Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
٣٧٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٢٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْغَادِرَ) ; أَيْ نَاقِضَ الْعَهْدِ وَالْوَفَاءِ، قَالَ الْقَاضِي: الْغَدْرُ فِي الْأَصْلِ تَرْكُ الْوَفَاءِ، وَهُوَ شَائِعٌ فِي أَنْ يُغْتَالَ الرَّجُلُ مِنْ عَهْدِهِ وَأَمْنِهِ، (يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ) ; أَيْ يُرْكَزُ لِأَجْلِ إِفْضَاحِهِ عَلَمٌ قَائِمًا بِقَدْرِ غَدْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ هَذِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ ; أَيْ هَذَا اللِّوَاءَ، وَأُنِّثَ لِكَوْنِهِ بِمَعْنَى الرَّايَةِ، أَوْ مُرَاعَاةً لِخَبَرِهِ وَهَى (غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) ; أَيْ عَلَامَتُهَا، أَوْ نَتِيجَتُهَا أَوْ عُقُوبَتُهَا، فَإِنَّهَا فَضِيحَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى رُؤُسِ الْأَشْهَادِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
стр. 5182
٣٧٢٦ - وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٢٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ) وَفِي نُسْخَةٍ ; أَنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ (يُعْرَفُ بِهِ) ; أَيْ قَدْرُهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَكَذَا أَنَسٌ عَنْهُ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّيَالِسِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَلَفْظُهُ: «أَنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ عِنْدَ اسْتِهِ» .
стр. 5183
٣٧٢٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧٢٧ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ» ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ، وَسُكُونِ سِينٍ ; أَيْ خَلْفَ ظَهْرِهِ وَالِاسْتُ الدُّبُرُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَإِنَّمَا يُنْصَبُ لِلْغَادِرِ تَشْهِيرًا لَهُ بِالْغَدْرِ وَتَفْضِيحًا عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَإِنَّمَا قَالَ: عِنْدَ اسْتِهِ اسْتِخْفَافًا بِذِكْرِهِ وَاسْتِهَانَةً بِأَمْرِهِ، أَوْ لِأَنَّ عَلَمَ الْعِزَّةِ يُنْتَصَبُ تِلْقَاءَ الْوَجْهِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَمُ الْمَذَلَّةِ فِيمَا هُوَ كَالْمُقَابِلِ لَهُ. وَفَى شَرْحِ مُسْلِمٍ: اللِّوَاءُ الرَّايَةُ الْعَظِيمَةُ الَّذِي لَا يُمْسِكُهَا إِلَّا صَاحِبُ جَيْشِ الْحَرْبِ، أَوْ صَاحِبُ دَعْوَةِ الْجَيْشِ وَيَكُونُ النَّاسُ تَبَعًا لَهُ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الرَّايَةُ بِمَعْنَى اللِّوَاءِ، وَهُوَ الْعَلَمُ الَّذِي يُحْمَلُ فِي الْحَرْبِ، يُعْرَفُ بِهِ صَاحِبُ الْجَيْشِ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ أَمِيرُ الْجَيْشِ، وَقَدْ يَدْفَعُهُ إِلَى مُقَدِّمِ الْعَسْكَرِ، وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِتَرَادُفِهِمَا (وَفِي رِوَايَةٍ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرِهِ» ) ; أَيْ طُولًا وَعَرْضًا فِي مُقَابَلَةِ غَدْرِهِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ (وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ) ; أَيْ مِنْ غَدْرِ أَمِيرِ عَامَّةٍ وَهُوَ مَنْ يَسْتَوْلِي عَلَى الْأُمُورِ بِتَقْدِيمِ الْعَوَامِّ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَلَا مَشُورَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَعَظَّمَ قَدْرَهُ لِنَقْضِ الْعَهْدِ الْمَشْرُوعِ، إِذِ الْوِلَايَةُ بِرَأْيِ الْخَوَاصِّ، وَهُوَ قَدْ تَوَلَّى مَا لَا يَسْتَعِدُّهُ، وَمَنَعَهُ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّهُ، فَنَقَضَ بِهَذَا عَهْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعُهُودَ الْمُسْلِمِينَ ; أَيْضًا ; بِالْخُرُوجِ عَلَى إِمَامِهِمْ، وَالتَّغَلُّبِ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ بَيَانُ غَلِيظِ تَحْرِيمِ الْغَدْرِ لَا سِيَّمَا صَاحِبُ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ ; لِأَنَّ غَدْرَهُ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَارِدٌ فِي ذَمِّ الْغَادِرِ، وَغَدْرِهِ لِلْأَمَانَةِ الَّتِي قُلِّدَهَا لِرَعِيَّتِهِ، وَالْتِزَامِ الْقِيَامِ بِهَا وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، فَمَتَى خَانَهُمْ، أَوْ تَرَكَ الشَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ وَالرِّفْقَ بِهِمْ فَقَدْ غَدَرَ بِعَهْدِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَهْيُ الرَّعِيَّةِ عَنِ الْغَدْرِ بِالْإِمَامِ ; فَلَا يُشَقُّ عَلَيْهِمُ الْعَصَا، فَلَا يُتَعَرَّضُ لِمَا يُخَافُ حُصُولُ فِتْنَةٍ بِسَبَبِهِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5184
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٧٢٨ - عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ» فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِأَحْمَدَ: «أَغْلَقَ اللَّهُ لَهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَّتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» .
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٧٢٨ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا مَرْيَمَ الْجُهَنِيَّ وَيُقَالُ: الْأَرْذِيَّ، وَشَهِدَا أَكْثَرَ الْمَشَاهِدَ وَسَكَنَ الشَّامَ، وَمَاتَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ» ) ; أَيِ امْتَنَعَ مِنَ الْخُرُوجِ، أَوْ مِنَ الْإِمْضَاءِ عِنْدَ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ (وَخَلَّتِهِمْ) ; بِفَتْحِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَلَامٍ مُشَدَّدَةٍ ; أَيْ وَعَرْضِ شِكَايَتِهِمْ عَلَيْهِ (وَفَقْرِهِمْ) ; أَيْ وَمَسْكَنَتِهِمْ وَمُسَائِلَتِهِمْ لَدَيْهِ ; يَعْنِي احْتِقَارًا بِهِمْ وَعَدَمَ مُبَالَاةٍ بِشَأْنِهِمْ (" «احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ» ) ; أَيْ أَبْعَدَهُ وَمَنْعَهُ عَمَّا يَبْتَغِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، أَوِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إِلَى حَاجَةٍ مِنْ حَاجَاتِهِ الضَّرُورِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَارَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا " «مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ حَتَّى يَنْظُرَ فِي حَوَائِجِهِمْ» " قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِاحْتِجَابِ الْوَالِي ; أَنْ يَمْنَعَ أَرْبَابَ الْحَوَائِجِ وَالْمُهِمَّاتِ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ فَيَعْرِضُوهَا لَهُ ; وَيَعْسُرَ عَلَيْهِمْ إِنْهَاؤُهَا، وَاحْتِجَابُ اللَّهِ تَعَالَى ; أَنْ لَا يُجِيبَ دَعْوَتَهُ وَيُخَيِّبَ أَمَالَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْفَقْرِ أَنَّ الْحَاجَةَ مَا يُهْتَمُّ بِهِ
стр. 5185
الْإِنْسَانُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الضَّرُورَةِ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَاخْتَلَّ بِهِ أَمْرُهُ، وَالْخَلَّةُ مَا كَانَ كَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَلَلِ، وَلَكِنْ رُبَّمَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الِاضْطِرَارِ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ لَامْتَنَعَ التَّعَيُّشُ، وَالْفَقْرُ هُوَ الْإِضْطِرَارُ إِلَى مَا لَا يُمْكِنُ التَّعَيُّشُ دُونَهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَقَارِ كَأَنَّهُ كَسَرَ فَقَارَهُ، وَلِذَلِكَ فُسِّرَ الْفَقِيرُ بِالَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ أَصْلًا، وَاسْتَعَاذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْفَقْرِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ ; وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي مَنِ احْتَجَبَ دُونَ حَاجَةِ النَّاسِ وَخَلَّتِهِمْ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا فَعَلَ بِالْمُسْلِمِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ هَذَا الْوَجْهَ أَعْنِي التَّقْيِيدَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ أَرْجَحُ ; لِأَنَّ التَّرَقِّيَ فِي قَوْلِهِ: حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ، فِي شَأْنِ الْمُلُوكِ وَالسَّلَاطِينِ، يُؤْذِنُ بِسَدِّ بَابِ فَوْزِهِمْ بِمَطَالِبِهِمْ وَنَجَاحِ حَوَائِجِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَيْسَ إِلَّا فِي الْعُقْبَى وَنَحْوِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ وَتَشْدِيدًا، وَلَمَّا كَانَ جَزَاءُ الْمُقْسِطِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ; كَانَ جَزَاءُ الْقَاسِطِينَ الْبُعْدَ وَالْاحْتِجَابَ عَنْهُمْ وَالْإِقْنَاطَ عَنْ مَبَاغِيهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ ; أَفْقَرَ مَا يَكُونُ (فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ) ; أَيْ عَلَى تَبْلِيغِهَا، أَوْ عَلَى قَضَائِهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) ; أَيْ لِلتِّرْمِذِيِّ وَلِأَحْمَدَ ( «أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» ) .
стр. 5186
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٧٢٩ - عَنْ أَبِي الشَّمَّاخِ الْأَزْدِيِّ عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ; أَنَّهُ أَتَى مُعَاوِيَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا، ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، أَوِ الْمَظْلُومِ، أَوْ ذِي الْحَاجَةِ أَغْلَقَ اللَّهُ دُونَهُ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ أَفْقَرَ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ» .
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٧٢٩ - (عَنْ أَبِي الشَّمَّاخِ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ (الْأَزْدِيِّ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ) وَفَى نُسْخَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ( ﷺ أَنَّهُ أَتَى مُعَاوِيَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ وُلِّيَ) بِضَمِّ وَاوٍ فَتَشْدِيدِ لَامٍ مَكْسُورَةٍ، وَفَى نُسْخَةٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرِ لَامٍ مُخَفَّفٍ، (مِنْ أَمْرِ النَّاسِ) التَّعْرِيفُ فِيهِ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ ; فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهِدُ، (شَيْئًا) ; أَيْ مِنَ الْأُمُورِ، أَوِ الْوِلَايَةِ (ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ) ; عِبَارَةٌ عَنْ الِاحْتِجَابِ وَنُصِبَ الْحِجَابُ، أَوْ كِنَايَةٌ عَنِ الِامْتِنَاعِ عَنْ قَضَاءِ مَقْصُودِ الْمُحْتَاجِينَ بِالْبَابِ (دُونَ الْمُسْلِمِينَ) ; أَيْ وَالْمُسْلِمُ لَا يُمْنَعُ (أَوِ الْمَظْلُومِ، أَوْ ذِي الْحَاجَةِ) وَفَى نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: دُونَ الْمِسْكِينِ وَالْمَظْلُومِ وَذِي الْحَاجَةِ، وَهُوَ أَنْسَبُ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَدَالٌّ عَلَى: أَنْ (أَوْ) فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّفْصِيلِ، وَأَنَّهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَظْلُومًا، أَوْ ذَا حَاجَةٍ، أَوْ غَيْرَهُ لَا يَدْخُلُ إِلَّا لِلتَّظَلُّمِ، أَوْ لِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ (أَغْلَقَ اللَّهُ دُونَهُ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ) ; أَيْ إِلَى اللَّهِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، أَوِ الْعُقْبَى، أَوْ إِلَى مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ فِي الدُّنْيَا، حَالَ كَوْنِهِ (أَفْقَرَ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ) ; أَيْ أَحْوَجَ أَوْقَاتٍ يَكُونُ مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ وَمُحْتَاجًا لَدَيْهِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَدْ مَرَّ أَنَّ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ وَالْوَقْتُ مُقَدَّرٌ ; وَأَفْقَرُ حَالٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فِي فَقْرِهِ، وَجَازَ ; لِأَنَّهُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ، وَلَيْسَ هَذَا الْافْتِقَارُ الْكُلِّيُّ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ.
стр. 5187
٣٧٣٠ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا بَعَثَ عُمَّالَهُ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا تَرْكَبُوا بِرْذَوْنًا وَلَا تَأْكُلُوا نَقِيًّا وَلَا تَلْبَسُوا رَقِيقًا وَلَا تُغْلِقُوا أَبْوَابَكُمْ دُونَ حَوَائِجِ النَّاسِ فَإِنْ فَعَلْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّتْ بِكُمُ الْعُقُوبَةُ، ثُمَّ يُشَيِّعُهُمْ، رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
٣٧٣٠ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إِذَا بَعَثَ عُمَّالَهُ) بِضَمِّ عَيْنٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ جَمْعُ عَامِلٍ ; أَيْ حُكَّامَهُ (شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا تَرْكَبُوا) بِالْخِطَابِ حِكَايَةً لِلَفْظِهِ (بِرْذَوْنًا) بِكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ رَاءٍ وَفَتْحِ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ ; أَيْ خَيْلًا تُرْكِيًّا فِي الْمُغْرِبِ، الْبِرْذَوْنُ التُّرْكِيُّ مِنَ الْخَيْلِ، وَالْجَمْعُ بَرَاذِينُ، وَخِلَافُهَا الْعِرَابُ وَالْأُنْثَى بِرْذَوْنَةٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إِذَا جَعَلَ الْعِلَّةَ لِلنَّهْيِ عَنْ رُكُوبٍ الْخُيَلَاءَ وَالتَّكَبُّرَ ; كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْعِرَابِ أَحْرَى وَأَوْلَى، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْخُيَلَاءُ وَالتَّكَبُّرُ عَنْ تَخَيُّلِ فَضِيلَةٍ تَرَاءَتْ لِلْإِنْسَانِ مِنْ نَفْسِهِ، وَمِنْهَا تَئُولُ لَفْظُ الْخَيْلِ لِمَا قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَرْكَبُ أَحَدٌ فَرَسًا إِلَّا وَجَدَ فِي نَفْسِهِ نَحْوَهُ، (وَلَا تَأْكُلُوا نَقِيًّا وَهُوَ مَا نُخِلَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَلَا تَلْبَسُوا رَقِيقًا، وَلَا تُغْلِقُوا أَبْوَابَكُمْ دُونَ حَوَائِجِ النَّاسِ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّتْ بِكُمُ الْعُقُوبَةُ ; أَيْ فِي الدُّنْيَا، أَوِ الْعُقْبَى، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَالنَّهْيُ عَنْ رُكُوبِ الْبِرْذَوْنِ ; نَهْيٌ عَنِ التَّكَبُّرِ، وَعَنْ أَكْلِ النَّقِيِّ وَلُبْسِ الرَّقِيقِ ; نَهْيٌ عَنِ التَّنَعُّمِ وَالسَّرَفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الِاحْتِجَابِ ; نَهْيٌ عَنْ تَقَاعُدِهِمْ عَنْ قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ وَالْاشْتِغَالِ عَنْهُمْ بِخُوَيْصَّةِ نَفْسِهِ، (ثُمَّ يُشَيِّعُهُمْ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ ; وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى (شَرَطَ) ، وَالْمُشَايَعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ ; لِمَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَشَى مَعَ الْغُزَاةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ حِينَ وَجَّهَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: انْطَلَقُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ» . رَوَاهُمَا) ; أَيِ الْحَدِيثَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
стр. 5188
[بَابُ الْعَمَلِ فِي الْقَضَاءِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٧٣١ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
بَابُ الْعَمَلِ فِي الْقَضَاءِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ
عَطَفَ عَلَى الْعَمَلِ، وَالضَّمِيرُ فِي مِنْهُ لِلْقَضَاءِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٧٣١ - (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا يَقْضِيَنَّ) ; أَيْ لَا يَحْكُمَنَّ الْبَتَّةَ (حَكَمٌ) بِفَتْحَتَيْنِ ; أَيْ حَاكِمٌ (بَيْنَ اثْنَيْنِ) أَيْ مُتَخَاصِمَيْنِ (وَهُوَ غَضْبَانُ) بِلَا تَنْوِينٍ ; أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ حَالَ الْغَضَبِ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالْفِكْرِ فِي مَسْأَلَتِهِمَا، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ لَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالْفِكْرِ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ، وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَالْجُوعِ، وَالْعَطَشِ، وَالْمَرَضِ، فَإِنْ حَكَمَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ ; نَفَذَ حُكْمُهُ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5189
٣٧٣٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٣٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ) عَطَفَ عَلَى الشَّرْطِ عَلَى تَأْوِيلِ: أَرَادَ الْحُكْمَ (فَأَصَابَ) عَطْفٌ عَلَى (فَاجْتَهَدَ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْوَاوِ ; أَيْ: وَقَعَ اجْتِهَادُهُ مُوَافِقًا لِحُكْمِ اللَّهِ (فَلَهُ أَجْرَانِ) ; أَيْ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ وَأَجْرُ الْإِصَابَةِ وَالْجُمْلَةُ جَزَاءُ الشَّرْطِ (وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ) وَفِي نُسْخَةٍ وَأَخْطَأَ (فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا يُؤْجَرُ الْمُخْطِئُ عَلَى اجْتِهَادِهِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ ; لِأَنَّ اجْتِهَادَهُ عِبَادَةٌ ; وَلَا يُؤْجَرُ عَلَى الْخَطَأِ، بَلْ يُوضَعُ عَنْهُ الْإِثْمُ فَقَطْ، وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ جَامِعًا لِآلَةِ الِاجْتِهَادِ، عَارِفًا بِالْأُصُولِ، عَالِمًا بِوُجُوهِ الْقِيَاسِ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَحَلًا لِلْاجْتِهَادِ فَهُوَ مُتَكَلِّفٌ وَلَا يُعْذَرُ بِالْخَطَأِ بَلْ
стр. 5190
يُخَافُ عَلَيْهِ الْوِزْرُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵊: " «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ» " وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْفُرُوعِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْوُجُوهِ الْمُخْتَلِفَةِ دُونَ الْأُصُولِ ; الَّتِي هِيَ أَرْكَانُ الشَّرِيعَةِ وَأُمَّهَاتِ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْوُجُوهَ وَلَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلتَّأْوِيلِ ; فَإِنَّ مَنْ أَخْطَأَ فِيهَا كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ فِي الْخَطَأِ، وَكَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ مَرْدُودًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ ; أَمِ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَنْ وَافَقَ الْحُكْمَ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ، وَالْآخَرُ مُخْطِئٌ، وَالْأَصْلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ الثَّانِي ; لِأَنَّهُ سُمِّيَ مُخْطِئًا وَلَوْ كَانَ مُصِيبًا لَمْ يُسَمَّ مُخْطِئًا ; وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ النَّصَّ، أَوِ اجْتَهَدَ فِيمَا لَا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ قَالَ: قَدْ جُعِلَ لِلْمُخْطِئِ أَجْرٌ، وَلَوْلَا إِصَابَتُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ، وَهَذَا إِذَا كَانَ أَهْلًا لِلْاجْتِهَادِ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِأَهْلِ حُكْمٍ ; فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْحُكْمُ، وَلَا يَنْفُذُ سَوَاءٌ وَافَقَ الْحُكْمَ أَمْ لَا ; لِأَنَّ إِصَابَتَهُ اتِّفَاقِيَّةٌ، فَهُوَ عَاصٍ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ اهـ. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا لَا يُوجَدُ بَيَانُهُ فِي النُّصُوصِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ; فَلَا إِمْكَانَ لَهُ إِلَّا الْقِيَاسُ ; فَيَكُونُ كَمُتَحَرِّي الْقِبْلَةَ فَإِنَّهُ مُصِيبٌ وَإِنْ أَخْطَأَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَحْمَدُ وَالسِّتَّةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 5191
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٧٣٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٧٣٣ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ جُعِلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ مَنْ جَعَلَهُ السُّلْطَانُ ( «قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ; الْأَوَّلَ: قَالَ الْقَاضِي: يُرِيدُ بِهِ الْقَتْلَ بِغَيْرِهِ كَالْخَنْقِ وَالتَّغْرِيقِ، وَالْإِحْرَاقِ، وَالْحَبْسِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَإِنَّهُ أَصْعَبُ وَأَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ بِالسِّكِّينِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ التَّعْذِيبِ وَامْتِدَادِ مُدَّتِهِ، الثَّانِيَ: أَنَّ الذَّبْحَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْعُرْفِ بِالسِّكِّينِ ; فَعَدَلَ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الَّذِي أَرَادَ بِهِ مَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ هَلَاكِ دِينِهِ دُونَ هَلَاكِ بَدَنِهِ، قَالَهُ صَاحِبُ الْجَامِعِ: قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَشَتَّانَ بَيْنِ الذَّبْحَيْنِ فَإِنَّ الذِّبْحَ بِالسِّكِّينِ عَنَاءُ سَاعَةٍ، وَالْآخَرَ عَنَاءُ عُمْرٍ بَلْهَ مَا يَعْقُبُهُ مِنَ النَّدَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ; الثَّالِثَ: قَالَ الْأَشْرَفُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَمُوتَ جَمِيعُ دَوَاعِيهِ الْخَبِيثَةِ وَشَهَوَاتِهِ الرَّدِيئَةِ، فَهُوَ مَذْبُوحٌ بِغَيْرِ سِكِّينٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَعَلَى هَذَا الْقَضَاءُ مَرْغُوبٌ فِيهِ وَمَحْثُوثٌ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ: تَحْذِيرٌ عَلَى الْحِرْصِ عَلَيْهِ ; وَتَنْبِيهٌ عَلَى التَّوَقِّي مِنْهُ ; لِمَا تَضَمَّنَ مِنَ الْأَخْطَارِ الْمُرْدِيَةِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: خَطَرُ الْقُضَاةِ كَثِيرٌ وَضَرَرُهُ عَظِيمٌ ; لِأَنَّهُ قَلَّمَا عَدَلَ الْقَاضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ ; لِأَنَّ النَّفْسَ مَائِلَةٌ إِلَى مَنْ يُحِبُّهُ، أَوْ يَخْدِمُهُ، أَوْ مَنْ لَهُ مَنْصِبٌ يُتَوَقَّى جَاهُهُ، أَوْ يُخَافُ سَلْطَنَتُهُ، وَرُبَّمَا يَمِيلُ إِلَى قَبُولِ الرِّشْوَةِ وَهُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
стр. 5192
٣٧٣٤ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٧٣٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنِ ابْتَغَى) ; أَيْ طَلَبَ فِي نَفْسِهِ (الْقَضَاءَ) ; أَيِ الْحُكُومَةَ الشَّامِلَةَ لِلْإِمَارَةِ (وَسَأَلَ) ; أَيْ وَطَلَبَهُ مِنَ النَّاسِ وَفِي رِوَايَةٍ: وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ (وُكِلَ) بِضَمِّ وَاوٍ فَكَافٍ مُخَفَّفَةٍ مَكْسُورَةٍ (إِلَى نَفْسِهِ) ; أَيْ لَمْ يُعِنْهُ اللَّهُ وَخُلِّيَ مَعَ طَبْعِهِ وَمَا اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ (وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ) ; أَيْ وَاخْتَارَهُ بِحُكْمِ إِجْبَارِهِ، أَوْ تَعْيِنِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّ الْخَيْرَ فِيمَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُ (أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا) ; أَيْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ (يُسَدِّدُهُ) ; أَيْ يَحْمِلُهُ عَلَى السَّدَادِ وَالصَّوَابِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَ ابْتَغَى وَسَأَلَ ; إِظْهَارًا لِحِرْصِهِ ; فَإِنَّ النَّفْسَ مَائِلَةٌ إِلَى حُبِّ الرِّيَاسَةِ وَطَلَبِ التَّرَفُّعِ عَلَى النَّاسِ فَمَنْ مَنَعَهَا سَلِمَ مِنْ هَذِهِ الْآفَاتِ، وَمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهَا وَسَأَلَ الْقَضَاءَ هَلَكَ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الشُّرُوعِ فِيهِ إِلَّا بِالْإِكْرَاهِ وَفَى الْإِكْرَاهِ قَمْعُ هَوَى النَّفْسِ، فَحِينَئِذٍ يُسَدَّدُ وَيُوَفَّقُ لِطَرِيقِ الصَّوَابِ، وَإِلَى هَذَا نَظَرَ مَنْ قَالَ: مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَمُوتَ جَمِيعُ دَوَاعِيهِ الْخَبِيثَةِ وَشَهَوَاتِهِ الرَّدِيئَةِ، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنِ ابْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَحْظِهِ وَإِشَارَتِهِ وَمَقْعَدِهِ وَمَجْلِسِهِ» " وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهَا ; أَيْضًا: " «مَنِ ابْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَرْفَعْ صَوْتُهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مَا لَا يَرْفَعُ عَلَى الْآخَرَ» " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 5193
٣٧٣٥ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ ; فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٧٣٥ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ» ) ; أَيْ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ (وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ) ; أَيْ عَالِمًا بِهِ مُتَعَمِّدًا لَهُ ( «فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ قَرَنَهُ بِقَوْلِهِ: فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، وَتَرَكَ أَدَاةَ التَّفْصِيلِ فِيهَا ظَاهِرًا لِئَلَّا يُسْلَكَا فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا قُلْنَا ظَاهِرًا ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: فَأَمَّا الَّذِي فِي النَّارِ فَرَجُلٌ كَذَا، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: ٧] ; أَيْ فَأَمَّا الرَّاسِخُونَ فَيَقُولُونَ - وَهُوَ مِنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ وَبَلِيغِهِ -، وَالْفَاءُ فِي (فَرَجُلٌ) جَوَابٌ لِ (مَا) ، وَفِي (فَقَضَى) مُسَبَّبٌ عَنْ عَرَفَ، وَالْمُسَبِّبُ صِفَةُ (رَجُلٌ) ، وَالْفَاءُ فِي (فَجَارَ) مِثْلُهَا فِي (فَقَضَى) ، لَكِنْ عَلَى التَّعْكِيسِ يَعْنِي: عِرْفَانُ الْحَقِّ سَبَبٌ لِقَضَاءِ الْحَقِّ ; فَعَكَسَ وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِلْجَوْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ; أَيْ تَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمُ التَّكْذِيبَ، وَهُوَ مُوجِبٌ لِلتَّصْدِيقِ، وَقَوْلُهُ: فَهُوَ فِي النَّارِ ; خَبَرُ (رَجُلٌ) وَهُوَ جَوَابٌ، أَمَّا الْمُقَدَّرُ عَلَى أَنَّ الْمُبْتَدَأَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَعَلَى جَهْلٍ: حَالٌ، مِنْ فَاعِلِ قَضَى ; أَيْ قَضَى لِلنَّاسِ جَاهِلًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) ، وَفَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ( «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ» ) ، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَالْحَاكِمُ عَنْ بُرَيْدَةَ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَفْظُهُ ( «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، قَاضٍ قَضَى بِالْهَوَى فَهُوَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ عِلْمٍ فَهُوَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ» ) وَفَى رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ عَنْ بُرَيْدَةَ ( «قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، قَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَقَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ مُتَعَمِّدًا، أَوْ قَضَى بِغَيْرِ عِلْمٍ فَهُمَا فِي النَّارِ» ) .
стр. 5194
٣٧٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٧٣٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ» ) ; أَيْ إِلَى أَنْ يُدْرِكَ الْقَضَاءَ (ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ) ; أَيْ قَوِيَ عَدْلُهُ عَلَى جَوْرِهِ ; بِحَيْثُ مَنَعَهُ عَنِ الْجَوْرِ، أَوِ الظُّلْمِ فِي الْحُكْمِ ; (فَلَهُ الْجَنَّةُ) ; أَيْ مَعَ الْفَائِزِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْ يَقُلْ قَوْلُهُ: (حَتَّى) غَايَةٌ لِلطَّلَبِ، وَ (حَتَّى) لِلتَّدَرُّجِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ بَالَغَ فِي الطَّلَبِ، وَبَلَغَ مَجْهُودُهُ فِيهِ، ثُمَّ نَالَهُ، فَمِثْلُ هَذَا مَوْكُولٌ إِلَى نَفْسِهِ، فَلَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ، فَكَيْفَ يَغْلِبُ عَدْلُهُ جَوْرَهُ؟ وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: ( «مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ» ) فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؟ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الطَّالِبُ رَجُلَانِ ; رَجُلٌ مُؤَيَّدٌ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ مُحَدَّثٌ مُلْهَمٌ كَالصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، فَإِذَا طَلَبَهُ بِحَقِّهِ فَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ مَوْكُولًا إِلَى نَفْسِهِ وَهُوَ يَقْضِي بِالْحَقِّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ، وَرَجُلٌ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، فَيَغْلِبُ جَوْرُهُ عَدْلَهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ( «وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ» ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: رُبَّمَا يَسْبِقُ إِلَى فَهَمِ بَعْضِ مَنْ لَا يَتَحَقَّقُ الْقَوْلَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْغَلَبَةِ أَنْ يَزِيدَ مَا عَدَلَ فِيهِ عَلَى مَا جَارَ وَهَذَا بَاطِلٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي تَأْوِيلِهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا، مَا قَالَهُ التُّورِبِشْتِيُّ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْغَلَبَةِ فِي كِلَا الصِّيغَتَيْنِ أَنْ تَمْنَعَهُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى ; فَلَا يَجُورُ فِي حُكْمِهِ ; يَعْنِي فِي الْأَوَّلِ، وَلَا يَعْدِلُ يَعْنِي فِي الثَّانِي، قُلْتُ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ ; لِأَنَّ مَنْ كَثُرَ ظُلْمُهُ
стр. 5195
بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَدْلِهِ فَلَهُ النَّارُ ; أَيْضًا، وَيُفْهَمُ بِطَرِيقِ الْأَوَّلِ: أَنَّ مَنْ لَا يَعْدِلُ أَصْلًا أَنَّهُ فِي النَّارِ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ ﷺ : " «قَاضٍ فِي الْجَنَّةِ وَقَاضِيَانِ فِي النَّارِ» " وَإِنَّمَا الْمُحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ هُوَ الْأَوَّلُ فَتَأَمَّلْ ; وَثَانِيهَا: مَا قَالَهُ الْمُظْهِرُ: أَنَّ مَنْ قَوِيَ عَدْلُهُ بِحَيْثُ لَا يَدْعُ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ جَوْرٌ، قُلْتُ: هَذَا هُوَ عَيْنُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ; وَثَالِثُهَا: مَا قَالَهُ الْقَاضِي: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ فِي بَدْءِ فِطْرَتِهِ بِحَيْثُ يَقْوَى عَلَى الْخَيْرِ، وَالشَّرِّ، وَالْعَدْلِ، وَالْجَوْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَعْرِضُ لَهُ دَوَاعٍ دَاخِلِيَّةٌ وَأَسْبَابٌ خَارِجِيَّةٌ تَتَعَارَضُ وَتَتَصَارَعُ ; فَيَجْذِبُهُ هَؤُلَاءِ مَرَّةً، وَهَؤُلَاءِ أُخْرَى، حَتَّى يُفْضِيَ التَّطَارُدُ بَيْنَهُمَا إِلَى أَنْ يَغْلِبَ أَحَدُ الْحِزْبَيْنِ، وَيَقْهَرَ الْآخَرَ فَيَنْقَادَ لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَيَسْتَقِرَّ عَلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَيْهِ، فَالْحَاكِمُ إِنْ وُفِّقَ لَهُ حَتَّى غَلَبَ لَهُ أَسْبَابُ الْعَدْلِ قَائِمًا فِيهِ دَوَاعِيهِ ; صَارَ بِشَرَارَةٍ مَائِلًا إِلَى الْعَدْلِ، مَشْغُوفًا بِهِ، مُتَحَاشِيًا عَمَّا يُنَافِيهِ، فَيَنَالُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِنَّ عَدَلَ بِأَنْ كَانَ حَالُهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ جَارَ بَيْنَ النَّاسِ وَنَالَ بِشُؤْمِهِ النَّارَ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا تَفْصِيلٌ وَتَوْجِيهٌ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَلَا تَغْفَلْ. نَعَمْ لَهُ مَعْنًى ثَانٍ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ عَدْلِهِ، وَجَوْرِهِ، وَصَوَابِهِ، وَخَطَأِهِ فِي الْحُكْمِ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ ; فِيمَا لَا يَكُونُ فِيهِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ، كَمَا قَالُوهُ فِي حَقِّ الْمُفْتِي، وَالْمُدَرِّسِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: " «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَحِفْ عَمْدًا» " كَمَا سَيَأْتِي (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5196
٣٧٣٧ - «وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يَرْضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٣٧٣٧ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ) ; أَيْ وَالِيًا وَقَاضِيًا (قَالَ) : أَيِ امْتِحَانًا لَهُ (كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟) ; أَيْ مُصَرَّحًا (فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي) ; أَيْ أَطْلُبُ حُكْمَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا نَصٌّ وَأَحْكُمُ فِيهَا بِمِثْلِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا نَصٌّ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُشَابَهَةِ، (وَلَا آلُو) بِمَدِ الْهَمْزَةِ مُتَكَلِّمٌ مِنْ أَلَى يَأْلُو ; أَيْ مَا أُقَصِّرُ، قَالَ الطِّيبِي: قَوْلُهُ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، الْمُبَالَغَةُ قَائِمَةٌ فِي جَوْهَرِ اللَّفْظِ وَبِنَاؤُهُ لِلْافْتِعَالِ وَلِلْاعْتِمَالِ وَالسَّعْيِ وَبَذْلِ الْوُسْعِ، وَنِسْبَتُهُ إِلَى الرَّأْيِ ; أَيْضًا تَرْبِيَةٌ إِلَى الْمَعْنَى، قَالَ الرَّاغِبُ: الْجُهْدُ: وَالْجُهْدُ طَاقَةٌ وَالْمَشَقَّةُ وَالْاجْتِهَادُ أَخْذُ النَّفَسِ بِبَذْلِ الطَّاقَةِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ، يُقَالُ: جَهَدْتُ رَأْيِي وَاجْتَهَدْتُ ; أَتْعَبْتُهُ بِالْفِكْرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمْ يُرِدْ بِهِ الرَّأْيَ الَّذِي يَسْنَحُ لَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، أَوْ يَخْطُرُ بِبَالِهِ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، بَلْ أَرَادَ رَدَّ الْقَضِيَّةِ إِلَى مَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ; مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ وَفِي هَذَا إِثْبَاتٌ لِلْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ إِذَا وَجَدْتُ مُشَابَهَةً بَيْنَ الَّتِي أَنَا بِصَدَدِهَا وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي جَاءَ نَصٌّ فِيهَا مِنَ الْكِتَابِ، أَوِ السُّنَّةِ ; حَكَمْتَ فِيهَا بِحُكْمِهِمَا ; مِثَالُهُ: جَاءَ النَّصُّ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ وَلَمْ يَجِيءْ نَصٌّ فِي الْبِطِّيخِ قَاسَ الشَّافِعِيُّ الْبِطِّيخَ عَلَى الْبُرِّ لَمَّا وَجَدَ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ عِلَّةِ الْمَطْعُومِيَّةِ، وَقَاسَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْجِصَّ عَلَى الْبُرِّ لَمَّا وَجَدَ بَيْنَهُمَا مِنْ عِلَّةِ الْكَيْلِيَّةِ، (قَالَ) ; أَيْ مُعَاذٌ (فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَدْرِهِ، أَوْ قَالَ الرَّاوِي نَقْلًا عَنْ مُعَاذٍ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَدْرِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: عَلَى صَدْرِي ; بِطَرِيقِ الِالْتِفَاتِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ، ( «وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يَرْضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ» ) ; أَيْ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَتَمَنَّاهُ مِنْ طَلَبِ طَرِيقِ الصَّوَابِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ اسْتِصْوَابٌ مِنْهُ ﷺ لِرَأْيِهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَلَا ارْتِيَابَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا كَدَحَ فِي التَّحَرِّي وَأَتْعَبَ الْقَرِيحَةَ فِي الِاسْتِنْبَاطِ ; اسْتَحَقَّ أَجْرًا لِذَلِكَ، وَهَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى أَصْلِ الِاجْتِهَادِ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْجُزْئِيَّاتِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُصِيبَ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، أَوْ يُخْطِيءَ فِيهَا ; فَإِذَا أَصَابَ ; ثَبَتَ لَهُ أَجْرَانِ أَحَدُهُمَا بِاعْتِبَارِ
стр. 5197
أَصْلِ الرَّأْيِ، وَالْآخَرُ بِاعْتِبَارِ الْإِصَابَةِ، وَإِذَا أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَلَا عَلَيْهِ شَيْءٌ بِاعْتِبَارِ الْخَطَأِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 5198
٣٧٣٨ - «وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا ; فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ ; إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ، قَالَ: فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِرَأْيِ، فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
٣٧٣٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا) ; أَيْ أَرَادَ بَعْثِيَ (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرْسِلُنِي؟) فِيهِ تَفَنُّنٌ لِلْعِبَارَةِ وَالتَّقْدِيرُ: أَتُرْسِلُنِي؟ (وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ) ; أَيْ وَالْحَالُ أَنِّي صَغِيرُ الْعُمْرِ قَلِيلُ التَّجَارِبِ (وَلَا عِلْمَ لِي) ; أَيْ كَامِلًا بِالْقَضَاءِ، وَلَيْسَ هَذَا تَعَلُّلًا بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إِمْدَادُ الْمَدَدِ، (فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ) ; أَيْ بِالْفَهْمِ (وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ) ; أَيْ بِالْحُكْمِ، وَنَظِيرُهُ مَا وَقَعَ لِمُوسَى وَهَارُونَ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٤٣] الْآيَةَ، ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى - قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٥ - ٤٦] ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ الصُّوفِيَّةِ تَرْجِيحُ مَرْتَبَةِ الْحُضُورِ مَعَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى جَمِيعِ الْمَنَاصِبِ الْعَلِيَّةِ وَالْمَرَاتِبِ السَّنِيَّةِ، وَلِذَا لَمَّا عَرَضَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ جَمِيعَ مَنَاصِبِهِ عَلَى عَبْدِهِ إِيَازَ الْخَاصِّ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا وَاخْتَارَ مُلَازَمَةَ الْخَوَاصِّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الْعِلْمِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُجَرِّبْ سَمَاعَ الْمُرَافَعَةِ بَيْنَ الْخُصَمَاءِ وَكَيْفِيَّةَ دَفْعِ كَلَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ وَمَكْرِهِمَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: السِّينُ فِي قَوْلِهِ: سَيَهْدِي قَلْبَكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] فَإِنَّ السِّينَ فِيهِمَا صَحِبَ الْفِعْلَ لِتَنْفِيسِ زَمَانِ وُقُوعِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ ﵁ حِينَ بَعَثَهُ قَاضِيًا كَانَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، كَمَعَاذٍ ﵁، وَقَوْلُهُ: أَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، اعْتِذَارٌ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْفِكْرِ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ مِنْ قِلَّةِ تَجَارِبِهِ، وَلِذَلِكَ أَجَابَ بِقَوْلِهِ: سَيَهْدِي قَلْبَكَ ; أَيْ يُرْشِدُكَ إِلَى طَرِيقِ اسْتِنْبَاطِ الْقِيَاسِ بِالرَّأْيِ الَّذِي مَحَلُّهُ قَلْبُكَ فَيَنْشَرِحُ صَدْرُكَ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ فَلَا تَقْضِي إِلَّا بِالْحَقِّ اهـ. وَقَوْلُ الْمُظْهِرِ أَوْفَقُ وَأَظْهَرُ بِقَوْلِهِ (إِذَا تَقَاضَى) ; أَيْ تَرَافَعَ إِلَيْكَ (رَجُلَانِ) ; أَيْ مُتَخَاصِمَانِ (فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ) ; أَيْ مِنَ الْخَصْمَيْنِ وَهُوَ الْمُدَّعِي (حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ) ; أَيْ فَإِنَّكَ لَنْ تَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِنْبَاطِ وَتَمْيِيزِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ بِسَمَاعِ كَلَامِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فَقَوْلُهُ: إِذَا تَقَاضَى. . إِلَخْ مُقَدِّمَةٌ لِلْإِرْشَادِ وَأُنْمُوذَجٌ مِنْهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَقْضِي عَلَى غَائِبٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ إِذَا مَنَعَهُ مِنْ أَنْ يَقْضِي لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَهُمَا حَاضِرَانِ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ ; فَفِي الْغَائِبِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ وَذَلِكَ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْغَائِبِ حُجَّةٌ تُبْطِلُ دَعْوَى الْآخَرِ وَتَدْحَضُ حُجَّتَهُ، قَالَ الْأَشْرَفُ: لَعَلَّ مُرَادَ الْخَطَّابِيِّ بِهَذَا الْغَائِبِ ; الْغَائِبُ عَنْ مَحَلَّ الْحُكْمِ فَحَسْبُ، دُونَ الْغَائِبِ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (فَإِنَّهُ) ; أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْقَضَاءِ (أَحْرَى) ; أَيْ حَرِيٌ وَحَقِيقٌ وَجَدِيرٌ (أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ قَالَ فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ) ; أَيْ بَعْدَ دُعَائِهِ وَتَعْلِيمِهِ ﷺ ، وَلَعَلَّ هَذَا وَجْهُ كَوْنِهِ ﵁ أَقْضَاهُمْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي أَسْنَى الْمَنَاقِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵁ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: عَلِيٌّ أَقْضَانَا وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَقْرَؤُنَا) (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ ( «إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِرَأْيِ» ) فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) .
стр. 5199
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٧٣٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَلَكٌ آخِذٌ بِقَفَاهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِنْ قَالَ: أَلْقِهْ أَلْقَاهُ فِي مَهْوَاةٍ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٧٣٩ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ حَاكِمٍ) : (مِنْ) زَائِدَةٌ لِلْاسْتِغْرَاقِ وَ (حَاكِمٍ) نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَشْمَلُ كُلَّ عَادِلٍ وَظَالِمٍ (يَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَلَكٌ آخِذٌ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (بِقَفَاهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ) : أَيِ الْمَلَكُ (رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ) : أَيْ مُنْتَظِرًا لِأَمْرِ اللَّهِ فِيهِ (فَإِنْ قَالَ) : أَيِ اللَّهُ تَعَالَى (أَلْقِهْ) : بِسُكُونِ الْهَاءِ وَكَسَرٍ مَعَ إِشْبَاعِهِ وَقَصْرِهِ ; أَيِ: ارْمِهِ (أَلْقَاهُ فِي مَهْوَاةٍ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ; أَيْ مَهْلَكَةٍ وَمَسْقَطَةٍ (أَرْبَعِينَ خَرِيفًا) : أَيْ سَنَةً. فَفِي النِّهَايَةِ: الْخَرِيفُ الزَّمَانُ الْمَعْرُوفُ مِنْ فُصُولِ السَّنَةِ مَا بَيْنَ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ، وَيُرِيدُ بِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ; لِأَنَّ الْخَرِيفَ فِي السَّنَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَرْبَعِينَ مَجْرُورًا لِمَحَلِّ صِفَةِ (مَهْوَاةٍ) ; أَيْ: مَهْوَاةٍ عَمِيقَةٍ فَكُنِّيَ عَنْهُ لِأَرْبَعِينَ، إِذْ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّحْدِيدُ، بَلِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْعُمْقِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفَى نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ، وَفِي الْمُغْرِبِ: الْمَهْوَاةُ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، قِيلَ: مِنَ الْهُوَّةِ وَهَى الْحُفْرَةُ، وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: رَفَعَهُ فِي مَهْوَاةٍ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا عَلَى الْإِضَافَةِ، يَعْنِي فِي غَمْرَةٍ عُمْقُهَا مَسَافَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: مَلَكٌ آخِذٌ بِقَفَاهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَقْهُورًا فِي يَدِهِ كَمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ الْغُلُّ مُقْمَحًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس: ٨] ، ثُمَّ قَالَ: قَوْلُهُ (فَإِنْ قَالَ) الْفَاءُ لِلتَّفْصِيلِ، وَإِنِ الشَّرْطِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ حَالُهُ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، فَيُقَالُ فِي حَقِّهِ: أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، فَالْمَعْنَى وَإِنْ قَالَ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ أُدْخِلَهَا، فَهَذَا الْحَدِيثُ كَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ كِتَابِ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ وَهُوَ قَوْلُهُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَّا أَتَى اللَّهَ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ فَكَّهُ بِرُّهُ، أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ» اهـ. وَلَا يَخْفَى بُعْدُ ضَمِيرِ يَرْفَعُ بَعْدَ (ثُمَّ) إِلَى الْحَاكِمِ، فَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَلَكِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَدِيثَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: «مَا مِنْ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ إِلَّا يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَلَكٌ آخِذٌ بِقَفَاهُ حَتَّى يَقِفَهُ عَلَى جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى اللَّهِ، فَإِنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَلْقِهْ أَلْقَاهُ فِي مَهْوَاةٍ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا» اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَا عَلَى مَا لَا يَخْفَى (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") .
стр. 5200
٣٧٤٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ، ﵂، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٣٧٤٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ) : أَيِ الْعَادِلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ ; أَيْ ذِي الْعَدْلِ (يَوْمُ الْقِيَامَةِ) : بِالرَّفْعِ وَفَى نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ ; أَيْ لَيَأْتِيَنَّ إِتْيَانٌ، أَوْ زَمَانٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ (سَاعَةٌ يَتَمَنَّى) : أَيْ فِيهِ (أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ فَاعِلُ (لَيَأْتِيَنَّ) ، وَ (يَتَمَنَّى) حَالٌ مِنَ الْمَجْرُورِ، وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ، وَالرَّاجِعُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ يَتَمَنَّى فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) مَنْصُوبًا عَلَى الظَّرْفِ ; أَيْ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْبَلَاءِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ، فَإِذَا الْفَاعِلُ يَتَمَنَّى بِتَقْدِيرِ أَنْ، وَقَدْ عَبَّرَ عَنِ السَّبَبِ بِالْمُسَبَّبِ ; لِأَنَّ الْبَلَاءَ سَبَبُ التَّمَنِّي، وَالتَّقْيِيدُ بِالْعَدْلِ وَالتَّمْرَةِ، تَتْمِيمٌ لِمَعْنَى الْمُبَالَغَةِ مِمَّا نَزَلَ بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَكَذَا الدَّارَقُطْنِيُّ.
стр. 5201
٣٧٤١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةٍ: " «فَإِذَا جَارَ وَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ» ".
ــ
٣٧٤١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) : ﵁ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا، رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ وَجَابِرٌ وَغَيْرُهُمَا ﵃، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ بِالْمَدِينَةِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُ) : وَفَى نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: إِنَّ اللَّهَ (مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ) : بِضَمِّ الْجِيمِ ; أَيْ مَا لَمْ يَظْلِمْ (فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ) : أَيْ خَذَلَهُ وَتَرَكَ عَوْنَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: تَبَرَّأَ اللَّهُ مِنْهُ (وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ) : أَيْ لَازَمَهُ الْعِصْيَانُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ (وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيِ ابْنُ مَاجَهْ (فَإِذَا جَارَ وَكَلَهُ) : بِتَخْفِيفِ الْكَافِ (إِلَى نَفْسِهِ) : الْجَوْهَرِيُّ: وَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَكْلًا وَوُكُولًا، وَهَذَا الْأَمْرُ مَوْكُولٌ إِلَى رَأْيِكَ وَفَرَسٌ وَاكِلٌ يَتَّكِلُ عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْعَدْوِ، وَوَاكَلْتُ فُلَانًا مُوَاكَلَةً إِذَا اتَّكَلْتَ عَلَيْهِ، وَاتَّكَلَ هُوَ عَلَيْكَ، هَذَا وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ مَعْقَلِ بْنِ يَسَارٍ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَحِفْ عَمْدًا» .
стр. 5202
٣٧٤٢ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ مُسْلِمًا وَيَهُودِيًّا اخْتَصَمَا إِلَى عُمَرَ، فَرَأَى الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ، فَقَضَى لَهُ عُمَرُ بِهِ. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ إِلَّا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ، وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ، يُسَدِّدَانِهِ وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ، فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ. رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
٣٧٤٢ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ﵁ : قِيلَ: هُوَ أَفْضَلُ التَّابِعِينَ (أَنَّ مُسْلِمًا وَيَهُودِيًّا) : أَيْ فَرْدًا مِنَ الْيَهُودِ (" اخْتَصَمَا إِلَى عُمَرَ) : أَيْ مُتَرَافِعَيْنِ إِلَيْهِ (فَرَأَى الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ فَقَضَى لَهُ) : أَيْ حَكَمَ لِلْيَهُودِيِّ (عُمَرُ بِهِ) : أَيْ بِالْحَقِّ (فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ) : أَيْ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ، وَتَوْفِيقِهِ، وَلَمْ تَمِلْ إِلَى مَنْ هُوَ عَلَى دِينِكَ (فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ) : بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ، كَذَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَهَى آلَةٌ لِلضَّرْبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَمَلَهَا عَلَيْهِ (وَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ) : أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكَ كَذَا (فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ) : أَيِ الشَّأْنَ (لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي إِلَّا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمَالِهِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ; أَيْ يَسَارِهِ (مَلَكٌ، يُسَدِّدَانِهِ) : بِالتَّشْدِيدِ ; أَيْ يَدُلَّانِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالصَّوَابِ (وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ) : وَفَى نُسْخَةٍ عَلَى الْحَقِّ (فَإِذَا تَرَكَ) : أَيِ الْقَاضِي (الْحَقَّ، عَرَجَا) : أَيْ صَعِدَا (وَتَرَكَاهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ ضَرَبَهُ وَلَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ بِهِ ; لِأَنَّهُ صَدَقَ وَكَيْفَ يُطَابِقُ جَوَابُ الْيَهُودِيِّ، وَاللَّهِ إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ، لِقَوْلِهِ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قُلْتُ: لَمْ يَضْرِبْهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا بَلْ لِإِصَابَتِهِ كَمَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ عَلَى سَبِيلِ الْمُطَايَبَةِ، وَتَطْبِيقُ الْجَوَابِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَوْ مَالَ عَنِ الْحَقِّ لَقَضَى لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْيَهُودِيِّ، فَلَمْ يَكُنْ مُسَدَّدًا فَلَمَّا قَضَى لَهُ عَلَيْهِ عُرِفَ بِتَسْدِيدِهِ وَثَبَاتِهِ وَعَدَمِ مَيْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ أَنَّهُ مُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ (رَوَاهُ مَالِكٌ) : أَيْ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ فِي تَرْجَمَةِ التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ.
стр. 5203
٣٧٤٣ - وَعَنِ ابْنِ مَوْهَبٍ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁، قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: اقْضِ بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ: أَوَتُعَافِينِي؟ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: وَمَا تَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ يَقْضِي؟ قَالَ: لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ كَانَ قَاضِيًا فَقَضَى بِالْعَدْلِ ; فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ كَفَافًا» ". فَمَا رَاجَعَهُ بَعْدُ فِي ذَلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٣٧٤٣ - (وَعَنِ ابْنِ مَوْهَبٍ) : ﵁ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْهَاءِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ (أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: اقْضِ بَيْنَ النَّاسِ) : أَيِ اقْبَلِ الْقَضَاءَ بَيْنَهُمْ (قَالَ: أَوَتُعَافِينِي؟ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) : أَيْ أَتَرْحَمُ عَلَيَّ وَتُعَافِينِي وَهُوَ اسْتِعْطَافٌ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَاءِ (قَالَ) : أَيْ عُثْمَانُ (وَمَا تَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ) : أَيِ الْقَضَاءِ (وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ يَقْضِي؟ قَالَ: لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ قَاضِيًا فَقَضَى بِالْعَدْلِ» ) : عَطَفَ عَلَى
стр. 5204
الشَّرْطِ (فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ) : أَيْ يَرْجِعَ مِنْ فِعْلِهِ (كَفَافًا) : بِفَتْحِ الْكَافِ ; أَيْ خَلَاصًا وَهُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ يُقَالُ: فُلَانٌ تَحَرَّى بِكَذَا وَحَرَّ بِكَذَا، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَكُونَ كَذَا ; أَيْ جَدِيرٌ وَخَلِيقٌ، فَحَرِيٌّ إِنْ كَانَ اسْمَ فَاعِلٍ يَكُونُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ نَحْوَ: بِحَسْبِكَ دِرْهَمٌ ; أَيِ الْخَلِيقُ، وَالْجَدِيرُ كَوْنُهُ مُنْقَلِبًا مِنْهُ كَفَافًا، وَإِنْ جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا فَهُوَ خَبَرٌ، وَالْمُبْتَدَأُ أَمَّا بَعْدَهُ، وَالْبَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ ; أَيْ: كَوْنُهُ مُنْقَلِبًا ثَابِتٌ بِالْاسْتِحْقَاقِ، وَكَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي نُسْخَةٍ أَنْ يَنْفَلِتَ بِالْفَاءِ وَالْفَوْقِيَّةِ ; أَيْ: يَتَخَلَّصُ مِنْهُ كَفَافًا ; أَيْ رَأْسًا بِرَأْسٍ لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، يَعْنِي لَا يُثَابُ وَلَا يُعَاقَبُ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ: وَدِدْتُ أَنِّي سَلِمْتُ مِنَ الْخِلَافَةِ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي، وَالْكَفَافُ هُوَ الَّذِي لَا يَفْضُلُ عَنِ الشَّيْءِ وَيَكُونُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ مَكْفُوفًا عَنْ شَرِّهَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهَا أَنْ لَا يُنَالَ مِنِّي وَلَا أَنَالَ مِنْهُ ; أَيْ: يَكُفُّ عَنِّي وَأَكُفُّ عَنْهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يَكُفُّ هُوَ عَنِ الْقَضَاءِ وَيَكُفُّ الْقَضَاءُ عَنْهُ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَعْنَى الْآخَرَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بِكَسْرِ الْكَافِ مَصْدَرٌ كَافَهُ كَفَافًا وَمُكَافَفَةً. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْقَضَاءَ وَاجْتَهَدَ فِي تَحَرِّي الْحَقَّ وَاسْتَفْرَغَ جَهْدَهُ فِيهِ حَقِيقٌ أَنْ لَا يُثَابَ وَلَا يُعَاقَبَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَوَلِّيهِ، وَفَى مَعْنَاهُ أُنْشِدَ:
عَلَى أَنَّنِي رَاضٍ بِأَنْ أَحْمِلَ الْهَوَى ... وَأَخْلُصَ مِنْهُ لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَا
(فَمَا رَاجَعَهُ) : أَيْ: فَمَا رَدَّ عُثْمَانُ الْكَلَامَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَلَا رَجَعَ إِلَى مَا طَلَبَ مِنْهُ (بَعْدَ ذَلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 5205
٣٧٤٤ - وَفِي رِوَايَةِ رَزِينٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَا أَقْضِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ، قَالَ: فَإِنَّ أَبَاكَ كَانَ يَقْضِي. فَقَالَ: إِنَّ أَبِي لَوْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ أُشْكِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ لَهُ شَيْءٌ سَأَلَ جِبْرِيلَ ﵇، وَإِنِّي لَا أَجِدُ مَنْ أَسْأَلُهُ، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ عَاذَ بِاللَّهِ، فَقَدْ عَاذَ بِعَظِيمٍ» . وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ عَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ» . وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تَجْعَلَنِي قَاضِيًا! فَأَعْفَاهُ، قَالَ: لَا تُخْبِرْ أَحَدًا.
ــ
٣٧٤٤ - (وَفِي رِوَايَةِ رَزِينٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَا أَقْضِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ) : يَعْنِي فِي جَوَابِ أَمْرِهِ لَهُ بِالْقَضَاءِ عَلَى مَا سَبَقَ (قَالَ: فَإِنَّ أَبَاكَ كَانَ يَقْضِي فَقَالَ: إِنَّ أَبِي لَوْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) : ظَاهِرُهُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقْضِي فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَلَوْ أُشْكِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ سَأَلَ جِبْرِيلَ ﵇، وَإِنِّي لَا أَجِدُ مَنْ أَسْأَلُهُ) : وَكَانَ مَذْهَبُهُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْمُجْتَهِدِ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ مِنَ الْخَلِيفَةِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ ﵃ (وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ عَاذَ بِاللَّهِ فَقَدْ عَاذَ بِعَظِيمٍ» ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «مَنْ عَاذَ بِاللَّهِ فَقَدْ عَاذَ بِمُعَاذٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ (وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " «مَنْ عَاذَ بِاللَّهِ ; فَأَعِيذُوهُ» ". وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تَجْعَلَنِي قَاضِيًا فَأَعْفَاهُ) : لُغَةٌ بِمَعْنَى عَفَاهُ وَسَامَحَهُ (وَقَالَ) : أَيْ عُثْمَانُ (لَا تُجْبِرْ أَحَدًا) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْإِجْبَارِ بِمَعْنَى الْإِكْرَاهِ، وَفَى بَعْضِ الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ لَا تُخْبِرْ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْإِخْبَارِ عَلَى صِيغَةِ الْخِطَابِ ; أَيْ: لَا تُعْلِمْ أَحَدًا غَيْرَكَ بِمَا ذَكَرْتَهُ لِئَلَّا يَنْسَدَّ الْبَابُ هَذَا، وَمِنْ غَرِيبِ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الْقَضَاءِ مَا رَوَاهُ تَمَّامٌ وَابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «عَجَّ حَجَرٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: إِلَهِي وَسَيِّدِي عَبَدْتُكَ كَذَا سَنَةٍ، ثُمَّ جَعَلْتَنِي فِي أُسِّ كَنِيفٍ، فَقَالَ: أَوَمَا تَرْضَى أَنْ عَدَلْتُ بِكَ عَنْ مَجَالِسِ الْقَضَاءِ» ، كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ.
стр. 5206
[بَابُ رِزْقِ الْوُلَاةِ وَهَدَايَاهُمْ]
стр. 5207
[٣] بَابُ رِزْقِ الْوُلَاةِ وَهَدَايَاهُمْ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٧٤٥ - عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " «مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ، أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[٣] بَابُ رِزْقِ الْوُلَاةِ وَهَدَايَاهُمْ
هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ لِقَوْلِهِ ﷺ : ( «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا» ) الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرِّزْقِ وَالْعَطَاءِ أَنَّ الْعَطَاءَ مَا يَخْرُجُ لِلْجُنْدِيِّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فِي السَّنَةِ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَالرِّزْقُ مَا يَخْرُجُ لَهُ كُلَّ شَهْرٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٧٤٥ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حِينَ قَسَّمَ الْأَمْوَالَ لِئَلَّا يَقَعَ شَيْءٌ فِي قُلُوبِ أَصْحَابِهِ مِنْ أَجْلِ التَّفَاضُلِ فِي الْقِسْمَةِ (مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ» ) : أَيْ لَا أُعْطِي أَحَدًا مِنْكُمْ شَيْئًا تَمِيلُ نَفْسِي إِلَيْهِ، وَلَا أَمْنَعُهُ لِعَدَمِ إِقْبَالِ قَلْبِي عَلَيْهِ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْفِعْلَيْنِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ دُونَ الْمَاضِي دَلَالَةً عَلَى اسْتِمْرَارِهَا فِي كُلِّ حَالٍ وَزَمَانٍ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ) : أَيْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْعِ وَالْعَطَاءِ (حَيْثُ أُمِرْتُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: أَنَا قَاسِمٌ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ، وَفِيهِ مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ لِتَقَدُّمِ الْفَاعِلِ الْمَعْنَوِيِّ، كَقَوْلِهِ: أَنَا كُفِيتُ سَهْمَكَ، وَلَوْ لَمْ يُذْهِبْ إِلَى الِاخْتِصَاصِ لَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا ; لِأَنَّ مَعْنَى مَا أُعْطِيكُمْ مَا أَعْطَيْتُكُمْ، وَمَا أَمْنَعُكُمْ مَا مَنَعْتُكُمْ، وَإِنَّمَا الْمُعْطِي وَالْمَانِعُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا أَنَّا قَاسِمٌ أُقَسِّمُ بَيْنَكُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَأَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ بَيَانًا لِلْبَيَانِ، وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ مِثْلَ " أَنَا عَارِفٌ " لَا يُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ مِثْلَ " أَنَا عَرَفْتُ " اهـ. وَفِي الْحَدِيثِ الْتِفَاتٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ ; أَيْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ (مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ) ; أَيْ يَعِيبُكَ فِي تَقْسِيمِهَا ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا﴾ [التوبة: ٥٨] ; أَيْ كَثِيرًا ﴿رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٨ - ٥٩] خَيْرًا لَهُمْ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: «أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ اللَّهُ يُعْطِي وَأَنَا أَقْسِمُ» .
стр. 5208
٣٧٤٦ - وَعَنْ خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ; فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٧٤٦ - (وَعَنْ خَوْلَةَ ﵂ : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (الْأَنْصَارِيَّةِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَامِرٍ الْأَنْصَارِيَّةُ حَدِيثُهَا عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، رَوَى عَنْهَا النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ، وَقِيلَ: هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ الْقَيْسِ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَثَامِرٌ لَقَبُ قَيْسٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا اثْنَتَانِ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّ رِجَالًا) : أَيْ مِنَ الْعُمَّالِ وَغَيْرِهِمْ (يَتَخَوَّضُونَ) : قَالَ الرَّاغِبُ: الْخَوْضُ هُوَ الشُّرُوعُ فِي الْمَاءِ، وَالْمُرُورُ فِيهِ، وَيُسْتَعَارُ فِي الْأُمُورِ، وَأَكْثَرُ مَا وَرَدَ فِيمَا يُذَمُّ الشُّرُوعُ فِيهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] اهـ. وَفَى التَّفَعُّلِ مُبَالَغَةٌ، وَالْمَعْنَى يَشْرَعُونَ وَيَدْخُلُونَ وَيَتَصَرَّفُونَ. (فِي مَالِ اللَّهِ) : أَيْ مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنَ الزَّكَاةِ وَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ وَالْغَنِيمَةِ وَغَيْرِهَا، (بِغَيْرِ حَقٍّ) : أَيْ بِغَيْرِ إِذَنٍ مِنَ الْإِمَامِ، فَيَأْخُذُونَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ عَمَلِهِمْ وَقَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ (فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : خَبَرُ (إِنَّ) وَأَدْخَلَ الْفَاءَ ; لِأَنَّ اسْمَهَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5209
٣٧٤٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لِمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَئُونَةِ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٧٤٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَ: لِمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ جُعِلَ خَلِيفَةً وَهُوَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ (قَالَ) : أَيِ اعْتِذَارًا عَنْ إِنْفَاقِهِ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي) : قِيلَ: أَرَادَ بِهِمْ قُرَيْشًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمُسْلِمِينَ (أَنَّ حِرْفَتِي) : وَهَى مَا كَانَ يَشْتَغِلُ بِهِ مِنَ التِّجَارَةِ قَبْلَ الْخِلَافَةِ فِي النِّهَايَةِ: الْحِرْفَةُ وَالصِّنَاعَةُ وَجِهَةُ الْكَسْبِ (لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْعَجْزُ الضَّعْفُ وَالْفِعْلُ كَضَرَبَ وَسَمِعَ (عَنْ مَئُونَةِ أَهْلِي) : بِفَتْحِ مِيمٍ وَضَمِّ هَمْزَةٍ وَسُكُونِ وَاوٍ، ; أَيْ نَفَقَةِ عِيَالِي وَقَدِ اشْتَغَلْتُ (بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ ; أَيْ بِإِصْلَاحِ أُمُورِهِمْ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى التَّفَرُّغِ لِلتِّجَارَةِ (فَسَيَأْكُلُ) : أَيْ يَنْتَفِعُ (آلُ أَبِي بَكْرٍ) : أَيْ تَبَعًا لَهُ، وَالْمُرَادُ أَهْلُهُ وَعِيَالُهُ وَفِيهِ الْتِفَاتٌ (مِنْ هَذَا الْمَالِ) إِشَارَةٌ إِلَى الْحَاضِرِ فِي الذِّهْنِ، وَهُوَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ لِلْمُسْلِمِينَ (وَيَحْتَرِفُ) : أَيْ أَبُو بَكْرٍ (لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ) : أَيْ فِي مُقَابَلَةِ مَا أَكَلَ مِنَ الْمَالِ عِوَضًا لَهُ، فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ: فَسَيَأْكُلُ وَأَرَادَ بِالْاحْتِرَافِ فِيهِ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَالسَّعْيَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَنِظَامِ أَحْوَالِهِمْ وَجِيءَ بِالْحِرْفَةِ مُشَاكَلَةً لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَةِ قَوْلِهِ: إِنَّ حِرْفَتِي. قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ تَاجِرًا فِي الْبَزِّ، وَعُمَرُ فِي الطَّعَامِ، وَعُثْمَانُ فِي التَّمْرِ وَالْبُرِّ، وَعَبَّاسٌ فِي الْعِطْرِ انْتَهَى. وَأَفْضَلُ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ الْبَزُّ، وَهُوَ الثِّيَابُ، ثُمَّ الْعِطْرُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: «لَوِ اتَّجَرَ أَهْلُ الْجَنَّةِ لَاتَّجَرُوا فِي الْبَزِّ، وَلَوِ اتَّجَرَ أَهْلُ النَّارِ لَاتَّجَرُوا فِي الصُّوفِ» . رَوَاهُ أَبُو مَنْصُورٍ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: اللَّامُ فِي (لَقَدْ عَلِمَ) قَسِيمَةٌ أَقْسَمَ أَنَّهُ كَانَ مُشْتَهِرًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّهُ كَانَ كَسُوبًا وَمُحَصِّلًا لِمَئُونَةِ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ بِحِرْفَةِ التِّجَارَةِ، وَلَمْ يَكُنْ عَاجِزًا عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا تَمْهِيدٌ مِنْهُ وَاعْتِذَارٌ مِنْهُ فِي قَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَمَنْ ثَمَّ أَتَى بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ فَسَيَأْكُلُ ; لِأَنَّهَا فَاءُ النَّتِيجَةِ، وَ (آلُ أَبِي بَكْرٍ) أَهْلُهُ وَعِيَالُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ نَفْسُهُ، وَفِي نَسَقِ الْكَلَامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِآلِ أَبِي بَكْرٍ نَفْسَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ ; أَيْ يَكْتَسِبُ بِالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ يَدُلُّ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ بِنَسَقِ الْكَلَامِ أَنْ يَحْتَرِفَ مُسْنِدًا إِلَى ضَمِيرِ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى (فَسَيَأْكُلُ) ، فَإِذَا أُسْنِدَ إِلَى الْأَهْلِ تَنَافَرَ وَانْخَرَمَ النَّظْمُ. وَقَالَ الْقَاضِي: آلُ أَبِي بَكْرٍ أَهْلُهُ، عَدَلَ عَنِ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ، وَقِيلَ: نَفْسُهُ، وَالْآلُ مُقْحَمٌ لِقَوْلِهِ: وَيَحْتَرِفُ لَيْسَ بِشَيْءٍ بَلِ الْمَعْنَى إِنِّي كُنْتُ أَكْسِبُ لَهُمْ فَيَأْكُلُونَهُ، وَالْآنَ أَكْسِبُ لِلْمُسْلِمِينَ بِالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَالسَّعْيِ فِي مَصَالِحِهِمْ وَنُظُمِ أَحْوَالِهِمْ، فَسَيَأْكُلُونَ مِنْ مَالِهِمُ الْمُعَدِّ لِمَصَالِحِهِمْ وَهُوَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَا بُدَّ فِي الِانْتِقَالِ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ عَلَى مَا سَمَّاهُ الْتِفَافًا مِنْ فَائِدَةٍ، فَقَوْلُهُ: آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ، جَرَّدَ مِنْ نَفْسِهِ شَخْصًا مُتَّصِفًا بِصِفَةِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ كَوْنِهِ كَسُوبًا مْحَصِّلًا لِمَئُونَةِ الْأَهْلِ بِالتِّجَارَةِ، ثُمَّ تَكَفَّلَ بِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ مِنْ تَوَلِّي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَامْتَنَعَ مِنَ الِاكْتِسَابِ لِمَئُونَةِ أَهْلِهِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ هُوَ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِالْعَلِيَّةِ وَإِنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ حَقِيقٌ بِأَنْ يَأْكُلَ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَرَضَ ﵁ لِنَفْسِهِ مُدَّيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَإِدَامًا زَيْتًا، أَوْ نَحْوَهُ، وَإِزَارًا وَرِدَاءً فِي الصَّيْفِ، وَفَرْوَةً، أَوْ جُبَّةً فِي الشِّتَاءِ، وَظَهْرًا مُعِينًا لِحَاجَتِهِ فِي السِّفَرِ وَالْحَضَرِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عَرَضِ الْمَالِ يَعْمَلُ فِيهِ قَدْرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ لِعِمَالَتِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ إِمَامٌ يَقْطَعُ لَهُ أُجْرَةً مَعْلُومَةً. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5210
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٧٤٨ - عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ، فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٧٤٨ - (عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ : أَيِ ابْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ، أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا، وَبَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَكَانَ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ، ثُمَّ تُحَوَّلُ إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى خُرَاسَانَ غَازِيًا فَمَاتَ بِمَرْوٍ زَمَنَ يَزِيدَ
стр. 5211
بْنِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَالْحُصَيْبُ تَصْغِيرِ الْحَصَبُ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ) : أَيْ جَعَلْنَاهُ عَامِلًا (عَلَى عَمَلٍ) : أَيْ مِنْ أَعْمَالِ الْوِلَايَةِ وَالْإِمَارَةِ (فَرَزَقْنَاهُ) : أَيْ فَأَعْطَيْنَاهُ (رِزْقًا) : أَيْ مِقْدَارًا مُعَيَّنًا (فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ) : جَزَاءُ الشَّرْطِ، وَ (مَا) مَوْصُولَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَقَوْلُهُ (فَهُوَ غُلُولٌ) خَبَرُهُ جِيءَ بِالْفَاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَيَجُوزَ أَنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً، وَالْغُلُولُ بِضَمَّتَيْنِ: الْخِيَانَةُ فِي الْغَنِيمَةِ وَفَى مَالِ الْفَيْءِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : كَذَا الْحَاكِمُ.
стр. 5212
٣٧٤٩ - «وَعَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَعَمَّلَنِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٧٤٩ - (وَعَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: عَمِلْتُ) : أَيْ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِ الْإِمَارَةِ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ فِي زَمَانِهِ وَبِأَمْرِهِ (فَعَمَّلَنِي) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ ; أَيْ أَعْطَانِي الْعُمَالَةَ، وَهِيَ بِتَثْلِيثِ أَوَّلِهِ وَالضَّمُّ أَشْهَرُ أُجْرَةُ الْعَمَلِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ أَعْطَانِي عُمَالَتِي وَأُجْرَةَ عَمَلِي، وَكَذَا أَعْمَلَنِي، وَقَدْ يَكُونُ عَمَّلَنِي بِمَعْنَى وَلَّانِي وَأَمَّرَنِي. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ إِذِ التَّقْدِيرُ عَمِلْتُ فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ وَمَصَالِحِهِمْ عَمَلًا فَأَعْطَانِي عُمَالَتِي، وَالثَّانِي لَا يُنَاسِبُ الْبَابَ، وَاللَّفْظُ يَنْبُو عَنْهُ. قُلْتُ: أَرَادَ الشَّيْخُ اسْتِيفَاءَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ وَجْهًا أَخَرَ يَرِدُ عَلَيْهِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ مَعْنَاهُ ; أَيْضًا لَا مَحْذُورَ فِيهِ، إِذِ الْمَعْنَى عَمِلْتُ عَمَلًا فَاسْتَحْسَنَهُ، فَوَلَّانِي عَمَلًا أَخَرَ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مَسْكُوتًا عَنْ إِعْطَاءِ عُمَالَتِهِ، فَفِي الْجُمْلَةِ يُنَاسِبُ الْبَابَ، وَأَمَّا نُبُوُّ اللَّفْظِ عَنْهُ فَلَا يَظْهَرُ وَجْهُهُ، وَقَدْ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: عُمِّلَ فُلَانٌ عَلَيْهِمْ بِالضَّمِّ تَعْمِيلًا أُمِّرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5213
٣٧٥٠ - وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁، قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، فَلَمَّا سِرْتُ، أَرْسَلَ فِي أَثَرِي، فَرُدِدْتُ. فَقَالَ: " أَتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُ إِلَيْكَ؟ لَا تُصِيبَنَّ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِي، فَإِنَّهُ غُلُولٌ ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] لِهَذَا دَعَوْتُكَ فَامْضِ لِعَمَلِكَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٣٧٥٠ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ : بِضَمِّ الْمِيمِ (قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْيَمَنِ) : أَيْ فَتَوَجَّهَتْ إِلَيْهَا (فَلَمَّا سِرْتُ قَلِيلًا، أَرْسَلَ فِي أَثَرِي) : بِفَتْحَتَيْنِ وَبِكَسْرٍ وَسُكُونٍ ; أَيْ عَقِبِي قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَثَرُ الشَّيْءِ حُصُولُ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ، وَمِنْ هَذَا يُقَالُ لِلطَّرِيقِ الْمُسْتَدَلِّ بِهِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ آثَارٌ (فَرُدِدْتُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ وَوَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ (فَقَالَ: أَتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُ إِلَيْكَ؟ لَا تُصِيبَنَّ) : فِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِأُوصِيَكَ وَأَقُولُ لَكَ لَا تُصِيبَنَّ ; أَيْ لَا تَأْخُذَنَّ (شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِي فَإِنَّهُ) : أَيْ ذَلِكَ الْأَخْذَ (غُلُولٌ) : أَيْ خِيَانَةٌ ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ بِمَا غَلَّ مَا ذَكَرَهُ قَوْلَهُ ﷺ : " «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ» " الْحَدِيثَ. (لِهَذَا) : أَيْ لِأَجْلِ هَذَا النُّصْحِ (دَعَوْتُكَ) : فَإِذَا أَبْلَغْتُكَ (فَامْضِ) : أَيِ اذْهَبْ (لِعَمَلِكَ) : أَيْ مَقْرُونًا بِعَمَلِكَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 5214
٣٧٥١ - وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلًا فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٧٥١ - (وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ ﵁ : بِكَسْرِ الرَّاءِ (ابْنِ شَدَّادٍ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْأَوْلَى ; أَيِ الْفِهْرِيِّ الْقُرَشِيِّ يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ غُلَامًا يَوْمَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ، لَكِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ كَانَ لَنَا) : أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ (عَامِلًا فَلْيَكْتَسِبْ) : أَيْ مِنَ الْمَالِ (زَوْجَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَيَكْسَرُ (فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا) : قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا فِي تَصَرُّفِهِ فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ قَدْرَ مَهْرِ زَوْجَةٍ وَنَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا، وَكَذَلِكَ مَا لَابُدَّ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَتَنَعُّمٍ، فَإِنْ أَخَذَ أَكْثَرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ضَرُورَةً فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا وُضِعَ الِاكْتِسَابُ مَوْضِعَ الْعُمَالَةِ وَالْأُجْرَةِ حَسْمًا لِطَمَعِهِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الْأُجْرَةَ إِذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً، فَلَهُ أَنْ يَصْرِفَ فِيمَا شَاءَ. فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؟ قَالَ: وَيُفْهَمُ مِنْ تَقْيِيدِ الْقَرِينَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِالشَّرْطِ أَنَّ الْقَرِينَةَ الْأُولَى مُطْلَقَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَاتٌ يَجُوزُ أَنْ يُضِيفَ إِلَيْهَا وَاحِدَةً، أَوِ اسْتَغْنَى بِتَقْيِيدِ الْأَخِيرَتَيْنِ عَنْ تَقْيِيدِ الْقَرِينَةِ الْأُولَى، فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ ; أَيْضًا. وَفَائِدَةُ ذِكْرِهَا أَنَّ لَهُ مُؤْنَةَ زَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ اهـ. وَالثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ بِقَدْرِ ضَرُورَةِ الْحَالِ وَعَدَمِ الْمَضَرَّةِ فِي الْمَالِ (وَفِي رِوَايَةٍ: مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ) : أَيْ مَا ذُكِرَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ (فَهُوَ غَالٌّ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ; أَيْ خَائِنٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5215
٣٧٥٢ - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ عُمِّلَ مِنْكُمْ لَنَا عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِنْهُ مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ فَهُوَ غَالٌّ، يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ سَمِعْتُكَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا قَالَ: وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ ; فَلْيَأْتِ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَهُ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ.
ــ
٣٧٥٢ - (وَعَنْ عَدِيٍّ ﵁ : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ (ابْنِ عَمِيرَةَ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَلَا يُعْرَفُ فِي الرِّجَالِ أَحَدٌ يُقَالُ لَهُ: عُمَيْرَةُ بِالضَّمِّ بَلْ كُلُّهُمْ بِالْفَتْحِ، وَوَقَعَ فِي النَّسَائِيِّ الْأَمْرَانِ كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الْكِنْدِيُّ الْحَضْرَمِيُّ، سَكَنَ الْكُوفَةَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْجَزِيرَةِ وَسَكَنَهَا، وَمَاتَ بِهَا، رَوَى عَنْهُ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ عُمِّلَ) : بِضَمٍّ فَتَشْدِيدِ مِيمٍ ; أَيْ جُعِلَ عَامِلًا (مِنْكُمْ لَنَا عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِنْهُ) : أَيْ دَسَّ عَنَّا مِنْ حَاصِلِ عَمَلِهِ (مِخْيَطًا) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ ; أَيْ إِبْرَةٍ (فَمَا فَوْقَهُ) : أَيْ فِي الْقِلَّةِ، أَوِ الْكَثْرَةِ إِلَى الصِّغَرِ، أَوِ الْكِبَرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ الَّذِي يُفِيدُ التَّرَقِّي ; أَيْ فَمَا فَوْقَ الْمِخْيَطِ فِي الْحَقَارَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] (فَهُوَ: أَيِ الْعَامِلُ الْكَاتِمُ (غَالٌّ) : أَيْ خَائِنٌ (يَأْتِي بِهِ) : أَيْ بِالْمِخْيَطِ فَمَا فَوْقَهُ، أَوْ بِمَا غَلَّ بِهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : أَيْ عَلَى عُنُقِهِ تَفْضِيحًا وَتَشْهِيرًا لَهُ بَيْنَ الْعِبَادِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ (فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) : خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْهَلَاكِ وَالْبَوَارِ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقْبَلْ: بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (عَنِّي عَمَلَكَ) : أَيْ أَقِلْنِي مِنْهُ (قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟) : إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؟ (قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا) : أَيْ فِي الْوَعِيدِ عَلَى الْعَمَلِ وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنِ الزَّلَلِ (قَالَ: وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ) : أَيْ مَا سَبَقَ مِنَ الْقَوْلِ ( «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ ; فَلْيَأْتِ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ» ) : أَيْ أُعْطِيَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ (" أَخَذَهُ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى) ،: أَيْ: وَمَا مُنِعَ مِنْ أَخْذِهِ امْتَنَعَ عَنْهُ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ إِلَخْ. تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنَى وَمَزِيدٌ لِلْبَيَانِ يَعْنِي: أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ وَلَا أَرْجِعُ عَنْهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْمَلَ فَلْيَعْمَلْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَتْرُكْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ) : وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ لَفْظِ أَبِي دَاوُدَ لِكَوْنِهِ أَفْيَدَ فِي الْمَقْصُودِ.
стр. 5216
٣٧٥٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٧٥٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ : بِالْوَاوِ (قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» ) : أَيْ: مُعْطِي الرِّشْوَةِ وَآخُذَهَا، وَهَى الْوَصْلَةُ إِلَى الْحَاجَةِ بِالْمُصَانَعَةِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الرِّشَاءِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْمَاءِ، قِيلَ: الرِّشْوَةُ مَا يُعْطَى لِإِبْطَالِ حَقٍّ، أَوْ لِإِحْقَاقِ بَاطِلٍ، أَمَّا إِذَا أَعْطَى لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى حَقٍّ، أَوْ لِيدْفَعَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ظُلْمًا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكَذَا الْآخِذُ إِذَا أَخَذَ لِيَسْعَى فِي إِصَابَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ فَلَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنَّ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ ; لِأَنَّ السَّعْيَ فِي إِصَابَةِ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحَقِّهِ، وَدَفْعِ الظَّالِمِ عَنِ الْمَظْلُومِ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمُ الْأَخْذُ عَلَيْهِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ إِلَّا قَوْلَهُ: وَكَذَا الْآخِذُ، وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يُنَافِيهِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنَ الْفَصْلِ الثَّالِثِ الْآتِي. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أُخِذَ فِي شَيْءٍ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَأَعْطَى دِينَارَيْنِ حَتَّى خُلِّيَ سَبِيلُهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 5217
٣٧٥٤ - وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ــ
٣٧٥٤ - (وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 5218
٣٧٥٥ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " عَنْ ثَوْبَانَ، وَزَادَ: " وَالرَّائِشَ. يَعْنِي: الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا.
ــ
٣٧٥٥ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، عَنْ ثَوْبَانَ، وَزَادَ) : أَيْ: ثَوْبَانُ، أَوِ الْبَيْهَقِيُّ (وَالرَّائِشَ يَعْنِي: الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَى أَحْمَدُ عَنْ ثَوْبَانَ: «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا» اهـ. وَمَعْنَاهُ الَّذِي يَسْعَى بَيْنَهُمَا يَسْتَزِيدُ لِهَذَا وَيَنْتَقِصُ لِهَذَا، قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ. وَقِيلَ: الْمُصْلِحُ بَيْنَهُمَا.
стр. 5219
٣٧٥٦ - «وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁، قَالَ أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَنِ اجْمَعْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ وَثِيَابَكَ، ثُمَّ ائْتِنِي. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ. فَقَالَ: يَا عَمْرُو! إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ لِأَبْعَثَكَ فِي وُجْةٍ يُسَلِّمُكَ اللَّهُ وَيُغَنِّمُكَ، وَأَزْعَبَ لَكَ زَعْبَةً مِنَ الْمَالِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَانَتْ هِجْرَتِي لِلْمَالِ، وَمَا كَانَتْ إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: نِعِمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» ". رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. وَرَوَى أَحْمَدُ نَحْوَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: " «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» ".
ــ
٣٧٥٦ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ) : أَيْ رَسُولًا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنِ اجْمَعْ) : أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ، أَوْ تَفْسِيرِيَّةٌ لِمَا فِي الْإِرْسَالِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ ; أَيْ قَائِلًا: اجْمَعْ (عَلَيْكَ سِلَاحَكَ وَثِيَابَكَ) : وَقَدَّمَ السِّلَاحَ لِيَشْعُرَ بِالسَّفَرِ وَلِلْاهْتِمَامِ بِأَمْرِهِ (ثُمَّ ائْتِنِي. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ) : أَيْ: مُسْتَعِدًّا (وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: يَا عَمْرُو) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْكَلَامِ الدِّينِيِّ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ (إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ لِأَبْعَثَكَ) : فِي كَلَامِهِ تَفَنُّنٌ ; أَيْ: لِأَجْلِ بَعْثِي ; إِيَّاكَ (فِي وَجْهٍ) : أَيْ فِي عَمَلٍ وَشُغْلٍ (يُسَلِّمُكَ اللَّهُ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ; أَيْ: يُؤَدِّيكَ بِالسَّلَامَةِ إِلَيْهِ، وَيُوَصِّلُكَ بِالْكَرَامَةِ لَدَيْهِ (وَيُغَنِّمُكَ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ ; أَيْ: يَرْزُقُكَ غَنِيمَةً (وَأَزْعَبَ) : بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى أَبْعَثَكَ، وَفَى نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ ; أَيْ: وَأَنَا أَزْعَبُ وَهُوَ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ; أَيْ: أَقْطَعُ، أَوْ أَدْفَعُ (لَكَ زَعْبَةً) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيُضَمُّ ; أَيْ: قِطْعَةً، أَوْ دُفْعَةً (مِنَ الْمَالِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَانَتْ هِجْرَتِي) : أَيْ: إِيمَانِي وَهِجْرَةُ أَوْطَانِي (لِلْمَالِ، وَمَا كَانَتْ إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ قَالَ: نِعِمَّا) : بِكَسْرِ النُّونِ وَيُفْتَحُ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَيَخْتَلَسُ ; أَيْ نِعْمَ شَيْئًا قَالَ الرِّضَى: اخْتُلِفَ فِي (مَا) هَذِهِ فَقِيلَ: كَافَّةٌ هَيَّأَتْ نِعْمَ لِلدُّخُولِ عَلَى الْجُمْلَةِ كَمَا فِي طَالَمَا وَقَلَّمَا، قِيلَ: وَفِيهِ بُعْدٌ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُكَفُّ
стр. 5220
لِقُوَّتِهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحُرُوفِ، وَ (مَا) فِي طَالَمَا وَقَلَّمَا مَصْدَرِيَّةٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ نِعْمَ لِعَدَمِ تَصَرُّفِهَا شَابَهَتِ الْحُرُوفَ، لَكِنْ يُحْتَاجُ إِلَى تَكَلُّفٍ فِي إِضْمَارِ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ فِي نَحْوِ ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] وَقَالَ الْفَرَّاءُ، وَأَبُو عَلِيٍّ: هِيَ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى الَّذِي، فَاعِلٌ لِ نِعْمَ وَيُضْعِفُهُ قِلَّةُ وُقُوعِ الَّذِي مُصَرَّحًا بِهِ فَاعِلًا لِنِعْمَ، وَلُزُومُ حَذْفِ الصِّلَةِ بِأَجْمَعِهَا فِي (فَنِعِمَّا هِيَ) فَإِنَّ " هِيَ " مَخْصُوصٌ ; أَيْ: نِعْمَ الَّذِي فَعَلَهُ الصَّدَقَاتُ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ، وَالْكَسَائِيُّ. (مَا) مَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ بِمَعْنَى الشَّيْءِ، فَمَعْنَى فَنِعِمَّ هِيَ نِعْمَ الشَّيْءُ هِيَ فَمَا هُوَ الْفَاعِلُ لِكَوْنِهِ بِمَعْنَى الشَّيْءِ ذِي اللَّامِ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ وَيُضْعِفُهُ عَدَمُ مَجِيءِ (مَا) بِمَعْنَى الْمَعْرِفَةِ التَّامَّةِ ; أَيْ: بِمَعْنَى الشَّيْءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، بَلْ تَجِيءُ (مَا) بِمَعْنَى شَيْءٍ إِمَّا مَوْصُوفَةً، أَوْ غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ. وَقَالَ الزَّمَحْشَرِيُّ، وَالْفَارِسِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: (مَا) نَكِرَةٌ مُمَيَّزَةٌ مَنْصُوبَةُ الْمَحِلَّ إِمَّا مَوْصُوفَةٌ بِالْجُمْلَةِ بِنَحْوِ: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] ، أَوْ غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ نَحْوُ (فَنِعِمَّا هِيَ) : اهـ. (بِالْمَالِ الصَّالِحِ) : قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: (مَا) فِي نِعِمَّا مَنْصُوبَةٌ لَا غَيْرَ، وَالتَّقْدِيرُ نِعْمَ شَيْئًا ; أَيِ: الْمَالُ الصَّالِحُ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ مِثْلُهَا فِي كَفَى بِاللَّهِ اهـ.، أَوْ نِعْمَ الشَّيْءُ الْمَالُ الْحَلَالِ (لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ) : وَهُوَ مَنْ يُرَاعِي حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ عِبَادِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: (مَا) هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَوْصُولَةٍ وَلَا مَوْصُوفَةٍ لِتَعَيُّنِ الْأَوْلَى بِالصِّلَةِ، وَالثَّانِيَةُ بِالصِّفَةِ، وَالْمُرَادُ الْإِجْمَالُ، ثُمَّ التَّبْيِينُ فَ (مَا) هُنَا بِمَنْزِلَةِ تَعْرِيفِ الْجِنْسِ فِي نِعْمَ الرَّجُلُ، فَإِنَّهُ إِذَا قَرَعَ السَّمْعَ أَوْلًا مُجْمَلًا ذَهَبَ بِالسَّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ، ثُمَّ إِذَا بُيِّنَ تَمَكَّنَ فِي ذِهْنِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، وَأَخَذَ بِمَجَامِعِ الْقَلْبِ، وَفِي هَذَا مَدْحٌ عَظِيمٌ لِلْمَالِ الصَّالِحِ وَالصَّلَاحُ ضِدُّ الْفَسَادِ، وَهُمَا مُخْتَصَّانِ فِي أَكْثَرِ الِاسْتِعْمَالِ بِالْأَفْعَالِ، وَقُوبِلَ فِي الْقُرْآنِ تَارَةً بِالْفَسَادِ وَتَارَةً بِالسَّيِّئَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] قَالَ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦] ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ مُنْتَفَعًا بِهِ كَانَ صَالِحًا، وَالْفَسَادُ بِخِلَافِهِ، وَالرَّجُلُ الصَّالِحُ مَنْ عَلِمَ الْخَيْرَ وَعَمِلَ بِهِ، وَالْمَالُ الصَّالِحُ مَا يُكْسَبُ مِنَ الْحَلَالِ، وَيُنْفَقُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرَاتِ (رَوَاهُ) : أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : أَيْ: بِإِسْنَادِهِ (وَرَوَى أَحْمَدُ نَحْوَهُ) : أَيْ: بِمَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ (وَفِي رِوَايَتِهِ) : أَيْ: رِوَايَةِ أَحْمَدَ (قَالَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ ( «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» ) : قُلْتُ: فِيهِ تَأْيِيدٌ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ (مَا) زَائِدَةٌ كَافَّةٌ.
следующие страницы →