Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.
стр. 5706
٤١٠٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵄ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: " عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١٠٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵄ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) أَيْ: كِلَابِ الْمَدِينَةِ (حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ) : بِكَسْرِ إِنَّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَرْأَةِ الْجِنْسُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ (تَقْدَمُ) : بِفَتْحِ الدَّالِّ أَيْ: تَجِيءُ (مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ) : بِالنُّونِ أَيْ: نَحْنُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّاءِ أَيْ: هِيَ بِنَفْسِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى هِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْجُمْلَةِ وَهِيَ غَايَةُ الْمَحْذُوفِ أَيْ: أَمَرَنَا بِقَتْلِ الْكِلَابِ فَقَتَلْنَا وَلَمْ نَدَعْ فِي الْمَدِينَةِ كَلْبًا إِلَّا قَتَلْنَاهُ، حَتَّى نَقْتُلَ كَلْبَ الْمَرْأَةِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَكَذَا نُصَّ فِي حَدِيثٍ آخَرَ. (ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا) أَيْ: عَنْ قَتْلِ الْكِلَابِ بِعُمُومِهَا (وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ) أَيْ: بِقَتْلِهِ (الْبَهِيمِ) أَيِ: الَّذِي لَا بَيَاضَ فِيهِ (ذِي النُّقْطَتَيْنِ) أَيِ: الَّذِي فَوْقَ عَيْنَيْهِ نُقْطَتَانِ بَيْضَاوَانِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ) : قَالَ الْقَاضِي أَبُو لَيْلَى، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ فِي الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ: (إِنَّهُ شَيْطَانٌ) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنْ كَلْبٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْإِبِلِ إِنَّهَا جِنٌّ وَهُوَ مَوْلُودَةٌ مِنَ النُّوقِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ لَهُمَا بِالشَّيْطَانِ وَالْجِنِّ، لِأَنَّ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ شَرُّ الْكِلَابِ وَأَقَلُّهَا نَفْعًا، وَالْإِبِلُ شِبْهُ الْجِنِّ فِي صُعُوبَتِهَا وَصَاتِهَا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قِيلَ فِي تَخْصِيصِ كِلَابِ الْمَدِينَةِ بِالْقَتْلِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ مَهْبِطَ الْمَلَائِكَةِ بِالْوَحْيِ، وَهُمْ لَا يَدْخُلُونَ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَجَعَلَ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ شَيْطَانًا لِخُبْثِهِ، فَإِنَّهُ أَضُرُّ الْكِلَابِ وَأَعْقَرُهَا، وَالْكَلْبُ أَسْرَعُ إِلَيْهِ مِنْهُ إِلَى جَمِيعِهَا، وَهِيَ مَعَ هَذَا أَقَلُّهَا نَفْعًا، وَأَسَوَؤُهَا حِرَاسَةً، وَأَبْعَدُهَا مِنَ الصَّيْدِ، وَأَكْثَرُهَا نُعَاسًا، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُمَا قَالَا: يَحِلُّ صَيْدُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ الْعَقُورِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهَا كُلِّهَا، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ إِلَّا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الشَّرْعُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ جَمِيعِ الْكِلَابِ حَيْثُ لَا ضَرَرَ فِيهَا حَتَّى الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ اهـ. وَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةِ بَيَانٍ وَإِفَادَةِ بُرْهَانٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5707
٤١٠١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ مَاشِيَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١٠١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) أَيْ: كُلِّهَا أَوْ كِلَابِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ (إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ) : تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ كَمَا فِيمَا قَبْلَهَا أَوْ لِلشَّكِّ هُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَا جَزَمَ بِهِ الطِّيبِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: أَوِ الْأُولَى لِلتَّنْوِيعِ وَالثَّانِيَةُ لِلتَّرْدِيدِ وَشَكَّ الرَّاوِي فَفِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5708
الْفَصْلُ الثَّانِي.
٤١٠٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ، لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا كُلِّهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ: " «وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَرْتَبِطُونَ كَلْبًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ» .
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي.
٤١٠٢ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵄) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُمَا صَحَابِيَّانِ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ) أَيْ: جِنْسَهَا (أَمَةٌ) أَيْ: جَمَاعَةٌ (مِنَ الْأُمَمِ) : لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] ، فَخَلْقُ كُلِّ جِنْسٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَا يَخْلُو مِنْ حِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ وَمَصْلَحَةٍ تَرْتَضِيهِ، فَلَوْلَا هَذَا (لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا كُلِّهَا، فَاقْتُلُوا) : جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إِلَى قَتْلِ الْكُلِّ لِهَذَا الْمَعْنَى فَاقْتُلُوا (مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ) : وَابْقُوا مَا
стр. 5709
سِوَاهُ لِتَنْتَفِعُوا بِهِ فِي الْحِرَاسَةِ وَغَيْرِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ ﷺ كَرِهَ إِفْنَاءَ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَإِعْدَامَ جِيلٍ مِنَ الْخَلْقِ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ خَلْقٍ لِلَّهِ تَعَالَى إِلَّا وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْحِكْمَةِ وَضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، يَقُولُ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا وَلَا سَبِيلَ إِلَى قَتْلِهِنَّ فَاقْتُلُوا شِرَارَهُنَّ وَهِيَ السُّودُ الْبُهْمُ، وَأَبْقُوا مَا سِوَاهَا لِتَنْتَفِعُوا بِهِنَّ فِي الْحِرَاسَةِ. قَالَ الطَّيبِيُّ قَوْلُهُ: أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] أَيْ: أَمْثَالُكُمْ فِي كَوْنِهَا دَالَّةً عَلَى الصَّانِعِ وَمُسَبِّحَةً لَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] " أَيْ: يُسَبِّحُ بِلِسَانِ الْقَالِ أَوِ الْحَالِ، حَيْثُ يَدُلُّ عَلَى الصَّانِعِ وَعَلَى قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهَا بِالْقَتْلِ وَالْإِفْنَاءِ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ كَقَتْلِ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ، أَوْ جَلْبِ مَنْفَعَةٍ كَذَبْحِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَأْكُولَةِ جَازَ ذَلِكَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) أَيْ: مُقْتَصِرِينَ عَلَى ذَلِكَ (وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ: وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَرْتَبِطُونَ كَلْبًا) أَيْ: يَحْبِسُونَهُ وَلَا يَطْرُدُونَهُ (إِلَّا نُقِصَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَعْلُومِ أَيِ: انْتَقَصَ (مِنْ عَمَلِهِمْ) أَيْ: مِنْ أُجُورِ أَعْمَالِهِمْ (كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ) أَيْ: يُصَادُ بِهِ (أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ) أَيْ: زَرْعٍ مِنْ حَبٍّ وَغَيْرِهِ يُحْرَسُ بِهِ (أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ) أَيْ: يَطْرُدُ الذِّئْبَ عَنْهَا، وَفِي مَعْنَاهَا سَائِرُ الْمَوَاشِي.
стр. 5710
٤١٠٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤١٠٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ» ) أَيْ: عَنِ الْإِغْرَاءِ بَيْنَهَا بِأَنْ يَنْطِحَ بَعْضُهَا بَعْضًا أَوْ يَدُوسَ أَوْ يَقْتُلَ. فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْإِغْرَاءُ وَتَمْيِيجُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ كَمَا يُفْعَلُ بَيْنَ الْجِمَالِ وَالْكِبَاشِ وَالدُّيُوكِ وَغَيْرِهَا، يَعْنِي كَالْفِيلِ وَالْبَقَرِ وَكَمَا بَيْنَ الْبَقَرِ وَالْأَسَدِ، وَإِذَا كَانَ الْإِغْرَاءُ بَيْنَ الْبَهَائِمِ مَنْهِيًّا، فَبِالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مَنْهِيًّا وَهُوَ كَثِيرٌ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5711
[بَابُ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَمَا يَحْرُمُ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ.
٤١٠٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
[٢] بَابُ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَمَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ.
قَدَّمَ الْحَلَّالَ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَضْعًا وَالْمَطْلُوبُ شَرْعًا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤١٠٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) : سَبَقَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ (فَأَكْلُهُ حَرَامٌ) : الْفَاءُ لِتَضَمُّنِ الْمُبْتَدَأِ مَعْنَى الشَّرْطِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا النَّسَائِيُّ.
стр. 5712
٤١٠٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١٠٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» ) أَيْ: عَنْ أَكْلِهِ وَأَبَاحَ مَالِكٌ ذَلِكَ مَعَ الْكَرَاهَةِ (وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ: وَأَبَاحَ ذَلِكَ مَالِكٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: كُلُّ حَيَوَانٍ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ فَلَا يَحِلُّ شُرْبُ لَبَنِهِ إِلَّا الْآدَمَيَّاتِ، يَعْنِي لِلْأَطْفَالِ، وَكُلُّ طَيْرٍ لَا يَحِلُّ لَحْمُهُ لَا يَحِلُّ بَيْضُهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» ، رَوَاهُ السِّتَّةُ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، وَزَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 5713
٤١٠٦ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵄ قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١٠٦ - (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ) أَيِ: الْخُشَنِيِّ (رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ) : مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ (قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ الْبَرَاءِ، وَعَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ.
стр. 5714
٤١٠٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١٠٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي إِبَاحَةِ لُحُومِ الْخَيْلِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى إِبَاحَتِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى تَحْرِيمِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَكْلَ، وَذَكَرَ الْأَكْلَ فِي الْأَنْعَامِ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَبِحَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنَ مَاجَهْ. وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنِ الْآيَةِ: بِأَنَّ ذِكْرَ الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْفَعَتَهَا مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِمَا، وَإِنَّمَا خُصَّا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْخَيْلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] ، فَذَكَرَ اللَّحْمَ؛ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ وَدَمِهِ وَأَجْزَائِهِ. قُلْتُ: وَفِي كَوْنِهِ نَظِيرًا لِذَلِكَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ. قَالَ: وَلِهَذَا سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ حَمْلِ الْأَثْقَالِ عَلَى الْخَيْلِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْأَنْعَامِ: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ [النحل: ٧] وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ هَذَا مَنْعُ حَمْلِ الْأَثْقَالِ عَلَى الْخَيْلِ. قُلْتُ: فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ السُّكُونِيِّ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ إِذْلَالِ الْخَيْلِ» وَهُوَ امْتِهَانُهَا فِي الْحَمْلِ عَلَيْهَا وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الذُّلِّ، وَأَنْشَدَ أَبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:
أَحِبُّوا الْخَيْلَ وَاصْطَبِرُوا عَلَيْهَا ... فَإِنَّ الْعِزَّ فِيهَا وَالْجِمَالَا
إِذَا مَا الْخَيْلُ ضَيَّعَهَا أُنَاسٌ ... رَبَطْنَاهَا فَأَشْرَكَتِ الْعِيَالَا
نِقَاسِمُهَا الْمَعِيشَةَ كُلَّ يَوْمٍ ... وَنَكْسُوهَا الْبَرَاقِعَ وَالْجَلَالَا
قَالَ: وَعَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ عُلَمَاءَ الْحَدِيثِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدِيثُ الْإِبَاحَةِ أَصَحُّ، وَيُشْبِهُ إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي النَّهْيِ صَحِيحٌ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ أَنَّ دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيَّ مُخَالِفٌ لِدَعْوَاهُ مِنِ اتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ضَعِيفًا لَمَا احْتَاجُوا إِلَى الْقَوْلِ بِنَسْخِهِ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ النَّسَائِيِّ: حَدِيثُ الْإِبَاحَةِ أَصَحُّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ حَدِيثَ التَّحْرِيمِ صَحِيحٌ، وَإِذَا
стр. 5715
ثَبَتَ أَنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ أَحَدٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ حَدِيثَ مُعَارِضِهِ أَصَحُّ لِعُرُوضِ الْفَسَادِ فِي الْإِسْنَادِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ بِإِسْنَادِهِ، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ دَلِيلُ الْحُرْمَةِ وَالْإِبَاحَةِ فَتَتَرَجَّحُ الْحُرْمَةُ احْتِيَاطًا، وَأَمَّا دَعْوَى النَّسْخِ مَعَ كَوْنِهَا مُشْتَرَكَةً فَتَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ التَّارِيخِ مِنْ تَقْدِيمِ أَحَدِهَا عَلَى الْآخَرِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ، ثُمَّ ظَاهِرُ الْآيَةِ مِنْ إِدْرَاجِ الْخَيْلِ مَعَ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ يُقَوِّي الْحَدِيثَ وَيُؤَيِّدُهُ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُهُ كَوْنُهَا آلَةً لِلْجِهَادِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] وَقَدْ أَقْسَمَ بِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] وَهِيَ خَيْلُ الْغَزْوِ الَّتِي تَعْدُو فَتَصِيحُ أَيْ تُصَوِّتُ بِأَجْوَافِهَا، فَلَا يُلَائِمُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا يُذْبَحُ فَيُؤْكَلُ، وَقَدْ قَالَ ﷺ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْوِي نَاصِيَةَ فَرَسٍ وَهُوَ يَقُولُ: (الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» : الْأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ) . وَمَعْنَى عَقْدِ الْخَيْرِ بِنَوَاصِيهَا أَنَّهُ مُلَازِمٌ لَهَا كَأَنَّهُ مَعْقُودٌ فِيهَا، وَالْمُرَادُ بِالنَّاصِيَةِ هُنَا الشَّعْرُ الْمُسْتَرْسِلُ عَلَى الْجَبْهَةِ عَلَى مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالُوا: وَكَنَّى بِالنَّاصِيَةِ عَنْ جَمِيعِ ذَاتِ الْفَرَسِ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ بَعْدَ النِّسَاءِ مِنَ الْخَيْلِ» .
وَرُوِيَ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ ﵇ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَهَا، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْعِرَابَ، وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَحْشِيًّا كَسَائِرِ الْوُحُوشِ، فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ بِرَفْعِ الْقَوَاعِدِ مِنَ الْبَيْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنِّي مُعْطِيكُمَا كَنْزًا ادَّخَرْتُهُ لَكُمَا) ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِسْمَاعِيلَ أَنِ اخْرُجْ فَادْعُ بِذَلِكَ الْكَنْزِ، فَخَرَجَ إِلَى أَجْيَادٍ وَكَانَ لَا يَدْرِي مَا الدُّعَاءُ وَالْكَنْزُ، فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ الدُّعَاءَ، فَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَرَسٌ إِلَّا أَجَابَتْهُ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَوَاصِيهَا وَتَذَلَّلَتْ لَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ : ( «ارْكَبُوا الْخَيْلَ فَإِنَّهَا مِيرَاثُ أَبِيكُمْ إِسْمَاعِيلَ» ) وَلَعَلَّ حَدِيثَ الْإِبَاحَةِ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، كَمَا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا قَالَ بِكَرَاهَةِ لَحْمِ الْخَيْلِ وَالْمُرَجَّحُ مِنْ مَذْهَبِهِ التَّحْرِيمُ، وَأَمَّا لَحْمُ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ الْأَهْلِيَّةِ فَحَرَامٌ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ، وَاخْتَلَفُوا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْهُ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ مُغَلَّظَةٌ، وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَصْحَابِهِ التَّحْرِيمُ، وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَكْلُ لَحْمِ الْبِغَالِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِبَاحَةُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.
стр. 5716
٤١٠٨ - «وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵄ أَنَّهُ رَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَعَقَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟ " قَالَ: مَعَنَا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١٠٨ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵄ أَنَّهُ رَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَعَقَرَهُ) أَيْ: جَرَحَهُ وَقَتَلَهُ وَسَأَلَ عَنْ جَوَازِ أَكْلِهِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: مَعَنَا رِجْلُهُ فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا) : تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مُفَصَّلًا فِي بَابِ الْإِحْرَامِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5717
٤١٠٩ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵄ قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا فَقَبِلَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١٠٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵄ قَالَ: أَنْفَجْنَا) : مِنَ الْإِنْفَاجِ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ وَالْجِيمِ أَيْ: هَيَّجْنَا وَأَثَرْنَا (أَرْنَبًا) أَيْ: مِنْ حِجْرِهَا، فَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَنْفَجْتُ الْأَرْنَبَ مِنْ حِجْرِهِ فَنَفَجَ أَيْ: أَثَرْتُهُ فَثَارَ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْأَرْنَبُ مَعْرُوفٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى أَوْ لَهَا، وَالْمَعْنَى أَقَمْنَاهَا مِنْ مَكَانِهَا. (بِمَرِّ الظَّهْرَانِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، مَوْضِعٌ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ قُرَيْبَ مَكَّةَ، كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، (فَأَخَذْتُهَا) أَيْ: مِمَّا بَيْنَهُمْ (فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ) : وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ أَنَسٍ (فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِوَرِكِهَا) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْوَرِكُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَكَكَتِفِ مَا فَوْقَ الْفَخِذِ مُؤَنَّثَةٌ، (وَفَخِذَيْهَا) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ: هُمَا. وَفِي الْقَامُوسِ: الْفَخِذُ كَكَتِفِ مَا بَيْنَ السَّاقِ وَالْوَرِكِ كَالْفَخِذِ وَيُكْسَرُ (فَقَبِلَهُ) : يَعْنِي وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا لَمَا قَبِلَهُ وَلَنَهَى عَنْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَبْعُوثِ أَوْ بِمَعْنَى اسْمِ الْإِشَارَةِ أَيْ: ذَاكَ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَذْكُورِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي الْأَرْنَبِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى إِبَاحَتِهِ وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ، قَالُوا: إِنَّهَا تُدْمِي، وَفِي كِتَابِ الرَّحْمَةِ فِي اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْأَرْنَبَ حَلَالٌ بِالِاتِّفَاقِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5718
٤١١٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١١٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الضَّبُّ) : فِي الْقَامُوسِ: هُوَ مَعْرُوفٌ وَهِيَ بِهَاءٍ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: دُوَيْبَةٌ لَطِيفَةٌ مِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّ لَهُ ذَكَرَيْنِ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ يَعِيشُ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَلَا يَشْرَبُ الْمَاءَ، بَلْ يَكْتَفِي بِالنَّسِيمِ، وَيَبُولُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَطْرَةً، وَلَا يَسْقُطُ لَهُ سِنٌّ اهـ. وَهُوَ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ (لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ بَيَانُ إِظْهَارِ الْكَرَاهِيَةِ مِمَّا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: (فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ) اهـ. وَقِيلَ: عَدَمُ أَكْلِهِ لِعِيَافَةِ الطَّبْعِ وَعَدَمِ تَحْرِيمِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ يَعْنِي بَعْدُ، وَسَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ مِنْ نَهْيِهِ ﷺ عَنْ أَكْلِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5719
٤١١١ - «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا، فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَنِ الضَّبِّ. فَقَالَ خَالِدٌ: أَحْرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ " قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١١١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَخْبَرَهُ) أَيْ: حَدَّثَ خَالِدٌ ابْنَ عَبَّاسٍ (أَنَّهُ) أَيْ: خَالِدٌ (دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَيْمُونَةَ) أَيْ: زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ (وَهِيَ خَالَتُهُ) أَيْ: خَالَةُ خَالِدٍ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ دُخُولِ خَالِدٍ عَلَيْهَا (وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ) : ذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ أَوْ تَجْرِيدٌ (فَوَجَدَ) أَيْ: صَادَفَ خَالِدٌ (عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا) أَيْ: مَشْوِيًّا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] حَنِيذٍ وَقِيلَ الْمَشْوِيُّ عَلَى الرَّضَفِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ (فَقَدَّمَتْ) أَيْ: مَيْمُونَةُ (الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَنِ الضَّبِّ) أَيِ: امْتَنَعَ ابْتِدَاءً عَنْ أَكْلِهِ (قَالَ خَالِدٌ: أَحْرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا) أَيْ: لَا أُحَرِّمُهُ أَوْ لَيْسَ بِحَرَامٍ (وَلَكِنْ) أَيْ: عَدَمُ أَكْلِي لِكَوْنِهِ (لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي) أَيْ: مِنْ قُرَيْشٍ، أَوْ مِنْ قَبِيلَةِ حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ ﷺ (فَأَجِدُنِي) أَيْ: أَرَى نَفْسِي (أَعَافُهُ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ أَيْ: أَكْرَهُهُ طَبْعًا لَا شَرْعًا (قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ) : بِالْجِيمِ أَيْ: جَرَرْتُهُ وَجَذَبْتُهُ إِلَيَّ (فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيَّ) : أَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ خَالَفَ مَذْهَبَهُ، وَقَالَ: فِيهِ إِبَاحَةُ أَكْلِ الضَّبِّ، وَبِهِ قَالَ جَمْعٌ، إِذْ لَوْ حُرِّمَ لَمَا أُكِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَقُولُ: وَكَذَا لَمَا قَالَ: لَا، لَكِنَّ هَذَا قَبْلَ النَّهْيِ الْآتِي عَنْ أَكْلِهِ، فَيَكُونُ مَنْسُوخًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الضَّبَّ حَلَالٌ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ كَرَاهَتِهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَعَنْ قَوْمٍ هُوَ حَرَامٌ وَمَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ اهـ. وَكَأَنَّهُ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵄. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5720
٤١١٢ - «وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ لَحْمَ الدَّجَاجِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١١٢ - ( «وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الدَّجَاجَ» ) أَيْ: لَحْمَهَا. وَهُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ الدَّجَاجُ مُثَلَّثُ الدَّالِ اسْمُ جِنْسٍ وَاحِدُهُ دَجَاجَةٌ بِالْفَتْحِ، وَقِيلَ بِكَسْرِ الدَّالِ لِلْمُذَكَّرِ وَبِفَتْحِهَا لِلْمُؤَنَّثِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي الشَّمَائِلِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى زُهْدُمٍ الْجِرْمِيِّ. قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَأَتَى بِلَحْمِ دَجَاجٍ فَتَنَحَّى رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالَ مَا لَكَ، قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهَا تَأْكُلُ شَيْئًا. وَفِي رِوَايَةٍ نَتَنًا، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهَا. قَالَ: ادْنُ فَإِنِّي «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ» اهـ. وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ وَالدَّابَّةِ الْجَلَّالَةِ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْأَغْنِيَاءَ بِاتِّخَاذِ الْغَنَمِ، وَأَمَرَ الْفُقَرَاءَ بِاتِّخَاذِ الدَّجَاجِ، وَقَالَ عِنْدَ اتِّخَاذِ الْأَغْنِيَاءِ الدَّجَاجَ: يَأْذَنُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَلَاكِ الْقُرَى، وَفِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ عُرْوَةَ الدِّمَشْقِيُّ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ. قَالَ عَبْدُ اللَّطِيفِ الْبَغْدَادِيُّ: إِنَّمَا أَمَرَ الْأَغْنِيَاءَ بِاتِّخَاذِ الْغَنَمِ، وَالْفُقَرَاءَ بِاتِّخَاذِ الدَّجَاجِ، لِأَنَّهُ أَمَرَ كُلَّ قَوْمٍ بِحَسَبِ مَقْدِرَتِهِمْ وَمَا تَصِلُ إِلَيْهِ قُوَّتُهُمْ، وَالْقَصْدُ فِي تِلْكَ كُلِّهِ أَنْ لَا يَقْعُدَ النَّاسُ عَنِ الْكَسْبِ وَإِنْمَاءِ الْمَالِ وَعِمَارَةِ الدُّنْيَا، وَأَنْ لَا يَدَعُوا التَّسَبُّبَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ التَّعَفُّفَ وَالْقَنَاعَةَ، وَرُبَّمَا أَدَّى إِلَى الْغِنَى وَالثَّرْوَةِ، وَنَبْذُ ذَلِكَ وَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ يُوجِبُ الْحَاجَةَ وَالْمَسْأَلَةَ لِلنَّاسِ وَالتَّكَفُّفَ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ مَذْمُومٌ شَرْعًا، وَأَنَّ الْأَغْنِيَاءَ إِذَا ضَيَّقُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ فِي مَكَاسِبِهِمْ وَخَالَطُوهُمْ فِي مَعَايِشِهِمْ تَعَطَّلَ الْفُقَرَاءُ، وَفِي ذَلِكَ هَلَاكُ الْقُرَى.
стр. 5721
وَمِنْ غَرَائِبِ اللَّطَائِفِ: مَا حَكَى ابْنُ خِلِّكَانَ فِي تَرْجَمَتِهِ الْهَيْثَمَ بْنَ عَدِيٍّ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَوَّلِينَ كَانَ يَأْكُلُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ دَجَاجَةٌ مَشْوِيَّةٌ، فَجَاءَهُ سَائِلٌ فَرَدَّهُ خَائِبًا، وَكَانَ الرَّجُلُ مُتْرَفًا، فَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فُرْقَةٌ، وَذَهَبَ مَالُهُ وَتَزَوَّجَتِ امْرَأَتُهُ، فَبَيْنَمَا الزَّوْجُ الثَّانِي يَأْكُلُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ دَجَاجَةٌ مَشْوِيَّةٌ جَاءَهُ سَائِلٌ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: نَاوِلِيهِ الدَّجَاجَةَ فَنَاوَلَتْهُ وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ، فَأَخْبَرَتْهُ بِالْقِصَّةِ فَقَالَ الزَّوْجُ الثَّانِي: أَنَا وَاللَّهِ ذَلِكَ الْمِسْكِينُ الْأَوَّلُ خَوَّلَنِي اللَّهُ نِعْمَتَهُ وَأَهْلَهُ لِقِلَّةِ شُكْرِهِ.
стр. 5722
٤١١٣ - «وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١١٣ - (وَعَنِ ابْنِ أَوْفَى ﵁) : لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، بَلْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى هُوَ عَبْدُ بْنُ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ ﵄ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا، رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ وَجَابِرٌ وَغَيْرُهُمَا، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ بِالْمَدِينَةِ. (قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ» ) : لَفْظُ: (مَعَهُ) لَيْسَ فِي مُسْلِمٍ وَلَا التِّرْمِذِيِّ. قَالَ. التُّورِبِشْتِيُّ: رِوَايَةُ مَنْ رَوَى مَعَهُ مُئَوَّلٌ عَلَى أَنَّهُمْ أَكَلُوهُ وَهُوَ مَعَهُ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَتِهِ وَلَوْ صَرَفَهُ مُئَوِّلٌ إِلَى الْأَكْلِ، فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَإِنَّمَا رَجَّحْنَا التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ لِخُلُوِّ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ الْجَرَادَ، وَذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْجَرَادِ فَقَالَ: (أَكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ) . فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُتْرَكُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ؟ قُلْنَا: لَمْ نَتْرُكْهُ، وَإِنَّمَا أَوَّلْنَا لِمَا فِيهِ مِنَ الِاحْتِمَالِ كَيْ يُوَافِقَ سَائِرَ الرِّوَايَاتِ، وَلَا يُرَدُّ الْحَدِيثُ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ وَهُوَ مِنَ الْوَاضِحِ الْجَلِيِّ اهـ.
وَهُوَ مَعَ وُضُوحِهِ الْجَلِيِّ خَفِيَ عَلَى الطِّيبِيِّ فَقَالَ: التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَكَلُوهُ وَهُمْ مَعَهُ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْمَعِيَّةَ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْفِعْلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْكَشَّافِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ. قُلْتُ: التَّأْوِيلُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعِيدًا مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ، ثُمَّ الْمَعِيَّةُ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْأَكْلِ لَوْ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِهِ، وَجَعَلَهَا الشَّيْخُ مُتَعَلِّقَةً بِمُقَدَّرٍ، وَجَعَلَهَا فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ، وَلِذَا قَالَ: وَهُوَ مَعَهُ أَيْ: مُصَاحِبُونَ لَهُ فَلَا غُبَارَ فِي ذَلِكَ، بَلْ يَتَعَيَّنُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ. قَالَ: وَالرِّوَايَةُ الْخَالِيَةُ عَنْهُ مُطْلَقَةٌ تَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، وَهَذِهِ مُقَيَّدَةٌ، فَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ. قُلْتُ: الْمُنَاقَشَةُ فِي تَحْقِيقِ التَّقْيِيدِ وَالْمُطْلَقِ تَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَكُفِيَ بِهِ لِلتَّأْيِيدِ قَالَ: وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْجَرَادِ: الْحَدِيثُ ضَعَّفَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ، قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ تَضْعِيفِهِ تَضْعِيفُ غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَدَّعِ تَصْحِيحَهُ لَا سِيَّمَا وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ ضَعْفِهِ بِالتَّصْرِيحِ، وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَعَ أَنَّهُ يُقَوِّيهِ، الْحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ الْجَرَادَ إِذْ نَفْيُ الْكَوْنِ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ لُغَةً وَعُرْفًا، فَقَوْلُ الطِّيبِيِّ وَرِوَايَةُ الرَّاوِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ الْجَرَادَ إِخْبَارٌ عَنْ عَدَمِ الْأَكْلِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فَلَمْ يُشَاهِدْ اهـ. فَغَفْلَةٌ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ الْجَرَادُ يُؤْكَلُ مَيِّتًا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُصْنَعُ بِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 5723
٤١١٤ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵄ قَالَ: غَزَوْتُ جَيْشَ الْخَبْطِ، وَأُمِّرَ عَلَيْنَا أَبُو عُبَيْدَةَ فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ، يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ إِلَيْكُمْ، وَأَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ " قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى الرَّسُولِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١١٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: غَزَوْتُ جَيْشَ الْخَبْطِ) ؟ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِهَا فَقِيلَ بِالتَّحْرِيكِ وَرَقُ الشَّجَرِ، وَبِالسُّكُونِ هَشُّ وَرَقِهَا بِالْعَصَا، وَسُمُّوا جَيْشَ الْخَبْطِ؛ لِأَنَّهُمْ أَكَلُوهُ مِنَ الْجُوعِ حَتَّى قَرَحَتْ أَشْدَاقُهُمْ بِسَبَبِ حَرَارَةِ ذَلِكَ الْوَرَقِ، فَصَارَتْ شِفَاهُهُمْ كَشِفَاهِ الْإِبِلِ، وَقَدْ ضُمِّنَ الْغَزْوُ مَعْنَى الصُّحْبَةِ أَيْ: صَحِبْتُ جَيْشَهُ وَغَزَوْتُ مَعَهُمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: جَيْشُ الْخَبْطِ مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: غَزَوْتُ مُصَاحِبًا لِجَيْشِ الْخَبْطِ. قُلْتُ: هَذَا هُوَ أَحَدُ نَوْعَيِ التَّضْمِينِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِيرَادِ الْبَاءِ حِينَئِذٍ إِلَّا لِلتَّقْوِيَةِ، وَلَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ فِي تَصْحِيحِ الْكَلَامِ. (وَأُمِّرَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ مِنَ التَّأْمِيرِ أَيْ: وَجُعِلَ أَمِيرًا (عَلَيْنَا أَبُو عُبَيْدَةَ) أَيِ: ابْنُ الْجَرَّاحِ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا) أَيْ: وَأَكَلْنَا الْخَبْطَ (فَأَلْقَى الْبَحْرُ)
стр. 5724
أَيْ: إِلَى السَّاحِلِ (حُوتًا مَيِّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ) : فِي الْقَامُوسِ: مِنَ الطِّيبِ رَوْثُ دَابَّةٍ بِحْرِيَّةٍ أَوْ نَبْعُ عَيْنٍ فِيهِ وَيُؤَنَّثُ، وَسَمَكَةٌ بَحْرِيَّةٌ وَالتُّرْسُ مِنْ جِلْدِهَا، (فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ) : وَفِي رِوَايَةٍ: قُمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا، وَفِي أُخْرَى فَأَكَلَ مِنْهُ الْجَيْشُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ مَنْ رَوَى شَهْرًا هُوَ الْأَصْلُ، لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ، وَمَنْ رَوَى دُونَهُ لَمْ يَنْفِ الزِّيَادَةَ وَلَوْ نَفَاهَا قُدِّمَ الْمُثْبَتُ، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَا حُكْمَ لَهُ، فَلَا يَلْزَمُ نَفْيُ الزِّيَادَةِ لَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ إِثْبَاتُ الزِّيَادَةِ، فَكَيْفَ وَقَدْ عَارَضَهُ؟ فَوَجَبَ قَبُولُ الزِّيَادَةِ. ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْأَظْهَرُ فِي وَجْهِ الْجَمْعِ أَنَّ نِصْفَ الشَّهْرِ كَانَ لِكُلِّهِمْ، وَإِلَى آخِرِ الشَّهْرِ كَانَ لِبَعْضِهِمْ، أَوْ نِصْفُهُ فِي الْإِقَامَةِ وَنِصْفُهُ الْآخَرُ فِي السَّفَرِ، أَوْ نِصْفُ شَهْرٍ فِي الذَّهَابِ وَنِصْفُهُ فِي الْإِيَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ) أَيْ: أَوْقَفَهُ (فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ) أَيْ: بِحَيْثُ لَمْ يَصِلْ رَأْسُهُ إِلَى مُنْتَهَى عَظْمِهِ (فَلَمَّا قَدِمْنَا) أَيِ: الْمَدِينَةَ (ذَكَرْنَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: كُلُوا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ ﷺ اسْتَحْضَرَ تِلْكَ الْحَالَةَ وَاسْتَحْمَدَهُمْ عَلَيْهَا، فَأَمَرَهُمْ بِالْأَكْلِ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: (رِزْقًا) : وَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ (أَخْرَجَهُ اللَّهُ) : وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: (أَطْعِمُونَا) اهـ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَخْرَجَهُ اللَّهُ إِلَيْكُمْ، (وَأَطْعِمُونَا) أَيْ: مِنْهُ (إِنْ كَانَ مَعَكُمْ) أَيْ: شَيْءٌ مِنْهُ.
(قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ (فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ) أَيْ: بَعْضَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ (فَأَكَلَهُ) : وَإِنَّمَا طَلَبَهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ جَوَازُ أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ لِلضَّرُورَةِ وَأَكْلِهِ تَبَرُّكًا بِهِ حَيْثُ كَانَ رِزْقًا لِدُنْيَا لِأَصْحَابِهِ ﵃ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ عَجَائِبِ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّمَا طَلَبَ ﷺ مِنْهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَمُبَالَغَةً فِي حِلِّهِ، وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا شَكَّ فِي إِبَاحَتِهِ، أَوْ قَصَدَ اسْتِحْبَابَ الْمُفْتِي أَنْ يَتَعَاطَى بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي يَشُكُّ فِيهَا الْمُسْتَفْتِي إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى الْمُفْتِي، وَكَانَ فِيهِ طُمَأْنِينَةٌ لِلْمُسْتَفْتِي اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: ذَكَرْنَا لِلنَّبِيِّ ﷺ هُوَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا لَهُ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الْجُوعِ وَالْمَشَقَّةِ، وَمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الرِّزْقِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمُسْتَغْرَبَةِ، لَا أَنَّهُمْ شَكَّوا فِي حِلَّيَّتِهِ، كَيْفَ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَكْلِهِ وَحَمْلِهِ إِلَى الْبَلَدِ مَعَ أَنَّ الْحَالَ حَالُ الِاضْطِرَارِ، وَقَدْ أُحِلَّتِ الْمَيْتَةُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5725
٤١١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدٍ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ ; فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤١١٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ) : قِيلَ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا ذُبَّ آبَ أَيْ: سَقَطَ (فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَفِي رِوَايَةٍ فَلْيَمْقُلْهُ أَيْ: فَلْيُدْخِلْهُ (كُلَّهُ) أَيْ: بِجَنَاحَيْهِ فِيمَا فِي الْإِنَاءِ مِنْ مَاءٍ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ ظَاهِرٌ لَا يُنَجِّسُهُ إِذْ لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ. (ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ) : بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا أَيْ: يُخْرِجُهُ وَيَرْمِيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِيَتْرَعْهُ (فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: طَرَفَيْهِ (شِفَاءً) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: دَوَاءً (وَفِي الْآخَرِ دَاءً) : وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الدَّاءَ وَالشِّفَاءَ مَحْمُولَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِذْ لَا بَاعِثَ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَدْ وَجَدْنَا لِكَوْنِ أَحَدِ جَنَاحَيِ الذُّبَابِ دَاءً وَلِلْآخَرِ دَوَاءً فِيمَا أَقَامَهُ اللَّهُ لَنَا مِنْ عَجَائِبِ خِلْقَتِهِ وَبَدَائِعِ فِطْرَتِهِ شَوَاهِدَ وَنَظَائِرَ، فَمِنْهَا النَّحْلَةُ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِهَا الشَّرَابُ النَّافِعُ، وَيَنْبُتُ مِنْ إِبْرَتِهَا السَّمُّ النَّاقِعُ، وَالْعَقْرَبُ تُهَيِّجُ الدَّاءَ بِإِبْرَتِهَا وَيُتَدَاوَى مِنْ ذَلِكَ بِجِرْمِهَا، وَأَمَّا اتِّقَاؤُهُ بِالْجَنَاحِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ عَلَى مَا وَرَدَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ فِي الْحِسَانِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْهَمَ الْحَيَوَانَ بِطَبْعِهِ الَّذِي جَبَلَهُ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَنْظُرِ الْمُتَعَجِّبُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى النَّمْلَةِ الَّتِي هِيَ أَصْغَرُ وَأَحْقَرُ مِنَ الذُّبَابِ كَيْفَ تَسْعَى فِي جَمْعِ الْقُوتِ، وَكَيْفَ تَصُونُ الْحَبَّ عَنِ النَّدَى بِاتِّخَاذِ الرَّيْعَةِ عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ لِيَنْظُرْ إِلَى تَجْفِيفِهَا الْحَبَّ فِي الشَّمْسِ إِذَا أَثَّرَ فِيهِ النَّدَى، ثُمَّ إِنَّهَا تَقْطَعُ الْحَبَّ لِئَلَّا يَنْبُتَ وَتَتْرُكُ الْكُزْبَرَةَ بِحَالِهَا لِأَنَّهَا لَا تَنْبُتُ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ. فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ! وَأَيَّةُ حَاجَةٍ بِنَا إِلَى الِاسْتِشْهَادِ عَلَى مَا أَخْبَرَ عَنْهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ : لَوْلَا الْحَذَرُ مِنِ اضْطِرَابِ الطَّبَائِعِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى عَقَائِدِ ذَوِي الْأَوْضَاعِ الْوَاهِيَةِ وَإِلَى اللَّهِ لِلْجَارِ مِنْهُ الْعِصْمَةُ وَالنِّجَاءُ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الذُّبَابَ طَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ أَجْسَامُ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ إِلَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ السُّنَّةُ مِنَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً إِذَا مَاتَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ شَرَابٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ الذُّبَابِ وَالنَّحْلِ وَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفِسَاءِ وَالزُّنْبُورِ وَنَحْوِهَا. وَهَذَا لِأَنَّ غَمْسَ الذُّبَابِ فِي الْإِنَاءِ قَدْ يَأْتِي عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُهُ إِذَا مَاتَ فِيهِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْغَمْسِ لِلْخَوْفِ مِنْ تَنَجُّسِ الطَّعَامِ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ اهـ.
стр. 5726
وَقَالَ فِي اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ: لَا يُفْسِدُ الْمَائِعَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَمَالِكٍ ﵀، وَأَنَّهُ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ، وَالرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَائِعَ، وَلَكِنَّهُ يَنْجُسُ فِي نَفْسِهِ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: ( «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزَعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي رِوَايَاتٌ أُخَرُ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ.
стр. 5727
٤١١٦ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ «أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤١١٦ - (وَعَنْ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفِي نُسْخَةٍ قَالَتْ: إِنَّ (فَأْرَةً) : بِهَمْزَةٍ، وَالْمَشْهُورُ إِبْدَالُهَا (وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ) أَيْ: جَامِدٍ (فَمَاتَتْ) أَيْ: فِيهِ (فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا) أَيْ: عَمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَوْتِهَا (فَقَالَ: أَلْقُوهَا) أَيْ: أَخْرِجُوا الْفَأْرَةَ وَاطْرَحُوهَا (وَمَا حَوْلَهَا) أَيْ: كَذَلِكَ إِذَا كَانَ جَامِدًا (وَكُلُوهُ) أَيِ: السَّمْنُ يَعْنِي بَاقِيَهُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنْ كَانَ مَائِعًا كَالزَّيْتِ يَتَنَجَّسُ الْكُلُّ، وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ اتِّفَاقًا وَلَا بَيْعُهُ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ مِنَ الْمَائِعَاتِ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ يَنْجُسُ قَلَّ ذَلِكَ الْمَائِعُ أَوْ كَثُرَ، بِخِلَافِ الْمَاءِ حَيْثُ لَا يَنْجُسُ عِنْدَ الْكَثْرَةِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الزَّيْتَ إِذَا مَاتَ فِيهِ فَأْرَةٌ أَوْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَنْجُسُ، وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْعَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : (فَلَا تَقْرَبُوهُ) . وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِالِاسْتِصْبَاحِ وَتَدْهِينِ السُّفُنِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فَلَا تَقْرَبُوهُ أَكْلًا وَطُعْمًا لَا انْتِفَاعًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 5728
٤١١٧ - «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ، وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ، وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً أَقْتُلَهَا، نَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ: لَا تَقْتُلْهَا. فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ. فَقَالَ: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ، وَهُنَّ الْعَوَامِرُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١١٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ) أَيْ: كُلَّهَا عُمُومًا (وَاقْتُلُوا) أَيْ: خُصُوصًا (ذَا الطُّفْيَتَيْنِ) : بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالتَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ عَلَى صِيغَةِ التَّصْغِيرِ، أَيْ: صَاحِبَهَمَا وَهِيَ حَيَّةٌ خَبِيثَةٌ عَلَى ظَهْرِهَا خَطَّانِ أَسْوَدَانِ كَالطُّفْيَتَيْنِ، وَالطُّفْيَةُ بِالضَّمِّ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ خُوصَةُ الْمُقْلِ وَالْخُوَاصُ بِالضَّمِّ وَرَقُ النَّخْلِ الْوَاحِدَةُ بَهَاءٍ، وَالْمُقْلُ بِالضَّمِّ صَمْغُ شَجَرَةٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: الطُّفْيَةُ خُوصَةُ الْمُقْلِ شُبِّهَ بِهِ الْخَطَّانِ اللَّذَانِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَّةِ فِي قَوْلِهِ: (ذَا الطُّفْيَتَيْنِ) . (وَالْأَبْتَرَ) : بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى ذَا قِيلَ: هُوَ الَّذِي يُشْبِهُ الْمَقْطُوعَ الذَّنَبِ لِقَصَرِ ذَنَبِهِ، وَهُوَ مِنْ أَخْبَثِ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَيَّاتِ. (فَإِنَّمَا يَطْمِسَانِ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: يُعْمِيَانِ (الْبَصَرَ) أَيْ: بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إِلَيْهِمَا لِخَاصِّيَّةِ السَّمِّيَّةِ فِي بَصَرِهِمَا (وَيَسْتَسْقِطَانِ) : مِنْ بَابِ الِاسْتِفْعَالِ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ: وَيُسْقِطَانِ (الْحَبَلَ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الْجَنِينَ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَيْهِمَا بِالْخَاصَّةِ السَّمِّيَّةِ، أَوْ مِنَ الْخَوْفِ النَّاشِئِ مِنْهُمَا لِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: جَعَلَ مَا يَفْعَلَانِ بِالْخَاصَّةِ كَالَّذِي يُفْعَلُ بِقَصْدٍ وَطَلَبٍ، وَفِي خَوَاصِّ الْحَيَوَانِ عَجَائِبُ لَا تُنْكَرُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي خَوَاصِّ الْأَفْعَى أَنَّ الْحَبَلَ يَسْقُطُ عِنْدَ مُرَافَقَةِ النَّظَرَيْنِ، وَفِي خَوَاصِّ بَعْضِ الْحَيَّاتِ أَنَّ رُؤْيَتَهَا تُعْمِي، وَمِنَ الْحَيَّاتِ نَوْعٌ يُسَمَّى النَّاظُورَ مَتَى وَقَعَ نَظَرُهُ عَلَى إِنْسَانٍ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَنَوْعٌ آخَرُ إِذَا سَمِعَ الْإِنْسَانُ صَوْتَهُ مَاتَ. قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ: يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ أَيْ يَخْطَفَانِهِ لِمُجَرَّدِ نَظَرِهِمَا إِلَيْهِ بِخَاصِّيَّةٍ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي بَصَرِهِمَا إِذَا وَقَعَ عَلَى بَصَرِ الْإِنْسَانِ، وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لِمُسْلِمٍ: يَخْطَفَانِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَفِي الْحَيَّاتِ نَوْعٌ يُسَمَّى النَّاظِرَ إِذَا وَقَعَ نَظَرُهُ عَلَى عَيْنِ الْإِنْسَانِ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ.
(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ وَإِلَّا فَاصْطِلَاحُ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللَّهِ فَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْ: قَالَ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: (فَبَيِنَا أَنَا أُطَارِدُ) : مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ
стр. 5729
لِلْمُغَالَبَةِ أَوِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ: أَطْرُدُ (حَيَّةً) : وَأَتْبَعُهَا لِأَلْحَقَهَا (أَقْتُلَهَا) أَيْ: حَالَ كَوْنِي أُرِيدُ قَتْلَهَا (نَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ) : بِضَمِّ اللَّامِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (لَا تَقْتُلْهَا) : أَيْ قَالَ: لَا تَقْتُلْهَا أَوْ بِقَوْلِهِ: لَا تَقْتُلْهَا. وَفِي نُسْخَةٍ: لِمَ تَقْتُلُهَا؟ أَيْ: لِأَيِّ شَيْءٍ تُرِيدُ قَتْلَهَا؟ (فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ) أَيْ: جَمِيعِهَا (فَقَالَ: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ) : بِضَمِّ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ: صَوَاحِبِهَا لِمُلَازَمَتِهَا (وَهُنَّ) أَيْ: ذَوَاتُ الْبُيُوتِ (الْعَوَامِرُ) أَيْ: لِلْبُيُوتِ حَيْثُ تَسْكُنُهَا وَلَمْ تُفَارِقْهَا. وَاحِدَتُهَا عَامِرَةٌ، وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِهَا لِطُولِ عُمْرِهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ: وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: عُمَّارُ الْبُيُوتِ وَعَوَامِرُهَا سُكَّانُهَا مِنَ الْجِنِّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا ( «اقْتُلُوا الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ» ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ مَرْفُوعًا ( «اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ» ) . وَرَوَى الْخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ قَتَلَ حَيَّةً أَوْ عَقْرَبًا فَكَأَنَّمَا قَتَلَ كَافِرًا. وَرَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مِنْ قَتَلَ حَيَّةً فَكَأَنَّمَا قَتَلَ رَجُلًا مُشْرِكًا قَدْ حَلَّ دَمُهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَرِيرٍ وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ مَرْفُوعًا: ( «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ فَمَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ فَلَيْسَ مِنِّي» ) . وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مُطْلَقَةٌ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا عَدَا سِوَاكِنَ الْبُيُوتِ لِمَا سَبَقَ مِنَ الْحَدِيثِ وَلِمَا يَلِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ.
стр. 5730
٤١١٨ - وَعَنْ أَبِي السَّائِبِ ﵄ قَالَ: «دَخَلْنَا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ، إِذْ سَمِعْنَا تَحْتَ سَرِيرِهِ حَرَكَةً فَنَظَرْنَا، فَإِذَا فِيهِ حَيَّةٌ، فَوَثَبْتُ لِأَقْتُلَهَا وَأَبُو سَعِيدٍ يُصَلِّي، فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنِ اجْلِسْ، فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ، فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ فَإِنِّي أَخْشَى " عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ "، فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةٌ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ. فَقَالَتْ لَهُ: اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ، وَادْخُلِ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ، فَانْتَظَمَهَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ، فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ، فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا: الْحَيَّةُ أَمِ الْفَتَى؟ قَالَ: فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا. فَقَالَ: " اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ " ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا، فَإِذَا ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ " وَقَالَ لَهُمْ: " اذْهَبُوا فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١١٨ - (وَعَنْ أَبِي السَّائِبِ ﵁) : هُوَ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ تَابِعِيٌّ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ، إِذْ سَمِعْنَا تَحْتَ سَرِيرِهِ حَرَكَةً) أَيْ: خَشْخَشَةً (فَنَظَرْنَا، فَإِذَا فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ (حَيَّةٌ، فَوَثَبْتُ) أَيْ: قُمْتُ بِسُرْعَةٍ لِأَقْتُلَهَا وَأَبُو سَعِيدٍ يُصَلِّي، فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنِ اجْلِسْ) : أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ وَالْبَاءُ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَهَا، أَوْ تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأَنَّ فِي الْإِشَارَةِ مَعْنَى الْقَوْلِ، (فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ) أَيْ: فِي جُمْلَتِهَا وَمِنْ حَوَالَيْهَا (فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقَلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: كَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ إِنْ كَانَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ أَيْ إِنَّهُ كَانَ (فِيهِ فَتًى) أَيْ: شَابٌّ (مِنَّا) أَيْ: مِنْ قَرَابَتِنَا أَوْ جَمَاعَتِنَا (حَدِيثُ عَهْدٍ) : بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مِنَّا اهـ. وَالْمَعْنَى حَدِيثُ عَهْدٍ (بِعُرْسٍ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ فَفِي الْمُغْرِبِ: أَعْرَسَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ بَنَى عَلَيْهَا، وَالْعُرْسُ بِالضَّمِّ الِاسْمُ، وَمِنْهُ إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ أَيْ: إِلَى طَعَامِ أَعْرَاسٍ.
(قَالَ) أَيْ: أَبُو سَعِيدٍ (فَخَرَجْنَا) أَيْ: نَحْنُ وَالشَّابُّ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ) أَيْ: غَزْوَتِهِ (فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: لِلرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ لِتَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِحُبِّهِ وَلُبِّهِ (بِأَنْصَافِ النَّهَارِ) أَيْ: فِي أَوَّلِ أَوْسَاطِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: مُنْتَصَفُهُ، وَكَأَنَّهُ وَقْتُ آخِرِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَأَوَّلُ النِّصْفِ الثَّانِي فَجَمَعَهُ كَمَا قَالُوا: ظُهُورُ التُّرْسَيْنِ وَرُجُوعُهُ إِلَى أَهْلِهِ لِيُطَالِعَ حَالَهُمْ، وَيَقْضِيَ حَاجَتَهُمْ وَيُؤْنِسَ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهَا كَانَتْ عَرُوسًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالنَّهَارِ الْجِنْسُ، وَأَتَى بِالْإِفْرَادِ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ (فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ) أَيْ: ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْخَنْدَقِ أَوْ يُتِمُّ عِنْدَهُمْ إِلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ فِي الصُّبْحِ يَرْجِعُ إِلَى الْغَزْوِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. (فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ) أَيِ: احْمِلْ عَلَيْكَ السِّلَاحَ آخِذًا حَذَرَكَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَهُمْ
стр. 5731
طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ سُكَّانٍ حَوْلَ الْمَدِينَةِ السَّكِينَةِ (فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ) أَيْ: بَعْدَ أَخْذِ السِّلَاحِ إِلَى أَهْلِهِ (فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ) أَيْ: بَابِ بَيْتِهَا وَبَابِ غَيْرِهَا أَوْ بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ (قَائِمَةٌ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ) أَيْ: قَصَدَ مَا بِهِ، أَوْ أَشَارَ بِهِ إِلَيْهَا، أَوْ مَدَّهُ إِلَيْهَا (لِيَطْعَنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتْهُ) : حَالٌ مِنَ الْمَسْتَكِنِّ فِي أَهْوَى أَيْ: وَقَدْ أَصَابَ الْفَتَى (غَيْرَةٌ) : بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: حَمِيَّةٌ (قَالَتْ) : أَيِ امْرَأَتُهُ لَهُ: اكْفُفْ) : بِضَمِّ الْفَاءِ الْأُولَى أَيِ: احْفَظْ (عَلَيْكَ رُمْحَكَ، وَادْخُلِ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ) أَيْ: مُلْتَوِيَةٍ مُرْتَمِيَةٍ (عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ، فَانْتَظَمَهَا بِهِ) أَيْ: غَرَزَ الرُّمْحَ فِي الْحَيَّةِ حَتَّى طَوَّقَهَا فِيهِ فَشَبَّهَهُ بِالسِّلْكِ الَّذِي يَدْخُلُ فِي الْخَرَزِ، وَفِي الْأَسَاسِ رَمَى صَيْدًا فَانْتَظَمَهُ بِسَهْمٍ وَطَعَنَهُ فَانْتَظَمَ بِسَاقَيْهِ أَوْ جَنْبَيْهِ، (ثُمَّ خَرَجَ أَيْ: مِنَ الْبَيْتِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِهِ أَيْ: مُلْتَبِسًا بِالْحَيَّةِ، (فَرَكَزَهُ) أَيْ: غَرَزَ الرُّمْحَ فِي الدَّارِ (فَاضْطَرَبَتْ) أَيِ: الْحَيَّةُ (عَلَيْهِ) أَيْ: صَائِلَةً عَلَى الْفَتَى (فَمَا يُدْرَى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: مَا يُعْلَمُ (أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْحَيَّةُ أَمِ الْفَتَى؟) : بِالرَّفْعِ بَيَانٌ لِأَيُّهُمَا.
(قَالَ) : أَيْ أَبُو سَعِيدٍ (فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا) . بِالرَّفْعِ أَيْ هُوَ يُحْيِي الْفَتَى بِدُعَائِكَ. (قَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الَّذِي يَنْفَعُهُ هُوَ اسْتِغْفَارُكُمْ لَا الدُّعَاءُ بِالْإِحْيَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَضَى سَبِيلُهُ اهـ. وَلَيْسَ فِيهِ عَجْزُهُ عَنِ الْمُعْجِزَةِ مِنْهُ، بَلْ سَدٌّ لِهَذَا الْبَابِ، وَبِهِ يَتِمُّ الْجَوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (ثُمَّ قَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ ( «إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ» ، أَيْ سِوَاكِنَ (فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا) : أَيْ مِنَ الْعَوَامِرِ يَعْنِي مِنْ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْهُمْ أَيْ مِنْ هَذَا الْجَمْعِ (شَيْئًا) : أَيْ أَحَدًا تَصَوَّرَ بِصُورَةِ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَّاتِ (فَحَرِّجُوا) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ ضَيِّقُوا (عَلَيْهَا ثَلَاثًا) ، أَيْ قُولُوا لَهَا: أَنْتِ فِي حَرَجٍ أَيْ ضِيقٍ إِنْ عُدْتِ إِلَيْنَا فَلَا تَلُومِينَا أَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْكُمْ بِالتَّتَبُّعِ وَالطَّرْدِ وَالْقَتْلِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: رَوَى ابْنُ الْحَبِيبِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَقُولُ: ( «أُنْشِدُكُمْ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉ أَنْ لَا تُؤْذُونَا وَلَا تَظْهَرُوا لَنَا» ) . وَنَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ. (فَإِنْ ذَهَبَ) : أَيْ بِالتَّحْرِيجِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ (وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ) . قَالَ شَارِحٌ: أَيْ شَدِّدُوا عَلَى الْحَيَّةِ وَنَفِّرُوهَا، فَإِنْ نَفَرَ وَتَوَارَى فَذَاكَ، وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ أَيْ كَالْكَافِرِ فِي جَرَاءَتِهِ وَصَوْلَتِهِ وَقَصْدِهِ وَكَوْنِهِ مُؤْذِيًا، وَقِيلَ: أَرَادَ بِعَوَامِرِ الْبَيْتِ سُكَّانَهَا مِنَ الْجِنِّ أَيْ أَنَّهَا حِينًا تُشَكَّلُ بِشَكْلِ الْحَيَّاتِ، وَأَرَادَ بِالتَّحْرِيجِ التَّشْدِيدَ بِالْحَلِفِ عَلَيْهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يُقَالَ لَهَا: (أَسْأَلُكِ بِعَهْدِ نُوحٍ وَبِعَهْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵈ أَنْ لَا تُؤْذِينَا) . (وَقَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (لَهُمْ) : أَيْ لِأَصْحَابِ الْبَيْتِ (اذْهَبُوا) : أَمْرُ وُجُوبٍ عَلَى الْكِفَايَةِ أَيِ ارْجِعُوا وَجَهِّزُوا (فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ) . أَيْ بَعْدِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا. (وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ لِمُسْلِمٍ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ (قَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ: إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ إِلَخْ. (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا) : أَيْ طَائِفَةً مِنْهُمْ (قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ) : وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْهَا أَيْ مِنْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ (شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) ،. بِمَدِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الذَّالِ أَمْرٌ مِنَ الْإِيذَانِ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِنْذَارُ وَالِاعْتِذَارُ، وَالْمَعْنَى قُولُوا لَهُ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ أَوْ حَلِّفُوهُ وَقُولُوا: بِاللَّهِ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. (فَإِنْ بَدَا) : بِالْأَلِفِ أَيْ ظَهَرَ (لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) . أَيْ فَلَيْسَ بِجِنِّيٍّ مُسْلِمٍ، بَلْ هُوَ إِمَّا جِنِّيٌّ كَافِرٌ، وَإِمَّا حَيَّةٌ، وَإِمَّا وَلَدٌ مِنْ أَوْلَادِ إِبْلِيسَ، أَوْ سَمَّاهُ شَيْطَانًا لِتَمَرُّدِهِ وَعَدَمِ ذَهَابِهِ بِالْإِيذَانِ، وَكُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالدَّابَّةِ يُسَمَّى شَيْطَانًا. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِذَا لَمْ يَذْهَبْ بِالْإِنْذَارِ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَوَامِرِ الْبُيُوتِ، وَلَا مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنَ الْجِنِّ، بَلْ هُوَ شَيْطَانٌ، فَلَا حُرْمَةَ لَهُ فَاقْتُلُوهُ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ سَبِيلًا إِلَى الْإِضْرَارِ بِكُمْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. وَمَالِكٌ فِي آخِرِ الْمُوَطَّأِ وَغَيْرُهُمْ.
стр. 5732
٤١١٩ - وَعَنْ أُمِّ شَرِيكٍ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَقَالَ: " كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١١٩ - (وَعَنْ أُمِّ شَرِيكٍ ﵂) : وَهِيَ عَزْمَةُ بِنْتُ دُودَانَ بِضَمِّ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى الْقُرَشِيَّةُ الْعَامِرِيَّةُ لَهَا صُحْبَةٌ، أَوْ أُمُّ شَرِيكٍ الْأَنْصَارِيَّةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ» ) : بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ وَزَايٍ كَذَلِكَ وَبِمُعْجَمَةٍ وَاحِدُهَا وَزَغَةٌ، وَهِيَ دُوَيْبَةٌ مُؤْذِيَةٌ وِسَامُّ أَبْرَصَ كَبِيرُهَا. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْوَزَغُ جَمْعُ وَزَغَةٍ بِالتَّحْرِيكِ وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا سَامُّ أَبْرَصَ (وَقَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (كَانَ) : أَيِ الْوَزَغُ (يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) . أَيْ عَلَى نَارٍ تَحْتَهُ. قَالَ الْقَاضِي: بَيَانٌ لِخُبْثِ هَذَا النَّوْعِ وَفَسَادِهِ، وَأَنَّهُ بَلَغَ فِي ذَلِكَ مَبْلَغًا اسْتَعْمَلَهُ الشَّيْطَانُ، فَحَمَلَهُ عَلَى أَنْ نَفَخَ فِي النَّارِ الَّتِي أُلْقِيَ فِيهَا خَلِيلُ اللَّهِ ﵊ وَسَعَى فِي اشْتِعَالِهَا، وَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ ذَوَاتِ السُّمُومِ الْمُؤْذِيَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَمِنْ شَغَفِهَا إِفْسَادُ الطَّعَامِ خُصُوصًا الْمِلْحَ، فَإِنَّهَا إِذَا لَمْ تَجِدْ طَرِيقًا إِلَى إِفْسَادِهِ ارْتَقَتِ السَّقْفَ وَأَلْقَتْ خَرَأَهَا فِي مَوْضِعٍ يُحَاذِيهِ. وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ جِبِلَّتَهَا عَلَى الْإِسَاءَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5733
٤١٢٠ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١٢٠ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا» ) ، تَصْغِيرُ فَاسِقٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: تَسْمِيَتُهُ فُوَيْسِقًا؛ لِأَنَّهُ نَظِيرُ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ الَّتِي تُقْتَلُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَأَصْلُ الْفِسْقِ الْخُرُوجُ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ خَرَجَتْ عَنْ خُلُقِ مُعْظَمِ الْحَشَرَاتِ بِزِيَادَةِ الضَّرَرِ وَالْأَذَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَمَّا تَصْغِيرُهُ فَلِلتَّعْظِيمِ كَمَا فِي دُوَيْهِيَةٍ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ أَوْ لِلتَّحْقِيرِ لِإِلْحَاقِهِ ﷺ بِالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ اهـ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَتَدَبَّرْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5734
٤١٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١٢١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ» ) : بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ (كُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ) : أَيْ وَمَنْ قَتَلَ فِي الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ (دُونَ ذَلِكَ) ، أَيْ كُتِبَ لَهُ أَقَلُّ مِمَّا ذُكِرَ، أَوِ التَّقْدِيرُ وَقَتَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ فِي الثَّوَابِ (وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ) أَيْ أَقَلُّ مِمَّا قَبْلَهُ، وَهَكَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: سَبَبُ تَكْثِيرِ الثَّوَابِ فِي قَتْلِهِ أَوَّلَ ضَرْبَةٍ الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِقَتْلِهِ، وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ، وَالْحِرْصِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَوْ فَاتَهُ رُبَّمَا انْفَلَتَ وَفَاتَ قَتْلُهُ، وَالْمَقْصُودُ انْتِهَازُ الْفُرْصَةِ بِالظَّفَرِ عَلَى قَتْلِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ( «مَنْ قَتَلَ حَيَّةً فَلَهُ سَبْعُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ قَتَلَ وَزَغَةً فَلَهُ حَسَنَةٌ» ) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: ( «مَنْ قَتَلَ وَزَغًا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ سَبْعَ خَطِيئَاتٍ» ) .
стр. 5735
٤١٢٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ؟» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١٢٢ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَرَصَتْ) : أَيْ لَسَعَتْ وَلَدَغَتْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْقَرْصُ الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ، وَهُنَا يُرَادُ بِهِ الْعَضُّ، فَالْمَعْنَى عَضَّتْ (نَمْلَةٌ) : أَيْ وَاحِدَةٌ (نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) : قِيلَ: مُوسَى، وَقِيلَ: دَاوُدُ ﵈ (فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ) : أَيْ مَسْكَنِهَا وَمَنْزِلِهَا سُمِّيَ قَرْيَةً لِاجْتِمَاعِهَا فِيهِ، وَمِنْهُ الْقَرْيَةُ الْمُتَعَارَفَةُ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا، وَالْمَعْنَى فَأَمَرَ بِإِحْرَاقِ قَرْيَةِ النَّمْلِ (فَأُحْرِقَتْ) ؟ قِيلَ الْمَعْنَى أَمَرَ بِإِحْرَاقِ شَجَرَةٍ فِيهَا تِلْكَ النَّمْلَةُ، وَسَبَبُهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ تُعَذِّبُ أَهْلَ قَرْيَةٍ بِمَعَاصِيهِمْ وَفِيهِمُ الْمُطِيعُ، فَأَرَادَ أَنْ يُرِيَهُ الْعِبْرَةَ فِي ذَلِكَ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِ الْحَرَّ حَتَّى الْتَجَأَ إِلَى ظِلِّ شَجَرَةٍ وَعِنْدَهَا بَيْتُ النَّمْلَةِ! فَغَلَبَهُ النَّوْمُ، فَلَمَّا وَجَدَ لَذَّةَ النَّوْمِ لَدَغَتْهُ، فَأَمَرَ بِإِحْرَاقِ النَّمْلِ جَمِيعِهِ إِمَّا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِخُصُوصِ الْقَارِصَةِ، أَوْ لِكَوْنِهَا مُؤْذِيَةً، وَيَجُوزُ قَتْلُ جِنْسِ الْمُؤْذِي، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ نَهَى ﵇ عَنْ قَتْلِ كُلِّ ذِي رُوحٍ إِلَّا أَنْ يُؤْذِيَ» ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا نَظِيرٌ لِفِعْلِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُطِيعِ، وَالْعَاصِي، وَلَا يَكُونُ تَعْذِيبُهُ تَشَفِّيًا بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ، بَلْ فِعْلُهُ مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ الَّذِي يَعْجَزُ عَنْ كُنْهِهِ عِلْمُ الْبَشَرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّ الْمُطِيعَ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ فِي عُمُومِ عَذَابِهِمْ وَخُصَّ بِالْإِخْلَاصِ لَصَدَرَ عَنْهُ مَا يُوجِبُ
стр. 5736
تَعْذِيبَهُ، أَوْ مَا يُوجِبُ تَعْذِيبَهُ أَوِ الْمُطِيعُ إِذَا رَضِيَ بِفِعْلِ الْعَاصِي أَوْ لَمْ يُنْكِرْ أَوْ سَاكَنَهُ وَمَا شَاءَ وَعَاشَرَهُ فِي مَأْوَاهُ لَا يَخْلُوا عَنِ اسْتِحْقَاقِ تَعْذِيبٍ مَا، أَوْ تَعْذِيبُهُ صُورَةَ تَعْذِيبٍ. وَفِي الْحَقِيقَةِ تَكْفِيرٌ وَتَهْذِيبٌ، فَسُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ إِلَّا الْعَدْلُ أَوِ الْفَضْلُ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَقْدِيرِ اللَّامِ أَيْ أَوْصَى بِهَذَا الْكَلَامِ يُعَيِّنُ لِأَجَلِ (قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ) : أَيْ وَاحِدَةٌ (أَحْرَقْتَ أُمَّةً) : أَيْ أَمَرْتَ بِإِحْرَاقِ طَائِفَةٍ عَظِيمَةٍ (مِنَ الْأُمَمِ) : حَالَ كَوْنِهَا (تُسَبِّحُ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أُمَّةً مُسَبِّحَةً لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا وُضِعَ الْمُضَارِعُ مَوْضِعَ مُسَبِّحَةٍ لِيَدُلَّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ وَمَزِيدًا لِلْإِنْكَارِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ [ص: ١٨] الْكَشَّافُ: فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى حُدُوثِ التَّسْبِيحِ مِنَ الْجِبَالِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَحَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَكَأَنَّ السَّامِعَ يُحَاضِرُ تِلْكَ الْحَالَ وَيَسْمَعُهَا، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: أَحْرَقْتَ أُمَّةً جَوَازُ إِحْرَاقِ تِلْكَ الْقَارِصَةِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالُوا: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ شَرْعَ ذَلِكَ النَّبِيِّ كَانَ فِيهِ جَوَازُ قَتْلِ النَّمْلِ وَالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ، وَلِذَا لَمْ يَعْتِبْ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ، بَلْ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى نَمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا فِي شَرْعِنَا فَلَا يَجُوزُ إِحْرَاقُ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ إِلَّا بِالِاقْتِصَاصِ، وَسَوَاءٌ فِي مَنْعِ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ الْقَمْلُ وَغَيْرُهُ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: (لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى) . وَأَمَّا قَتْلُ النَّمْلِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَسَيَجِيءُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي اهـ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النَّمْلِ عَلَى غَيْرِ الْمُؤْذِي مِنْهَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَقِيَاسًا عَلَى الْقَمْلِ، فَإِنْ أَذَى النَّمْلِ قَدْ يَكُونُ أَشَدَّ مِنَ الْقَمْلِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْهِرِّ ابْتِدَاءً بِخِلَافِ مَا إِذَا حَصَلَ مِنْهُ الْأَذَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْإِحْرَاقُ مَنْسُوخًا، أَوْ مَحْمُولًا عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ قَتْلُهُ إِلَّا بِهِ ضَرُورَةً. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5737
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤١٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤١٢٣ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ) : بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ فِي الْأَصْلِ وَيُبْدَلُ أَيْ سَقَطَتْ (فِي السَّمْنِ) : أَيْ وَمَاتَتْ فِيهِ (فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا) ، أَيْ وَكُلُوا مِمَّا بَقِيَ (وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ) . أَيِ السَّمْنَ لِلْأَكْلِ، وَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ نَحْوَ الِاسْتِصْبَاحِ عَلَى مَا سَبَقَ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) . أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 5738
٤١٢٤ - وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
ــ
٤١٢٤ - (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) .
стр. 5739
٤١٢٥ - وَعَنْ سَفِينَةَ، قَالَ: «أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْمَ حُبَارَى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤١٢٥ - (وَعَنْ سَفِينَةَ ﵁) ، أَيْ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: «أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْمَ حُبَارَى» ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مَقْصُورًا. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحُبَارَى طَائِرٌ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَاحِدُهَا وَجَمْعُهُمَا سَوَاءٌ،: إِنْ شِئْتَ قُلْتَ الْجَمْعُ حُبَارِيَّاتٌ وَأَلِفُهُ لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ وَلَا لِلْإِلْحَاقِ، وَإِنَّمَا بُنِيَ الِاسْمُ بِهَا فَصَارَ كَأَنَّهَا مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ لَا يَنْصَرِفُ فِي مَعْرِفَةٍ وَلَا نَكِرَةٍ. وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: أَلِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ، وَغَلِطَ الْجَوْهَرِيُّ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لَانْصَرَفَتْ هَذَا. وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ: الْحُبَارَى طَائِرٌ كَبِيرُ الْعُنُقِ رَمَادِيُّ اللَّوْنِ فِي مِنْقَارِهِ بَعْضُ طُولٍ، وَمِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُصَادَ وَلَا تَصِيدَ، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ كَذَبَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الْحُبَارَى لَتَمُوتُ هُزَالًا مِنْ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، يَعْنِي إِذَا كَثُرَتِ الْخَطَايَا مَنَعَ اللَّهُ الْقَطْرَ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَهِيَ مِنْ أَكْثَرِ الطَّيْرِ حِيلَةً فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَمُوتُ جُوعًا لِلْحُكْمِ يَحِلُّ أَكْلُهَا. قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ
стр. 5740
٤١٢٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ: «نُهِيَ عَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ» .
ــ
٤١٢٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ» ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْأُولَى وَهِيَ الدَّابَّةُ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ مِنَ الْجِلَّةِ وَهِيَ الْبَعْرَةُ. فِي الْفَائِقِ كَنَّى عَنِ الْعَذِرَةِ بِالْجِلَّةِ وَهِيَ الْبَعْرُ فَقِيلَ لِآكِلِهَا جَلَّالَةٌ. (وَأَلْبَانِهَا) ، أَيْ وَعَنْ شُرْبِ لَبَنِهَا وَجُمِعَ مُبَالَغَةً. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ إِذَا ظَهَرَ فِي لَحْمِهَا نَتَنٌ، وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا، وَالْأَحْسَنُ أَنْ تُحْبَسَ أَيَّامًا حَتَّى يَطِيبَ لَحْمُهَا ثُمَّ تُذْبَحَ اهـ. وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَ ثَلَاثًا. وَفِي الْفَتَاوَى الْكَبِيرِ: كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَةَ الْمُخَلَّاةَ ثَلَاثَةَ أَيْامٍ، وَالْجَلَّالَةَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْحُكْمُ فِي الدَّابَّةِ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ أَنْ يَنْظُرَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ تَأْكُلُهَا أَحْيَانًا فَلَيْسَتْ بِجَلَّالَةٍ وَلَا يَحْرُمُ بِذَلِكَ أَكْلُهَا كَالدَّجَاجِ، وَإِنْ كَانَ غَالِبُ عَلَفِهَا مِنْهَا حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ عَلَى لَحْمِهَا وَلَبَنِهَا، فَاخْتَلَفُوا فِي أَكْلِهَا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا إِلَّا أَنْ تُحْبَسَ أَيَّامًا وَتُعْلَفَ مِنْ غَيْرِهَا حَتَّى يَطِيبَ لَحْمُهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَكَانَ الْحَسَنُ لَا يَرَى بَأْسًا بِأَكْلِ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا بَعْدَ أَنْ يُغْسَلَ غَسْلًا جَيِّدًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ) : أَيْ ابْنُ عُمَرَ (نَهَى) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ نَهْيَ تَنْزِيهٍ (عَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ) : لِأَنَّهَا إِذَا عَرَقَتْ يَنْتُنُ لَحْمُهَا.
стр. 5741
٤١٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤١٢٧ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ ﵁) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَنْصَارِيٌّ، يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، رَوَى عَنْهُ تَمِيمُ بْنُ مَحْمُودٍ وَأَبُو رَاشِدٍ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ» ) . وَفِي نُسْخَةٍ وَهِيَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسَبَقَ الْخِلَافُ فِيهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَائِشَةَ.
стр. 5742
٤١٢٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرَّةِ وَأَكْلِ ثَمَنِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤١٢٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرَّةِ وَأَكْلِ ثَمَنِهَا» ) . وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَنْ أَكْلِ ثَمَنِهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَكَلُ لَحْمِ الْهِرِّ حَرَامٌ بِلَا خِلَافِ، وَأَمَّا بَيْعُهَا وَأَكْلُ ثَمَنِهَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ.
стр. 5743
٤١٢٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ - الْحُمُرَ الْإِنْسِيَّةَ، وَلُحُومَ الْبِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤١٢٩ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ جَابِرٍ ﵁ (قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ) : تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ (الْحُمُرَ) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حِمَارٍ (الْإِنْسِيَّةَ) ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ لِلنِّسْبَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، فَفِي الْمُقَدِّمَةِ قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: بِفَتْحَتَيْنِ وَالْمَشْهُورُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، وَالْأَنْسُ بِالْفَتْحِ النَّاسُ، وَجَوَّزَ أَبُو مُوسَى ضَمَّ أَوَّلِهِ وَهُوَ ضِدُّ الْوَحْشِيَّةِ، وَالْمَعْنَى حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ (وَلُحُومَ الْبِغَالِ، وَكُلِّ) : بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْبِغَالِ أَيْ: وَلُحُومُ كُلِّ (ذِي نَابٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمُضَافِ أَيْ: وَحَرَّمَ كُلَّ ذِي نَابٍ (مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ) : بِالْوِجْهَتَيْنِ فِي كُلٍّ (مِنَ الطَّيْرِ) . أَيْ مِنْ سِبَاعِهَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . يَعْنِي بِاعْتِبَارِ هَذَا اللَّفْظِ بِإِسْنَادِهِ الْمَخْصُوصِ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ عَنِ الْبَرَاءِ، وَعَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» .
стр. 5744
وَرَوَى أَصْحَابُ السِّتَّةِ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ أَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» . وَرَوَى أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَزَادَ: وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. قَالَ الشُّمُنِّيُّ: وَلَا يَحِلُّ الضَّبُعُ وَلَا الْيَرْبُوعُ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ السَّعْدِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَنَّ نَاسًا مِنْ قَوْمِي يَأْكُلُونَ الضَّبُعَ؟ فَقَالَ إِنَّ أَكْلَهَا لَا يَحِلُّ، وَكَانَ عِنْدَهُ شَيْخٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَقَالَ ذَلِكَ الشَّيْخُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَا أُخْبِرُكَ. بِمَا سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ فِيهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ خَطْفَةٍ وَنَهْبَةٍ وَمُجَثَّمَةٍ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» ، فَقَالَ سَعِيدٌ: صَدَقَ.
стр. 5745
٤١٣٠ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٤١٣٠ - (وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ» ) . فِي إِدْمَاجِ الْخَيْلِ مَعَ الْمُحَرَّمَيْنِ اتِّفَاقٌ تَقْوِيَةً لِحُرْمَتِهِ، وَإِشَارَةً إِلَى مُوَافَقَةِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَلِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِحُرْمَةِ لَحْمِهِ مُسْتَدِلًّا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبِأَنَّهُ آلَةُ إِرْهَابِ الْعَدُوِّ فَلَا يُؤْكَلُ احْتِرَامًا لَهُ، وَلِهَذَا يُضْرَبُ لَهُ سَهْمٌ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلِأَنَّ فِي إِبَاحَتِهِ تَقْلِيلَ الْجِهَادِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) . وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ لَحْمَ الْخَيْلِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ إِلَخْ عِلَّةٌ لِلضَّعْفِ وَالنَّسْخِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَكَانَ أَكْلُهُمْ لَحْمَ الْخَيْلِ إِمَّا مُقَدَّمٌ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، وَإِمَّا مُؤَخَّرٌ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مَا بَلَغَهُمُ الْحَدِيثُ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَالْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →