Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
٤٤٦٥ - وَعَنْ كَرِيمَةَ بِنْتِ هَمَّامٍ أَنَّ «امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ خِضَابِ الْحِنَّاءِ. فَقَالَتْ: لَا بَأْسَ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ، كَانَ حَبِيبِي يَكْرَهُ رِيحَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٤٤٦٥ - (وَعَنْ كَرِيمَةَ بِنْتِ هُمَامٍ) : بِضَمِّ هَاءٍ وَتَخْفِيفِ مِيمٍ، كَذَا ضَبَطَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، فِي الْمُغْنِي (هَمَّامٍ) مَفْتُوحَةٌ وَشَدَّةُ مِيمٍ جَمَاعَةٌ وَبِضَمِّ هَاءٍ وَخِفَّةِ مِيمٍ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَمَّامٍ، وَكَذَا فِي تَحْرِيرِ الْمُشْتَبَهِ لِلْعَسْقَلَانِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ، عَنْ خِضَابِ الْحِنَّاءِ) :
стр. 6162
الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي الرَّأْسِ (فَقَالَتْ: لَا بَأْسَ) : أَيْ لَا بَأْسَ بِفِعْلِهِ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ لَا خِلَافَ فِيهِ (وَلَكِنِّي) : وَفِي نُسْخَةٍ وَلَكِنْ (أَكْرَهُهُ) : أَيْ أَكْرَهُ فِعْلَهُ لِعَارِضٍ بَيَّنَتْهُ بِقَوْلِهَا: (كَانَ حَبِيبِي ﷺ : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ رِيحَهُ) : اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحِنَّاءَ لَيْسَ بِطِيبٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الطِّيبَ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الطِّيبِ لَمْ يَكُنْ يُلَائِمُ طَبْعَهُ الطَّيِّبَ، كَمَا لَا يُلَائِمُ الزَّبَادُ مَثَلًا طَبْعَ الْبَعْضِ، وَكَمَا كَانَ يُحِبُّ اللَّحْمَ، وَامْتَنَعَ عَنْ أَكْلِ بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ لِمَا تَعَافُّهُ نَفْسُهُ الشَّرِيفَةُ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ كُرْهَهُ مُخْتَصٌّ بِالشَّعْرِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى فِيهِ زُهُومَتُهُ وَخَمَاجَتُهُ، وَلِذَا عَدَلَ عَنِ الْحِنَّاءِ فِي صَبْغِ لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ إِلَى الْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَأَمَّا فِي يَدِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُهُ، لِمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْإِنْكَارِ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي لَمْ تُكُنْ مُتَحَنِّيَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 6163
٤٤٦٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بَايِعْنِي. فَقَالَ: " لَا أُبَايِعُكِ حَتَّى تُغَيِّرِي كَفَّيْكِ، فَكَأَنَّهُمَا كَفَّا سَبُعٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٤٦٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيِ ابْنِ رَبِيعَةَ امْرَأَةَ أَبِي سُفْيَانَ أُمَّ مُعَاوِيَةَ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ بَعْدَ إِسْلَامِ زَوْجِهَا، فَأَقَرَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَكَانَ لَهَا فَصَاحَةٌ وَعَقْلٌ، فَلَمَّا بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ النِّسَاءُ قَالَ لَهُنَّ: " «لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ". قَالَتْ: مَا رَضِيتُ بِالشِّرْكِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَكَيْفَ فِي الْإِسْلَامِ! فَقَالَ: " وَلَا تَسْرِقْنَ " قَالَتْ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ شَحِيحٌ. قَالَ: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ ". فَقَالَ: " وَلَا تَزْنِينَ ". قَالَتْ: وَهَلْ تَزْنِي الْحُرَّةُ؟ ، فَقَالَ: " لَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ ". قَالَتْ: فَهَلْ تَرَكْتَ لَنَا وَلَدًا إِلَّا قَتَلْتَهُ يَوْمَ بَدْرٍ رَبَّيْنَاهُمْ صِغَارًا وَقَتَلَتَهُمْ كِبَارًا، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » - مَاتَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، يَوْمَ مَاتَ أَبُو قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ ﵃ رَوَتْ عَنْهَا عَائِشَةُ (قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! بَايِعْنِي) : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْمُبَايَعَةَ غَيْرُ مُبَايَعَةِ يَوْمِ الْفَتْحِ حِينَ أَسْلَمَتْ عَلَى مَا سَبَقَ (فَقَالَ: لَا أُبَايِعُكِ) : أَيْ بِاللِّسَانِ (حَتَّى تُغَيِّرِي كَفَّيْكِ) ، أَيْ بِالْحِنَّاءِ (فَكَأَنَّهُمَا كَفَّا سَبُعٍ) : شَبَّهَ يَدَيْهَا حِينَ لَمْ تَخْضِبْهُمَا بِكَفَّيْ سَبُعٍ فِي الْكَرَاهِيَةِ ; لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ شَبِيهَةٌ بِالرِّجَالِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ، وَفِيهِ بَيَانُ كَرَاهِيَةِ خِضَابِ الْكَفَّيْنِ لِلرِّجَالِ تَشَبُّهًا بِالنِّسَاءِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6164
٤٤٦٧ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «أَوَمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ، بِيَدِهَا كِتَابٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ. فَقَالَ: " مَا أَدْرِي أَيَدُ رَجُلٍ أَمْ يَدُ امْرَأَةٍ؟ " قَالَتْ: بَلْ يَدُ امْرَأَةٍ، قَالَ: " لَوْ كُنْتِ امْرَأَةً لَغَيَّرْتِ أَظْفَارَكِ " يَعْنِي الْحِنَّاءَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٤٤٦٧ - (وَعَنْهَا) : أَيْ عَنْ عَائِشَةَ. (قَالَتْ: أَوْمَتِ) : هَكَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ بِلَا هَمْزٍ بَعْدَ الْمِيمِ، وَهُوَ مُومٍ إِلَى أَنَّهُ مُعْتَلُّ اللَّامِ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الْقَامُوسِ مَادَّتَهُ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِي الْمَهْمُوزَاتِ وَمَأَ كَوَضَعَ أَشَارَ كَأَوَمَا وَوَمَأَ، فَوَجَّهَهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ مِنْ أَنَّ أَصْلَهُ أَوْمَاتْ بِالْهَمْزِ فَخَفَّفَ بِإِبْدَالِهِ أَلْفًا، فَحُذِفَ بِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَالْمَعْنَى أَشَارَتْ (امْرَأَةٌ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ حِجَابٍ (بِيَدِهَا كِتَابٌ) : الْجُمْلَةُ مِنَ الْمُبْتَدَأِ الْمُؤَخَّرِ وَالْخَبَرِ الْمُقَدَّمِ صِفَةٌ لِلْمَرْأَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ حَالًا مِنْهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ،: وَالْوَجْهُ أَنْ يُحْمَلَ أَنَّ كِتَابًا فَاعِلٌ لِلْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ لَا مُبْتَدَأٌ لِلُزُومِ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ حَالًا بِغَيْرِ وَاوٍ، وَإِنْ جَازَ عَلَى ضَعْفٍ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ صِحَّةَ الْحَالِ هُنَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مَوْصُوفَةٌ بِقَوْلِهَا مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ﷺ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهَا أَوْمَتِ عَلَى أَنَّهَا لِلِابْتِدَاءِ، كَمَا تَعَلَّقَ بِهَا لِلِانْتِهَاءِ قَوْلُهَا: (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ) : أَيْ كَفَّ كُمَّهُ عَنْ كَفِّهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ مُبَايَعَتُهُ لِلنِّسَاءِ بِالْيَدِ أَيْضًا، وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَمُدُّ يَدَهُ فِي الْجُمْلَةِ إِيمَاءً إِلَى الْمُبَايَعَةِ الْفِعْلِيَّةِ، وَيَكْتَفِي بِالْمُبَايَعَةِ اللِّسَانِيَّةِ فِي النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَصِلَ يَدُهُ إِلَى يَدِ الْمَرْأَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ مَلْفُوفَةٌ، فَكُنَّ يَتَبَرَّكْنَ بِأَخْذِ كُمِّهِ الْقَائِمِ مَقَامَ يَدِهِ، كَمَا وَرَدَ فِي حَقِّ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ الْأَسْعَدِ أَنَّهُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، يُصَافِحُ بِهِ عِبَادَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا، وَالْأَزْرَقِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْقُوفًا، وَلَفْظُهُمَا: الْحَجَرُ يَمِينُ اللَّهِ فَمَنْ مَسَحَهُ فَقَدْ بَايَعَ اللَّهَ.
стр. 6165
(فَقَالَ) : أَيْ فِي سَبَبِ قَبْضِ قَبْضَتِهِ عَنِ الْيَدِ الْمَمْدُودَةِ (مَا أَدْرِي أَيَدُ رَجُلٍ) : أَيْ هِيَ (أَمْ يَدُ امْرَأَةٍ؟ قَالَتْ) : أَيِ الْمَرْأَةُ (بَلِ امْرَأَةٌ) : بِالرَّفْعِ أَيْ صَاحِبَتُهَا أَوْ أَنَا امْرَأَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ، بَلْ يَدُ امْرَأَةٍ بِالْإِضَافَةِ (قَالَ: لَوْ كُنْتِ امْرَأَةً) : أَيْ مُرَاعِيَةً شِعَارَ النِّسَاءِ (لَغَيَّرْتِ أَظْفَارَكِ) : أَيْ لَخَضَبْتِ لَوْنَهَا بِالْحُمْرَةِ أَوِ السَّوَادِ بِاسْتِعْمَالِ الْحِنَّاءِ أَوِ الْعَفْصِ. (يَعْنِي) : تَفْسِيرٌ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الرُّوَاةِ أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ (تَغْيِيرَهَا بِالْحِنَّاءِ) : إِمَّا لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ، أَوْ لِكَوْنِهِ الْمُعْتَادَ الْمُتَعَارَفَ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْحِنَّاءُ مَثَلًا، فَيَشْمَلُ تَغْيِيرَهَا بِغَيْرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «لَوْ كُنْتِ امْرَأَةً لَغَيَّرْتِ أَظْفَارَكِ بِالْحِنَّاءِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ، وَبِهَذَا، يُعْرَفُ أَنَّ التَّفْسِيرَ السَّابِقَ مِنْ غَيْرِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 6166
٤٤٦٨ - وَعَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لُعِنَتِ الْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْصِلَةُ، وَالنَّامِصَةُ، وَالْمُتَنَمِّصَةُ، وَالْوَاشِمَةُ، وَالْمُسْتَوْشِمَةُ مِنْ غَيْرِ دَاءٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٤٦٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لُعِنَتْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ؛ أَيْ لَعَنَهَا اللَّهُ أَوْ لُعِنَتْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الرِّوَايَاتِ (الْوَاصِلَةُ) : أَيْ شَعْرَ الْغَيْرِ بِشِعْرِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ صُورَةِ الزُّورِ (وَالْمُسْتَوْصِلَةُ) : أَيِ النَّفْسُ الطَّالِبَةُ لِذَلِكَ (وَالنَّامِصَةُ) ، أَيِ النَّاتِفَةُ لِلشَّعْرِ مِنْ غَيْرِ الْإِبِطِ وَالْعَانَةِ. قِيلَ: هُوَ مِنَ النَّمْصِ وَهُوَ أَخْذُ الشَّعْرِ مِنَ الْوَجْهِ بِالْخَيْطِ أَوْ بِالْمِنْمَاصِ أَيْ بِالْمِنْقَاشِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا النَّاقِشَةُ أَيِ الْمَاشِطَةُ الَّتِي تُزَيِّنُ النِّسَاءَ بِالنَّمْصِ، (وَالْمُتَنَمِّصَةُ) : أَيِ الَّتِي تَطْلُبُ أَنْ تَنْتِفَ شَعْرَ وَجْهِهَا (وَالْوَاشِمَةُ) : أَيِ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَغْرِزُ الْإِبْرَةَ أَوِ الشَّوْكَةَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهَا أَوْ سَاعِدِهَا أَوْ غَيْرِهِمَا لِيَخْرُجَ مِنْهَا الدَّمُ وَتَجْعَلَ فِيهَا كُحْلًا أَوْ نِيلًا، أَوْ غَيْرَهُمَا لِيَخْضَرَّ لَوْنُهُ، وَيَبْقَى نُقُوشًا أَوْ تَكْتُبَ بِهِ اسْمَهَا (وَالْمُسْتَوْشِمَةُ) : أَيِ الَّتِي تَطْلُبُ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا الْوَشْمُ، فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ بِصَغِيرَةٍ تَأْثَمُ فَاعِلَتُهُ، وَلَا تَأْثَمُ الْمُفَعْوِلَةُ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ، وَقَدْ سَبَقَ زِيَادَةُ بَيَانٍ لِهَذَا الْمَبْحَثِ (مِنْ غَيْرِ دَاءٍ) : مُتَعَلِّقٍ بِالْوَشْمِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: إِنِ احْتَاجَتْ إِلَى الْوَشْمِ لِلْمُدَاوَاةِ جَازَ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ أَثَرٌ اهـ. وَقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ مَا تَقَدَّمَ أَيْ لَوْ كَانَ بِهَا عِلَّةٌ فَاحْتَاجَتْ إِلَى أَحَدِهَا لَجَازَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِرِوَايَةِ الصِّحَاحِ السِّتِّ.
стр. 6167
٤٤٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٤٦٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ) ، بِكَسْرِ اللَّامِ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] ، (وَالْمَرْأَةَ) : بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الرَّجُلِ أَيْ وَلَعَنَ الْمَرْأَةَ (تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَعَنَ اللَّهُ الرَّجُلَ. . إِلَخْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 6168
٤٤٧٠ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: «قِيلَ لِعَائِشَةَ ﵂: إِنَّ امْرَأَةً تَلْبَسُ النَّعْلَ. قَالَتْ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَةَ مِنَ النِّسَاءِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٤٧٠ - (وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ (قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً تَلْبَسُ النَّعْلَ) ، أَيِ الَّتِي يُخْتَصُّ بِالرِّجَالِ فَمَا حُكْمُهَا؟ (قَالَتْ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَةَ) : بِضَمِّ الْجِيمِ (مِنَ النِّسَاءِ) : بَيَانٌ لِلرَّجُلَةِ لِأَنَّ التَّاءَ فِيهَا الْإِرَادَةُ الْوَصْفِيَّةُ أَيِ الْمُتَشَبِّهَةُ فِي الْكَلَامِ وَاللِّبَاسِ بِالرِّجَالِ، وَيُقَالُ: كَانَتْ عَائِشَةُ رَجُلَةَ الرَّأْيِ أَيْ رَأْيُهَا رَأْيُ الرِّجَالِ، فَالتَّشَبُّهُ بِالرَّأْيِ وَالْعِلْمِ غَيْرُ مَذْمُومٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، أَيْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
стр. 6169
٤٤٧١ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ، كَانَ آخِرُ عَهْدِهِ بِإِنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ فَاطِمَةَ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَاطِمَةَ، فَقَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ وَقَدْ عَلَّقَتْ مَسْحًا أَوْ سِتْرًا عَلَى بَابِهَا، وَحَلَّتِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ قُلْبَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ، فَقَدِمَ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَظَنَّتْ أَنَّ مَا مَنَعَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَا رَأَى، فَهَتَكَتِ السِّتْرَ، وَفَكَّتِ الْقُلْبَيْنِ عَنِ الصَّبِيَّيْنِ، وَقَطَعَتْهُ مِنْهُمَا، فَانْطَلَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَبْكِيَانِ، فَأَخَذَهُ مِنْهُمَا فَقَالَ: " يَا ثَوْبَانُ! اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى فُلَانٍ، إِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي أَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا. يَا ثَوْبَانُ! اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصْبٍ، وَسُوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٤٧١ - (وَعَنْ ثَوْبَانِ) : أَيْ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ مِنْ عَادَتِهِ (إِذَا سَافَرَ، كَانَ آخِرُ عَهْدِهِ) : أَيْ وَصِيَّتُهُ وَأَمْرُهُ وَحَدِيثُهُ وَمُوَادَعَتُهُ (بِإِنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ) : أَيْ مِنْ بَيْنِ بَنَاتِهِ وَنِسَائِهِ (فَاطِمَةَ) : أَيْ عَهِدَهَا لِيَصِحَّ الْحَمْلُ وَهِيَ خَبَرُ كَانَ (وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا) : أَيْ مِنْ أَهْلِهِ إِذَا قَدِمَ (فَاطِمَةَ) : بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ (فَقَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ) : أَصْلُهَا عَزَوَةٌ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ إِلَى الزَّايِ، وَقُلِبَتْ أَلْفًا لِتَحَرُّكِهَا فِي الْأَصْلِ، وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا الْآنَ، وَقِيلَ: مَا قَبْلَ تَاءِ التَّأْنِيثِ مُتَحَرِّكٌ تَقْدِيرًا إِذِ السُّكُونُ عَارِضٌ (وَقَدْ عَلَّقَتْ) : أَيْ فَاطِمَةُ (مَسْحًا) : بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ بَلَاسًا (أَوْ سِتْرًا) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَوْ لِلشَّكِّ (عَلَى بَابِهَا) : أَيْ لِلزِّينَةِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلسُّتْرَةِ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِيهَا تَمَاثِيلُ فَالْإِنْكَارُ بِسَبَبِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَحَلَّتِ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَأَصْلُهُ حَلَّيَتْ مِنَ التَّحْلِيَةِ فَقُلِبَتِ الْيَاءُ أَلْفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ حُذِفَتِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَإِنَّمَا حُرِّكَتِ التَّاءُ هُنَا فِي الْوَصْلِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ أَيْضًا، فَحَرَكَتُهَا عَارِضِيَّةٌ لَا أَصْلِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى زَيَّنَتْ فَاطِمَةُ بِإِلْبَاسِهَا (الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ قُلْبَيْنِ) : بِضَمِّ الْقَافِ أَيْ سُوَارَيْنِ (مِنْ فِضَّةٍ) : وَفِيهِ احْتِمَالَانِ، وَهُوَ أَلْبَسَتْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُلْبَيْنِ أَوْ قُلْبًا (فَقَدِمَ) : تَأْكِيدٌ لِلطُّولِ بِالْجُمَلِ الْحَالِيَّةِ، وَتَقْرِيبٌ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ حُصُولِ الْفُصُولِ (فَلَمْ يَدْخُلْ) : أَيْ بَيْتَ فَاطِمَةَ لِمَا رَأَى بِنُورِ النُّبُوَّةِ وَظُهُورِ الْمُكَاشَفَةِ تَسَتُّرَ بَابِهَا وَتَغْيِيرَ جَنَابِهَا بِإِلْبَاسِ أَوْلَادِهَا مَا لَا يَجُوزُ لَهُمَا مِنَ اللُّبْسِ. (فَظَنَّتْ أَنَّ مَا) : هِيَ مَوْصُولَةٌ فَحَقُّهَا أَنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً أَيْ فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا أَنَّ الَّذِي (مَنَعَهُ أَنْ يَدْخُلَ) : أَيْ مِنْ دُخُولِ بَيْتِهَا أَوَّلًا عَلَى وَجْهِ الْمُعْتَادِ (مَا رَأَى) : هِيَ صَدْرِيَّةٌ فَاعِلُ مَنَعَهُ، أَوْ مَوْصُولَةٌ أَيْ مَا رَآهُ مِنَ التَّسَتُّرِ وَالتَّغَيُّرِ، وَتَوْضِيحُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِحُصُولِ الْمَرَامِ عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ هُوَ أَنَّ (أَنَّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَ " مَا " أَيْ أَنَّ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ كَافَّةً بِمَعْنَى " مَا " وَفَاعِلُ مَنَعَهُ مَا رَأَى أَيْ مَنَعَهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَّا مَا رَآهُ مِنْ تَعْلِيقِ أَحَدِ السِّتْرَيْنِ وَتُحِلِّيهِ الْحَسَنَيْنِ، فَحِينَئِذٍ تُكْتَبُ " مَا " مَوْصُولَةً، وَأَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وَمَنَعَهُ صِلَتُهُ، وَفَاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَى " مَا " وَرَأَى خَبَرُ أَنَّ أَيِ الَّذِي مَنَعَهُ مِنَ الدُّخُولِ مَا رَآهُ، فَعَلَى هَذَا تُكْتَبُ " مَا " مَوْصُولَةً، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ، وَ " مَا " فِي رَأَى مَوْصُولَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَهَتَكَتِ السِّتْرَ) : شَقَّتْهُ وَكَشَفَتْهُ (وَفَكَّتْ) : بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَيْ (الْقُلْبَيْنِ) : أَيْ تَقْلِيبَهُمَا وَتَطْوِيقَهُمَا (عَنِ الصَّبِيَّيْنِ، وَقَطَعَتْهُ) : أَيْ مَا بِأَيْدِي الصَّبِيَّيْنِ أَوْ كُلًّا مِنَ الْقَلْبَيْنِ (مِنْهُمَا) : أَيْ أَيْدِي الصَّبِيَّيْنِ أَوْ فَصَلَتْ كُلًّا مِنَ الصَّبِيَّيْنِ عَنِ الْقَلْبَيْنِ وَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَحَاصِلُهُ عَدَمُ تَعَلُّقِ الْقُلْبَيْنِ بِالْقَلْبَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٤] (فَانْطَلَقَا) : أَيِ الْحَسَنَانِ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَبْكِيَانِ) ، أَيْ عَلَى عَادَةِ الصِّغَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ وَلَوْ بِالْأَحْجَارِ (فَأَخَذَهُ مِنْهُمَا) ، قَالَ الْأَشْرَفُ: أَيْ أَخَذَ النَّبِيَّ ﷺ شَيْءٌ مِنَ الرَّأْفَةِ وَالرِّقَّةِ عَلَيْهِمَا.
قُلْتُ: لَا يُلَائِمُهُ مَا بَعْدَهُ مَعَ احْتِيَاجِهِ إِلَى تَقْدِيرِ أَمْرٍ زَائِدٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فَاطِمَةَ بَعْدَ فَكِّ الْقُلْبَيْنِ أَرْسَلَتْهُمَا فِي أَيْدِي الْحَسَنَيْنِ لِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِمَا، فَأَخَذَهُ أَيْ مَا فِي أَيْدِهِمَا أَوْ كُلًّا مِنَ الْقَلْبَيْنِ مِنْهُمَا أَيْ مِنَ الْحَسَنَيْنِ وَأَعْطَاهُ لِثَوْبَانَ (فَقَالَ يَا ثَوْبَانُ! اذْهَبْ بِهَذَا) أَيْ بِكُلٍّ مِنَ الْقُلْبَيْنِ، وَقِيلَ: إِشَارَةً إِلَى الْقَلْبِ، أَوْ مَا أَعْطَاهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ (إِلَى آلِ فُلَانٍ) ، أَيْ أَهْلِ بَيْتٍ مَشْهُورٍ بِالْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ - بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ الْأَشْرَفِ - وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ وَاقِعًا مَوْقِعَ اسْمِ الْإِشَارَةِ، أَيْ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ أَيِ الْقُلْبَ الْمُفَكَّكَ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى اسْمِ الْإِشَارَةِ التَّصْرِيحُ لِقَوْلِهِ اذْهَبْ بِهَذَا وَهَذَا لِلتَّحْقِيرِ اهـ. وَفِي كَوْنِ الْإِشَارَةِ مَحَلَّ تَفْتِيشٍ وَتَنْقِيرٍ، نَعَمْ إِنْ أُرِيدَ بِهِ التَّحْقِيرُ الْمَعْنَوِيُّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِهِمْ مِنْ زِيَادَةِ التَّنَعُّمِ الصُّورِيِّ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ، وَتَنْبِيهٌ نَبِيهٌ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ (إِنَّ هَؤُلَاءِ) : أَيِ الْحَسَنَانِ وَوَالِدَاهُمَا
стр. 6170
(أَهْلِي) : أَيْ أَهْلَ بَيْتِي بِالْخُصُوصِ مِنْ بَيْنِ الْعُمُومِ بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِهَؤُلَاءِ وَخَبَرُ أَنَّ قَوْلُهُ: (أَكْرَهُ) : أَوْ أَهْلِي هُوَ الْخَبَرُ وَأَكْرَهُ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ أَيْ لِأَنِّي أَكْرَهُ لَهُمْ كَمَا لِنَفْسِي (أَنْ يَأْكُلُوا طَيِّبَاتِهِمْ) : أَيْ يَتَلَذَّذُوا بِطَيِّبِ طَعَامٍ وَلُبْسِ نَفِيسٍ وَنَحْوِهَا (فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا) ، بَلِ اخْتَارَ لَهُمُ الْفَقْرَ وَالرِّيَاضَةَ فِي حَيَاتِهِمْ لِيَكُونَ دَرَجَاتُهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَعْلَى، وَمُقَدِّمَاتُهُمْ فِي مَرَاتِبِ لَذَّاتِهِمْ أَعْلَى، وَلِئَلَّا يَكُونُوا مُتَشَبِّهِينَ بِمَنْ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْ سَلْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شَبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: " إِنَّ هَؤُلَاءِ " اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ الْمُوجِبِ لِلْمَنْعِ، وَأَهْلِي خَبَرٌ لِـ (أَنَّ) فَالْإِتْيَانُ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ لِلتَّعْظِيمِ، فَالْمَعْنَى لَا يَجُوزُ هَذَا الْمُحَقَّرُ لِهَؤُلَاءِ الْعِظَامِ، وَقَوْلُهُ: (أَكْرَهُ) اسْتِئْنَافٌ آخَرُ (يَا ثَوْبَانُ! اشْتَرِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَجُوِّزَ سُكُونُهَا (لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً) : بِكَسْرِ الْقَافِ مَا يُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ (مِنْ عَصْبٍ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَيُفْتَحُ، سِنُّ حَيَوَانٍ فِي النِّهَايَةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ: إِنْ تَكُنِ الثِّيَابَ الْيَمَانِيَةَ فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَمَا أَرَى أَنَّ الْقِلَادَةَ تَكُونُ مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: يُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنَّ الرِّوَايَةَ إِنَّمَا هِيَ الْعَصَبُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَهُوَ إِطْنَابُ مَفَاصِلِ الْحَيَوَانِ، وَهُوَ شَيْءٌ مُدَوَّرٌ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ عَصَبَ بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ فَيَقْطَعُونَهُ: وَيَجْعَلُونَهُ شِبْهَ الْخَرَزِ، فَإِذَا يَبِسَ يَتَّخِذُونَ مِنْهُ الْقَلَائِدَ، إِذَا جَازَ وَأَمْكَنَ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْ عِظَامِ السُّلَحْفَاةِ وَغَيْرِهَا الْأَسْوِرَةُ جَازَ، وَأَمْكَنَ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْ عَصَبِ أَشْبَاهِهَا خَرَزٌ يُنْظَمُ مِنْهَا الْقَلَائِدُ. قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ فِي بَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ أَنَّ الْعَصَبَ مِنْ دَابَّةٍ بَحْرِيَّةٍ تُسَمَّى فَرَسَ فِرْعَوْنَ يُتَّخَذُ مِنْهَا الْخَرَزُ وَغَيْرُهَا مِنْ نِصَابِ سِكِّينٍ وَغَيْرِهِ، وَيَكُونُ أَبْيَضَ. (وَسُوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ الْعَاجَ هُوَ الذَّيْلُ، وَهُوَ عَظْمُ ظَهْرِ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، وَمِنَ الْعَجِيبِ الْعُدُولُ عَنِ اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ إِلَى مَا لَمْ يَشْتَهِرْ بَيْنَ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْعَاجَ عَظْمُ أَنْيَابِ الْفِيَلَةِ، وَعَلَى هَذَا يُفَسِّرُهُ النَّاسُ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ، قُلْتُ: لَعَلَّ وَجْهَ الْعُدُولِ أَنَّ عَظْمَ الْمَيِّتِ نَجِسٌ عِنْدَهُمْ، بَلْ عِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا أَنَّ الْفِيلَ نَجِسُ الْعَيْنِ. وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: طَهَارَةُ عَظْمِ الْحَيَوَانِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالزَّكَاةِ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ إِذَا قُلْنَا بِالضَّعِيفِ أَنَّ عِظَامَ الْمَيْتَةِ طَاهِرَةٌ ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَذَكَرَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ أَنَّهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ نَاقِلًا عَنِ الْأَصْمَعِيِّ: إِنَّ الْعَاجَ هُوَ الذَّيْلُ وَهُوَ عَظْمُ ظَهْرِ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِأَنَّهُ جُزْءُ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ بَحْرِيٍّ، وَأَمَّا الْعَاجُ أَيْ عَظْمُ الْفِيلِ فَنَجِسٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، طَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِيهِ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا فَلَا يَبْعُدُ حَمْلُهُ هَاهُنَا اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: الْعَاجُ الذَّيْلُ، وَعَظْمُ الْفِيلِ، وَالذَّيْلُ جِلْدُ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ أَوِ الْبَرِّيَّةِ، أَوْ عِظَامُ ظَهْرِ دَابَّةٍ بَحْرِيَّةٍ يُتَّخَذُ مِنْهَا الْأَسْوِرَةُ وَالْأَمْشَاطُ اهـ. وَلَعَلَّ الْقُلْبَيْنِ كَانَا فِي يَدَيْ فَاطِمَةَ ﵂ وَأَلْبَسَتْهُمَا الْحَسَنَيْنِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمَا لُبْسُهُمَا، فَلَمَّا عَاقَبَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِهِجْرَتِهَا، وَعَاتَبَهَا عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهَا فِي صُورَةِ عِصْيَانِهَا، وَكَفَّرَهَا بِالصَّدَقَةِ عَنْهَا وَعَنْ أَوْلَادِهَا جَبَرَهَا بِشِرَاءِ الْقِلَادَةِ وَالسُّوَارَيْنِ لِتَلْبَسَهُمَا احْتِرَازًا مِنَ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ، وَإِظْهَارًا لِلتَّقَنُّعِ بِأَخْشَنِ الْأَحْوَالِ الْمُوجِبِ لِأَحْسَنِ الْآمَالِ فِي الْمَآلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6171
٤٤٧٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «اكْتَحِلُوا بِالْإِثْمِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ ". وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَتْ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ بِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ، ثَلَاثَةً فِي هَذِهِ وَثَلَاثَةً فِي هَذِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٤٧٢ - ( «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اكْتَحِلُوا بِالْإِثْمِدِ» ) : أَيْ دُومُوا عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا مُثَلَّثَةٌ سَاكِنَةٌ حَجَرٌ يُكْتَحَلُ بِهِ. قِيلَ: هُوَ الْكُحْلُ الْمَعْرُوفُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ نَوْعٌ خَاصٌّ مِنْهُ لِمَا فِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ الْحَجَرُ الْمَعْدَنِيُّ، وَقِيلَ: هُوَ الْكُحْلُ الْأَصْفَهَانِيُّ يُنَشِّفُ الدَّمْعَةَ وَالْقُرُوحَ وَيَحْفَظُ صِحَّةَ الْعَيْنِ وَيُقَوِّي غُصْنَهَا، لَا سِيَّمَا لِلشُّيُوخِ وَالصِّبْيَانِ. وَفِي تَاجِ الْأَسَامِي: الْإِثْمِدِ هُوَ التُّوتِيَاءُ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ، وَهُوَ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ الْمِسْكُ الْخَالِصُ قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ،: قَالَ: لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ. وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ» ، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ، وَلِأَبِي الشَّيْخِ فِي كِتَابِ أَخْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِثْمِدٌ
стр. 6172
يَكْتَحِلُ بِهِ عِنْدَ نَوْمِهِ فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثًا» (فَإِنَّهُ) : أَيِ الْإِثْمِدَ أَوِ الِاكْتِحَالَ بِهِ (يَجْلُو الْبَصَرَ) : مِنَ الْجَلَاءِ أَيْ يُحْسِنُ النَّظَرَ، وَيَزِيدُ نُورَ الْعَيْنِ، وَيُنَظِّفُ الْبَاصِرَةَ لِدَفْعِ الْمَوَادِّ الرِّدْيَةِ النَّازِلَةِ إِلَيْهَا مِنَ الرَّأْسِ. (وَيُنْبِتُ) : مِنَ الْإِنْبَاتِ (الشَّعَرَ) : بِفَتْحَتَيْنِ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُ الْعَيْنِ، لَكِنْ قَالَ مِيرَكُ: الرِّوَايَةُ بِفَتْحِهَا. قُلْتُ: وَلَعَلَّ وِجْهَةَ مُرَاعَاةِ لِفْظِ الْبَصَرِ، وَهُوَ مِنَ الْمُحَسِّنَاتِ اللَّفْظِيَّةِ الْبَدِيعِيَّةِ وَالْمُنَاسِبَاتِ السَّجْعِيَّةِ، وَنَظِيرُهُ وُرُودُ الْمُشَاكَلَةِ فِي لَا مَلْجًا وَلَا مَنْجًا، وَرِوَايَةُ: أَذْهَبَ الْبَاسَ رَبُّ النَّاسِ بِإِبْدَالِ هَمْزَةِ الْبَأْسِ وَنَحْوِهَا، وَالْمُرَادُ بِالشَّعَرِ هُنَا الْهُدَبُ وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ مَثْرَهْ، وَهُوَ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَى أَشْفَارِ الْعَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي عَاصِمٍ وَالطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ، فَإِنَّهُ مَنْبَتَةٌ لِلشَّعَرِ مَذْهَبَةٌ لِلْقَذَى مَصْفَاةٌ لِلْبَصَرِ.
(وَزَعَمَ) : أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَارِحٌ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، وَرِوَايَاتٍ لِلتِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ أَيْضًا، وَهُوَ أَقْرَبُ، وَبِالِاسْتِدْلَالِ أَنْسَبُ، وَقِيلَ: أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ شَيْخِ التِّرْمِذِيِّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَزَعَمَ بِالْفَاءِ، وَالزَّعْمُ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْقَوْلُ الْمُحَقَّقُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَشْكُوكِ فِيهِ. أَوْ فِي الظَّنِّ الْبَاطِلِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التغابن: ٧] ، وَفِي الْحَدِيثِ: بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا، عَلَى مَا رَوَاهُ فِي أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ حُذَيْفَةَ، فَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنَ السِّيَاقِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْقَوْلُ الْمُحَقَّقُ «كَقَوْلِ أُمِّ هَانِئٍ عَنْ أَخِيهَا عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِلنَّبِيِّ ﷺ : زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ لِاثْنَيْنِ مِنْ أَصْهَارِهَا أَجَارَتْهُمَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ» . وَإِنْ كَانَ لِمُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَلَى مَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ، فَالزَّعْمُ بَاقٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ مَعْنَاهُ الْمُتَبَادَرِ إِشَارَةً إِلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِ بِإِسْقَاطِ الْوَسَائِطِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَائِلُ ابْنُ عَبَّاسٍ لَقِيلَ: وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ (زَعَمَ) فَائِدَةٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: أَنَّهُ أَتَى بِهِ لِطُولِ الْفَصْلِ، كَمَا يَقَعُ عَادَةً. قَالَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَارَاتِ: وَجَاءَ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ، بِأَنَّ الْأُولَى حَدِيثٌ قَوْلِيٌّ، وَالثَّانِيَةُ حَدِيثٌ فِعْلِيٌّ، هَذَا وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ السُّيُوطِيَّ جَعَلَ الْحَدِيثَ حَدِيثَيْنِ. وَقَالَ: رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنْهَا كُلَّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَةً فِي هَذِهِ، وَثَلَاثَةً فِي هَذِهِ» ، وَلَمَّا كَانَ زَعَمَ يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا بِمَعْنَى ظَنَّ ضَبَطَ قَوْلَهُ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَخَبَّرَ أَنَّ قَوْلَهُ: (كَانَتْ لَهُ مُكْحُلَةٌ) : بِضَمَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا سَاكِنَةٌ اسْمُ آلَةِ الْكُحْلِ، وَهُوَ الْمَيْلُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا هَاهُنَا مَا فِيهِ الْكُحْلُ، (يَكْتَحِلُ بِهَا) : كَذَا بِالْبَاءِ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ، وَفِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الشَّمَائِلِ بِلَفْظِ " مِنْهَا " فَالْبَاءُ بِمَعْنَى " مِنْ " كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ; ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِسَبَبِيَّةِ (كُلَّ لَيْلَةٍ) : أَيْ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَعِنْدَ النَّوْمِ كَمَا فِي أُخْرَى، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ أَبْقَى لِلْعَيْنِ، وَأَمْكَنُ فِي نُفُوذِ السَّرَايَةِ إِلَى طَبَقَاتِهَا (ثَلَاثَةً) : أَيْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَةٍ (فِي هَذِهِ) : أَيِ الْيُمْنَى (وَثَلَاثَةً) : أَيْ مُتَتَابِعَةً (فِي هَذِهِ) : أَيِ الْيُسْرَى، وَالْمُشَارُ إِلَيْهَا عَيْنُ الرَّاوِي بِطْرِيقِ التَّمْثِيلِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوْتِرْ» " عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي الْإِيتَارِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا سَبَقَ، وَعَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ، وَهُوَ أَقْوَى فِي الِاعْتِبَارِ لِتَكْرَارِ تَحَقُّقِ الْإِيتَارِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ عُضْوٍ، كَمَا اعْتُبِرَ التَّثْلِيثُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكْتَحِلَ فِيهِمَا خَمْسَةً، ثَلَاثَةً فِي الْيُمْنَى، وَمَرَّتَيْنِ فِي الْيُسْرَى، عَلَى مَا رُوِيَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ وَالِانْتِهَاءُ بِالْيَمِينِ تَفْضِيلًا لَهَا عَلَى الْيَسَارِ، كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ الْفَيْرُوزَآبَادِي، وَيُجَوِّزُ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ عَيْنٍ وَوَاحِدَةً بَيْنَهُمَا، أَوْ فِي الْيُمْنَى ثَلَاثًا مُتَعَاقِبَةً، وَفِي الْيُسْرَى اثْنَتَيْنِ، فَيَكُونُ الْوَتْرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَأَرْجَحُهُمَا الْأَوَّلُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ حُصُولِ الْوَتْرِ شَفْعًا، مَعَ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكْتَحِلَ فِي كُلٍّ غَيْرَ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ وَثُمَّ وَيَئُوَلُ أَمْرُهُ إِلَى الْوَتْرَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُضْوَيْنِ، لَكِنَّ الْقِيَاسَ عَلَى بَابِ طَهَارَةِ الْأَعْضَاءِ بِجَامِعِ التَّنْظِيفِ وَالتَّزْيِينِ هُوَ الْأَوَّلُ فَتَأْمَّلْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : أَيْ فِي جَامِعِهِ، وَكَذَا فِي الشَّمَائِلِ بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا: ( «اكْتَحَلُوا بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ» ) . وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: " «عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ» ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَذَا الْحَاكِمُ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ عِنْدَ النَّوْمِ» " إِلَخْ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ عَلِيٍّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: " «عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ فَإِنَّهُ مَنْبَتَةٌ لِلشَّعَرِ مَذْهَبَةٌ لِلْقَذَى مَصْفَاةٌ لِلْبَصَرِ» ". وَرَوَاهُ الْبَغَوَيُّ فِي مُسْنَدِ عُثْمَانَ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «عَلَيْكُمْ بِالْكُحْلِ، فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الشَّعْرَ وَيَشُدُّ الْعَيْنَ» ". وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ إِذَا اكْتَحَلَ اكْتَحَلَ وَتْرًا، وَإِذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ وَتْرًا» ".
стр. 6173
٤٤٧٣ - وَعَنْهُ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْتَحِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ بِالْإِثْمِدِ ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ» . قَالَ: وَقَالَ: " «إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ: اللَّدُودُ، وَالسَّعُوطُ، وَالْحِجَامَةُ، وَالْمَشِيُّ. وَخَيْرَ مَا اكْتَحَلْتُمْ بِهِ الْإِثْمِدُ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ، وَإِنَّ خَيْرَ مَا تَحْتَجِمُونَ فِيهِ يَوْمُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَيَوْمُ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَيَوْمُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ» " «وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ عُرِجَ بِهِ، مَا مَرَّ عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: عَلَيْكَ بِالْحِجَامَةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤٤٧٣ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْتَحِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ بِالْإِثْمِدِ ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ» قَالَ) : أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (وَقَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ اللَّدُودُ) : بِفَتْحٍ فَضَمٍّ وَهُوَ مَا يُسْقَى الْمَرِيضُ مِنَ الدَّوَاءِ فِي أَحَدِ شِقَّيْ فِيهِ (وَالسَّعُوطُ) : عَلَى وَزْنِهِ وَهُوَ مَا يُصَبُّ مِنَ الدَّوَاءِ فِي الْأَنْفِ (وَالْحِجَامَةُ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ بِمَعْنَى الِاحْتِجَامِ (وَالْمَشِيُّ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ فَعِيلٌ مِنَ الْمَشْيِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، وَجَوَّزَهُ فِي الْمُغْرِبِ وَقَالَ: وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ لِإِطْلَاقِ الْبَطْنِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الدَّوَاءُ الْمُسَهِّلُ مَشِيًّا لِأَنَّهُ يَحْمِلُ شَارِبَهُ عَلَى الْمَشْيِ وَالتَّرَدُّدِ إِلَى الْخَلَاءِ. (وَخَيْرَ مَا اكْتَحَلْتُمْ بِهِ) : بِالنَّصْبِ وَجُوِّزَ رَفْعُهُ (الْإِثْمِدُ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ، وَإِنَّ خَيْرَ مَا تَحْتَجِمُونَ فِيهِ) : أَيْ مِنَ الْأَيَّامِ (يَوْمُ سَبْعَ عَشْرَةَ) : بِسُكُونِ الشِّينِ وَيُكْسَرُ وَيَوْمُ مُضَافٌ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ أَنَّ (وَيَوْمُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَيَوْمُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ) : كَذَا فِي النُّسَخِ، وَالظَّاهِرُ وَيَوْمُ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ (وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) : إِلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَطْرِدَةٌ قَالَهُ الرَّاوِي حَثًّا عَلَى الْحِجَامَةِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقُولِ مَنْقُولًا بِالْمَعْنَى.
(حَيْثُ عُرِجَ بِهِ) : أَيْ حِينِ صُعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ (مَا مَرَّ) : أَيْ هُوَ (عَلَى مَلَأٍ) : أَيْ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ تَمْلَأُ الْعُيُونَ مِنْ كَثْرَتِهَا (إِلَّا قَالُوا: عَلَيْكَ بِالْحِجَامَةِ) : أَيِ الْزَمْهَا لُزُومًا مُؤَكَّدًا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَجْهُ مُبَالِغَةِ الْمَلَائِكَةِ فِي الْحِجَامَةِ سِوَى مَا عَرَفُوا فِيهَا مِنَ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي تَعُودُ إِلَى الْأَبْدَانِ، هُوَ أَنَّ الدَّمَ رُكِّبَ مِنَ الْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ الْحَائِلَةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ التَّرَقِّي إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَالْوُصُولِ إِلَى الْكُشُوفِ الرُّوحَانِيَّةِ وَبِغَلَبَتِهِ يَزْدَادُ جِمَاعُ النَّفْسِ وَصَلَابَتُهَا، فَإِذَا نَزَفَ الدَّمُ يُورِثُهَا ذَلِكَ خُضُوعًا وَخُمُودًا وَلِينًا وَرِقَّةً، وَبِذَلِكَ تَنْقَطِعُ الْأَدْخِنَةُ الْمُنْبَعِثَةُ عَنِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ وَتَنْحَسِمُ مَادَّتُهَا فَتَزْدَادُ الْبَصِيرَةُ نُورًا إِلَى نُورِهَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ سَمُرَةَ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنْ عَلِيٍّ بِزِيَادَةِ: وَالْفِصَادُ، وَفِيهِ أَيْضًا: «الْحِجَامَةُ تَنْفَعُ مِنْ كُلِّ دَاءٍ أَلَا فَاحْتَجِمُوا» . رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْحِجَامَةُ فِي الرَّأْسِ تَنْفَعُ مِنَ الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَالْأَضْرَاسِ، وَالنُّعَاسِ. رَوَاهُ الْعَقِيلِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: «الْحِجَامَةُ فِي الرَّأْسِ شِفَاءٌ مِنْ سَبْعٍ إِذَا مَا نَوَى صَاحِبُهَا: مِنَ الْجُنُونِ، وَالصُّدَاعِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَالنُّعَاسِ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَظُلْمَةٍ يَجِدُهَا فِي عَيْنِهِ» .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ السُّنِّيِّ وَأَبُو نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «الْحِجَامَةُ عَلَى الرِّيقِ أَمْثَلُ وَفِيهَا شِفَاءٌ وَبَرَكَةٌ وَتَزِيدُ فِي الْحِفْظِ وَالْعَقْلِ، فَاحْتَجِمُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَاجْتَنِبُوا الْحِجَامَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ، وَاحْتَجِمُوا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ فَإِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي عَافَى اللَّهُ فِيهِ أَيُّوبَ مِنَ الْبَلَاءِ، وَاجْتَنِبُوا الْحِجَامَةَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَإِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي ابْتُلِيَ فِيهِ أَيُّوبُ، وَمَا يَبْدُو جُذَامٌ وَلَا بَرَصٌ إِلَّا فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ أَوْ فِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ» ".
وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْحَضْرَمِيِّ مُعْضِلًا: الْحِجَامَةُ تُكْرَهُ فِي أَوَّلِ الْهِلَالِ، وَلَا يُرْجَى نَفْعُهَا حَتَّى يَنْقُصَ الْهِلَالُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ كَانَ لَهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مَعْقَلِ بْنِ يَسَارٍ: " مَنِ احْتَجَمَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ كَانَ دَوَاءً لِدَاءِ سَنَةٍ ". وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ كَانَ لَهُ شِفَاءٌ مَنْ كُلِّ دَاءٍ ". وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " مَنِ احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ فَرَأَى فِي جَسَدِهِ وَضَحًا فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ".
стр. 6174
٤٤٧٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنْ دُخُولِ الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوا بِالْمَيَازِرِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٤٧٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنْ دُخُولِ الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوا بِالْمَيَازِرِ» ) : جَمْعُ مِئْزَرٍ وَهُوَ الْإِزَارُ، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ ﷺ «نَهَى أَنْ يُدْخَلَ الْمَاءُ إِلَّا بِمِئْزَرٍ» . قَالَ الْمُظْهِرُ: وَإِنَّمَا لَمْ يُرَخِّصْ لِلنِّسَاءِ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ، لِأَنَّ جَمِيعَ أَعْضَائِهِنَّ عَوْرَةٌ وَكَشْفَهَا غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ مَرِيضَةً تَدْخُلُ لِلدَّوَاءِ، أَوْ تَكُونَ قَدِ انْقَطَعَ نِفَاسُهَا تَدْخُلُ لِلتَّنْظِيفِ، أَوْ تَكُونَ جُنُبًا وَالْبَرْدُ شَدِيدٌ وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى تَسْخِينِ الْمَاءِ وَتَخَافُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْبَارِدِ ضَرَرًا، وَلَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ الدُّخُولُ بِغَيْرِ إِزَارٍ سَاتِرٍ لِمَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ حِكْمَةُ الْفَرْقِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي النَّهْيِ، فَإِنَّ النِّسَاءَ مَعَ النِّسَاءِ كَالرِّجَالِ مَعَ الرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَلَعَلَّ الْوَجْهَ فِي مَنْعِ النِّسَاءِ مِنْ دُخُولِ الْحَمَّامِ أَنَّهُنَّ فِي الْغَالِبِ لَا يَسْتَحْيِ بِعَضُهُنَّ مِنْ بَعْضٍ، وَيَنْكَشِفْنَ وَيَنْظُرُ بِعَضُهُنَّ إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى فِي الْأَجَانِبِ فَضْلًا عَنِ الْقَرَائِبِ، وَأَمَّا الْبِنْتُ مَعَ الْأُمِّ أَوْ مَعَ الْجَارِيَةِ وَأَمْثَالِهِمَا، فَلَا تَكَادُ تُوجَدُ أَنْ تَتَسَتَّرَ حَتَّى فِي الْبَيْتِ فَضْلًا عَنِ الْحَمَّامِ، وَهُوَ مُشَاهَدٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَمَّامَاتِ لِلنِّسَاءِ خُصُوصًا فِي بِلَادِ الْعَجَمِ، وَأَنَّهُ لَا تَتَّزِرُ مِنْهَا إِلَّا نَادِرَةُ الْعَصْرِ مِنْ نِسْوَانِ السَّلَاطِينِ، أَوِ الْأُمَرَاءِ، فَإِنِ ائْتَزَرَتْ وَاحِدَةٌ مِنَ الرَّعَايَا عَزَّرْنَهَا فِي الْحَمَّامِ بِضَرْبِهَا وَطَرْدِهَا، وَكَأَنَّهُ ﷺ رَأَى بِنُورِ النُّبُوَّةِ مَا جَرَى فَسَدَّ عَنْهُنَّ هَذَا الْبَابَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6175
٤٤٧٥ - وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، قَالَ: «قَدِمَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ نِسْوَةٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ. فَقَالَتْ: مَنْ أَيْنَ أَنْتُنَّ؟ قُلْنَ: مِنَ الشَّامِ قَالَتْ: فَلَعَلَّكُنَّ مِنَ الْكُورَةِ الَّتِي تَدْخُلُ نِسَاؤُهَا الْحَمَّامَاتِ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا تَخْلَعُ امْرَأَةٌ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا هَتَكَتِ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا ". وَفِي رِوَايَةٍ: " فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا هَتَكَتْ سِتْرَهَا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ » ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٤٧٥ - (وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَامِرُ بْنُ أُسَامَةَ الْهُذَلِيُّ الْبَصْرِيُّ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (قَالَ: قَدِمَ عَلَى عَائِشَةَ نِسْوَةٌ) : بِكَسْرِ النُّونِ اسْمُ جَمْعٍ لِلنِّسَاءِ (مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ) : بِكَسْرِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ مِيمٍ فَمُهْمَلَةٍ بَلْدَةٌ مِنَ الشَّامِ، (فَقَالَتْ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُنَّ ; قُلْنَ: مِنَ الشَّامِ) : بِهَمْزٍ وَبَدَلٍ (قَالَتْ: فَلَعَلَّكُنَّ مِنَ الْكُورَةِ) : بِضَمِّ الْكَافِ أَيِ الْبَلْدَةِ أَوِ النَّاحِيَةِ (الَّتِي تَدْخُلُ نِسَاؤُهَا الْحَمَّامَاتِ ; قُلْنَ: بَلَى) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمَلُ بَلَى فِي تَصْدِيقِ مَا بَعْدَ النَّفْيِ وَغَيْرِهِ (قَالَتْ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَخْلَعُ) : بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ لَا تَنْزِعُ (امْرَأَةٌ ثِيَابَهَا) : أَيِ السَّاتِرَةَ لَهَا (فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا) : أَيْ وَلَوْ فِي بَيْتِ أَبِيهَا وَأُمِّهَا (إِلَّا هَتَكَتِ السِّتْرَ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ حِجَابَ الْحَيَاءِ وَجِلْبَابَ الْأَدَبِ (بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا) : لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِالتَّسَتُّرِ وَالتَّحَفُّظِ مِنْ أَنْ يَرَاهَا أَجْنَبِيٌّ حَتَّى لَا يَنْبَغِيَ لَهُنَّ أَنْ يَكْشِفْنَ عَوْرَتَهُنَّ فِي الْخَلْوَةِ أَيْضًا إِلَّا عِنْدَ أَزْوَاجِهِنَّ، فَإِنْ كَشَفَتْ أَعْضَاءَهَا فِي الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَقَدْ هَتَكَتِ السِّتْرَ الَّذِي أَمَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. (وَفِي رِوَايَةٍ: فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا هَتَكَتْ سِتْرَهَا) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَيَجُوزُ فَتْحُهُ (فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ لِبَاسًا لِيُوَارِيَ بِهِ سَوْآتِهِنَّ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، فَإِذَا لَمْ يَتَّقِينَ اللَّهَ وَكَشَفْنَ سَوْآتِهِنَّ هَتَكْنَ السِّتْرَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6176
٤٤٧٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا، يُقَالُ لَهَا: الْحَمَّامَاتُ، فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إِلَّا بِالْأُزُرِ، وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ، إِلَّا مَرِيضَةً، أَوْ نُفَسَاءَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٤٧٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قَدَّمْنَاهُ (وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا) : قِيلَ: أَسْنَدَ الْوِجْدَانَ إِلَيْهِمْ دُونَ الْفَتْحِ لِأَنَّ الْفَتْحَ لَيْسَ مُضَافًا إِلَى فِعْلِهِمْ، بَلْ
стр. 6177
بِأَمْرٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ (يُقَالُ لَهَا) : أَيْ لِتِلْكَ الْبُيُوتِ (الْحَمَّامَاتُ فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ) : نَهْيٌ مُؤَكَّدٌ (إِلَّا بِالْأُزُرِ) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ إِزَارٍ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِالشَّامِ: لَا يُدْخُلُ الرَّجُلُ الْحَمَّامَ إِلَّا بِمِئْزَرٍ، وَلَا تَدْخُلُهُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مِنْ سَقَمٍ، وَاجْعَلُوا اللَّهْوَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْخَيْلِ وَالنِّسَاءِ وَالنِّصَالِ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ فَيَقُولُ: نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يُذْهِبُ الصِّنَّةِ وَيُذَكِّرُ النَّارَ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أَرَادَ بِالصِّنَّةِ الصُّنَانَ يَعْنِي بِالصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ: هُوَ زَفْرُ الْإِبِطِ، وَرَأَى ابْنُ عَبَّاسٍ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ فَدَخَلَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ: مَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِأَوْسَاخِنَا شَيْئًا. قَالَ الْإِمَامُ فِي الْإِحْيَاءِ: دَخَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَمَّامَاتِ الشَّامِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نِعْمَ الْبَيْتُ بَيْتُ الْحَمَّامِ يُطَهِّرُ الْبَدَنَ وَيُذَكِّرُ النَّارَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ،: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِئْسَ الْبَيْتُ بَيْتُ الْحَمَّامِ يُبْدِي الْعَوْرَاتِ وَيُذْهِبُ الْحَيَاءَ، فَهَذَا يُعْرِضُ لِآفَتِهِ وَذَاكَ لِخَصْلَتِهِ وَلَا بَأْسَ لِطَلَبِ فَائِدَتِهِ عِنْدَ الِاحْتِرَازِ عَنْ آفَتِهِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ آدَابَ الْحَمَّامِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقْصَاءِ فِي كِتَابِهِ الْإِحْيَاءِ. (وَامْنَعُوهَا) : أَيِ الْحَمَّامَاتِ (النِّسَاءَ) : أَيْ وَلَوْ بِالْأُزُرِ (إِلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ) . فَتُدْخُلُهَا إِمَّا وَحْدَهَا أَوْ بِإِزَارٍ عَلَيْهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُدْخُلَ الْحَمَّامَ إِلَّا بِضَرُورَةٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6178
٤٤٧٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُدْخِلُ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسُ عَلَى مَائِدَةٍ تُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٤٤٧٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ، ذَكَرَ طَرَفَيِ الْإِيمَانِ اخْتِصَارًا وَإِشْعَارًا بِأَنَّهُمَا الْأَصْلُ، وَالْمُرَادُ لَهُ كَمَالُ الْإِيمَانِ أَوْ أُرِيدَ بِهِ التَّهْدِيدُ. (فَلَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُدْخِلُ) : مِنْ بَابِ الْإِدْخَالِ أَيْ فَلَا يَأْذَنُ بِالدُّخُولِ (حَلِيلَتَهُ) : أَيْ زَوْجَتَهُ (الْحَمَّامَ) : وَفِي مَعْنَاهُمَا كَرِيمَتَهُ، مِنْ أُمِّهِ وَبِنْتِهِ وَأُخْتِهِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ يَكُنْ تَحْتَ حُكْمِهِ، فِي الْإِحْيَاءِ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَهَا أُجْرَةَ الْحَمَّامِ، فَيَكُونُ مُعِينًا لَهَا عَلَى الْمَكْرُوهِ.
(وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَجْلِسُ عَلَى مَائِدَةٍ) : أَيْ لَا يَحْضُرُ فِي بُقْعَةٍ (تُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ) : أَيْ وَيَشْرَبُهَا أَهْلُهَا، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نَهْيُهُمْ عَنْهَا، فَإِذَا جَلَسَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُعْرِضْ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِمْ فَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَبُو دَاوُدَ بَدَلَ التِّرْمِذِيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ الْأَوَّلُ مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَخَبَرُ: " أَنَّهُ ﵊ دَخَلَ حَمَّامَ الْجُحْفَةِ " مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنْ زَعَمَ الدَّمِيرِيُّ وَغَيْرُهُ وُرُودَهُ، وَفِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ لَا يَتَنَوَّرُ، وَكَانَ إِذَا كَثُرَ شَعْرُهُ أَيْ شَعْرُ عَانَتِهِ حَلَقَهُ» ، وَصَحَّ لَكِنْ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ أَنَّهُ «كَانَ ﷺ بَدَأَ بِعَانَتِهِ فَطَلَاهَا بِالنَّوْرَةِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ» .
стр. 6179
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٤٧٨ - عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: «سُئِلَ أَنَسٌ ﵁ عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَ: لَوْ شِئْتَ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ ; فَعَلْتُ. قَالَ: وَلَمْ يَخْتَضِبْ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَقَدِ اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٤٧٨ - (عَنْ ثَابِتٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ثَابِتُ بْنُ أَسْلَمَ الْبُنَانِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ، تَابِعِيٌّ. مِنْ أَعْلَامِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَثِقَاتِهِمْ، اشْتَهَرَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَصَحِبَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَرَوَى عَنْهُ نَفَرٌ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَلَهُ سِتٌّ وَثَمَانُونَ. (قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ، عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ ﷺ ) : أَيْ عَنْ إِثْبَاتِهِ وَنَفْيِهِ (فَقَالَ) : أَيْ مُشِيرًا إِلَى عَدَمِ احْتِيَاجِهِ لِلْخِضَابِ (لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ أُحْصِيَ (شَمَطَاتٍ) : جَمْعُ الشَّمَطَةِ وَفِي
стр. 6180
الْقَامُوسِ مُحَرَّكَةٌ: بَيَاضُ شَعْرِ الرَّأْسِ يُخَالِطُ سَوَادَهُ (كُنَّ فِي شَعْرِهِ) : فِي النِّهَايَةِ: الشَّمَطَاتُ الشَّعَرَاتُ الْبِيضُ الَّتِي كَانَتْ فِي شَعْرِ رَأْسِهِ يُرِيدُ: قِلَّتَهَا. (فَعَلْتُ) : أَيْ عَدَّدْتُ أَوْ فَعَلْتُ الْعَدَّ (قَالَ) : أَيْ صَرِيحًا (وَلَمْ يَخْتَضِبْ) : أَيْ رَأْسُهُ، وَهُوَ لَا يُنَافِي اخْتِضَابُ لِحْيَتِهِ الْمَرْوِيَّ السَّابِقَ، وَالْآتِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَتَدَبَّرْ. (زَادَ) : أَيْ أَنَسٌ (فِي رِوَايَةٍ: وَقَدِ اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ) ، وَتَحْقِيقُهُ تَقَدَّمَ (وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ) : أَيْ صِرْفًا وَمَحْضًا وَخَالِصًا، سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَيْضًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6181
٤٤٧٩ - «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَصْفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ حَتَّى تَمْتَلِئَ ثِيَابُهُ مِنَ الصُّفْرَةِ فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تُصْبِغُ بِالصُّفْرَةِ؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلَّهَا، حَتَّى عِمَامَتَهُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٤٤٧٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَصْفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ) : أَيْ بِالْوَرْسِ وَهُوَ نَبْتٌ يُشْبِهُ الزَّعْفَرَانَ، وَقَدْ يُخْلَطُ بِهِ كَمَا سَبَقَ (حَتَّى يَمْتَلِئَ) : بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ وَيُؤَنَّثُ (ثِيَابُهُ) : أَيْ مِنَ الْقِنَاعِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَعَالِيهِ (مِنَ الصُّفْرَةِ فَقِيلَ: لِمَ تَصْبُغُ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَيُفْتَحُ وَيُكْسَرُ (بِالصُّفْرَةِ؟) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ غَيْرَكَ لَمْ يَصْبُغْ. (قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا) : أَيْ بِالصُّفْرَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَصْبُغُ لِحْيَتَهُ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ ; وَلِأَنْ يَكُونَ دَلِيلًا لِصَبْغِ ابْنِ عُمَرَ لِحْيَتَهُ، وَفِي حَاشِيَةِ الْمُوَطَّأِ لِلسُّيُوطِيِّ قِيلَ: الْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ صَبْغُ الشَّعْرِ، وَقِيلَ: صَبْغُ الثَّوْبِ. قَالَ الْحَسَنُ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ ﵊ صَبَغَ شَعْرَهُ، وَقَالَ عِيَاضٌ: وَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ. قُلْتُ: ثَبَتَ أَنَّهُ ﵊ «نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» ، وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ لَبِسَ الثَّوْبَ الْمُعَصْفَرَ وَالْمُزَعْفَرَ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ؟ فَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ ﵊ صَبَغَ فِي وَقْتٍ، وَتَرَكَ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ، فَأَخَبَرَ كُلٌّ بِمَا رَأَى وَهُوَ صَادِقٌ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ كَالتَّعَيُّنِ لِلْجَمْعِ فِيهِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ اهـ. وَهُوَ نِهَايَةُ الْمُدَّعِي.
(وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ) : أَيْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (مِنْهَا) : أَيْ مِنَ الصُّفْرَةِ فِي اللِّحْيَةِ (وَقَدْ كَانَ) : أَيِ ابْنُ عُمَرَ (يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلَّهَا، حَتَّى عِمَامَتَهُ) : وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ ثِيَابَهُ جَمِيعَهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ تَتَصَفَّرُ مِنْ أَثَرِ تِلْكَ الصُّفْرَةِ، لَا أَنَّهُ يَصْبُغُهَا بِهَا، ثُمَّ يَلْبَسُهَا، لِمَا سَبَقَ مِنَ النَّهْيِ عَنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) . وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَصَفِّرُ لِحْيَتَهُ حِينًا، ثُمَّ تَرَكَهُ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَفِّرُونَ لِحَاهُمْ، وَكَانَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ، وَيَكْرَهُونَ الْخِضَابَ بِالسَّوَادِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْمَدُ أَحَدُكُمْ إِلَى نُورٍ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي وَجْهِهِ فَيُطْفِئُهُ. وَكَانَ شَدِيدَ بَيَاضِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ.
стр. 6182
٤٤٨٠ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعْرًا مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَخْضُوبًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤٤٨٠ - (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ) : أَيِ التَّيْمِيِّ، رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. وَقَالَ فِي أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ: هُوَ الْفِلَسْطِينِيُّ الشَّامِيُّ كَانَ قَاضِيَ فِلَسْطِينَ، رَوَى عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَسَمِعَ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، وَقِيلَ: لَمْ يَسْمَعْ تَمِيمًا، وَإِنَّمَا سَمِعَ قَبِيصَةَ عَنْ تَمِيمٍ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَوْهَبٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الْهَاءِ فَمُوَحَّدَةٍ عَلَى مَا فِي الْمُغْنِي وَحَاشِيَةِ الزَّرْكَشِيِّ لِلْبُخَارِيِّ، وَفِي الْقَامُوسِ، مَوْهَبٌ كَمَقْعَدٍ اسْمٌ فَمَا ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِكَسْرِ الْهَاءِ فَهُوَ غَيْرُ ضَبْطٍ. (قَالَ) : أَيْ عُثْمَانُ ( «دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعْرًا مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَخْضُوبًا» ) .
قَالَ مِيرَكُ: وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ: بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ نُصَيْرِ بْنِ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَنِ ابْنِ مَوْهَبٍ: «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَرَتْهُ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْمَرَ» ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، «عَنْ أَنَسٍ: رَأَيْتُ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَخْضُوبًا» ، وَقَدْ مَرَّ عَنْ أَنَسٍ فِيمَا صَحَّ «أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَخْضِبْ» ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالنَّفْيِ أَكْثَرَ أَحْوَالِهِ ﵊ وَبِالْإِثْبَاتِ الْأَقَلَّ مِنْهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْآخَرُ عَلَى الْمَجَازِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّعَرَ كَانَ مُتَغَيِّرًا لَوْنُهُ بِسَبَبِ وَضْعِ الْحِنَّاءِ عَلَى الرَّأْسِ لِدَفْعِ الصُّدَاعِ
стр. 6183
أَوْ بِسَبَبِ كَثْرَةِ التَّطَيُّبِ سَمَّاهُ مَخْضُوبًا أَوْ سَمَّى مُقَدِّمَةَ الشَّيْبِ مِنَ الْحُمْرَةِ خِضَابًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ نَفْيَ الْخِضَابِ مَحْمُولٌ عَلَى بِرِّ خِضَابِ الرَّأْسِ لِلشَّيْبِ وَإِثْبَاتِهِ عَلَى شَعْرِ بَعْضِ اللِّحْيَةِ مِنَ الْبَيَاضِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ: «كَانَ مَعَ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ شَعْرِ لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ أَثَرُ الْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ» ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ مِنَ الْإِطْلَاقَاتِ كَمَا فِي الشَّمَائِلِ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلَ: هَلْ خَضَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نَعَمْ» ، وَقَدْ مَرَّ بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ.
стр. 6184
٤٤٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُخَنَّثٍ، قَدْ خَضَبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا بَالُ هَذَا؟ " قَالُوا: يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا تَقْتُلُهُ ; فَقَالَ: " إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٤٨١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ جِيءَ (بِمُخَنَّثٍ) : تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَمَعْنَاهُ (قَدْ خَضَبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا بَالُ هَذَا؟) : أَيِ الشَّخْصِ أَوِ الرَّجُلِ (قَالُوا: يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ) : أَيْ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مِنَ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَاسْتِعْمَالِ الْحِنَّاءِ (فَأَمَرَ بِهِ) : أَيْ بِنَفْيِهِ (فَنُفِيَ) : أَيْ أُخْرِجَ (إِلَى النَّقِيعِ) : بِالنُّونِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ كَانَ حِمًى (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا نَقْتُلُهُ؟) : أَيْ نَحْنُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْخِطَابِ أَيْ أَلَا تَأْمُرُ بِقَتْلِهِ ; (فَقَالَ: إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ) : لَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا يُقْتَلُ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ وَصْفَ الْمُصَلِّي يَكُونُ لِمَنْ يَغْلُبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الصَّلَاةِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْوَصْفِ بِتَرْكِهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَلَا يُقَالُ الْمُصَلِّي فِي الْعُرْفِ لِمَنْ صَلَّى مَرَّةً أَوْ أَزْيَدَ، وَلَمْ يَكُنْ يَغْلُبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الصَّلَاةِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: مَنْ قَالَ لِسُلْطَانِ زَمَانِنَا إِنَّهُ عَادِلٌ، فَهُوَ كَافِرٌ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَعْدِلُ، نَعَمْ يَدُلُّ بِالْمَفْهُومِ عِنْدَ مَنِ اعْتَبَرَهُ أَنَّ تَارِكِي الصَّلَاةِ يُقْتَلُونَ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا أَكْبَرَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، لَكِنَّ قَتْلَهُمْ بِطَرِيقِ الْمُقَاتَلَةِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: لَوْ تَرَكَ أَهْلُ بَلْدَةٍ أَذَانَ الصَّلَاةِ لَقَاتَلْتُهُمْ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6185
٤٤٨٢ - وَعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ﵁ قَالَ: «لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ، فَيَدْعُو لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ، وَيَمْسَحُ رُءُوسَهُمْ، فَجِيءَ بِي إِلَيْهِ وَأَنَا مُخَلَّقٌ، فَلَمْ يَمَسَّنِي مِنْ أَجْلِ الْخَلُوقِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٤٨٢ - (وَعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا وَهْبٍ الْقُرَشِيَّ، أَخُو عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لِأُمِّهِ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَقَدْ نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ، وَلَّاهُ عُثْمَانُ الْكُوفَةَ. وَكَانَ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ وَشُعَرَائِهِمْ، رَوَى عَنْهُ أَبُو مُوسَى الْهَمْدَانِيُّ وَغَيْرُهُ، مَاتَ بِالرِّقَّةِ. (قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ) : أَيْ طَفِقُوا وَشَرَعُوا (يَأْتُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ، فَيَدْعُو لَهُمْ) : أَيْ لِصِبْيَانِهِمْ أَوْ لِأَهْلِ مَكَّةَ فِي صِبْيَانِهِمْ (بِالْبَرَكَةِ، وَيَمْسَحُ رُءُوسَهُمْ) : يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ فَتَأَمَّلْ. (فَجِيءَ بِي إِلَيْهِ وَأَنَا مُخَلَّقٌ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ مُلَطَّخٌ بِالْخَلُوقِ: هُوَ طِيبٌ مَخْلُوطٌ بِالزَّعْفَرَانِ (فَلَمْ يَمَسَّنِي مِنْ أَجْلِ الْخَلُوقِ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ. فِي الْمُهَذَّبِ: نَوْعُ طِيبٍ يَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ فَامْتِنَاعُهُ ﷺ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ مَنْ طِيبِ النِّسَاءِ، فَيَلْزَمُ مَنْ مَسَّهِ التَّشَبُّهُ بِهِنَّ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِلرِّجَالِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6186
٤٤٨٣ - «وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لِي جُمَّةً، أَفَأُرَجِّلُهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نَعَمْ، وَأَكْرِمْهَا ". قَالَ: فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ رُبَّمَا دَهَنَهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (نَعَمْ، وَأَكْرِمْهَا» ) . رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
٤٤٨٣ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ لِي جُمَّةً) : بِضَمِّ جِيمٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ أَيْ شَعْرًا يَصِلُ إِلَى الْمَنْكِبِ (أَفَأُرَجِّلُهَا؟) : بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ أُسَرِّحُهَا وَأُمَشِّطُهَا (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ) : أَيْ رَجِّلْهَا (وَأَكْرِمْهَا) : أَيْ بِزِيَادَةِ التَّدْهِينِ (قَالَ) : أَيِ الرَّاوِي (فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ رُبَّمَا دَهَّنَهَا) : بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ وَتُخَفَّفُ، فَفِي الْمُغْرِبِ: دَهَنَ رَأْسَهُ أَوْ شَارِبَهُ إِذَا طَلَاهُ بِالدُّهْنِ، وَفِي الْقَامُوسِ: دَهَنَ رَأْسَهُ إِذَا بَلَّهُ بِالدُّهْنِ. (فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا) : قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ تَسْرِيحِ اللِّحْيَةِ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ خِلَافًا لِمَا سَبَقَ مِنْ مُنَازَعَةِ
стр. 6187
الْعِرَاقِيِّ فِي ذَلِكَ (رَوَاهُ مَالِكٌ) : وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. " «إِذَا كَانَ لِأَحَدِكُمْ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ» ".
стр. 6188
٤٤٨٤ - وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ حَسَّانَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فَحَدَّثَتْنِي أُخْتِي الْمُغِيرَةُ، قَالَتْ: وَأَنْتَ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ، وَلَكَ قَرْنَانِ، أَوْ قُصَّتَانِ، فَمَسَحَ رَأْسَكَ، وَبَرَّكَ عَلَيْكَ، وَقَالَ: " احْلِقُوا هَذَيْنِ أَوْ قُصُّوهُمَا ; فَإِنَّ هَذَا زِيُّ الْيَهُودِ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٤٨٤ - (وَعَنِ الْحَجَّاجِ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ الْأُولَى (ابْنِ حَسَّانَ) : بِتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ مَصْرُوفًا وَقَدْ لَا يُصْرَفُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: حَنَفِيٌّ يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ تَابِعِيٌّ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَغَيْرَهُ، وَعَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. (قَالَ: دَخَلْنَا) : أَيْ أَنَا وَأَهْلِي (عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَحَدَّثَتْنِي أُخْتِي الْمُغِيرَةُ) : بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ فَهُوَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (قَالَتْ) : بَدَلٌ مِنْ حَدَّثَتْ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (وَأَنْتَ يَوْمَئِذٍ) : أَيْ حِينَ دَخَلْنَا عَلَى أَنَسٍ (غُلَامٌ) : أَيْ وَلَدٌ صَغِيرٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُمْلَةُ حَالٌ عَنْ مُقَدَّرٍ، يَعْنِي أَنَّا دَخَلْنَا عَلَى أَنَسٍ مَعَ جَمَاعَةٍ، وَلَكِنْ أُنْسِيتُ كَيْفِيَّةَ الدُّخُولِ. فَحَدَّثَتْنِي أُخْتِي وَقَالَتْ: أَنْتَ يَوْمَ دُخُولِكَ عَلَى أَنَسٍ غُلَامٌ. . إِلَخْ. وَالْمُغِيرَةُ هَذِهِ رَأَتْ أَنَسًا وَرَوَتْ عَنْهُ. زَادَ الْمُؤَلِّفُ: وَرَوَى عَنْهَا أَخُوهَا الْحَجَّاجُ حَدِيثَهَا فِي بَابِ التَّرَجُّلِ. (وَلَكَ قَرْنَانِ) : أَيْ ضَفِيرَتَانِ مِنْ شَعْرٍ فِي الرَّأْسِ (أَوْ قُصَّتَانِ) : بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ شَعْرُ النَّاصِيَةِ وَ " أَوْ " لِلشَّكِّ مِنَ الرُّوَاةِ الْمُتَأَخِّرَةِ (فَمَسَحَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (رَأْسَكَ، وَبَرَّكَ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ. بِمَعْنَى بَارَكَ (عَلَيْكَ) : أَيْ دَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ (وَقَالَ: احْلِقُوا هَذَيْنِ) : أَيِ الْقَرْنَيْنِ (أَوْ قُصُّوهُمَا) : أَوْ لِلتَّنْوِيعِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لِلشَّكِّ (فَإِنَّ هَذَا) : أَيِ الزِّيَّ (زِيُّ الْيَهُودِ) : بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ زِينَتُهُمْ وَعَادَتُهُمْ فِي رُءُوسِ أَوْلَادِهِمْ فَخَالِفُوهُمْ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَتَقَدَّمَ النَّهْيُّ عَنِ الْقَزَعِ، وَحَدِيثُ: " احْلِقُوهُ كُلَّهُ أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ " مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
стр. 6189
٤٤٨٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
٤٤٨٥ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» ) : وَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّوَائِبَ لِلنِّسَاءِ كَاللِّحَى لِلرِّجَالِ فِي الْهَيْئَةِ وَالْجَمَالِ، وَفِيهِ بِطْرِيقِ الْمَفْهُومِ جَوَازُ حَلْقِ الرَّجُلِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، بَلْ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ لِمَا فَعَلَهُ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - وَقَرَّرَهُ ﷺ وَقَالَ: " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» " أَوْ لَيْسَ سُنَّةً لِأَنَّهُ ﵊ مَعَ سَائِرِ أَصْحَابِهِ وَاظَبَ عَلَى تَرْكِ حَلْقِهِ إِلَّا بَعْدَ فَرَاغِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ فَالْحَلْقُ رُخْصَةٌ. وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ.
стр. 6190
٤٤٨٦ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِإِصْلَاحِ شَعْرِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ رَجَعَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ثَائِرُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
٤٤٨٦ - (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ التَّابِعِينَ الْمَشْهُورَيْنِ بِالْمَدِينَةِ، كَانَ كَثِيرَ الرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ. (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ) : أَيْ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إِطْلَاقُهُ، فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ (فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ) : بِالْإِضَافَةِ أَيْ مُتَفَرِّقُ شَعْرِهَا (فَأَشَارَ إِلَيْهِ) : أَيْ إِلَى الرَّجُلِ، أَوْ إِلَى مَا ذَكَرَ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِإِصْلَاحِ شَعْرِهِ وَلِحْيَتِهِ فَفَعَلَ) : أَيْ فَفَهِمَ الرَّجُلُ وَخَرَجَ وَأَصْلَحَهُمَا. (ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) :
стр. 6191
أَيْ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِمُخَاطَبٍ (أَلَيْسَ هَذَا) : أَيِ الْإِصْلَاحُ (خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ثَائِرُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ) : أَيْ جِنِّيٌّ فِي قُبْحِ الْمَنْظَرِ مِنْ تَفْرِيقِ الشَّعْرِ (رَوَاهُ مَالِكٌ) : قَالَ مِيرَكُ: عَطَاءٌ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الْمُصَنِّفُ: رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى شُهْرَتِهِ، وَإِلَّا فَكَانَ مُتَعَيَّنًا عَلَيْهِ التَّنْبِيهُ، فَالتَّعْبِيرُ بِالْأُولَى لِهَذَا الْمَعْنَى.
стр. 6192
٤٤٨٧ - وَعَنِ ابْنِ الْمَسَيَّبِ ﵁ سُمِعَ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا - أُرَاهُ قَالَ - أَفْنِيَتَكُمْ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» ". قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِيهِ عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: " نَظِّفُوا أَفْنِيتَكُمْ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٤٨٧ - (وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) : بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ وَقَدْ تُكْسَرُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيَّ الْمَخْزُومِيَّ الْمَدَنِيَّ، وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَانَ سَيِّدَ التَّابِعِينَ مِنَ الطِّرَازِ الْأَوَّلِ، جَمَعَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبِقَضَايَا عُمَرَ، لَقِيَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْهُمْ، وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَكَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ مَكْحُولٌ: طُفْتُ الْأَرْضَ كُلَّهَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَمَا لَقِيتُ أَعْلَمَ مِنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، حَجَجْتُ أَرْبَعِينَ حَجَّةً، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ. (سُمِعَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَضَمِيرُهُ رَاجِعٌ إِلَى ابْنِ الْمُسَيَّبِ (يَقُولُ) : حَالٌ مِنْهُ أَوْ مَفْعُولٌ ثَانٍ (إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ) : أَيْ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ مُقَدَّسٌ عَنِ الْعُيُوبِ (يُحِبُّ الطِّيبَ) : بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ طِيبَ الْحَالِ وَالْقَالِ أَوِ الرِّيحَ الطَّيَّبِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُحِبُّ اسْتِعْمَالَهُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَرْضَى عَنْهُمْ بِهَذَا الْفِعْلِ، وَهَذَا يُلَائِمُ مَعْنَى قَوْلِهِ: (نَظِيفٌ) : أَيْ طَاهِرٌ (يُحِبُّ النَّظَافَةَ) : أَيِ الطَّهَارَةَ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ يُوصَفُ بِالطَّيِّبَاتِ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَحْوَالِ. (كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ) : بِفَتْحِ جِيمٍ وَتَخْفِيفِ وَاوٍ (يُحِبُّ الْجُودَ) : قَالَ الرَّاغِبُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْجُودِ وَالْكَرَمِ أَنَّ الْجُودَ بَذْلُ الْمُقْتَنَيَاتِ، وَيُقَالُ رَجُلٌ جَوَادٌ وَفَرَسٌ جَوَادٌ يَجُودُ بِمُدَّخَرِ عَدْوِهِ، وَالْكَرَمُ إِذَا وُصِفَ الْإِنْسَانُ بِهِ، فَهُوَ اسْمٌ لِلْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْهُ وَلَا يُقَالُ هُوَ كَرِيمٌ حَتَّى يَظْهَرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ أَكْرَمَ الْأَفْعَالِ الْمَحْمُودَةِ وَأَشْرَفَهَا مَا يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى.
فَمَنْ قَصَدَ ذَلِكَ بِمَحَاسِنِ فِعْلِهِ فَهُوَ التَّقِيُّ، فَإِنَّ أَكْرَمَ النَّاسِ أَتْقَاهُمْ، وَكُلُّ شَيْءٍ تَشْرُفُ فِي بَابِهِ، فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِالْكَرَمِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ - وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧ - ٥٨] ، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ، (فَنَظِّفُوا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِيهِ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَطَيِّبُوا كُلَّ مَا أَمْكَنَ تَطْيِيبُهُ، وَنَظِّفُوا كُلَّ مَا سَهُلَ لَكُمْ تَنْظِيفُهُ حَتَّى أَفْنِيَةِ الدَّارِ، وَهِيَ مُتَّسَعٌ أَمَامَ الدَّارِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ نِهَايَةِ الْكَرَمِ وَالْجُودِ، فَإِنَّ سَاحَةَ الدَّارِ إِذَا كَانَتْ وَاسِعَةً نَظِيفَةً طَيِّبَةً كَانَتْ أَدْعَى بِجَلْبِ الضِّيفَانِ، وَتَنَاوُبِ الْوَارِدِينَ وَالصَّادِرِينَ اهـ.
(أُرَاهُ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّهُ وَالْقَائِلُ هُوَ السَّامِعُ مِنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَيْ أَظُنُّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ (قَالَ: أَفْنِيتَكُمْ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ نَظِّفُوا وَهِيَ جَمْعُ الْفِنَاءِ بِالْكَسْرِ أَيْ سَاحَةَ الْبَيْتِ وَقُبَالَتَهُ وَقِيلَ: عَتَبَتَهُ وَسُدَّتَهُ، (وَلَا تَشَبَّهُوا) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ عَطْفًا عَلَى نَظِّفُوا أَيْ لَا تَكُونُوا مُتَشَبِّهِينَ (بِالْيَهُودِ) : أَيْ فِي عَدَمِ النَّظَافَةِ وَالطَّهَارَةِ وَقِلَّةِ التَّطَيُّبِ وَكَثْرَةِ الْبُخْلِ وَالْخِسَّةِ وَالدَّنَاءَةِ، وَذَلِكَ لَمَّا ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ، بِخِلَافِ النَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ أُعْطُوا الْعِزَّةَ الظَّاهِرَةَ وَالسَّلْطَنَةَ، وَلَعَلَّ أَصْلَهُ مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢] .
стр. 6193
(قَالَ) : أَيِ السَّامِعُ (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) : أَيِ الْمَقَالَ الْمَذْكُورَ الْمَسْمُوعَ مِنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ (لِمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ) : فَالْأَوَّلُ بِضَمِّ مِيمٍ وَكَسْرِ جِيمٍ وَالثَّانِي بِكَسْرِ أَوَّلِهِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الزُّهْرِيُّ مَوْلَاهُمْ، رَوَى عَنْهُ عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ وَقَّاصٍ، وَعَنْهُ ابْنُ أَبِي ذُؤَيْبٍ وَغَيْرُهُ، ثِقَةٌ. (فَقَالَ) : أَيْ مُهَاجِرٌ (حَدَّثَنِيهِ عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) : أَيِ ابْنُ وَقَّاصٍ الزُّهْرِيُّ الْقُرَشِيُّ، سَمِعَ أَبَاهُ وَعُثْمَانَ، وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) : أَيْ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدٍ (إِلَّا أَنَّهُ) : أَيْ مُهَاجِرًا (قَالَ) : أَيْ فِي رِوَايَتِهِ بِلَا تَرَدُّدٍ (نَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ) : فَصَارَ الْحَدِيثُ لَهُ طَرِيقَانِ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ سَعْدٍ، وَمَرْفُوعٌ، لَكِنَّ السَّامِعَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مَجْهُولٌ، وَلَعَلَّهُ مَعْلُومٌ فِي أَصْلِ الْإِسْنَادِ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا وَقَالَ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَعْدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ طَرِيقَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ.
стр. 6194
٤٤٨٨ - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ﵁ يَقُولُ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ - خَلِيلُ الرَّحْمَنِ - أَوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ، وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ، وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ شَارِبَهُ، وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ: مَا هَذَا؟ قَالَ الرَّبُّ ﵎: وَقَارٌ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ: رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا. رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
٤٤٨٨ - (وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَنْصَارِيٌّ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَالسَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ وَخَلْقًا سِوَاهُمَا، وَرَوَى عَنْهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَشُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُمْ، كَانَ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، عَالِمًا مُتَوَرِّعًا صَالِحًا زَاهِدًا مَشْهُورًا بِالثِّقَةِ وَالدِّينِ. (أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ - خَلِيلُ الرَّحْمَنِ - أَوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ أَضَافَ الضَّيْفَ وَهُوَ خَبَرُ كَانَ، وَ (أَوَّلَ النَّاسِ) ظَرْفٌ لَهُ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ (أَوَّلَ النَّاسِ) خَبَرُ كَانَ، وَ (ضَيَّفَ) يَكُونُ مُؤَوَّلًا بِمَصْدَرٍ وَقَعَ تَمْيِيزًا. أَيْ أَوَّلَ تَضْيِيفًا. وَضَيَّفَ الضَّيْفَ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا يُؤَوَّلُ، كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَيَضِلُّ الضَّالَّةُ فَسُمِّي الْمُشَارِفُ لِلضَّيْفِ وَالْمَرَضِ وَالضَّلَالِ ضَيْفًا وَمَرِيضًا ضَالَّةً، كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ضَيَّفَ هُنَا بِمَعْنَى أَطْعَمَ الضَّيْفَ وَأَكْرَمَهُمْ فَفِيهِ نَوْعُ تَجْرِيدٍ.
(وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ) : لِأَنَّ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ كَانُوا يُولَدُونَ مَخْتُونِينَ، وَلَمْ يَكُنْ سَائِرُ النَّاسِ بِالْخِتَانِ مَأْمُورِينَ، وَلَمَّا اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ صَارَ سُنَّةً لِجَمِيعِ الْأَنَامِ إِلَّا مَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا لِحُصُولِ الْمَرَامِ. (وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ شَارِبَهُ) : وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَا طَالَ إِلَّا لَهُ، أَوْ مَا كَانَ الْأُمَمُ مُتَعَبِّدِينَ بِهِ، وَمُمْكِنٌ أَنْ يُحْمَلَ قَصُّهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِيهِ فَيَكُونُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ وَتَبِعَهُ مَنْ بَعْدَهُ. (وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى شَيْبًا) : أَيْ بَيَاضًا فِي لِحْيَتِهِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ وَيُشْعِرُ بِهِ السُّؤَالُ (فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذَا؟) : أَيِ الشَّيْبُ يَعْنِي: مَا الْحِكْمَةُ فِي هَذَا التَّغْيِيرِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْدِيرِ؟ (قَالَ الرَّبُّ ﵎: وَقَارٌ يَا إِبْرَاهِيمُ) : أَيْ هَذَا وَقَارٌ أَيْ سَبَبُهُ، وَالْوَقَارُ رَزَانَةُ الْعَقْلِ، وَالتَّأَنِّي فِي الْعَمَلِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ وَالْحِلْمُ وَالْعَفْوُ وَسَائِرُ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْبُ وَقَارًا لِأَنَّ زَمَانَ الشَّيْبِ أَوَانُ رَزَانَةِ النَّفْسِ وَالسُّكُونِ وَالثَّبَاتِ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا لَكَمَ لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَاقِبَةً ; لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ حَالُ اسْتِقْرَارِ الْأُمُورِ وَثَبَاتِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. مِنْ وَقَرَ إِذَا ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ. (قَالَ: رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا) : وَفِي الْعُدُولِ عَنْ قَوْلِهِ: " رَبِّ زِدْنِي شَيْبًا " نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ لَا تَخْفَى، وَلِهَذَا زَادَ اللَّهُ نَبِيَّنَا ﷺ وَقَارًا، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَزِدْهُ شَيْبًا لِمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (رَوَاهُ مَالِكٌ) : أَيْ مُرْسَلًا وَتَرَكَهُ لِظُهُورِهِ ; لِأَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ، وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُوَطَّأِ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ أَوَّلُ مَنْ قَصَّ أَظَافِيرَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ فَرَقَ أَيْ شَعْرَ الرَّأْسِ، وَأَوَّلُ مَنِ اسْتَحَدَّ، وَأَوَّلُ مَنْ تَسَرْوَلَ، وَأَوَّلُ مَنْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَوَّلُ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَوَّلُ مَنْ رَتَّبَ الْعَسْكَرَ فِي الْحَرْبِ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَمُقَدِّمَةً وَمُؤَخِّرَةً وَقَلْبًا، وَأَوَّلُ مَنْ عَانَقَ، وَأَوَّلُ مَنْ ثَرَدَ الثَّرِيدَ.
стр. 6195
[بَابُ التَّصَاوِيرِ]
стр. 6196
(٤) بَابُ التَّصَاوِيرِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٤٨٩ - عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا تَصَاوِيرُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(٤) بَابُ التَّصَاوِيرِ
جَمْعُ التَّصْوِيرِ، وَهُوَ فِعْلُ الصُّورَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يُصَوَّرُ مُشَبَّهًا بِخَلْقِ اللَّهِ مِنْ ذَوَاتِ الرُّوحِ مِمَّا يَكُونُ عَلَى حَائِطٍ أَوْ سِتْرٍ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٤٨٩ - (عَنْ أَبِي طَلْحَةَ) : أَيْ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، زَوْجِ أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَدْخُلُ) : بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ وَجُوِّزَ تَذْكِيرُهُ (الْمَلَائِكَةُ) : أَيْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ لَا الْحَفَظَةُ وَمَلَائِكَةُ الْمَوْتِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَرَاهَتِهِمْ ذَلِكَ أَيْضًا، لَكِنَّهُمْ مَأْمُورُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ. (بَيْتًا) أَيْ مَسْكَنًا (فِيهِ كَلْبٌ) : أَيْ إِلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ وَقِيلَ: إِنَّهُ مَانِعٌ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اتِّخَاذُهُ حَرَامًا (وَلَا تَصَاوِيرُ) : يَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الصُّوَرِ، وَقَدْ رَخَّصَ فِيمَا كَانَ فِي الْأَنْمَاطِ الْمَوْطُؤَةِ بِالْأَرْجُلِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ مِمَّا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ مِنَ الْكِلَابِ وَالصُّوَرِ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِحَرَامٍ مِنْ كَلْبِ الصَّيْدِ وَالزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ وَمِنَ الصُّورَةِ الَّتِي تُمْتَهَنُ فِي الْبِسَاطِ وَالْوِسَادَةِ وَغَيْرِهِمَا، فَلَا يَمْنَعُ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ بَيْتَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ كَلْبٍ وَصُورَةٍ، وَأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنَ الْجَمِيعِ، لِإِطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ الْجَرْوَ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ تَحْتَ السَّرِيرِ كَانَ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَمَعَ هَذَا امْتَنَعَ جِبْرِيلُ ﵊ مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ وَعَلَّلَهُ بِالْجَرْوِ.
وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: سَبَبُ امْتِنَاعِهِمْ مِنَ الدُّخُولِ فِي بَيْتٍ فِيهِ صُورَةٌ كَوْنُهَا مِمَّا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنَ الدُّخُولِ فِي بَيْتٍ فِيهِ كَلْبٌ كَوْنُهُ يَأْكُلُ النَّجَاسَةَ، وَلِأَنَّ بَعْضَهُ يُسَمَّى شَيْطَانًا، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: وَالْمَلَائِكَةُ ضِدُّ الشَّيَاطِينِ، وَلِقُبْحِ رَائِحَتِهِ، وَمَنِ اقْتَنَاهُ عُوقِبَ بِحِرْمَانِ دُخُولِ الْمَلَائِكَةِ بَيْتَهُ، وَصَلَاتِهِمْ عَلَيْهِ، وَاسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ، وَهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ غَيْرُ الْحَفَظَةِ لِأَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الْمُكَلَّفِينَ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ: تَصْوِيرُ صُورَةِ الْحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَحَادِيثِ، سَوَاءً صَنَعَهُ فِي ثَوْبٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَالرَّجُلِ وَالْجَبَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ. هَذَا حُكْمُ نَفْسِ التَّصْوِيرِ، وَأَمَّا اتِّخَاذُ الْمُصَوَّرِ بِحَيَوَانٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِطٍ سَوَاءً كَانَ لَهُ ظِلٌّ أَمْ لَا، أَوْ ثَوْبًا مَلْبُوسًا أَوْ عِمَامَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ حَرَامٌ، وَأَمَّا الْوِسَادَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يُمْتَهَنُ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ، وَلَكِنْ هَلْ يَمْنَعُ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ فِيهِ أَمْ لَا؟ فَقَدْ سَبَقَ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَمَا وَرَدَ فِي تَصْوِيرِ الثِّيَابِ لِلُعَبِ الْبَنَاتِ فَمُرَخَّصٌ، لَكِنْ كَرِهَ مَالِكٌ شِرَاءَهَا لِلرَّجُلِ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ إِبَاحَةَ اللُّعَبِ بِهِنَّ لِلْبَنَاتِ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» ". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: " «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ أَوْ صُورَةٌ» ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ بِلَفْظِ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» ".
قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: وَلَا تَصَاوِيرُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَلْبٌ، وَمِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ تُكَرَّرَ " لَا " ثُمَّ فَيُقَالُ: لَا كَلْبٌ وَلَا تَصَاوِيرُ، وَلَكِنْ لَمَّا وَقَعَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ جَازَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] لِمَا فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لَاحْتُمِلَ أَنَّ الْمَنْفِيَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ: مَا كَلَّمْتُ زَيْدًا وَلَا عَمْرًا، وَلَوْ حُذِفَتْ لَجَازَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدَهَمَا لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ وَإِعَادَةُ " لَا " كَإِعَادَةِ الْفِعْلِ.
стр. 6197
٤٤٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا، وَقَالَ: " إِنَّ جِبْرَائِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَ وَاللَّهِ مَا أَخْلَفَنِي ". ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَهُ، فَأَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً، فَنَضَحَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَنَا جِبْرِيلَ. فَقَالَ: " لَقَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ ". قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٤٩٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ) : وَهِيَ خَالَتُهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَصْبَحَ) : أَيْ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ (يَوْمًا) : أَيْ مِنَ الْأَيَّامِ، وَهُوَ ظَرْفُ الْإِصْبَاحِ قَوْلُهُ: (وَاجِمًا) : بِكَسْرِ الْجِيمِ قَبْلَ الْمِيمِ حَالٌ أَيْ سَاكِنًا حَزِينًا مِنَ الْوُجُومِ، وَهُوَ السُّكُوتُ مِنَ الْحُزْنِ وَالْغَضَبِ. وَفِي النِّهَايَةِ: أَيْ مُهْتَمًّا وَالْوَاجِمُ الَّذِي أَسْكَنَهُ الْهَمُّ وَغَلَبَتْهُ الْكَآبَةُ، وَقَدْ وَجَمَ يَجِمُ وُجُومًا. (وَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِيَ) : بِفَتْحِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا وَحَذْفُهَا فِي الْوَصْلِ (اللَّيْلَةَ) : ظَرْفٌ، وَعَدَّ (فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ أَيْ أَمَا لِلتَّنْبِيهِ وَحُذِفَتِ الْأَلِفُ تَخْفِيفًا: أَيْ أَمَا (وَاللَّهِ، مَا أَخْلَفَنِي) : أَيْ جِبْرِيلُ فِي الْوَعْدِ قَبْلَ ذَلِكَ قَطُّ. (ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ) : أَيْ فِي نَفْسِ النَّبِيِّ ﷺ (جِرْوُ كَلْبٍ) : بِكَسْرِ جِيمٍ وَسُكُونِ رَاءٍ فَوَاوٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْجِرْوُ مُثَلَّثَةٌ وَلَدُ الْكَلْبِ، وَالْمَعْنَى خَطَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ إِنَّمَا لَمْ يَأْتِهِ اللَّيْلَةَ لِلْجِرْوِ الَّذِي رَآهُ (تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَهُ) : بِضَمِّ الْفَاءِ نَوْعٌ مِنَ الْأَبْنِيَةِ وَالْأَخْبِيَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا السَّرِيرُ، (فَأَمَرَ بِهِ) : أَيْ بِإِخْرَاجِ الْجِرْوِ (فَأُخْرِجَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. أَيِ الْجِرْوُ (ثُمَّ أَخَذَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (بِيَدِهِ مَاءً، فَنَضَحَ) : أَيْ رَشَّ أَوْ غَسَلَ غَسْلًا خَفِيفًا (مَكَانَهُ) : أَيْ مَرْقَدَ الْجِرْوِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ أَنَّ مَنْ تَكَدَّرَ وَقْتُهُ وَتَنَكَّدَتْ وَظِيفَتُهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي سَبَبِهِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ هُنَا حَتَّى الْكَلْبُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ التَّنْزِيلُ بُقُولِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ، (فَلَمَّا أَمْسَى) : أَيْ دَخَلَ الْمَسَاءُ، وَهُوَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ (لَقِيَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ لَقَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِيَ الْبَارِحَةَ قَالَ: أَجَلْ) : بِسُكُونِ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ نَعَمْ (وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) : أَيْ جَمِيعُهَا فِي سَائِرِ أَمَاكِنِهَا (حَتَّى إِنَّهُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ أَوْ لِلنَّبِيِّ ﷺ (يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ) : أَيِ الْبُسْتَانِ (الصَّغِيرِ) : لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ حِرَاسَةَ الْكَلْبِ لِصِغَرِهِ (وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ) : لِعُسْرِ حِفْظِهِ بِلَا كَلْبٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: يَأْمُرُ حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ، وَقَوْلُهُ: وَيَتْرُكُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا مَرَّ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ وَصْفِ الْحَائِطِ بِالْكَبِيرِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ عَمِلَ بِالْمَفْهُومِ نَحْوَ: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ، قُلْتُ: فَرْقٌ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالْقَيْدِ وَبَيْنَ الْعَمَلِ بِالْمَفْهُومِ، وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ، وَإِلَّا لَكَانَ فِي الْكَلَامِ تَكْرَارٌ لِلْوَاصِلِ، وَتَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ، بَلْ يَتْرُكُهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ كَلْبَ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، بَلْ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِ فَافْهَمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6198
٤٤٩١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤٤٩١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ» ) : أَيْ تَصَاوِيرُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (إِلَّا نَقَضَهُ) : أَيْ أَزَالَ ذَلِكَ الشَّيْءَ أَوْ قَطَعَهُ وَالنَّقْضُ فِي الْأَصْلِ إِبْطَالُ أَجْزَاءِ الْبِنَاءِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا: أَخْرَجَ الرَّاوِي تَصَالِيبَ مَخْرَجَ تَمَاثِيلَ، وَقَدِ اخْتَلَفَا فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي تَصَالِيبَ أَنَّهُ جَمْعُ تَصْلِيبٍ وَهُوَ صُنْعُ الصَّلِيبِ وَتَصْوِيرُهُ، وَالصَّلِيبُ شَيْءٌ مُثَلَّتٌ يَعْبُدُهُ النَّصَارَى، فَأُطْلِقَ عَلَى نَفْسِ التَّصْلِيبِ، ثُمَّ سَمَّوْا مَا كَانَ فِيهِ صُورَةُ الصَّلِيبِ تَصْلِيبًا تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ، ثُمَّ جَمَعُوهُ كَمَا فِي تَصَاوِيرَ، وَالْمُرَادُ هُنَا بِالتَّصَالِيبِ الصُّوَرُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: «كَانَ لَا يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا قَضَبَهُ» ، وَمَعْنَى قَضَبَهُ قَطَّعَهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ اللَّفْظَيْنِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَالْحَدِيثُ عَلَى مَا فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ أَفْصَحُ وَأَقْيَسُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ رُوَاةَ الْبُخَارِيِّ أَوْثَقُ وَأَضْبَطُ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا رَوَوْهُ
стр. 6199
أُولَى: وَأُخْرَى اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ الشَّيْخِ فِي كَوْنِ لَفْظِهِ مِنْ كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ أَفْصَحُ لُغَةً وَأَقْيَسُ صِنَاعَةً، وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّهُ أَصَحُّ رِوَايَةً وَأَقْوَى دِرَايَةً. أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ قَدْ يَنْفَرِدُ بِقِرَاءَةٍ هِيَ أَفْصَحُ لُغَةً مِنْ سَائِرِ الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَالْحَاصِلُ جَوَازُ الْفَصِيحِ، وَالْأَفْصَحُ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى، وَكَذَا فِي كَلَامِهِ ﷺ وَأَمَّا كَوْنُ أَحَدِهِمَا مَرْوِيًّا مِنْ طَرِيقِ الْأَصَحِّ أَوْ بِسَنَدِ الْأَكْثَرِ، فَأَمْرٌ آخَرُ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي أَعْلَامِ السُّنَنِ، وَهُوَ شَرْحُ الْبُخَارِيِّ، وَفِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ تُؤْذِنُ أَنَّهَا فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ لِأَنَّ مَعْنَى السَّائِرِ الْبَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، كَذَا صَرَّحَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ ; لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنَ السُّؤْرِ اهـ.
وَهُوَ بَحْثٌ عَجِيبٌ وَاعْتِرَاضٌ غَرِيبٌ ; لِأَنَّ السَّائِرَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْجَمِيعِ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى الْبَاقِي وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَالْأَظْهَرُ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُتَعَيَّنٌ فَتَدَبَّرْ، لَكِنَّ كَوْنَ مُرَادَ الْخَطَّابِيِّ بَاقِي رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ، فَفِيهِ مَحَلُّ نَظَرٍ لِأَنَّهُ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ يَحْتَاجُ إِلَى تَتَبُّعِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ، وَيُبْنَى هَذَا الْمَعْنَى عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الْمَبْنَى، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنَّ بَعْضَ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا أَفْصَحُ مِنْ بَعْضٍ وَأَقْيَسُ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 6200
٤٤٩٢ - «وَعَنْهَا، أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَمَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ " قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا، وَتَوَسَّدَهَا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: " أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ". وَقَالَ: " إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّورَةُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٤٩٢ - (وَعَنْهَا) : أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةَ) : بِضَمِّ النُّونِ وَالرَّاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، فَفِي الْقَامُوسِ: النُّمْرُقَةُ، وَالنُّمْرُقَةُ مُثَلَّثَةٌ الْوِسَادَةُ الصَّغِيرَةُ أَوِ الْمِيثَرَةُ أَوِ الطِّنْفِسَةُ فَوْقَ الرَّحْلِ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ بِتَثْلِيثِ النُّونِ وَالرَّاءِ، وَقِيلَ بِكَسْرِهَا كَسْرُ النُّونِ الْوِسَادَةُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: النُّمْرَقُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الرَّاءِ هِيَ وِسَادَةٌ صَغِيرَةٌ، وَقِيلَ مُرَقَّعَةٌ. (فِيهَا تَصَاوِيرُ) : أَيْ فِيهَا صُوَرٌ، وَكَأَنَّهَا وَضَعَتْهَا فِي صَدْرِ بَيْتِهَا. (فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهَا (قَامَ عَلَى الْبَابِ) : أَيْ وَقَفَ (فَلَمْ يَدْخُلْ) : أَيْ غَضَبًا (فَعَرَفْتُ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي عَنْهَا أَيْ قَرَأَتْ (فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ) : أَيْ أَثَرُهَا فَعَرَفَتْ وَجْهَ غَضَبِهِ وَعَدَمَ دُخُولِهِ. (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتُوبُ) : أَيْ أَرْجِعُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ (إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ) : أَيْ رِضَاهُمَا، وَفِي إِعَادَةِ إِلَى دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِقْلَالِ الرُّجُوعِ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَدَبٌ حَسَنٌ مِنَ الصَّدِيقَةِ ﵂ وَعَنْ أَبِيهَا، حَيْثُ قَدَّمَتِ التَّوْبَةَ عَلَى إِطِّلَاعِهَا عَلَى الذَّنْبِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] قَدَّمَ الْعَفْوَ تَلَطُّفًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدَأَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ إِبْدَاءِ الذَّنْبِ، كَمَا قَدَّمَتِ التَّوْبَةَ عَلَى مَعْرِفَةِ الذَّنْبِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَتْ: (مَاذَا أَذْنَبْتُ؟) : أَيْ مَا أُطْلِعْتُ عَلَى ذَنْبٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ " قَالَتْ: قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا) : أَيْ تَارَةً (وَتَوَسَّدَهَا) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ وَتَجْعَلَهَا وَسَادَةً مَرَّةً أُخْرَى، وَكَأَنَّهَا غَفَلَتْ عَنْ أَنَّ كَرَاهَتَهُ ﷺ لِأَجْلِ تَصَاوِيرِهَا، بَلْ ظَنَّتْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِمُجَرَّدِ فَرْشِهَا وَإِرَادَتِهَا زِينَةَ الْبَيْتِ بِهَا، فَقَالَتْ مَا قَالَتْ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ) : وَهُوَ يَشْمَلُ مَنْ يَعْمَلُهَا وَمَنْ يَسْتَعْمِلُهَا (يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : لَكِنْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ) : أَيِ انْفُخُوا الرُّوحَ فِيمَا صَوَّرْتُمْ، فَعَدَلَ إِلَيْهِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وَبِمُضَاهَاتِهِمُ الْخَالِقَ فِي إِنْشَاءِ الصُّوَرِ، وَالْأَمْرُ بِأَحْيُوا تَعْجِيزٌ لَهُمْ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّصْوِيرَ حَرَامٌ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الصُّوَرِ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِذَلِكَ، وَبَاعِثٌ عَلَيْهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ زِينَةُ الدُّنْيَا. (وَقَالَ) : أَيْ أَيْضًا فِي وَجْهِ الِامْتِنَاعِ وَسَبَبُ الْمَنْعِ (إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّورَةُ) : وَهِيَ بِظَاهِرِهَا تَشْتَمِلُ جَمِيعَ الصُّوَرِ فِي جَمِيعِ أَمَاكِنِ الْبَيْتِ (لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ) : أَيْ وَكَذَا لَا تَدَخُلُهُ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهُمْ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ امْتِنَاعَ دُخُولِ الْمَلَائِكَةِ فِي بَيْتٍ فِيهِ صُورَةٌ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مُبَاحَةً أَوْ حَرَامًا، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَكَذَا رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ مِنَ الْحَدِيثِ.
следующие страницы →