← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

(٤) بَابُ التَّصَاوِيرِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٤٨٩ - عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا تَصَاوِيرُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (٤) بَابُ التَّصَاوِيرِ جَمْعُ التَّصْوِيرِ، وَهُوَ فِعْلُ الصُّورَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يُصَوَّرُ مُشَبَّهًا بِخَلْقِ اللَّهِ مِنْ ذَوَاتِ الرُّوحِ مِمَّا يَكُونُ عَلَى حَائِطٍ أَوْ سِتْرٍ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٤٨٩ - (عَنْ أَبِي طَلْحَةَ) : أَيْ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، زَوْجِ أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَدْخُلُ) : بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ وَجُوِّزَ تَذْكِيرُهُ (الْمَلَائِكَةُ) : أَيْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ لَا الْحَفَظَةُ وَمَلَائِكَةُ الْمَوْتِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَرَاهَتِهِمْ ذَلِكَ أَيْضًا، لَكِنَّهُمْ مَأْمُورُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ. (بَيْتًا) أَيْ مَسْكَنًا (فِيهِ كَلْبٌ) : أَيْ إِلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ وَقِيلَ: إِنَّهُ مَانِعٌ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اتِّخَاذُهُ حَرَامًا (وَلَا تَصَاوِيرُ) : يَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الصُّوَرِ، وَقَدْ رَخَّصَ فِيمَا كَانَ فِي الْأَنْمَاطِ الْمَوْطُؤَةِ بِالْأَرْجُلِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ مِمَّا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ مِنَ الْكِلَابِ وَالصُّوَرِ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِحَرَامٍ مِنْ كَلْبِ الصَّيْدِ وَالزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ وَمِنَ الصُّورَةِ الَّتِي تُمْتَهَنُ فِي الْبِسَاطِ وَالْوِسَادَةِ وَغَيْرِهِمَا، فَلَا يَمْنَعُ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ بَيْتَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ كَلْبٍ وَصُورَةٍ، وَأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنَ الْجَمِيعِ، لِإِطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ الْجَرْوَ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ تَحْتَ السَّرِيرِ كَانَ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَمَعَ هَذَا امْتَنَعَ جِبْرِيلُ ﵊ مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ وَعَلَّلَهُ بِالْجَرْوِ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: سَبَبُ امْتِنَاعِهِمْ مِنَ الدُّخُولِ فِي بَيْتٍ فِيهِ صُورَةٌ كَوْنُهَا مِمَّا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنَ الدُّخُولِ فِي بَيْتٍ فِيهِ كَلْبٌ كَوْنُهُ يَأْكُلُ النَّجَاسَةَ، وَلِأَنَّ بَعْضَهُ يُسَمَّى شَيْطَانًا، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: وَالْمَلَائِكَةُ ضِدُّ الشَّيَاطِينِ، وَلِقُبْحِ رَائِحَتِهِ، وَمَنِ اقْتَنَاهُ عُوقِبَ بِحِرْمَانِ دُخُولِ الْمَلَائِكَةِ بَيْتَهُ، وَصَلَاتِهِمْ عَلَيْهِ، وَاسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ، وَهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ غَيْرُ الْحَفَظَةِ لِأَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الْمُكَلَّفِينَ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ: تَصْوِيرُ صُورَةِ الْحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَحَادِيثِ، سَوَاءً صَنَعَهُ فِي ثَوْبٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَالرَّجُلِ وَالْجَبَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ. هَذَا حُكْمُ نَفْسِ التَّصْوِيرِ، وَأَمَّا اتِّخَاذُ الْمُصَوَّرِ بِحَيَوَانٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِطٍ سَوَاءً كَانَ لَهُ ظِلٌّ أَمْ لَا، أَوْ ثَوْبًا مَلْبُوسًا أَوْ عِمَامَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ حَرَامٌ، وَأَمَّا الْوِسَادَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يُمْتَهَنُ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ، وَلَكِنْ هَلْ يَمْنَعُ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ فِيهِ أَمْ لَا؟ فَقَدْ سَبَقَ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَمَا وَرَدَ فِي تَصْوِيرِ الثِّيَابِ لِلُعَبِ الْبَنَاتِ فَمُرَخَّصٌ، لَكِنْ كَرِهَ مَالِكٌ شِرَاءَهَا لِلرَّجُلِ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ إِبَاحَةَ اللُّعَبِ بِهِنَّ لِلْبَنَاتِ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» ". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: " «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ أَوْ صُورَةٌ» ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ بِلَفْظِ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: وَلَا تَصَاوِيرُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَلْبٌ، وَمِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ تُكَرَّرَ " لَا " ثُمَّ فَيُقَالُ: لَا كَلْبٌ وَلَا تَصَاوِيرُ، وَلَكِنْ لَمَّا وَقَعَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ جَازَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] لِمَا فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لَاحْتُمِلَ أَنَّ الْمَنْفِيَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ: مَا كَلَّمْتُ زَيْدًا وَلَا عَمْرًا، وَلَوْ حُذِفَتْ لَجَازَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدَهَمَا لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ وَإِعَادَةُ " لَا " كَإِعَادَةِ الْفِعْلِ.

стр. 6197

٤٤٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا، وَقَالَ: " إِنَّ جِبْرَائِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَ وَاللَّهِ مَا أَخْلَفَنِي ". ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَهُ، فَأَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً، فَنَضَحَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَنَا جِبْرِيلَ. فَقَالَ: " لَقَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ ". قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٤٩٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ) : وَهِيَ خَالَتُهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَصْبَحَ) : أَيْ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ (يَوْمًا) : أَيْ مِنَ الْأَيَّامِ، وَهُوَ ظَرْفُ الْإِصْبَاحِ قَوْلُهُ: (وَاجِمًا) : بِكَسْرِ الْجِيمِ قَبْلَ الْمِيمِ حَالٌ أَيْ سَاكِنًا حَزِينًا مِنَ الْوُجُومِ، وَهُوَ السُّكُوتُ مِنَ الْحُزْنِ وَالْغَضَبِ. وَفِي النِّهَايَةِ: أَيْ مُهْتَمًّا وَالْوَاجِمُ الَّذِي أَسْكَنَهُ الْهَمُّ وَغَلَبَتْهُ الْكَآبَةُ، وَقَدْ وَجَمَ يَجِمُ وُجُومًا. (وَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِيَ) : بِفَتْحِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا وَحَذْفُهَا فِي الْوَصْلِ (اللَّيْلَةَ) : ظَرْفٌ، وَعَدَّ (فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ أَيْ أَمَا لِلتَّنْبِيهِ وَحُذِفَتِ الْأَلِفُ تَخْفِيفًا: أَيْ أَمَا (وَاللَّهِ، مَا أَخْلَفَنِي) : أَيْ جِبْرِيلُ فِي الْوَعْدِ قَبْلَ ذَلِكَ قَطُّ. (ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ) : أَيْ فِي نَفْسِ النَّبِيِّ ﷺ (جِرْوُ كَلْبٍ) : بِكَسْرِ جِيمٍ وَسُكُونِ رَاءٍ فَوَاوٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْجِرْوُ مُثَلَّثَةٌ وَلَدُ الْكَلْبِ، وَالْمَعْنَى خَطَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ إِنَّمَا لَمْ يَأْتِهِ اللَّيْلَةَ لِلْجِرْوِ الَّذِي رَآهُ (تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَهُ) : بِضَمِّ الْفَاءِ نَوْعٌ مِنَ الْأَبْنِيَةِ وَالْأَخْبِيَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا السَّرِيرُ، (فَأَمَرَ بِهِ) : أَيْ بِإِخْرَاجِ الْجِرْوِ (فَأُخْرِجَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. أَيِ الْجِرْوُ (ثُمَّ أَخَذَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (بِيَدِهِ مَاءً، فَنَضَحَ) : أَيْ رَشَّ أَوْ غَسَلَ غَسْلًا خَفِيفًا (مَكَانَهُ) : أَيْ مَرْقَدَ الْجِرْوِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ أَنَّ مَنْ تَكَدَّرَ وَقْتُهُ وَتَنَكَّدَتْ وَظِيفَتُهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي سَبَبِهِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ هُنَا حَتَّى الْكَلْبُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ التَّنْزِيلُ بُقُولِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ، (فَلَمَّا أَمْسَى) : أَيْ دَخَلَ الْمَسَاءُ، وَهُوَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ (لَقِيَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ لَقَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِيَ الْبَارِحَةَ قَالَ: أَجَلْ) : بِسُكُونِ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ نَعَمْ (وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) : أَيْ جَمِيعُهَا فِي سَائِرِ أَمَاكِنِهَا (حَتَّى إِنَّهُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ أَوْ لِلنَّبِيِّ ﷺ (يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ) : أَيِ الْبُسْتَانِ (الصَّغِيرِ) : لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ حِرَاسَةَ الْكَلْبِ لِصِغَرِهِ (وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ) : لِعُسْرِ حِفْظِهِ بِلَا كَلْبٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: يَأْمُرُ حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ، وَقَوْلُهُ: وَيَتْرُكُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا مَرَّ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ وَصْفِ الْحَائِطِ بِالْكَبِيرِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ عَمِلَ بِالْمَفْهُومِ نَحْوَ: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ، قُلْتُ: فَرْقٌ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالْقَيْدِ وَبَيْنَ الْعَمَلِ بِالْمَفْهُومِ، وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ، وَإِلَّا لَكَانَ فِي الْكَلَامِ تَكْرَارٌ لِلْوَاصِلِ، وَتَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ، بَلْ يَتْرُكُهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ كَلْبَ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، بَلْ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِ فَافْهَمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6198

٤٤٩١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٤٩١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ» ) : أَيْ تَصَاوِيرُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (إِلَّا نَقَضَهُ) : أَيْ أَزَالَ ذَلِكَ الشَّيْءَ أَوْ قَطَعَهُ وَالنَّقْضُ فِي الْأَصْلِ إِبْطَالُ أَجْزَاءِ الْبِنَاءِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا: أَخْرَجَ الرَّاوِي تَصَالِيبَ مَخْرَجَ تَمَاثِيلَ، وَقَدِ اخْتَلَفَا فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي تَصَالِيبَ أَنَّهُ جَمْعُ تَصْلِيبٍ وَهُوَ صُنْعُ الصَّلِيبِ وَتَصْوِيرُهُ، وَالصَّلِيبُ شَيْءٌ مُثَلَّتٌ يَعْبُدُهُ النَّصَارَى، فَأُطْلِقَ عَلَى نَفْسِ التَّصْلِيبِ، ثُمَّ سَمَّوْا مَا كَانَ فِيهِ صُورَةُ الصَّلِيبِ تَصْلِيبًا تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ، ثُمَّ جَمَعُوهُ كَمَا فِي تَصَاوِيرَ، وَالْمُرَادُ هُنَا بِالتَّصَالِيبِ الصُّوَرُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: «كَانَ لَا يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا قَضَبَهُ» ، وَمَعْنَى قَضَبَهُ قَطَّعَهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ اللَّفْظَيْنِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَالْحَدِيثُ عَلَى مَا فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ أَفْصَحُ وَأَقْيَسُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ رُوَاةَ الْبُخَارِيِّ أَوْثَقُ وَأَضْبَطُ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا رَوَوْهُ

стр. 6199

أُولَى: وَأُخْرَى اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ الشَّيْخِ فِي كَوْنِ لَفْظِهِ مِنْ كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ أَفْصَحُ لُغَةً وَأَقْيَسُ صِنَاعَةً، وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّهُ أَصَحُّ رِوَايَةً وَأَقْوَى دِرَايَةً. أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ قَدْ يَنْفَرِدُ بِقِرَاءَةٍ هِيَ أَفْصَحُ لُغَةً مِنْ سَائِرِ الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَالْحَاصِلُ جَوَازُ الْفَصِيحِ، وَالْأَفْصَحُ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى، وَكَذَا فِي كَلَامِهِ ﷺ وَأَمَّا كَوْنُ أَحَدِهِمَا مَرْوِيًّا مِنْ طَرِيقِ الْأَصَحِّ أَوْ بِسَنَدِ الْأَكْثَرِ، فَأَمْرٌ آخَرُ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي أَعْلَامِ السُّنَنِ، وَهُوَ شَرْحُ الْبُخَارِيِّ، وَفِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ تُؤْذِنُ أَنَّهَا فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ لِأَنَّ مَعْنَى السَّائِرِ الْبَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، كَذَا صَرَّحَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ ; لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنَ السُّؤْرِ اهـ. وَهُوَ بَحْثٌ عَجِيبٌ وَاعْتِرَاضٌ غَرِيبٌ ; لِأَنَّ السَّائِرَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْجَمِيعِ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى الْبَاقِي وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَالْأَظْهَرُ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُتَعَيَّنٌ فَتَدَبَّرْ، لَكِنَّ كَوْنَ مُرَادَ الْخَطَّابِيِّ بَاقِي رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ، فَفِيهِ مَحَلُّ نَظَرٍ لِأَنَّهُ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ يَحْتَاجُ إِلَى تَتَبُّعِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ، وَيُبْنَى هَذَا الْمَعْنَى عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الْمَبْنَى، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنَّ بَعْضَ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا أَفْصَحُ مِنْ بَعْضٍ وَأَقْيَسُ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 6200

٤٤٩٢ - «وَعَنْهَا، أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَمَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ " قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا، وَتَوَسَّدَهَا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: " أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ". وَقَالَ: " إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّورَةُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٩٢ - (وَعَنْهَا) : أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةَ) : بِضَمِّ النُّونِ وَالرَّاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، فَفِي الْقَامُوسِ: النُّمْرُقَةُ، وَالنُّمْرُقَةُ مُثَلَّثَةٌ الْوِسَادَةُ الصَّغِيرَةُ أَوِ الْمِيثَرَةُ أَوِ الطِّنْفِسَةُ فَوْقَ الرَّحْلِ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ بِتَثْلِيثِ النُّونِ وَالرَّاءِ، وَقِيلَ بِكَسْرِهَا كَسْرُ النُّونِ الْوِسَادَةُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: النُّمْرَقُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الرَّاءِ هِيَ وِسَادَةٌ صَغِيرَةٌ، وَقِيلَ مُرَقَّعَةٌ. (فِيهَا تَصَاوِيرُ) : أَيْ فِيهَا صُوَرٌ، وَكَأَنَّهَا وَضَعَتْهَا فِي صَدْرِ بَيْتِهَا. (فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهَا (قَامَ عَلَى الْبَابِ) : أَيْ وَقَفَ (فَلَمْ يَدْخُلْ) : أَيْ غَضَبًا (فَعَرَفْتُ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي عَنْهَا أَيْ قَرَأَتْ (فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ) : أَيْ أَثَرُهَا فَعَرَفَتْ وَجْهَ غَضَبِهِ وَعَدَمَ دُخُولِهِ. (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتُوبُ) : أَيْ أَرْجِعُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ (إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ) : أَيْ رِضَاهُمَا، وَفِي إِعَادَةِ إِلَى دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِقْلَالِ الرُّجُوعِ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَدَبٌ حَسَنٌ مِنَ الصَّدِيقَةِ ﵂ وَعَنْ أَبِيهَا، حَيْثُ قَدَّمَتِ التَّوْبَةَ عَلَى إِطِّلَاعِهَا عَلَى الذَّنْبِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] قَدَّمَ الْعَفْوَ تَلَطُّفًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدَأَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ إِبْدَاءِ الذَّنْبِ، كَمَا قَدَّمَتِ التَّوْبَةَ عَلَى مَعْرِفَةِ الذَّنْبِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَتْ: (مَاذَا أَذْنَبْتُ؟) : أَيْ مَا أُطْلِعْتُ عَلَى ذَنْبٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ " قَالَتْ: قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا) : أَيْ تَارَةً (وَتَوَسَّدَهَا) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ وَتَجْعَلَهَا وَسَادَةً مَرَّةً أُخْرَى، وَكَأَنَّهَا غَفَلَتْ عَنْ أَنَّ كَرَاهَتَهُ ﷺ لِأَجْلِ تَصَاوِيرِهَا، بَلْ ظَنَّتْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِمُجَرَّدِ فَرْشِهَا وَإِرَادَتِهَا زِينَةَ الْبَيْتِ بِهَا، فَقَالَتْ مَا قَالَتْ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ) : وَهُوَ يَشْمَلُ مَنْ يَعْمَلُهَا وَمَنْ يَسْتَعْمِلُهَا (يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : لَكِنْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ) : أَيِ انْفُخُوا الرُّوحَ فِيمَا صَوَّرْتُمْ، فَعَدَلَ إِلَيْهِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وَبِمُضَاهَاتِهِمُ الْخَالِقَ فِي إِنْشَاءِ الصُّوَرِ، وَالْأَمْرُ بِأَحْيُوا تَعْجِيزٌ لَهُمْ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّصْوِيرَ حَرَامٌ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الصُّوَرِ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِذَلِكَ، وَبَاعِثٌ عَلَيْهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ زِينَةُ الدُّنْيَا. (وَقَالَ) : أَيْ أَيْضًا فِي وَجْهِ الِامْتِنَاعِ وَسَبَبُ الْمَنْعِ (إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّورَةُ) : وَهِيَ بِظَاهِرِهَا تَشْتَمِلُ جَمِيعَ الصُّوَرِ فِي جَمِيعِ أَمَاكِنِ الْبَيْتِ (لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ) : أَيْ وَكَذَا لَا تَدَخُلُهُ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهُمْ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ امْتِنَاعَ دُخُولِ الْمَلَائِكَةِ فِي بَيْتٍ فِيهِ صُورَةٌ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مُبَاحَةً أَوْ حَرَامًا، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَكَذَا رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ مِنَ الْحَدِيثِ.

стр. 6201

٤٤٩٣ - وَعَنْهَا «أَنَّهَا كَانَتِ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ، فَكَانَتَا فِي الْبَيْتِ، يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٩٣ - (وَعَنْهَا) : أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّهَا كَانَتْ قَدِ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ) : بِفَتْحِ سِينٍ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ كُوَّةٌ بَيْنَ الدَّارَيْنِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَفِي الْفَائِقِ هِيَ كَالصِّفَةِ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الْبَيْتَ، وَقِيلَ: هِيَ بَيْتٌ صَغِيرٌ مُنْحَدِرٌ فِي الْأَرْضِ وَسُمْكُهُ مُرْتَفِعٌ مِنْهَا شَبِيهٌ بِالْخِزَانَةِ، يَكُونُ فِيهَا الْمَتَاعُ، وَقِيلَ: شَبِيهَةٌ بِالرَّفِّ أَوِ الطَّاقِ يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ كَأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا يُسْهَى عَنْهَا لِصِغَرِهَا وَخَفَائِهَا. (لَهَا) : أَيْ كَائِنَةٌ. لِعَائِشَةَ مُخْتَصَّةٌ بِهَا (سِتْرًا) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (فِيهِ تَمَاثِيلُ) : جَمْعُ تِمْثَالٍ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُصَوَّرُ. قِيلَ: الْمُرَادُ صُورَةُ الْحَيَوَانِ: (فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَيْ نَزَعَ السِّتْرَ وَخَرَقَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ قَطَعَ وَأَتْلَفَ الصُّورَةَ الَّتِي فِيهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّطْبِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثِ السَّابِقِ؟ قُلْتُ: التَّمَاثِيلُ إِذَا حُمِلَتْ عَلَى غَيْرِ الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ تَكُونُ عِلَّةُ الْهَتْكِ مَا يَجِيءُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَتْلُوهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ، وَإِذَا حُمِلَتْ عَلَى التَّصَاوِيرِ يَكُونُ اسْتِعْمَالُهَا النَّمَارِقَ بِقَطْعِ الرُّءُوسِ. (فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ، فَكَانَتَا فِي الْبَيْتِ، يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَعْلُومِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6202

٤٤٩٤ - وَعَنْهَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فِي غَزَاةٍ، فَأَخَذَتْ نَمَطًا فَسَتَرَتْهُ عَلَى الْبَابِ، فَلَمَّا قَدِمَ، فَرَأَى النَّمَطَ، فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٩٤ - (وَعَنْهَا) : أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فِي غَزَاةٍ، فَأَخَذَتْ نَمَطًا) : بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمِيمِ وَيُكْسَرُ ضَرْبٌ مِنَ الْبُسُطِ لَهُ خَمْلٌ رَقِيقٌ، وَقِيلَ: هُوَ ثَوْبٌ مِنْ صُوفٍ يُطْرَحُ عَلَى الْهَوْدَجِ، وَلَعَلَّهُ مُعَرَّبٌ نَمُدُّ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمِيمِ فَدَالٌّ مُهْمَلَةٌ فِي لِسَانِ الْعَجَمِ بِمَعْنَى اللِّبَادِ. (فَسَتَرَتْهُ عَلَى الْبَابِ) : وَكَأَنَّهُ كَانَ تَعْلِيقًا لِلزِّينَةِ لَا لِلْحِجَابِ، فَلِهَذَا وَقَعَ الْعِتَابُ (فَلَمَّا قَدِمَ) : أَيْ رَجَعَ مِنَ السَّفَرِ (فَرَأَى النَّمَطَ) : عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ هُوَ جَوَابُ لَمَّا أَيْ دَخَلَ فَرَأَى ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السِّتْرَ كَانَ مِنْ دَاخِلِ الْبَابِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ: أَرَادَ دُخُولَ الْبَابِ فَرَأَى النَّمَطَ، وَقِيلَ الْفَاءُ زَائِدَةٌ أَوْ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ غَضَبَ. (فَجَذَبَهُ) : أَيْ جَرَّهُ (حَتَّى هَتَكَهُ) : أَيْ كَشَفَهُ وَحَذَفَهُ (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ) : بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ أَنْ نَلْبَسَ (الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ) : أَيِ الْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا مِنَ الْجُدْرَانِ وَغَيْرِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكَانَ فِيهِ صُوَرُ الْخَيْلِ ذَوَاتُ الْأَجْنِحَةِ فَأَتْلَفَ صُوَرَهَا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الْوَسَائِدِ، وَعَلَى أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ سَتْرِ الْحِيطَانِ، وَهُوَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ» لَا يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ، وَلَا عَلَى الْوَاجِبِ وَالنَّدْبِ وَفِيهِ تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ وَالْغَضَبُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا فِيمَا رُزِقْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَائِشَةَ.

стр. 6203

٤٤٩٥ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٩٥ - (وَعَنْهَا) : أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَالْوَاوِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَضَمِّ هَمْزٍ قَبْلَ الْوَاوِ وَهُمَا لُغَتَانِ قِرَاءَتَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٣٠] ، وَالْأَوَّلُ هُوَ زِيَادَةُ الْأَشْهَرِ وَالْأَكْثَرِ، (بِخَلْقِ اللَّهِ) : أَيْ يُشَابِهُونَ عَمَلَهُمُ التَّصْوِيرَ بِخَلْقِ اللَّهِ. قَالَ الْقَاضِي: أَيْ يَفْعَلُونَ مَا يُضَاهِي خَلْقَ اللَّهِ أَيْ مَخْلُوقَهُ، أَوْ يُشَبِّهُونَ فِعْلَهُمْ بِفِعْلِهِ، أَيْ فِي التَّصْوِيرِ وَالتَّخْلِيقِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَإِنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ يَزِيدُ عَذَابُهُ بِزِيَادَةِ قُبْحِ كُفْرِهِ، وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّهْدِيدِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: " أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " الْحَدِيثَ.

стр. 6204

٤٤٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ شَعِيرَةً» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٩٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ) : أَيْ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ (مِمَّنْ ذَهَبَ) : أَيْ أَرَادَ وَطَفَقَ وَشَرَعَ (يَخْلُقُ) : أَيْ: خَلْقًا كَمَا فِي رِوَايَةٍ (كَخَلْقِي) : أَيْ يُصَوِّرُ صُوَرَهً تَشْبِهُ صُورَةً خَلَقْتُهَا، فَإِنْ زَعَمُوا ذَلِكَ (فَيَخْلُقُوا) : أَمَرُ تَعْجِيزٍ (ذَرَّةً) : أَيْ نَمْلَةٌ صَغِيرَةٌ أَوْ هَبَاءٌ فِي هَوَاءٍ أَوْ مِثْلُهُمَا مِنْ غَيْرِ أَسْبَابِ خِلْقَتِهَا (لِيَخْلُقُوا) : الظَّاهِرُ أَنَّ " أَوْ " هَذِهِ لِلتَّنْوِيعِ وَيُحْتَمَلُ التَّرْدِيدُ (حَبَّةً) : أَيْ مِنَ الْحُبُوبِ (أَوْ شَعِيرَةً) : أَيْ حَبَّةٌ خَاصَّةٌ وَ " أَوْ " لِلتَّقْسِيمِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ يَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

стр. 6205

٤٤٩٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ الْمُصَوِّرُونَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٩٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ الْمُصَوِّرُونَ» ) : قِيلَ: الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّهْدِيدِ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: عِنْدَ اللَّهِ يُلَوِّحُ إِلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ كَذَا لَكِنَّهُ مَحَلُّ الْعَفْوِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ صَوَّرَ الْأَصْنَامَ لِتُعْبَدَ فَلَهُ أَشَدُّ الْعَذَابِ لِأَنَّهُ كَافِرٌ، وَقِيلَ: هَذَا فِيمَنْ قَصَدَ الْمُضَاهَاةَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ، وَهُوَ كَافِرٌ، وَعَذَابُهُ أَشَدُّ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْهَا فَهُوَ فَاسِقٌ لَا يُكَفَّرُ كَسَائِرِ الْمَعَاصِي، ثُمَّ الشَّجَرُ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا رُوحَ لَهُ، فَلَا تَحْرُمُ صَنْعَتُهُ، وَلَا التَّكَسُّبُ لَهُ. هَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مُجَاهِدًا، فَإِنَّهُ جَعَلَ الشَّجَرَةَ الْمُثْمِرَةَ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﷺ : ( «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» ) فَذَكَرَ الذُّرَةَ وَهِيَ ذَاتُ رُوحٍ، وَذَكَرَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ، وَهُمَا جَمَادَانِ، وَوَعَدَ عَلَيْهِ وَعَدًا شَدِيدًا، حَيْثُ أَخْرَجَ الْجُمْلَةَ عَلَى سَبِيلِ اسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِ، وَذَكَرَ الظُّلْمَ عَلَى صِيغَةِ التَّفْضِيلِ. قُلْتُ: اسْتِدْلَالُهُ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ. قَالَ: وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ لِقَوْلِهِ ﷺ : أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ". قُلْتُ: وَلَهُ قَوْلُهُ ﷺ : لِيَخْلُقُوا حَبَّةً " قَالَ: وَبِالْمُضَاهَاةِ بِخَلْقِ اللَّهِ. قُلْتُ: الْعِلَّةُ مُشْتَرَكَةٌ. قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَصَّ لَهُ. قُلْتُ: هَذَا مَعَ كَوْنِهِ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ، إِذْ يُحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَأْيِهِ يُحْمَلُ عَلَى جَوَازِ فِعْلِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَعَلَى ارْتِكَابِ كَرَاهَةٍ دُونَ كَرَاهَةٍ، فَإِنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالنِّيَّاتِ. وَنَظِيرُهُ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: " «إِنْ كُنْتَ لَابُدَّ سَائِلًا فَسَلِ الصَّالِحِينَ» " عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ الْفِرَاسِيِّ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُصَوِّرُ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُ أَشْكَالَ الْحَيَوَانِ فَيَحْكِيهَا بِتَخْطِيطٍ لَهَا وَتَشْكِيلٍ، فَأَمَّا الَّذِي يَنْقُشُ أَشْكَالَ الشَّجَرَةِ، وَيَعْمَلُ التَّدَاوِيرَ وَالْخَوَاتِيمَ وَنَحْوَهَا، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي هَذَا الْوَعِيدِ، وَإِنْ كَانَ جُمْلَةُ هَذَا الْبَابِ مَكْرُوهًا وَدَاخِلًا فِيمَا يُلْهِي وَيُشْغِلُ بِمَا لَا يُغْنِي، وَإِنَّمَا عُطِفَتِ الْعُقُوبَةُ فِي الصُّورَةِ; لِأَنَّهَا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ وَجْهَ قَوْلِ الْجُمْهُورِ فِي التَّخْصِيصِ بِذَوَاتِ الرُّوحِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ خَلْقُهَا إِلَى فِعْلِ الْمَخْلُوقِ، حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، فَخِلَافُ سَائِرِ النَّبَاتَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، حَيْثُ رُبَّمَا يُنْسَبُ فِعْلُهَا إِلَى النَّاسِ مَجَازًا، وَيُقَالُ: أَنْبَتَ فُلَانٌ هَذَا الشَّجَرَ مَثَلًا، وَصَنَعَ فُلَانٌ هَذِهِ السَّفِينَةَ مَثَلًا، وَأَمَّا مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْجَمَادَاتِ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرَّمَ تَصْوِيرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ الْأَشْرَفُ: الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا الْمُصَوِّرُونَ» بِالرَّفْعِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِهِ، وَاعْتَذَرَ عَنِ الرَّفْعِ فَقَالَ الْكِسَائِيُّ: " مِنْ " زَائِدَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُنَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ مُقَدَّرٌ أَيْ أَنَّهُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا الْمُصَوِّرُونَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةً، وَلَيْسَ فِيهَا لَفْظَةُ " إِنَّ ". نَعَمْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا بِغَيْرِ " مِنْ ". قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: إِنَّ مِنْ غَيْرِ " مِنْ " فَلَعَلَّ الْأَشْرَفَ أَرَادَ الشُّهْرَةَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَعَلَّهُمْ وَجَدُوا فِي نُسْخَةِ كَذَا. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ مَعْنَاهُ: إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُرَاعَاةِ التَّرْكِيبِ اللَّفْظِيِّ، فَبَنَوْا عَلَيْهِ وَنَقَلُوهُ عَنْهُ، وَأَدْرَجُوهُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالشُّهْرَةِ وَعَدَمِهَا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ. أَمَا تَرَى كَيْفَ وَقَعَ التَّنَازُعُ بَيْنَ السَّيِّدِ السَّنَدِ وَالسَّعْدِ الْأَسْعَدِ فِي مَعْنَى حُبِّ الْهِرَّةِ مِنَ الْإِيمَانِ؟ وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ مِنْ أَهْلِ الِاتِّفَاقِ، وَلِهَذَا صَنَّفَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا السَّخَاوِيُّ كِتَابَهُ " الْمَقَاصِدُ الْحَسَنَةُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ "، وَلَخَّصَهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ الرَّبِيعِ، وَجَمَعْتُ الْمَوْضُوعَاتِ مِنْهَا فِي رِسَالَةٍ مُخْتَصَرَةٍ يَنْبَغِي الِاهْتِمَامُ بِتَحْصِيلِهَا.

стр. 6206

٤٤٩٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا، فَيُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ» ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٩٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ مُصَوِّرٍ) : أَيْ فَاعِلُ صُورَةٍ (فِي النَّارِ يُجْعَلُ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِبِنَاءِ الْفَاعِلِ عَلَى مَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَيْ يَجْعَلُ اللَّهُ (لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا) : وَنَصْبُهُ عَلَى صِيغَةِ الْفَاعِلِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ فَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِرِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَفْسٌ بِالرَّفْعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَيْضًا، وَأَمَّا أَكْثَرُهَا بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ وَنَصْبِ نَفْسًا، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَأَكْثَرُ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ فَهُوَ مُشْكِلٌ، لَكِنَّ تَوْجِيهَهُ أَنَّهُ أَسْنَدَ إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ. (فَتُعَذِّبُهُ) : بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ أَيْ تُعَذِّبُهُ تِلْكَ النَّفْسُ، وَأَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَيْهَا مَجَازًا ; لِأَنَّهَا السَّبَبُ وَالْبَاعِثُ عَلَى تَعْذِيبِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْيَاءِ أَيْ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ، وَفِي نُسْخَةٍ فَيُعَذَّبُ بِهِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ بِسَبَبِ تَصْوِيرِ تِلْكَ النَّفْسِ. (فِي جَهَنَّمَ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ: إِلَى هُنَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ) : الْخِطَابُ لِمَنْ سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَلَعَلَّ لَفْظَ الْبُخَارِيِّ مَا سَيَأْتِي عَنْهُ، فَصَارَ الْحَدِيثُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى، فَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ مِنِ اقْتِصَارِهِ عَلَى مُسْلِمٍ فَتَأَمَّلْ.

стр. 6207

٤٤٩٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ ". كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ، صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٤٩٩ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ) : الْحُلْمُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَيُضَمُّ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ، وَقَدْ ضَبَطَهُ الْمُظْهِرُ بِضَمَّتَيْنِ وَالنَّوَوِيُّ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: الْحُلُمُ بِضَمَّتَيْنِ الرُّؤْيَا وَحَلَمَ يَحْلُمُ بِالضَّمِّ حُلْمًا رَأَى الرُّؤْيَا، وَتَحَلَّمَ إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ رَأَى. وَفِي الْقَامُوسِ: الْحُلْمُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ الرُّؤْيَا جَمْعُهُ أَحْلَامٌ، حَلَمَ فِي نَوْمِهِ وَاحْتَلَمَ وَتَحَلَّمَ وَانْحَلَمَ، وَتَحَلَّمَ الْحُلْمَ اسْتَعْمَلَهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَحَلَّمَ أَيْ تَكَلَّفَ الْحُلْمَ، وَحَاصِلُ الْمَجْمُوعِ أَنَّ مَعْنَاهُ مَنِ ادَّعَى الرُّؤْيَا بِحُلْمٍ (لَمْ يَرَهُ) : أَيْ فِي مَنَامِهِ (كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ) : أَيْ لَنْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ، وَهَذَا التَّكْلِيفُ مَعَ عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ مُبَالَغَةٌ فِي تَعْذِيبِهِ فَيُعَذَّبُ بِهِ أَبْدًا قَالَ الْقَاضِي: أَيْ عُذِّبَ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ مَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُعْقَدَ، كَمَا عَقَدَ بَيْنَ مَا سَرَدَهُ، وَاخْتَلَقَ مِنَ الرُّؤْيَا، وَلَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ عَذَابُهُ وَجَزَاؤُهُ، بَلْ إِنَّهُ يُجْعَلُ ذَلِكَ شِعَارُهُ لِيُعْلَمَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يُزَوِّرُ الِاحْتِلَامَ. وَلَفْظَةُ كُلِّفَ تُشْعِرُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَفِي النِّهَايَةِ: إِنْ قِيلَ: إِنْ كَذَبَ الْكَاذِبُ فِي مَنَامِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى كَذِبِهِ فِي يَقَظَتِهِ، فَلِمَ زَادَتْ عُقُوبَتُهُ وَوَعِيدُهُ؟ قِيلَ: قَدْ صَحَّ الْخَبَرُ أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَالنُّبُوَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا وَحْيًا، وَالْكَاذِبُ فِي رُؤْيَا يَدَّعِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَاهُ مَا لَمْ يَرَهُ، وَأَعْطَاهُ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ لَمْ يُعْطِهِ إِيَّاهُ، وَالْكَاذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ فِرْيَةً مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى الْخَلْقِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا مَخْصُوصَةٌ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِخْبَارِ عَنِ الْغُيُوبِ، وَأُمُورِ الدِّينِ. قُلْتُ: لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنَ الرُّؤْيَا عَنْ أُمُورِ الْغَيْبِ، فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنَ الْغَيْبِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: إِنَّ هَذَا التَّغْلِيظَ فِي شَأْنِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَنِي نَبِيًّا وَأَخْبَرَنِي بِأَنَّ فُلَانًا مَغْفُورٌ أَوْ مَلْعُونٌ، أَوْ بِكَذَا وَكَذَا، أَوْ أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ بِكَذَا وَكَذَا، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ رَأَى ذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: أَمَرَنِي اللَّهُ بِالطَّاعَةِ وَاجْتِنَابِ الْمَعْصِيَةِ، أَوْ بِوَعْظِ النَّاسِ وَالْبِرِّ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فِي رُؤْيَاهُ إِلَّا أَنَّ عَذَابَهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ عَذَابِ الْآخَرِ. قُلْتُ: لِأَنَّ الْآخَرَ جَمْعَ بَيْنَ كَذِبَيْنِ، مَعَ أَنَّ الْكَذِبَ يَتَفَاوَتُ فِي الْيَقَظَةِ أَيْضًا، فَالْأَحْسَنُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ: وَالْعَذَابُ عَلَى وَفْقِ الْكَذِبِ، وَتَفَاوُتِ مَرَاتِبِهِ. نَعَمْ تَخْصِيصُ الرُّؤْيَا إِمَّا لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْكَذِبِ، أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ أَشَدِّ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ لِكَوْنِهِ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ، وَادِّعَاءً لِلْغَيْبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَهُ» ". (وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ) : أَيْ لِاسْتِمَاعِهِ. (كَارِهُونَ، أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ) : " أَوْ " لِلشَّكِّ، وَالْمَعْنَى وَهُمْ يَتَبَعَّدُونَ مِنْهُ وَمِنِ اسْتِمَاعِهِ كَلَامَهُمْ (صُبَّ) : بِضَمِّ صَادٍ وَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ سُكِبَ (فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ) : بِالْمَدِّ

стр. 6208

وَضَمِّ النُّونِ وَمَعْنَاهُ الْأَسْرَبُ بِالْفَارِسِيَّةِ. وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ الرَّصَاصُ الْأَبْيَضُ، وَقِيلَ الْأَسْوَدُ، وَقِيلَ الْخَالِصُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : الْجُمْلَةُ دُعَاءٌ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِخْبَارٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ، وَهَذَا الْوَعِيدُ وَإِنَّمَا هُوَ حَقُّ مَنْ يَسْتَمِعُ لِأَجْلِ النَّمِيمَةِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِتْنَةِ بِخِلَافِ مَنِ اسْتَمَعَ حَدِيثَ قَوْمٍ، لِيَمْنَعَهُمْ عَنِ الْفَسَادِ، أَوْ لِيَمْتَنِعَ مِنْ شُرُورِهِمْ. (وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً) : أَيْ ذَاتَ رُوحٍ أَوْ مُطْلَقًا (عُذِّبَ وَكُلِّفَ) : أَيْ فِي ذَاتِ الرُّوحِ تَغْلِيظًا (أَنْ يَنْفُخَ) : أَيِ الرُّوحُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (فِيهَا) : أَيْ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ (وَلَيْسَ بِنَافِخٍ) : وَنَظِيرُهُ مَنْ تَحَلَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَرَوَى الْجُمْلَةَ الْأُولَى مِنَ الْحَدِيثِ: التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «مَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَعْقِدَ بَيْنَهُمَا» ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ الْجُمْلَتَيْنِ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ، وَمَنْ أَرَى عَيْنَيْهِ فِي الْمَنَامِ مَا لَمْ تَرَ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ شَعِيرَةً - يَعْنِي بِأُخْرَى أَوْ بِنَفْسِهَا» - " وَرَوَى الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ: مِنَ الْحَدِيثِ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» ".

стр. 6209

٤٥٠٠ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٥٠٠ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ) : بِفَتْحِ نُونٍ وَسُكُونِ رَاءٍ وَفَتْحِ دَالٍّ مُهْمَلَةٍ وَيُكْسَرُ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ فَرَاءٍ، وَهُوَ النَّرْدُ الْمَعْرُوفُ، وَهُوَ عَجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. وَشِيرَ: مَعْنَاهُ حُلْوٌ. كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَنَقَلَهُ الطِّيبِيُّ عَنِ النَّوَوِيِّ. (فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ) : أَيْ أَدْخَلَهَا فِيهِمَا، وَتَخْصِيصُ الصَّبْغِ هُمَا لِكَوْنِهِ نَجِسًا، فَيَكُونُ أَبْلَغَ لِلرَّغْبَةِ عَنْهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ فِي تَحْرِيمِ اللَّعِبِ بِهِ، وَمَعْنَى صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِهِ أَنَّهُ فِي لِعْبِ ذَلِكَ كَأَنَّهُ صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِهِ وَأَكْلِهِمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ تَصْوِيرُ قُبْحِ ذَلِكَ الْفِعْلِ تَنْفِيرًا عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: هُوَ النَّرْدُ الَّذِي يُلْعَبُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ مَوْضُوعَاتِ شَابُوَرَ بْنِ أَرْدِشِيرَ بْنِ تَابَكَ، أَبُوهُ أَرْدِشِيرُ، أَوَّلُ مُلُوكِ السَّاسَانِيَّةِ شَبَّهَ رُقْعَتَهُ بِوَجْهِ الْأَرْضِ، وَالتَّقْسِيمَ الرُّبَاعِيَّ بِالْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ، وَالرُّقُومُ الْمَجْعُولَةُ ثَلَاثِينَ بِثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَالسَّوَادُ وَالْبَيَاضُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْبُيُوتُ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةِ بِالشُّهُورِ، وَالْكِعَابُ بِالْأَقْضِيَةِ السَّمَاوِيَّةِ، وَاللَّعِبُ بِهَا بِالْكَسْبِ، فَصَارَ اللَّاعِبُ بِهَا حَقِيقِيًّا بِالْوَعِيدِ الْمَفْهُومِ مِنْ تَشْبِيهِ اللَّعِبِ بِالنَّرْدَشِيرِ بِمَا ذَكَرَهُ فِي الْحُرْمَةِ لِاجْتِهَادِهِ فِي إِحْيَاءِ سُنَّةِ الْمَجُوسِ الْمُتَكَبِّرَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَاقْتِنَاءِ أَبْنِيَتِهِمُ الشَّاغِلَةِ عَنْ حَقَائِقِ الْأُمُورِ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ اللَّعِبَ بِالنَّرْدِ حَرَامٌ، وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَأَمَّا الشَّطْرَنْجُ فَمَذْهَبُنَا أَيْضًا عَلَى تَحْرِيمِ اللَّعِبِ بِهِ مُطْلَقًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُبَاحُ بِشُرُوطٍ مُعْتَبَرَةٍ عِنْدَهُ، وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ بَيَانٍ فِي مَحَلِّهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6210

الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٥٠١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ قَالَ: أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي عَلَى بَابِ الْبَيْتِ فَيُقْطَعْ، فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ، فَلْيُجْعَلْ وِسَادَتَيْنِ مَنْبُوذَتَيْنِ تُوطَآنِ، وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ ". فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٥٠١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ : كَذَا فِي النُّسَخِ (قَالَ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِجَوَابِ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ (أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ) : أَيِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ (فَلَمْ يَمْنَعْنِي) : أَيْ مَانِعٌ (أَنْ أَكُونَ) : أَيْ مِنْ أَنْ أَكُونَ (دَخَلْتُ) : أَيْ فِي الْبَيْتِ (إِلَّا أَنَّهُ) : أَيِ الشَّأْنُ (كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ) : أَيْ سِتْرٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ، إِذْ كَوْنُهَا عَلَى الْبَابِ بَعِيدٌ عَنْ صَوْبِ الصَّوَابِ، وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ جَمْعُ تِمْثَالٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْمُرَادُ بِهَا صُوَرُ الْحَيَوَانَاتِ. (وَكَانَ) : عُطِفَ عَلَى كَانَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِ جِبْرِيلَ، أَيْ وَكَانَ أَيْضًا (فِي الْبَيْتِ قِرَامَ سِتْرٍ) : بِكَسْرِ السِّينِ (فِيهِ) : أَيْ فِي الْقِرَمِ (تَمَاثِيلُ) : وَالْقِرَامُ بِكَسْرِ الْقَافِ السِّتْرُ الْمُنَقَّشُ قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.

стр. 6211

وَفِي الْقَامُوسِ: الْقِرَامُ كَكِتَابِ السِّتْرِ الْأَحْمَرِ، أَوْ ثَوْبٌ مُلَوَّنٌ مِنْ صُوفٍ فِيهِ رَقْمٌ وَنُقُوشٌ أَوْ سِتْرٌ رَقِيقٌ، وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ النِّهَايَةِ: أَنَّهُ هُوَ السِّتْرُ الرَّقِيقُ، وَقِيلَ: الصَّفِيقُ مِنْ صُوفٍ ذِي أَلْوَانٍ وَالْإِضَافَةُ فِيهِ كَقَوْلِهِ: ثَوْبُ قَمِيصٍ، وَقِيلَ: الْقِرَامُ السِّتْرُ الرَّقِيقُ وَرَاءَ السِّتْرِ الْغَلِيظِ، وَلِذَلِكَ أَضَافَ (وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ) : أَيْ أَيْضًا (فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ) : أَيِ (الَّذِي عَلَى سِتْرِ بَابِ الْبَيْتِ) : أَيْ بِقَطْعِ رَأْسِهِ (فَيُقْطَعُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُخَفَّفًا، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالنَّصْبِ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى رَأْسِ التِّمْثَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: وَأَكْثَرُ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَفِي بَعْضِهَا بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ الْأَمْرِ، فَإِنَّ أَمْرَ الشَّارِعِ سَبَبٌ لِلِامْتِثَالِ وَالْأَوَّلُ أَلْطَفُ مَعْنًى (فَيَصِيرُ) : بِالْوَجْهَيْنِ أَيْ يَرْجِعُ التِّمْثَالُ الْمُقْطَعُ رَأْسُهُ (كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ) : إِنْ قُلْتَ مَا الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ هَذَا ; قُلْتُ: الْإِعْلَامُ بِأَنَّ الْقَطْعَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ نَحْرُ مَوْضِعِ الرَّأْسِ مِنَ الْقِرَامِ، بَلْ فَصْلُهُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرِ إِلَّا إِذَا فُصِلَ مِنْهُ الرَّأْسُ، فَأَمَّا مَادَامَ الرَّأْسُ بَاقِيًا أَوْ مَمْحُوًّا فَلَا. كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ إِذَا مُحِيَ الرَّأْسُ وَمَا بِهِ مِنْ صُورَةِ الْوَجْهِ الْمُتَمَيِّزِ بِهِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَصِيرُ عَلَى هَيْئَةِ الشَّجَرَةِ وَهُوَ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ، وَأَمَّا الثَّانِي ; فَلِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، فَفِي فَتَاوَى قَاضِيخَانَ، يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فَوْقَهُ أَوْ عَلَيْهِ، أَوْ يَسَارَهُ أَوْ ثَوْبَهُ تَصَاوِيرُ. وَفِي الْبِسَاطِ رِوَايَتَانِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ عَلَى الْبِسَاطِ إِذَا لَمْ يَسْجُدْ عَلَى التَّصَاوِيرِ. قَالَ: وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الصُّورَةُ تَبْدُو لِلنَّاظِرِينَ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَمْحُوَّةَ الرَّأْسِ لَا بَأْسَ بِهِ، هَذَا وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصُّورَةَ إِذَا غُيِّرَتْ هَيْئَتُهَا بِأَنْ قُطِعَتْ رَأْسُهَا أَوْ حُلَّتْ أَوْصَالُهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا الْأَثَرُ عَلَى شِبْهِ الصُّوَرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَعَلَى أَنَّ مَوْضِعَ التَّصْوِيرِ إِذَا نَقَضَ حَتَّى تَنْقَطِعَ أَوْصَالُهُ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ. قُلْتُ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى جَوَازِ تَصْوِيرِ نَحْوَ الْأَشْجَارِ مِمَّا لَا حَيَاةَ فِيهِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا يَصِيرُ مَآلًا وَانْتِهَاءً، وَبَيْنَ مَا يُقْصَدُ تَصْوِيرُهُ ابْتِدَاءً وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ، فَلْيُجْعَلْ وِسَادَتَيْنِ مَنْبُوذَتَيْنِ) : أَيْ مَطْرُوحَتَيْنِ مَفْرُوشَتَيْنِ (تُوطَآنِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تُهَانَانِ بِالْوَطْءِ عَلَيْهِمَا، وَالْقُعُودِ فَوْقَهُمَا، وَالِاسْتِنَادِ إِلَيْهِمَا، وَأَصْلُ الْوَطْءِ الضَّرْبُ بِالرِّجْلِ، وَالْمُرَادُ بِقَطْعِ السِّتْرِ التَّوَصُّلُ إِلَى جَعْلِهِ وِسَادَتَيْنِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنَ الْحَدِيثِ، يُفِيدُ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ مَا فِيهِ الصُّورَةُ بِنَحْوِ: الْوِسَادَةُ وَالْفِرَاشُ وَالْبِسَاطُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَطْعِهِ أَنْ لَا يَبْقَى مَوْضِعَ مِنَ الصُّورَةِ بَاقِيًا، وَهُوَ مَعَ بُعْدِهِ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى قِلَّةِ التَّصَاوِيرِ فِيهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالسِّتْرِ جِنْسُ السِّتْرِ الشَّامِلِ لِمَا عَلَى الْبَابِ، وَلِمَا فِي الْبَيْتِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَطْعِ الْفَصْلُ لِلتَّسْوِيَةِ، ثُمَّ الْوَصْلُ بِالْخِيَاطَةِ، ثُمَّ جَعْلَهُمَا وِسَادَتَيْنِ. (وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَيُخْرَجْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ فَلْيَخْرُجْ (فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيْ جَمِيعُ مَا ذَكَرَ أَوْ نَزَّلَ الْفِعْلَ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ أَيِ امْتَثَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6212

٤٥٠٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ، وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ يَقُولُ: " إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٥٠٢ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَخْرُجُ عُنُقٌ) : نِجْمَتَيْنِ أَيْ شَخْصٌ قَوِيٌّ، وَقِيلَ هُوَ طَائِفَةٌ. ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْعُنُقُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ وَكَصَرْدِ الْجِيدِ مُؤَنَّثٌ، وَالْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ طَائِفَةٌ (مِنَ النَّارِ) : وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ يَخْرُجُ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : ظَرْفٌ لَهُ، ثُمَّ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (لَهَا) : رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى عُنُقٍ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُنُقِ الْجِيدُ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ إِذْ لَا صَارِفَ عَنْ ظَاهِرِهِ فَهُوَ مُؤَنَّثٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَخْرُجُ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ عَلَى هَيْئَةِ الرَّقَبَةِ الطَّوِيلَةِ لَهَا (عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ، وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ) : كَمَا وَرَدَ مِثْلُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ

стр. 6213

الْأَسْعَدُ يَشْهَدُ لِمَنْ وَافَاهُ بِالْعَهْدِ الْمِيثَاقِيِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (يَقُولُ) : بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ يَنْطِقُ أَوْ حَالٌ، وَالْمَعْنَى يَقُولُ لِسَانُهَا حَالًا أَوْ مَآلًا (إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ) : أَيْ وَكَّلَنِيِ اللَّهُ بِأَنْ أُدْخِلَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ النَّارَ، وَأُعَذِّبَهُمْ بِالْفَضِيحَةِ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ (بِكُلِّ جَبَّارٍ) : أَيْ ظَالِمٍ (عَنِيدٍ) : أَيْ مُعَانِدٍ مُتَكَبِّرٍ عَنِ الْحَقِّ مُلَازِمٍ عَلَى الْبَاطِلِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْجَبَّارُ هُوَ الْمُتَمَرِّدُ الْعَاتِي وَالْعَنِيدُ الْجَائِرُ عَنِ الْقَصْدِ الْبَاغِي الَّذِي يَرُدُّ الْحَقَّ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ. (وَكُلُّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ) : وَفِي هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 6214

٤٥٠٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ، وَالْمَيْسِرَ، وَالْكُوبَةَ، وَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ". قِيلَ: الْكُوبَةُ الطَّبْلُ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٤٥٠٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ، وَالْمَيْسِرَ) : وَتَحْرِيمُهُمَا مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ (وَالْكُوبَةَ) : بِضَمِّ الْكَافِ أَيْ وَحَرَّمَ الْكُوبَةَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ ضَرْبُهَا وَهِيَ الطَّبْلُ الصَّغِيرُ، وَقِيلَ النَّرْدُ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ مِيرَكُ: هِيَ طَبْلُ اللَّهْوِ لَا طَبْلَ النزاةِ وَالْحُجَّاجِ. (وَقَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (كُلُّ مُسْكِرٍ) : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: (حَرَامٌ) . وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ: وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ أَمْ لَا. (قِيلَ: الْكُوبَةُ الطَّبْلُ) : تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَفِي إِشْعَارٍ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي مَعْنَاهُ النَّرْدُ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْكُوبَةُ بِالضَّمِّ النَّرْدُ أَوِ الشَّطْرَنْجُ، وَالطَّبْلُ الصَّغِيرُ الْمُخَصَّرُ، وَالْبَرْبَطُ وَهُوَ كَجَعْفَرِ الْعُودِ مُعَرَّبٌ بِرَبْطٍ أَيْ صَدْرُ الْإِوَزِّ لِأَنَّهُ يُشْبِهُهُ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 6215

٤٥٠٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْسِرِ، وَالْكُوبَةِ، وَالْغُبَيْرَاءِ. وَالْغُبَيْرَاءُ: شَرَابٌ يَعْمَلُهُ الْحَبَشَةُ مِنَ الذُّرَةِ، يُقَالُ لَهُ: السُّكُرْكَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٥٠٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْسِرِ، وَالْكُوبَةِ، وَالْغُبَيْرَاءِ) : بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ (وَالْغُبَيْرَاءُ: شَرَابٌ تَعْمَلُهُ الْحَبَشَةُ مِنَ الذُّرَةِ) : بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ. فَفِي الْقَامُوسِ: الذُّرَةُ، كُثْبَةٌ: حَبٌّ مَعْرُوفٌ، أَصْلُهَا: ذُرٌّ، وَزَادَ فِي الصِّحَاحِ وَالتَّاءُ عِوَضٌ، وَفِي الْفَائِقِ. سُمِّيَتْ بِالْغُبَيْرَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ غَبْرَةٍ. (يُقَالُ لَهَا: السُّكُرْكَةُ) : وَهِيَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ بِضَمِّ السِّينِ وَالْكَافِ الْأُولَى وَسُكُونِ الرَّاءِ، نَوْعٌ مِنَ الْخُمُورِ يُتَّخَذُ مِنَ الذُّرَةِ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ بَعْدَهُ مِنَ الرُّوَاةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6216

٤٥٠٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٥٠٥ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ) : لِأَنَّهُ قِمَارٌ حَقِيقَةً أَوْ صُورَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ حَرَامٌ مُطْلَقًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ.

стр. 6217

٤٥٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامَةً، فَقَالَ: " شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ ٤٥٠٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامَةً) : أَيْ يَقْفُو أَثَرَهَا لَاعِبًا بِهَا (فَقَالَ: شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَإِنَّمَا سَمَّاهُ شَيْطَانًا لِمُبَاعَدَتِهِ عَنِ الْحَقِّ وَاشْتِغَالِهِ بِمَا لَا يَعْنِيهِ، وَسَمَّاهَا شَيْطَانَةً لِأَنَّهَا أَوْرَثَتْهُ الْغَفْلَةَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالشُّغُلَ عَنِ الْأَمْرِ الَّذِي كَانَ بِصَدَدِهِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اتِّخَاذُ الْحَمَامِ لِلْفَرْخِ وَالْبَيْضِ، أَوِ الْأُنْسِ، أَوْ حَمْلِ الْكُتُبِ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَأَمَّا اللَّعِبُ بِهَا لِلتَّطَيُّرِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، فَإِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ قِمَارٌ وَنَحْوُهُ رُدَّتِ الشَّهَادَةُ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ، وَعَنْ عَائِشَةَ.

стр. 6218

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٥٠٧ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! إِنِّي رَجُلٌ، إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا ". فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً، وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ وَكُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٥٠٧ - (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَاسْمُ أَبِي الْحَسَنِ يَسَارٌ الْبَصْرِيُّ تَابِعِيٌّ، رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْهُ قَتَادَةُ وَعَوْفٌ. (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! إِنِّي رَجُلٌ، إِنَّمَا مَعِيشَتِي) : أَيْ لَيْسَتْ مَعِيشَتِي إِلَّا (مِنْ صَنِيعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ) : أَيْ فَقَطْ (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ) : " لَا " نَافِيَةٌ، أَيْ لَا أُخْبِرُكَ فِي جَوَابِكَ (إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيْ وَلَا أَتَكَلَّمُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي التَّأْثِيرِ (سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ صَنَعَ صُورَةً) : أَيْ عَمَلَهَا وَاشْتَغَلَهَا (فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ) : بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ يُعَذِّبُهُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ (حَتَّى يَنْفُخَ) : أَيِ الرُّوحُ (فِيهِ) : أَيْ فِيمَا صَوَّرَهُ وَفِي نُسْخَةٍ فِيهَا أَيْ فِي الصُّورَةِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا) : أَيْ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَذَابُهُ سَرْمَدًا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، أَوْ عَلَى فَرْضِ الِاسْتِحْلَالِ (فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الرَّبْوُ النَّفَسُ الْعَالِي، يُقَالُ: رَبَا يَرْبُو رَبْوًا إِذَا أَخَذَهُ الرَّبْوُ، وَفِي الْقَامُوسِ: رَبَا الْفَرَسُ رَبْوًا انْتَفَخَ مِنْ عَدْوٍ، أَوْ فَزَعٍ. وَالْحَاصِلُ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ فَزِعَ مِنْ نَقْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَدِيثَ وَصَارَ يَتَنَفَّسُ الصُّعَدَاءَ. (وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ) : أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (وَيْحَكَ) : بِالنَّصْبِ وَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا فَيَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ الْمَرْفُوعُ: " «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ". رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: " «يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُوهُ إِلَى النَّارِ» " بِخِلَافِ وَيْلٍ، فَإِنَّهَا كَلِمَةٌ تُقَالُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهَلَكَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الأحقاف: ١٧] ، وَفِي الْقَامُوسِ: وَيْحٌ لِزَيْدٍ، وَوَيْحًا لَهُ: كَلِمَةُ رَحْمَةٍ، وَرَفْعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَنَصْبُهُ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، وَوَيْحَ زَيْدٍ، وَوَيْحَهُ، نَصْبُهُمَا لَهُ أَيْضًا. (إِنْ أَبَيْتَ) : أَيْ إِنِ امْتَنَعْتَ مِنْ سَائِرِ الصُّنَّاعِ (إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ) : أَيِ التَّصَاوِيرُ (فَعَلَيْكَ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ) : أَيْ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا لَا رُوحَ فِيهِ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (وَكُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ) : وَكُّلِّ بِالْجَرِّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ فِيهِ الْجَرُّ عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِلشَّجَرِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا مَنَعَهُ عَنِ التَّصْوِيرِ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى جِنْسِ الشَّجَرِ رَأَى ذَلِكَ غَيْرَ وَافٍ بِالْقَصْدِ فَأَوْضَحَهُ لَهُ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْبَدَلِ، وَالنَّصْبُ عَلَى التَّفْسِيرِ يَعْنِي بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ بِالْجَرِّ مِنْ قَبِيلِ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُودُ الْعَاطِفِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 6219

٤٥٠٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً يُقَالُ لَهَا: مَارِيَّةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: " أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الْقُبُورَ، أُولَئِكَ شِرَارُ خَلْقِ اللَّهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٥٠٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ : أَيْ مَرَضَ (ذَكَرَ بَعْضُ نِسَائِهِ) : أَيْ أَزْوَاجِهِ (كَنِيسَةً) : وَهِيَ مَعْبَدُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مُعَرَّبُ كِنِيشِتَ (يُقَالُ لَهَا) : أَيْ لِتِلْكَ الْكَنِيسَةِ (مَارِيَّةُ) : - وَلَعَلَّهَا مُعَرَّبَةٌ - (مَا رُؤِيَ مِثْلُهَا) (وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ) : أَيْ وَرَأَتَاهَا فِيهَا وَتَعَجَّبَتَا مِنْهَا (فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا) : أَيْ حُسْنِ الْمَارِيَّةِ (وَتَصَاوِيرَ) : أَيْ وَحُسْنِ تَصَاوِيرَ (فِيهَا، فَرَفَعَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (رَأْسَهُ) : أَيْ مِنْ كَمَالِ الْغَيْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ (فَقَالَ: أُولَئِكَ) : بِكَسْرِ الْكَافِ خِطَابًا لِإِحْدَاهُمَا أَوْ لِإِحْدَى النِّسَاءِ أَوْ لِعَائِشَةَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْكَافِ عَلَى خِطَابِ الْعَامِّ، أَوْ تَنْزِيلًا لَهُنَّ مَنْزِلَةَ الرِّجَالِ، وَالْمَعْنَى أُولَئِكَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ مِنْ جَمَاعَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى

стр. 6220

(إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ) : أَيْ مِنْ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ (بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا) : أَيْ مُتَعَبَّدًا وَسَمُّوهُ كَنِيسَةً (ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ) : أَيْ صُوَرُ الصُّلَحَاءِ تَذْكِيرًا بِهِمْ وَتَرْغِيبًا فِي الْعِبَادَةِ لِأَجْلِهِمْ، ثُمَّ جَاءَ مَنْ بَعْدَهُمْ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: سَلَفُكُمْ يَعْبُدُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ فَوَقَعُوا فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ. (أُولَئِكَ) : أَيِ الْبَانُونَ وَالْمُصَوِّرُونَ (شِرَارُ خَلْقِ اللَّهِ) : لِأَنَّهُمْ ضَلُّوا وَأَضَلُّوا عِبَادَ اللَّهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6221

٤٥٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا، أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ، أَوْ قَتَلَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ، وَالْمُصَوِّرُونَ، وَعَالِمٌ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعِلْمِهِ» ". ــ ٤٥٠٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا، أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ» ) : يَعْنِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ التَّقْيِيدُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. " «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » - قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ احْتِرَازٌ مِمَّنْ يَقْتُلُهُ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ ; لِأَنَّ مَنْ قَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ قَاصِدًا قَتْلَ النَّبِيِّ ﷺ . وَهُوَ يُشْكِلُ بِغُلَامِ الْخِضْرِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ، وَلَعَلَّهُ يَخْرُجُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ لِحِكْمَةٍ ذُكِرَتْ فِي مَحَلِّهَا. (أَوْ قَتَلَ) : أَيْ أَوْ مَنْ قَتَلَ (أَحَدَ وَالِدَيْهِ) : وَ " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ (وَالْمُصَوِّرُونَ) : عَطْفٌ عَلَى مَحَلِّ مَنْ قَتَلَ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَعَالِمٌ لَمْ يَنْتَفِعْ) : أَيْ هُوَ (بِعِلْمِهِ) : أَيْ بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ.

стр. 6222

٤٥١٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الشَّطْرَنْجُ هُوَ مَيْسِرُ الْأَعَاجِمِ. ــ ٤٥١٠ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الشِّطْرَنْجُ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مُعَرَّبُ شَشْ رَنْجَ، أَيْ سِتُّ مِحَنٍ. وَقِيلَ بِفَتْحِهَا. وَهُوَ مُعَرَّبُ رَنْجَ أَيْ سَاحِلُ التَّعَبِ، وَلَا يُفْتَحُ أَوَّلُهُ لُعْبَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَالسِّينُ لُغَةٌ فِيهِ. (هُوَ مَيْسِرُ الْأَعَاجِمِ) : أَيْ قِمَارُهُمْ حَقِيقَةً أَوْ صُورَةً وَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، أَوْ أَرَادَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي عُمُومِ الْمَيْسِرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، هَذَا وَأَمَّا الشَّرْطُ بِهِ فَحَرَامٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.

стр. 6223

٤٥١١ - وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَالَ: لَا يَلْعَبُ بِالشَّطْرَنْجِ إِلَّا خَاطِئٌ. ــ ٤٥١١ - (وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) : أَيِ الزُّهْرِيُّ (أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَالَ: لَا يَلْعَبُ بِالشَّطْرَنْجِ إِلَّا خَاطِئٌ) : أَيْ عَاصٍ وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ مَا يَكُونُ بِالشَّرْطِ وَغَيْرِهِ، وَالْحَدِيثُ إِنْ كَانَ مَوْقُوفًا، لَكِنَّهُ مَرْفُوعٌ حُكْمًا، فَإِنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، وَسَيَأْتِي عَنْهُ مَا يُعَضِّدُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ حَقِيقَةً. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي إِبَاحَةِ اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُهُمْ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَتَبَصَّرُ بِهِ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ وَمَكِيدَةِ الْعَدُوِّ. قُلْتُ: مَا أَضْعَفَ هَذَا التَّعْلِيلَ وَمَا أَسْخَفَ هَذَا التَّأْوِيلَ، مَعَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَمِّهِ وَعَدَمِ ثُبُوتِ فِعْلِهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: وَلَكِنْ بِثَلَاثِ شَرَائِطَ: أَنْ لَا يُقَامِرَ، وَلَا يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، وَأَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنِ الْخَنَا وَالْفُحْشِ، فَإِذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْهَا فَهُوَ سَاقِطُ الْمُرُوءَةِ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ كَرِهَ الشَّافِعِيُّ اللَّعِبَ بِالشَّطْرَنْجِ وَالْحَمَامِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَحَرَّمَهُ جَمَاعَةٌ كَالنَّرْدِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الْقِمَارُ كُلُّهُ حَرَامٌ حَتَّى الْجَوْزُ يُلْعَبُ بِهِ اهـ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى إِبَاحَتِهِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَذَهَبَ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى تَحْرِيمِهِ كَالنَّرْدِ، هَذَا، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «مَلْعُونٌ مَنْ لَعِبَ بِالشَّطْرَنْجِ، وَالنَّاظِرُ إِلَيْهَا كَالْآكِلِ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ» . وَرَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ حَزْمٍ عَنْ حَبَّةَ بْنِ مُسْلِمٍ مُرْسَلًا، وَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ تَعَاضَدَتِ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ الطُّرُقِ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 6224

٤٥١٢ - وَعَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَعِبِ الشَّطْرَنْجِ، فَقَالَ: هِيَ مِنَ الْبَاطِلِ، وَلَا يُحِبُّ اللَّهُ الْبَاطِلَ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةَ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٤٥١٢ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (أَنَّهُ سُئِلَ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى أَبِي مُوسَى، فَيَكُونُ عَلَى طِبْقِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ سُئِلَ أَحَدُهُمَا. (عَنْ لَعِبِ الشِّطْرَنْجِ) : وَهُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ مَعَ السُّكُونِ فَفِي الْقَامُوسِ: لَعِبَ كَسَمِعَ

стр. 6225

لَعِبَ، كَسَمِعَ، لَعْبًا وَلَعِبًا وَلِعْبًا ضِدُّ جَدٍّ. (فَقَالَ: هِيَ) : أَيْ مُلَاعَبَتُهُ أَوْ هَذِهِ اللُّعْبَةُ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ فَقَالَ: أَنْتَ الرَّاجِعُ إِلَى الشِّطْرَنْجِ بِاعْتِبَارِ التَّمَاثِيلِ (مِنَ الْبَاطِلِ، وَلَا يُحِبُّ اللَّهُ الْبَاطِلَ) : وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَهَادَةِ اللَّعِبِ بِالشَّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَنْ أَدْمَنَهَا فَمَا أَرَى شَهَادَتَهُمْ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] ، فَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الضَّلَالِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ اللَّعِبِ بِالشَّطْرَنْجِ؟ فَقَالَ: أَمِنَ الْحَقِّ هِي؟ قِيلَ: لَا، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] اهـ. وَبِهَذَا الِاسْتِدْلَالِ وَبِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: الْكُوبَةُ هِيَ الشِّطْرَنْجُ، وَبِكَوْنِهِ دَاخِلًا فِي الْمَيْسِرِ حَقِيقَةً أَوْ صُورَةً وَبِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ الْحَدِيثِيَّةِ مِنْهَا مَا سَبَقَ، وَمِنْهَا مَا فِي الدُّرِّ أَيْضًا. أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْمَيْسِرُ كِعَابُ فَارِسٍ وَقِدَاحُ الْعَرَبِ، وَهُوَ الْقِمَارُ كُلُّهُ أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حَكَمًا. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْمَيْسِرُ الْقِمَارُ كُلُّهُ حَتَّى الْجَوْزِ الَّذِي يَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَسَدِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْكِعَابَ الْمَوْسُومَةَ الَّتِي يُزْجَرُ بِهَا زَجْرًا فَإِنَّهَا مِنَ الْمَيْسِرِ» ) . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِيَّاكُمْ وَهَذِهِ الْكِعَابَ الْمَوْسُومَةَ الَّتِي تُزْجَرُ زَجْرًا، فَإِنَّهَا مِنَ الْمَيْسِرِ» ". وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْمَلَاهِي، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: " «إِيَّاكُمْ وَهَاتَيْنِ اللُّعْبَتَيْنِ الْمَوْسُومَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُزْجَرَانِ زَجْرًا، فَإِنَّهُمَا مَيْسِرُ الْعَجَمِ» ". وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: النَّرْدُ وَالشِّطْرَنْجُ مِنَ الْمَيْسِرِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الشِّطْرَنْجُ مَيْسِرُ الْأَعَاجِمِ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْمَلَاهِي، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، عَنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ النَّرْدُ تَكْرَهُونَهَا فَمَا بَالُ الشِّطْرَنْجِ؟ قَالَ: كُلُّ مَا أَلْهَى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ، صَحَّ الْقَوْلُ لِأَنَّ الشِّطْرَنْجَ مَكْرُوهٌ لَعِبُهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ مِنْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الشِّطْرَنْجِ فِي أَحَادِيثَ لَا أَعْلَمُ لِشَيْءٍ مِنْهَا إِسْنَادًا صَحِيحًا وَلَا حَسَنًا عَلَى مَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنْهُ ; لِأَنَّ تَعَدُّدَ الطُّرُقِ يُورِثُ الْحَدِيثَ حُسْنًا، وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِهِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ مَعَ أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ النَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَعْدُودٌ مِنَ الْمَيْسِرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ، فَاشْتِرَاطُ الْقِمَارِ فِي الشِّطْرَنْجِ دُونَ النَّرْدِ مِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 6226

٤٥١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي دَارَ قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَدُونَهُمْ دَارٌ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَأْتِي دَارَ فُلَانٍ، وَلَا تَأْتِي دَارَنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لِأَنَّ فِي دَارِكُمْ كَلْبًا. قَالُوا: إِنَّ فِي دَارِهِمْ سِنَّوْرًا. فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : " السِّنَّوْرُ سَبْعٌ» ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. ــ ٤٥١٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي دَارَ قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَدُونَهُمْ) : أَيْ قَرِيبُهُمْ (دَارٍ) : أَيْ أَهْلُ دَارٍ لَمْ يَأْتِهِمْ (فَشَقَّ ذَلِكَ) : أَيْ إِتْيَانُهُ إِيَّاهُمْ (عَلَيْهِمْ) : أَيْ لِأَجْلِ تَخْصِيصِ غَيْرِهِمْ وَتَرْكِهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ قَرِيبٌ مِنْهُمْ (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ تَأْتِي دَارَ فُلَانٍ، وَلَا تَأْتِي دَارَنَا؟) : أَيْ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَوْ فَمَا التَّقْصِيرُ مِنَّا؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ الِاسْتِفْهَامُ التَّعَجُّبِيُّ. (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لِأَنَّ فِي دَارِكُمْ كَلْبٌ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ كَلْبُ صَيْدٍ أَوْ حِرَاسَةٍ (فَقَالُوا: إِنِّ فِي دَارِهِمْ) : أَيْ دَارِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَيْضًا (سِنَّوْرًا) : بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدِ نُونٍ مَفْتُوحَةٍ أَيْ هِرًّا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : السِّنَّوْرُ سَبْعٌ) : بِفَتْحٍ فَضَمَّ وَفِي الْقَامُوسِ: بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ الِاسْتِفْهَامُ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ، وَعَلَى الْإِخْبَارِ، وَهُوَ الْوَجْهُ أَيِ السِّنَّوْرُ سَبْعٌ، وَلَيْسَ بِشَيْطَانٍ كَالْكَلْبِ النَّجِسِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ أَنَّ سَبَبَ امْتِنَاعِ الْمَلَائِكَةِ مَنْ بَيْتٍ فِيهِ كَلْبٌ كَوْنُهُ يَأْكُلُ النَّجَاسَةَ، وَلِأَنَّ بَعْضَهُ يُسَمَّى شَيْطَانًا وَالْمَلَائِكَةُ ضِدُّ الشَّيَاطِينِ اهـ. وَكَذَا الْأَنْبِيَاءُ عَلَى طَبْعِ الْمَلَائِكَةِ. (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «السِّنَّوْرُ سَبْعٌ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا: " «السِّنَّوْرُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَإِنَّهُ مِنَ الطَّوَّافِينَ أَوِ الطَّوَّافَاتِ عَلَيْكُمْ» ". أَقُولُ: وَلَعَلَّ الْجَوَابَ يَتِمُّ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ مُنْضَمًّا إِلَى مَا سَبَقَ، وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَالْأَظْهَرُ تَقْدِيرُ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ، فَإِنَّ السَّبُعَ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ هُوَ الْمُفْتَرِسُ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَهُوَ لَا يَصْدُقُ عَلَى الْهِرِّ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِالتَّشْبِيهِ.

стр. 6227

[كِتَابُ الطِّبِّ وَالرُّقَى]

стр. 6228

كِتَابُ الطِّبِّ وَالرُّقَى الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٥١٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ كِتَابُ الطِّبِّ وَالرُّقَى الطِّبُّ: بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: هُوَ مُثَلَّثُ الطَّاءِ عِلَاجُ الْأَمْرَاضِ، وَمَدَارُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ: حِفْظُ الصِّحَّةِ، وَالِاحْتِمَاءُ عَنِ الْمُؤْذِي، وَاسْتِفْرَاغُ الْأَخْلَاطِ وَالْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ اهـ. وَفِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ: جَاءَ فُلَانٌ يَسْتَطِبُّ لِوَجَعِهِ أَيْ يَسْتَوْصِفُ الطَّبِيبَ قَالَ: لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ يُسْتَطَبُ بِهِ ... إِلَّا الْحَمَاقَةَ أَعْيَتْ مَنْ يُدَاوِيهَا. وَالرُّقَى بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْقَافِ جَمْعُ رُقْيَةٍ، وَهِيَ الْعُوذَةُ الَّتِي يُرْقَى بِهَا صَاحِبُ الْآفَةِ كَالْحُمَّى وَالصَّرَعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هَذَا وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: «إِنِّي أَجِدُكِ عَالِمَةً بِالطِّبِّ، فَمِنْ أَيْنَ؟ فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثُرَتْ أَسْقَامُهُ، فَكَانَتْ أَطِبَّاءُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ يَنْعَتُونَ لَهُ فَتَعَلَّمْتُ ذَلِكَ» . قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَالْأَحَادِيثُ الْمَأْثُورَةُ فِي عِلْمِهِ ﷺ بِالطِّبِّ لَا تُحْصَى، وَقَدْ جُمِعَ مِنْهَا دَوَاوِينُ، وَاخْتُلِفَ فِي مَبْدَأِ هَذَا الْعِلْمِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ بَعْضَهُ عِلْمٌ بِالْوَحْيِ إِلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ، وَسَائِرَهُ بِالتَّجَارُبِ لِمَا رَوَىَ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ كَانَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي رَأَى شَجَرَةً ثَابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ لَهَا: مَا اسْمُكِ؟ ، فَتَقُولُ: كَذَا، فَيَقُولُ: لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتِ؟ ، فَتَقُولُ: لِكَذَا، فَإِنْ كَانَتْ لِدَوَاءٍ كُتِبَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَرْسٍ غُرِسَتْ» . الْحَدِيثُ. وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مُصَحَّحٍ أَوْ مُمَرَّضٍ فَبِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى يَفْعَلُهُ عِنْدَهُ أَوْ بِهِ، فِيهِ خِلَافٌ بَيْنِ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَرَجَّحَ الْغَزَالِيُّ وَالسُّبْكِيُّ الثَّانِيَ، رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ حَدِيثَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا وَرُقًى نَسْتَرْقِيَهَا هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ» ؟ ". الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٥١٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) : أَيْ مَا أَحْدَثَ وَأَوْجَدَ (دَاءً) : أَيْ وَجَعًا وَبَلَاءً، (إِلَّا أَنْزَلَ) : أَيْ قَدَّرَ (لَهُ شِفَاءً) : أَيْ عِلَاجًا وَدَوَاءً. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَا أَصَابَ اللَّهُ أَحَدًا بِدَاءٍ إِلَّا قُدِّرَ لَهُ دَوَاءٌ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: " إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ الدَّوَاءَ ". وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ وَلَفْظُهُ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً فَعَلَيْكُمْ بِأَلْبَانِ الْبَقَرِ ; فَإِنَّهَا تَرُمُّ مِنْ كُلِّ الشَّجَرِ» ". وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَفْظُهُ: " «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً إِلَّا الْهَرَمَ فَعَلَيْكُمْ بِأَلْبَانِ الْبَقَرِ ; فَإِنَّهَا تَرُمُّ مِنْ كُلِّ الشَّجَرِ» " اهـ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِيبِ الْمَعَاجِينَ لِمَا فِي الْجَمْعِيَّةِ مِنْ حُصُولِ الِاعْتِدَالِ، وَفِي التَّنْزِيلِ أَيْضًا إِيمَاءٌ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] ، هَذَا وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيْثُ خَلَقَ الدَّاءَ خَلَقَ الدَّوَاءَ فَتَدَاوَوْا» . وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالْبَزَّارُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً عَلِمَ ذَلِكَ مَنْ عَلِمَ وَجَهِلَ ذَلِكَ مَنْ جَهِلَ إِلَّا السَّامَ ". قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَمَا السَّامَ؟ قَالَ: " الْمَوْتُ» ". وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثَ تَقْوِيَةٌ لِنَفْسِ الْمَرِيضِ وَالطَّبِيبِ وَحَثًّا عَلَى طَلَبِ الدَّوَاءِ وَتَخْفِيفًا لِلْمَرِيضِ، فَإِنَّ النَّفْسَ إِذَا اسْتَوْشَفَتْ أَنَّ لِدَائِهَا دَوَاءً يَزِيدُ قُوَى رَجَائِهَا، وَانْبَعَثَ حَارُّهَا الْغَرِيزِيُّ، فَتَقْوَى الرُّوحُ النَّفْسَانِيَّةُ وَالطَّبِيعِيَّةُ وَالْحَيَوَانِيَّةُ بِقُوَّةِ هَذِهِ الْأَرْوَاحِ تَقْوَى الْقُوَى الْحَامِلَةُ لَهَا فَتَدْفَعُ الْمَرَضَ وَتَقْهَرُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْإِنْزَالِ التَّقْدِيرُ، أَوْ إِنْزَالُ عِلْمِهِ عَلَى لِسَانِ تِلْكَ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ إِلْهَامُ مَنْ يُعْتَدُّ بِإِلْهَامِهِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أَنَّ الْأَدْوِيَةَ الْمَعْنَوِيَّةَ كَصِدْقِ الِاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالْخُضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ مَعَ الصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ، وَالتَّفْرِيجُ عَنِ الْكَرْبِ أَصْدَقُ فِعْلًا وَأَسْرَعُ نَفْعًا مِنَ الْأَدْوِيَةِ الْحِسِّيَّةِ، لَكِنْ بِشَرْطِ تَصْحِيحِ النِّيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ رُبَّمَا يَتَخَلَّفُ الشِّفَاءُ عَمَّنِ اسْتَعْمَلَ طِبَّ النُّبُوَّةِ لِمَانِعٍ قَامَ بِهِ مِنْ ضَعْفِ اعْتِقَادِ الشِّفَاءِ بِهِ، وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ، وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ أَيْضًا فِي عَدَمِ نَفْعِ الْقُرْآنِ الْكَثِيرِينَ، مَعَ أَنَّهُ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَقَدْ طَبَّ ﷺ كَثِيرًا مِنَ الْأَمْرَاضِ، وَمَحَلُّ بَسْطِهَا الطِّبُّ النَّبَوِيُّ، وَسَائِرُ السِّيَرِ مِنْ كِتَابِ الْمَوَاهِبِ لِلْقَسْطَلَانِيِّ، وَزَادُ الْمَعَادِ لِابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ وَغَيْرُهُمَا.

стр. 6229

٤٥١٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءٌ الدَّاءَ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٥١٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءٌ) : بِالرَّفْعِ مُنَوَّنًا (الدَّاءَ) : بِالنَّصْبِ. وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِذَا أَصَابَ دَوَاءٌ دَاءً بِالتَّنْوِينِ (بَرَأَ) : بِفَتْحَتَانِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا فَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: بَرَأْتُ مِنَ الْمَرَضِ بَرْأً بِالْفَتْحِ، وَأَبْرَأَنِيَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمَرَضِ إِبْرَاءً وَغَيْرُ أَهْلِ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: بَرِئْتُ بِالْكَسْرِ بُرْءًا بِالضَّمِّ، وَفِي الْقَامُوسِ: بَرَأَ الْمَرِيضُ يَبْرَأُ وَيَبْرُؤُ بُرْأً، بِالضَّمِّ، وَبُرُوأً، وَبَرُؤَ، كَكَرُمَ وَفَرِحَ، بِرْأً وَبُرْأً وَبُرُوأً: نَقِهَ، (بِإِذْنِ اللَّهِ) : أَيْ بِتَيْسِيرِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الدَّوَاءَ مُسْتَقِلٌّ فِي الشِّفَاءِ، وَفَسَّرَتْهُ رِوَايَةُ الْحُمَيْدِيِّ: «مَا مِنْ دَاءٍ إِلَّا وَلَهُ دَوَاءٌ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا مَعَهُ شَرَابٌ وَمَعَهُ سِتْرٌ، فَجَعَلَهُ بَيْنَ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ، فَكُلَّمَا شَرِبَ الْمَرِيضُ مِنَ الدَّوَاءِ لَمْ يَقَعْ عَلَى الدَّاءِ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بُرْأَهُ أَمَرَ الْمَلَكَ فَرَفَعَ السِّتْرَ، ثُمَّ يَشْرَبُ الْمَرِيضُ فَيَنْفَعُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ» . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَحْمَدُ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ وَدَوَاءُ الذُّنُوبِ الِاسْتِغْفَارُ» "، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِحْبَابِ الدَّوَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَعَامَّةُ الْخَلَفِ، وَإِلَى رَدِّ مَنْ أَنْكَرَ التَّدَاوِيَ فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّدَاوِي، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْفَاعِلُ، وَأَنَّ التَّدَاوِيَ أَيْضًا مَنْ قَدَرِ اللَّهَ تَعَالَى، وَهَذَا كَالْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ وَبِقِتَالِ الْكُفَّارِ، وَمُجَانَبَةِ الْإِلْقَاءِ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، مَعَ أَنَّ الْأَجَلَ لَا يَتَأَخَّرُ وَالْمَقَادِيرَ لَا تَتَغَيَّرُ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ رِعَايَةَ الْأَسْبَابِ بِالتَّدَاوِي لَا تُنَافِي التَّوَكُّلَ، كَمَا لَا يُنَافِيهِ دَفْعُ الْجُوعِ بِالْأَكْلِ وَقَمْعُ الْعَطَشِ بِالشُّرْبِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُحَاسَبِيُّ: يَتَدَاوَى الْمُتَوَكِّلُ اقْتِدَاءً بِسَيِّدِ الْمُتَوَكِّلِينَ، وَأَجَابَ عَنْ خَبَرِ: مَنِ اسْتَرْقَى أَوِ اكْتَوَى بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ، كَمَا سَيَأْتِي أَيْ: مِنْ تَوَكُّلِ الْمُتَوَكِّلِينَ - السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ - فَجَعَلَ بَعْضَ التَّوَكُّلِ أَفْضُلَ مِنْ بَعْضٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُنَافِيهِ مَا قِيلَ لَا تَتِمُّ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ إِلَّا بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي نَصَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى مُقْتَضَيَاتٍ بِمُسَبَّبَاتِهَا قَدَرًا وَشَرْعًا، فَتَعْطِيلُهَا يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَرْتَبَةَ الْجَمْعِ أَوْلَى مِنْ مَرْتَبَةِ التَّوْحِيدِ الصِّرْفِ، فَالْأَحْسَنُ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَنَّهُ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ إِنِ اسْتَرْقَى بِمَكْرُوهٍ أَوْ عَلِمَ شِفَاءَهُ بِوُجُودِ نَحْوِ الْكَيِّ، وَغَفَلَ عَنْ أَنَّ الشِّفَاءَ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى، وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ نَاظِرَ الرَّبِّ الدَّوَاءَ مُتَوَقِّعًا مِنْ عِنْدِهِ الشِّفَاءَ قَاصِدًا صِحَّةَ بَدَنِهِ لِلْقِيَامِ بِطَاعَةِ رَبِّهِ، فَتَوَكُّلُهُ بَاقٍ بِحَالِهِ اسْتِدْلَالًا بِفِعْلِ سَيِّدِ الْمُتَوَكِّلِينَ إِذْ عَمَلَ بِذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، هَذَا وَإِنْ أَرَدْتَ الِاسْتِيفَاءَ، فَعَلَيْكَ بِكِتَابِ الْإِحْيَاءِ.

стр. 6230

٤٥١٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ. وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٥١٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ) : أَيْ فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ (فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَهِيَ الْآلَةُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا دَمُ الْحِجَامَةِ عِنْدَ الْمَصِّ، وَيُرَادُ بِهِ هُنَا الْحَدِيدَةُ الَّتِي يُشْرَطُ بِهَا مَوْضِعُ الْحِجَامَةِ وَالشَّرْطَةُ فَعْلَةٌ مِنْ شَرَطَ الْحَاجِمُ يَشْرُطُ إِذَا نَزَعَ، وَهُوَ الضَّرْبُ عَلَى مَوْضِعِ الْحِجَامَةِ لِيَخْرُجَ الدَّمُ مِنْهُ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الشَّرْطَةُ كَضَرْبَةٍ ضَرَبَ بِالشَّرْطِ عَلَى مَوْضِعِ الْحِجَامَةِ فَهُوَ فَعْلَةٌ مِنَ الشَّرْطِ وَهُوَ الشَّقُّ، وَقِيلَ: الشَّرْطَةُ مَا يُشْرَطُ بِهِ، وَالْمِحْجَمُ بِكَسْرِ الْمِيمِ قَارُورَةُ الْحَجَّامِ الَّتِي يَمُصُّ بِهَا، وَالْمَحْجَمُ بِالْفَتْحِ مَوْضِعُ الْحِجَامَةِ، وَسَيَأْتِي أَحَادِيثُ فِي فَصْلِ الْحِجَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا وَصِيَّةُ الْمَلَائِكَةِ. (أَوْ شَرْبَهُ عَسَلٍ) : أَيْ وَحْدَهُ أَوْ مَخْلُوطَةٌ بِمَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ فِي الْمَعْنَى كَأَنَّهُ مَعْجُونٌ مُرَكَّبٌ، فَيَكُونُ نَافِعًا لِكُلِّ مَرَضٍ عَلَى مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ إِطْلَاقُ الشِّفَاءِ لِعُمُومِ النَّاسِ. (أَوْ كَيَّةٌ بِنَارٍ) وَجْهُ حَصْرِ الشِّفَاءِ فِي الثَّلَاثِ أَنَّ الْأَوَّلَ اسْتِفْرَاغُ خَلْطِ الدَّمِ إِذَا هَاجَ، وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّخْصِيصِ بِإِخْرَاجِ الدَّمِ ; لِأَنَّ وَجُودَهُ أَضَرُّ مِنْ سَائِرِ الْأَخْلَاطِ، وَلِكَثْرَةِ وَجُودِهِ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ، وَوَجْهُ تَقْدِيمِ الِاسْتِفْرَاغِ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنَ الْمُسَهَّلِ، وَأَقْرَبُ دَفْعًا وَمُبَادَرَةً قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ فِي الْمَعِدَةِ، وَالثَّانِي دَفْعُ الْأَخْلَاطِ وَالْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ بِالْإِسْهَالِ، وَالثَّالِثُ الْخَلْطُ الْبَاقِي الَّذِي

стр. 6231

لَا تَنْحَسِمُ مَادَّتُهُ إِلَّا بِهِ، وَلِذَا قِيلَ: آخِرُ الطِّبِّ الْكَيُّ. (وَأَنَا أُنْهِي أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ) : وَلَعَلَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، فَإِنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي تَعَاطِي الْأَسْبَابِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَالِاعْتِمَادَ بِظَاهِرِهِ ; وَلِذَا خُصَّ فِي الْحَدِيثِ: مَنِ اكْتَوَى وَاسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ تَدَاوٍ، بَلْ قَالَ: " «تَدَاوُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ ; فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» " عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شُرَيْكٍ. وَجَاءَ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْكَيِّ بِانْفِرَادِهِ عَلَى مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عِمْرَانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَعْدٍ الظُّفُرِيِّ بِضَمٍّ، نَعَمْ إِذَا كَانَ الْكَيُّ مُتَعَيَّنًا فِي ذَلِكَ الدَّاءِ خَرَجَ عَنْ مَوْضِعِ الْكَرَاهَةِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ صَرِيحًا أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُدَاوَاةِ بِدَوَاءٍ آخَرَ، وَالنَّهْيُ قَبْلَ بُلُوغِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إِلَيْهِ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ يَعْظُمُ خَطَرُهُ، أَوِ الْكَيُّ الْفَاحِشُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: أَوْ كَيَّةٌ وَاحِدَةٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ، وَقِيلَ النَّهْيُ تَنْزِيهِيٌّ اهـ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْكَيُّ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْعِلَاجِ وَالتَّدَاوِي الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْكَيِّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ أَمْرَهُ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ يَحْسِمُ الدَّاءَ وَيُبْرِئُهُ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ هَلَكَ صَاحِبُهُ، وَيَقُولُونَ: آخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَبَاحَ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى مَعْنَى طَلَبِ الشِّفَاءِ وَالتَّرَجِّي لِلْبُرْءِ بِمَا يُحْدِثُ اللَّهُ مِنْ صُنْعِهِ فِيهِ، فَيَكُونُ الْكَيُّ وَالدَّوَاءُ سَبَبًا لَا عِلَّةً. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُؤَيِّدُهُ تَخْصِيصُ ذِكْرِ الْأُمَّةِ أَيْ: أَنَا أَنْهَاهُمْ لِئَلَّا يَعُدُّوا الْكَيَّ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.

стр. 6232

٤٥١٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «رُمِيَ أَبِي يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ، فَكَوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٥١٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: رُمِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ جِيءَ يَرْمِي سَهْمًا (أُبَيٌّ) أَيْ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَهُوَ سَيِّدُ الْقُرَّاءِ أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيَ، وَهُوَ أَحَدُ السِّتَّةِ الَّذِينَ حَفِظُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَنَّاهُ النَّبِيُّ ﵇ أَبَا الْمُنْذِرِ وَعُمَرُ أَبَا الطُّفَيْلِ، وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَيِّدَ الْأَنْصَارِ، وَعُمَرُ سَيِّدَ الْمُسْلِمِينَ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعَةَ عَشَرَ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (يَوْمَ الْأَحْزَابِ) : أَيْ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ هَكَذَا صَوَابُهُ، وَهُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ أَبَا جَابِرٍ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ قَبْلَ الْأَحْزَابِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ. (عَلَى أَكْحَلِهِ) : الْأَكْحَلُ بِفَتْحِ هَمْزٍ وَسُكُونِ كَافٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ عِرْقُ الْحَيَاةِ. قَالَ الْخَلِيلُ: وَهُوَ عِرْقٌ مَعْرُوفٌ فِي وَسَطِ الْيَدِ، وَمِنْهُ يُفْصَدُ، وَلَا يُقَالُ عِرْقُ الْأَكْحَلِ، وَقِيلَ نَهْرُ الْحَيَاةِ، وَيُقَالُ نَهْرُ الْبَدَنِ، وَفِي كُلِّ عُضْوٍ شُعْبَةٌ مِنْهُ، وَلَهُ فِيهَا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُقَالُ لَهُ فِي الْيَدِ الْأَكْحَلُ، وَفِي الْفَخْذِ النِّسَا وَفِي الظَّهْرِ الْأَبْهَرُ، فَإِذَا قُطِعَ فِي الْيَدِ لَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ وَحَسْمُهُ يَقْطَعُ الدَّمَ. (فَكَوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ أَمَرَهُ بِالْكَيِّ أَوْ كَوَاهُ بِيَدِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6233

٤٥١٨ - وَعَنْهُ قَالَ: «رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ، فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ، ثُمَّ وَرِمَتْ، فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٥١٨ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ جَابِرٍ ﵁ (قَالَ رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ، فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَيْ كَوَاهُ (بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ، وَهُوَ نَصْلُ السَّهْمِ إِذَا كَانَ طَوِيلًا غَيْرَ عَرِيضٍ، فَإِذَا كَانَ عَرِيضًا فَهُوَ مِعْبَلَةٌ (ثُمَّ وَرِمَتْ) : أَيْ يَدُ سَعْدٍ (فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6234

٤٥١٩ - وَعَنْهُ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ــ ٤٥١٩ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ» ) : أَيْ عَلَى عِرْقِهِ وَيَجُوزُ إِسْنَادُ الْفِعْلَيْنِ إِلَى الطَّبِيبِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا أَيْ أَمَرَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا وَفَعَلَ الْآخَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6235

٤٥٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلَّا السَّامَ» " قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: السَّامُ: الْمَوْتُ. وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ: الشُّونِيزُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٥٢٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» ) : قِيلَ أَيْ مِنْ كُلِّ دَاءٍ مِنَ الرُّطُوبَةِ وَالْبَلْغَمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَارٌّ يَابِسٌ فَيَنْفَعُ فِي الْأَمْرَاضِ الَّتِي تُقَابِلُهُ، فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى عُمُومِهِ وَأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي كُلِّ دَاءٍ بِالتَّرْكِيبِ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الْعُمُومِ الِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ: (إِلَّا السَّامَ) : بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ، ثُمَّ أَلَّفٍ وَمِيمٍ مُخَفَّفَةٍ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْقَامُوسِ. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) : أَيِ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (السَّامُ: الْمَوْتُ. وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ: الشُّونِيزُ) : بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفَسَّرَهَا بِهِ لِشُهْرَتِهِ إِذْ ذَاكَ، وَتَفْسِيرُهَا بِهِ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ الْكَمُّونُ الْأَسْوَدُ أَوِ الْخَرْدَلُ أَوْ ثَمْرُ الْبُطْمِ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ الْحَبَّةُ الصَّفْرَاءُ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْأَصْفَرَ أَسْوَدَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا أَيِ الشُّونِيزُ هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ. قَالَ الْقَاضِي: وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهَا الْخَرْدَلُ، وَقِيلَ وَهِيَ الْحَبَّةُ الْخَضْرَاءُ وَهُوَ الْبُطْمُ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْأَخْضَرَ أَسْوَدَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي أَعْلَامِ السُّنَنِ: وَهَذَا مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، وَلَيْسَ يُجْمَعُ فِي طَبْعِ شَيْءٍ مِنَ النَّبَاتِ وَالشَّجَرِ جَمِيعُ الْقُوَى الَّتِي تُقَابِلُ الطَّبَائِعَ كُلَّهَا فِي مُعَالَجَةِ الْأَدْوَاءِ عَلَى اخْتِلَافِهَا مِنْ تَبَايُنِ طَبَائِعِهَا قُلْتُ: لَيْسَ مِنَ اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدٍ، قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يَحْدُثُ مِنَ الرُّطُوبَةِ وَالْبُرُودَةِ وَالْبَلْغَمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَارٌّ يَابِسٌ، فَهُوَ شِفَاءٌ بِإِذْنِ اللَّهِ لِلدَّاءِ الْمُقَابِلِ لَهُ فِي الرُّطُوبَةِ وَالْبُرُودَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّوَاءَ أَبَدًا بِالْمُضَادِّ وَالْغِذَاءَ بِالْمُشَاكِلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حَقِّ بِلْقِيسَ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] إِطْلَاقُ الْعُمُومِ وَإِرَادَةُ الْخُصُوصِ. قُلْتُ: لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ هَذَا، لَكِنَّ الْإِتْيَانَ يَمْنَعُ حَمْلَهُمَا عَلَى الْعُمُومِ عَلَى مَا هُوَ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ مَعْلُومٍ، وَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِعْيَارَ الْعُمُومِ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٣] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ قِيلَ: وَزَادَ الْأَرْبَعَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا دَاءً وَاحِدًا الْهَرَمُ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ: عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →