ (حَتَّى يَفُكَّ عَنْهُ الْعَدْلُ) وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى يَفُكَّهُ الْعَدْلُ ; أَيْ عَدْلُهُ إِنْ كَانَ عَادِلًا (أَوْ يُوبِقَهُ الْجَوْرُ) ; أَيْ يُهْلِكُهُ ظُلْمُهُ، إِنْ كَانَ ظَالِمًا، فَ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: " أَوْ يُوبِقَهُ " عَطْفٌ عَلَى يَفُكَّ، فَيَكُونُ غَايَةَ قَوْلِهِ: يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولًا ; أَيْ لَمْ يَزَلْ مَغْلُولًا حَتَّى يَحِلَّهُ الْعَدْلُ، أَوْ يُهْلِكَهُ الظُّلْمُ ; أَيْ لَا يَفُكُّهُ عَنِ الْغُلِّ إِلَّا الْهَلَاكُ، يَعْنِي يَرَى بَعْدَ الْغُلِّ مَا الْغُلُّ فِي جَنْبِهِ السَّلَامَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ يَعْنِي يَرَى يَوْمَ الدِّينِ مِنَ الْعَذَابِ مَا اللَّعْنَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَهْلَةٌ يَسِيرَةٌ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ.

стр. 5149

٣٦٩٨ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَيْلٌ لِلْأُمَرَاءِ، وَيْلٌ لِلْعُرَفَاءِ، وَيْلٌ لِلْأُمَنَاءِ، لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ نَوَاصِيَهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِالثُّرَيَّا، يَتَجَلْجَلُونَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَلُوا عَمَلًا» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ ; أَنَّ دَوَابَّهُمْ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِالثُّرَيَّا، يَتَذَبْذَبُونَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَكُونُوا عُمِّلُوا عَلَى شَيْءٍ. ــ ٣٦٩٨ - (وَعَنْهُ) ; أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيْلٌ لِلْأُمَرَاءِ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، كَقَوْلِهِ (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) وَهُوَ الْحُزْنُ وَالْهَلَاكُ وَالْمَشَقَّةُ مِنَ الْعَذَابِ، وَقِيلَ وَادٍ فِي النَّارِ، وَقَدْ وَرَدَ وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، (وَلِلْعُرَفَاءِ) جَمْعُ عَرِيفٍ بِمَعْنَى فَاعِلٍ ; وَهُوَ الْقَيِّمُ بِأَمْرِ قَبِيلَةٍ، وَمَحَلَّةٍ يَلِي أَمْرَهُمْ وَيَتَعَرَّفُ الْأَمِيرُ مِنْهُ أَحْوَالَهُمْ، وَمِنْهُمْ رُؤَسَاءُ الْقُرَى، وَأَرْبَابُ الْوِلَايَاتِ، (وَيْلٌ لِلْأُمَنَاءِ) جَمْعُ أَمِينٍ ; وَهُوَ مَنِ ائْتَمَنَهُ الْإِمَامُ عَلَى الصَّدَقَاتِ، وَالْخَرَاجِ وَسَائِرِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَدُلُّ عَطْفُهُ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَالْعُرَفَاءِ، وَيَشْمَلُ بِعُمُومِهِ كُلَّ مَنِ ائْتَمَنَهُ غَيْرُهُ عَلَى مَالٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ وَصِيُّ الْأَيْتَامِ، وَنَاظِرُ الْأَوْقَافِ، ( «لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ نَوَاصِيَهُمْ» ) ; أَيْ شُعُورَهُمْ قُدَّامَ رُءُوسِهِمْ، (مُعَلَّقَةٌ) ; أَيْ فِي الدُّنْيَا (بِالثُّرَيَّا) مَقْصُورًا فِي النِّهَايَةِ الثُّرَيَّا: النَّجْمُ تَصْغِيرُ الثَّرْوَى، يُقَالُ: إِنَّ خِلَالَ أَنْجُمِهَا الظَّاهِرَةِ، كَوَاكِبُ خَفِيَّةٌ كَثِيرَةُ الْعَدَدِ، (يَتَجَلْجَلُونَ) بِالْجِيمَيْنِ ; أَيْ يَتَحَرَّكُونَ، (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَإِنَّهُمْ لَمْ يَلُوا) بِضَمِّ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ ; أَيْ لَمْ يَصِيرُوا وَالِينَ، (عَمَلًا) مِنْ أَعْمَالِ الْعُمَّالِ مِنَ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اللَّامُ فِي لَيَتَمَنَّيَنَّ ; لَامُ الْقَسَمِ، وَالتَّمَنِّي طَلَبُ مَا لَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ لِلْمُتَمَنِّي ; قَوْلُهُ: إِنَّ نَوَاصِيَهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِالثُّرَيَّا، وَإِنَّهُمْ لَمْ يَلُوا، تَمَنَّوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلُوا، وَكَانَتْ نَوَاصِيهِمْ مُعَلَّقَةً بِالثُّرَيَّا ; يَعْنِي تَمَنَّوْا أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ تِلْكَ الْعِزَّةُ وَالرِّيَاسَةُ وَالرِّفْعَةُ عَلَى النَّاسِ، بَلْ كَانُوا أَذِلَّاءَ، وَرُءُوسُهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِنَوَاصِيهِمْ فِي أَعَالِي تَتَحَرَّكُ وَتُجَلْجِلُ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ سَائِرُ النَّاسِ، وَيَشْهَدُونَ مَنْزِلَتَهُمْ، وَهُوانَهُمْ بَدَلَ تِلْكَ الرِّيَاسَةِ وَالْعِزَّةِ وَالرِّفْعَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالنَّاصِيَةِ مَثَلٌ لِلْمَذَلَّةِ وَالْهَوَانِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَرَادُوا إِطْلَاقَ أَسِيرٍ جَزُّوا نَاصِيَتَهُ مَذَلَّةً وَهَوَانًا، وَهَذَا التَّمَنِّي هُوَ الْمَعْنِيُ بِالنَّدَامَةِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فَقَوْلُهُ: لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ كَالتَّخْصِيصِ لِلْعَامِّ وَالتَّقْيِيدِ لِلْمُطْلَقِ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لَمَّا عَمَّمَ التَّهْدِيدَ وَبَالَغَ فِي الْوَعِيدِ، أَرَادَ أَنْ يَسْتَدْرِكَ وَيُخْرِجَ مَنْ قَامَ بِهَا حَقَّ الْقِيَامِ، وَتَجَنَّبَ فِيهِ عَنِ الظُّلْمِ وَالْحَيْفِ، وَاسْتَحَقَّ بِهِ الثَّوَابَ، وَصَارَ ذَا حَظٍّ مِمَّا وَعَدَ بِهِ ذُو سُلْطَانٍ عَادِلٍ، قَالَ: لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ ; أَيْ طَائِفَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَذَلِكَ لِيُنَبِّهَ بِالْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ طَائِفَةً أُخْرَى حُكْمُهُمْ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ ; وَهُمْ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْكِسْ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِمَنْطُوقِ الْمَدْحِ لِلْمُقْسِطِينَ ; لِيَدُلَّ بِالْمَفْهُومِ عَلَى ذَمِّ الْجَائِرِينَ ; لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ التَّهْدِيدِ وَالزَّجْرِ عَنْ طَلَبِ الرِّئَاسَةِ ; لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُهِمَّةً لَا يَنْتَظِمُ صَلَاحُ حَالِ النَّاسِ وَمَعَاشُهُمْ دُونَهَا، لَكِنَّهُ خَطَرٌ وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِهَا عَسِرٌ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَقْتَحِمَ عَلَيْهَا وَيَمِيلَ بِطَبْعِهِ إِلَيْهَا، فَإِنَّ مَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ فِيهَا عَنْ مَتْنِ الصَّوَابِ قَدْ يَنْدَفِعُ إِلَى فِتْنَةٍ تُؤَدَّى بِهِ إِلَى الْعَذَابِ. (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِي رِوَايَتِهِ) ; أَيْ أَحْمَدَ، (أَنَّ ذَوَائِبَهُمْ) جُمْعُ ذَائِبَةٍ ; أَيْ ظَفَائِرَهُمْ ; (كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِالثُّرَيَّا يَتَذَبْذَبُونَ) ; أَيْ يَتَرَدَّدُونَ، (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ; أَيْ مُدَّةَ عَمَلِهِمْ ; أَيْ جَمِيعَ عُمْرِهِمْ فِي الدُّنْيَا، (وَلَمْ يَكُونُوا عُمِّلُوا) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ أُعْطُوا عَمَلًا (عَلَى شَيْءٍ) ; أَيْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا.

стр. 5150

٣٦٩٩ - وَعَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْعِرَافَةَ وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ عُرَفَاءَ وَلَكِنَّ الْعُرْفَاءَ فِي النَّارِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٦٩٩ - (وَعَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: هُوَ غَالِبُ بْنُ أَبِي غَيْلَانَ، وَهُوَ ابْنُ خَطَّافٍ الْقَطَّانُ الْبَصْرِيُّ، رَوَى عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْهُ ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ (عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الْعِرَافَةَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، (حَقٌّ) ; أَيْ أَمْرٌ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا لِمَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَوْلُهُ (حَقٌّ) : وَقَعَ هُنَا مَوْقِعَ الْمَصْلَحَةِ وَالْأَمْرِ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ ; فِي تَرْتِيبِ الْبُعُوثِ وَالْأَجْنَادِ، وَمَا يُلِمُّ بِهِ شَعَثَهُمْ مِنَ الْأَرْزَاقِ، وَالْعَطِيَّاتِ، وَالْإِحَاطَةِ بِعَدَدِهِمْ ; لِاسْتِخْرَاجِ السُّهْمَانِ وَنَحْوِهِ وَهَذَا
следующие страницы →