Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.
стр. 6406
٤٦٣٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٦٣٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» ) : بِالْوَاوِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: عَلَيْكُمْ بِدُونِ الْوَاوِ، وَخِطَابُ الْجَمْعِ لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ، وَالْمَعْنَى: إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكَ أَوْ عَلَيْكَ، وَلِهَذَا عَبَّرَ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ هَكَذَا حَيْثُ قَالَ: رَدَّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: عَلَيْكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، أَوْ وَعَلَيْكَ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَالْكُلُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَرِوَايَةُ الْوَاوِ أَكْثَرُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا سَلَّمُوا، لَكِنْ لَا يُقَالُ لَهُمْ وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ، يَعْنِي: وَلَا عَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَلَا عَلَيْكَ السَّلَامُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: بَلْ يُقَالُ عَلَيْكُمْ فَقَطْ، أَوْ وَعَلَيْكُمْ يَعْنِي: إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا فَلَا يَأْتِي بِصِيغَةِ الْجَمْعِ لِإِيهَامِهِ التَّعْظِيمَ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ عَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ إِرَادَةِ التَّعْظِيمِ. قَالَ: وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ عَلَيْكُمْ وَعَلَيْكُمْ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ: وَعَلَيْكُمْ بِإِثْبَاتِهَا، وَعَلَى هَذَا فَفِي مَعْنَاهُ وَجْهَانِ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالُوا: عَلَيْكُمُ الْمَوْتُ، فَقَالَ: وَعَلَيْكُمْ أَيْضًا، أَيْ: نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ كُلُّنَا نَمُوتُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَاوَ هُنَا لِلِاسْتِئْنَافِ لَا لِلْعَطْفِ وَالتَّشْرِيكِ، وَتَقْدِيرُهُ وَعَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الذَّمِّ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ حَذْفَ الْوَاوِ، لِئَلَّا تَقْتَضِيَ التَّشْرِيكَ، أَيِ: الصُّورِيَّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِإِثْبَاتِهَا كَمَا هِيَ فِي الرِّوَايَاتِ أَيْ: أَكْثَرِهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ، يَقُولُ: وَعَلَيْكُمُ السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ، أَيِ: الْحِجَارَةُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، أَيْ: رِوَايَةً وَدِرَايَةً. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَذْفُ الْوَاوِ هُوَ الصَّوَابُ، أَيِ: الْأَصْوَبُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ. قَالَ: لِأَنَّهُ صَارَ كَلَامُهُمْ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ خَاصَّةً، وَإِذَا أُثْبِتَتِ اقْتَضَتِ الْمُشَارَكَةَ مَعَهُمْ فِيمَا قَالُوهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ إِثْبَاتَ الْوَاوِ وَحَذْفَهَا جَائِزَانِ، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ، وَإِثْبَاتُهَا أَجْوَدُ وَلَا مَفْسَدَةَ فِيهِ ; لِأَنَّ السَّامَ الْمَوْتُ وَهُوَ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ فَلَا ضَرَرَ فِيهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِثْبَاتُ الْوَاوِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ مَنَاطُ السَّلَامَةِ فِي الدَّارَيْنِ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُمْ تَعْرِيضٌ بِالدُّعَاءِ عَلَيْنَا، وَأَمَّا إِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَأَقُولُ عَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ ﷺ هَذِهِ الصِّيغَةَ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنِ الْإِيحَاشِ، وَأَقْرَبَ إِلَى الرِّفْقِ، فَإِنَّ رَدَّ التَّحِيَّةِ يَكُونُ إِمَّا بِأَحْسَنَ مِنْهَا، أَوْ بِقَوْلِنَا: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِأَحْسَنَ مِمَّا حَيَّوْنَا بِهِ لَا يَجُوزُ لَنَا، وَلَا رَدَّ بِأَقَلِّ مِنْ قَوْلِنَا: وَعَلَيْكَ، وَأَمَّا الرَّدُّ بِغَيْرِ الْوَاوِ فَظَاهِرٌ أَيْ: عَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَإِذَا عُلِمَ التَّعْرِيضُ بِالدُّعَاءِ عَلَيْنَا، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَدَّرَ وَأَقُولُ عَلَيْكُمْ مَا تُرِيدُونَ بِنَا أَوْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ، وَلَا يَكُونُ وَعَلَيْكُمْ عَطْفًا عَلَى عَلَيْكُمْ فِي كَلَامِهِمْ، وَإِلَّا لَتَضَمَّنَ ذَلِكَ تَقْرِيرَ دُعَائِهِمْ، وَلِذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ: فَقُلْ عَلَيْكَ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ بِالْوَاوِ أَيْضًا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: السَّامُ الْمَوْتُ وَأَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ. قُلْتُ: هَذَا الْأَصْلُ فَرْعُ إِثْبَاتِ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا وَلَمْ يُذْكَرْ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، نَعَمْ فِي النِّهَايَةِ السَّأْمُ عَلَيْكُمْ، رُوِيَ بِالْهَمْزِ أَيْ: تَسَآمُونَ دِينَكُمْ، وَالْمَشْهُورُ بِلَا هَمْزٍ أَيِ: الْمَوْتُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِلُغَةِ الْيَهُودِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا قَالَ تَعَالَى فِي ذَمِّهِمْ: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦] ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ الْمُشْعِرِ بِالسَّلَامَةِ عَنْ صِرَافَتِهِ، وَإِرَادَةَ اللَّفْظِ الْمُهْمَلِ الْمُشَابِهِ بِاللَّغْوِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَوَاهُ قَتَادَةُ مَهْمُوزًا وَقَالَ مَعْنَاهُ: تَسْأَمُونَ دِينَكُمْ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ السَّامُ وَهُوَ الْمَوْتُ، فَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا فَهُوَ مِنْ سَامَ يَسُومُ إِذَا مَضَى ; لِأَنَّ الْمَوْتَ مَضَى اهـ، وَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْقَامُوسِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ سَوَمَ فُلَانًا: خَلَّاهُ، وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ مَأْخَذًا لِلْمَعْنَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ.
стр. 6407
٤٦٣٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ. فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ". قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا " قَالَ: " قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " عَلَيْكُمْ " وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَاوَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
- وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ. قَالَتْ: «إِنَّ الْيَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ قَالَ: " وَعَلَيْكُمْ " فَقَالَتْ عَائِشَةُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ، وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَهْلًا يَا عَائِشَةُ! عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ ". قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: " أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ، رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ» ".
- وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: " «لَا تَكُونِي فَاحِشَةً، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ» ".
ــ
٤٦٣٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ) أَيْ: قَوْمٌ (مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ) أَيْ: وَقَالَ وَعَلَيْكُمْ لِمَا سَيَأْتِي (فَقُلْتُ:، بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ) أَيْ: مَفْهُومُ مَا تُرِيدُونَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ وَتُحَرِّفُونَهُ لِفَسَادِ الْمَعْنَى (وَاللَّعْنَةُ) أَيْ: زِيَادَةٌ عَنْ ذَلِكَ (فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ) ، أَيْ: رَحِيمٌ (يُحِبُّ الرِّفْقَ) أَيْ: لَيِّنُ الْجَانِبِ، وَأَصْلُ الرِّفْقِ ضِدُّ الْعُنْفِ (فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ) أَيْ: مَهْمَا أَمْكَنَ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَإِلَّا فَقَدَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩] ، (قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ) أَيْ: أَلَمْ يَنْكَشِفْ لَكَ وَلَمْ تَسْمَعْ (مَا قَالُوا) أَيْ: حِينَ السَّلَامِ عَلَيْكَ حَيْثُ أَبْدَلُوا السَّلَامَ بِالسَّامِ. (قَالَ: قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ) أَيْ: فِقْهًا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ لِاسْتِئْنَافِ الْمَبْنِيِّ (وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: عَنْهَا، وَإِلَّا فَفِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ أَيْضًا وَرَدَّ (عَلَيْكُمْ وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَاوَ) أَيْ: بِدُونِ الْوَاوِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ ﷺ عَمِلَ بِمُقْتَضَى الْعَدْلِ فَقَالَ: عَلَيْكُمْ أَوْ وَعَلَيْكُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، وَأَمَّا عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَقَدْ زَادَتْ فِي الْمَعْنَى، وَتَعَدَّتْ عَنِ الْمَبْنِيِّ، وَتَرَكَتْ طَرِيقَ اللُّطْفِ، وَاخْتَارَتْ سَبِيلَ الْعُنْفِ، وَلِذَا أَرْشَدَهَا ﷺ إِلَى الرِّفْقِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ بَابُ الْمُدَارَاةِ وَتَرْكِ الْمُعَادَاةِ وَالْمُعَانَاةِ كَمَا قِيلَ: وَدَارِهِمْ مَا دُمْتَ فِي دَارِهِمْ وَأَرْضِهِمْ مَا دُمْتَ فِي أَرْضِهِمْ. لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ مِمَّا خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَسَنُبَيِّنُهُ فِي مَحَلِّهِ اللَّائِقِ بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي التَّنْزِيلِ: " ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨] " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) أَيْ: عَنْهَا ( «قَالَتْ: إِنَّ الْيَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ. قَالَ: وَعَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ، وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ» ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْقِصَّةَ مُتَّحِدَةٌ، وَأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى ذِكْرِ اللَّعْنَةِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ إِمَّا مِنَ الرَّاوِي وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنَ الزِّيَادَاتِ الْأُخَرِ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ حَيْثُ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدٌ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَهْلًا) : مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيِ: ارْفُقِي رِفْقًا (يَا عَائِشَةُ) . يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُتَمِّمَاتِ السَّابِقِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ اللَّاحِقِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (عَلَيْكِ) : بِكَسْرِ الْكَافِ (بِالرِّفْقِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ: بِلِينِ الْجَانِبِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالْأَخْذِ بِالْأَسْهَلِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ (وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَهُوَ ضِدُّ الرِّفْقِ (وَالْفُحْشَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ كُلُّ مَا يَشْتَدُّ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا التَّعَدِّي بِزِيَادَةِ الْقُبْحِ فِي الْقَوْلِ وَالْجَوَابِ (قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ، رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ) أَيْ: إِذَا أَرَادُوا بِالسَّامِ الْأَمْرَ الْمَكْرُوهَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّامِ الَّذِي مَعْنَاهُ الْمَوْتُ (فِيَّ) أَيْ: فِي حَقِّي.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ. قَالَ: «لَا تَكُونِي فَاحِشَةً» ) أَيْ: قَائِلَةً لِلْفُحْشِ وَمُتَكَلِّمَةً بِكَلَامٍ قَبِيحٍ ( «فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ» ) : وَقَدْ مَرَّ مَعْنَاهُ (وَالتَّفَحُّشَ) أَيِ: التَّكَلُّفَ فِي التَّلَفُّظِ بِالْفُحْشِ وَالتَّعَمُّدِ فِيهِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ﷺ لَهَا لِقَوْلِهَا " وَاللَّعْنَةُ " أَوْ " لَعَنَكُمُ اللَّهُ "، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى جَوَازِ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، إِذْ لَا خِلَافَ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِ الْقَضِيَّةِ وَاحِدَةً مُخْتَلِفُ الْمَبْنَى.
стр. 6408
٤٦٣٩ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَالْيَهُودِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٦٣٩ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄) : وَهُمَا صَحَابِيَّانِ، بَلْ حِبَّانِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ أُسَامَةَ هُوَ ابْنُ مَوْلَاهُ وَقَدْ مَرَّ تَرْجَمَتُهُمَا. ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ» ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ خِلْطٍ، وَهُوَ مَا يُخْلَطُ، وَالْمُرَادُ جَمْعٌ مَخْلُوطٌ ( «مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ» ) : عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ بَدَلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَالْيَهُودِ) : وَجَعَلَهُمْ مُشْرِكِينَ إِمَّا لِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَإِمَّا لِلتَّغْلِيبِ أَوْ لِلتَّقْدِيرِ كَقَوْلِهِ: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا. اهـ.
وَالْأَوْلَى عَطْفُ الْيَهُودِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ (فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: لَوْ مَرَّ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ أَوْ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ بِقَصْدِ الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْمُسْلِمِ، وَلَوْ كَتَبَ كِتَابًا إِلَى مُشْرِكٍ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ: سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6409
٤٦٤٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ: " فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ " قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٦٤٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ» ) أَيْ: فِيهَا. وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى الطَّرَقَاتِ، وَهِيَ جَمْعُ الطُّرُقِ جَمْعِ الطَّرِيقِ (قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الْأَصْحَابِ ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ» ) : بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَتَشْدِيدِ دَالٍ مُهْمَلَةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ مَجَالِسِنَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ بُدٌّ، أَيْ: مَا لَنَا فِرَاقٌ مِنْهَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ تُلْجِئُنَا إِلَى ذَلِكَ، فَلَا مَنْدُوحَةَ لَنَا عَنْهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (نَتَحَدَّثُ فِيهِ) أَيْ: يُحَدِّثُ بَعْضُنَا بَعْضًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ أُخْرَوِيٍّ، كَالْمُشَاوَرَةِ وَالْمُذَاكَرَةِ، وَالْمُعَالَجَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَالْمُصَالَحَةِ. (قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ) أَيِ: امْتَنَعْتُمْ عَنْ تَرْكِ الْمُجَالَسَةِ بِالْكُلِّيَّةِ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ وَتَرَكْتُمْ (إِلَّا الْمَجْلِسَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى الْجُلُوسِ ( «فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» ) : وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ بِكَسْرِ اللَّامِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمِ الْمَعْنَى هُنَا، فَإِنَّهُ اسْمُ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ، وَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إِرَادَةُ الْمَصْدَرِ الْمُرَادِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَفِي الْقَامُوسِ: جَلَسَ يَجْلِسُ جُلُوسًا وَمَجْلَسًا كَمَقْعَدٍ وَالْمَجْلِسُ أَيْ: بِالْكَسْرِ مَوْضِعُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: الْمَجْلَسُ بِفَتْحِ اللَّامِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أَيْ: إِذَا امْتَنَعْتُمْ عَنِ الْأَفْعَالِ إِلَّا عَنِ الْجُلُوسِ فِي الطَّرِيقِ أَيْ: إِذَا دَعَتْ حَاجَةٌ لِمَصْلَحَةِ الْجِيرَانِ وَغَيْرِهِ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ وَاقْعُدُوا فِيهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. ( «قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ» ) : وَلَعَلَّ وَضْعَ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعُهُ إِلَى الْحَقِّ ; لِأَنَّ حَقَّ الْحَقِّ هُوَ تَرْكُ الْقُعُودِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُطْلَقِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أَيْ: بَيِّنْ لَنَا بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ (قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ) أَيْ: كَفُّهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْمُحَرَّمِ أَوْ مَنْعُ النَّظَرِ عَنْ عَوْرَاتِ النَّاسِ (وَكَفُّ الْأَذَى) أَيِ: الِامْتِنَاعُ عَنْ أَذَى الْمَارِّينَ بِالتَّضْيِيقِ وَغَيْرِهِ (وَرَدُّ السَّلَامِ) أَيْ: عَلَى الْمُسْلِمِينَ (وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ: عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْعَارِفِينَ (وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) : لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يَتَعَدَّى إِلَى الْأَمْرِ الْأَنْكَرِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ.
стр. 6410
٤٦٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: " «وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَقِيبَ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ هَكَذَا.
ــ
٤٦٤١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ) أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا زِيَادَةً عَلَى مَرْوِيِّ أَبِي سَعِيدٍ ( «وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ» ) : بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَقِيبَ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ هَكَذَا) أَيْ: مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ.
стр. 6411
٤٦٤٢ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: " «وَتُغِيثُوا الْمَلْهُوفَ، وَتَهْدُوا الضَّالَّ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَقِيبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَكَذَا، وَلَمْ أَجِدْهُمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ ".
ــ
٤٦٤٢ - (وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ) أَيْ: عُمَرُ مَرْفُوعًا زِيَادَةً عَلَى الْخُدْرِيِّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ أَوْ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَلَكِنْ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ أَوْ دَلِيلٍ صَحِيحٍ إِذْ لَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الطِّيبِيِّ، قَوْلُهُ: (وَتُغِيثُوا) : عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ، وَحَذْفُ النُّونِ عَلَى تَقْدِيرِ " وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا، أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا ". الْكَشَّافُ: وَحْيًا أَوْ يُرْسِلَ مَصْدَرَانِ وَاقِعَانِ مَوْقِعَ الْحَالِ ; لِأَنَّ أَوْ يُرْسِلَ فِي مَعْنَى إِرْسَالًا، ثُمَّ قَوْلُهُ: تُغِيثُوا بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الْإِغَاثَةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بِمَعْنَى: الْإِعَانَةُ، وَقَوْلُهُ: (الْمَلْهُوفَ) أَيِ: الْمُطْلَقُ وَالْمُتَحَيِّرُ فِي أَمْرِهِ، وَفِي الْقَامُوسِ أَيِ: الْمَظْلُومُ الْمُضْطَرُّ يَسْتَغِيثُ وَيَنْحَسِرُ. ( «وَتَهْدُوا الضَّالَّ» ) : بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ: تُرْشِدُوهُ إِلَى الطَّرِيقِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ بِنَاءً عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنَ الْعَطْفِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ إِرْشَادِ السَّبِيلِ وَهِدَايَةِ الضَّالِّ أَنَّ إِرْشَادَ السَّبِيلِ أَعَمُّ مِنْ هِدَايَةِ الضَّالِّ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَقِيبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) : وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ مَأْخَذُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ فِي الْعَطْفِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى الْمَطْلُوبِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (وَلَمْ أَجِدْهُمَا) أَيْ: حَدِيثَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (فِي الصَّحِيحَيْنِ) : كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صَنِيعُ الْبَغَوِيِّ؛ حَيْثُ أَوْرَدَ الْكُلَّ فِي الصِّحَاحِ، لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ الِاعْتِذَارُ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ ذِكْرَهُمَا إِنَّمَا كَانَ لِلتَّتْمِيمِ وَالتَّكْمِيلِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ لَا بِطْرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَمِثْلُ هَذَا يُغْتَفَرُ فَتَدَبَّرْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَفْعَلُ وَتَذَرُ.
стр. 6412
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٦٤٣ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ بِالْمَعْرُوفِ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَيَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَتْبَعُ جِنَازَتَهُ إِذَا مَاتَ، وَيُحِبُّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٦٤٣ - (عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ بِالْمَعْرُوفِ» ) : صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ يَعْنِي: لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خِصَالٌ سِتٌّ، مُلْتَبِسَةٌ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَقِيلَ: هُوَ مَا عُرِفَ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ حُسْنُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى " مِنْ " (يُسَلِّمُ عَلَيْهِ) : جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ أَوْ تَقْدِيرُهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى الْمُسْلِمِ سَوَاءٌ عَرَفَهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ ( «إِذَا لَقِيَهُ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ» ) أَيْ: إِلَى دَعْوَةٍ أَوْ حَاجَةٍ ( «وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ» ) : مَرَّ تَحْقِيقُ مَبْنَاهُ وَمَعْنَاهُ ( «وَيَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَتْبَعُ» ) : بِسُكُونِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: يَشْهَدُ وَيُشَيِّعُ (جِنَازَتَهُ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ (إِذَا مَاتَ) : وَفِي قَوْلِهِ: " يَتْبَعُ " إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ الْمَشْيُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ مَذْهَبِنَا، وَقَدْ وَرَدَ مُصَرَّحًا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا " «الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ، لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَقَدَّمَهَا» ". (وَيُحِبُّ لَهُ مَا يُحِبُّ) أَيْ: مِثْلَ مَا يُحِبُّ (لِنَفْسِهِ) : وَهَذَا فَذْلَكَةُ الْكُلِّ، وَلِذَا اقْتُصِرَ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السِّتِّ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ: " «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ". (رَوَاهُ) أَيْ: حَدِيثَ عَلِيٍّ (التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ.
стр. 6413
٤٦٤٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " عَشْرٌ "، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: " عِشْرُونَ ". ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ فَقَالَ: " ثَلَاثُونَ» " رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٦٤٤ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» ) : بِضَمِيرِ الْجَمْعِ إِمَّا تَعْظِيمًا لَهُ ﷺ وَإِمَّا لَهُ وَلِمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَمَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِأَنْ يُقَالَ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُؤْتَى بِضَمِيرِ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَ الْمُسَّلَمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا (فَرَدَّ عَلَيْهِ) : إِمَّا بِمِثْلِهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ (ثُمَّ جَلَسَ) أَيِ: الرَّجُلُ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَشْرٌ) أَيْ: لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، أَوْ كُتِبَ، أَوْ حَصَلَ لَهُ أَوْ ثَبَتَ عَشْرٌ أَوِ الْمَكْتُوبُ لَهُ عَشْرٌ.
стр. 6414
( «ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: عِشْرُونَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» ) : قِيلَ: الْبَرَكَاتُ عِبَارَةٌ عَنِ الثَّبَاتِ، وَلِذَا لَا يُزَادُ عَلَيْهِ لَا فِي السَّلَامِ وَلَا فِي الْجَوَابِ. ( «فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ فَقَالَ: ثَلَاثُونَ» ) أَيْ: بِكُلِّ لَفْظٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6415
٤٦٤٥ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ، فَزَادَ، «ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فَقَالَ: " أَرْبَعُونَ " وَقَالَ: " هَكَذَا تَكُونُ الْفَضَائِلُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٦٤٥ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ، وَزَادَ، «ثُمَّ أَتَى آخَرُ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» ) : قِيلَ: الْبَرَكَةُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَصْلِ ( «وَمَغْفِرَتُهُ، فَقَالَ: أَرْبَعُونَ. وَقَالَ: هَكَذَا تَكُونُ الْفَضَائِلُ» ) أَيْ: تَزِيدُ الْمَثُوبَاتُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَزِيدُهُ الْمُسْلِمُ، كَذَا حَرَّرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ أَئِمَّتِنَا: قَالَ النَّوَوِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ السَّلَامِ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَيَأْتِي بِضَمِيرِ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا، وَيَقُولُ الْمُجِيبُ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَيَأْتِي بِوَاوِ الْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ: وَعَلَيْكُمْ. وَأَقَلُّ السَّلَامِ أَنْ تَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكَ حَصَلَ أَيْضًا، وَأَمَّا الْجَوَابُ فَأَقَلُّهُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ أَوْ وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ، فَإِنْ حَذَفَ الْوَاوَ أَجْزَأَهُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي الْجَوَابِ عَلَيْكُمْ لَمْ يَكُنْ جَوَابًا، فَلَوْ قَالَ: وَعَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ فَهَلْ يَكُونُ جَوَابًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيُّ: أَنْتَ فِي تَعْرِيفِ السَّلَامِ وَتَنْكِيرِهِ بِالْخِيَارِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَكِنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ أَوْلَى، وَإِذَا تَلَاقَى رَجُلَانِ وَسَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، فَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُهُ أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي: يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُبْتَدِئًا بِالسَّلَامِ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَرُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ. وَقَالَ الشَّاشِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِلْجَوَابِ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ كَانَ جَوَابًا، وَإِنْ كَانَا دَفْعَةً لَمْ يَكُنْ جَوَابًا. قَالَ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَوْ قَالَ بِغَيْرِ وَاوٍ، فَقَطَعَ الْإِمَامُ الْوَاحِدِيُّ بِأَنَّهُ سَلَامٌ يَتَحَتَّمُ عَلَى الْمُخَاطَبِ بِهِ الْجَوَابُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَلَبَ اللَّفْظَ الْمُعْتَادَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَقَدْ جَزَمَ بِهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: بَيِّنْ لِيَ الْفَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ. قُلْتُ: لَا بُدَّ لِلْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ مِنْ مَعْهُودٍ إِمَّا خَارِجِيٍّ أَوْ ذِهْنِيٍّ، فَإِذَا ذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ كَانَ الْمُرَادُ السَّلَامَ الَّذِي سَلَّمَهُ آدَمُ ﵇ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «قَالَ لِآدَمَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ» . وَإِلَى الثَّانِي كَانَ الْمُرَادُ جِنْسَ السَّلَامِ الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مَا هُوَ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِأَنَّ ضِدَّهُ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6416
٤٦٤٦ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٦٤٦ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ» ) أَيْ: أَقْرَبَهُمْ مِنَ الْمُتَلَاقِيَيْنِ (بِاللَّهِ) أَيْ: بِرَحْمَتِهِ وَغُفْرَانِهِ (مَنْ بَدَأَ) : وَفِي الْجَامِعِ: مَنْ بَدَأَهُمْ (بِالسَّلَامِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: أَقْرَبُ النَّاسِ مِنَ الْمُتَلَاقِيَيْنِ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ مَنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ. الْكَشَّافُ فِي قَوْلِهِ: " «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ» "، أَيْ: إِنَّ أَخَصَّهُمْ بِهِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: مِمَّا يُصَفِّي لَكَ وُدَّ أَخِيكَ ثَلَاثٌ: أَنْ تَبْدَأَ بِالسَّلَامِ إِذَا لَقِيتَهُ، وَأَنْ تَدْعُوَهُ بِأَحَبِّ أَسْمَائِهِ إِلَيْهِ، وَأَنَّ تُوَسِّعَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6417
٤٦٤٧ - وَعَنْ جَرِيرٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٤٦٤٧ - (وَعَنْ جَرِيرٍ) أَيِ: ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ» ) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا مُخْتَصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِأَمْنِهِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْفِتْنَةِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَجُوزَةً بَعِيدَةً عَنْ مَظِنَّةِ الْفِتْنَةِ. قِيلَ: وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَكْرَهُوا تَسْلِيمَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ اهـ. وَمَهْمَا قِيلَ بِالْكَرَاهَةِ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ، فَلَمْ يَثْبُتِ اسْتِحْقَاقُ الْجَوَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْمَعْنَى حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.
стр. 6418
٤٦٤٨ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " مَرْفُوعًا. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: رَفَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ شَيْخُ أَبِي دَاوُدَ.
ــ
٤٦٤٨ - (وَعَنْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: يُجْزِئُ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهُ هَمْزٌ، أَيْ: يَكْفِي (عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا) : وَكَذَا إِذَا دَخَلُوا أَوْ وَقَفُوا عَلَى جَمْعٍ أَوْ عَلَى أَحَدٍ (أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ) ، أَيْ: أَحَدُ الْمَارِّينَ وَنَحْوُهُمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَهِيَ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً كَفَى عَنْهُمْ تَسْلِيمٌ وَاحِدٌ وَلَوْ سَلَّمُوا كُلُّهُمْ كَانَ أَفْضَلَ.
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَيْسَ لَنَا سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إِلَّا هَذَا. قُلْتُ: وَهَذَا مُطَابِقٌ لِمَذْهَبِنَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ أَيْضًا سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَكَذَا الْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ فِي حَقِّ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، فَإِذَا ضَحَّى وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَصَلَ الشِّعَارُ، وَالسُّنَّةُ لِجَمِيعِهِمْ. قُلْتُ: التَّشْمِيتُ فَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْدَنَا، وَالْأُضْحِيَّةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُوسِرِ بِشُرُوطٍ لَا عَلَى طَرِيقِ الْكِفَايَةِ فِي مَذْهَبِنَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الْأَكْلِ سُنَّةُ كِفَايَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَيُجْزِئُ عَنِ الْجُلُوسِ) أَيْ: ذَوِي الْجُلُوسِ أَوِ الْجَالِسِينَ، وَالْمُرَادُ بِهِمُ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانُوا، وَإِنَّمَا خَصَّ الْجُلُوسَ ; لِأَنَّهُ الْغَالِبُ عَلَى جَمْعٍ مُجْتَمِعِينَ مَعَ الْإِشْعَارِ بِأَنَّ الْقَائِمَ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْقَاعِدِ، ثُمَّ الْمَعْنَى وَيَكْفِي (أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ) : وَهَذَا فَرْضُ كِفَايَةٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ رَدُّوا كُلُّهُمْ كَانَ أَفْضَلَ كَمَا هُوَ شَأْنُ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كُلِّهَا. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي: " شُعَبِ الْإِيمَانِ " مَرْفُوعًا) أَيْ: بِلَا تَرَدُّدٍ وَخِلَافٍ (وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ) ، أَيْ: رَوَاهُ مَوْقُوفًا (وَقَالَ) أَيْ: أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ تَمَامِ سَنَدِهِ (رَفَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) ، أَيْ: أَحَدُ مَشَايِخِهِ لَا حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَمَا يُتَوَهَّمُ (وَهُوَ شَيْخُ أَبِي دَاوُدَ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ أَرَادَ أَنَّ إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا، وَرَفَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ شَيْخُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَفَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ، الْحَدِيثَ.
قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ أَرَادَ أَنَّ شَيْخَهُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَفَعَهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَإِلَّا فَالسَّنَدُ الْمَذْكُورُ ظَاهِرُهُ الْمَوْقُوفُ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَرَفَعَهُ جُمْلَةً حَالِيَّةً مُبَيِّنَةً لِلْإِسْنَادِ السَّابِقِ، كَمَا يُقَالُ مَثَلًا: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا. وَلَعَلَّ وَجْهَ الْإِبْهَامِ عَدَمُ التَّذَكُّرِ بِكَيْفِيَّةِ الرَّفْعِ هَلْ هُوَ بِعِبَارَةِ السَّمَاعِ أَوْ بِلَفْظِ الْقَوْلِ أَوْ بِعَنْ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ ثُمَّ عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ أَنَّ الْحَدِيثَ رُوِيَ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَصِيرُ مَرْفُوعًا ; لِأَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَوْقُوفِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ ; لِأَنَّهُ مِنْ فُرُوعِ الْمَشْرُوعِ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْمَصَابِيحِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ رَفَعَهُ. أَقُولُ: وَفِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى سَنَدِ الْبَيْهَقِيِّ، فَإِنَّهُ مَرْفُوعٌ بِلَا خِلَافٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 6419
٤٦٤٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الْإِشَارَةُ بِالْأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الْإِشَارَةُ بِالْأَكُفِّ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
ــ
٤٦٤٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَيْسَ مِنَّا) أَيْ: مِنْ أَهْلِ طَرِيقَتِنَا وَمُرَاعِي مُتَابَعَتِنَا (مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا) ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِنَا (لَا تَشَبَّهُوا) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ: لَا تَتَشَبَّهُوا (بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى) ، زِيدَ " لَا " لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ ( «فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الْإِشَارَةُ بِالْأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الْإِشَارَةُ بِالْأَكُفِّ» ) . بِفَتْحٍ فَضَمٍّ جَمْعُ كَفٍّ، وَالْمَعْنَى: لَا تَشَبَّهُوا بِهِمْ جَمِيعًا فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِمْ خُصُوصًا فِي هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ، وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يَكْتَفُونَ فِي السَّلَامِ أَوْ رَدِّهِ أَوْ فِيهِمَا بِالْإِشَارَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ نُطْقٍ بِلَفْظِ السَّلَامِ الَّذِي هُوَ سُنَّةُ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَكَأَنَّهُ ﷺ كُوشِفَ لَهُ أَنَّ بَعْضَ أُمَّتِهِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، أَوْ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الِانْحِنَاءِ أَوْ مُطَأْطَأَةِ الرَّأْسِ، أَوِ الِاكْتِفَاءِ بِلَفْظِ السَّلَامِ فَقَطْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاحِدًا مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ الدَّاخِلَةِ فِي سِلْكِ السَّالِكِينَ الْمُرْتَاضِينَ الْمُتَوَكِّلِينَ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا الْمُكْتَفِي بِإِزَارٍ وَرِدَاءٍ، صَائِمِ الدَّهْرِ لَازِمِ الِاعْتِكَافِ، لَيْسَ شَيْءٌ عِنْدَهُ مِنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ اخْتَارَ السُّكُوتَ الْمُطْلَقَ فِي آخِرِ الْعُمْرِ بِحَيْثُ يَكْتَفِي فِي رَدِّ السَّلَامِ بِإِشَارَةِ الرَّأْسِ، مَعَ أَنَّهُ مَا كَانَ خَالِيًا عَنْ نَوْعِ مَعْرِفَةٍ وَدَوَامِ تِلَاوَةٍ وَحُسْنِ خُلُقٍ وَسَخَاوَةِ نَفْسٍ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مَا يُرَى أَنَّهُ يَطُوفُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ وَيَرْحَمُنَا وَإِيَّاهُ فِي الْمَآلِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ) . وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ، وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ سَنَدَهُ حَسَنٌ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَسْنَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى ابْنِ عَمْرٍو، فَارْتَفَعَ النِّزَاعُ وَزَالَ الْإِشْكَالُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَكُونُ عَلَى خِلَافِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قُلْتُ: لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ ضَعِيفًا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْحُكْمِ سَنَدٌ آخَرُ، نَعَمْ فِيهِ إِيهَامٌ لِذَلِكَ لَا إِشْعَارٌ بِذَلِكَ، كَيْفَ وَقَدْ صَحَّ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ مَعْنَى أَنَّ السَّلَامَ بِاللَّفْظِ سُنَّةٌ، وَجَوَابَهُ وَاجِبٌ كَذَلِكَ، فَبِمُجَرَّدِ كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ ضَعِيفًا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْقَلِبَ الْحُكْمُ أَبَدًا.
قَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِّينَا عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمًا وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ فَأَلْوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا. قُلْتُ: عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَلَفُّظِهِ ﵇ بِالسَّلَامِ لَا مَحْذُورَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ مَا شُرِعَ السَّلَامُ عَلَى مَنْ مَرَّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ النِّسْوَانِ، وَأَنَّ مَا مَرَّ عَنْهُ ﵇ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنَ السَّلَامِ الْمُصَرَّحِ، فَهُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﵊، فَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ وَلَا يُسَلِّمَ، وَأَنْ يُشِيرَ وَلَا يُشِيرَ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِالْإِشَارَةِ مُجَرَّدُ التَّوَاضُعِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ السَّلَامِ، وَقَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النِّسَاءِ، وَأَنَّ نَهْيَ التَّشَبُّهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 6420
٤٦٥٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ، أَوْ جِدَارٌ، أَوْ حَجَرٌ، ثُمَّ لَقِيَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٦٥٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ) أَيِ: الْمُسْلِمَ ( «فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ، أَوْ جِدَارٌ، أَوْ حَجَرٌ» ) ، أَيْ كَبِيرٌ (ثُمَّ لَقِيَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ) أَيْ: مَرَّةً أُخْرَى تَجْدِيدًا لِلْعَهْدِ وَتَأْكِيدًا لِلْوُدِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ حَثٌّ عَلَى إِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَأَنْ يُكَرَّرَ عِنْدَ كُلِّ تَغَيُّرِ حَالٍ وَلِكُلِّ جَاءٍ وَغَادٍ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِّينَا فِي مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّ الطُّفَيْلَ أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ: مَا تَصْنَعُ بِالسُّوقِ وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيْعِ، وَلَا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ، وَلَا تَسُومُ بِهَا
стр. 6421
وَلَا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ؟ فَقَالَ لِي: إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ وَنُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِينَا. قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ سَيَأْتِي بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ، وَيُنَاسِبُهُ مَا كَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنَ السَّادَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ يَخْتَارُ الْقُعُودَ فِي السُّوقِ قَائِلًا: إِنَّ هَذَا خَلْوَةُ الرِّجَالِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ قَوْلُهُ ﷺ «ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ بِمَنْزِلَةِ الصَّابِرِ فِي الْفَارِّينَ» عَلَى مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، كِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، هَذَا وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ وَالْحَاكِمِ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَى عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ» " وَلَعَلَّ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْظُرُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ إِلَى عِبَادِهِ نَظَرَ رَحْمَةٍ وَعِنَايَةٍ، فَكُلُّ مَنْ غَفَلَ فَاتَهُ، وَكُلُّ مَنْ شَهِدَ وَحَضَرَ أَدْرَكَهُ، بَلْ وَأَخَذَ مِنْ نَصِيبِ غَيْرِهِ، وَلَعَلَّهُ هَذَا هُوَ الْبَاعِثُ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَأْدُبَةِ الْجَامِعَةِ لِأَنْوَاعِ الْمُشْتَهَيَاتِ، فَكُلُّ مَنْ يَكُونُ حَاضِرًا مُشْتَاقًا يَأْخُذُ مِنْهَا حَظَّهُ وَنَصِيبَهُ، وَالْغَائِبُ أَوِ الْحَاضِرُ الْغَافِلُ أَوِ الْمَرِيضُ الْمَعْدُومُ الِاشْتِهَاءِ يَقْعُدُ مَحْرُومًا، هَذَا وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَقَامَاتٌ وَمَوَاضِعُ، مِنْهَا: إِذَا كَانَ مُشْتَغِلًا بِالْبَوْلِ وَالْجِمَاعِ وَنَحْوِهِمَا، فَيُكْرَهُ أَنْ يُسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا: إِذَا كَانَ نَائِمًا أَوْ نَاعِسًا أَوْ مُصَلِّيًا أَوْ مُؤَذِّنًا فِي حَالِ أَذَانِهِ أَوْ كَانَ فِي حَمَّامٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ آكِلًا وَاللُّقْمَةُ فِي فَمِهِ، فَإِنَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا، وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي حَالِ الْمُبَايَعَةِ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ فَيُسَلِّمُ وَيَجِبُ الْجَوَابُ، وَأَمَّا السَّلَامُ فِي حَالِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ الِابْتِدَاءُ بِهِ ; لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالْإِنْصَاتِ، فَإِنْ خَالَفَ وَسَلَّمَ فَهَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَرُدَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ الْإِنْصَاتَ وَاجِبٌ لَا يَرُدَّ، وَإِنْ قُلْنَا سُنَّةً رَدَّ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ فَحَسْبُ. قُلْتُ: الْمُعْتَمَدُ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّ الْإِنْصَاتَ وَاجِبٌ، فَلَا يَجُوزُ السَّلَامُ وَلَا يَسْتَحِقُّ الرَّدَّ بِلَا كَلَامٍ. قَالَ: وَأَمَّا السَّلَامُ عَلَى الْقَارِئِ فَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْأَوْلَى تَرْكُ السَّلَامِ عَلَيْهِ، وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ كَفَاهُ الرَّدُّ بِالْإِشَارَةِ، وَإِنْ رَدَّ بِاللَّفْظِ اسْتَأْنَفَ الِاسْتِعَاذَةَ. قَالَ أَيِ الْوَاحِدِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ الرَّدُّ بِاللَّفْظِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ.
стр. 6422
٤٦٥١ - وَعَنْ قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «إِذَا دَخَلْتُمْ بَيْتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهِ، وَإِذَا خَرَجْتُمْ فَأَوْدِعُوا أَهْلَهُ بِسَلَامٍ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " مُرْسَلًا.
ــ
٤٦٥١ - (وَعَنْ قَتَادَةَ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَإِنَّمَا قَيَّدْتُهُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ مَكَّةَ يَكْسِرُونَهَا، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا دَخَلْتُمْ بَيْتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهِ) ، قَالَ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَلَعَلَّ مَأْخَذَهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] ، (وَإِذَا خَرَجْتُمْ فَأَوْدِعُوا أَهْلَهُ بِسَلَامٍ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِيدَاعَ هُنَا بِمَعْنَى التَّوْدِيعِ مِنَ الْوَدَاعِ، أَيْ: فَاتْرُكُوهُمْ مَصْحُوبِينَ بِسَلَامٍ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ: وَجَوَابُ هَذَا السَّلَامِ مُسْتَحَبٌّ ; لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَوَدَاعٌ اهـ. وَلَعَلَّ مَأْخَذَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦] ، وَهَذَا لَيْسَ بِسَلَامِ تَحِيَّةٍ، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْأَمْرِ الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ الْوُجُوبُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنَ الْإِيدَاعِ أَيِ: اجْعَلُوا السَّلَامَ وَدِيعَةً عِنْدَهُمْ كَيْ تَرْجِعُوا إِلَيْهِمْ وَتَسْتَرِدُّوا وَدِيعَتَكُمْ، فَإِنَّ الْوَدَائِعَ تُسْتَعَادُ تَفَاؤُلًا لِلسَّلَامَةِ وَالْمُعَاوَدَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " مُرْسَلًا) . وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، ثُمَّ فِي الْحِصْنِ: مَنِ انْتَهَى إِلَى مَجْلِسٍ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ، ثُمَّ إِذَا قَامَ، فَلْيُسَلِّمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْأَصْلِ أَيْضًا بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا.
стр. 6423
٤٦٥٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «يَا بُنَيِّ! إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُونُ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٦٥٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ) أَيْ: لَهُ (يَا بُنَيِّ) : بِالتَّصْغِيرِ مَكْسُورَةُ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَيُفْتَحُ (إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُونُ) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْعِلَّةِ أَيْ: فَإِنَّهُ يَكُونُ، أَيِ: السَّلَامُ (بَرَكَةً) أَيْ: سَبَبَ زِيَادَةِ بَرَكَةٍ وَكَثْرَةِ خَيْرٍ، وَرَحْمَةً (عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَزِيدَ فِي نُسْخَةٍ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
стр. 6424
٤٦٥٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «السَّلَامُ قَبْلَ الْكَلَامِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
ــ
٤٦٥٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «السَّلَامُ قَبْلَ الْكَلَامِ» ) . لِأَنَّهُ تَحِيَّةٌ يُبْدَأُ بِهِ فَيَفُوتُ بِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهَا قَبْلَ الْجُلُوسِ، وَقَدْ رَوَى الْقُضَاعِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «السَّلَامُ تَحِيَّةٌ لِمِلَّتِنَا وَأَمَانٌ لِذِمَّتِنَا» ". (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ) أَيْ: إِسْنَادًا، وَإِلَّا فَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ جِهَةِ صِحَّةِ الْمَعْنَى كَمَا قَرَّرْنَاهُ، ثُمَّ الْمُنْكَرُ مِنَ الْحَدِيثِ مَا يَكُونُ رَاوٍ مِنْ رُوَاةِ سَنَدِهِ بَعِيدًا عَنِ الضَّبْطِ جِدًّا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَنْبَسَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، ثُمَّ إِنَّهُ يَرْوِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَاذَانَ، وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُهُ الْآخَرُ: إِذَا كَتَبَ أَحَدُكُمْ كِتَابًا فَلْيُتَرِّبْهُ، وَالْمِحْنَةُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو النَّصِيبِي، فَإِنَّهُ الرَّاوِي عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي يَتْلُوهُ: «ضَعِ الْقَلَمَ عَلَى أُذُنِكَ» ، وَمَدَارُهُ أَيْضًا عَلَى عَنْبَسَةَ بْنِ عِمْرَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ زَاذَانَ، وَقَدْ وَجَدْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمَصَابِيحِ، وَقَدْ أَخْطَأَ فِيهِ فِي قَوْلِهِ: عَلَى أُذُنَيْكَ. قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ رَوَاهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ، وَقَالَ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَرَوَى أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، وَلَفْظُهُ: «السَّلَامُ قَبْلَ الْكَلَامِ» ، وَلَا تَدْعُو أَحَدًا إِلَى الطَّعَامِ حَتَّى يُسَلِّمَ، وَرَوَى ابْنُ النَّجَّارِيِّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِلَفْظِ: السَّلَامُ قَبْلَ السُّؤَالِ، فَمَنْ بَدَأَكُمْ بِالسُّؤَالِ قَبْلَ السَّلَامِ فَلَا تُجِيبُوهُ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا " «مَنْ بَدَأَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ السَّلَامِ فَلَا تُجِيبُوهُ» ".
стр. 6425
٤٦٥٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: «كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَقُولُ: أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا، وَأَنْعَمَ صَبَاحًا. فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٦٥٤ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَقُولُ: أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا) ، الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ، وَالْمَعْنَى: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ بِمَنْ تُحِبُّهُ. وَعَيْنًا: تَمْيِيزٌ مِنَ الْمَفْعُولِ، أَوْ بِمَا تُحِبُّهُ مِنَ النَّعْمَةِ، وَيَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْ أَنْعَمَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ فِي النَّعِيمِ فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَقِيلَ: الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أَيْ: أَنْعَمَ اللَّهُ بِسَبَبِكَ عَيْنًا أَيْ: عَيْنَ مَنْ يُحِبُّكَ، وَأَنْعِمَ بِقَطْعِ هَمْزٍ وَكَسْرِ عَيْنٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِهَمْزِ وَصْلٍ وَفَتْحِ عَيْنٍ مِنَ النُّعُومَةِ وَقَوْلُهُ: (صَبَاحًا) : تَمْيِيزٌ أَوْ ظَرْفٌ أَيْ: طَابَ عَيْشُكَ فِي الصَّبَاحِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الصَّبَاحَ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْمُتَعَارَفِ فِي زَمَانِنَا عَلَى لِسَانِ الْعَامَّةِ صَبَّحَكُمْ بِالْخَيْرِ وَمَسَّاكُمْ بِالْكَرَامَةِ، وَأَسْعَدَ اللَّهُ مَقِيلَكُمْ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. الْجَوْهَرِيُّ: النُّعْمُ بِالضَّمِّ خِلَافُ الْبُؤْسِ، وَنَعُمَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ نُعُومَةً، أَيْ: صَارَ نَاعِمًا لَيِّنًا، وَيُقَالُ: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنَ النِّعْمَةِ، وَأَنْعَمَ صَبَاحُكَ مِنَ النُّعُومَةِ، وَأَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا أَيْ: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ بِمَنْ تُحِبُّهُ، وَكَذَلِكَ نَعِمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا.
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: فِي حَدِيثِ مُطَرِّفٍ «لَا تَقُلْ نَعِمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْعِمُ بِأَحَدٍ عَيْنًا، بَلْ قُلْ: أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا» . قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي مَنَعَ مِنْهُ مُطَرِّفٌ صَحِيحٌ فَصِيحٌ فِي كَلَامِهِمْ، وَعَيْنًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ مِنَ الْكَافِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَالْمَعْنَى نَعِمَكَ اللَّهُ عَيْنًا أَيْ: نَعِمَ عَيْنَكَ وَأَقَرَّهَا، وَقَدْ يَحْذِفُونَ الْجَارَّ وَيُوصِلُونَ الْفِعْلَ
стр. 6426
فَيَقُولُونَ: نَعِمَكَ اللَّهُ عَيْنًا، وَأَمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا فَالْبَاءُ فِيهِ زَائِدَةٌ ; لِأَنَّ الْهَمْزَةَ كَافِيَةٌ فِي التَّعْدِيَةِ. تَقُولُ: نَعِمَ زَيْدٌ عَيْنًا وَأَنْعَمَهُ اللَّهُ عَيْنًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَنْعَمَ إِذَا دَخَلَ فِي النَّعِيمِ فَيُعَدَّى بِالْبَاءِ، قَالَ: وَلَعَلَّ مُطَرِّفًا خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ انْتِصَابَ التَّمْيِيزِ فِي هَذَا الْكَلَامِ عَنِ الْفَاعِلِ فَاسْتَعْظَمَهُ، تَعَالَى اللَّهُ أَنْ يُوصَفَ بِالْحَوَاسِّ عُلُوًّا كَبِيرًا، كَمَا يَقُولُونَ: نَعِمْتَ بِهَذَا الْأَمْرِ عَيْنًا، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ فَحَسْبَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي نَعِمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا، كَذَلِكَ قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبَاءُ سَبَبِيَّةً، وَعَيْنًا مَفْعُولَ أَنْعَمَ، وَالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، أَيْ: أَنْعَمَ اللَّهُ بِسَبَبِكَ عَيْنًا، وَأَيُّ عَيْنٍ عَيْنُ مَنْ يُحِبُّكَ؟ فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْ خَفْضِ عِيشَةٍ وَرَفَاهِيَةٍ لَا يَحُومُ حَوْلَهَا خُشُونَةٌ، وَقَوْلُهُ: (وَأَنْعَمَ صَبَاحًا) . مَعْنَاهُ طَابَ عَيْشُكَ فِي الصَّبَاحِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الصَّبَاحَ بِهِ ; لِأَنَّ الْغَارَاتِ وَالْمَكَارِهَ تَقَعُ صَبَاحًا. وَقَالَ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا: قِيلَ مَعْنَاهُ: طَابَ عَيْشُكَ فِي الصَّبَاحِ، وَالصَّوَابُ أَطَابَ اللَّهُ عَيْشَكَ فِي الصَّبَاحِ، أَوْ هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ مِنَ الْفَاعِلِ. (فَلَمَّا كَانَ) أَيْ: وُجِدَ (الْإِسْلَامُ) : وَوَقَعَ أَحْكَامُهُ عَلَى وَجْهِ الْإِحْكَامِ (نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ) أَيْ: عَمَّا ذُكِرَ مِنَ الْأَقْوَالِ ابْتِدَاءً بِوَضْعِهَا مَوْضِعَ السَّلَامِ، فَلَا مَحْذُورَ أَنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ، ثُمَّ ثَنَّاهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْكَلَامِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6427
٤٦٥٥ - وَعَنْ غَالِبٍ ﵀ قَالَ: «إِنَّا لَجُلُوسٌ بِبَابِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: بَعَثَنِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " ائْتِهِ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ ". قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَبِي يُقْرِئُكَ السَّلَامَ. فَقَالَ: " عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٦٥٥ - (وَعَنْ غَالِبٍ ﵁) ، أَيِ: ابْنِ أَبِي غَيْلَانَ، وَهُوَ ابْنُ خَطَّابٍ الْقَطَّانُ الْبَصْرِيُّ، رَوَى عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْهُ ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ. (قَالَ: إِنَّا لَجُلُوسٌ) أَيْ: نَحْنُ جَالِسُونَ وَاللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ (بِبَابِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ) ، أَيْ: مُنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ أَوْ مُصْطَحَبُونَ مَعَهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ) أَيِ: الْجَدُّ (بَعَثَنِي أَيْ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: ائْتِهِ) : أَمْرٌ مَنْ أَتَى يَأْتِي (فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ) ، وَفِي نُسْخَةٍ فَاقْرَأْهُ السَّلَامَ (قَالَ) أَيِ: الْجَدُّ (فَأَتَيْتُهُ) ، أَيِ: النَّبِيَّ ﷺ (فَقُلْتُ: أَبِي يُقْرِئُكَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: يَقْرَؤُكَ (السَّلَامَ، فَقَالَ: عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَفِي الْحِصْنِ «وَإِذَا بُلِّغَ سَلَامًا فَلْيَقُلْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَرْفُوعًا، أَوْ وَعَلَيْكَ، وَعَلَيْهِ السَّلَامُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.
стр. 6428
٤٦٥٦ - وَعَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ ﵁ «أَنَّ الْعَلَاءَ الْحَضْرَمِيَّ كَانَ عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَيْهِ، بَدَأَ بِنَفْسِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٦٥٦ - (وَعَنْ أَبِي الْعَلَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) : قِيلَ اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ مُطَابِقَةٍ لِمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: وَعَنِ ابْنِ الْعَلَاءِ (الْحَضْرَمِيِّ) ، نِسْبَةً إِلَى حَضْرَمَوْتَ (أَنَّ الْعَلَاءَ الْحَضْرَمِيَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ: أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ (كَانَ عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ حَضْرَمَوْتَ كَانَ عَامِلًا لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَأَقَرَّهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ مَاتَ الْعَلَاءُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، رَوَى عَنْهُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ وَغَيْرُهُ. (وَكَانَ) أَيِ: الْعَلَاءُ (إِذَا كَتَبَ إِلَيْهِ) ، أَيْ: إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (بَدَأَ بِنَفْسِهِ) . أَيْ، ثُمَّ يَكْتُبُ السَّلَامَ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ كِتَابَتُهُ إِلَى مُعَاذٍ يُعَزِّيهِ فِي ابْنٍ لَهُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَمَّا بَعْدُ» ، الْحَدِيثَ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ، وَلَعَلَّ هَذَا الصَّنِيعَ الْعَظِيمَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَكَانَ مِنْ سُلَيْمَانَ فِي الْعُنْوَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: كَانَ يُكْتَبُ هَكَذَا: مِنَ الْعَلَاءِ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا أَمْرُ
стр. 6429
النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَكْتُبُوا مِنْ لِسَانِهِ، هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُلُوكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمَقْصُودُ مِنْ إِيرَادِ هَذَا فِي بَابِ السَّلَامِ أَنَّ هَذَا كَانَ مُقَدِّمَةً لِلسَّلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي كِتَابِهِ إِلَى هِرَقْلَ: «مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» . (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا: " «إِذَا كَتَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى أَحَدٍ فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ» ".
стр. 6430
٤٦٥٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا كَتَبَ أَحَدُكُمْ كِتَابًا فَلْيُتَرِّبْهُ، فَإِنَّهُ أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. . .
ــ
٤٦٥٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا كَتَبَ أَحَدُكُمْ كِتَابًا) : أَيْ مَكْتُوبًا لِلْإِرْسَالِ (إِلَى أَحَدٍ فَلْيُتَرِّبْهُ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ (فَإِنَّهُ أَنْجَحُ) : بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الْحَاءِ أَيْ: أَيْسَرُ وَأَقْضَى (لِلْحَاجَةِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يُسْقِطْهُ عَلَى التُّرَابِ حَتَّى يَصِيرَ أَقْرَبَ إِلَى الْمَقْصِدِ. قَالَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ: إِنَّمَا أَمْرُهُ بِالْإِسْقَاطِ عَلَى التُّرَابِ اعْتِمَادًا عَلَى الْحَقِّ سُبْحَانَهُ فِي إِيصَالِهِ إِلَى الْمَقْصِدِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ ذَرُّ التُّرَابِ عَلَى الْمَكْتُوبِ. قُلْتُ وَيُسَاعِدُهُ مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الْغَزَّالِيُّ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَكْتُبُ رُقْعَةً، وَهُوَ فِي بَيْتٍ بِالْكِرَاءِ، فَأَرَادَ أَنْ يُتَرِّبَ الْكِتَابَ مِنْ جُدْرَانِ الْبَيْتِ، وَخَطَرَ بِبَالِهِ أَنَّ الْبَيْتَ بِالْكِرَاءِ، ثُمَّ إِنَّهُ خَطَرَ بِبَالِهِ أَنَّهُ لَا خَطَرَ لِهَذَا، فَتَرَّبَ الْكِتَابَ فَسَمِعَ هَاتِفًا يَقُولُ: سَيَعْلَمُ الْمُسْتَخِفُّ بِالتُّرَابِ مَا يَلْقَى غَدًا مِنْ طُولِ الْحِسَابِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: قِيلَ مَعْنَاهُ فَلْيُخَاطِبِ الْكَاتِبُ خِطَابًا عَلَى غَايَةِ التَّوَاضُعِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّتْرِيبِ: الْمُبَالَغَةُ فِي التَّوَاضُعِ فِي الْخِطَابِ. قُلْتُ: هَذَا مُوَافِقٌ لِمُتَعَارَفِ الزَّمَانِ، لَا سِيَّمَا فِيمَا بَيْنَ أَرْبَابِ الدُّنْيَا وَأَصْحَابِ الْجَاهِ، لَكِنَّهُ مَعَ بُعْدِ مَأْخَذِ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْمَبْنَى مُخَالِفٌ لِمُكَاتَبَتِهِ ﷺ إِلَى الْمُلُوكِ، وَكَذَا إِلَى الْأَصْحَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ) .
وَقَدْ بَيَّنَ التُّورِبِشْتِيُّ وَجْهَهُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ رِجَالِهِ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: " «إِذَا كَتَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى إِنْسَانٍ فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا كَتَبَ فَلْيُتَرِّبْ كِتَابَهُ فَهُوَ أَنْجَحُ» ".
стр. 6431
٤٦٥٨ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ يَدَيْهِ كَاتِبٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " ضَعِ الْقَلَمَ عَلَى أُذُنِكَ ; فَإِنَّهُ أَذْكَرُ لِلْمَآلِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. . وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
ــ
٤٦٥٨ - (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) ، وَهُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ، وَأَكَابِرِ قُرَّائِهِمْ، وَأَفْضَلِهِمْ فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ، وَأَعْظَمِهِمْ فِي كِتَابَةِ الْوَحْيِ وَقَدْ سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ. (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ يَدَيْهِ كَاتِبٌ، فَسَمِعْتُهُ) أَيِ: النَّبِيَّ ﷺ (يَقُولُ) أَيْ: لَهُ ( «ضَعِ الْقَلَمَ عَلَى أُذُنِكَ» ) ، بِضَمِّ الذَّالِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: فَوْقَ أُذُنِكَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا. وَفِي نُسْخَةٍ مُطَابِقَةٍ لِمَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ عَلَى أُذُنَيْكَ أَيْ: إِحْدَاهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ التُّورِبِشْتِيِّ أَنَّ مَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ أُذُنَيْكَ بِالتَّثْنِيَةِ خَطَأٌ وَتَبِعَهُ مِيرَكُ. وَقَالَ: وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ أُذُنَيْكَ، وَبِالْإِفْرَادِ هُوَ الصَّحِيحُ. قُلْتُ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ رِوَايَةً فَمُسَلَّمٌ، وَأَمَّا دِرَايَةً فَلَهُ وَجْهٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. (فَإِنَّهُ) أَيْ: وَضْعُ الْقَلَمِ عَلَى الْأُذُنِ (أَذْكَرُ) أَيْ: أَكْثَرُ ذِكْرًا (لِلْمَآلِ) أَيْ: لِعَاقِبَةِ الْأَمْرِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَسْرَعُ تَذْكِيرًا فِيمَا يُرَادُ مِنْ إِنْشَاءِ الْعِبَارَةِ فِي الْمَقْصُودِ. قِيلَ: السِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَلَمَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ الْمُتَرْجِمَيْنِ عَمَّا فِي الْقَلْبِ مِنَ الْكَلَامِ وَفُنُونِ الْعِبَارَاتِ، فَتَارَةً يُتَرْجِمُ عَنْهُ اللِّسَانُ اللَّحْمِيُّ الْمُعَبِّرُ عَنْهُ بِالْقَوْلِ، وَتَارَةً يُعَبِّرُ عَنْهُ بِالْقَلَمِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْكِتَابَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللِّسَانَيْنِ يُسْمِعُ مَا يُرِيدُ مِنَ الْقَوْلِ. وَفُنُونُ الْكَلَامِ مِنَ الْقَلْبِ، وَمَحَلُّ الِاسْتِمَاعِ الْأُذُنُ، فَاللِّسَانُ مَوْضُوعٌ دَائِمًا عَلَى مَحَلِّ الِاسْتِمَاعِ، وَدَرَجِ الْقَلْبِ، فَلَمْ يَزَلْ يُسْمِعُ مِنْهُ الْكَلَامَ وَالْقَلَمُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الِاسْتِمَاعِ، فَيُحْتَاجُ فِي الِاسْتِمَاعِ إِلَى قُرْبٍ مِنْ مَحَلِّ الِاسْتِمَاعِ، وَالدُّنُوِّ إِلَى طَرِيقِهِ لِيَسْمَعَ مِنَ الْقَلْبِ مَا يُرِيدُهُ مِنَ الْعِبَارَاتِ وَفُنُونِ الْكَلَامِ، فَيَكْتُبَ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقُرْبَ الصُّورِيَّ لَهُ مَحَلُّ تَأْثِيرٍ مِنَ الْمَقْصُودِ الْمَعْنَوِيِّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) ، أَيْ
стр. 6432
مَتْنًا أَوْ إِسْنَادًا. (وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ) . أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ رِجَالِهِ، فَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ سَبَقَ وَجْهُ ضَعْفِهِ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ التُّورِبِشْتِيِّ، لَكِنْ يُعَضِّدُهُ أَنَّ ابْنَ عَسَاكِرَ رَوَى عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «إِذَا كَتَبْتَ فَضَعْ قَلَمَكَ عَلَى أُذُنِكَ، فَإِنَّهُ أَذْكَرُ لَكَ» ". وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: " «ضَعِ الْقَلَمَ عَلَى أُذُنِكَ، فَإِنَّهُ أَذْكَرُ لِلْمُمْلِي» ". أَقُولُ: وَلَعَلَّ هَذَا اللَّفْظَ هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْحَدِيثِ، وَأَنَّ لَفْظَ لِلْمَآلِ مُصَحَّفٌ عَنْ هَذَا الْمَقَالِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَذْكَرُ لَكَ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ أَنَّ وَضْعَ الْقَلَمِ عَلَى الْأُذُنِ أَقْرَبُ تَذَكُّرًا لِمَوْضِعِهِ وَأَيْسَرُ مَحَلًّا لِتَنَاوُلِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا وَضَعَهُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ حُصُولُهُ بِسُرْعَةٍ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُؤَوَّلَ لَفْظُ الْمَآلِ إِلَى أَنْ يُؤَوَّلَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِأَنْ يُقَالَ التَّقْدِيرُ: فَإِنَّهُ أَذْكَرُ لِمَآلِكَ أَوْ لِمَآلِ الْمُمْلِيِّ عِنْدَ طَلَبِ الْقَلَمِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعْجَالِ فَيَنْدَفِعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ غَايَةِ التَّكَلُّفِ وَنِهَايَةِ التَّعَسُّفِ مِمَّا سَبَقَ فِي الْمَقَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
стр. 6433
٤٦٥٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَعَلَّمَ السُّرْيَانِيَّةَ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّهُ أَمَرَنِي أَنْ أَتَعَلَّمَ كِتَابَ يَهُودَ، وَقَالَ: " إِنِّي مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابٍ ". قَالَ: فَمَا مَرَّ بِيَ نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُ، فَكَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ، وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٦٥٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَعَلَّمَ السُّرْيَانِيَّةَ» ) ، بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَهِيَ لِسَانُ الْيَهُودِ (وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ أَمَرَنِي أَنْ أَتَعَلَّمَ كِتَابَ يَهُودَ» ) ، أَيْ: كِتَابَتَهُمْ، وَمَآلُ الرِّوَايَتَيْنِ وَاحِدٌ. (وَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ فِي تَعْلِيلِ الْأَمْرِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْنَافِ الْمُبَيِّنِ (إِنِّي مَا آمَنُ) : بِمَدِّ هَمْزٍ وَفَتْحِ مِيمٍ مُضَارِعُ مُتَكَلِّمُ أَمِنَ الثُّلَاثِيِّ ضِدِّ خَافَ، أَيْ: مَا أَسْتَأْمِنُ (يَهُودَ) أَيْ: فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ (عَلَى كِتَابٍ) أَيْ: لَا فِي قِرَاءَتِهِ وَلَا فِي كِتَابَتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاسْتَعْمَلَ بِعَلَى؛ فَإِنَّ نَفْيَ الْأَمْنِ عِبَارَةٌ عَنِ الْخَوْفِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَخَافُ عَلَى كِتَابٍ كَمَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ: " ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] "، اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي هَذَا الْمَبْنَى حَيْثُ دَخَلَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلَى الصِّيغَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَتَعَدَّى بِعَلَى مِنْ غَيْرِ النَّفْيِ أَيْضًا، كَمَا فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ ﵇: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤] . وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ: " «الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ» "، قَالَ الْمُظْهِرُ أَيْ: أَخَافُ إِنْ أَمَرْتُ يَهُودِيًّا بِأَنْ يَكْتُبَ مِنِّي كِتَابًا إِلَى الْيَهُودِ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ أَوْ يَنْقُصَ، وَأَخَافُ إِنْ جَاءَ كِتَابٌ مِنَ الْيَهُودِ فَيَقْرَؤُهُ يَهُودِيٌّ، فَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ فِيهِ.
(قَالَ) أَيْ: زَيْدٌ (فَمَا مَرَّ بِيَ) أَيْ: مَضَى عَلَيَّ مِنَ الزَّمَانِ (نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُ) : فِي مَعْنَاهُ مُقَدَّرٌ، أَيْ: مَا مَرَّ بِيَ نِصْفٌ مِنَ الشَّهْرِ فِي التَّعَلُّمِ، حَتَّى كَمُلَ تَعَلُّمِي، قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعَلُّمِ مَا هُوَ حَرَامٌ فِي شَرْعِنَا لِلتَّوَقِّي وَالْحَذَرِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي الشَّرِّ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ فِي ذَيْلِ كَلَامِ الْمُظْهِرِ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، إِذْ لَا يُعْرَفُ فِي الشَّرْعِ تَحْرِيمُ تَعَلُّمِ لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ سُرْيَانِيَّةٍ، أَوْ عِبْرَانِيَّةٍ، أَوْ هِنْدِيَّةٍ، أَوْ تُرْكِيَّةٍ، أَوْ فَارِسِيَّةٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] ، أَيْ: لُغَاتِكُمْ، بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُبَاحَاتِ، نَعَمْ يُعَدُّ مِنَ اللَّغْوِ، وَمِمَّا لَا يَعْنِي، وَهُوَ مَذْمُومٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْكَمَالِ، إِلَّا إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ، فَحِينَئِذٍ يُسْتَحَبُّ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ. (فَكَانَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ) أَيْ: أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِمْ أَوْ إِذَا أَمَرَ بِالْكِتَابَةِ إِلَيْهِمْ (كَتَبْتُ) ، أَيْ بِلِسَانِهِمْ (وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ) أَيْ: لِأَجْلِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَيْهِ أَيْ: عِنْدَهُ ﷺ (كِتَابَهُمْ) . أَيْ: مَكْتُوبَهُمْ إِلَيْهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 6434
٤٦٦٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى مَجْلِسٍ، فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ، ثُمَّ إِذَا قَامَ، فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَتِ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الْآخِرَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٦٦٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا انْتَهَى) أَيْ: إِذَا جَاءَ وَوَصَلَ (أَحَدُكُمْ إِلَى مَجْلِسٍ، فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدَا) : بِالْأَلِفِ أَيْ: ظَهَرَ (لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ) ، أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ (ثُمَّ إِذَا قَامَ) أَيْ: بَعْدَ أَنْ يَجْلِسَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ وَلَوْ لَمْ يَجْلِسْ (فَلْيُسَلِّمْ) ، أَيْ: نَدْبٌ (فَلَيْسَتِ الْأُولَى) أَيِ: التَّسْلِيمَةُ الْأُولَى (بِأَحَقَّ) أَيْ: بِأَوْلَى وَأَلْيَقَ (مِنَ الْآخِرَةِ) : بَلْ كِلْتَاهُمَا حَقٌّ وَسُنَّةٌ مُشْعِرَةٌ إِلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ، وَكَرَمِ الْأَخْلَاقِ، وَلُطْفِ الْفُتُوَّةِ وَلَطَافَةِ الْمُرُوءَةِ، فَإِنَّهُ إِذَا رَجَعَ وَلَمْ يُسَلِّمْ رُبَّمَا يَتَشَوَّشُ أَهْلُ الْمَجْلِسِ مِنْ مُرَاجَعَتِهِ عَلَى طَرِيقِ السُّكُوتِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ، بَلِ الْآخِرَةُ أَوْلَى مِنَ الْأُولَى ; لِأَنَّ تَرْكَهَا رُبَّمَا يُتَسَامَحُ فِيهِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمُشَاهَدُ فِي الْمُتَعَارَفِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِي الْمَجْلِسِ مَا لَا يُذَاعُ وَلَا يُشَاعُ، وَلِذَا قِيلَ: كَمَا أَنَّ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى إِخْبَارٌ عَنْ سَلَامَتِهِمْ مِنْ شَرِّهِ عِنْدَ الْحُضُورِ، فَكَذَلِكَ الثَّانِيَةَ إِخْبَارٌ عَنْ سَلَامَتِهِمْ مِنْ شَرِّهِ عِنْدَ الْغَيْبَةِ، وَلَيْسَتِ السَّلَامَةُ عِنْدَ الْحُضُورِ أَوْلَى مِنَ السَّلَامَةِ عِنْدَ الْغَيْبَةِ، بَلِ الثَّانِيَةُ أَوْلَى، هَذَا وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ جَوَابِ التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ أَصْلًا لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا التَّصْرِيحَ بِعَدَمِ وُجُوبِ جَوَابِ السَّلَامِ الثَّانِي وَوَجَّهْنَا تَوْجِيهَهُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْجَمَاعَةِ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الَّذِي يُسَلِّمُ عَلَى الْجَمَاعَةِ عِنْدَ الْمُفَارَقَةِ. قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي: جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ بِالسَّلَامِ عِنْدَ الْمُفَارَقَةِ وَذَلِكَ دُعَاءٌ يُسْتَحَبُّ جَوَابُهُ وَلَا يَجِبُ ; لِأَنَّ التَّحِيَّةَ إِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ اللِّقَاءِ لَا عِنْدَ الِانْصِرَافِ، وَأَنْكَرَهُ الشَّاشِيُّ، وَقَالَ: إِنَّ السَّلَامَ سُنَّةٌ عِنْدَ الِانْصِرَافِ، كَمَا هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، فَكَمَا يَجِبُ الرَّدُّ عِنْدَ اللِّقَاءِ كَذَلِكَ عِنْدَ الِانْصِرَافِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ اهـ. وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَاهُ مُبَيَّنٌ بِالْفَرْقِ الدَّقِيقِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
стр. 6435
٤٦٦١ - وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا خَيْرَ فِي جُلُوسٍ فِي الطُّرَقَاتِ، إِلَّا لِمَنْ هَدَى السَّبِيلَ، وَرَدَّ التَّحِيَّةَ، وَغَضَّ الْبَصَرَ، وَأَعَانَ عَلَى الْحُمُولَةِ» " رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي جُرَيٍّ فِي " بَابِ فَضْلِ الصَّدَقَةِ ".
ــ
٤٦٦١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا خَيْرَ) أَيْ: لِأَحَدٍ (فِي جُلُوسٍ) أَيْ: قُعُودٍ وَكَذَا فِي وُقُوفٍ (فِي الطُّرُقَاتِ) ، وَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنْوَاعُ الطُّرُقِ جَمِيعُهَا (إِلَّا لِمَنْ هَدَى السَّبِيلَ) ، أَيْ: أَرْشَدَ الطَّرِيقَ لِلضَّالِّ وَالْأَعْمَى وَغَيْرِهِمَا (وَرَدَّ التَّحِيَّةَ) ، أَيِ: السَّلَامَ (وَغَضَّ الْبَصَرَ) ، أَيْ: عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ أَوْ عَنِ الْعَوْرَاتِ (وَأَعَانَ عَلَى الْحُمُولَةِ) . بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِ، وَقَدْ قَالَ الشُّرَّاحُ: هِيَ بِالْفَتْحِ مَا يَحْمِلُ الْأَثْقَالَ مِنَ الدَّوَابِّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] ، وَبِضَمِّهَا مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا جَمْعُ حِمْلٍ بِالْكَسْرِ أَيْ: أَعَانَ مَنْ يَرْفَعُ حِمْلَهُ عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ أَوْ ظَهْرِهِ أَوْ رَأْسِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ بِأَنْ يَحْمِلَ عَلَى نَفْسِهِ بَعْضَ الْأَحْمَالِ أَوْ كُلَّهَا شَفَقَةً لَهُ وَمَرْحَمَةً عَلَيْهِ. وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ مَلْهُوفٍ عَلَى مَا سَبَقَ. (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ.
(وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي جُرَيٍّ) : بِضَمِّ جِيمٍ وَفَتْحِ رَاءٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ (فِي بَابِ فَضْلِ الصَّدَقَةِ) : هُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِدَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذِكْرِ الصَّدَقَةِ أَصْلًا، وَصَدْرُ الْحَدِيثِ مِمَّا يُنَاسِبُ هَذَا الْبَابَ جِدًّا، فَإِنَّ أَبَا جُرَيٍّ قَالَ: «قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ. قَالَ: لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ، عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ، قُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ» ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ حَقَّقْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ. فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُهُ فَارْجِعْ إِلَيْهِ.
стр. 6436
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٦٦٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا آدَمَ! اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى مَلَأٍ مِنْهُمْ جُلُوسٍ، فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. قَالُوا: عَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ. فَقَالَ لَهُ اللَّهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ. فَقَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ، ثُمَّ بَسَطَهَا، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ، فَإِذَا كُلُّ إِنْسَانٍ مَكْتُوبٌ عُمْرُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ أَضْوَأُهُمْ - أَوْ مِنْ أَضْوَئِهِمْ - قَالَ: يَا رَبِّ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ وَقَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمْرَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ: يَا رَبِّ زِدْ فِي عُمْرِهِ. قَالَ: ذَلِكَ الَّذِي كَتَبْتُ لَهُ. قَالَ: أَيْ رَبِّ! فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّينَ سَنَةً. قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ. [قَالَ: ثُمَّ سَكَنَ الْجَنَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أُهْبِطَ مِنْهَا] ، وَكَانَ آدَمُ يَعُدُّ لِنَفْسِهِ، فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: قَدْ عَجَّلْتَ، قَدْ كَتَبَ لِي أَلْفَ سَنَةٍ. قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكَ جَعَلْتَ لِابْنِكَ دَاوُدَ سِتِّينَ سَنَةً، فَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ " قَالَ: " فَمِنْ يَوْمَئِذٍ أُمِرَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٦٦٢ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ» ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ وَيُكْسَرُ (فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ: فَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ (فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ) ، أَيْ: بِتَيْسِيرِهِ وَتَوْفِيقِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ أَوْ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَخْصِيصُ الْحَمْدِ بِالذِّكْرِ إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ قُدْرَتِهِ الْبَاهِرَةِ وَنِعْمَتِهِ الْمُتَظَاهِرَةِ ; لِأَنَّ الْحَمْدَ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْجَمِيلِ مِنَ الْفَضْلِ وَالْإِفْضَالِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى أَبْدَعُهُ إِبْدَاعًا جَمِيلًا وَأَنْشَأَهُ خَلْقًا سَوِيًّا صَحِيحًا فَعَطَسَ، فَإِنَّهُ مُشْعِرٌ بِصِحَّةِ الْمِزَاجِ، فَوَجَبَ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا ارْتِيَابَ أَنَّ وُقُوفَهُ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِفْضَالِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ وَتَيْسِيرِهِ. قُلْتُ: وَمِنْ جُمْلَةِ التَّوْفِيقِ وَالتَّيْسِيرِ حُكْمُهُ وَأَمْرُهُ وَالْكُلُّ بِقَضَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ. قَالَ: وَفِي فَاءِ التَّعْقِيبِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ. قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى كُلٍّ مِمَّا ذُكِرَ هُنَالِكَ.
(فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا آدَمُ!) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُتَمِّمَةً وَمُقَدِّمَةً، لَكِنَّ الثَّانِي أَظْهَرُ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ الْمُسْتَطَابَ بَعْدَ سُجُودِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] وَالْمَعْنَى: يَا آدَمُ. (اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةِ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ جَمْعٌ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، أَوِ الْمُوَكَّلِينَ عَلَى الْحَسَنَاتِ مِنْ أَرْبَابِ الْيَمِينِ، وَقَوْلُهُ: (إِلَى مَلَأٍ مِنْهُمْ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيَانًا لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ إِلَى الْحَالِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الْبَدَلِ، يَعْنِي: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أُولَئِكَ مُشِيرًا بِهِ إِلَى مَلَأٍ مِنْهُمْ (جُلُوسٍ) : بِالْجَرِّ صِفَةُ مَلَأٍ، أَيْ: جَالِسِينَ أَوْ ذَوِي جُلُوسٍ (فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا وَفَّقَهُ تَعَالَى لِقِيَامِ الشُّكْرِ عَلَى نِعَمِهِ السَّابِغَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى قُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ عَلَّمَهُ كَيْفِيَّةَ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ الْخَلْقِ حَتَّى يَفُوزَ بِحُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ الْخَلْقِ بَعْدَ تَعْظِيمِ الْحَقِّ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ السَّلَامِ بِالذِّكْرِ، فَإِنَّهُ فَتْحُ بَابِ الْمَوَدَّاتِ، وَتَأْلِيفُ قُلُوبِ الْإِخْوَانِ الْمُؤَدِّي إِلَى اسْتِكْمَالِ الْإِيمَانِ. (فَقَالَ) أَيْ: فَذَهَبَ آدَمُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَحْذُوفَةٌ لِلْعِلْمِ بِهَا (فَقَالُوا: عَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ) ، أَيْ: إِلَى مَكَانِ كَلَّمَهُ رَبُّهُ فِيهِ تَبَرُّكًا بِهِ وَتَيَمُّنًا بِمَقَامِهِ، وَلِمَا فِي الْعَادَةِ أَنْ يَرْجِعَ الْمَأْمُورُ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ الْآمِرُ وَيَنْتَظِرَ بَيَانَ حِكْمَةِ الْآمِرِ (فَقَالَ) : أَيِ: الرَّبُّ سُبْحَانَهُ (هَذِهِ) أَيِ: الْكَلِمَاتُ الْمَذْكُورَةُ (تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ) : فِيهِ تَغْلِيبٌ أَيْ
стр. 6437
ذُرِّيَّتِكَ (بَيْنَهُمْ) ، أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُمْ عِنْدَ مُلَاقَاتِهِمْ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ وَمِنَّةٌ جَسِيمَةٌ (فَقَالَ لَهُ اللَّهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ وَالضَّمِيرٌ لِلَّهِ، وَحَقِيقَةُ مَعْنَاهُ يَعْجِزُ عَنْهُ مَا سِوَاهُ، وَمَذْهَبُ السَّلَفِ مِنْ نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَإِثْبَاتِ التَّنْزِيهِ مَعَ التَّفْوِيضِ أَسْلَمُ، وَسَيَأْتِي كَلَامُ بَعْضِ أَهْلِ الْخَلَفِ مَعَ خُلْفٍ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَعَ دَعْوَاهُمْ أَنَّ هَذَا الْمَذْهَبَ أَعْلَمُ، وَكَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ تَجَلِّيَاتٍ صُورِيَّةً مَعَ تَنَزُّهِ ذَاتِهِ عَنْ أُمُورٍ عَارِضِيَّةٍ، فَيَزُولُ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْإِشْكَالَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصِّفَاتِ الْمَفْهُومَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآيَاتِ، وَأَقْرَبُ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَنَّهُ أَرَادَ بِالْيَدَيْنِ صِفَتَيِ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ، وَأَنَّ الْجَمَالَ هُوَ الْيَمِينُ الْمُطْلَقُ، وَإِنْ كَانَ الْيَمِينُ فِي الْجَلَالِ أَيْضًا قَدْ تَحَقَّقَ، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى لِآدَمَ: (اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا) ، أَيْ مِنَ الْيَدَيْنِ (شِئْتَ) أَيْ: أَرَدْتَ (فَقَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ) : مِنْ كَلَامِ آدَمَ أَوْ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَوْلُهُ: (مُبَارَكَةٌ) ، صِفَةٌ كَاشِفَةٌ (ثُمَّ بَسَطَهَا) ، أَيْ: فَتَحَ الرَّبُّ تَعَالَى يَمِينَهُ (فَإِذَا فِيهَا) أَيْ: مَوْجُودٌ (آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ) أَيْ: مِثَالُهُ وَأَمْثِلَةُ أَوْلَادِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ : يَعْنِي رَأَى آدَمُ مِثَالَهُ وَمِثَالَ بَنِيهِ فِي عَالَمِ الْغَيْبِ (فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! مَا هَؤُلَاءِ؟) ظَاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ قَبْلَ الْمِيثَاقِ (قَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ) ، الظَّاهِرُ مِنْ كَوْنِهِمْ فِي الْيَمِينِ اخْتِصَاصُهُمْ بِالصَّالِحِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَالْمُقَرَّبِينَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: (فَإِذَا كُلُّ إِنْسَانٍ) أَيْ: مِنْهُمْ ( «مَكْتُوبٌ عُمْرُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ أَضْوَأُهُمْ» ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِكُلِّهِمْ ضِيَاءٌ، لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ فِيهِمْ بِحَسْبِ نُورِ إِيمَانِهِمْ، هَذَا وَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ كَالتَّتْمِيمِ صَوْنًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ إِنْبَاتِ الْجَارِحَةِ مِنَ الْكَلَامِ السَّابِقِ. قُلْتُ: هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ إِنَّهُ تَذْيِيلٌ وَتَكْمِيلٌ احْتِرَاسًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِ آدَمَ اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي أَنَّ لَهُ سُبْحَانَهُ يَسَارًا وَشَمَالًا، فَتَكُونُ أَحَدُهُمَا أَقْوَى مِنَ الْأُخْرَى أَوْ أَبْرَكَ وَأَيْمَنَ وَأَحْرَى، ثُمَّ قَالَ: وَلِلشَّيْخِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ كَلَامٌ مَتِينٌ فِيهِ قَالَ: وَالْيَدَانِ إِنْ حُمِلَتَا عَلَى مَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالْمِلْكِ صَحَّ، وَإِنْ حُمِلَتَا عَلَى مَعْنَى النِّعْمَةِ وَالْأَثَرِ الْحَسَنِ صَحَّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا حَدَثَ فِي مِلْكِهِ بِتَقْدِيرِهِ وَعَنْ ظُهُورِ نِعْمَتِهِ عَلَى بَعْضِهِمْ. قُلْتُ: لَا ارْتِيَابَ فِي صِحَّةِ هَذَا الْكَلَامِ فِي نَفْسِهِ، وَأَمَّا إِرَادَةُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذَا الْمَبْنَى فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ فِي الْكَلَامِ لِيَظْهَرَ الْمَقْصُودُ وَيَتَّضِحَ الْمَرَامُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ فُورَكٍ: قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِيَدِ الصِّفَةِ لَا بِيَدِ الْجَارِحَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ يَدُ الْجَارِحَةِ يَمِينًا وَيَسَارًا ; لِأَنَّهُمَا يَكُونَانِ لِمُتَبَعَّضٍ وَمُتَجَزَّئٍ ذِي أَعْضَاءٍ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَا وُصِفَ الرَّبُّ بِهِ يَدَ جَارِحَةٍ بَيَّنَ بِمَا قَالَ أَنْ لَيْسَتْ هِيَ يَدَ جَارِحَةٍ، قِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا وُصِفَ بِالْيَدَيْنِ، وَيَدَا الْجَارِحَةِ تَكُونُ إِحْدَاهُمَا يَمِينًا وَالْأُخْرَى يَسَارًا، وَالْيُسْرَى نَاقِصَةٌ فِي الْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ. عَرَّفَنَا ﷺ كَمَالَ صِفَةِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ لَا نَقْصَ فِيهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا قِيلَ لَهُ اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ فَقَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ أَرَادَ بِهِ لِسَانَ الشُّكْرِ وَالنِّعْمَةِ، لَا لِسَانَ الْحُكْمِ وَالِاعْتِرَافِ بِالْمُلْكِ فَذَكَرَ الْفَضْلَ وَالنِّعْمَةَ ; لِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُبْدِيهِ مِنْ مِنَنِهِ فَضْلٌ وَطَوْلٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ؛ فَمِنْ مَنْفُوعٍ يَنْفَعُهُ، وَمِنْ مَدْفُوعٍ عَنْهُ يَحْرُسُهُ، فَقَصَدَ قَصْدَ الشُّكْرِ وَالتَّعْظِيمِ لِلْمِنَّةِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ وَصْفَ اللَّهِ تَعَالَى بِغَايَةِ الْجُودِ وَالْكَرَمِ وَالْإِحْسَانِ وَالتَّفَضُّلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ لِمَنْ هُوَ كَذَلِكَ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، وَإِذَا نَقَصَ حَظُّ الرَّجُلِ وَبُخِسَ نَصِيبُهُ قِيلَ جُعِلَ سَهْمُهُ فِي الشِّمَالِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ اجْتِلَابُ مَنْفَعَةٍ وَلَا دَفْعُ مَضَرَّةٍ قِيلَ: لَيْسَ فُلَانٌ بِالْيَمِينِ وَلَا بِالشِّمَالِ.
وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ نَحْوَهُ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ مَلَكٍ أَمَرَهُ اللَّهُ بِجَمْعِ أَجْزَاءِ الطِّينِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْضِ أَمَرَهُ بِخَلْطِهَا بِيَدَيْهِ، فَخَرَجَ كُلُّ طَيِّبٍ بِيَمِينِهِ، وَكُلُّ خَبِيثٍ بِشِمَالِهِ، فَتَكُونُ الْيَمِينُ وَالشِّمَالُ لِلْمَلَكِ، فَأَضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ كَانَ عَنْ أَمْرِهِ، وَجَعَلَ كَوْنَ بَعْضِهِمْ فِي يَمِينِ الْمَلَكِ عَلَامَةً لِأَهْلِ الْخَيْرِ مِنْهُمْ، وَكَوْنَ بَعْضِهِمْ فِي شِمَالِهِ عَلَامَةً لِأَهْلِ الشَّرِّ مِنْهُمْ، فَلِذَلِكَ يُنَادَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَصْحَابِ الشِّمَالِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَقُولُ - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ - وَتَقْرِيرُهُ عَلَى طَرِيقَةِ أَصْحَابِ الْبَيَانِ، هُوَ أَنَّ إِطْلَاقَ الْيَدِ عَلَى الْقُدْرَةِ تَارَةً، وَعَلَى النِّعْمَةِ أُخْرَى مِنْ إِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ ; لِأَنَّ الْقُدْرَةَ وَالنِّعْمَةَ صَادِرَتَانِ عَنْهَا، وَهِيَ مَنْشَؤُهُمَا، وَكَذَا الْقُدْرَةُ مَنْشَأُ الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ إِمَّا خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ وَهِدَايَةٌ وَإِضْلَالٌ، وَالْيَدَانِ فِي الْحَدِيثِ إِذَا حُمِلَتَا، عَلَى الْقُدْرَةِ حُمِلَتَا
стр. 6438
عَلَى خَلْقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِضْلَالِ، فَالْيَمِينُ عِبَارَةٌ عَنْ خَلْقِ الْهُدَى وَالْإِيمَانِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: فَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ أَضْوَأُهُمْ عَلَى أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ الَّذِي يَقْتَضِي الشَّرِكَةَ، وَالشِّمَالُ عَلَى عَكْسِهَا، وَمَعْنَى كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ أَنَّ كُلًّا مِنْ خَلْقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَدْلٌ وَحِكْمَةٌ ; لِأَنَّهُ عَزِيزٌ يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا مَانِعَ لَهُ فِيهِ وَلَا مُنَازِعَ، حَكِيمٌ يَعْلَمُ بِلُطْفِ حِكْمَتِهِ مَا يَخْفَى عَلَى الْخَلْقِ، يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فَمَعْنَى الْيَمِينِ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ ... لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ
أَيْ: بِتَدْبِيرِهِ الْأَحْسَنِ وَتَحَرِّيهِ الْأَصْوَبِ، وَإِذَا حُمِلَتَا عَلَى النِّعْمَةِ كَانَ الْيَمِينُ الْمَبْسُوطَةُ عِبَارَةً عَنْ مَنْحِ الْأَلْطَافِ وَتَيْسِيرِ الْيُسْرَى عَلَى أَهْلِ السَّعَادَةِ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَالشِّمَالُ الْمَقْبُوضَةُ عَلَى عَكْسِهَا. وَمَعْنَى كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ عَلَى مَا سَبَقَ قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢] ، فَالْفَاصِلَتَانِ فِي الْآيَتَيْنِ أَعْنِي: " ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] " وَ " ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢] "، مُلَوِّحَتَانِ إِلَى مَعْنَى مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ: كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. كَلَامُهُ.
وَحَاصِلُ مَرَامِهِ، أَنَّ الْيَدَيْنِ كِنَايَتَانِ عَنْ آثَارِ صِفَتَيِ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ مِنَ الضِّيَاءِ وَالظُّلْمَةِ، وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا مِنَ النَّارِ وَالْجَنَّةِ، فَأَصْلُ إِيجَادِ الْخَلْقِ بَعْدَ عَدَمِهِمْ وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْجَلَالِ إِظْهَارًا لِلْكِبْرِيَاءِ وَالْجَبَرُوتِ النَّاشِئِ عَنْ صِفَةِ الْعَدْلِ، ثُمَّ أَظْهَرَ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ كَمَالَ الْجَمَالِ النَّاشِئِ عَنْ صِفَةِ الْفَضْلِ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ مَا وَرَدَ عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي ظُلْمَةٍ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَقَدْ ضَلَّ وَغَوَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ نُورَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ فِي مَرَاتِبَ مُخْتَلِفَةٍ، فَقَوْلُهُ: فِيهِمْ رَجُلٌ أَضْوَأُهُمْ، أَيْ: أَضْوَأُ مِنْ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ أَهْلُ زَمَانِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (- أَوْ مِنْ أَضْوَئِهِمْ -) : وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاسْتِدْرَاكِ أَيْ: بَلْ مِنْ أَضْوَئِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي، وَوَجْهُ تَخْصِيصِهِ مِنْ بَابِ تَفْوِيضِ عِلْمِهِ إِلَى عَالِمِهِ، وَلَعَلَّهُ كَوْنُهُ مِنْ أَقَلِّ الْأَنْبِيَاءِ عُمْرًا، أَوْ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْبُكَاءِ كَآدَمَ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْهُمَا مِنَ الْخَطَأِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ شَكِّ الرَّاوِي، فَعَلَى هَذَا مِنْ أَضْوَئِهِمْ صِفَةُ رَجُلٍ وَفِيهِمْ خَبَرُهُ، وَعَلَى إِسْقَاطِ مِنْ هُوَ مُسْتَأْنَفٌ أَيْ: هُوَ أَضْوَأُهُمْ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: أَضْوَأُهُمْ أَنَّ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الضَّوْءِ وَالْإِشْرَاقِ دُونَهُ، بَلْ لِبَيَانِ فَضْلِهِ وَجَمْعِهِ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالْمُلْكِ، وَإِفَاضَةِ نُورِ الْعَدْلِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] ، قُلْتُ: لَوْ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى مُرَادًا لَكَانَ سُلَيْمَانُ أَوْلَى بِذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الْمُلْكَ لِذَاتِهِ لَيْسَ لَهُ نُورٌ هُنَالِكَ، بَلْ لَهُ حِجَابٌ ظُلْمَانِيٌّ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ غَالِبًا عَنْ كَمَالٍ نُورَانِيٍّ، وَلِذَا يَدْخُلُ سُلَيْمَانُ الْجَنَّةَ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَذَا يَدْخُلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِسَبَبِ مَالِهِ الْكَثِيرِ الْمُشَبَّهِ بِالْمُلْكِ الْكَبِيرِ بَعْدَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ. (قَالَ: يَا رَبِّ! مَنْ هَذَا؟) : قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَ أَوَّلًا مَا هَؤُلَاءِ ; لِأَنَّهُ مَا عَرَفَ مَا رَآهُ، ثُمَّ لَمَّا قِيلَ لَهُ هُمْ ذُرِّيَّتُكَ فَعَرَفَهُمْ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ ( «قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ وَقَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمْرَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً» ) . وَفِي نُسْخَةٍ: عُمْرَهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى ضَمِيرِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: عُمْرَ أَرْبَعِينَ مَفْعُولُ كَتَبْتُ، وَمُؤَدَّى الْمَكْتُوبِ ; لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ عُمْرُهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَنُصِبَ أَرْبَعِينَ عَلَى الْمَصْدَرِ عَلَى تَأْوِيلِ كَتَبْتُ لَهُ أَنْ يُعَمِّرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. (قَالَ: يَا رَبِّ زِدْ فِي عُمْرِهِ) . أَيْ: مِنْ عِنْدِكَ وَفَضْلِكَ (قَالَ: ذَلِكَ الَّذِي كَتَبْتُ لَهُ) . أَيْ: قَدَّرْتُ وَقَضَيْتُ لِأَجَلِهِ، وَلَا مَرَدَّ لِقَضَائِي، وَلَا تَبْدِيلَ لِقَدَرِي. قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَلِكَ الَّذِي مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مُعَرَّفَتَانِ فَيُفِيدُ الْحَصْرَ أَيْ: لَا مَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا نُقْصَانَ، وَكَانَ كَذَلِكَ حَيْثُ وَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ. قُلْتُ: لَكِنْ رُوِيَ أَنَّهُ أَعْطَى مَا وَهَبَ لَهُ وَكَمَّلَ لِآدَمَ عُمْرَهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَهَذَا أَظْهَرُ، وَفِيهِ اسْتِجَابَةٌ لِدَعْوَةِ آدَمَ ﵇ أَيْضًا، وَقَدْ يَكُونُ الْعُمْرُ الْمُعَلَّقُ يَزِيدُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ : ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١] ، وَكَذَا مَا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مِنْ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَزِيدُ فِي الْعُمْرِ.
стр. 6439
(قَالَ) : يَعْنِي آدَمُ (أَيْ رَبِّ) أَيْ: يَا رَبِّ (فَإِنِّي) أَيْ: إِذَا أَبَيْتَ الزِّيَادَةَ مِنْ عِنْدِكَ، فَإِنِّي (قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ مُدَّةِ عُمْرِي وَسِنِّهِ (سِتِّينَ سَنَةً) . أَيْ: تَكْمِلَةً لِلْمِائَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْخَبَرِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِدْعَاءُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَجْعَلَهُ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى هَذَا الْجَعْلِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ؛ إِذْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ بَابِ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ مَا يُخَالِفُ هَذَا، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ مِنْ عُمْرِهِ أَوَّلًا أَرْبَعِينَ، ثُمَّ زَادَ عِشْرِينَ فَصَارَ سِتِّينَ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَكَرَّرَ مَأْتَى عِزْرَائِيلَ ﵇ لِلِامْتِحَانِ بِأَنْ جَاءَ وَبَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ سِتُّونَ، فَلَمَّا جَحَدَهُ رَجَعَ إِلَيْهِ بَعْدَ بَقَاءِ أَرْبَعِينَ عَلَى رَجَاءِ أَنَّهُ تَذَكَّرَ بَعْدَ مَا تَفَكَّرَ فَجَحَدَ ثَانِيًا، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي بَابِ النِّسْيَانِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ وَقَعَ شَكٌّ لِلرَّاوِي، وَتَرَدُّدٌ فِي كَوْنِ الْعَدَدِ أَرْبَعِينَ أَوْ سِتِّينَ، فَعَبَّرَ عَنْهُ تَارَةً بِالْأَرْبَعِينَ وَأُخْرَى بِالسِّتِّينَ، وَمِثْلُ هَذَا وَقَعَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَأَجَابَ عَنْهُ بِمَا ذَكَرْنَا بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِالْوَهْمِ وَالْغَلَطِ فِي رِوَايَةِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ سَاعَاتِ أَيَّامِ عُمْرِ آدَمَ كَانَتْ أَطْوَلَ مِنْ زَمَانِ دَاوُدَ، فَمَوْقُوفٌ عَلَى صِحَّةِ النَّقْلِ، وَإِلَّا فَبِظَاهِرِهِ يَأْبَاهُ الْعَقْلُ كَمَا حُقِّقَ فِي دَوَرَانِ الْفَلَكِ عِنْدَ أَهْلِ الْفَضْلِ.
(قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ) . يَحْتَمِلُ الْبَرَاءَةَ، وَيَحْتَمِلُ الْإِجَابَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ كُلُّ رَجُلٍ وَضَيْعَتِهِ أَيْ: أَنْتَ مَعَ مَطْلُوبِكَ مَقْرُونَانِ (وَكَانَ) أَيْ: (آدَمُ) : كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (يَعُدُّ لِنَفْسِهِ) ، أَيْ: يُقَدِّرُ لَهُ وَيُرَاعِي أَوْقَاتَ أَجَلِهِ سَنَةً فَسَنَةً (فَأَتَاهُ) أَيِ: امْتِحَانًا (مَلَكُ الْمَوْتِ) ، أَيْ: بَعْدَ تَمَامِ تِسْعِمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً (فَقَالَ لَهُ آدَمُ: قَدْ عَجِلْتَ) ، بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيِ: اسْتَعْجَلْتَ وَجِئْتَ قَبْلَ أَوَانِهِ. ( «قَدْ كُتِبَ لِي أَلْفُ سَنَةٍ. قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكَ جَعَلْتَ لِابْنِكَ دَاوُدَ سِتِّينَ سَنَةً، فَجَحَدَ» ) أَيْ: أَنْكَرَ آدَمُ (فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ) : بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ سِرِّ أَبِيهِ (وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ) : لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ طِينَةِ أَبِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ آدَمَ نَسِيَ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ فَجَحَدَ فَيَكُونُ اعْتِذَارًا لَهُ، إِذْ يَبْعُدُ مِنْهُ ﷺ أَنْ يُنْكِرَ مَعَ التَّذَكُّرِ، فَقَوْلُ الطِّيبِيِّ يُشِيرُ بِهِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] ، لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ إِذِ الْآيَةُ فِي قَضِيَّةِ أَكْلِ الشَّجَرَةِ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ (فَمِنْ يَوْمَئِذٍ أُمِرَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أُمِرَ النَّاسُ أَوِ الْغَائِبُ، وَقَوْلُهُ (بِالْكِتَابِ) أَيْ: بِكِتَابَةِ الْحُجَّةِ (وَالشُّهُودِ) . فِي الْقَضِيَّةِ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: فِي جَامِعِهِ فِي آخِرِ كِتَابِ التَّفْسِيرِ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اهـ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ السَّابِقُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي أَثْنَاءِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اهـ. فَالْحَدِيثُ السَّابِقُ أَرْجَحُ، وَكَذَا أَوْفَقُ لِسَائِرِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ، كَمَا فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ، وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
стр. 6440
٤٦٦٣ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵂ قَالَتْ: «مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فِي نِسْوَةٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٤٦٦٣ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) أَيِ: ابْنِ السَّكَنِ (قَالَتْ: مَرَّ عَلَيْنَا) أَيْ: مَعْشَرَ النِّسَاءِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نِسْوَةٍ) ، أَيْ: حَالَ كَوْنِنَا مَعَ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ النِّسَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ فِي نِسْوَةٍ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالْفَاعِلِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ مِنْهُ مُرُورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي زُمْرَةِ النِّسْوَةِ عَلَيْهِنَّ، بَلْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ وَبَيَانٌ لَهُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِكَ فِي الْبَيْضَةِ عِشْرُونَ رِطْلًا مِنْ حَدِيدٍ، وَهِيَ بِنَفْسِهَا هَذَا الْمِقْدَارُ لَا أَنَّهَا ظَرْفٌ لَهُ (فَسَلَّمَ عَلَيْنَا) . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدْ سَبَقَ رِوَايَتُهَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِعِ مِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمًا وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ إِلَخْ. اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مَا سَبَقَ إِنَّمَا هُوَ الْخَامِسُ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 6441
٤٦٦٤ - وَعَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي ابْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ. قَالَ: فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ، لَمْ يَمُرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سَقَّاطٍ وَلَا عَلَى صَاحِبِ بَيْعَةٍ، وَلَا مِسْكِينٍ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ. قَالَ الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا، فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيْعِ وَلَا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ وَلَا تَسُومُ بِهَا، وَلَا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ؟ فَاجْلِسْ بِنَا هَاهُنَا نَتَحَدَّثُ. قَالَ: فَقَالَ لِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: يَا أَبَا بَطْنٍ! - قَالَ: وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ - إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ، نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِينَاهُ. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ "
ــ
٤٦٦٤ - (وَعَنِ الطُّفَيْلِ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَنْصَارِيٌّ تَابِعِيٌّ عَزِيزُ الْحَدِيثِ حَدِيثُهُ فِي الْحِجَازِيِّينَ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ أَبُو الطُّفَيْلِ (أَنَّهُ) أَيِ: الطُّفَيْلُ (كَانَ يَأْتِي ابْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ) : يَحْتَمِلُ احْتِمَالَيْنِ فِي الْمَرْجِعَيْنِ، وَالْمَعْنَى: فَيَذْهَبَانِ فِي الْغَدْوَةِ (إِلَى السُّوقِ. قَالَ) أَيِ: الطُّفَيْلُ (فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ، لَمْ يَمُرَّ) . بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَكَسْرُهَا أَيْ: لَمْ يَأْتِ (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سَقَّاطٍ) : بِتَشْدِيدِ الْقَافِ مَعَ فَتْحِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَبِيعُ السَّقَطَ، وَهُوَ الرَّدِيءُ مِنَ الْمَتَاعِ (وَلَا عَلَى صَاحِبِ بَيْعَةٍ) ، بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَيُكْسَرُ، فَالْأَوَّلُ لِلْمَرَّةِ، وَالثَّانِي لِلنَّوْعِ وَالْهَيْئَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُرْوَى بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهِيَ الصَّفْقَةُ وَبِكَسْرِهَا الْحَالَةُ كَالرِّكْبَةِ وَالْقِعْدَةِ (وَلَا مِسْكِينٍ) ، أَيْ: وَلَا عَلَى مِسْكِينٍ (وَلَا عَلَى أَحَدٍ) : فِيهِ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُسَلِّمَ هُوَ ابْنُ عُمَرَ وَيُحْتَمَلُ الْعَكْسُ (قَالَ الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا، فَاسْتَتْبَعَنِي) أَيْ: طَلَبَنِي أَنْ أَتْبَعَهُ فِي ذَهَابِهِ إِلَى السُّوقِ (فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ) : مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ (وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيْعِ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَلَا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ) أَيْ: عَنْ مَكَانِهَا وَهُوَ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ جَمْعُ سِلْعَةٍ. (وَلَا تَسُومُ بِهَا) ، أَيْ: لَا تَسْأَلُ عَنْ ثَمَنِهَا وَقِيمَتِهَا (وَلَا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ؟) أَيْ: لِلتَّنَزُّهِ وَالتَّفَرُّجِ عَلَى الصَّادِرِ وَالْوَارِدِ، وَالْمَذْكُورَاتُ غَالِبُ الْمَقَاصِدِ (فَاجْلِسْ بِنَا هَا هُنَا نَتَحَدَّثُ) . بِالرَّفْعِ أَيْ: نَحْنُ نَسْتَمِعُ الْحَدِيثَ مِنْكَ أَوْ يَتَحَدَّثُ بَعْضُنَا بَعْضًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أَوْ مِنْ مُهِمَّاتِ الدُّنْيَا، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ (قَالَ: فَقَالَ لِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: يَا أَبَا بَطْنٍ! - قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي عَنِ الطُّفَيْلِ أَوْ هُوَ بِنَفْسِهِ (وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ -) أَيْ: بَطْنٌ كَبِيرٌ وَلِذَا لَقَّبَهُ بِذَلِكَ، لَا لِأَنَّهُ صَاحِبُ أَكْلٍ كَثِيرٍ كَمَا يُتَوَهَّمُ (إِنَّمَا نَغْدُو) أَيْ: إِلَى السُّوقِ (مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ) ، أَيْ: تَحْصِيلِهِ (نُسَلِّمُ) : اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ (عَلَى مَنْ لَقِينَا) ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَيُؤَيِّدُهُ نُسْخَةُ لَقِينَاهُ بِالضَّمِيرِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَاللُّقْيُ يَحْصُلُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلَامِ أَعَمُّ مِنِ ابْتِدَائِهِ وَجَوَابِهِ: فَإِنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَضِيلَةً كَامِلَةً، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَعْضَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 6442
٤٦٦٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لِفُلَانٍ فِي حَائِطِي عَذْقٌ، وَأَنَّهُ قَدْ آذَانِي مَكَانُ عَذْقِهِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ " أَنْ بِعْنِي عَذْقَكَ " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَبْ لِي ". قَالَ: لَا. قَالَ: " فَبِعْنِيهِ بِعَذْقٍ فِي الْجَنَّةِ ". فَقَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا رَأَيْتُ الَّذِي هُوَ أَبْخَلُ مِنْكَ إِلَّا الَّذِي يَبْخَلُ بِالسَّلَامِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٤٦٦٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لِفُلَانٍ فِي حَائِطِي) أَيْ: بُسْتَانِي الْمُحْدَقُ بِالْحِيطَانِ، وَقَدْ يُرَادُ الْبُسْتَانُ الْمُجَرَّدُ (عَذْقٌ) ، بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ أَيْ: نَخْلَةٌ وَأَمَّا بِكَسْرِ أَوَّلِهِ فَالْعُرْجُونُ بِمَا فِيهِ مِنَ الشَّمَارِيخِ (وَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ أَوِ الْفُلَانُ (قَدْ آذَانِي) :. بِمَدِّ أَوَّلِهِ أَيْ: جَعَلَنِي فِي الْأَذَى (مَكَانُ عَذْقِهِ) ، بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ أَيْ: آذَانِي وَجُودُهُ أَوْ عَذْقُهُ وَمَكَانٌ مُقْحَمٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ [يونس: ٧١] ، الْكَشَّافُ مَقَامِي مَكَانِي يَعْنِي نَفْسَهُ كَمَا تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا لِمَكَانِ فُلَانٍ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ فِي الْآيَةِ أَنَّ مَقَامِي بِمَعْنَى: وُقُوفِي بِالْحَيَاةِ وَقِيَامِي بِحَقِّ النُّبُوَّةِ وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ أَيْ: وَعْظِي إِيَّاكُمْ بِالْآيَاتِ الْمَنْقُولَةِ أَوِ الْمَعْقُولَةِ أَوِ الْآفَاقِيَّةِ وَالْأَنْفُسِيَّةِ أَوِ الْمُعْجِزَاتِ الْبَيِّنَاتِ. وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: آذَانِي مُرُورُهُ بِسَبَبِ مَكَانِ عَذْقِهِ (فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ) : مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي الْإِرْسَالِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ أَيْ: (بِعْنِي عَذْقَكَ) أَيْ: بِأَيِّ ثَمَنٍ تُرِيدُهُ
стр. 6443
مِنَ الدُّنْيَا (قَالَ: لَا) أَيْ: لَا أَبِيعُهُ (قَالَ: فَهَبْ لِي) : أَيْ حَتَّى أَهَبَ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَهَبْهُ إِيَّاهُ لِأَجْلِي، وَعَلَى كُلٍّ كَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الشَّفَاعَةِ لَا الْإِلْزَامِ (قَالَ: لَا) أَيْ: لَا أَهَبُ (قَالَ: فَبِعْنِيهِ بِعَذْقٍ فِي الْجَنَّةِ) . فَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُشْعِرُ بِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ مُسْلِمًا، وَكَانَ سَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُ شَفَاعَةً مِنْهُ لَا آمِرًا وَإِلَّا لَوَجَبَ عَلَيْهِ قَبُولُهُ وَالْحُكْمُ بِعِصْيَانِهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ (فَقَالَ: لَا) ، أَيْ: لَا أَبِيعُهُ بِهِ أَيْضًا ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا رَأَيْتُ الَّذِي هُوَ أَبْخَلُ مِنْكَ إِلَّا الَّذِي يَبْخَلُ بِالسَّلَامِ» ) أَيْ: عَلَى النَّاسِ أَوْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا وَرَدَ: «الْبَخِيلُ الَّذِي ذُكِرْتُ عِنْدَهُ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيَّ» ، وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْمُصَالَحَةِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ وَبَيَانُ كَمَالِ حِلْمِهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَلَعَلَّ الرَّجُلَ كَانَ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ، أَوْ وَقَعَ لَهُ الْمَقَالُ فِي كَمَالِ غَضَبِهِ مِنَ الْحَالِ حَتَّى غَفَلَ عَنْ مَقَامِ الْأَدَبِ وَفَاتَهُ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي حُسْنِ الْمَآلِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 6444
٤٦٦٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " «الْبَادِئُ بِالسَّلَامِ بَرِيءٌ مِنَ الْكِبْرِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٤٦٦٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) ، أَيِ: ابْنِ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَقْصُودٌ فِي مُصْطَلَحِ الْمُحَدِّثِينَ، فَإِنَّهُ أَجَلُّ الْعَبَادِلَةِ لِكَوْنِهِ أَفْقَهَ الصَّحَابَةِ مِمَّا عَدَا الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْبَادِئُ) : بِالْهَمْزِ أَيِ: الْمُبْتَدِئُ (بِالسَّلَامِ) : وَالْمُبَادِرُ إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَلَاقِيَيْنِ إِذَا اتَّفَقَا فِي الْوَصْفِ كَمَاشِيَيْنِ وَرَاكِبَيْنِ (بَرِيءٌ) : فَعِيلٌ مِنَ الْبَرَاءَةِ أَيْ: مُتَبَرِّئٌ وَمُتَنَزِّهٌ (مِنَ الْكِبْرِ) أَيْ: مِنْ عِلَّتِهِ، فَالسَّلَامُ عَلَامَةُ سَلَامَتِهِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَكَذَا الْخَطِيبُ فِي الْجَامِعِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْهُ أَيْضًا، وَلَفْظُهُ بَرِيءٌ مِنَ الضُّرْمِ، وَهُوَ بِالضَّمِّ الْهَجْرِ وَالْقَطْعِ، وَرَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ فَهُوَ أَوْلَى بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» ".
стр. 6445
[بَابُ الِاسْتِئْذَانِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٦٦٧ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: أَتَانَا أَبُو مُوسَى، قَالَ: «إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُ بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ. فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا؟ فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا فَلَمْ تَرُدُّوا فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ لِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ ". فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ، فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ، فَشَهِدْتُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(٢) بَابُ الِاسْتِئْذَانِ
بِسُكُونِ الْهَمْزِ وَيُبْدَلُ يَاءً، وَمَعْنَاهُ: طَلَبُ الْإِذْنِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] الْآيَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ مَشْرُوعٌ وَتَظَاهَرَتْ بِهِ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ السَّلَامِ أَوِ الِاسْتِئْذَانِ، وَالصَّحِيحُ تَقْدِيمُ السَّلَامِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ. أَدْخُلُ؟ وَعَنِ الْمَاوَرْدِيِّ إِنْ وَقَعَتْ عَيْنُ الْمُسْتَأْذِنِ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ قَبْلَ دُخُولِهِ قَدَّمَ السَّلَامَ، وَإِلَّا قَدَّمَ الِاسْتِئْذَانَ. قُلْتُ: وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ السَّلَامِ قَبْلَ الْكَلَامِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٦٦٧ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: أَتَانَا أَبُو مُوسَى) ، أَيِ: الْأَشْعَرِيُّ (قَالَ) أَيْ: أَبُو مُوسَى اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِعِلَّةِ الْإِتْيَانِ (إِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ) ، أَيْ بِأَنْ
следующие страницы →