Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
٤١٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤١٢٧ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ ﵁) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَنْصَارِيٌّ، يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، رَوَى عَنْهُ تَمِيمُ بْنُ مَحْمُودٍ وَأَبُو رَاشِدٍ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ» ) . وَفِي نُسْخَةٍ وَهِيَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسَبَقَ الْخِلَافُ فِيهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَائِشَةَ.
стр. 5742
٤١٢٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرَّةِ وَأَكْلِ ثَمَنِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤١٢٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرَّةِ وَأَكْلِ ثَمَنِهَا» ) . وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَنْ أَكْلِ ثَمَنِهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَكَلُ لَحْمِ الْهِرِّ حَرَامٌ بِلَا خِلَافِ، وَأَمَّا بَيْعُهَا وَأَكْلُ ثَمَنِهَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ.
стр. 5743
٤١٢٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ - الْحُمُرَ الْإِنْسِيَّةَ، وَلُحُومَ الْبِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤١٢٩ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ جَابِرٍ ﵁ (قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ) : تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ (الْحُمُرَ) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حِمَارٍ (الْإِنْسِيَّةَ) ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ لِلنِّسْبَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، فَفِي الْمُقَدِّمَةِ قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: بِفَتْحَتَيْنِ وَالْمَشْهُورُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، وَالْأَنْسُ بِالْفَتْحِ النَّاسُ، وَجَوَّزَ أَبُو مُوسَى ضَمَّ أَوَّلِهِ وَهُوَ ضِدُّ الْوَحْشِيَّةِ، وَالْمَعْنَى حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ (وَلُحُومَ الْبِغَالِ، وَكُلِّ) : بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْبِغَالِ أَيْ: وَلُحُومُ كُلِّ (ذِي نَابٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمُضَافِ أَيْ: وَحَرَّمَ كُلَّ ذِي نَابٍ (مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ) : بِالْوِجْهَتَيْنِ فِي كُلٍّ (مِنَ الطَّيْرِ) . أَيْ مِنْ سِبَاعِهَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . يَعْنِي بِاعْتِبَارِ هَذَا اللَّفْظِ بِإِسْنَادِهِ الْمَخْصُوصِ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ عَنِ الْبَرَاءِ، وَعَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» .
стр. 5744
وَرَوَى أَصْحَابُ السِّتَّةِ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ أَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» . وَرَوَى أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَزَادَ: وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. قَالَ الشُّمُنِّيُّ: وَلَا يَحِلُّ الضَّبُعُ وَلَا الْيَرْبُوعُ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ السَّعْدِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَنَّ نَاسًا مِنْ قَوْمِي يَأْكُلُونَ الضَّبُعَ؟ فَقَالَ إِنَّ أَكْلَهَا لَا يَحِلُّ، وَكَانَ عِنْدَهُ شَيْخٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَقَالَ ذَلِكَ الشَّيْخُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَا أُخْبِرُكَ. بِمَا سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ فِيهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ خَطْفَةٍ وَنَهْبَةٍ وَمُجَثَّمَةٍ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» ، فَقَالَ سَعِيدٌ: صَدَقَ.
стр. 5745
٤١٣٠ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٤١٣٠ - (وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ» ) . فِي إِدْمَاجِ الْخَيْلِ مَعَ الْمُحَرَّمَيْنِ اتِّفَاقٌ تَقْوِيَةً لِحُرْمَتِهِ، وَإِشَارَةً إِلَى مُوَافَقَةِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَلِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِحُرْمَةِ لَحْمِهِ مُسْتَدِلًّا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبِأَنَّهُ آلَةُ إِرْهَابِ الْعَدُوِّ فَلَا يُؤْكَلُ احْتِرَامًا لَهُ، وَلِهَذَا يُضْرَبُ لَهُ سَهْمٌ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلِأَنَّ فِي إِبَاحَتِهِ تَقْلِيلَ الْجِهَادِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) . وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ لَحْمَ الْخَيْلِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ إِلَخْ عِلَّةٌ لِلضَّعْفِ وَالنَّسْخِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَكَانَ أَكْلُهُمْ لَحْمَ الْخَيْلِ إِمَّا مُقَدَّمٌ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، وَإِمَّا مُؤَخَّرٌ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مَا بَلَغَهُمُ الْحَدِيثُ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَالْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5746
٤١٣١ - وَعَنْهُ، قَالَ: «غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ خَيْبَرَ، فَأَتَتِ الْيَهُودُ، فَشَكَوْا أَنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى خَضَائِرِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَا لَا يَحِلُّ أَمْوَالُ الْمُعَاهَدِينَ إِلَّا بِحَقِّهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤١٣١ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ خَالِدٍ (قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَأَتَتِ الْيَهُودُ) ، أَيْ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ فَشَكَوْا أَنَّ النَّاسَ) : أَيِ الْمُسْلِمِينَ (قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى خَضَائِرِهِمْ) ، أَيْ إِلَى أَخْذِ ثِمَارِ نَخِيلِ الْيَهُودِ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْعَهْدِ، وَالْخَضِيرَةُ بِالْخَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ النَّخْلَةُ الَّتِي يَنْتَشِرُ بُسْرُهَا وَهُوَ أَخْضَرُ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ لَا يَحِلُّ أَمْوَالُ الْمُعَاهِدِينَ) : بِكَسْرِ الْهَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيْ: أَهِلِ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ (إِلَّا بِحَقِّهَا) . أَيْ: إِلَّا بِحَقِّ تِلْكَ الْأَمْوَالِ فَإِنَّ حَقَّ مَالِ الْمُعَاهِدِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَالْجِزْيَةُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْنَفًا وَمَالُهُ لِلتِّجَارَةِ فَالْعُشْرُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5747
٤١٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ. الْمَيْتَتَانِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ: الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
٤١٣٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ» ) . أَيْ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ وَالِاضْطِرَارِ (الْمَيْتَتَانِ: الْحُوتُ، وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ: الْكَبِدُ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَكَكَتِفٍ مَعْرُوفٌ (وَالطِّحَالُ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَهُمَا دَمَانِ جَامِدَانِ، فَقَوْلُ صَاحِبِ الْقَامُوسِ الطِّحَالُ كَكِتَابٍ لَحْمَةٌ مَعْرُوفَةٌ مَحَلُّ بَحْثٍ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ» ، فَأَمَّا الْمَيتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ.
стр. 5748
٤١٣٣ - وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ فَكُلُوهُ. وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ.
ــ
٤١٣٣ - (وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ مَوْلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانَيَةِ مِنْ تَابِعِي مَكَّةَ، جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. (عَنْ جَابِرٍ) ، - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ: أَيْ كُلُّ مَا قَذَفَهُ إِلَى السَّاحِلِ (أَوْ جَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ) : أَيْ نَقَصَ وَذَهَبَ عَنْهُ مَاءُ الْبَحْرِ مِنَ الْجَزْرِ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ الْمَدِّ، وَمِنْهُ الْجَزِيرَةُ وَالْمَعْنَى وَمَا انْكَشَفَ عَنْهُ الْمَاءُ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ، (فَكُلُوهُ وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا) : أَيِ ارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ بَعْدَ أَنْ مَاتَ (فَلَا تَأْكُلُوهُ) . فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي إِبَاحَةِ السَّمَكِ الطَّافِي، فَأَبَاحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵃. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ)
(وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ) : أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ) . قُلْتُ: لَا يَضُرُّ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَوْقُوفِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ.
стр. 5749
٤١٣٤ - وَعَنْ سَلْمَانَ ﵄ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْجَرَادِ، فَقَالَ: " أَكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ، لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ، وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ ضَعِيفٌ.
ــ
٤١٣٤ - (وَعَنْ سَلْمَانَ ﵄ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْجَرَادِ» ) ، أَيْ عَنْ حِكْمَةِ خَلْقِهِ وَحُكْمِ أَكْلِهِ. فَقَالَ: أَكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ) ، أَيْ هُوَ أَكْثَرُ جُنُودِهِ تَعَالَى مِنَ الطُّيُورِ، فَإِذَا غَضِبَ عَلَى قَوْمٍ أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْجَرَادَ لِيَأْكُلَ زَرْعَهُمْ وَأَشْجَارَهُمْ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ الْقَحْطُ إِلَى أَنْ يَأْكُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَفِئَ الْكُلُّ وَإِلَّا فَالْمَلَائِكَةُ أَكْثَرُ الْخَلَائِقِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِمْ ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] (لَا آكُلُهُ) أَيْ: أَطْعَمُهُ لِأَنِّي أَكْرَهُ " طَبْعًا (وَلَا أُحَرِّمُهُ) . أَيْ عَلَى غَيْرِي شَرْعًا لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ السَّائِلِ أَتَأْكُلُ الْجَرَادَ أَمْ لَا؟ أَوْ هُوَ حَرَامٌ أَمْ لَا؟ فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ: لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ، وَقَوْلُهُ: أَكْثَرُ جُنْدِ اللَّهِ كَالتَّوْطِئَةِ لِلْجَوَابِ وَالتَّعْلِيلِ لَهُ كَأَنَّهُ قِيلَ: هُوَ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ يَبْعَثُهُ أَمَارَةً لِغَضَبِهِ عَلَى بَعْضِ الْبِلَادِ، فَإِذَا نُظِرَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤْكَلُ وَإِذَا نُظِرَ إِلَى كَوْنِهِ يَقُومُ مَقَامَ الْغَدَاءِ يَحِلُّ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ ﷺ تَرَدَّدَ فِي كَوْنِهِ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا، وَهُوَ لَا يُلَائِمُ التَّصْرِيحَ بِحِلِّيَّتِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، مَعَ أَنَّ دَلِيلَ الْحُرْمَةِ وَالْحِلِّ إِذَا تَعَارَضَا تُرَجَّحُ الْحُرْمَةُ، وَهَذَا لَا قَائِلَ بِهِ فِي حَقِّ الْجَرَادِ، فَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ، أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِبَاحَةِ أَكْلِهِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ تَوَقَّفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ، فَيَبْقَى الْحُكْمُ مَوْقُوفًا بَيْنَ الْعِبَادِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنَّهُ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ: يَحِلُّ أَكْلُهُ سَوَاءٌ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِذَكَاةٍ أَوْ بِاصْطِيَادِ مَجُوسِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ قُطِعَ شَيْءٌ مِنْهُ أَمْ لَا. وَعَنْ أَحْمَدَ: إِذَا قَتَلَهُ الْبَرْدُ لَمْ يُؤْكَلْ، وَمُلَخَّصُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إِنْ قُطِعَتْ رَأْسُهُ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى عُمُومِ حِلِّهِ قَوْلُهُ ﷺ : ( «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ» ) . (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ، ضَعِيفٌ) . أَيْ إِسْنَادُهُ أَوْ مَعْنَاهُ لِمُخَالَفَتِهِ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَفِيهِ: وَيَأْكُلُهُ مَعَنَا، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَتَهَادَيْنَ الْجَرَادَ فِي الْأَطْبَاقِ، وَفِي الْمُوَطَّأِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ سُئِلَ عَنِ الْجَرَادِ؟ فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ عِنْدِي قُفَّةً آكُلُ مِنْهَا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ أَنَّ
стр. 5750
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ سَأَلَتْ رَبَّهَا أَنْ يُطْعِمَهَا لَحْمًا لَا دَمَ لَهُ، فَأَطْعَمَهَا الْجَرَادَ» ، قَالَ: اللَّهُمَّ أَعْشِهَا بِغَيْرِ رِضَاعٍ وَتَابِعْ بَيْنَهَا بِغَيْرِ شِيَاعٍ) . قُلْتُ: يَا أَبَا الْفَضْلِ! مَا الشِّيَاعُ؟ قَالَ: الصَّوْتُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ طَعَامُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ﵉ الْجَرَادَ وَقُلُوبَ الشَّجَرِ، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ أَنْعَمُ مِنْكَ يَا يَحْيَى طَعَامُكَ الْجَرَادُ وَقُلُوبُ الشَّجَرِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ» ) . قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ مَعَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ عَنْ أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقْتُلُوا الْجَرَادَ فَإِنَّهُ جُنْدُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ» ) وَهَذَا إِنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ إِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِفْسَادِ الْأَرْضِ، فَإِنْ تَعَرَّضَ لَهُ جَازَ دَفْعُهُ بِالْقَتْلِ وَغَيْرِهِ، وَأَسْنَدَ الطَّبَرَانِيُّ، «عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: كُنَّا عَلَى مَائِدَةٍ نَأْكُلُ أَنَا وَأَخِي مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَبَنُو عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ وَقُثَمٌ وَالْفَضْلُ أَبْنَاءُ الْعَبَّاسِ، فَوَقَعَتْ جَرَادَةٌ عَلَى الْمَائِدَةِ، فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ لِي: مَا مَكْتُوبٌ عَلَى هَذِهِ فَقُلْتُ: سَأَلْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا رَبُّ الْجَرَادِ وَرَازِقُهَا إِذَا شِئْتُ بَعَثْتُهَا رِزْقًا لِقَوْمٍ، وَإِنْ شِئْتُ بَعَثْتُهَا بَلَائًا عَلَى قَوْمٍ فَقَالَ عَبْدٌ هَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْمَكْنُونِ» .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَرَادِ هَلْ هُوَ صَيْدٌ بَرِّيٌّ أَوْ بَحْرِيٌّ؟ فَقِيلَ: بَحْرِيٌّ. لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «دَعَا عَلَى الْجَرَادِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ أَهْلِكْ كِبَارَهُ وَأَفْسِدْ صِغَارَهُ وَاقْطَعْ دَابِرَهُ وَخُذْ فَأَفْوَاهِهِ عَنْ مَعَايِشِنَا وَأَرْزَاقِنَا، فَإِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) . فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَدْعُو عَلَى جُنْدٍ مِنْ أَجْنَادِ اللَّهِ بِقَطْعِ دَابِرِهِ؟ قَالَ: (الْجَرَادُ نَثْرَةُ الْحُوتِ مِنَ الْبَحْرِ أَيْ عَطْسَتُهُ» ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ صَيْدُهُ، وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَاسْتَقْبَلَنَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُنَّ بِنِعَالِنَا وَأَسْوَاطِنَا، فَقَالَ ﷺ : (كُلُوهُ لِأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ» . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بَرِّيٌّ، لِأَنَّ الْمُحْرِمَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ إِذَا أَتْلَفَهُ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ. قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَافَّةً إِلَّا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا جَزَاءَ فِيهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵃ أَجْمَعِينَ - فَإِنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ لَا جَزَاءَ فِيهِ. وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي الْمُهَزِّمِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: «أَصَبْنَا ضَرْبًا مِنَ الْجَرَادِ، وَكَانَ رَجُلٌ يَضْرِبُ بِسَوْطٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (إِنَّمَا هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ) » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ لِتَضْعِيفِ أَبِي الْمُهَزِّمِ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ. بِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ، أَوِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي أُنَاسٍ مُحَرِمِينَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَكَعْبٌ عَلَى نَارٍ يَصْطَلِي، فَمَرَّتْ بِهِ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ فَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ قَتَلَهُمَا وَنَسِيَ إِحْرَامَهُ ثُمَّ ذَكَرَ إِحْرَامَهُ فَأَلْقَاهُمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ دَخَلَ الْقَوْمُ عَلَى عُمَرَ، وَدَخَلْتُ مَعَهُمْ فَقَصَّ كَعْبٌ قِصَّةَ الْجَرَادَتَيْنِ عَلَى عُمَرَ ﵄ فَقَالَ: مَا جَعَلْتَ عَلَى نَفْسِكَ يَا كَعْبُ؟ قَالَ: دِرْهَمَيْنِ. فَقَالَ بَخٍ بَخٍ دِرْهَمَانِ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَتَيْنِ اجْعَلْ مَا جَعَلْتَ فِي نَفْسِكَ. وَفِي الْأَمْثَالِ: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ.
стр. 5751
٤١٣٥ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵄ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَبِّ الدِّيكِ وَقَالَ: إِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٤١٣٥ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) : ﵄ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَبِّ الدِّيكِ» ، وَقَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ (إِنَّهُ) : أَيِ الدِّيكُ أَوِ الشَّأْنُ (يُؤَذِّنُ) : بِتَشْدِيدِ الذَّالِ، وَيَجُوزُ تَحْقِيقُهَا وَإِبْدَالُ هَمْزِهَا فِي الْوَجْهَيْنِ أَيْ: يُعْلِمُ النَّاسَ وَيَدْعُوهُمْ (لِلصَّلَاةِ) : أَيْ لِدُخُولِ وَقْتِهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَفِيهِ أَنَّ بَعْضَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ فِي الْحَيَوَانِ مَانِعٌ مِنْ سَبِّهِ، فَكَيْفَ بِالْمُؤْمِنِ مِنَ الْإِنْسَانِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَلِيمِيَّ قَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنِ اسْتُفِيدَ مِنْهُ خَيْرٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَبَّ وَيُسْتَهَانَ، بَلْ حَقُّهُ أَنْ يُكْرَمَ وَيُشْكَرَ وَيُتَلَقَّى بِالْإِحْسَانِ. (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
стр. 5752
٤١٣٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ إِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
ــ
٤١٣٦ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ. قَالَ: وَأَعْظَمُ مَا فِي الدِّيكِ مِنَ الْعَجَائِبِ مَعْرِفَةُ الْأَوْقَاتِ اللَّيْلِيَّةِ، فَيُقَسِّطُ أَصْوَاتَهُ عَلَيْهَا تَقْسِيطًا لَا يُغَادِرُ مِنْهُ شَيْئًا سَوَاءٌ طَالَ أَوْ قَصُرَ، وَيُوَالِي صِيَاحَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ، فَسُبْحَانَ مَنْ هُدَاهُ لِذَلِكَ، وَقَدْ أَفْتَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالْمُتَوَلِّي، وَالرَّافِعِيُّ بِجَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الدِّيكِ الْمُجَرَّبِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ. وَرَوَى عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ نَافِعٍ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «الدِّيكُ الْأَبْيَضُ خَلِيلِي» ) . وَإِسْنَادُهُ لَا يَثْبُتُ. وَرَوَاهُ غَيْرُهُ بِلَفْظِ ( «الدِّيكُ الْأَبْيَضُ صَدِيقِي، وَعَدُوٌّ لِلشَّيْطَانِ يَحْرُسُ صَاحِبَهُ وَسَبْعَ دُورٍ خَلْفَهُ» ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رِوَايَاتٌ فِي فَضْلِهِ، وَرَوَى الشَّيْخُ مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ لَهُ دِيكٌ أَبْيَضُ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ يُسَافِرُونَ مَعَهُ بِالدِّيَكَةِ لِتُعَرِّفَهُمْ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ» . وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دِيكًا أَبْيَضَ، جَنَاحَاهُ مُوَشَّيَانِ بِالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ، جَنَاحٌ بِالْمَشْرِقِ وَجَنَاحٌ بِالْمَغْرِبِ، رَأْسُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَقَوَائِمُهُ فِي الْهَوَاءِ، يُؤَذِّنُ فِي كُلِّ سَحَرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، فَيَسْمَعُ تِلْكَ الصَّيْحَةَ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُجِيبُهُ دُيُوكُ الْأَرْضِ، فَإِذَا دَنَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ضُمَّ جَنَاحَكَ وَغُضَّ مِنْ صَوْتِكَ، فَيَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا الثِّقْلَيْنِ أَنَّ السَّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ» . وَعَنْ أَصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ الْوَاسِطِيِّ أَنَّهُ كَانَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ دِيكٌ يَقُومُ اللَّيْلَ بِصِيَاحِهِ، فَلَمْ يَصِحْ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ، فَلَمْ يُصَلِّ سَعِيدٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَشَقَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لَهُ قَطَعَهُ اللَّهُ صَوْتَهُ فَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ صَوْتٌ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ. وَيَحِلُّ أَكْلُهُ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الدَّجَاجِ.
стр. 5753
٤١٣٧ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: قَالَ أَبُو لَيْلَى: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا ظَهَرَتِ الْحَيَّةُ فِي الْمَسْكَنِ فَقُولُوا لَهَا: إِنَّا نَسْأَلُكِ بِعَهْدِ نُوحٍ وَبِعَهْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ أَنْ لَا تُؤْذِينَا، فَإِنْ عَادَتْ فَاقْتُلُوهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤١٣٧ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ﵁) : أَنْصَارِيٌّ، وُلِدَ لِسِتِّ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَقُتِلَ بِدُجَيْلٍ، وَقِيلَ: غَرِقَ بِنَهْرِ الْبَصْرَةِ، وَقِيلَ: فُقِدَ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ، فِي وَقْعَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، حَدِيثُهُ فِي الْكُوفِيِّينَ، سَمِعَ أَبَاهُ وَخَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ الشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ سِيرِينَ وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ كَثِيرٌ، وَهُوَ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ تَابِعِي الْكُوفِيِّينَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي حَرْفِ الْعَيْنِ. وَقَالَ فِي حَرْفِ اللَّامِ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى هُوَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمِ بْنِ أَبِي لَيْلَى يَسَارٍ الْأَنْصَارِيُّ وُلِدَ إِلَخْ. وَقَالَ: سَمِعَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ أَبِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يُقَالُ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى أَيْضًا لِوَلَدِهِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَاضِي الْكُوفَةِ إِمَامٌ مَشْهُورٌ فِي الْفِقْهِ صَاحِبُ مَذْهَبٍ وَقَوْلٍ، وَإِذَا أَطْلَقَ الْمُحَدِّثُونَ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّمَا يَعْنُونَ إِيَّاهُ، وَإِذَا أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّمَا يَعْنُونَ مُحَمَّدًا، وَوُلِدَ مُحَمَّدٌ هَذَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ. (قَالَ: قَالَ أَبُو لَيْلَى) : قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ ( «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا ظَهَرَتِ الْحَيَّةُ فِي الْمَسْكَنِ: بِفَتْحِ الْكَافِ وَيُكْسَرُ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَسْكَنِ (قُولُوا لَهَا: إِنَّا نَسْأَلُكِ بِعَهْدِ نُوحٍ: وَلَعَلَّ الْعَهْدَ كَانَ عِنْدَ إِدْخَالِهَا فِي السَّفِينَةِ (وَبِعَهْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ أَنْ لَا تُؤْذِينَا» ) هَذِهِ الْيَاءُ يَاءُ الضَّمِيرِ لَا يَاءَ الْكَلِمَةِ، فَإِنَّهَا سَقَطَتْ لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ فَتَكُونُ سَاكِنَةً سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّ أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ وَلَا نَافِيَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ نَطْلُبُ مِنْكِ عَدَمَ الْإِيذَاءِ، أَوْ مُفَسِّرَةٌ وَلَا نَاهِيَةٌ لِأَنَّ فِي السُّؤَالِ مَعْنَى الْقَوْلِ أَيْ لَا تُؤْذِينَا (فَإِنْ عَادَتْ فَاقْتُلُوهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ زَعَمُوا أَنَّ الْحَيَّةَ تَعِيشُ أَلْفَ سَنَةٍ وَهِيَ كُلَّ سَنَةٍ تَسْلَخُ جِلْدَهَا، وَإِذَا لَدَغَتْهَا الْعَقْرَبُ مَاتَتْ، وَعَيْنُهَا لَا تَدُورُ فِي رَأْسِهَا بَلْ كَأَنَّهَا مِسْمَارٌ ضُرِبَ فِي رَأْسِهَا، وَكَذَلِكَ عَيْنُ الْجَرَادِ، وَإِذَا قُلِعَتْ عَادَتْ، وَكَذَلِكَ نَابُهَا إِذَا قُلِعَ عَادَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيْامٍ، وَكَذَلِكَ ذَنَبُهَا إِذَا قُطِعَ نَبَتَ، وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِهَا أَنَّهَا تَهْرَبُ مِنَ الرَّجُلِ الْعُرْيَانِ، وَتَفْرَحُ بِالنَّارِ وَتَطْلُبُهَا، وَيُتَعَجَّبُ مِنْ أَمْرِهَا، وَتُحِبُّ اللَّبَنَ حُبًّا شَدِيدًا، وَتُذْبَحُ وَتَبْقَى أَيْامًا لَا تَمُوتُ، وَإِذَا عَمِيَتْ تَطْلُبَ الرَّازْيَانْجَ الْأَخْضَرَ فَتَحُكُّ بِهِ بَصَرَهَا فَتَبْرَأُ، فَسُبْحَانَ مَنْ قَدَّرَ فَهَدَى، قَدَّرَ عَلَيْهَا الْعَمَى وَهَدَاهَا إِلَى مَنَافِعِهَا قَالَ: وَيَحْرُمُ أَكْلُهَا لِضَرَرِهَا وَكَذَا يَحْرُمُ أَكْلُ التِّرْيَاقِ الْمَعْمُولِ مِنْ لُحُومِهَا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كَرِهَ أَكْلُهُ ابْنُ سِيرِينَ قَالَ أَحْمَدُ: وَلِهَذَا كَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ حَيْثُ تَجُوزُ الْمَيْتَةُ.
стр. 5754
٤١٣٨ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَفَعَ الْحَدِيثَ:
أَنَّهُ «كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ، وَقَالَ: مَنْ تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ ثَائِرٍ فَلَيْسَ مِنَّا» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ
ــ
٤١٣٨ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ ﵁) : أَيْ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. قَالَ) : أَيْ عِكْرِمَةُ. وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ أَيُّوبُ لَا أَعْلَمُهُ) : أَيْ لَا أَعْلَمُ ابْنَ عَبَّاسٍ (إِلَّا رَفَعَ الْحَدِيثَ) : أَيْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ :، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ) : مُحْتَمَلٌ لِأَنْ يُنْسَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَكُونَ الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا، ثُمَّ قَوْلُهُ: إِنَّهُ كَانَ بَدَلٌ مِنَ الْحَدِيثِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَيْهِ ﷺ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ أَصْلَ التَّرْكِيبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ، وَقَوْلُهُ: قَالَ: لَا أَعْلَمُ إِلَخْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُمَا مُبِيِّنَةٌ أَنَّ الْقَضِيَّةَ مَرْفُوعَةٌ لَا مَوْقُوفَةٌ إِمَّا ظَنًّا وَإِمَّا حَقِيقَةً، وَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ.
(وَقَالَ) : أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا لِمَا سَبَقَ (مَنْ تَرَكَهُنَّ) : أَيْ قَتْلَهُنَّ وَالتَّعَرُّضَ لَهُنَّ (خَشْيَةَ ثَائِرٍ) : وَالثَّائِرُ طَالِبُ الثَّأْرِ وَهُوَ الدَّمُ وَالِانْتِقَامُ وَالْمَعْنَى مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُنَّ صَاحِبٌ يَطْلُبُ ثَأْرَهَا (فَلَيْسَ مِنَّا) : أَيْ مِنَ الْمُقْتَدِينَ بِسُنَّتِنَا الْآخِذِينَ بِطَرِيقِنَا. قَالَ شَارِحٌ: قَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ عَلَى نَهْجِ الْجَاهِلِيَّةِ بِأَنْ يُقَالَ: لَا تَقْتُلُوا الْحَيَّاتِ فَإِنَّكُمْ لَوْ قَتَلْتُمْ لَجَاءَ زَوْجُهَا وَيَلْسَعُكُمْ لِلِانْتِقَامِ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ. (رَوَاهُ) : أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : أَيْ بِإِسْنَادِهِ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَارٍ بِمِنًى، وَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] ٣ هـ فَنَحْنُ نَأْخُذُهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً إِذْ خَرَجَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ: (اقْتُلُوهَا) فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا فَسَبَقَتْنَا، فَقَالَ ﷺ : (وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُمْ كَمَا وَقَاكُمْ شَرَّهَا» ) . قُلْتُ: وَفِيهِ مُشَارَكَةٌ سَابِقَةٌ، وَالْغَالِبُ أَنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ لَاحِقَةً.
стр. 5755
٤١٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا سَالَمْنَاهُمْ مُنْذُ حَارَبْنَاهُمْ، وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُمْ خِيفَةً فَلَيْسَ مِنَّا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤١٣٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا سَالَمْنَاهُمْ) : أَيْ مَا صَلَحْنَاهُمْ (مُنْذُ حَارَبْنَاهُمْ) :
وَفِي رِوَايَةٍ: مُنْذُ عَادَيْنَاهُمْ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ مَا صَلَحْنَا الْحَيَّاتِ مُنْذُ وَقَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الْحَرْبُ، فَإِنَّ الْمُحَارَبَةَ وَالْمُعَادَاةَ بَيْنَ الْحَيَّةِ وَالْإِنْسَانِ جِبِلِّيَّةٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَجْبُولٌ عَلَى طَلَبِ قَتْلِ الْآخَرِ، وَقِيلَ: أَرَادَ الْعَدَاوَةَ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ ﵇ عَلَى مَا يُقَالُ: إِنَّ إِبْلِيسَ قَصَدَ دُخُولَ الْجَنَّةِ فَمَنَعَهُ الْخَزَنَةُ، فَأَدْخَلَتْهُ الْحَيَّةُ فِي فِيهَا فَوَسْوَسَ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ حَتَّى أَكَلَا مِنَ الشَّجَرَةِ الْمَنْهِيَّةِ فَأُخْرِجَا عَنْهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] وَالْخِطَابُ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ وَالْحَيَّةِ، وَكَانَتْ فِي أَحْسَنِ الصُّورَةِ فَمُسِخَتْ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَدُومَ تِلْكَ الْعَدَاوَةُ، وَأَتَى بِضَمِيرِ الْعُقَلَاءِ لِلْحَيَّاتِ وَأَجْرَاهَا مَجْرَاهُمْ لِإِضَافَةِ الصُّلْحِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ إِلَيْهِمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وَإِلَّا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُمْ) : أَيْ مَنْ تَرَكَ التَّعَرُّضَ لَهُنَّ (خِيفَةً) : أَيْ لِخَوْفِ ضَرَرٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ صَاحِبِهَا (فَلَيْسَ مِنَّا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مَا سَالَمْنَاهُمْ لِلْحَيَّاتِ وَالْقَرِينَةُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ تَرَكَ الْحَيَّاتِ مَخَافَةَ طَلَبِهِنَّ فَلَيْسَ مِنَّا مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ.
стр. 5756
٤١٤٠ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ، فَمَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ فَلَيْسَ مِنِّي» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
ــ
٤١٤٠ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ، فَمَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ فَلَيْسَ مِنَّا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَتَلَ حَيَّةً فَكَأَنَّمَا قَتَلَ رَجُلًا مُشْرِكًا، وَمَنْ تَرَكَ حَيَّةً مَخَافَةَ عَاقِبَتِهَا فَلَيْسَ مِنَّا» ".
стр. 5757
٤١٤١ - وَعَنِ الْعَبَّاسِ ﵄ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَكْنُسَ زَمْزَمَ وَإِنَّ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الْجِنَّانِ - يَعْنِي: الْحَيَّاتِ الصِّغَارِ - فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِنَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤١٤١ - (وَعَنِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَكْنُسَ زَمْزَمَ) بِضَمِّ النُّونِ الثَّانِيَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَفِي الْمُغْرِبِ وَكَذَا فِي الْقَامُوسِ: كَنَسَ الْبَيْتَ كَنْسًا مِنْ بَابِ ضَرْبَ، وَفِي الْمَصَابِيحِ كَنَصَرَ (وَإِنَّ فِيهَا) : أَيْ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ (مِنْ هَذِهِ الْجِنَّانِ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ جَمْعُ جَانٍّ كَحِيطَانٍ وَحَائِطٍ، وَمِنْ هَذِهِ تَبْعِيضِيَّةٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى أَنَّهَا اسْمُ إِنَّ أَيْ إِنَّ فِيهَا بَعْضَ هَذِهِ الْجِنَّانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ أَيْ بَعْضِهَا. وَقَالَ الرَّاوِي (يَعْنِي) : أَيْ يُرِيدُ الْعَبَّاسَ ﵄ بِالْجِنَّانِ (الْحَيَّاتِ الصِّغَارَ - فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِنَّ) : فِي الْفَائِقِ: وَإِنَّمَا) أَمَرَ بِقَتْلِهِنَّ هُنَا، وَفِي الْحَدِيثِ الْآتِي تَطْهِيرًا لِمَاءِ زَمْزَمَ مِنْهُنَّ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يُمْكِنُ كَنْسُهَا إِلَّا بِقَتْلِهِنَّ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِثْنَاءُ الْبِيضِ مِنْهُنَّ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5758
٤١٤٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ. عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهَا إِلَّا الْجَانَّ الْأَبْيَضَ الَّذِي كَأَنَّهُ قَضِيبُ فِضَّةٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤١٤٢ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهَا إِلَّا الْجَانَّ الْأَبْيَضَ الَّذِي كَأَنَّهُ قَضِيبُ فِضَّةٍ» ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلَعَلَّ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْحَيَّاتِ إِنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ ضَرَرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا سُمَّ لَهُ. قُلْتُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِمَا لَا ضَرَرَ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ سَمٌّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْحَيَّاتِ مَسْخُ الْجِنِّ، كَمَا مُسِخَتِ الْقِرَدَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْهُ مَرْفُوعًا. وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ: وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْبُيُوتِ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يُنْذَرَ ثَلَاثَةَ أَيْامٍ لِقَوْلِهِ ﷺ " «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيْامٍ» " حَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَحْدَهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ بَلَدٍ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يُنْذَرَ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْإِنْذَارِ هَلْ هُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ؟ وَالْأَوَّلُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ) أَنْ يَقُولَ: أُنْشِدُكُنَّ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْكُنَّ نُوحٌ وَسُلَيْمَانُ ﵉ أَنْ لَا تَبْدُونَ وَلَا تُؤْذُونَا، ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْتُلَ الْحَيَّةُ الْبَيْضَاءُ فَإِنَّهَا مِنَ الْجَانِّ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْجَمِيعِ، وَالْأَوْلَى هُوَ الْإِنْذَارُ، وَأَمَّا حَيَّةُ الْهَوَى الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَصَاحِبِ الْعَوَارِفِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْشَدَ بِحَضْرَتِهِ رَجُلٌ:
قَدْ لَسَعَتْ حَيَّةُ الْهَوَى كَبِدِي ... فَلَا طَبِيبَ لَهَا وَلَا رَاقِيَ
إِلَّا الْحَبِيبُ الَّذِي شُغِفْتُ بِهِ ... فَإِنَّهُ عِلَّتِي وَتِرْيَاقِي
قَالَ: فَتَوَاجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَتَوَاجَدَ أَصْحَابُهُ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبِهِ، فَلَمَّا فَرَغُوا أَوَى كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَكَانِهِ، ثُمَّ قَالَ ﷺ " لَيْسَ بِكَرِيمٍ مَنْ لَمْ يَهْتَزَّ عِنْدَ السَّمَاعِ " ثُمَّ قَسَّمَ رِدَاءَهُ عَلَى مَنْ حَضَرَ أَرْبَعَمِائَةِ قِطْعَةٍ» ، فَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ كَانَ وَضَعَهُ عَمَّارُ بْنُ إِسْحَاقَ فَإِنَّ بَاقِيَ الْإِسْنَادِ ثِقَةٌ، هَكَذَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مِمَّا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ.
стр. 5759
٤١٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً فَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤١٤٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ» ") : بِضَمِّ الْقَافِ. فِي الْمُغْرِبِ: هَكَذَا فِي الْأُصُولِ، وَأَمَّا فَامْقُلُوهُ ثُمَّ انْقُلُوهُ فَمَصْنُوعٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيِ: اغْمِسُوهُ فِي الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ لِيَخْرُجَ الشِّفَاءُ كَمَا) خَرَجَ الدَّاءُ، وَذَلِكَ بِإِلْهَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي النَّحْلِ وَالنَّمْلِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ " «فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» ، فَإِنَّهُ " بِالْفَاءِ أَيْ لِأَنَّ الذُّبَابَ " يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ " يُقَالُ: اتَّقَى بِحَقٍّ عَمْرًا إِذَا اسْتَقْبَلَهُ بِهِ وَقَدَّمَهُ إِلَيْهِ أَيْ أَنَّهُ يُقَدَّمُ بِجَنَاحِهِ " الَّذِي لَهُ الدَّاءُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِنَّهُ يَحْفَظُ نَفْسَهُ بِتَقْدِيمِ ذَلِكَ الْجَنَاحِ مِنْ أَذِيَّةٍ تَلْحَقُهُ مِنْ حَرَارَةِ ذَلِكَ الطَّعَامِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِيهِ بَحْثٌ، لَا يَخْفَى، وَقَدْ قَالُوا: الذُّبَابُ أَجْهَلُ الْخَلْقِ لِأَنَّهُ يُلْقِي نَفْسَهُ فِي الْهَلَكَةِ. (" فَلْيَغْمِسْهُ ") : أَيْ أَحَدُكُمْ فِي إِنَائِهِ إِيَّاهُ " كُلَّهُ: جَمِيعَ الذُّبَابِ لِيَتَعَادَلَ دَاؤُهُ وَدَوَاؤُهُ، وَفِي الْكَلَامِ الْتِفَاتٌ وَاعْتِنَاءٌ بِالْأَمْرِ وَتَأْكِيدٌ لَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5760
٤١٤٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي الطَّعَامِ فَامْقُلُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمًّا وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً وَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السَّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٤١٤٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ صَلِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي الطَّعَامِ ") أَيْ فِيمَا يُطْعَمُ مِنَ الْمَأْكُولِ الَّذِي يُمْكِنُ غَمْسُهُ فِيهِ وَفِي مَعْنَاهُ الْمَشْرُوبُ (" فَامْقُلُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سَمًّا ") أَيْ نَوْعًا مِنَ السَّمِّ، وَهُوَ أَنْ يَحْصُلَ بِهِ ضَرَرٌ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهُ وَكَسْرُهُ. قَالَ الْأَكْمَلُ: السَّمُّ مُثَلَّثُ السِّينِ بِمَعْنَى الْقَاتِلِ. وَفِي الْقَامُوسِ السَّمُّ الثُّقْبُ وَهَذَا الْقَاتِلُ الْمَعْرُوفُ وَيُثَلَّثُ فِيهِمَا. (وَفِي الْآخَرِ) : أَيْ وَفِي جَنَاحِهِ الْآخَرِ " شِفَاءً: أَيْ لِذَلِكَ السَّمِّ أَوْ نَوْعُ شِفَاءٍ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ " وَإِنَّهُ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الذُّبَابَ " يُقَدِّمُ السَّمَّ ": أَيِ الْجَنَاحَ الَّذِي فِيهِ السَّمُّ وَقْتَ الْوُقُوعِ " وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ " أَيْ وَيُصَعِّدُ الْجَنَاحَ الَّذِي فِيهِ الشِّفَاءُ وَهُوَ إِمَّا خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى لَا يَتَضَرَّرَ بِوَضْعِ الْجَنَاحَيْنِ أَوْ قَصْدًا لِلْإِضْرَارِ أَوْ يَحْصُلُ لَهُ تَسْكِينٌ مِنْ حَرَارَةِ السَّمِّ بِغَمْسِ ذَلِكَ الْجَنَاحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ: «إِنَّ أَحَدَ جَنَاحَيِ الذُّبَابِ سَمٌّ، وَالْآخَرَ شِفَاءٌ، فَإِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ فَامْقُلُوهُ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السَّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ» . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ. وَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الدَّاءُ وَالشِّفَاءُ فِي جَنَاحَيِ الذُّبَابِ، وَكَيْفَ تَعْلَمُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهَا حَتَّى تُقَدِّمَ جَنَاحَ الدَّاءِ وَتُؤَخِّرَ جَنَاحَ الشِّفَاءِ؟ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ وَهَذَا سُؤَالُ جَاهِلٍ أَوْ مُتَجَاهِلٍ، فَإِنَّ الَّذِي يَجِدُ نَفْسَهُ وَنُفُوسَ عَامَّةِ الْحَيَوَانِ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ فِيهَا بَيْنَ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ وَالرُّطُوبَةِ وَالْيُبُوسَةِ وَهِيَ أَشْيَاءُ مُتَضَادَّةٌ إِذَا تَلَاقَتْ تَفَاسَدَتْ، ثُمَّ يَرَى اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَلَّفَ بَيْنَهَا وَقَهَرَهَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ، وَجَعَلَ مِنْهَا قُوَى الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي بِهَا فَسَادُهَا وَصَلَاحُهَا لَجَدِيرٌ أَنْ لَا يُنْكِرَ الدَّاءَ وَالشِّفَاءَ فِي جُزْأَيْنِ مِنْ حَيَوَانٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ الَّذِي أَلْهَمَ النِّحْلَةَ أَنْ تَتَّخِذَ الْبَيْتَ الْعَجِيبَ الصَّنْعَةِ، وَأَنْ تَعْسِلَ فِيهِ، وَأَلْهَمَ الذَّرَّةَ أَنَّ تَكْسِبَ قُوتَهَا وَتَدَّخِرَهُ لِأَوَانِ حَاجَتِهَا إِلَيْهِ، هُوَ الَّذِي خَلَقَ الذُّبَابَةَ وَجَعَلَ لَهَا الْهِدَايَةَ إِلَى أَنْ تُقَدِّمَ جَنَاحًا وَتُؤَخِّرَ جَنَاحًا لِمَا أَرَادَ مِنَ الِابْتِلَاءِ الَّذِي هُوَ مَدْرَجَةُ الْعَبْدِ، وَالِامْتِحَانُ الَّذِي هُوَ مِضْمَارُ التَّكْلِيفِ، وَلَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حِكْمَةٌ وَعُنْوَانُ صَوَابٍ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَقَدْ تَأَمَّلْتُ الذُّبَابَ فَوَجَدْتُهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الْأَيْسَرِ وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِلدَّاءِ كَمَا أَنَّ الْأَيْمَنَ مُنَاسِبٌ لِلشِّفَاءِ، وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ أَنَّهُ يُبْقِي رَجِيعَهُ عَلَى الْأَبْيَضِ أَسُودَ وَعَلَى الْأَسْوَدِ أَبْيَضَ، وَلَا يَقَعُ عَلَى شَجَرَةِ الْيَقْطِينِ، وَلِذَلِكَ أَنْبَتَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يُونُسَ ﵇؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ، فَلَوْ
стр. 5761
وَقَعَتْ عَلَيْهِ ذُبَابَةٌ لَآلَمَتْهُ، فَمَنَعَ اللَّهُ عَنْهُ الذُّبَابَ، وَلَا يَظْهَرُ كَثِيرًا إِلَّا فِي أَمَاكِنِ الْعُفُونَةِ. قُلْتُ: وَقَدْ عُدَّ مِنَ الْغَرَائِبِ عَدَمُ وُجُودِهَا فِي مِنًى أَيَّامَهُ مَعَ كَثْرَةِ الْخَلَائِقِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَكَثْرَةِ الْعُفُونَاتِ، هَذَا وُفِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ( «عُمْرُ الذُّبَابِ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً وَالذُّبَابُ كُلُّهُ فِي النَّارِ إِلَّا النَّحْلَ» ) . قِيلَ: كَوْنُهُ فِي النَّارِ لَيْسَ لِعَذَابٍ لَهُ، وَإِنَّمَا لِيُعَذِّبَ أَهْلَ النَّارِ بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ. وَفِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمَأْمُونَ سَأَلَهُ فَقَالَ: لِأَيْ حِكْمَةٍ خَلَقَ اللَّهُ الذُّبَابَ؟ فَقَالَ: مَذَلَّةٌ لِلْمُلُوكِ فَضَحِكَ الْمَأْمُونُ وَقَالَ: رَأَيْتَهُ قَدْ سَقَطَ عَلَى خَدِّي. قَالَ نَعَمْ وَلَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْهُ وَمَا عِنْدِي جَوَابٌ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قَدْ سَقَطَ مِنْكَ بِمَوْضِعٍ لَا يَنَالُهُ مِنْكَ أَحَدٌ فُتِحَ لِيَ فِيهِ الْجَوَابُ، فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّكَ. قُلْتُ حُكِيَ أَنَّ مَجْذُوبًا جَاءَهُ سُلْطَانٌ، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: أَنْ تَدْفَعَ عَنِّي الذُّبَابَ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى حِكْمَةِ خَلْقِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِإِذْلَالِ مَا سِوَاهُ بِقَوْلِهِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] وَفِي شِفَاءِ الصُّدُورِ، وَتَارِيخِ ابْنِ النَّجَّارِ مُسْنَدًا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَقَعُ عَلَى جَسَدِهِ وَلَا ثِيَابِهِ ذُبَابٌ أَصْلًا» . وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ كُلُّ أَنْوَاعِهِ يَحْرُمُ أَكْلُهَا، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَفِي الْإِحْيَاءِ: لَوْ وَقَعَتْ ذُبَابَةٌ أَوْ نَمْلَةٌ فِي قِدْرِ طَبِيخٍ وَتَهَرَّى أَجْزَاؤُهُ لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُ ذَلِكَ الطَّبِيخِ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ أَكْلِ الذُّبَابِ وَالنَّمْلِ وَنَحْوِهِ إِنَّمَا كَانَ لِلِاسْتِقْذَارِ وَهَذَا لَا يُعَدُّ اسْتِقْذَارًا.
стр. 5762
٤١٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةُ، وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ، وَالصُّرَدُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٤١٤٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةُ» ) : بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلَيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ، وَكَذَا قَوْلُهُ (وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ طَائِرٌ ضَخْمُ الرَّأْسِ وَالْمِنْقَارِ لَهُ رِيشٌ عَظِيمٌ نِصْفُهُ أَبْيَضُ وَنِصْفُهُ أَسْوَدُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ فِي قَتْلِ النَّمْلَةِ عَنْ نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْهُ وَهُوَ الْكِبَارُ ذَوَاتُ الْأَرْجُلِ الْكِبَارِ؛ لِأَنَّهَا قَلِيلَةُ الْأَذَى وَالضَّرَرِ، وَأَمَّا النَّحْلَةُ فَلِمَا فِيهَا مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ الْعَسَلُ وَالشَّمْعُ، وَأَمَّا الْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ فَلِتَحْرِيمِ لَحْمِهِمَا لِأَنَّ الْحَيَوَانَ إِذَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِاحْتِرَامِهِ وَلِضَرَرٍ فِيهِ كَانَ لِتَحْرِيمِ لَحْمِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْهُدْهُدَ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَصَارَ فِي مَعْنَى الْجَلَّالَةِ، وَالصُّرَدُ يَتَشَاءَمُ بِهِ الْعَرَبُ وَيُتَطَيَّرُ بِصَوْتِهِ وَشَخْصِهِ، فَنَهَى عَنْ قَتْلِهِ لِيَخْلَعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ مَا ثَبَتَ فِيهَا مِنَ اعْتِقَادِهِمُ الشُّؤْمَ. قُلْتُ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا وَرَدَ: «اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ وَلَا يَصْرِفُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ» . (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : أَيْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ (وَالدَّارِمِيُّ) : وَكَذَا أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ وَلَفْظُهُ: «نُهِيَ عَنْ قَتْلِ الصُّرَدِ وَالضُّفْدَعِ وَالنَّمْلَةِ وَالْهُدْهُدِ» . وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ: الْأَصَحُّ تَحْرِيمُ أَكْلِ الصُّرَدِ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ يُؤْكَلُ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْجَبَ فِيهِ الْجَزَاءَ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا قَتَلَهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيُقَالُ لَهُ الصُّرَدُ الصَّوَّامُ، وَرُوِّينَا فِي مُعْجَمِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ عَنْ أَبِي غَلِيظِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ قَالَ: " «رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى يَدَيَّ صُرَدٌ فَقَالَ " هَذَا أَوَّلُ طَائِرٍ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ» " وَالْحَدِيثُ مِثْلُ اسْمِهِ غَلِيظٌ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَهُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَضَعَهَا قَتَلَةُ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ وَرُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ، هَذَا وُفِي مُسْتَدْرَكِ الدَّارِمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: كُونُوا فِي النَّاسِ كَالنَّحْلَةِ فِي الطَّيْرِ، لَيْسَ فِي الطَّيْرِ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ يَسْتَضْعِفُهَا، وَلَوْ يَعْلَمُ الطَّيْرُ مَا فِي أَجْوَافِهَا مِنَ الْبَرَكَةِ مَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِهَا، خَالِطُوا النَّاسَ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَأَجْسَادِكُمْ وَزَايِلُوهَا بِأَعْمَالِكِمْ وَقُلُوبِكُمْ، وَإِنَّ لِلْمَرْءِ مَا اكْتَسَبَ، وَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعَسَلَ يَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِ النَّحْلِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ مُحَقِّرًا لِلدُّنْيَا: أَشْرَفُ لِبَاسِ ابْنِ آدَمَ فِيهَا لُعَابُ دُودَةٍ،
стр. 5763
وَأَشْرَفُ شَرَابِهِ رَجِيعُ نَحْلَةٍ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْفَمِ كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا الدُّنْيَا سِتَّةُ أَشْيَاءَ: مَطْعُومٌ وَمَشْرُوبٌ وَمَلْبُوسٌ وَمَرْكُوبٌ وَمَنْكُوحٌ وَمَشْمُومٌ، وَأَشْرَفُ الْمَطْعُومَاتِ الْعَسَلُ وَهُوَ مَذْقَةُ ذُبَابٍ، وَأَشْرَفُ الْمَشْرُوبَاتِ الْمَاءُ وَيَسْتَوِي فِيهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَاشَرَفُ الْمَلْبُوسَاتِ الْحَرِيرُ وَهُوَ نَسْجُ دُودَةٍ، وَأَشْرَفُ الْمَرْكُوبَاتِ الْفَرَسُ وَعَلَيْهَا يُقْتَلُ الرِّجَالُ وَأَشْرَفُ الْمَشْمُومَاتِ الْمِسْكُ وَهُوَ دَمُ حَيَوَانٍ، وَأَشْرَفُ الْمَنْكُوحَاتِ الْمَرْأَةُ وَهُوَ مُبَالٌ فِي مُبَالٍ قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَشْرَفَ الْمَشْرُوبَاتِ اللَّبَنُ، وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ، وَأَشْرَفُ الْمَرْكُوبَاتِ الْفَرَسُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ صَدِيقِهِ وَعَدُوِّهُ حَيْثُ قِيلَ: لَا وَفَاءَ فِي السَّيْفِ وَالْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ، وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ كَرِهَ مُجَاهِدٌ قَتْلَ النَّحْلِ وَيَحْرُمُ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ الْعَسَلُ حِلًّا لِأَنَّ الْآدَمِيَّةَ لِبَنُهَا حَلَالٌ وَلَحْمُهَا حَرَامٌ، وَأَبَاحَ بَعْضُ السَّلَفِ أَكْلَهُ كَالْجَرَادِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْحُرْمَةِ نَهْيُ النَّبِيِّ صَلِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِهَا وَفِي الْإِبَانَةِ يُكَرَهُ بَيْعُ النَّحْلِ وَهُوَ فِي الْكَوَارِهِ، صَحِيحٌ إِنْ رُؤِيَ جَمِيعُهُ وَإِلَّا فَهُوَ بَيْعُ غَائِبٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ بَيْعُ النَّحْلِ وَالزَّنْبُورِ وَسَائِرِ الْحَشَرَاتِ، وَأَمَّا النَّمْلُ فَمَا أَحْسَنَ مَنْ قَالَهُ فِيهِ:
اقْنَعْ فَمَا تَبْقَى بِلَا بُلْغَةٍ ... فَلَيْسَ يَنْسَى رَبُّنَا نَمْلَهُ
إِنْ أَقْبَلَ الدَّهْرُ فَقُمْ قَائِمًا ... وَإِنْ تَوَلَّى مُدْبِرًا نَمْ لَهْ
وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ يُخَبِّئُ قُوتَهُ إِلَّا الْإِنْسَانَ وَالنَّمْلَ وَالْفَأْرَ، وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الْإِحْيَاءِ فِي كِتَابِ التَّوَكُّلِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ: وَكَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ يَفُتُّ الْخُبْزَ لِلنَّمْلِ وَيَقُولُ: إِنَّهُنَّ جَارَاتٌ وَلَهُنَّ عَلَيْنَا حَقُّ الْجِوَارِ قُلْتُ: هُوَ صَحِيحٌ لَكِنَّهُنَّ مُؤْذِيَاتٌ وَمَا يُخَلِّينَ لَنَا حَلَاوَةً فِي الدَّارِ، وَعَنِ الْفَتْحِ بْنِ سَجْزٍ الزَّاهِدِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَفُتُ الْخُبْزَ لَهُنَّ كُلَّ يَوْمٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ لَمْ يَأْكُلْهُ وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ يُكْرَهُ أَكْلُ مَا حَمَلَتِ النَّمْلُ بِفِيهَا وَقَوَائِمِهَا، لِمَا رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حُوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَيَ عَنْ قَتْلِهِ، وَقَالَ الْخَلَّالُ: وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَنْ يُؤْكَلَ مَا حَمَلَتْهُ النَّمْلُ بِفِيهَا وَقَوَائِمِهَا وَيُحَرِّمُ أَكْلَ النَّمْلِ الْوَرُودِ النَّهْرُ بْنُ الْكَوَّارِ، حَدَّثَتْنِي حَبِيبَةُ مَوْلَاةُ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَرَآهَا تَقْتُلُ نَمْلَةً فَقَالَ: لَا تَقْتُلِيهَا، ثُمَّ دَعَا بِكُرْسِيٍّ فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي أُحَرِّجُ عَلَيْكُنَّ إِلَّا خَرَجْتُنَّ مِنْ دَارِي، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تُقْتَلْنَ فِي دَارِي قَالَ: فَخَرَجْنَ فَمَا رُؤِيَ مِنْهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَاحِدَةٌ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: وَرَأَيْتُ أَبِي فَعَلَ ذَلِكَ، وَكَثُرَ عِلْمِي أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى كُرْسِيٍّ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ لِوُضُوءِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ النَّمْلَ خَرَجْنَ بَعْدَ ذَلِكَ. قِيلَ: وَقَدْ أُهْلِكَ بِالنَّمْلِ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ وَهِيَ جُرْهُمٌ. وَفِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ الْقَوْمِ وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ مِثْلَ الْبُخَارِ الْأَسْوَدِ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى سَقَطَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ نَمْلٌ أَسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأَ الْوَادِيَ لَمْ أَشُكُّ أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا هَزِيمَةَ الْقَوْمِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَا تَقْتُلُوا النَّمْلَةَ فَإِنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ يَسْتَسْقِي وَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلَى قَفَاهَا رَافِعَةً قَوَائِمِهَا تَقُولُ " اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، وَلَا غِنَى لَنَا عَنْ فَضْلِكَ، اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنَا بِذُنُوبِ عِبَادِكَ الْخَاطِئِينَ، وَاسْقِنَا مَطَرًا تُنْبِتُ لَنَا بِهِ شَجَرًا وَأَطْعِمْنَا ثَمَرًا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ ﵇ لِقَوْمِهِ: ارْجِعُوا فَقَدْ كُفِينَا وَسُقِينَا بِغَيْرِكُمْ» " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ) أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا وَأَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى اللَّهُ ﵎ إِلَيْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ: لَمْ يُعَاتِبْهُ عَلَى تَحْرِيقِهَا إِنَّمَا عَاتَبَهُ لِكَوْنِهِ أَخَذَ الْبَرِيءَ بِغَيْرِ الْبَرِيءِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا النَّبِيُّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ ﵇ وَإِنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ تُعَذِّبُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ. بِمَعَاصِيهِمْ وَفِيهِمُ الطَّائِعُ، فَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُرِيَهُ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ فَسَلَّطَ عَلَيْهِ الْحَرَّ حَتَّى الْتَجَأَ إِلَى شَجَرَةٍ مُتَرَوِّحًا إِلَى ظِلِّهَا، وَعِنْدَهَا قَرْيَةُ النَّمْلِ فَغَلَبَهُ النَّوْمُ، فَلَمَّا وَجَدَ لَذَّةَ النَّوْمِ لَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ فَدَلَكَهُنَّ بِقَدَمِهِ فَأَهْلَكَهُنَّ وَأَحْرَقَ مَسْكَنَهُنَّ فَأَرَاهُ الْآيَةَ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ عَيَّرَهُ لَمَّا لَدَغَتْهُ كَيْفَ أَصَابَ الْبَاقِينَ بِعُقُوبَتِهَا، يُرِيدُ أَنْ يُنَبِّهَهُ عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَصِيرُ رَحْمَةً عَلَى الْمُطِيعِ، وَنِقْمَةً عَلَى الْعَاصِي، وَعَلَى هَذَا لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَلَا خَطَرَ فِي قَتْلِ النَّمْلِ، فَإِنَّ مَنْ أَذَاكَ حَلَّ
стр. 5764
لَكَ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِكَ، وَلَا أَحَدَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْمُؤْمِنِ، وَقَدْ أُبِيحَ لَكَ دَفْعُهُ عَنْكَ بِضَرْبٍ وَقَتْلٍ عَلَى مَا لَهُ مِنَ الْمِقْدَارِ، فَكَيْفَ بِالْهَوَامِّ وَالدَّوَابِّ الَّتِي قَدْ سُخِّرَتْ لَهُ وَسُلِّطَتْ عَلَيْهِ؟ فَإِذَا آذَيْنَهُ أُبِيحَ لَهُ قَتْلُهَا. وَقَوْلُهُ: فَهَلَّا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُؤْذِي يُقْتَلُ، وَكُلُّ قَتْلٍ كَانَ لِنَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يَخُصَّ تِلْكَ النَّمْلَةَ الَّتِي لَدَغَتْ مِنْ غَرَرِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْقَصَّاصَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ لَقَالَ: هَلَّا نَمْلَتُكَ الَّتِي لَدَغَتْكَ، وَلَكِنْ قَالَ: هَلَّا نَمْلَةٌ فَكَانَ يَعُمُّ الْبَرِيءَ وَالْجَانِيَ، وَذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ أَرَادَ تَنْبِيهَهُ لِمَسْأَلَةِ رَبِّهِ فِي عَذَابِ أَهْلِ قَرْيَةٍ فِيهِمُ الْمُطِيعُ وَالْعَاصِي، وَقَدْ قِيلَ فِي شَرْعِ هَذَا النَّبِيِّ ﵇: كَانَتِ الْعُقُوبَةُ لِلْحَيَوَانِ بِالتَّحْرِيقِ جَائِزَةً، فَلِذَلِكَ إِنَّمَا عَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي إِحْرَاقِ الْكَثِيرِ لَا فِي أَصْلِ الْإِحْرَاقِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَهَلَّا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ بِخِلَافِ شَرْعِنَا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَهَى عَنِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ وَقَالَ: لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ، فَلَا يَجُوزُ إِحْرَاقُ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ إِلَّا إِذَا أَحْرَقَ إِنْسَانًا فَمَاتَ بِالْإِحْرَاقِ فَلِوَارِثِهِ الِاقْتِصَاصُ بِالْإِحْرَاقِ. قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَأَمَّا قَتْلُ النَّمْلِ فَمَذْهَبُنَا لَا يَجُوزُ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَالْمُرَادُ النَّمْلُ السُّلَيْمَانِيُّ كَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ الْمُسَمَّى بِالذَّرِّ فَقَتْلُهُ جَائِزٌ، وَكَرِهَ مَالِكٌ قَتْلَ النَّمْلِ إِلَّا أَنْ يَضُرَّ وَلَا يُقْدَرَ عَلَى دَفْعِهِ إِلَّا بِالْقَتْلِ، وَقِيلَ إِنَّمَا عَاتَبَ اللَّهُ هَذَا النَّبِيَّ لِانْتِقَامِهِ لِنَفْسِهِ بِإِهْلَاكِ جَمْعٍ، وَإِنَّمَا أَذَاهُ وَاحِدٌ مِنْهُ وَكَانَ الْأَوْلَى بِهِ الصَّبْرَ وَالصَّفْحَ، لَكِنْ وَقَعَ لِلنَّبَيِّ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مُؤْذٍ لِبَنِي آدَمَ وَحُرْمَةُ بَنِي آدَمَ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَلَوِ انْفَرَدَ لَهُ النَّظَرُ وَلَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ التَّشَفِّي الطَّبِيعَيُّ لَمْ يُعَاتَبْ، فَعُوتِبَ عَلَى التَّشَفِّي بِذَلِكَ.
وَأَمَّا الْهُدْهُدُ فَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْأَصَحُّ تَحْرِيمُ أَكْلِهِ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِ، وَلِأَنَّهُ مُنْتِنُ الرِّيحِ وَيَقْتَاتُ الدُّودَ وَقِيلَ: يَحِلُّ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ يُحْكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ فِيهِ، وَعِنْدَهُ لَا يَفْتَدِي إِلَّا الْمَأْكُولُ. وَفِي الْكَامِلِ وَشُعَبِ الْإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ: أَنَّ نَافِعًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ سُلَيْمَانُ ﵇ مَعَ مَا خَوَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُلْكِ وَأَعْطَاهُ كَيْفَ عُنِيَ بِالْهُدْهُدِ مَعَ صِغَرِهِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ احْتَاجَ إِلَى الْمَاءِ، وَالْهُدْهُدُ كَانَتِ الْأَرْضُ لَهُ مِثْلَ الزُّجَاجِ، وَكَانَ دَلِيلًا عَلَى الْمَاءِ فَقَالَ ابْنُ الْأَزْرَقِ لِابْنِ عَبَّاسٍ: قِفْ يَا وَقَّافُ، كَيْفَ يُبْصِرُ الْمَاءَ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ وَلَا يَرَى الْفَخَّ إِذَا غُطِّيَ لَهُ بِقَدْرِ أُصْبُعٍ مِنْ تُرَابٍ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا نَزَلَ الْقَضَاءُ عَمِيَ الْبَصَرُ. قُلْتُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا جَوَابٌ إِقْنَاعِيٌّ يَشْمَلُ مَا بِهِ أَمْرٌ قُدِّرَ فَإِنَّهُ كَانَ رُؤْيَةُ الْمَاءِ مِنْ خُصُوصِيَّتِهِ لَا كُلُّ شَيْءٍ مَدْفُونٍ فِي الْأَرْضِ لَكِنْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ لَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْعَطَشِ لَأُغْمِيَ عَلَيْهِ الْمَاءُ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مُقَدَّرًا. فَإِذَا نَزَلَ الْقَضَاءُ ضَاقَ الْفَضَاءُ وَإِذَا حَصَلَ الْقَدَرُ بَطَلَ الْحَذَرُ، وَمِنَ اللَّطَائِفِ مَا حَكَى الْقَزْوِينِيُّ أَنَّ الْهُدْهُدَ قَالَ لِسُلَيْمَانَ ﵇: أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فِي ضِيَافَتِي. قَالَ أَنَا وَحْدِي. قَالَ: لَا، أَنْتَ وَأَهْلُ عَسْكَرِكَ فِي جَزِيرَةِ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا، فَحَضَرَ سُلَيْمَانُ بِجُنُودِهِ فَطَارَ الْهُدْهُدُ وَاصْطَادَ جَرَادَةً، فَخَنَقَهَا وَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ. وَقَالَ: كُلُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ فَاتَهُ اللَّحْمُ نَالَهُ الْمَرَقُ فَضَحِكَ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ مِنْ ذَلِكَ حَوْلًا كَامِلًا. وَأَمَّا الضُّفْدَعُ، فَمِثَالُ الْخِنْصَرِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ الدَّالِّ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: الْأَشْهَرُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ كَسْرُ الدَّالِّ وَفَتْحُهَا أَشْهَرُ فِي أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ مِنَ الْخَاصَّةِ. وَفِي كَامِلِ ابْنِ عَدِيٍّ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ الْقُرَظِيِّ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " مَنْ قَتَلَ ضُفْدَعًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ مُحْرِمًا كَانَ أَوْ حِلًّا، " قَالَ سُفْيَانُ: يُقَالُ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَكْثَرَ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنْهُ، وَفِي كَامِلِ ابْنِ عِدَيٍّ فِي تَرْجَمَةِ حَمَّادِ بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّهُ رَوَى عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ضُفْدَعًا أَلْقَتْ نَفْسَهَا فِي النَّارِ مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَثَابَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى بَرْدَ الْمَاءِ، وَجَعَلَ نَعِيقَهُنَّ مِنَ التَّسْبِيحِ، وَقَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ وَالصُّرَدِ وَالنَّحْلَةِ» وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ لِحَمَّادِ بْنِ عُبَيْدٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يَصِحُّ حَدِيثُهُ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ بِصَحِيحِ الْحَدِيثِ، وُفِي كِتَابِ الزَّاهِدِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيِّ، أَنَّ دَاوُدَ ﵇ قَالَ: لَأُسَبِّحَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اللَّيْلَةَ تَسْبِيحًا مَا يُسَبِّحُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، فَنَادَتْهُ ضُفْدَعٌ مِنْ سَاقِيَةٍ فِي دَارِهِ: يَا دَاوُدُ تَفْخَرُ عَلَى اللَّهِ بِتَسْبِيحِكَ وَإِنَّ لِي سَبْعِينَ سَنَةً مَا جَفَّ لِسَانِي مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِنَّ لِي لَعَشْرَ لَيَالٍ مَا طَعِمْتُ خَضِرًا وَلَا شَرِبْتُ مَاءً اشْتِغَالًا بِكَلِمَتَيْنِ. فَقَالَ مَا هُمَا؟ فَقَالَتْ يَا مُسَبَّحًا بِكُلِّ لِسَانٍ وَيَا مَذْكُورًا بِكُلِّ مَكَانٍ. فَقَالَ دَاوُدُ ﵇ فِي نَفْسِهِ: وَمَا عَسَى أَنْ أَقُولَ أَبْلَغَ مِنْ هَذَا.
стр. 5765
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ ظَنَّ فِي نَفْسِهِ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَمْدَحْ خَالِقَهُ بِأَفْضَلِ مِمَّا يَمْدَحُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا وَهُوَ قَاعِدٌ فِي مِحْرَابِهِ وَالْبِرْكَةُ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ: يَا دَاوُدُ افْهَمْ مَا تُصَوِّتُ بِهِ الضُّفْدَعُ، فَأَنْصَتَ لَهَا فَإِذَا هِيَ تَقُولُ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ مُنْتَهَى عِلْمِكَ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: كَيْفَ تَرَى؟ فَقَالَ وَالَّذِي جَعَلَنِي نَبِيًّا إِنِّي لَمْ أَمْدَحْهُ كَذَا. وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ: يَحْرُمُ أَكْلُهَا لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَيَ عَنْ قَتْلِ خَمْسٍ: النَّمْلَةُ وَالنَّحْلَةُ وَالضُّفْدَعُ وَالصُّرَدُ وَالْهُدْهُدُ» وَفِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ، وَالْحَاكِمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ ضُفْدَعٍ فِي دَوَاءٍ، فَنَهَاهُ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الضُّفْدَعَ يَحْرُمُ أَكْلُهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِيمَا أُبِيحَ مِنْ دَوَابِّ الْمَاءِ.
وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " «لَا تَقْتُلُوا الضَّفَادِعَ فَإِنَّ نَعِيقَهَا تَسْبِيحٌ» ".
قَالَ سُلَيْمٌ: سَأَلْتُ الدَّارَقُطْنِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَدْ رَوَى أَبُو الْحُوَيْرِثِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْخَطَاطِيفِ، وَقَالَ " لَا تَقْتُلُوا هَذِهِ الْعَوْذَاءَ إِنَّهَا تَعُوذُ بِكُمْ مِنْ غَيْرِكُمْ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: مُنْقَطِعٌ قَالَ: وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَطَاطِيفِ عَوْذَاءِ الْبُيُوتِ» ، وَمِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا لَكِنْ صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا أَنَّهُ قَالَ «وَلَا تَقْتُلُوا الضَّفَادِعَ فَإِنَّ نَعِيقَهَا تَسْبِيحٌ، وَلَا تَقْتُلُوا الْخُطَّافَ فَإِنَّهُ لَمَّا خُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ قَالَ يَا رَبِّ سَلِّطْنِي عَلَى الْبَحْرِ حَتَّى أُغْرِقَهُمْ» . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إِنَّهُ حَلَالٌ لِأَنَّهُ يَتَقَوَّتُ بِالْحَلَالِ غَالِبًا. قَالَ أَبُو الْعَاصِمِ الْعَبَّادِيُّ: وَهَذَا مُحْتَمَلٌ عَلَى أَصْلِنَا وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، ثُمَّ الْخُطَّافُ جَمْعُهُ الْخَطَاطِيفُ، وَيُسَمَّى زَوَّارَ الْهِنْدِ وَهُوَ مِنَ الطُّيُورِ الْقَوَاطِعِ إِلَى النَّاسِ يَقْطَعُ الْبِلَادَ إِلَيْهِمْ رَغْبَةً فِي الْقُرْبِ مِنْهُمْ، ثُمَّ إِنَّهَا تَبْنِي بُيُوتًا فِي أَبْعَدِ الْمَوَاضِعِ عَنِ الْوُصُولِ إِلَيْهَا، وَهَذَا الطَّائِرُ يُعْرَفُ عِنْدَ النَّاسِ بِعُصْفُورِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّهُ زَهِدَ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْأَقْوَاتِ فَأَحَبُّوهُ، وَإِنَّمَا يَتَقَوَّتُ بِالْبَعُوضِ وَالذُّبَابِ.
وَفِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ فِي آخِرِ بَابِ الْمَحَبَّةِ أَنَّ خُطَّافًا رَاوَدَ خُطَّافَةً عَلَى قُبَّةِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵇ فَامْتَنَعَتْ مِنْهُ فَقَالَ لَهَا: تَمْتَنِعِينَ عَلَيَّ وَلَوْ شِئْتُ قَلَبْتُ الْقُبَّةَ عَلَى سُلَيْمَانَ، فَدَعَاهُ سُلَيْمَانُ وَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا قُلْتَ؟ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ الْعُشَّاقُ لَا يُؤَاخَذُونَ بِأَقْوَالِهِمْ، فَقَالَ: صَدَقْتَ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا نَوْعٌ يُسَمَّى السِّنُونُو وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَبِمَكَّةَ وَيُعَشِّشُ فِي سَقْفِ الْبَيْتِ عِنْدَ بَابِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَبَعْضُ النَّاسِ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ طَيْرُ الْأَبَابِيلِ الَّذِي عَذَّبَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَصْحَابَ الْفِيلِ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّمْلِ: إِنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ اشْتَكَى إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْوَحْشَةَ فَآنَسَهُ اللَّهُ بِالْخُطَّافِ وَأَلْزَمَهَا الْبُيُوتَ، فَهِيَ لَا تُفَارِقُ بَنِي آدَمَ أَنْسَابَهُمْ.
стр. 5766
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤١٤٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا، فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ وَأَحَلَّ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، وَتَلَا ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤١٤٦ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلَيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ) أَيْ. بِمُقْتَضَى طِبَاعِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ (وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ) أَيْ لَا يَأْكُلُونَهَا (تَقَذُّرًا) : أَيْ كَرَاهَةً وَيَعُدُّونَهَا مِنَ الْقَاذُورَاتِ، (فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ) : أَيْ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ (وَأَحَلَّ حَلَالَهُ) : أَيْ مَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا بِإِبَاحَتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَلَالُهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَفْعُولِ أَيْ: أَظْهَرَ اللَّهُ بِالْبَعْثِ وَالْإِنْزَالِ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى. (وَحَرَّمَ حَرَامَهُ) : أَيْ بِالْمَنْعِ عَنْ أَكْلِهِ (فَمَا أَحَلَّ) : أَيْ مَا بَيَّنَ إِحْلَالَهُ (فَهُوَ حَلَالٌ) : أَيْ لَا غَيْرَ (وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ) أَيْ مَا لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَهُ (فَهُوَ عَفْوٌ) أَيْ مُتَجَاوَزٌ عَنْهُ لَا تُؤَاخَذُونَ بِهِ (وَتَلَا) : أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ رَدًّا لِفِعْلِهِمْ وَأَكْلِهِمْ مَا يَشْتَهُونَهُ أَوْ تَرْكِهِمْ مَا يَكْرَهُونَهُ تَقَذُّرًا، كَأَنَّهُ قِيلَ: الْمُحَلَّلُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْمُحَرَّمُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ
стр. 5767
وَرَسُولُهُ وَلَيْسَ بِهَوَى النَّفْسِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أَيْ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُطْلَقًا، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْوَحْيِ لَا بِالْهَوَى (مُحَرَّمًا) : أَيْ طَعَامًا مُحَرَّمًا (عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ) : بِالتَّذْكِيرِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّأْنِيثِ (مَيْتَةً) : بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ: أَوْ دَمًا (الْآيَةَ) : بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ أُخْتَاهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِالْوَحْيِ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الطَّعَامِ حَرَامٌ فِي وَقْتٍ إِلَّا فِي وَقْتِ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مَيْتَةً، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ " تَكُونُ " بِالتَّأْنِيثِ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِالتَّاءِ وَرَفْعِ مَيْتَةٍ عَلَى أَنَّ كَانَ هِيَ التَّامَّةُ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] عَطْفٌ عَلَى " أَنْ " مَعَ مَا فِي حَيِّزِهِ أَيْ إِلَّا وُجُودَ مَيْتَةٍ " أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا " أَيْ مَصْبُوبًا سَائِلًا كَالدَّمِ فِي الْعُرُوقِ لَا الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ لِمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، أَيْ فَإِنَّ الْخِنْزِيرَ أَوْ لَحْمَهُ قَذِرٌ لِتَعَوُّدِهِ أَكْلَ النَّجَاسَةِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: حَرَامٌ (أَوْ فِسْقًا) عَطْفٌ عَلَى لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ لِلتَّعْلِيلِ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ صِفَةٌ لَهُ مُوَضِّحَةٌ. قَالَ الْقَاضِي: وَالْآيَةُ مُحْكَمَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيمَا أُوحِيَ إِلَى تِلْكَ الْغَايَةِ مُحَرَّمًا غَيْرَ هَذِهِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي وُرُودَ التَّحْرِيمِ فِي شَيْءٍ آخَرَ بَعْدَ هَذَا، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى نُسَخِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَا عَلَى حِلِّ الْأَشْيَاءِ غَيْرَهَا إِلَّا مَعَ الِاسْتِصْحَابِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5768
٤١٤٧ - وَعَنْ زَاهِرٍ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: «إِنِّي لَأُوقِدُ تَحْتَ الْقُدُورِ بِلُحُومِ الْحُمُرِ إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤١٤٧ - (وَعَنْ زَاهِرٍ الْأَسْلَمِيِّ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: زَاهِرُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْأَسْلَمِيُّ كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، سَكَنَ الْكُوفَةَ وَعِدَادُهُ فِي أَهْلِهَا. (قَالَ: إِنِّي لَأُوقِدُ) : أَيِ النَّارَ (تَحْتَ الْقُدُورِ بِلُحُومِ الْحُمُرِ) : أَيِ الْأَهْلِيَّةِ (إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا أَيْ إِنَّهُ ( «يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ» ) : أَيْ عَنْ أَكْلِهَا يَعْنِي فَقَلَبْنَا الْقُدُورَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5769
٤١٤٨ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، ﵁، يَرْفَعُهُ " «الْجِنُّ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ حَيَّاتٌ وَكِلَابٌ، وَصِنْفٌ يَحُلُّونَ وَيَظْعَنُونَ» ، رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٤١٤٨ - (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ (يَرْفَعُهُ) : أَيِ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (الْجِنُّ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ) وَهُمْ أَجْسَامٌ هَوَائِيَّةٌ قَادِرَةٌ عَلَى التَّشَكُّلِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ لَهَا عُقُولٌ وَأَفْهَامٌ وَقُدْرَةٌ عَلَى الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ (صِنْفٌ) وَفِي رِوَايَةٍ: فَصِنْفٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ مِنْهُمْ صِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ (يَطِيرُونَ) أَيْ بِهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ " فِي الْهَوَاءِ وَصِنْفٌ " أَيْ وَمِنْهُمْ صِنْفُ " حَيَّاتٌ وَكِلَابٌ، وَصِنْفٌ يَحُلُّونَ " بِضَمِّ الْحَاءِ وَبِكَسْرٍ أَيْ يَنْزِلُونَ وَيُقِيمُونَ تَارَةً " وَيَظْعَنُونَ " أَيْ يُسَافِرُونَ وَيَحِلُّونَ أَيْ مَرَّةً أُخْرَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠] فَفِي الْقَامُوسِ: ظَعَنَ كَمَنَعَ ظَعْنًا وَيُحَرَّكُ سَارَ (رَوَاهُ) : أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ عَنْهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْجِنَّ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: حَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ وَخَشَاشُ الْأَرْضِ، هُوَ بِتَثْلِيثِ أَوَّلِهِ وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ: حَشَرَاتُهَا وَهَوَامُّهَا، وَصِنْفٌ كَالرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ وَصِنْفٌ عَلَيْهِ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ. وَخَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِنْسَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صَنْفٌ كَالْبَهَائِمِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا. وَصِنْفٌ أَجْسَادُهُمْ أَجْسَادُ بَنِي آدَمَ وَأَرْوَاحُهُمْ أَرْوَاحُ الشَّيَاطِينِ. وَصِنْفٌ كَالْمَلَائِكَةِ فِي ظِلِّ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظَلُّهُ ".
стр. 5770
[بَابُ الْعَقِيقَةِ]
стр. 5771
بَابُ الْعَقِيقَةِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ.
٤١٤٩ - عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
بَابُ الْعَقِيقَةِ.
الْمُغْرِبُ: الْعَقُّ الشَّقُّ وَمِنْهُ عَقِيقَةُ الْمَوْلُودِ وَهِيَ شَعْرُهُ، لِأَنَّهُ يُقْطَعُ عَنْهُ يَوْمَ أُسْبُوعِهِ وَبِهَا سُمِّيَتِ الشَّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ عَنْهُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ.
٤١٤٩ - (عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ ﵁) : بِفَتْحِ الضَّادِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحِّدَةِ وَيَاءِ النِّسْبَةِ وَعِدَادُهُ فِي الْبَصْرِيِّينَ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ مِنَ الرُّوَاةِ ضَبِّيٌّ غَيْرُهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَعَ الْغُلَامِ ") أَيْ مَعَ وِلَادَتِهِ (عَقِيقَةٌ) أَيْ ذَبِيحَةٌ مَسْنُونَةٌ وَهِيَ شَاةٌ تُذْبَحُ عَنِ الْمَوْلُودِ الْيَوْمَ السَّابِعَ مِنْ وِلَادَتِهِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تُذْبَحُ حِينَ يُحْلَقُ عَقِيقُهُ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الْمَوْلُودِ حِينَ يُولَدُ مِنَ الْعَقِّ وَهُوَ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ يُحْلَقُ وَلَا يُتْرَكُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (فَأَهْرِيقُوا) بِسُكُونِ الْهَاءِ وَيُفْتَحُ أَيْ أَرِيقُوا (عَنْهُ دَمًا) يَعْنِي اذْبَحُوا عَنْهُ ذَبِيحَةً (وَأَمِيطُوا) أَيْ أَزِيلُوا وَأَبْعِدُوا (عَنْهُ الْأَذَى) : أَيْ بِحَلْقِ شَعْرِهِ، وَقِيلَ: بِتَطْهِيرِهِ عَنِ الْأَوْسَاخِ الَّتِي تَلَطَّخَ بِهَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ وَقِيلَ: بِالْخِتَانِ وَهُوَ حَاصِلُ كَلَامِ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا الْأَرْبَعَةُ ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَلَفْظُهُ (الْغُلَامُ «مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ الدَّمَ وَأَمِيطُوا الْأَذَى» ) .
стр. 5772
٤١٥٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ، وَيُحَنِّكُهُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١٥٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ) : وَكَذَا بِالصَّبِيَّاتِ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ (فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ يَدْعُو لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ بِأَنْ يَقُولَ لِلْمَوْلُودِ: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ. فِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ، يُقَالُ: وَبَارَكَ اللَّهُ فِيهِ وَبَارَكَ لَهُ، وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَبَارَكَهُ، وَبَرَّكَ عَلَى الطَّعَامِ، وَبَرَّكَ فِيهِ إِذَا دَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: بَارَكَ عَلَيْهِ أَبْلَغُ فَإِنَّ فِيهِ تَصْوِيرَ صَبِّ الْبَرَكَاتِ، وَإِفَاضَتِهَا مِنَ السَّمَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] (وَيُحَنِّكُهُمْ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ يَمْضُغُ التَّمْرَ أَوْ شَيْئًا حُلْوًا، ثُمَّ يُدَلِّكُ بِهِ حَنَكَهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَكَذَا الْبُخَارِيُّ
стр. 5773
٤١٥١ - «وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂، أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، قَالَتْ: فَوَلَدْتُ بِقُبَاءَ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، ثُمَّ حَنَّكَهُ، ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١٥١ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂: أَنَّهَا حَمَلَتْ) : أَيْ حَبَلَتْ (بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ) : أَيْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ (قَالَتْ: فَوَلَدْتُ بِقُبَاءَ) : بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ قَرْيَةٌ بِالْمَدِينَةِ يُنَوَّنُ وَلَا يُنَوَّنُ. كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَالصَّرْفُ أَصَحُّ (ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ) : أَيْ بِالْمَوْلُودِ أَوْ بِعَبْدِ اللَّهِ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِهِ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَبِكَسْرٍ أَيْ فِي حِضْنِهِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْحِجْرُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ الثَّوْبُ (ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ) أَيْ وَضَعَ وَأَلْقَى ذَلِكَ التَّمْرَ الْمُخْتَلِطَ بِرِيقِهِ (فِي فِيهِ) : أَيْ فِي فَمِهِ (ثُمَّ حَنَّكَهُ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ دَلَّكَ بِهِ حَنَكَهُ (ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالْعَطْفُ يَحْتَمِلُ التَّفْسِيرَ وَالتَّخْصِيصَ (فَكَانَ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْوَاوِ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَعْنِي أَنَّهَا هَاجَرَتْ مِنْ مَكَّةَ، وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ هَاجَرَتْ حَامِلًا وَوَضَعَتْهُ بِقُبَاءَ فَكَانَ أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (أَوَّلَ مَوْلُودٍ) : أَيْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ (وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ) : أَيْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يَعْنِي أَوَّلَ مَنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْ أَوْلَادِ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِلَّا فَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَفِيهِ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَيْهِ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ، وَأَوَّلُ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُهُ ﵇. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5774
الْفَصْلُ الثَّانِي.
٤١٥٢ - عَنْ أُمِّ كُرْزٍ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا " قَالَتْ؟ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ " عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ وَلَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَوْ إِنَاثًا» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: يَقُولُهُ " عَنِ الْغُلَامِ إِلَى آخِرِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي.
٤١٥٢ - (عَنْ أُمِّ كُرْزٍ ﵂ : بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَزَاي كَعْبِيَّةٌ خُزَاعِيَّةٌ مَكِّيَّةٌ، رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ، رَوَى عَنْهَا عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا حَدِيثَهَا فِي الْعَقِيقَةِ. (قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " أَقِرُّوا ") بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ أَبْقُوا وَخَلُّوا (الطَّيْرَ) أَيْ جِنْسَهَا (عَلَى مَكِنَاتِهَا) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَيُفْتَحُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهِمَا أَيْ أَمَاكِنِهَا الَّتِي مَكَّنَهَا اللَّهُ فِيهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ جُمْعُ مَكِنَةٍ وَهِيَ. بَيْضَةُ الضَّبِّ وَيُضَمُّ الْحَرْفَانِ مِنْهَا أَيْضًا. فِي النِّهَايَةِ: جَمْعُ مَكِنَةٍ بِكَسْرِ الْكَافِ وَقَدْ يُفْتَحُ أَيْ بَيْضُهَا وَهِيَ فِي الْأَصْلِ بَيْضُ الضِّبَابِ، وَقِيلَ: عَلَى أَمْكِنَتِهَا وَمَسَاكِنِهَا. كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلَيَّةِ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً أَتَى طَيْرًا فِي وَكْرِهِ فَنَفَّرَهُ، فَإِذَا طَارَ ذَاتَ الْيَمِينِ مَضَى لِحَاجَتِهِ، وَإِنْ طَارَ ذَاتَ الشِّمَالِ رَجَعَ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ أَيْ لَا تَزْجُرُوهَا وَأَقِرُّوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَقِيلَ: الْمَكِنَةُ التَّمَكُّنُ كَالطَّلِبَةِ وَالتَّبِعَةِ مِنَ التَّطَلُّبِ وَالتَّتَبُّعِ أَيْ: أَقِرَّاهَا عَلَى كُلِّ مَكِنَةٍ تَرَوْنَهَا وَدَعُوا التَّطَيُّرَ بِهَا، وَيُرْوَى بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْكَافِ جَمْعُ مَكَانٍ كَصُعُدٍ فِي صُعُدَاتٍ. (قَالَتْ) أَيْ أُمُّ كُرْزٍ (وَسَمِعْتُهُ) : أَيِ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي نُسْخَةٍ وَسَمِعْتُ بِحَذْفِ الضَّمِيرِ (يَقُولُ) : وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا سَمِعَتْهُ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَفْصُولًا مِمَّا بَعْدَهُ، وَقَالَ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ عَنْهَا، وَكَذَا قَوْلُهُ الْآتِي، وَلِلتِّرْمِذِيِّ إِلَخْ تَصْرِيحٌ بِاسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا سَمِعَتْهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ وَجْهِ الرَّبْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ أَنَّهُ ﷺ مَنَعَهُمْ عَنِ التَّطَيُّرِ فِي شَأْنِ الْمَوْلُودِ وَأَمَرَهُمْ بِالذَّبْحِ وَالصَّدَقَةِ بِقَوْلِهِ: (عَنِ الْغُلَامِ) : أَيْ يُذْبَحُ عَنِ الصَّبِيِّ (شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ) أَيِ الْبِنْتِ (شَاةٌ، وَلَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَوْ إِنَاثًا) : الضَّمِيرُ فِي كُنَّ لِلشِّيَاةِ الَّتِي يُعَقُّ بِهِمَا عَنِ الْمَوْلُودِينَ وَذُكْرَانًا كُنَّ أَوْ إِنَاثًا فَاعِلُ يَضُرُّكُمْ أَيْ: لَا يَضُرُّكُمْ كَوْنُ شَاةِ الْعَقِيقَةِ ذُكْرَانًا أَوْ إِنَاثًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي كُنَّ عَائِدٌ إِلَى الشَّاتَيْنِ وَالشَّاةِ الْمَذْكُورَةِ، وَغَلَّبَ الْإِنَاثَ عَلَى الذُّكُورِ تَقْدِيمًا لِلنِّعَاجِ فِي النُّسُكِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ نَحْوَ شَاةٍ وَنَمْلَةٍ وَحَمَامَةٍ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ الْمُرَادُ بِانْتِهَاضِ الْقَرِينَةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ (وَالتِّرْمِذِيُّ) : بِاللَّامِ (وَالنَّسَائِيُّ مِنْ قَوْلِهِ) : أَيْ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي (يَقُولُ) : أَيْ هُوَ ﵇ (عَنِ الْغُلَامِ " إِلَى آخِرِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «عَنِ الْغُلَامِ عَقِيقَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ عَقِيقَةٌ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أُمِّ كُرْزٍ، وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بِلَفْظِ: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أُمِّ كُرْزٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ. وَعَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاتَانِ لَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَمْ إِنَاثًا» بِلَفْظِ " أَمْ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5775
٤١٥٣ - وَعَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُسَمَّى، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ لَكِنْ فِي رِوَايَتِهِمَا " رَهِينَةٌ " بَدَلَ مُرْتَهَنٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَيُدْمَى مَكَانَ " وَيُسَمَّى وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ وَيُسَمَّى أَصَحُّ.
ــ
٤١٥٣ - (وَعَنِ الْحَسَنِ) أَيِ الْبَصْرِيِّ ﵁ (عَنْ سَمُرَةَ) أَيِ ابْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ ") : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ مَرْهُونٌ بِعَقِيقَتِهِ: يَعْنِي أَنَّهُ مَحْبُوسُ سَلَامَتِهِ عَنِ الْآفَاتِ بِهَا أَوْ إِنَّهُ كَالشَّيْءِ الْمَرْهُونِ لَا يَتِمُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ دُونَ أَنْ يُقَابِلَ بِهَا لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى
стр. 5776
وَالِدَيْهِ، فَلَا بُدَّ لَهُمَا مِنَ الشُّكْرِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ شَفَاعَتُهُ لَهُمَا لَا يَشْفَعُ لَهُمَا إِنْ مَاتَ طِفْلًا وَلَمْ يُعَقَّ عَنْهُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ فِي قَوْلِهِ: مُرْتَهَنٌ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُرْتَهَنَ هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الرَّهْنَ، وَالشَّيْءُ مَرْهُونٌ وَرَهِينٌ، وَلَمْ نَجِدْ فِيمَا يُعْتَمَدُ مِنْ كَلَامِهِمْ بِنَاءُ الْمَفْعُولِ مِنَ الِارْتِهَانِ، فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ أَتَى بِهِ مَكَانَ الرَّهِينَةِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: طَرِيقُ الْمَجَازِ غَيْرُ مَسْدُودٍ وَلَيْسَ. بِمَوْقُوفٍ عَلَى السَّمَاعِ، وَلَا يُسْتَرَابُ أَنَّ الِارْتِهَانَ هُنَا لَيْسَ مَأْخُوذًا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ فِي قِسْمِ الْمَجَازِ: فُلَانٌ رَهْنٌ بِكَذَا وَرَهِينٌ وَرَهِينَتُهُ وَمُرْتَهَنٌ بِهِ مَأْخُوذٌ بِهِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ أَنَّ الْعَقِيقَةَ لَازِمَةٌ لَهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا فَشَبَّهَهُ فِي لُزُومِهَا لَهُ، وَعَدَمِ انْفِكَاكِهِ مِنْهُ بِالرَّهْنِ فِي يَدِ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ، وَالْهَاءُ فِي الرَّهِينَةِ لِلْمُبَالَغَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ كَالشَّتْمِ وَالشَّتِيمَةِ. وَهُوَ بَحْثٌ غَرِيبٌ وَاعْتِرَاضٌ عَجِيبٌ، فَإِنَّ كَلَامَ التُّورِبِشْتِيِّ فِي أَنَّ لَفْظَ الْمُرْتَهِنِ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وَأَنَّ الرَّاوِيَ ظَنَّ أَنَّ الْمُرْتَهَنَ يَأْتِي بِمَعْنَى الرَّهِينَةِ الثَّابِتَةِ فِي الرِّوَايَةِ فَنَقَلَهُ بِالْمَعْنَى عَلَى حُسْبَانِهِ، وَأَمَّا كَوْنُ الرَّهْنِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ بَلْ عَلَى الْمَجَازِ فَلَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ وَتَعَقُّلٍ، فَكَيْفَ عَلَى الْإِمَامِ الْجَلِيلِ الْمُحَقِّقِ فِي الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ، وَالْجَامِعِ بَيْنَ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ، بَلْ مَا ذَكَرَهُ عَنِ الْأَسَاسِ وَالنِّهَايَةِ يَدُلُّ عَلَى مُرَادِهِ وَبَحْثِهِ فِي الْغَايَةِ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ أَيْضًا مَا يُبَيِّنُ هَذَا الْمَبْحَثَ لَفْظًا وَمَعْنًى وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ، وَأَجْوَدُهَا مَا قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ طِفْلًا وَلَمْ يُعَقَّ عَنْهُ لَمْ يَشْفَعْ فِي وَالِدَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهُ يَحْرُمُ شَفَاعَتُهُمْ. قَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ: وَلَا أَدْرِي بِأَيِّ سَبَبٍ تَمَسَّكَ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لَا يُسَاعِدُ الْمَعْنَى الَّذِي أَتَى بِهِ بَلْ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُبَايَنَةِ مَالَا يَخْفَى عَلَى عُمُومِ النَّاسِ، فَضْلًا عَنْ خُصُوصِهِمْ، وَالْحَدِيثُ إِذَا اسْتُبْهِمَ مَعْنَاهُ فَأَقْرَبُ السَّبَبِ إِلَى إِيضَاحِهِ اسْتِيفَاءُ طُرُقِهِ، فَإِنَّهَا قَلَّمَا تَخْلُو عَنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، أَوْ إِشَارَةٍ بِالْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا رِوَايَةً فَيَسْتَكْشِفُ بِهَا مَا أُبْهِمَ مِنْهُ وَفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ: «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ» أَيْ مَرْهُونٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَالشَّيْءِ الْمَرْهُونِ لَا يَتِمُّ الِانْتِفَاعُ وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهِ دُونَ فَكِّهِ، وَالنِّعْمَةُ إِنَّمَا تَتِمُّ عَلَى الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ بِقِيَامِهِ بِالشُّكْرِ وَوَظِيفَةُ الشُّكْرِ فِي هَذِهِ النِّعْمَةِ مَا سَنَّهُ نَبِيُّهُ النَّبِيهُ ﷺ وَهُوَ أَنْ يُعَقَّ عَنِ الْمَوْلُودِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَطَلَبًا لِسَلَامَةِ الْمَوْلُودِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ سَلَامَةَ الْمَوْلُودِ وَنُشُوَّهُ عَلَى النَّعْتِ الْمَحْبُوبِ رَهِينَةٌ بِالْعَقِيقَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ مُتَلَقًّى مِنْ قِبَلِ الصَّحَابَةِ، وَيَكُونُ الصَّحَابِيُّ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَفْهُومِ الْخِطَابِ أَوْ قَضِيَّةِ الْحَالِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ شَفَاعَةُ الْغُلَامِ لِأَبَوَيْهِ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ مَا ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ إِلَّا بَعْدَ مَا تَلَقَّى مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى أَنَّهُ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ يَجِبُ أَنْ يُتَلَقَّى كَلَامُهُ بِالْقَبُولِ وَيُحْسَنَ الظَّنُّ بِهِ. وَفِيهِ أَنَّ عَدَمَ الرَّيْبِ فِي تَلَقِّيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَأَنَّ وُجُوبَ قَبُولِ كَلَامِهِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُقَلِّدِهِ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا عَنْ رِبْقَةِ التَّقْلِيدِ، وَدَخَلُوا فِي مَقَامِ تَحْقِيقِ الْأَدِلَّةِ وَالتَّسْدِيدِ وَالتَّأْبِيدِ، ثُمَّ إِنَّ كَلَامَ التُّورِبِشْتِيِّ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَوْنُ الشَّفَاعَةِ لَا غَيْرَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَتِمُّ الِانْتِفَاعُ وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهِ دُونَ فَكِّهِ يَقْتَضِي عُمُومَهُ فِي الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَنَظَرُ الْأَلِبَّاءِ مَقْصُورٌ عَلَى الْأَوَّلِ وَأَوْلَى الِانْتِفَاعِ بِالْأَوْلَادِ فِي الْآخِرَةِ شَفَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وَقَوْلِهِ ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١] قَدَّمَ الْوَصِيَّةَ عَلَى الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ إِخْرَاجُهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ " آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ " إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ وَإِنْفَاذَهَا أَنْفَعُ لَكُمْ مِمَّا تُرِكَ لَهُمْ وَلَمْ يُوصَ بِهِ. الْكَشَّافُ: أَيْ لَا تَدْرُونَ مَنْ أَنْفَعُ لَكُمْ مِنْ آبَائِكُمْ وَأَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ يَمُوتُونَ أَمَنْ أَوْصَى مِنْهُمْ إِنْ لَمْ يُوصِ، يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَوْصَى بِبَعْضِ مَالِهِ وَعَرَّضَكُمْ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ بِإِمْضَاءِ وَصِيَّتِهِ، فَهُوَ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا وَأَحْضُرُ جَدْوًى مِنْ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ فَوَفَّرَ عَلَيْكُمْ عَرَضَ الدُّنْيَا وَجَعَلَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ أَقْرَبَ وَأَحْضَرَ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا ذَهَابًا إِلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، لِأَنَّ عَرَضَ الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ عَاجِلًا قَرِيبًا فِي الصُّورَةِ إِلَّا أَنَّهُ فَانٍ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ الْأَبْعَدُ الْأَقْصَى، وَثَوَابُ الْآخِرَةِ وَإِنْ كَانَ
стр. 5777
آجِلًا إِلَّا أَنَّهُ بَاقٍ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ الْأَقْرَبُ الْأَدْنَى اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَارِيَةَ فِي حُكْمِ الْغُلَامِ. " تُذْبَحُ " بِالتَّأْنِيثِ أَيْ عَقِيقَتُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّذْكِيرِ فَنَائِبُ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ " عَنْهُ: أَيْ عَنِ الْغُلَامِ " يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُسَمَّى " أَيِ الْغُلَامُ. بِمَا يُسَمَّى حِينَئِذٍ لَا قَبْلَهُ " وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ " أَيْ يَوْمَئِذٍ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا الْحَاكِمُ (وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ لَكِنْ فِي رِوَايَتِهِمَا " رَهِينَةٌ " بَدَلَ مُرْتَهَنٌ " وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: " وَيُدَمَّى ") : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ يُلَطَّخُ رَأْسُهُ بِدَمِ الْعَقِيقَةِ (كَانَ: وَيُسَمَّى) أَيْ بَدَلَهُ وَفِي مَوْضِعِهِ (وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَيُسَمَّى " أَصَحُّ) أَيْ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: يُطْلَى رَأْسُ الْمَوْلُودِ بِدَمِ الْعَقِيقَةِ. وَكَانَ قَتَادَةُ يَصِفُ الدَّمَ وَيَقُولُ إِذَا ذُبِحَتِ الْعَقِيقَةُ تُؤْخَذُ صُوفَةٌ مِنْهَا فَيُسْتَقْبَلُ بِهَا أَوْدَاجُ الذَّبِيحَةِ، ثُمَّ تُوضَعُ عَلَى يَافُوخِ الصَّبِيِّ حَتَّى إِذَا سَالَ شِبْهُ الْخَيْطِ غَسَلَ رَأْسَهُ ثُمَّ حُلِقَ بَعْدُ، وَكَرِهَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَطْخَ رَأْسِهِ بِدَمِ الْعَقِيقَةِ وَقَالُوا: كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَضَعَّفُوا رِوَايَةَ مَنْ رَوَى يُدَمَّى، وَقَالُوا: إِنَّمَا هُوَ يُسَمَّى وَيُرْوَى لَطَّخَ الرَّأْسَ بِالْخَلُوقِ وَالزَّعْفَرَانِ مَكَانَ الدَّمِ اهـ. وَأَيْضًا يُسَنُّ إِمَاطَةُ الْأَذَى، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِازْدِيَادِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الْخِتَانُ، وَهَذَا أَقْرَبُ لَوْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ.
стр. 5778
٤١٥٤ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: «عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَسَنِ بِشَاةٍ وَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ احْلِقِي رَأْسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً " فَوَزَنَّاهُ فَكَانَ وَزْنُهُ دِرْهَمًا أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ.
ــ
٤١٥٤ - (وَعَنْ مُحَمَّدٍ) أَيِ الْبَاقِرِ (ابْنِ عَلِيٍّ) : أَيْ زَيْنِ الْعَابِدِينَ (ابْنِ الْحُسَيْنِ) أَيِ ابْنِ عَلِيٍّ ﵃، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْبَاقِرَ؛ لِأَنَّهُ بَقَرَ الْعِلْمَ أَيْ شَقَّهُ وَعَلِمَ حَقِيقَتَهُ وَأَصْلَهُ. رُوِيَ «أَنَّ جَابِرًا قَالَ لِمُحَمَّدٍ وَهُوَ صَغِيرٌ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْحُسَيْنُ فِي حِجْرِهِ وَهُوَ يُلَاعِبُهُ، فَقَالَ: يَا جَابِرُ يُولَدُ لَهُ مَوْلُودٌ اسْمُهُ عَلِيٌّ إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: لِيَقُمْ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ، فَيَقُومُ وَلَدُهُ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ» . قَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ زَيْنَ الْعَابِدِينَ كَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ حَتَّى مَاتَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: يُكَنَّى أَبَا جَعْفَرٍ الصَّادِقَ الْمَعْرُوفَ بِالْبَاقِرِ، سَمِعَ أَبَاهُ زَيْنَ الْعَابِدِينَ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ وَغَيْرُهُ، وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَسُمِّيَ الْبَاقِرَ، لِأَنَّهُ تَبَقَّرَ فِي الْعِلْمِ أَيْ تَوَسَّعَ. (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ قَالَ: عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ ذَبَحَ (عَنِ الْحَسَنِ بِشَاةٍ) ، الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَوْ مَزِيدَةٌ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ، وَكَانَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ لَا يَنْدُبَانِ عَلَى الْجَارِيَةِ عَقِيقَةٌ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: كَانَ يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، وَمِثْلُهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَذْبَحُ عَنِ الْغُلَامِ بِشَاتَيْنِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ بِشَاةٍ. قُلْتُ: أَمَّا نَفْيُ الْعَقِيقَةِ عَنِ الْجَارِيَةِ فَغَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَأَمَّا الْغُلَامُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ النَّدْبِ فِي حَقِّهِ عَقِيقَةً وَاحِدَةً وَكَمَالُهُ ثِنْتَانِ، وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْأَقَلِّ، أَوْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَبْحِ الشَّاتَيْنِ أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمِ السَّابِعِ، فَيُمْكِنُ أَنَّهُ ذَبَحَ عَنْهُ فِي يَوْمِ الْوِلَادَةِ كَبْشًا وَفِي السَّابِعِ كَبْشًا، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، أَوْ عَقَّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ كَبْشًا. وَأَمَرَ عَلِيًّا أَوْ فَاطِمَةَ بِكَبْشٍ آخَرَ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ ﷺ أَنَّهُ عَقَّ كَبْشًا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَبْشَيْنِ مَجَازًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ احْلِقِي) : حَقِيقَةً أَوْ مُرِي مَنْ يَحْلِقُ وَهُوَ أَمُرُ نَدْبٍ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ (رَأْسَهُ) أَيْ رَأْسَ الْحَسَنِ (وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ) : بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ بِوَزْنِ
стр. 5779
شَعْرِ رَأْسِهِ (فِضَّةً فَوَزَنَّاهُ فَكَانَ وَزْنُهُ دِرْهَمًا أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ) . يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي، وَأَنْ يَكُونَ. بِمَعْنَى بَلْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) أَيْ يَقْوَى أَوْ رِجَالُهُ رِجَالُ حَسَنٍ (غَرِيبٌ) أَيْ إِسْنَادًا أَوْ مَتْنًا (وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ) أَيْ بَلْ مُرْسَلٌ عَلَى قَوْلٍ وَمُنْقَطِعٌ عَلَى قَوْلٍ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) أَيْ جَدَّهُ الْكَبِيرَ ﵃.
стр. 5780
٤١٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄ كَبْشًا كَبْشًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ: كَبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ.
ــ
٤١٥٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄) : أَيْ ذَبَحَ عَنْ كُلٍّ (كَبْشًا كَبْشًا) . قَالَ الطِّيبِيُّ: عَقَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا كَانَ مَنْصُوبًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَالتَّكْرِيرُ بِاعْتِبَارِ مَا عُقَّ عَنْهُ مِنَ الْوَالِدَيْنِ أَيْ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِكَبْشٍ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: عَقَّ شَقَّ، وَعَنِ الْمَوْلُودِ ذَبَحَ عَنْهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ: كَبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ) : وَتَقَدَّمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
следующие страницы →