Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.
стр. 5146
٣٦٩٥ - وَعَنْ زِيَادِ بْنِ كُسَيْبٍ الْعَدَوِيِّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرَةَ تَحْتَ مِنْبَرِ ابْنِ عَامِرٍ وَهُوَ يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِنَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الْفُسَّاقِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَهَانَهُ اللَّهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٣٦٩٥ - (وَعَنْ زِيَادِ بْنِ كُسَيْبٍ) بِالتَّصْغِيرِ (الْعَدَوِيِّ) بِفَتْحَتَيْنِ نِسْبَةً إِلَى بَنِي عَدِيٍّ ; قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ تَابِعِيٌّ، رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرَةَ (قَالَ كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرَةَ، تَحْتَ مِنْبَرِ ابْنِ عَامِرٍ، وَهُوَ يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ رِقَاقٌ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ; أَيْ رَقِيقَةٌ رَفِيعَةٌ (فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ، وَلَعَلَّهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَلَدُهُ بِلَالٌ كَانَ وَالِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ (انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِنَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الْفُسَّاقِ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ ثِيَابًا مُحَرَّمَةً مِنَ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُمَا أَنْ تَكُونَ رِقَاقًا، وَلَعَلَّ الِاعْتِرَاضَ الْوَارِدَ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ نَصِيحَةً تَتَضَمَّنُ فَضِيحَةً، يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ صَرِيحَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُمَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ لُبْسُ ثِيَابِ الرِّقَاقِ مِنْ دَأْبِ الْمُتَنَعِّمِينَ نَسَبَهُ إِلَى الْفِسْقِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ رَقَّ ثَوْبُهُ رَقَّ دِينُهُ (فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ اسْكُتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» ) ; أَيْ أَذَلَّ حَاكِمًا بِأَنَّ أَذَاهُ، أَوْ عَصَاهُ (أَهَانَهُ اللَّهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالظَّاهِرُ هَذَا الِاحْتِمَالُ ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ رَدَّهُ بِقَوْلِهِ: مَنْ أَهَانَ إِلَخْ، يَعْنِي تَفْسِيقَكَ إِيَّاهُ بِسَبَبِ لُبْسِهِ هَذِهِ الثِّيَابَ الَّتِي يَصُونُ بِهَا عِزَّتَهُ لَيْسَ بِحَقٍّ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى مَنْ أَهَانَ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّهُ وَأَلْبَسَهُ خِلَعَ السُّلْطَةِ ; أَهَانَهُ اللَّهُ، وَفِي الْأَرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِسُلْطَانِ اللَّهِ، تَعَلُّقَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] وَالْإِضَافَةُ فِي سُلْطَانِ اللَّهِ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ، كَبَيْتِ اللَّهِ، وَنَاقَةِ اللَّهِ. وَيُحْكَى عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ مَعَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ; وَعَلَى جَعْفَرٍ جُبَّةٌ خَزٍّ دَكْنَاءٌ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ لِبَاسِكَ، فَحَسِرَ عَنْ رَدْنِ جُبَّتِهِ فَإِذَا تَحْتَهَا جُبَّةُ صُوفٍ بَيْضَاءُ يَقْصُرُ الذَّيْلُ وَالرَّدْنُ عَنِ الرَّدْنِ، فَقَالَ يَا ثَوْرِيُّ: لَبِسْنَا هَذَا لِلَّهِ وَهَذِي لَكُمْ، فَمَا كَانَ لِلَّهِ أَخْفَيْنَاهُ، وَمَا كَانَ لَكُمْ أَبْدَيْنَاهُ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ فِي كِتَابِ مَنَاقِبِ الْأَوْلِيَاءِ، وَالدَّكْنَاءُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ تَأْنِيثُ الْأَدْكَنِ، وَهُوَ ثَوْبٌ مُغْبَرُّ اللَّوْنِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْإِمَامُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ: ذُكِرَ أَنْ فَرْقَدَ السَّبَخِيَّ دَخَلَ عَلَى الْحَسَنِ وَعَلَيْهِ كِسَاءٌ، وَعَلَى الْحَسَنِ حُلَّةٌ، فَجَعَلَ يَلْمِسُهَا، فَقَالَ الْحَسَنُ: مَا لَكَ تَنْظُرُ إِلَى ثِيَابِي، ثِيَابِي ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَثِيَابُكَ ثِيَابُ أَهْلِ النَّارِ؟ بَلَغَنِي أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ أَصْحَابُ الْأَكْسِيَةِ، ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ: جَعَلُوا الزُّهْدَ فِي ثِيَابِهِمْ، وَالْكِبْرَ فِي صُدُورِهِمْ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَأَحَدُكُمْ بِكِسَائِهِ أَعْظَمُ كِبْرًا مِنْ صَاحِبِ الْمِطْرَفِ بِمِطْرَفِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
стр. 5147
٣٦٩٦ - وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٣٦٩٦ - (وَعَنِ النَّوَّاسِ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ (ابْنِ سِمْعَانَ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ» ) صِلَةُ طَاعَةٍ، وَقَوْلُهُ: (فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ) خَبَرُ لَا، وَفِيهِ مَعْنَى النَّهْيِ، يَعْنِي لَا يَنْبَغِي وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ، وَتَخْصِيصُ ذِكْرِ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ مُشْعِرٌ بِعَلِيَّةِ هَذَا الْحُكْمِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ الْوُلَاةُ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: مَا أَمَرَ بِهِ الْوُلَاةُ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَهُمْ، يَسَعُهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ فِيمَا كَانَتْ وِلَايَتُهُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا يَسَعُ الْمَأْمُورَ أَنْ يَفْعَلَهُ حَتَّى يَكُونَ الَّذِي أَمَرَهُ عَدْلًا، وَحَتَّى يَشْهَدَ عَدْلٌ سِوَاهُ، عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَأْمُورِ ذَلِكَ، الْكَشَّافُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ لَهُ: أَلَسْتُمْ أُمِرْتُمْ بِطَاعَتِنَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ نَزَعْتُ عَنْكُمْ إِذَا خَالَفْتُمُ الْحَقَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] قَالَ الطِّيبِيُّ: ﵀ يُرِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ عَطْفٌ عَلَى أَطِيعُوا اللَّهَ وَكُرِّرَ الْفِعْلُ لِيَدُلَّ عَلَى اسْتِقْلَالِ طَاعَةِ الرَّسُولِ، وَلَمْ يُؤْتَ بِقَوْلِهِ وَأَطِيعُوا فِي ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] دَلَالَةً عَلَى عَدَمِ اسْتِقْلَالِهِمْ، وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ أُولُوا الْأَمْرِ مُسْتَقِلِّينَ، وَشَاهَدْتُمْ مِنْهُمْ خِلَافَ الْحَقِّ فَرُدُّوهُ إِلَى الْحَقِّ، وَلَا يَأْخُذْكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ. (رَوَاهُ) ; أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) ; أَيْ بِإِسْنَادِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ; عَنْ عِمْرَانَ، وَالْحَاكِمِ بْنِ عُمَرَ الْغِفَارِيِّ، وَذَكَرَ الْجَزَرِيُّ فِي أَسْنَى الْمَنَاقِبِ بِسَنَدِهِ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّ فِيكَ مِنْ عِيسَى مَثَلًا أَبْغَضَتْهُ الْيَهُودُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وَأَحْبَبَتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلَتْهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَيْسَ بِهَا، قَالَ: فَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: إِنَّهُ يَهْلِكُ فِيَّ مُحِبٌّ مُطْرٍ لِي، يُقَرِّظُنِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ، وَمُبْغِضٌ مُفْتَرٍ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي، عَلَى أَنْ بَهَتَنِيَ أَلَا وَإِنِّي لَسْتُ بِنَبِيٍّ، وَلَا يُوحَى إِلَيَّ، وَلَكِنِّي أَعْمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ، مَا اسْتَطَعْتُ لَهُ فَمَا أَمَرْتُكُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فَحَقٌّ عَلَيْكُمْ طَاعَتِي فِيمَا أَحْبَبْتُمْ، أَوْ كَرِهْتُمْ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ أَنَا وَغَيْرِي فَلَا طَاعَةَ لِأَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» . حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ اهـ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَنْ أَمَرَكُمْ مِنَ الْوُلَاةِ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا تُطِيعُوهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ " «وَمَنْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ فَلْيَكُنْ أَمْرُهُ بِمَعْرُوفٍ»
".
стр. 5148
٣٦٩٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلَّا يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولًا حَتَّى يُفَكَّ عَنْهُ الْعَدْلُ، أَوْ يُوبِقَهُ الْجَوْرُ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٣٦٩٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ) بِفَتْحَتَيْنِ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ، بِسُكُونِ الشِّينِ، وَهُوَ سَهْوٌ، وَمِنْ زَائِدَةٌ، لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ فِي إِفَادَةِ عُمُومِ الْعَادِلِ وَالظَّالِمِ (إِلَّا يُؤْتَى بِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ، إِلَّا وَهُوَ يُؤْتَى بِهِ ; أَيْ يُحْضَرُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولًا) ; أَيْ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، عَكْسُ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا، مَبْسُوطَةً فِي إِرَادَةِ نَفْسِهِ وَإِفَادَةِ حِكْمَةٍ (حَتَّى يَفُكَّ عَنْهُ الْعَدْلُ) وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى يَفُكَّهُ الْعَدْلُ ; أَيْ عَدْلُهُ إِنْ كَانَ عَادِلًا (أَوْ يُوبِقَهُ الْجَوْرُ) ; أَيْ يُهْلِكُهُ ظُلْمُهُ، إِنْ كَانَ ظَالِمًا، فَ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: " أَوْ يُوبِقَهُ " عَطْفٌ عَلَى يَفُكَّ، فَيَكُونُ غَايَةَ قَوْلِهِ: يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولًا ; أَيْ لَمْ يَزَلْ مَغْلُولًا حَتَّى يَحِلَّهُ الْعَدْلُ، أَوْ يُهْلِكَهُ الظُّلْمُ ; أَيْ لَا يَفُكُّهُ عَنِ الْغُلِّ إِلَّا الْهَلَاكُ، يَعْنِي يَرَى بَعْدَ الْغُلِّ مَا الْغُلُّ فِي جَنْبِهِ السَّلَامَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ يَعْنِي يَرَى يَوْمَ الدِّينِ مِنَ الْعَذَابِ مَا اللَّعْنَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَهْلَةٌ يَسِيرَةٌ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ.
стр. 5149
٣٦٩٨ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَيْلٌ لِلْأُمَرَاءِ، وَيْلٌ لِلْعُرَفَاءِ، وَيْلٌ لِلْأُمَنَاءِ، لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ نَوَاصِيَهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِالثُّرَيَّا، يَتَجَلْجَلُونَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَلُوا عَمَلًا» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ ; أَنَّ دَوَابَّهُمْ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِالثُّرَيَّا، يَتَذَبْذَبُونَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَكُونُوا عُمِّلُوا عَلَى شَيْءٍ.
ــ
٣٦٩٨ - (وَعَنْهُ) ; أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيْلٌ لِلْأُمَرَاءِ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، كَقَوْلِهِ (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) وَهُوَ الْحُزْنُ وَالْهَلَاكُ وَالْمَشَقَّةُ مِنَ الْعَذَابِ، وَقِيلَ وَادٍ فِي النَّارِ، وَقَدْ وَرَدَ وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، (وَلِلْعُرَفَاءِ) جَمْعُ عَرِيفٍ بِمَعْنَى فَاعِلٍ ; وَهُوَ الْقَيِّمُ بِأَمْرِ قَبِيلَةٍ، وَمَحَلَّةٍ يَلِي أَمْرَهُمْ وَيَتَعَرَّفُ الْأَمِيرُ مِنْهُ أَحْوَالَهُمْ، وَمِنْهُمْ رُؤَسَاءُ الْقُرَى، وَأَرْبَابُ الْوِلَايَاتِ، (وَيْلٌ لِلْأُمَنَاءِ) جَمْعُ أَمِينٍ ; وَهُوَ مَنِ ائْتَمَنَهُ الْإِمَامُ عَلَى الصَّدَقَاتِ، وَالْخَرَاجِ وَسَائِرِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَدُلُّ عَطْفُهُ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَالْعُرَفَاءِ، وَيَشْمَلُ بِعُمُومِهِ كُلَّ مَنِ ائْتَمَنَهُ غَيْرُهُ عَلَى مَالٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ وَصِيُّ الْأَيْتَامِ، وَنَاظِرُ الْأَوْقَافِ، ( «لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ نَوَاصِيَهُمْ» ) ; أَيْ شُعُورَهُمْ قُدَّامَ رُءُوسِهِمْ، (مُعَلَّقَةٌ) ; أَيْ فِي الدُّنْيَا (بِالثُّرَيَّا) مَقْصُورًا فِي النِّهَايَةِ الثُّرَيَّا: النَّجْمُ تَصْغِيرُ الثَّرْوَى، يُقَالُ: إِنَّ خِلَالَ أَنْجُمِهَا الظَّاهِرَةِ، كَوَاكِبُ خَفِيَّةٌ كَثِيرَةُ الْعَدَدِ، (يَتَجَلْجَلُونَ) بِالْجِيمَيْنِ ; أَيْ يَتَحَرَّكُونَ، (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَإِنَّهُمْ لَمْ يَلُوا) بِضَمِّ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ ; أَيْ لَمْ يَصِيرُوا وَالِينَ، (عَمَلًا) مِنْ أَعْمَالِ الْعُمَّالِ مِنَ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اللَّامُ فِي لَيَتَمَنَّيَنَّ ; لَامُ الْقَسَمِ، وَالتَّمَنِّي طَلَبُ مَا لَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ لِلْمُتَمَنِّي ; قَوْلُهُ: إِنَّ نَوَاصِيَهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِالثُّرَيَّا، وَإِنَّهُمْ لَمْ يَلُوا، تَمَنَّوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلُوا، وَكَانَتْ نَوَاصِيهِمْ مُعَلَّقَةً بِالثُّرَيَّا ; يَعْنِي تَمَنَّوْا أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ تِلْكَ الْعِزَّةُ وَالرِّيَاسَةُ وَالرِّفْعَةُ عَلَى النَّاسِ، بَلْ كَانُوا أَذِلَّاءَ، وَرُءُوسُهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِنَوَاصِيهِمْ فِي أَعَالِي تَتَحَرَّكُ وَتُجَلْجِلُ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ سَائِرُ النَّاسِ، وَيَشْهَدُونَ مَنْزِلَتَهُمْ، وَهُوانَهُمْ بَدَلَ تِلْكَ الرِّيَاسَةِ وَالْعِزَّةِ وَالرِّفْعَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالنَّاصِيَةِ مَثَلٌ لِلْمَذَلَّةِ وَالْهَوَانِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَرَادُوا إِطْلَاقَ أَسِيرٍ جَزُّوا نَاصِيَتَهُ مَذَلَّةً وَهَوَانًا، وَهَذَا التَّمَنِّي هُوَ الْمَعْنِيُ بِالنَّدَامَةِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فَقَوْلُهُ: لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ كَالتَّخْصِيصِ لِلْعَامِّ وَالتَّقْيِيدِ لِلْمُطْلَقِ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لَمَّا عَمَّمَ التَّهْدِيدَ وَبَالَغَ فِي الْوَعِيدِ، أَرَادَ أَنْ يَسْتَدْرِكَ وَيُخْرِجَ مَنْ قَامَ بِهَا حَقَّ الْقِيَامِ، وَتَجَنَّبَ فِيهِ عَنِ الظُّلْمِ وَالْحَيْفِ، وَاسْتَحَقَّ بِهِ الثَّوَابَ، وَصَارَ ذَا حَظٍّ مِمَّا وَعَدَ بِهِ ذُو سُلْطَانٍ عَادِلٍ، قَالَ: لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ ; أَيْ طَائِفَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَذَلِكَ لِيُنَبِّهَ بِالْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ طَائِفَةً أُخْرَى حُكْمُهُمْ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ ; وَهُمْ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْكِسْ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِمَنْطُوقِ الْمَدْحِ لِلْمُقْسِطِينَ ; لِيَدُلَّ بِالْمَفْهُومِ عَلَى ذَمِّ الْجَائِرِينَ ; لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ التَّهْدِيدِ وَالزَّجْرِ عَنْ طَلَبِ الرِّئَاسَةِ ; لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُهِمَّةً لَا يَنْتَظِمُ صَلَاحُ حَالِ النَّاسِ وَمَعَاشُهُمْ دُونَهَا، لَكِنَّهُ خَطَرٌ وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِهَا عَسِرٌ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَقْتَحِمَ عَلَيْهَا وَيَمِيلَ بِطَبْعِهِ إِلَيْهَا، فَإِنَّ مَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ فِيهَا عَنْ مَتْنِ الصَّوَابِ قَدْ يَنْدَفِعُ إِلَى فِتْنَةٍ تُؤَدَّى بِهِ إِلَى الْعَذَابِ. (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِي رِوَايَتِهِ) ; أَيْ أَحْمَدَ، (أَنَّ ذَوَائِبَهُمْ) جُمْعُ ذَائِبَةٍ ; أَيْ ظَفَائِرَهُمْ ; (كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِالثُّرَيَّا يَتَذَبْذَبُونَ) ; أَيْ يَتَرَدَّدُونَ، (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ; أَيْ مُدَّةَ عَمَلِهِمْ ; أَيْ جَمِيعَ عُمْرِهِمْ فِي الدُّنْيَا، (وَلَمْ يَكُونُوا عُمِّلُوا) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ أُعْطُوا عَمَلًا (عَلَى شَيْءٍ) ; أَيْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا.
стр. 5150
٣٦٩٩ - وَعَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْعِرَافَةَ وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ عُرَفَاءَ وَلَكِنَّ الْعُرْفَاءَ فِي النَّارِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٦٩٩ - (وَعَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: هُوَ غَالِبُ بْنُ أَبِي غَيْلَانَ، وَهُوَ ابْنُ خَطَّافٍ الْقَطَّانُ الْبَصْرِيُّ، رَوَى عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْهُ ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ (عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الْعِرَافَةَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، (حَقٌّ) ; أَيْ أَمْرٌ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا لِمَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَوْلُهُ (حَقٌّ) : وَقَعَ هُنَا مَوْقِعَ الْمَصْلَحَةِ وَالْأَمْرِ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ ; فِي تَرْتِيبِ الْبُعُوثِ وَالْأَجْنَادِ، وَمَا يُلِمُّ بِهِ شَعَثَهُمْ مِنَ الْأَرْزَاقِ، وَالْعَطِيَّاتِ، وَالْإِحَاطَةِ بِعَدَدِهِمْ ; لِاسْتِخْرَاجِ السُّهْمَانِ وَنَحْوِهِ وَهَذَا
стр. 5151
مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ عُرَفَاءَ) ، وَقَوْلِهِ: (وَلَكِنَّ الْعَرْفَاءَ فِي النَّارِ) ; أَيْ فِيمَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَيْهَا، وَرَدَ هَذَا الْقَوْلُ مَوْرِدَ التَّحْذِيرِ عَنِ التَّبِعَاتِ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا، وَالْآفَاتِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ فِيهَا، وَالْفِتَنِ الَّتِي يُتَوَقَّعُ مِنْهَا، وَالْأَمْرِ بِالتَّيَقُّظِ دُونَهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْهَنَاتِ الَّتِي قَلَّمَا يَسْلَمُ مِنْهَا الْوَاقِعُ فِيهَا اهـ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْعُرَفَاءِ فِي النَّارِ ; هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْدِلُوا فِي الْحُكْمِ، وَأَتَى بِصِيغَةِ الْعُمُومِ ; إِجْرَاءً لِلْغَالِبِ مَجْرَى الْكُلِّ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يُلَابِسُونَ مَا يَجُرُّهُمْ إِلَى النَّارِ، أَوِ التَّقْدِيرُ يَكُونُ أَكْثَرُهُمْ فِي النَّارِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ وَلَكِنَّ الْعُرَفَاءَ فِي النَّارِ: مُظْهَرٌ أُقِيمَ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، لِيُشْعِرَ بِأَنَّ الْعِرَافَةَ عَلَى خَطَرٍ، وَمَنْ بَاشَرَهَا عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَلَى تَيَقُّظٍ وَحَزْمٍ وَحَذَرٍ مِنْهَا ; لِئَلَّا تُوَرِّطَهُ فِي الْفِتْنَةِ، وَتُؤَدِّيَ بِهِ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَهَذَا تَلْخِيصُ كَلَامِ الشَّيْخِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5152
٣٧٠٠ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أُمَرَاءُ سَيَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي، مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسُوا مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُمْ، وَلَنْ يَرِدُوا عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَيُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَأُولَئِكَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُمْ، وَأُولَئِكَ يَرِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٣٧٠٠ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ: نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، (قَالَ: قَالَ لِي) ; أَيْ وَحْدِي، أَوْ مُخَاطِبًا لِي، (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ) ; أَيْ مِنْ عَمَلِهِمْ، أَوْ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ، أَوِ اللُّحُوقِ بِهِمْ، وَالسُّفَهَاءُ الْجُهَّالُ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: السُّفَهَاءُ الْخِفَافُ الْأَحْلَامِ، وَفِي النِّهَايَةِ السَّفَهُ فِي الْأَصْلِ ; الْخِفَّةُ وَالطَّيْشُ، وَسُفِّهَ فُلَانٌ رَأْيُهُ إِذَا كَانَ مُضْطَرِبًا لَا اسْتِقَامَةَ لَهُ، وَالسَّفِيهُ الْجَاهِلُ، (قَالَ) ; فِيهِ الْتِفَاتٌ، أَوْ تَجْرِيدٌ، إِذْ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: قُلْتُ (وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) ; أَيْ ; أَيُّ شَيْءٍ مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ؟ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى مَعْنَى إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ، وَهُوَ فِعْلُهُمُ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ مِنَ الظُّلْمِ وَالْكَذِبِ، وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ جَهْلُهُمْ وَطَيْشُهُمْ (قَالَ أُمَرَاءُ سَيَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي) ; أَيْ سُفَهَاءُ ; مَوْصُوفُونَ بِالْكَذِبِ وَالظُّلْمِ، (مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ) ; أَيْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ، (فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ) بِفَتْحٍ فَكَسَرٍ، وَيَجُوزُ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَفْصَحُ ; لِعَدَمِ وُرُودِ غَيْرِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَقِيلَ الْكَذِبُ: إِذَا أُخِذَ فِي مُقَابَلَةِ الصِّدْقِ كَانَ بِسُكُونِ الذَّالِ لِلْازْدِوَاجِ، وَإِذَا أُخِذَ وَحْدَهُ كَانَ بِالْكَسْرِ، (وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ) ; أَيْ بِالْإِفْتَاءِ وَنَحْوِهِ، (فَلَيْسُوا مِنَّي وَلَسْتُ مِنْهُمْ) ; أَيْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ بَرَاءَةٌ وَنَقْضُ ذِمَّةٍ، (وَلَنْ يَرِدُوا) وَفِي نُسْخَةٍ، وَلَمْ يَرِدُوا مِنَ الْوُرُودِ ; أَيْ لَمْ يَمُرُّوا (عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ بِتَضْمِينِ مَعْنَى الْعَرْضِ ; أَيْ لَنْ يَرِدُوا عَلَيَّ مَعْرُوضِينَ، (الْحَوْضَ) ; أَيْ حَوْضَ الْكَوْثَرِ فِي الْقِيَامَةِ، أَوْ فِي الْجَنَّةِ، (وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ ; فَأُولَئِكَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُمْ، وَأُولَئِكَ يَرِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَدْخَلَ الْفَاءَ فِي خَبَرِ (مَنْ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الشَّرْطِ، زَادَ فِيهِ (أُولَئِكَ) وَكَرَّرَهُ لِمَزِيدِ تَقْرِيرِ الْعِلَّةِ ; لِأَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ، مُؤْذِنٌ بِأَنَّ مَا يَرِدُ عَقِيبَهُ جَدِيرٌ بِمَا قَبْلَهُ ; لِاتِّصَافِهِ بِالْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] إِلَى مَا يَتَّصِلُ بِهِ، اسْتِحْمَادًا عَلَى فِعْلِهِمْ مِنَ الِاجْتِنَابِ عَنْهُمْ، وَعَنْ تَصْدِيقِهِمْ وَمُعَاوَنَتِهِمْ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: لَا نُخَالِطُ السُّلْطَانَ وَلَا مَنْ يُخَالِطُهُ، وَقَالَ: صَاحِبُ الْقَلَمِ، وَصَاحِبُ الدَّوَاةِ، وَصَاحِبُ الْقِرْطَاسِ، وَصَاحِبُ اللِّيطَةِ بَعْضُهُمْ شُرَكَاءُ بَعْضُ، وَرُوِيَ أَنَّ خَيَّاطًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ عَنْ خِيَاطَتِهِ لِلْحُكَّامِ ; هَلْ أَنَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا؟ قَالَ: بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يَبِيعُكَ الْإِبْرَةَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ رَضِيَ بِأَمْرِ الظَّالِمِ وَإِنْ غَابَ عَنْهُ ; كَانَ كَمَنْ شَهِدَهُ وَتَلَا الْآيَةَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 5153
٣٧٠١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: «مَنْ لَزِمَ السُّلْطَانَ افْتُتِنَ، وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنَ السُّلْطَانِ دُنُوًّا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا» .
ــ
٣٧٠١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا» ) ; أَيْ جَهِلَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] وَقَالَ الْقَاضِي: جَفَا الرَّجُلُ إِذَا غَلُظَ قَلْبُهُ وَقَسَا، وَلَمْ يَرِقَّ لِبِرٍّ وَصِلَةِ رَحِمٍ، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى سُكَّانِ الْبَوَادِي لِبُعْدِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقِلَّةِ اخْتِلَاطِهِمْ بِالنَّاسِ، فَصَارَتْ طِبَاعُهُمْ كَطِبَاعِ الْوُحُوشِ، وَأَصْلُ التَّرْكِيبِ لِلنَّبْوِ عَنِ الشَّيْءِ، (وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ) ; أَيْ لَازَمَ اتِّبَاعَ الصَّيْدِ وَالْاشْتِغَالَ بِهِ، وَرَكِبَ عَلَى تَتَبُّعِ الصَّيْدِ كَالْحَمَامِ وَنَحْوِهِ لَهْوًا وَطَرَبًا (غَفَلَ) ; أَيْ عَنِ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمْعَةِ، وَبَعُدَ عَنِ الرِّقَّةِ وَالرَّحْمَةِ لِشَبَهِهِ بِالسَّبُعِ وَالْبَهِيمَةِ، (وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ) ; أَيْ بَابَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَحَاجَةٍ لِمَجِيئِهِ، (افْتُتِنَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ وَقَعَ فِي الْفِتْنَةِ، فَإِنَّهُ إِنْ وَافَقَهُ فِيمَا يَأْتِيهِ وَيَذَرُهُ فَقَدْ خَاطَرَ عَلَى دِينِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ فَقَدْ خَاطَرَ عَلَى دُنْيَاهُ، هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ.
وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي مَنِ الْتَزَمَ الْبَادِيَةَ، وَلَمْ يَحْضُرْ صَلَاةَ الْجُمْعَةِ وَلَا الْجَمَاعَةِ وَلَا مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ، فَقَدْ ظَلَمَ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنِ اعْتَادَ الِاصْطِيَادَ لِلَّهْوِ وَالطَّرَبِ يَكُونُ غَافِلًا ; لِأَنَّ اللَّهْوَ وَالطَّرَبَ يَحْدُثُ مِنَ الْقَلْبِ الْمَيِّتِ، وَأَمَّا مَنِ اصْطَادَ لِلْقُوتِ فَجَازَ لَهُ ; لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَصْطَادُونَ، وَمَنْ دَخَلَ عَلَى السُّلْطَانِ وَدَاهَنَهُ وَقَعَ فِي الْفِتْنَةِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُدَاهِنْ وَنَصَحَهُ وَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ ; فَكَانَ دُخُولُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الْجِهَادِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ (مَنْ لَزِمَ السُّلْطَانَ) ; أَيْ لَازَمَهُ (افْتُتِنَ وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنَ السُّلْطَانِ دُنُوًّا) بِضَمَّتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ ; أَيْ قُرْبًا (إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا) وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - مَرْفُوعًا: «مَنِ ازْدَادَ عِلْمًا وَلَمْ يَزْدَدْ فِي الدُّنْيَا زُهْدًا لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا» .
стр. 5154
٣٧٠٢ - «وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَفْلَحْتَ يَا قُدَيْمُ إِنْ مُتَّ وَلَمْ تَكُنْ أَمِيرًا وَلَا كَاتِبًا وَلَا عَرِيفًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٧٠٢ - (وَعَنِ الْمِقْدَامِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (ابْنِ مَعْدِيكَرِبَ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ) ; أَيْ يَدَيْهِ (عَلَى مَنْكِبَيْهِ) ، إِظْهَارًا لِلشَّفَقَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَتَنْبِيهًا لَهُ عَنْ حَالَةِ الْغَفْلَةِ، (ثُمَّ قَالَ: أَفْلَحْتَ) ; أَيْ ظَفِرْتَ الْمَقْصُودَ الْحَقِيقِيَّ (يَا قُدَيْمُ) تَصْغِيرُ مِقْدَامٍ تَرْخِيصٌ بِحَذْفِ الزَّوَائِدِ، وَهُوَ تَصْغِيرُ تَرْخِيمٍ، كَقَوْلِ لُقْمَانَ يَا بُنَيَّ (إِنْ مُتَّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا (وَلَمْ تَكُنْ أَمِيرًا وَلَا كَاتِبًا) ; أَيْ لَهُ (وَلَا عَرِيفًا) ; أَيْ وَاحِدَ الْعُرَفَاءِ، أَوْ وَلَا مَعْرُوفًا يَعْرِفُكَ النَّاسُ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْخُمُولَ رَاحَةٌ وَالشُّهْرَةَ آفَةٌ، حُكِيَ عَنِ الشَّرِيفِ الْحَسِيبِ النَّسِيبِ ; مَوْلَانَا أَبُو عِزِّ بْنِ بَرَكَاتٍ وَالِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ ; وَالَى عَلَيْهِ بَرَكَاتِ الرَّحْمَةِ - أَنَّهُ قَالَ: السَّعِيدُ مَنْ لَا يَعْرِفُنَا وَلَا نَعْرِفُهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ مَرْفُوعًا ( «أَفْلَحَ مَنْ هُدَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنَعَ بِهِ» ) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ مَرْفُوعًا ( «أَفْلَحَ مَنْ رُزِقَ لُبًّا ; أَيْ عَقْلًا كَامِلًا يَخْتَارُ الْبَاقِيَةَ عَلَى الْفَانِيَةِ وَيُعْرِضُ عَنِ الْعَاجِلَةِ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآجِلَةِ» ) .
стр. 5155
٣٧٠٣ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ يَعْنِي الَّذِي يَعْشُرُ النَّاسَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٣٧٠٣ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) مَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ» ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ. فِي النِّهَايَةِ هُوَ الضَّرِيبَةُ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْمَاكِسُ ; وَهُوَ الْعَشَّارُ (يَعْنِي) ; أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
стр. 5156
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَاحِبِ الْمَكْسِ (الَّذِي يَعْشُرُ النَّاسَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الشِّينِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ، فَفِي الْمَصَابِيحِ يُقَالُ: عَشَرْتُ الْمَالَ عُشْرًا مِنْ بَابِ قَتَلَ، وَعُشُورًا أَخَذْتُ عُشْرَهُ، وَعَشَرْتُ الْقَوْمَ عَشْرًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ صِرْتُ عَاشِرَهُمْ، وَفِي الْقَامُوسِ عَشَرَ يَعْشُرُ أَخَذَ وَاحِدًا مِنْ عَشَرَةٍ، وَزَادَ وَاحِدًا عَلَى تِسْعَةٍ، وَالْقَوْمَ صَارَ عَاشِرَهُمْ وَعَشَرَهُمْ يَعْشُرُهُمْ عَشْرًا وَعُشُورًا وَعَشَّرَهُمْ: أَخَذَ عُشْرَ أَمْوَالِهِمْ، وَالْعَشَّارُ قَابِضُهُ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: هَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ اسْحَقَ ابْنِ مَنْدَهْ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَرَادَ بِصَاحِبِ الْمَكْسِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنَ التُّجَّارِ إِذَا مَرُّوا مَكْسًا بِاسْمِ الْعُشْرِ، فَأَمَّا السَّاعِي الَّذِي يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ وَمَنْ يَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، الْعُشْرَ الَّذِي صُولِحُوا عَلَيْهِ ; فَهُوَ مُحْتَسِبٌ مَا لَمْ يَتَعَدَّ فَيَأْثَمُ بِالتَّعَدِّي وَالظُّلْمِ. اهـ. وَكَذَا مَنْ يَأْخُذُ الْعُشْرَ مِنْ مَالِ الْحَرْبِ إِذَا دَخَلَ دَارَنَا تَاجِرًا بِأَمَانٍ بِشُرُوطِهِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
стр. 5157
٣٧٠٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا: إِمَامٌ عَادِلٌ وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا وَفِي رِوَايَةٍ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا: إِمَامٌ جَائِرٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٣٧٠٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ) ; أَيْ أَكْثَرَهُمْ مَحْبُوبِيَّةً (إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ) ، وَفِي رِوَايَةٍ وَأَدْنَاهُمْ (مِنْهُ مَجْلِسًا) ; أَيْ مَكَانَةً وَمَرْتَبَةً، (إِمَامٌ عَادِلٌ) قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: قَبْلَ زَمَانِنَا مَنْ قَالَ لِسُلْطَانِ أَيَّامِنَا إِنَّهُ عَادِلٌ فَهُوَ كَافِرٌ، (وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا) ; أَيْ لِكَوْنِهِ أَقْوَاهُمْ حِجَابًا، (وَفِي رِوَايَةٍ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ جَائِرٌ) ; أَيْ ظَالِمٌ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) ، وَكَذَا أَحْمَدُ وَرَوَاهُ ابْنُهُ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا ( «إِنَّ أَحَبَّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ أَنْصَحُهُمْ لِعِبَادِهِ» ) .
стр. 5158
٣٧٠٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ قَالَ كَلِمَةَ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٧٠٥ - (وَعَنْهُ) ; أَيْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ قَالَ) ; أَيْ جِهَادُ مَنْ قَالَ، أَوْ أَفْضَلُ أَهْلِ الْجِهَادِ مَنْ قَالَ: (كَلِمَةَ حَقٍّ) ; أَيْ قَوْلَ حَقٍّ وَلَوْ كَانَ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَضَدُّهُ ضِدُّهُ (عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ) ; أَيْ صَاحِبِ جَوْرٍ وَظُلْمٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَنْ تَكَلَّمَ كَلِمَةَ حَقٍّ ; لَا كَلِمَةَ حَقٍّ تَحْمِلُهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا صَارَ ذَلِكَ أَفْضَلَ الْجِهَادِ ; لِأَنَّ مَنْ جَاهَدَ الْعَدُوَّ وَكَانَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، لَا يَدْرِي هَلْ يَغْلِبُ، أَوْ يُغْلَبُ؟ وَصَاحِبُ السُّلْطَانِ مَقْهُورٌ فِي يَدِهِ، فَهُوَ إِذَا قَالَ الْحَقَّ وَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ، فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلتَّلَفِ، فَصَارَ ذَلِكَ أَتْلَفَ أَنْوَاعِ الْجِهَادِ ; مِنْ أَجْلِ غَلَبَةِ الْخَوْفِ وَقَالَ الْمُظْهِرُ: وَإِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ ; لِأَنَّ ظُلْمَ السُّلْطَانِ يَسْرِي فِي جَمِيعِ مَنْ تَحْتَ سِيَاسَتِهِ، وَهُوَ جَمٌّ غَفِيرٌ، فَإِذَا نَهَاهُ عَنِ الظُّلْمِ فَقَدْ أَوْصَلَ النَّفْعَ إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ، بِخِلَافِ قَتْلِ كَافِرٍ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ ; وَهُوَ مُخَالَفَةُ النَّفْسِ ; لِأَنَّهَا تَتَبَرَّأُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَتَبْعُدُ مِنَ الدُّخُولِ فِي هَذَا الْهَوْلِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ النَّصِيحَةِ لِلرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ، وَلِأَنَّ تَخْلِيصَ مُؤْمِنٍ مِنَ الْقَتْلِ مَثَلًا أَفْضَلُ مِنْ قَتْلِ كَافِرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] ، وَلِذَا قَدَّمَ كِتَابَ النِّكَاحِ عَلَى بَابِ السِّيَرِ وَالْجِهَادِ ; لِأَنَّ ; إِيجَادَ مُؤْمِنٍ أَفْضَلُ مِنْ إِعْدَامِ أَلْفِ كَافِرٍ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ مِنَ الْجِهَادِ وُجُودُ الْإِيمَانِ وَأَهْلِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، هَذَا وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي الْإِحْيَاءِ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ مَعَ السُّلْطَانِ التَّعْرِيفُ وَالْوَعْظُ، وَأَمَّا الْمَنْعُ بِالْقَهْرِ ; فَلَيْسَ ذَلِكَ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُحَرِّكُ الْفِتْنَةَ، وَيُهَيِّجُ الشَّرَّ، وَيَكُونُ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مِنَ الْمَحْذُورِ أَكْثَرَ، وَأَمَّا التَّخَشُّنُ فِي الْقَوْلِ كَقَوْلِكُمْ: يَا ظَالِمَ يَا مَنْ لَا يَخَافُ اللَّهَ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ ; فَذَلِكَ إِنْ كَانَ يَتَعَدَّى شَرُّهُ إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، بَلْ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، فَلَقَدْ كَانَ مِنْ عَادَةِ السَّلَفِ التَّعَرُّضُ لِلْأَخْطَارِ وَالتَّصْرِيحُ بِالْإِنْكَارِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ بِهَلَاكِ الْمُهْجَةِ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ جِهَادٌ وَشَهَادَةٌ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) ; أَيْ: عَنْهُ.
стр. 5159
٣٧٠٦ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ.
ــ
٣٧٠٦ - (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ ( «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ.
стр. 5160
٣٧٠٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالْأَمِيرِ خَيْرًا ; جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ، وَإِذَا أَرَادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ، جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ ; إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ، وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٣٧٠٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ) ; أَيْ لِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالْأَمِيرِ) ; أَيْ بِمَنْ يَكُونُ أَمِيرًا (خَيْرًا) فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى (جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ) ; أَيْ قَدَّرَ لَهُ وَزِيرًا صَادِقًا مُصْلِحًا، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْوَزِيرُ الَّذِي يُؤَازِرُ الْأَمِيرَ، فَيَحْمِلُ عَنْهُ مَا حَمَلَهُ مِنَ الْأَثْقَالِ، يَعْنِي أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوِزْرِ، وَهُوَ الْحِمْلُ وَالثِّقَلُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] ; أَيِ انْقَضَى أَمْرُهَا وَخَفَّتْ أَثْقَالُهَا، فَلَمْ يَبْقَ قِتَالٌ، لَكِنَّ أَكْثَرَ مَا يُطْلَقُ فِي الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ عَلَى الذَّنْبِ وَالْإِثْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] فَيُمْكِنُ أَنَّ الْوَزِيرَ سُمِّيَ وَزِيرًا ; لِأَنَّهُ يَتَحَمَّلُ وِزْرَ الْأَمِيرِ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، (إِنْ نَسِيَ) ; أَيِ الْأَمِيرُ حُكْمَ اللَّهِ (ذَكَّرَهُ) بِالتَّشْدِيدِ ; أَيْ أَخْبَرَ الْأَمِيرَ بِهِ (وَإِنْ ذَكَرَ) بِالتَّخْفِيفِ ; أَيْ وَإِنْ تَذَكَّرَهُ الْأَمِيرُ بِنَفْسِهِ (أَعَانَهُ) ; أَيْ حَرَّضَهُ الْوَزِيرُ وَحَرَّضَهُ عَلَيْهِ (وَإِذَا أَرَادَ بِهِ) ; أَيِ اللَّهُ تَعَالَى بِالْأَمِيرِ (غَيْرَ ذَلِكَ) ; أَيْ شَرًّا (جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ) بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمَّةٍ (إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ) ; بَلْ يَصْرِفُهُ عَنْهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَصْلُ وَزِيرِ صِدْقٍ وَزِيرٌ صَادِقٌ، ثُمَّ وَزِيرُ صِدْقٍ عَلَى الْوَصْفِ بِهِ ذِهَابًا إِلَى أَنَّهُ نَفْسُ الصِّدْقِ وَمُجَسَّمٌ عَنْهُ ; يَعْنِي مُبَالَغَةً، ثُمَّ أُضِيفَ إِلَيْهِ لِمَزِيدِ الِاخْتِصَاصِ بِهِ، وَلَمْ يَرِدِ الصِّدْقُ الْاخْتِصَاصَ بِالْقَوْلِ فَقَطْ بِالْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: يُعَبَّرُ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ فَاضِلٍ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَبِالصِّدْقِ، وَيُضَافُ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] وَ (قَدَمَ صِدْقٍ) ، وَعَلَى عَكْسِ ذَلِكَ وَزِيرُ سُوءٍ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، عَنْ مِهْرَانَ مَرْفُوعًا: " «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ خَيْرًا وَلَّى عَلَيْهِمْ حُلَمَاءَهُمْ وَقَضَى بَيْنَهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ وَجَعَلَ الْمَالَ فِي سُمَحَائِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ بِقَوْمٍ شَرًّا وَلَّى عَلَيْهِمْ سُفَهَاءَهُمْ وَقَضَى بَيْنَهُمْ جُهَّالُهُمْ وَجَعَلَ الْمَالَ فِي بُخَلَائِهِمْ» ".
стр. 5161
٣٧٠٨ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٧٠٨ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْأَمِيرَ) وَفِي مَعْنَاهُ الْوَزِيرُ (إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ; أَيِ التُّهْمَةَ (فِي النَّاسِ) ، بِأَنْ طَلَبَ عُيُوبَهُمْ وَتَجَسَّسَ ذُنُوبَهُمْ وَاتَّهَمَهُمْ فِي تَفَحُّصِ أَحْوَالِهِمْ، (أَفْسَدَهُمْ) ; أَيْ أَفْسَدَ عَلَيْهِمْ أُمُورَ مَعَاشِهِمْ، وَنِظَامَ مَعَادِهِمْ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّمَا يَخْلُو عَنْ ذَمٍّ، فَلَوْ أَدَّبَهُمْ لِكُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ بِهِمْ لَشَقَّ الْحَالُ عَلَيْهِمْ، بَلْ يَنْبَغِي لَهُ مَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِمْ، أَلَا تَرَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْحُدُودِ مِنْ تَلْقِينِ الْمُعْتَرِفِ بِالذَّنْبِ دَفْعًا لِدَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «مَنْ سَتَرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ " «مَنْ سَتَرَ عَلَى مُؤْمِنٍ عَوْرَةً فَكَأَنَّمَا أَحْيَا مَيِّتًا» " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ شِهَابٍ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، وَالْمِقْدَامِ وَأَبِي أُمَامَةَ.
стр. 5162
٣٧٠٩ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّكَ إِذَا اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
٣٧٠٩ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّكَ إِذَا اتَّبَعْتَ) مِنَ الِاتِّبَاعِ ; أَيْ تَتَبَّعْتَ (عَوْرَاتِ النَّاسِ) ; أَيْ عُيُوبَهُمُ الْخَفِيَّةَ، وَفِي نُسْخَةٍ ابْتَغَيْتَ ; أَيْ طَلَبْتَ ظُهُورَ مَعَايِبِهُمْ وَخَلَلِهِمْ (أَفْسَدْتَهُمْ) ; أَيْ حَكَمْتَ عَلَيْهِمْ بِالْفَسَادِ، أَوْ أَفْسَدْتَ أَمْرَ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَإِنَّمَا عَمَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْخِطَابِ بِقَوْلِهِ: إِنَّكَ ; وَخَصَّ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْأَمِيرَ ; لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْأَمِيرِ، بَلْ لِكُلِّ مَنْ يَتَأَتَّى مِنَ اتِّبَاعِ الْعَوْرَاتِ مِنَ الْأَمِيرِ وَغَيْرِهِ، لَوْ قُلْنَا إِنَّ الْمُخَاطَبَ مُعَاوِيَةُ ; عَلَى إِرَادَةِ أَنَّهُ سَيَصِيرُ أَمِيرًا فَيَكُونُ مُعْجِزَةً لَكَانَ وَجْهًا وَيَنْصُرُ هَذَا الْوَجْهَ الْحَدِيثُ الْخَامِسُ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
стр. 5163
٣٧١٠ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَيْفَ أَنْتُمْ وَأَئِمَّةً مِنْ بَعْدِي يَسْتَأْثِرُونَ بِهَذَا الْفَيْءِ؟ قُلْتُ أَمَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ أَضَعُ سَيْفِي عَلَى عَاتِقِي، ثُمَّ أَضْرِبُ بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ قَالَ، أَوَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ، تَصْبِرُ حَتَّى تَلْقَانِيَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٧١٠ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ أَنْتُمْ؟) ; قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كَيْفَ؟ سُؤَالٌ عَنِ النَّاسِ، وَعَامِلُهُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ كَيْفَ تَصْنَعُونَ؟ فَلَمَّا حُذِفَ الْفِعْلُ أُبْرِزَ الْفَاعِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠] ، وَالْحَالُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ ; أَتَصْبِرُونَ أَمْ تُقَاتِلُونَ؟ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أَضَعُ سَيْفِيَ، وَقَوْلُهُ ﷺ : تَصْبِرُ حَتَّى تَلْقَانِيَ وَقَوْلُهُ: (وَأَئِمَّةً مِنْ بَعْدِي) مَفْعُولٌ مَعَهُ، وَقَوْلُهُ: (يَسْتَأْثِرُونَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَالْعَامِلُ هُوَ الْمَحْذُوفُ اهـ. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ الْمُوَافِقِ لِمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ كَوْنِ " أَئِمَّةً " بِالنَّصْبِ، وَأَمَّا عَلَى رَفْعِهَا كَمَا فِي النُّسْخَةِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَالْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، فَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مَحَلُّهَا النَّصْبُ عَلَى الْحَالِيَّةِ، وَالْمَعْنَى كَيْفَ حَالُكُمْ؟ وَالْحَالُ أَنَّ أُمَرَاءَكُمْ يَنْفَرِدُونَ، (بِهَذَا الْفَيْءِ) وَيَخْتَارُونَهُ وَلَا يُعْطُونَ الْمُسْتَحِقِّينَ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالْفَيْءُ مَالٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ ; كَالْخَرَاجِ، وَالْجِزْيَةِ، وَأَمَّا الْمَأْخُوذُ بِقِتَالٍ فَيُسَمَّى غَنِيمَةً. اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] الْآيَاتِ وَقَوْلُهُ : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الْآيَةُ وَفِي الْمُغْرِبِ: الْفَيْءُ بِالْهَمْزَةِ ; مَا نِيلَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بَعْدَ مَا تَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَتَصِيرَ الدَّارُ دَارَ الْإِسْلَامِ، حُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُخَمَّسُ، وَالْغَنِيمَةُ مَا نِيلَ مِنْهُمْ عَنْوَةً وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ ; وَحُكْمُهَا أَنْ تُخَمَّسَ، وَسَائِرُ مَا بَعْدَ الْخُمُسِ لِلْغَانِمِينَ خَاصَّةً، وَالنَّفَلُ مَا يَنْفِلُ الْغَازِي ; أَيْ يُعْطَاهُ زَائِدًا عَلَى سَهْمِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْفَيْءُ فِي الْحَدِيثِ يَشْمَلُهَا إِظْهَارًا لِظُلْمِهِمْ، وَاسْتِئْثَارِهِمْ بِمَا لَيْسَ مِنْ حَقِّهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ لِمَزِيدِ تَصْوِيرِ ظُلْمِهِمْ، وَيُبَيِّنُهُ قَوْلُ الْمُظْهِرِ: يَعْنِي يَأْخُذُونَ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ وَمَا حَصَلَ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَيَسْتَخْلِصُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ، وَلَا يُعْطُونَهُ لِمُسْتَحِقِّيهِ، (قُلْتُ أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى أَلَا لِلتَّنْبِيهِ، (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ) ; أَيْ بِالصِّدْقِ، أَوْ مُلْتَبِسًا بِالْحَقِّ (أَضَعُ سَيْفِيَ عَلَى عَاتِقِي، ثُمَّ أَضْرِبُ بِهِ) ; أَيْ أُحَارِبُهُمْ، (حَتَّى أَلْقَاكَ) ; أَيْ أَمُوتَ وَأَصِلَ (إِلَيْكَ) بِالشَّهَادَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: ثُمَّ لِتَّرَاخِي رُتْبَةِ الضَّرْبِ عَنِ الْوَضْعِ، وَعَبَّرَ مِنْ كَوْنِهِ شَهِيدًا بِقَوْلِهِ: حَتَّى أَلْقَاكَ ; وَ (حَتَّى) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى: كَيْ، وَبِمَعْنَى الْغَايَةِ (قَالَ: أَوَلَا أَدُلُّكَ؟) وَفِي نُسْخَةٍ أَفَلَا أَدُلُّكَ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ: دَخَلَ حَرْفُ الْعَطْفِ بَيْنَ كَلِمَةِ التَّنْبِيهِ الْمُرَكَّبَةِ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَ (لَا) النَّافِيَةِ وَجُعِلَتَا جُمْلَتَيْنِ ; أَيْ أَتَفْعَلُ هَذَا وَلَا أَدُلُّكَ؟ ( «عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ تَصْبِرُ» ) خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ ; أَيِ اصْبِرْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَلَا تُحَارِبْهُمْ (حَتَّى تَلْقَانِيَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ.
стр. 5164
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٧١١ - عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ» .
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٧١١ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَتَدْرُونَ) ; أَيْ تَعْلَمُونَ (مَنِ السَّابِقُونَ) مَنِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، عَلَّقَتْ عَمَلَ الدِّرَايَةِ وَسَدَّتْ بِمَا بَعْدَهُ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ; أَيِ الْمُسَارِعُونَ (إِلَى ظِلِّ اللَّهِ) ; أَيْ ظِلِّ عَرْشِهِ، أَوْ تَحْتَ حِمَايَتِهِ (عَزَّ) ; أَيْ ذَاتُهُ (وَجَلَّ) ; أَيْ صِفَاتُهُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظَرْفٌ لِلسَّبْقِ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ إِذَا أُعْطِيَ لَهُمْ حَقُّهُمْ، أَوْ قِيلَ لَهُمْ كَلِمَةُ الْحَقِّ (قَبِلُوهُ) ; أَيْ أَخَذُوهُ، أَوِ انْقَادُوهُ (وَإِذَا سُئِلُوهُ) ، وَفِي نُسْخَةٍ بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، (بَذَلُوهُ) وَفِي نُسْخَةٍ بِحَذْفِ الضَّمِيرِ فِيهِمَا ; أَيْ وَإِذَا سُئِلُوا عَنْ كَلِمَةِ الْحَقِّ ; أَجَابُوهُ وَلَمْ يَكْتُمُوهُ، وَلَمْ يَخَافُوا فِيهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، أَوْ إِذَا طَالَبَهُمْ أَحَدٌ حَقَّهُ بَذَلُوهُ بِالْإِعْطَاءِ عَلَى وَجْهِ الْإِيفَاءِ، (وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ) ; أَيْ لِلْأَجَانِبِ وَلَوْ كَانَ حَقِيرًا (كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ) ; أَيْ لِذَوَاتِهِمْ وَقَرَابَاتِهِمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ: ( «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» ) قَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُ الْحَقِّ الْمُطَابَقَةُ وَالْمُوَافَقَةُ لِمُطَابَقَةِ رَجُلِ الْبَابِ فِي حَقِّهِ لِدَوَرَانِهِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، وَالْحَقُّ يُقَالُ عَلَى أَوْجُهٍ: لِمُوجِدِ الشَّيْءِ بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ وَلِهَذَا قِيلَ فِي اللَّهِ تَعَالَى: هُوَ الْحَقُّ وَلِمَا يُوجَدُ بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: فِعْلُ اللَّهِ كُلُّهُ حَقٌّ، وَلِلْاعْتِقَادِ فِي الشَّيْءِ الْمُطَابِقِ لِمَا عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ فِي نَفْسِهِ، وَلِلْفِعْلِ وَلِلْقَوْلِ الْوَاقِعِ بِحَسَبِ مَا يَجِبُ، وَقَدْرِ مَا يَجِبُ، وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجِبُ، كَقَوْلِنَا: فِعْلُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٦] وَيُقَالُ: أَحْقَقْتُ كَذَا ; أَيْ أَثْبَتُّهُ حَقًّا، أَوْ حَكَمَتْ بِكَوْنِهِ حَقًّا، قَالَ الطِّيبِي: يُمْكِنُ أَنْ يَنْزِلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَكْثَرِ هَذِهِ الْمَعَانِي ; أَحَدُهَا: عَلَى الْفِعْلِ الْحَقِّ، وَالْقَوْلِ الْحَقِّ، وَالْمُرَادُ بِالسَّابِقُونَ ; الْعَادِلُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : " «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ» " يَعْنِي ; إِذَا نَصَحَهُمْ نَاصِحٌ وَأَظْهَرَ كَلِمَةَ الْحَقِّ الْعَادِلُ قَبِلُوهَا، وَفَعَلُوا مُقْتَضَاهَا مِنَ الْبَذْلِ لِلرَّعِيَّةِ، وَمِنَ الْحُكْمِ بِالسَّوِيَّةِ، وَثَانِيهَا: عَلَى الْوَاجِبِ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْعَطِيَّاتِ ; يَعْنِي إِذَا ثَبَتَ لَهُ حَقٌّ ثَابِتٌ، إِذَا أُعْطِيَ قَبِلَ، ثُمَّ بَذَلَ لِلْمُسْتَحِقِّينَ لِيَنَالَ دَرَجَةَ الْأَسْخِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ سِرًا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ لَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ: «خُذْهُ فَتَمَوَّلَهُ، وَتَصَدَّقَ بِهِ» . الْحَدِيثَ. وَثَالِثُهُمَا: عَلَى مَا يُوجَدُ بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵊: «كَلِمَةُ الْحَقِّ ضَالَّةُ الْحَكِيمِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» ; لِأَنَّهُ يَعْلَمُهَا وَيَعْمَلُ بِهَا وَيُعْلِمُهَا غَيْرَهُ، فَعِلْمُهُ بِهَا هُوَ الْقَبُولُ، وَتَعْلِيمُ الْغَيْرِ هُوَ الْبَذْلُ، وَالْعَمَلُ بِهَا هُوَ الْحُكْمُ، وَلَعَمْرِي إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي هِيَ ضَالَّةُ كُلِّ حَكِيمٍ ; فَالْمُرَادُ بِالسَّابِقِينَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ ; هُمُ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ.
стр. 5165
٣٧١٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ثَلَاثٌ أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي: الِاسْتِسْقَاءُ بِالْأَنْوَاءِ وَحَيْفُ السُّلْطَانِ وَتَكْذِيبٌ بِالْقَدَرِ» .
ــ
٣٧١٢ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ثَلَاثٌ) ; أَيْ مِنَ الْخِصَالِ، وَفِي نُسْخَةٍ: ثَلَاثَةٌ ; أَيْ مِنَ الْأَفْعَالِ، (أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي) ; أَيْ مِنْ وُقُوعِهِمْ فِيهَا، أَوْ مِنْ عَدَمِ احْتِرَازِهِمْ عَنْهَا (الِاسْتِسْقَاءُ) ; أَيْ طَلَبُ الْمَطَرِ وَالْمَاءِ (بِالْأَنْوَاءِ) ; أَيْ بِظُهُورِ الْكَوَاكِبِ، أَوْ بِمَنَازِلِ الْقَمَرِ فِي السَّمَاءِ، قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الْأَنْوَاءُ هِيَ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً يَنْزِلُ الْقَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي مَنْزِلَةٍ مِنْهَا وَيَسْقُطُ فِي الْمَغْرِبِ كُلَّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَنْزِلَةَ طُلُوعِ الْفَجْرِ
стр. 5166
وَتَطْلُعُ أُخْرَى فِي مُقَابَلَتِهَا ذَلِكَ الْوَقْتَ فِي الشَّرْقِ، فَيَنْقَضِي جَمِيعُهَا فِي انْقِضَاءِ السَّنَةِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ بِسُقُوطِ الْمَنْزِلَةِ وَطُلُوعِ رَقِيبِهَا يَكُونُ مَطَرًا وَيَنْسِبُونَهُ إِلَيْهَا، فَيَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَإِنَّمَا سُمِّيَ نَوْءًا ; لِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ السَّاقِطُ مِنْهَا بِالْمَغْرِبِ نَاءَ الطَّلْعُ بِالْمَشْرِقِ، مِنْ نَاءَ يَنُوءُ نَوْءًا ; أَيْ نَهَضَ وَطَلَعَ، وَقِيلَ أَرَادَ بِالنَّوْءِ الْغُرُوبَ، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَإِنَّمَا غَلَّظَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَمْرِ الْأَنْوَاءِ ; لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَنْسِبُ الْمَطَرَ إِلَيْهَا، فَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الْمَطَرَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا ; أَيْ فِي وَقْتِ كَذَا وَهُوَ هَذَا النَّوْءُ الْفُلَانِيُّ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَجْرَى الْعَادَةَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَطَرُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، أَقُولُ الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ ; هُوَ الْمَنْعُ الْمُطْلَقُ سَدًّا لِلْبَابِ وَقَطْعَهُ لِلنَّظَرِ عَنِ الْأَسْبَابِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَتَخَلَّفُ بِتَقْدِيرِ رَبِّ الْأَرْبَابِ، وَلِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤] ; أَيْ وَفِي وَقْتٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ (وَحَيْفُ السُّلْطَانِ) ; أَيْ جَوْرُهُ وَظُلْمُهُ (وَتَكْذِيبٌ بِالْقَدَرِ) ; أَيْ بِأَنَّ خَيْرَهُ وَشَرَّهُ وَحُلْوَهُ وَمُرَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّهُ خَافَ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ ; لِأَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْأَسْبَابَ مُسْتَقِلَّةٌ، وَتَرَكَ النَّظَرَ إِلَى الْمُسَبِّبِ، وَقَعَ فِي شَرَكِ الشِّرْكِ، وَمَنْ كَذَّبَ الْقَدَرَ، وَقَالَ: الْأَمْرُ أُنُفٌ ; وَقَعَ فِي حَرْفِ التَّعْلِيلِ، وَمَنِ افْتُتِنَ بِالسُّلْطَانِ الْجَائِرِ يَأْتِيهِ الضَّلَالُ.
стр. 5167
٣٧١٣ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سِتَّةَ أَيَّامٍ اعْقِلْ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا يُقَالُ لَكَ بَعْدُ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّابِعُ قَالَ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِهِ وَإِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ وَلَا تَسْأَلَنَّ أَحَدًا شَيْئًا وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُكَ وَلَا تَقْبِضْ أَمَانَةً وَلَا تَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ» .
ــ
٣٧١٣ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي) ; أَيْ خُصُوصًا، أَوْ خِطَابًا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِتَّةَ أَيَّامٍ) ظَرْفُ الْقَوْلِ، وَالْمَقُولُ قَوْلُهُ: (اعْقِلْ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا يُقَالُ لَكَ) ; أَيْ تَفَكَّرْ وَتَأَمَّلْ وَاحْفَظْ وَاعْمَلْ بِمُقْتَضَى مَا أَقُولُ لَكَ ; (بَعْدُ) ; أَيْ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] وَقِيلَ: (سِتَّةَ أَيَّامٍ) ظَرْفُ (اعْقِلْ) ; وَقَوْلُهُ: مَا يُقَالُ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ أَيْ شَيْءٌ أَعْقِلُ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ، ( «فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّابِعُ قَالَ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِهِ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ ; لِيُنَبِّهَ أَنَّ مَا يَقُولُهُ بَعْدُ مَعْنًى يَجِبُ تَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ، وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ، وَلَعَمْرِي إِنَّ الْكَلِمَةَ الْأُولَى لَوْ أَدَّى حَقَّهَا لَكَفَى بِهَا كَلِمَةً جَامِعَةً، قُلْتُ: وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] وَعَنْهُ ﵊: ( «إِنِّي أَعْلَمُ آيَةً لَوْ أَخَذَ النَّاسُ بِهَا لَكَفَتْهُمْ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] الْآيَةَ فَمَا زَالَ يَقْرَأُهَا وَيُعِيدُهَا» ) وَجَاءَ فِي حَدِيثِ ( «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ رَأَسُ كُلِّ شَيْءٍ» ) وَفِي رِوَايَةٍ ( «فَإِنَّهُ رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ; أَيْ تُنَزِّهُ عَمَّا يَشْغَلُ سِرَّكَ عَنِ الْحَقِّ وَتُوَجِّهُ بِسَرَائِرِكَ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا، وَهَذِهِ هِيَ التَّقْوَى الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى الشَّهَوَاتِ، وَمُقْتَضَى الْبَهِيمِيَّةِ، وَالسَّبُعِيَّةِ، وَالْمَلَكِيَّةِ، فَإِذَا ثَارَتْ مِنْ تِلْكَ الرَّذَائِلِ رَذِيلَةٌ يُطْفِئُهَا بِمُقْتَضَى الْمَلَكِيَّةِ، كَمَا قَالَ ﷺ : ( «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» ) وَهُوَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ ; أَحَدَهُمَا: أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ مَعْصِيَةً يُحْدِثُهَا تَوْبَةً، أَوْ طَاعَةً، وَإِذَا أَسَاءَ إِلَى شَخْصٍ أَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] الْآيَةَ (وَلَا تَسْأَلَنَّ أَحَدًا) ; أَيْ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ (شَيْئًا) فِيهِ انْتِهَاءُ دَرَجَةِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَتَفْوِيضُ الْأُمُورِ إِلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُكَ) تَتْمِيمٌ لَهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ ذُلٌّ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا لِلْعَزِيزِ الْكَرِيمِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ حَرَامٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الشِّكَايَةِ مِنَ الرَّبِّ الرَّحِيمِ، وَلِذَا كَانَ يَقُولُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ سُجُودِ غَيْرِكَ فَصُنْ وَجْهِي عَنْ مَسْأَلَةِ غَيْرِكَ. وَفِي حَدِيثِ: «إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ سَائِلًا فَسَلِ الصَّالِحِينَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ الْفِرَاسِيِّ (وَلَا تَقْبِضْ أَمَانَةً) ; أَيْ مِنَ النَّاسِ بِلَا ضَرُورَةِ مَخَافَةَ الْخِيَانَةِ وَلِكَوْنِهَا
стр. 5168
مَظِنَّةَ التُّهَمَةِ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى ثِقَلِ مَحْمِلِهَا، وَصُعُوبَةِ أَدَائِهَا، وَلِذَلِكَ مَثَّلَ اللَّهُ تَعَالَى مَا لَهُ مِنَ التَّكْلِيفَاتِ عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] (وَلَا تَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ) ; أَيْ لَا تَحْكُمْ بَيْنَ شَخْصَيْنِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊: ( «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» ) وَسَيَأْتِي، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا نَهَى أَبَا ذَرٍّ عَنْ قَبْضِ الْأَمَانَةِ، وَالْحُكْمِ فِي الْخُصُومَةِ ; لِضَعْفِهِ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا كَمَا سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ لَمَّا طَلَبَ الْإِمَارَةَ ; قَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ»
".
стр. 5169
٣٧١٤ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَّا أَتَاهُ اللَّهَ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ فَكَّهُ بِرُّهُ، أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
ــ
٣٧١٤ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَّا أَتَاهُ اللَّهُ ; أَيْ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ، أَوْ مَلَائِكَتُهُ حَالَ كَوْنِهِ (مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَفِي نُسْخَةٍ: إِلَّا أَتَى اللَّهَ وَهُوَ ظَاهِرٌ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ) ; أَيْ مُنْضَمَّةٌ إِلَيْهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ (يَدُهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِ (مَغْلُولًا) ، (وَإِلَى عُنُقِهِ) حَالٌ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَعَلِّقًا بِ (مَغْلُولًا) ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَ (إِلَى عُنُقِهِ) خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ إِمَّا مُسْتَأْنَفَةٌ، أَوْ حَالٌ بَعْدَ حَالٍ، وَحِينَئِذٍ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ; إِمَّا ظَرْفٌ لَ (أَتَاهُ) وَهُوَ الْأَوْجَهُ، أَوْ لِ (مَغْلُولًا) ، وَإِذَا كَانَتْ مُسْتَأْنَفَةً كَانَتْ بَيَانًا لِ (مَغْلُولًا) ، وَالْجُمْلَتَانِ مُسْتَأْنَفَتَانِ مَبْنِيَّتَانِ لِلْمَجْمُوعِ، كَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَ أَوَّلًا عَنْ كَيْفِيَّةِ هَيْئَةِ الْمَغْلُولِ؟ فَأُجِيبَ: يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، ثُمَّ سَأَلَ ثَانِيًا: فِيمَا يَجْرِي عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُجِيبَ: (فَكَّهُ بِرُّهُ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ; أَيْ خَلَّصَهُ عَدْلُهُ وَإِحْسَانُهُ (أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ) ; أَيْ أَهْلَكَهُ ظُلْمُهُ وَعِصْيَانُهُ (أَوَّلُهَا) ; أَيِ ابْتِدَاءُ الْإِمَارَةِ (مَلَامَةٌ) ; أَيْ عِنْدِ أَهْلِ السَّلَامَةِ (وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ) ; أَيْ لِلنَّفْسِ الْلَوَّامَةِ (وَآخِرُهَا) ; أَيْ نَتِيجَتُهَا (خِزْيٌ) ; أَيْ فَضِيحَةٌ تَامَّةٌ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فَإِنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ، وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ سُؤَالُ وَجَوَابٍ ; أَوْرَدَهُمَا الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ آخِرُ الشَّيْءِ مُنْقَضَاهُ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَخَلَّلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُوَ أَخِرُهُ غَيْرُهُمَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِمَارَةَ تَنْقَضِي فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَكُونُ الْخِزْيُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخِرَهُ؟ قُلْتُ: تُعْتَبَرُ صِفَةُ الْإِمَارَةِ مُسْتَمِرَّةً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، ثُمَّ قَالَ: قَوْلُهُ: أَوَّلُهُمَا مَلَامَةٌ ; إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ يَتَصَدَّى لِلْوِلَايَةِ الْغَالِبَ غَيْرُ مُجَرِّبٍ لِلْأُمُورِ، يَنْظُرُ إِلَى مَلَاذِهَا ظَاهِرًا فَيَحْرِصُ فِي طَلَبِهَا، وَيَلُومُهُ أَصْدِقَاؤُهُ، ثُمَّ إِذَا بَاشَرَهَا يَلْحَقُهُ تِبَاعَتُهَا وَمَا تَئُولُ إِلَيْهِ مِنْ وَخَامَةِ عَاقِبَتِهَا ; نَدَمٌ وَفِي الْآخِرَةِ خِزْيٌ وَنَكَالٌ. وَهَذَا عَلَى رَأَيِ مَا قَالَ: إِنَّ الْجُمَلَ الْمُتَنَاسِقَةَ ; إِذَا أُتِيَ بِقَيْدٍ بَعْدَهَا بِالْأَخِيرِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا تَكُونُ الْمَلَامَةُ وَالنَّدَامَةُ وَالْخِزْيُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: أَتَاهُ اللَّهُ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَإِنَّ إِتْيَانَهُ مَغْلُولًا يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ هُوَ الذُّلُّ وَالْهَوَانُ.
стр. 5170
٣٧١٥ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا مُعَاوِيَةُ إِنْ وُلِّيتَ أَمْرًا فَاتَّقِ اللَّهَ وَاعْدِلْ قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَظُنُّ أَنِّي مُبْتَلًى بِعَمَلٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى ابْتُلِيتُ» .
ــ
٣٧١٥ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا مُعَاوِيَةُ إِنْ وُلِّيتَ) بِضَمِّ وَاوٍ وَتَشْدِيدِ لَامٍ مَكْسُورَةٍ ; أَيْ جُعِلْتَ وَالِيًا (أَمْرًا) ; أَيْ مِنْ أُمُورِ الْوِلَايَةِ وَالْحُكُومَةِ (فَاتَّقِ اللَّهَ) ; أَيْ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ (وَاعْدِلْ) ; أَيْ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ (قَالَ) ; أَيْ مُعَاوِيَةُ (فَمَا زِلْتُ أَظُنُّ أَنِّي مُبْتَلًى بِعَمَلٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى ابْتُلِيتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَحَتَّى غَايَةٌ لِقَوْلِهِ: أَظُنُّ، أَوْ فَمَا زِلْتُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِيهِ لِلتَّسَبُّبِ ; يَعْنِي بِسَبَبِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَحُصُولِ ظَنِّي فَإِنَّ حَمْلَ " إِنْ " قَوْلَهُ ﷺ : (إِنْ وُلِّيتَ) عَلَى الْجَزْمِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: " إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ " وَكَأَنَّ الْمَلَكَ أَخْبَرَهُ بِالْقَضِيَّةِ، كَانَ الظَّنُّ بِمَعْنَى الْيَقِينِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] فَيَكُونُ مَعْنَى الْغَايَةِ فِي (حَتَّى) نَقْلًا مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى حَقِّ الْيَقِينِ، وَإِنْ حُمِلَ التَّرْدِيدُ فَالظَّنُّ مَجْرِيٌّ عَلَى مَعْنَاهُ ; لِأَنَّ تَرْدِيدَ مِثْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; لَا يَكُونُ إِلَّا رَاجِحًا عِنْدَ أُمَّتِهِ فَمَعْنَى الْغَايَةِ فِي (حَتَّى) النَّقْلُ مِنَ الظَّنِّ إِلَى الْيَقِينِ.
стр. 5171
٣٧١٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ رَأْسِ السَّبْعِينَ وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ» . رَوَى الْأَحَادِيثَ السِّتَّةَ أَحْمَدُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.
ــ
٣٧١٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ رَأْسِ السَّبْعِينَ» ) ; أَيْ مِنْ فِتْنَةٍ تَنْشَأُ فِي ابْتِدَاءِ السَّبْعِينَ مِنْ تَارِيخِ الْهِجْرَةِ، أَوْ وَفَاتِهِ ﵊، (وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ; أَيْ وَمِنْ حُكُومَةِ الصِّغَارِ الْجُهَّالِ كَيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَأَوْلَادِ الْحَكَمِ بْنِ مَرْوَانَ، وَأَمْثَالِهِمْ وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ " وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ " حَالٌ ; أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الصِّبْيَانَ أُمَرَاءُ يُدَبِّرُونَ أَمْرَ أُمَّتِي، وَهُمْ أُغَيْلِمَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَنَامِهِ يَلْعَبُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ ﵊، وَقَدْ جَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] أَنَّهُ ﷺ رَأَى فِي الْمَنَامِ ; أَنَّ وَلَدَ الْحَكَمِ يَتَدَاوَلُونَ الْمِنْبَرَ كَمَا يَتَدَاوَلُ الصِّبْيَانُ الْكُرَةَ، (رَوَى الْأَحَادِيثَ السِّتَّةَ) ; أَيْ مِنْ أَوَّلِ الْفَصْلِ (أَحْمَدُ) وَوَافَقَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، وَلَفْظُهُ «إِنْ شِئْتُمْ أَنْبَأْتُكُمْ عَنِ الْإِمَارَةِ، وَمَا هِيَ ; أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ، وَثَانِيهَا نَدَامَةٌ، وَثَالِثُهَا عَذَابُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ عَدَلَ» . (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدٍ وَاهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَمُعَاوِيَةُ، إِذْ أَقْبَلَ عَلِيٌّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاوِيَةَ: أَتُحِبُّ عَلِيًّا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّهَا سَتَكُونُ بَيْنَكُمَا هُنَيَّةٌ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: عَفْوُ اللَّهِ وَرِضْوَانُهُ، قَالَ: رَضِينَا بِقَضَاءِ اللَّهِ فَنَزَلَ ; ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] » كَذَا فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ فِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ.
стр. 5172
٣٧١٧ - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ هَاشِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَمَا تَكُونُونَ كَذَلِكَ يُؤَمَّرُ عَلَيْكُمْ» .
ــ
٣٧١٧ - (وَعَنْ يَحْيَى بْنِ هَاشِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّحَابَةِ، وَقَالَ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ رَأَى عَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَسَمِعَ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَرَوَى عَنْهُ الْأَعْمَشُ وَشُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ، كَثِيرُ الرِّوَايَةِ، وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَالسَّبِيعِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَمَا تَكُونُونَ) ; أَيْ مِثْلُ مَا تَكُونُونَ فِي الصَّلَاحِ وَضِدِّهِ (كَذَلِكَ) ; أَيْ مِثْلُهُ وَعَلَى وَفْقِهِ (يُؤَمَّرُ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ ; أَيْ يُجْعَلُ أَمِيرًا وَحَاكِمًا (عَلَيْكُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْكَافُ مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ (يُؤَمَّرُ) ، وَكَذَلِكَ جِيءَ بِهِ تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا لِلتَّشْبِيهِ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ: أَعْمَالُكُمْ عُمَّالُكُمْ، وَالْحَدِيثُ يُوَضِّحُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي لِأَبِي الدَّرْدَاءِ اهـ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، بِلَفْظِ " «كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ» " رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السِّبِيعِيِّ مُرْسَلًا اهـ. وَقَوْلُهُ: كَمَا تَكُونُوا بِحَذْفِ النُّونِ ; وَيُوَلَّى بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ الْمُنْقَلِبَةِ أَلِفًا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي لَفْظِ الزَّرْكَشِيِّ وَقَالَ: رَوَاهُ ابْنُ جُمَيْعٍ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مُنْقَطِعٌ وَفِي مُخْتَصَرِ الْمَقَاصِدِ لِابْنِ الرَّبِيعِ ; حَدِيثُ " كَمَا تَكُونُونَ " بِإِثْبَاتِ النُّونِ " يُوَلَّى عَلَيْكُمْ "، أَوْ يُؤَمَّرُ عَلَيْكُمْ بِصِيغَةِ الشَّكِّ، أَخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ مَرْفُوعًا وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ (يُؤْمَرُ عَلَيْكُمْ بِدُونِ شَكٍّ ; وَبِحَذْفِ أَبِي بَكْرَةَ وَقَالَ: إِنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَفِي طَرِيقِهِ يَحْيَى بْنُ هَاشِمٍ، وَهُوَ فِي عِدَادِ مَنْ يَضَعُ اهـ. وَوَجْهُ حَذْفِ النُّونِ أَنَّ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ عَمِلَتْ عَمَلَ (أَنْ) كَمَا أَنَّهَا عُومِلَتْ مُعَامَلَةَ (مَا) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] بِالرَّفْعِ فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ.
стр. 5173
٣٧١٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ السُّلْطَانَ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، يَأْوِي إِلَيْهِ كُلُّ مَظْلُومٍ مِنْ عِبَادِهِ، فَإِذَا عَدَلَ ; كَانَ لَهُ الْأَجْرُ وَعَلَى الرَّعِيَّةِ الشُّكْرُ، وَإِذَا جَارَ كَانَ عَلَيْهِ الْإِصْرُ وَعَلَى الرَّعِيَّةِ الصَّبْرُ» .
ــ
٣٧١٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ السُّلْطَانَ ظِلُّ اللَّهِ» ) وَفِي رِوَايَةٍ ظِلُّ الرَّحْمَنِ (فِي الْأَرْضِ) ; لِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْأَذَى عَنِ النَّاسِ كَمَا يَدْفَعُ الظِّلُّ أَذَى حَرِّ الشَّمْسِ، وَقَدْ يُكَنَّى بِالظِّلِّ عَنِ الْكَنَفِ وَالْحِمَايَةِ ; كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ظِلُّ اللَّهِ تَشْبِيهٌ وَقَوْلُهُ ( «يَأْوِي إِلَيْهِ كُلُّ مَظْلُومٍ مِنْ عِبَادِهِ» ) جُمْلَةٌ مُبِيِّنَةٌ، كَمَا شُبِّهَ بِهِ السُّلْطَانُ بِالظِّلِّ ; أَيْ لِمَا أَنَّ النَّاسَ يَسْتَرْوِحُونَ إِلَى بَرْدِ الظِّلِّ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ ; كَذَلِكَ يَسْتَرْوِحُونَ إِلَى بَرْدِ عَدْلِهِ مِنْ حَرِّ الظُّلْمِ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى اللَّهِ تَشْرِيفًا لَهُ كَبَيْتِ اللَّهِ، وَنَاقَةِ اللَّهِ، وَإِيذَانًا بِأَنَّهُ ظِلٌّ لَيْسَ كَسَائِرِ الظِّلَالِ ; بَلْ لَهُ شَأْنٌ وَمَزِيدُ اخْتِصَاصٍ بِاللَّهِ، لَمَّا جُعِلَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ يَنْشُرُ عَدْلَهُ وَإِحْسَانَهُ فِي عِبَادِهِ، وَلَمَّا كَانَ فِي الدُّنْيَا ظِلَّ اللَّهِ، يَأْوِي إِلَيْهِ كُلُّ مَلْهُوفٍ يَأْوِي هُوَ فِي الْآخِرَةِ إِلَى ظِلِّ عَرْشِهِ ; يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ( «فَإِذَا عَدَلَ كَانَ لَهُ الْأَجْرُ وَعَلَى الرَّعِيَّةِ الشُّكْرُ وَإِذَا جَارَ» " وَفِي رِوَايَةٍ، أَوْ حَافَ، أَوْ ظَلَمَ (كَانَ عَلَيْهِ الْإِصْرُ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ; أَيِ الْوِزْرُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (وَعَلَى الرَّعِيَّةِ الصَّبْرُ) ; فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ الْعَادِلَ نِعْمَةٌ وَمِنْحَةٌ، وَالسُّلْطَانُ الظَّالِمُ نِقْمَةٌ وَمِحْنَهٌ ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] وَ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١] ; أَيْ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، إِذْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ " «الْإِيمَانُ نِصْفَانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ، وَنِصْفٌ شُكْرٌ» " وَفَّقَنَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ دَلَّتِ الْإِضَافَةُ وَقَوْلُهُ: يَأْوِي إِلَيْهِ كُلُّ مَظْلُومٍ ; أَنَّ السُّلْطَانَ عَادِلٌ ; فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولَ: وَإِذَا جَارَ كَانَ عَلَيْهِ الْإِصْرُ؟ قُلْتُ: قَوْلُةُ: السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ، بَيَانٌ لِشَأْنِهِ، وَأَنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، فَإِذَا جَارَ كَأَنَّهُ خَرَجَ عَمَّا مَنْ شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ ظِلَّ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَيْهِ ﴿يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: ٢٦] فَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِالْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ، وَنَهَى عَمَّا لَا يُنَاسِبُ، أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ السُّلْطَانَ ظِلُّ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالتَّقْسِيمُ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ الْأَغْلَبِ عَلَيْهِ ; مِنَ الْعَدْلِ، أَوِ الْجَوْرِ، أَوْ بِخُصُوصِ قَضِيَّةٍ جُزْئِيَّةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ ; فَيَجِبُ الصَّبْرُ وَالشُّكْرُ عَلَى الرَّعِيَّةِ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْحِكْمَةِ الْعَلِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ: " «سَيَلِيكُمْ أُمَرَاءُ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَمَا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِمْ أَكْثَرُ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَلَهُمُ الْأَجْرُ وَعَلَيْكُمُ الشُّكْرُ وَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَعَلَيْهِمُ الْوِزْرُ وَعَلَيْكُمُ الصَّبْرُ» "، ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ السُّلْطَانَ حِينَ ظُلْمِهِ إِنَّمَا يَكُونُ ظِلَّ الشَّيْطَانِ ; لَكِنَّهُ بِإِرَادَةِ الرَّحْمَنِ، فَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: السُّلْطَانُ الْعَادِلُ الْمُتَوَاضِعُ ظِلُّ اللَّهِ وَرُوحُهُ فِي الْأَرْضِ، يَرْفَعُ لَهُ عَمَلَ سَبْعِينَ صِدِّيقًا، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ: السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ غَشَّهُ ضَلَّ وَمَنْ نَصَحَهُ اهْتَدَى، وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَنَسٍ: " السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ بَلَدًا لَيْسَ فِيهِ سُلْطَانٌ فَلَا يُقِيمَنَّ بِهَا "، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يَأْوِي إِلَيْهِ الضَّعِيفُ وَبِهِ يَنْتَصِرُ الْمَظْلُومُ وَمَنْ أَكْرَمَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
стр. 5174
٣٧١٩ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ; إِمَامٌ عَادِلٌ رَفِيقٌ، وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ جَائِرٌ خَرِقٌ» .
ــ
٣٧١٩ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ عَادِلٌ رَفِيقٌ» ) ; أَيْ لَيِّنُ الْجَانِبِ مَعَ الْأَقَارِبِ وَالْأَجَانِبِ، لَطِيفٌ مَعَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ ( «وَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) ، وَفِي الْعُدُولِ عَنْ شَرِّ عِبَادِ اللَّهِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْمُقَابَلَةُ ; مَا لَا يَخْفَى مِنَ النُّكْتَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ سَيِّئُ الْمُعَامَلَةِ (إِمَامٌ جَائِرٌ) ; أَيْ ظَالِمٌ (خَرِقٌ) بِفَتْحٍ فَكَسَرٍ ; صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنَ الْخَرْقِ ; وَهُوَ ضِدُّ الرِّفْقِ، وَفِي الْحَدِيثِ " «الرِّفْقُ يُمْنٌ وَالْخَرَقُ شُؤْمٌ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ بَابَ الرِّفْقِ فَإِنَّ الرِّفْقَ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا زَانَهُ وَإِنَّ الْخَرَقَ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا شَانَهُ» " الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَجُعِلَ الرَّفِيقَ لِلْعَادِلِ مِنْ بَابِ التَّكْمِيلِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ تَعَالَى وَسَلَّمَ لَمَّا وَصَفَهُ بِالْعَادِلِ ; رَأَى أَنَّ الْوَصْفَ بِمُجَرَّدِ الْعَدْلِ غَيْرُ وَافٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْعَادِلُ جَافِيًا غَلِيظَ الْقَلْبِ فَكَمَّلَهُ بِالرَّفِيقِ، وَجَعَلَ الْجَائِرَ مُرَدِفًا بِالْخَرَقِ مِنْ بَابِ التَّتْمِيمِ ; لِأَنَّ الثَّانِي زَادَ مُبَالَغَةً فِي مَعْنَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الْجَفَاءَ وَالْغِلْظَةَ تَزِيدُ فِي جَوْرِهِ وَخَرَقِهِ.
стр. 5175
٣٧٢٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَظَرَ إِلَى أَخِيهِ نَظْرَةً يُخِيفُهُ أَخَافَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَى الْأَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَقَالَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى: هَذَا مُنْقَطِعٌ وَرِوَايَتُهُ ضَعِيفٌ.
ــ
٣٧٢٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ نَظَرَ إِلَى أَخِيهِ) ; أَيِ الْمُسْلِمِ (نَظْرَةً يُخِيفُهُ) جَوَّزَ أَنْ يَكُنْ حَالًا مِنْ فَاعِلِ نَظَرَ، وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَصْدَرِ عَلَى حَذْفِ الرَّاجِعِ ; أَيْ بِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ (يُخِيفُهُ بِهَا فِي غَيْرِ حَقٍّ) ، (أَخَافَهُ اللَّهُ) ; أَيْ بِنَظَرِ غَضَبٍ عَلَيْهِ جَزَاءً وِفَاقًا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ، وَذَكَرَ أَخِيهِ لِلْاسْتِعْطَافِ ; يَعْنِي أَنَّ الْأُخُوَّةَ تَقْتَضِي الْأُمْنِيَةَ لَا سِيَّمَا أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، قُلْتُ: وَإِيرَادُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِخَافَةِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَكَيْفَ بِمَا فَوْقَهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَظْلَمَةِ؟ وَيُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِهِ ; أَنَّ مَنْ نَظَرَ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ إِلَى أَخِيهِ ; نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْعِنَايَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا رَوَى الْحَكِيمُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ; أَيْضًا: بِلَفْظِ ( «مَنْ نَظَرَ إِلَى أَخِيهِ نَظْرَةَ وُدٍّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» ، (رَوَى الْأَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَقَالَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى) ; أَيْ فِي شَأْنِهِ (هَذَا مُنْقَطِعٌ) ; أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ لَهُ عِلَّةُ الِانْقِطَاعِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِرْسَالُ ; لِأَنَّهُ حَذَفَ الصَّحَابِيَّ وَهُوَ أَبُو بَكْرَةَ كَمَا سَبَقَ، وَهُوَ لَا يَضُرُّ إِذِ الْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَكِنْ يَضُرُّهُ قَوْلُهُ: (وَرِوَايَتُهُ ضَعِيفٌ) ; أَيْ وَرِوَايَةُ يَحْيَى ضَعِيفَةٌ بَلْ قِيلَ إِنَّهَا مَرْفُوعَةٌ، وَذَكَّرَ (ضَعِيفٌ) لِكَوْنِ الْفَعِيلِ يَسْتَوِي فِيهِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ، وَكَتَبَ مِيرَكُ فِي هَامِشِ أَصْلِهِ وَرِوَايَةٌ ضَعِيفٌ، وَوُضِعَ عَلَيْهِ رَمْزٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّ الطَّعْنَ فِي الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ يَحْيَى وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 5176
٣٧٢١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالِي يَقُولُ: أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا مَالِكُ الْمُلُوكِ، وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، قُلُوبُ الْمُلُوكِ فِي يَدِي، وَإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا أَطَاعُونِي ; حَوَّلْتُ قُلُوبَ مُلُوكِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ، وَإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا عَصَوْنِي حَوَّلْتُ قُلُوبَهُمْ بِالسُّخْطَةِ وَالنِّقْمَةِ فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ فَلَا تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْمُلُوكِ وَلَكِنِ اشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالذِّكْرِ وَالتَّضَرُّعِ كَيْ أَكْفِيَكُمْ مُلُوكَكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ.
ــ
٣٧٢١ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ) ; أَيْ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ (أَنَا اللَّهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: عَلَى أُسْلُوبِ أَنَا أَبُو النَّجْمِ ; أَيْ أَنَا الْمَعْرُوفُ وَالْمَشْهُورُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، أَوِ الْمَعْبُودُ، وَقَوْلُهُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا) حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَقَوْلُهُ: ( «مَالِكُ الْمُلُوكِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ» ) مِنْ بَابِ التَّدَلِّي لِإِفَادَةِ التَّعْمِيمِ، أَوِ الثَّانِي مِنْ بَابِ التَّكْمِيلِ وَالتَّتْمِيمِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَمَلِكُ الْمُلُوكِ بَعْدَ قَوْلِهِ: مَالِكُ الْمُلُوكِ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي فَإِنَّ الْمَلِكَ أَعْظَمُ مِنَ الْمَالِكِ ; وَأَقْوَى تَصَرُّفًا مِنْهُ ; لِأَنَّ الْمَالِكَ ; هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ، وَالْمَلِكُ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي الْمَأْمُورِينَ، وَقِيلَ الْمَالِكُ أَجْمَعُ وَأَوْسَعُ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَالِكُ الطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَالْوُحُوشِ وَكُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يُقَالُ: إِلَّا مَلِكُ النَّاسِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي حَدِّ ذَاتِهِمَا كَمَا حَقَّقَ فِي ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] بِاعْتِبَارِ قِرَاءَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ أَنَّ مَالِكَ الْمُلُوكِ أَبْلَغُ مِنْ مَلِكِ الْمُلُوكِ وَلِهَذَا قَدْ يُطْلَقُ الثَّانِي عَلَى الْمَخْلُوقِ، وَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ الْأَوَّلِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى ; أَنَّهُ تَعَالَى يَمْلِكُ جِنْسَ الْمُلُوكِ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِمْ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِيمَا يَمْلِكُونَ، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ: ( «قُلُوبُ الْمُلُوكِ فِي يَدِي» ) اسْتِئْنَافٌ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ يَدُلُّ عَلَى التَّصَرُّفِ التَّامِّ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّ الْعِبَادَ) الْوَاوُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْفَاءِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وَقَدْ رُوِيَ: فَإِنَّ الْعِبَادَ (إِذَا أَطَاعُونِي) ; أَيْ أَكْثَرُهُمْ (حَوَّلْتُ قُلُوبَ مُلُوكِهِمْ) ; أَيْ قَلَّبْتُ قُلُوبَ ظَلَمَتِهِمْ (عَلَيْهِمْ) ; أَيْ عَلَى عِبَادِي (بِالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ) ; أَيْ شِدَّةِ الرَّأْفَةِ، فَفِي النِّهَايَةِ ; الرَّأْفَةُ أَرَقُّ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَلَا تَكَادُ تَقَعُ فِي الْكَرَاهَةِ، وَالرَّحْمَةُ قَدْ تَقَعُ فِيهَا لِمَصْلَحَةٍ، (وَإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا عَصَوْنِي حَوَّلْتُ قُلُوبَهُمْ) ; أَيْ قُلُوبَ مُلُوكِهُمُ الْعَادِلِينَ عَلَيْهِمْ، وَلَعَلَّ حَذْفَ (عَلَيْهِمْ) لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمْ إِذَا صَبَرُوا لَا يَضُرُّهُمْ (بِالسَّخْطَةِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ; أَيِ الْكَرَاهَةِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِالشَّيْءِ (وَالنِّقْمَةِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ; أَيِ الْكَرَاهَةِ وَالْعُقُوبَةِ ; فَفِي الصِّحَاحِ: نَقِمْتُهُ إِذَا كَرِهْتُهُ، وَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُ ; أَيْ عَاقَبَهُ، وَالْاسْمُ مِنْهُ النِّقْمَةُ اهـ. وَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البروج: ٨]
стр. 5177
(فَسَامُوهُمْ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْمُخَفِّفَةِ مِنَ السَّوْمِ ; بِمَعْنَى التَّكْلِيفِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ ; أَيْ كَلَّفُوهُمْ وَعَذَّبُوهُمْ وَأَذَاقُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ; أَيْ أَشَدَّهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩] (فَلَا تَشْغَلُوا) بِفَتْحِ الْغَيْنِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: شَغَلْتُ فُلَانًا فَأَنَا شَاغِلٌ وَلَا تَقُلْ أَشْغَلْتُهُ ; لِأَنَّهَا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، وَفَى الْقَامُوسِ ; شَغَلَهُ كَمَنَعَهُ شُغْلًا وَيُضَمُّ، وَأَشْغَلَهُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، أَوْ قَلِيلَةٌ، أَوْ رَدِيئَةٌ، وَالْمَعْنَى لَا تَسْتَعْمِلُوا (أَنْفُسَكُمْ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْمُلُوكِ) ; أَيْ بِضَرَرِهِمْ كَمَوْتٍ وَعَزْلٍ، فَإِنَّهُ قَدْ يَأْتِي أَنْحَسُ مِنْهُ، ( «وَلَكِنِ اشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالذِّكْرِ» ) ; أَيْ بِذِكْرِي وَنِسْيَانِ غَيْرِي، (وَالتَّضَرُّعِ) ; أَيْ إِلَيَّ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيَّ (كَيْ أَكْفِيَكُمْ) بِالنَّصْبِ ; أَيْ لِكَيْ يَكْفِيَكُمْ (مُلُوكَكُمْ) ; أَيْ شَرَّهُمْ، إِذْ مَنْ تَضَرَّعَ إِلَيْهِ أَنْجَاهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ أَمْرَ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، (رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ) .
стр. 5178
[بَابُ مَا عَلَى الْوُلَاةِ مِنَ التَّيْسِيرِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٧٢٢ - عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
بَابُ مَا عَلَى الْوُلَاةِ مِنَ التَّيْسِيرِ
الْوُلَاةُ بِضَمِّ الْوَاوِ ; جَمْعُ الْوَالِي ; وَهُوَ يَشْمَلُ الْخَلِيفَةَ وَغَيْرَهُ، وَمِنْ بَيَانٌ لِ (مَا) وَ (عَلَى) لِلْوُجُوبِ ; أَيْ بَابِ مَا يَجِبُ عَلَى الْحُكَّامِ مِنْ تَيْسِيرِ الْأُمُورِ وَتَسْهِيلِهَا عَلَى رَعَايَاهُمْ فِي قَضَايَاهُمْ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٧٢٢ - (عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا) ; أَيْ أَرَادَ إِرْسَالَ أَحَدٍ (مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ) ; أَيْ مِنْ أَمْرِ الْحُكُومَةِ، (قَالَ بَشِّرُوا) ; أَيِ النَّاسَ بِالْأَجْرِ وَالْمَثُوبَاتِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَفِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَالْخِطَابُ لَهُ وَلِأَتْبَاعِهِ، أَوْ جَمْعٌ لِإِفَادَةِ التَّعْمِيمِ دُونَ تَخْصِيصِهِ، (وَلَا تُنَفِّرُوا) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ ; أَيْ لَا تُخَوِّفُهُمْ بِالْمُبَالَغَةِ فِي إِنْذَارِهِمْ حَتَّى تَجْعَلُوهُمْ قَانِطِينَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِذُنُوبِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ، أَوْ بَشِّرُوهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ بِحُصُولِ الْغَنَائِمِ وَغَيْرِهَا فِي الْبِلَادِ، وَلَا تُنَفِّرُوهُمْ بِالظُّلْمِ وَالْغِلَاظَةِ عَنِ الِانْقِيَادِ. وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْجِهَتَيْنِ الْمُقَابِلَتَيْنِ، ظَهَرَتِ الْمُنَاسِبَةُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ ; إِذِ الْحَقِيقَةُ أَنْ يُقَالَ: بَشِّرُوا وَلَا تُنْذِرُوا، وَاسْتَأْنِسُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِيَعُمَّ الْبِشَارَةُ وَالنِّذَارَةُ وَالْاسْتِئْنَاسُ وَالتَّنْفِيرُ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْذَارَ مَطْلُوبٌ ; أَيْضًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] وَقَوْلِهِ : ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] ، وَلِأَنَّ أَمْرَ السِّيَاسَةِ وَالْحُكُومَةِ لَا يَتِمُّ بِدُونِ الْإِنْذَارِ مَعَ مُجَرَّدِ الْبِشَارَةِ (وَيَسِّرُوا) ; أَيْ سَهِّلُوا عَلَيْهِمُ الْأُمُورَ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ بِاللُّطْفِ بِهِمْ، (وَلَا تُعَسِّرُوا) ; أَيْ بِالصُّعُوبَةِ عَلَيْهِمْ ; بِأَنْ تَأْخُذُوا أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، أَوْ أَحْسَنَ مِنْهُ، أَوْ بِتَتَبُّعِ عَوْرَاتِهِمْ وَتَجَسُّسِ حَالَاتِهِمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
стр. 5179
٣٧٢٣ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٢٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا» ) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَمْرٌ مِنَ التَّسْكِينِ ; أَيْ سَكِّنُوهُمْ بِالْبِشَارَةِ، أَوِ الطَّاعَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: وَبَشِّرُوا (وَلَا تُنَفِّرُوا) ; أَيْ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْإِنْذَارِ، أَوْ بِتَكْلِيفِ الْأُمُورِ الصَّعْبَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْإِنْكَارِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي النِّهَايَةِ ; أَيْ لَا تُكَلِّفُونَهُمْ بِمَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى النُّفُورِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 5180
٣٧٢٤ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَدَّهُ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ ; فَقَالَ: يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٢٤ - (وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ) صَوَابُهُ ابْنُ أَبِي بُرْدَةَ لِمَا سَيَأْتِي (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَدَّهُ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذًا) ; أَيِ ابْنَ جَبَلٍ (إِلَى الْيَمَنِ) ظَاهِرُ إِيرَادُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا مُوسَى جَدُّ أَبِي بُرْدَةَ ; وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; بَلْ هُوَ أَبُوهُ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَدَّهُ) أَبَا مُوسَى وَضَمِيرُ جَدِّهِ لِعَبْدِ اللَّهِ هَكَذَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَفَى نُسْخَةٍ عَنِ ابْنِ أَبِي بُرْدَةَ فَلَا إِيرَادَ وَلَا إِشْكَالَ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَوَابُهُ ابْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَلَى مَا فِي الْبُخَارِيِّ، حَيْثُ قَالَ: سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَبِي وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ جَامِعِ الْأُصُولِ أَنَّ بِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ، سَمِعَ أَبَاهُ وَغَيْرَهُ، وَرَوَى عَنْ قَتَادَةَ وَنَفَرٍ مِنَ الْأَعْلَامِ، وَهُوَ قَلِيلُ الْحَدِيثِ حَسَنُهُ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَبُو بُرْدَةَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ ; أَحَدُ التَّابِعِينَ الْمَشْهُورِينَ الْمُكْثِرِينَ، سَمِعَ أَبَاهُ وَعَلِيًّا وَغَيْرَهُمَا، كَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ بَعْدَ شُرَيْحٍ ; فَعَزَلَهُ الْحَجَّاجُ، قَالَ أَيْضًا: أَبُو مُوسَى هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ، أَسْلَمَ بِمَكَّةَ، وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَدِمَ مَعَ أَهْلِ السَّفِينَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ، وَوَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْبَصْرَةَ سَنَةَ عِشْرِينَ، فَافْتَتَحَ أَبُو مُوسَى الْأَهْوَازَ وَلَمْ يَزَلْ عَلَى الْبَصْرَةِ إِلَى صَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا، فَانْتَقَلَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَقَامَ بِهَا وَكَانَ وَالِيًا عَلَى الْكُوفَةِ، إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ، ثُمَّ انْتَقَلَ أَبُو مُوسَى إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ التَّحْكِيمِ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ لَهُ أَوْلَادٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَرَوَى كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَحَيْثُ إِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ ثِقَةٌ، لَمْ تَضُرُّهُ الْجَهَالَةُ فِي تَنْكِيرِ ابْنٍ فِي الرِّوَايَةِ، (قَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ ; أَيْ لَهُمَا مَعًا، أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ لِمَا سَيَأْتِي (يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا) ; أَيِ اتَّفِقَا فِي الْحُكْمِ، (وَلَا تَخْتَلِفَا) ; أَيْ فِي الْأَمْرِ، وَهَذَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا تَحْتَ أَمْرِ الْآخَرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي كُونَا مُتَّفِقَيْنِ فِي أَحْكَامِكُمَا، وَلَا تَخْتَلِفَا فَإِنَّ اخْتِلَافَكُمَا يُؤَدِّي إِلَى اخْتِلَافِ أَتْبَاعِكُمَا وَحِينَئِذٍ تَقَعُ الْعَدَاوَةُ وَالْمُحَارَبَةُ بَيْنَهُمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ مُتَعَاضَدَةٌ عَلَى مَعْنَى عَدَمِ الْحَرَجِ وَالتَّضْيِيقِ فِي أُمُورِ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] مَفْعُولٌ أَوَّلٌ، وَ (فِي الدِّينُ) ثَانٍ، وَزِيدَتْ (مِنْ) لِلْاسْتِغْرَاقِ، وَالتَّنْكِيرُ فِي (حَرَجٍ) لِلشُّيُوعِ، وَ (عَلَيْكُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ لِلْاخْتِصَاصِ، كَأَنَّهُ قِيلَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ دِينَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ خَاصَّةً، وَرَفَعَ الْحَرَجَ عَنْكُمْ أَيًّا كَانَ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا تَرْجِيحُ فِعْلِ الْأَوَّلِينَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ عَلَى رَأَيِ الْمُتَكَلِّفِينَ فِيمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ مِنَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ; مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُجْتَهِدِ مَذْهَبٌ مُدَوَّنٌ، وَإِذَا دُوِّنَتِ الْمَذَاهِبُ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى مَذْهَبٍ؟ إِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الثَّانِيَ أَعْلَمُ ; يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بَلْ يَجِبَ، وَإِنْ خَيَّرْنَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ أَيْضًا، كَمَا لَوْ قَلَّدَ فِي الْقِبْلَةِ هَذَا أَيَّامًا وَهَذَا أَيَّامًا، وَلَوْ قَلَّدَ مُجْتَهِدًا فِي مَسَائِلَ وَآخَرَ فِي مَسَائِلٍ أُخْرَى، وَاسْتَوَى الْمُجْتَهِدَانِ عِنْدَهُ خَيَّرْنَاهُ، لَكِنِ الْأُصُولِيُّونَ مَنَعُوا مِنْهُ، وَحَكَى الْحَانِطِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ: فِيمَا إِذَا اخْتَارَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ مَا هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْسُقَ بِهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَفْسُقُ بِهِ، وَيُعَضِّدُ هَذَا التَّرْجِيحَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ: حِينَ أَرَادَ الرَّشِيدُ الشُّخُوصَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْعِرَاقِ ; وَقَالَ لَهُ: يَنْبَغِي أَنْ تَخْرُجَ مَعِي فَإِنِّي عَزَمْتُ أَنْ أَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى الْمُوَطَّأِ كَمَا حَمَلَ عُثْمَانُ النَّاسَ عَلَى الْقُرْآنِ ; فَقَالَ: أَمَّا حَمْلُ النَّاسِ عَلَى الْمُوَطَّأِ فَلَيْسَ لَكَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ ; لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ افْتَرَقُوا بَعْدَهُ فِي الْأَمْصَارِ، فَحَدَّثُوا فَعِنْدَ كُلِّ أَهْلِ مِصْرٍ عِلْمٌ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»
".
стр. 5181
٣٧٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٢٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْغَادِرَ) ; أَيْ نَاقِضَ الْعَهْدِ وَالْوَفَاءِ، قَالَ الْقَاضِي: الْغَدْرُ فِي الْأَصْلِ تَرْكُ الْوَفَاءِ، وَهُوَ شَائِعٌ فِي أَنْ يُغْتَالَ الرَّجُلُ مِنْ عَهْدِهِ وَأَمْنِهِ، (يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ) ; أَيْ يُرْكَزُ لِأَجْلِ إِفْضَاحِهِ عَلَمٌ قَائِمًا بِقَدْرِ غَدْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ هَذِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ ; أَيْ هَذَا اللِّوَاءَ، وَأُنِّثَ لِكَوْنِهِ بِمَعْنَى الرَّايَةِ، أَوْ مُرَاعَاةً لِخَبَرِهِ وَهَى (غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) ; أَيْ عَلَامَتُهَا، أَوْ نَتِيجَتُهَا أَوْ عُقُوبَتُهَا، فَإِنَّهَا فَضِيحَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى رُؤُسِ الْأَشْهَادِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
стр. 5182
٣٧٢٦ - وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٢٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ) وَفِي نُسْخَةٍ ; أَنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ (يُعْرَفُ بِهِ) ; أَيْ قَدْرُهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَكَذَا أَنَسٌ عَنْهُ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّيَالِسِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَلَفْظُهُ: «أَنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ عِنْدَ اسْتِهِ» .
стр. 5183
٣٧٢٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧٢٧ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ» ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ، وَسُكُونِ سِينٍ ; أَيْ خَلْفَ ظَهْرِهِ وَالِاسْتُ الدُّبُرُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَإِنَّمَا يُنْصَبُ لِلْغَادِرِ تَشْهِيرًا لَهُ بِالْغَدْرِ وَتَفْضِيحًا عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَإِنَّمَا قَالَ: عِنْدَ اسْتِهِ اسْتِخْفَافًا بِذِكْرِهِ وَاسْتِهَانَةً بِأَمْرِهِ، أَوْ لِأَنَّ عَلَمَ الْعِزَّةِ يُنْتَصَبُ تِلْقَاءَ الْوَجْهِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَمُ الْمَذَلَّةِ فِيمَا هُوَ كَالْمُقَابِلِ لَهُ. وَفَى شَرْحِ مُسْلِمٍ: اللِّوَاءُ الرَّايَةُ الْعَظِيمَةُ الَّذِي لَا يُمْسِكُهَا إِلَّا صَاحِبُ جَيْشِ الْحَرْبِ، أَوْ صَاحِبُ دَعْوَةِ الْجَيْشِ وَيَكُونُ النَّاسُ تَبَعًا لَهُ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الرَّايَةُ بِمَعْنَى اللِّوَاءِ، وَهُوَ الْعَلَمُ الَّذِي يُحْمَلُ فِي الْحَرْبِ، يُعْرَفُ بِهِ صَاحِبُ الْجَيْشِ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ أَمِيرُ الْجَيْشِ، وَقَدْ يَدْفَعُهُ إِلَى مُقَدِّمِ الْعَسْكَرِ، وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِتَرَادُفِهِمَا (وَفِي رِوَايَةٍ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرِهِ» ) ; أَيْ طُولًا وَعَرْضًا فِي مُقَابَلَةِ غَدْرِهِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ (وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ) ; أَيْ مِنْ غَدْرِ أَمِيرِ عَامَّةٍ وَهُوَ مَنْ يَسْتَوْلِي عَلَى الْأُمُورِ بِتَقْدِيمِ الْعَوَامِّ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَلَا مَشُورَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَعَظَّمَ قَدْرَهُ لِنَقْضِ الْعَهْدِ الْمَشْرُوعِ، إِذِ الْوِلَايَةُ بِرَأْيِ الْخَوَاصِّ، وَهُوَ قَدْ تَوَلَّى مَا لَا يَسْتَعِدُّهُ، وَمَنَعَهُ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّهُ، فَنَقَضَ بِهَذَا عَهْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعُهُودَ الْمُسْلِمِينَ ; أَيْضًا ; بِالْخُرُوجِ عَلَى إِمَامِهِمْ، وَالتَّغَلُّبِ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ بَيَانُ غَلِيظِ تَحْرِيمِ الْغَدْرِ لَا سِيَّمَا صَاحِبُ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ ; لِأَنَّ غَدْرَهُ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَارِدٌ فِي ذَمِّ الْغَادِرِ، وَغَدْرِهِ لِلْأَمَانَةِ الَّتِي قُلِّدَهَا لِرَعِيَّتِهِ، وَالْتِزَامِ الْقِيَامِ بِهَا وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، فَمَتَى خَانَهُمْ، أَوْ تَرَكَ الشَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ وَالرِّفْقَ بِهِمْ فَقَدْ غَدَرَ بِعَهْدِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَهْيُ الرَّعِيَّةِ عَنِ الْغَدْرِ بِالْإِمَامِ ; فَلَا يُشَقُّ عَلَيْهِمُ الْعَصَا، فَلَا يُتَعَرَّضُ لِمَا يُخَافُ حُصُولُ فِتْنَةٍ بِسَبَبِهِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5184
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٧٢٨ - عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ» فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِأَحْمَدَ: «أَغْلَقَ اللَّهُ لَهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَّتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» .
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٧٢٨ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا مَرْيَمَ الْجُهَنِيَّ وَيُقَالُ: الْأَرْذِيَّ، وَشَهِدَا أَكْثَرَ الْمَشَاهِدَ وَسَكَنَ الشَّامَ، وَمَاتَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ» ) ; أَيِ امْتَنَعَ مِنَ الْخُرُوجِ، أَوْ مِنَ الْإِمْضَاءِ عِنْدَ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ (وَخَلَّتِهِمْ) ; بِفَتْحِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَلَامٍ مُشَدَّدَةٍ ; أَيْ وَعَرْضِ شِكَايَتِهِمْ عَلَيْهِ (وَفَقْرِهِمْ) ; أَيْ وَمَسْكَنَتِهِمْ وَمُسَائِلَتِهِمْ لَدَيْهِ ; يَعْنِي احْتِقَارًا بِهِمْ وَعَدَمَ مُبَالَاةٍ بِشَأْنِهِمْ (" «احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ» ) ; أَيْ أَبْعَدَهُ وَمَنْعَهُ عَمَّا يَبْتَغِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، أَوِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إِلَى حَاجَةٍ مِنْ حَاجَاتِهِ الضَّرُورِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَارَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا " «مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ حَتَّى يَنْظُرَ فِي حَوَائِجِهِمْ» " قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِاحْتِجَابِ الْوَالِي ; أَنْ يَمْنَعَ أَرْبَابَ الْحَوَائِجِ وَالْمُهِمَّاتِ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ فَيَعْرِضُوهَا لَهُ ; وَيَعْسُرَ عَلَيْهِمْ إِنْهَاؤُهَا، وَاحْتِجَابُ اللَّهِ تَعَالَى ; أَنْ لَا يُجِيبَ دَعْوَتَهُ وَيُخَيِّبَ أَمَالَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْفَقْرِ أَنَّ الْحَاجَةَ مَا يُهْتَمُّ بِهِ
стр. 5185
الْإِنْسَانُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الضَّرُورَةِ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَاخْتَلَّ بِهِ أَمْرُهُ، وَالْخَلَّةُ مَا كَانَ كَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَلَلِ، وَلَكِنْ رُبَّمَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الِاضْطِرَارِ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ لَامْتَنَعَ التَّعَيُّشُ، وَالْفَقْرُ هُوَ الْإِضْطِرَارُ إِلَى مَا لَا يُمْكِنُ التَّعَيُّشُ دُونَهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَقَارِ كَأَنَّهُ كَسَرَ فَقَارَهُ، وَلِذَلِكَ فُسِّرَ الْفَقِيرُ بِالَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ أَصْلًا، وَاسْتَعَاذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْفَقْرِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ ; وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي مَنِ احْتَجَبَ دُونَ حَاجَةِ النَّاسِ وَخَلَّتِهِمْ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا فَعَلَ بِالْمُسْلِمِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ هَذَا الْوَجْهَ أَعْنِي التَّقْيِيدَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ أَرْجَحُ ; لِأَنَّ التَّرَقِّيَ فِي قَوْلِهِ: حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ، فِي شَأْنِ الْمُلُوكِ وَالسَّلَاطِينِ، يُؤْذِنُ بِسَدِّ بَابِ فَوْزِهِمْ بِمَطَالِبِهِمْ وَنَجَاحِ حَوَائِجِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَيْسَ إِلَّا فِي الْعُقْبَى وَنَحْوِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ وَتَشْدِيدًا، وَلَمَّا كَانَ جَزَاءُ الْمُقْسِطِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ; كَانَ جَزَاءُ الْقَاسِطِينَ الْبُعْدَ وَالْاحْتِجَابَ عَنْهُمْ وَالْإِقْنَاطَ عَنْ مَبَاغِيهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ ; أَفْقَرَ مَا يَكُونُ (فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ) ; أَيْ عَلَى تَبْلِيغِهَا، أَوْ عَلَى قَضَائِهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) ; أَيْ لِلتِّرْمِذِيِّ وَلِأَحْمَدَ ( «أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» ) .
следующие страницы →