← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

٤٦٦٤ - وَعَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي ابْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ. قَالَ: فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ، لَمْ يَمُرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سَقَّاطٍ وَلَا عَلَى صَاحِبِ بَيْعَةٍ، وَلَا مِسْكِينٍ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ. قَالَ الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا، فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيْعِ وَلَا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ وَلَا تَسُومُ بِهَا، وَلَا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ؟ فَاجْلِسْ بِنَا هَاهُنَا نَتَحَدَّثُ. قَالَ: فَقَالَ لِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: يَا أَبَا بَطْنٍ! - قَالَ: وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ - إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ، نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِينَاهُ. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " ــ ٤٦٦٤ - (وَعَنِ الطُّفَيْلِ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَنْصَارِيٌّ تَابِعِيٌّ عَزِيزُ الْحَدِيثِ حَدِيثُهُ فِي الْحِجَازِيِّينَ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ أَبُو الطُّفَيْلِ (أَنَّهُ) أَيِ: الطُّفَيْلُ (كَانَ يَأْتِي ابْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ) : يَحْتَمِلُ احْتِمَالَيْنِ فِي الْمَرْجِعَيْنِ، وَالْمَعْنَى: فَيَذْهَبَانِ فِي الْغَدْوَةِ (إِلَى السُّوقِ. قَالَ) أَيِ: الطُّفَيْلُ (فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ، لَمْ يَمُرَّ) . بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَكَسْرُهَا أَيْ: لَمْ يَأْتِ (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سَقَّاطٍ) : بِتَشْدِيدِ الْقَافِ مَعَ فَتْحِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَبِيعُ السَّقَطَ، وَهُوَ الرَّدِيءُ مِنَ الْمَتَاعِ (وَلَا عَلَى صَاحِبِ بَيْعَةٍ) ، بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَيُكْسَرُ، فَالْأَوَّلُ لِلْمَرَّةِ، وَالثَّانِي لِلنَّوْعِ وَالْهَيْئَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُرْوَى بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهِيَ الصَّفْقَةُ وَبِكَسْرِهَا الْحَالَةُ كَالرِّكْبَةِ وَالْقِعْدَةِ (وَلَا مِسْكِينٍ) ، أَيْ: وَلَا عَلَى مِسْكِينٍ (وَلَا عَلَى أَحَدٍ) : فِيهِ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُسَلِّمَ هُوَ ابْنُ عُمَرَ وَيُحْتَمَلُ الْعَكْسُ (قَالَ الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا، فَاسْتَتْبَعَنِي) أَيْ: طَلَبَنِي أَنْ أَتْبَعَهُ فِي ذَهَابِهِ إِلَى السُّوقِ (فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ) : مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ (وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيْعِ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَلَا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ) أَيْ: عَنْ مَكَانِهَا وَهُوَ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ جَمْعُ سِلْعَةٍ. (وَلَا تَسُومُ بِهَا) ، أَيْ: لَا تَسْأَلُ عَنْ ثَمَنِهَا وَقِيمَتِهَا (وَلَا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ؟) أَيْ: لِلتَّنَزُّهِ وَالتَّفَرُّجِ عَلَى الصَّادِرِ وَالْوَارِدِ، وَالْمَذْكُورَاتُ غَالِبُ الْمَقَاصِدِ (فَاجْلِسْ بِنَا هَا هُنَا نَتَحَدَّثُ) . بِالرَّفْعِ أَيْ: نَحْنُ نَسْتَمِعُ الْحَدِيثَ مِنْكَ أَوْ يَتَحَدَّثُ بَعْضُنَا بَعْضًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أَوْ مِنْ مُهِمَّاتِ الدُّنْيَا، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ (قَالَ: فَقَالَ لِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: يَا أَبَا بَطْنٍ! - قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي عَنِ الطُّفَيْلِ أَوْ هُوَ بِنَفْسِهِ (وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ -) أَيْ: بَطْنٌ كَبِيرٌ وَلِذَا لَقَّبَهُ بِذَلِكَ، لَا لِأَنَّهُ صَاحِبُ أَكْلٍ كَثِيرٍ كَمَا يُتَوَهَّمُ (إِنَّمَا نَغْدُو) أَيْ: إِلَى السُّوقِ (مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ) ، أَيْ: تَحْصِيلِهِ (نُسَلِّمُ) : اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ (عَلَى مَنْ لَقِينَا) ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَيُؤَيِّدُهُ نُسْخَةُ لَقِينَاهُ بِالضَّمِيرِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَاللُّقْيُ يَحْصُلُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلَامِ أَعَمُّ مِنِ ابْتِدَائِهِ وَجَوَابِهِ: فَإِنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَضِيلَةً كَامِلَةً، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَعْضَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 6442

٤٦٦٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لِفُلَانٍ فِي حَائِطِي عَذْقٌ، وَأَنَّهُ قَدْ آذَانِي مَكَانُ عَذْقِهِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ " أَنْ بِعْنِي عَذْقَكَ " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَبْ لِي ". قَالَ: لَا. قَالَ: " فَبِعْنِيهِ بِعَذْقٍ فِي الْجَنَّةِ ". فَقَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا رَأَيْتُ الَّذِي هُوَ أَبْخَلُ مِنْكَ إِلَّا الَّذِي يَبْخَلُ بِالسَّلَامِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٤٦٦٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لِفُلَانٍ فِي حَائِطِي) أَيْ: بُسْتَانِي الْمُحْدَقُ بِالْحِيطَانِ، وَقَدْ يُرَادُ الْبُسْتَانُ الْمُجَرَّدُ (عَذْقٌ) ، بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ أَيْ: نَخْلَةٌ وَأَمَّا بِكَسْرِ أَوَّلِهِ فَالْعُرْجُونُ بِمَا فِيهِ مِنَ الشَّمَارِيخِ (وَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ أَوِ الْفُلَانُ (قَدْ آذَانِي) :. بِمَدِّ أَوَّلِهِ أَيْ: جَعَلَنِي فِي الْأَذَى (مَكَانُ عَذْقِهِ) ، بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ أَيْ: آذَانِي وَجُودُهُ أَوْ عَذْقُهُ وَمَكَانٌ مُقْحَمٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ [يونس: ٧١] ، الْكَشَّافُ مَقَامِي مَكَانِي يَعْنِي نَفْسَهُ كَمَا تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا لِمَكَانِ فُلَانٍ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ فِي الْآيَةِ أَنَّ مَقَامِي بِمَعْنَى: وُقُوفِي بِالْحَيَاةِ وَقِيَامِي بِحَقِّ النُّبُوَّةِ وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ أَيْ: وَعْظِي إِيَّاكُمْ بِالْآيَاتِ الْمَنْقُولَةِ أَوِ الْمَعْقُولَةِ أَوِ الْآفَاقِيَّةِ وَالْأَنْفُسِيَّةِ أَوِ الْمُعْجِزَاتِ الْبَيِّنَاتِ. وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: آذَانِي مُرُورُهُ بِسَبَبِ مَكَانِ عَذْقِهِ (فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ) : مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي الْإِرْسَالِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ أَيْ: (بِعْنِي عَذْقَكَ) أَيْ: بِأَيِّ ثَمَنٍ تُرِيدُهُ

стр. 6443

مِنَ الدُّنْيَا (قَالَ: لَا) أَيْ: لَا أَبِيعُهُ (قَالَ: فَهَبْ لِي) : أَيْ حَتَّى أَهَبَ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَهَبْهُ إِيَّاهُ لِأَجْلِي، وَعَلَى كُلٍّ كَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الشَّفَاعَةِ لَا الْإِلْزَامِ (قَالَ: لَا) أَيْ: لَا أَهَبُ (قَالَ: فَبِعْنِيهِ بِعَذْقٍ فِي الْجَنَّةِ) . فَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُشْعِرُ بِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ مُسْلِمًا، وَكَانَ سَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُ شَفَاعَةً مِنْهُ لَا آمِرًا وَإِلَّا لَوَجَبَ عَلَيْهِ قَبُولُهُ وَالْحُكْمُ بِعِصْيَانِهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ (فَقَالَ: لَا) ، أَيْ: لَا أَبِيعُهُ بِهِ أَيْضًا ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا رَأَيْتُ الَّذِي هُوَ أَبْخَلُ مِنْكَ إِلَّا الَّذِي يَبْخَلُ بِالسَّلَامِ» ) أَيْ: عَلَى النَّاسِ أَوْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا وَرَدَ: «الْبَخِيلُ الَّذِي ذُكِرْتُ عِنْدَهُ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيَّ» ، وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْمُصَالَحَةِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ وَبَيَانُ كَمَالِ حِلْمِهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَلَعَلَّ الرَّجُلَ كَانَ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ، أَوْ وَقَعَ لَهُ الْمَقَالُ فِي كَمَالِ غَضَبِهِ مِنَ الْحَالِ حَتَّى غَفَلَ عَنْ مَقَامِ الْأَدَبِ وَفَاتَهُ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي حُسْنِ الْمَآلِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 6444

٤٦٦٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " «الْبَادِئُ بِالسَّلَامِ بَرِيءٌ مِنَ الْكِبْرِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٤٦٦٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) ، أَيِ: ابْنِ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَقْصُودٌ فِي مُصْطَلَحِ الْمُحَدِّثِينَ، فَإِنَّهُ أَجَلُّ الْعَبَادِلَةِ لِكَوْنِهِ أَفْقَهَ الصَّحَابَةِ مِمَّا عَدَا الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْبَادِئُ) : بِالْهَمْزِ أَيِ: الْمُبْتَدِئُ (بِالسَّلَامِ) : وَالْمُبَادِرُ إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَلَاقِيَيْنِ إِذَا اتَّفَقَا فِي الْوَصْفِ كَمَاشِيَيْنِ وَرَاكِبَيْنِ (بَرِيءٌ) : فَعِيلٌ مِنَ الْبَرَاءَةِ أَيْ: مُتَبَرِّئٌ وَمُتَنَزِّهٌ (مِنَ الْكِبْرِ) أَيْ: مِنْ عِلَّتِهِ، فَالسَّلَامُ عَلَامَةُ سَلَامَتِهِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَكَذَا الْخَطِيبُ فِي الْجَامِعِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْهُ أَيْضًا، وَلَفْظُهُ بَرِيءٌ مِنَ الضُّرْمِ، وَهُوَ بِالضَّمِّ الْهَجْرِ وَالْقَطْعِ، وَرَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ فَهُوَ أَوْلَى بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» ".

стр. 6445

[بَابُ الِاسْتِئْذَانِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٦٦٧ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: أَتَانَا أَبُو مُوسَى، قَالَ: «إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُ بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ. فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا؟ فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا فَلَمْ تَرُدُّوا فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ لِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ ". فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ، فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ، فَشَهِدْتُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (٢) بَابُ الِاسْتِئْذَانِ بِسُكُونِ الْهَمْزِ وَيُبْدَلُ يَاءً، وَمَعْنَاهُ: طَلَبُ الْإِذْنِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] الْآيَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ مَشْرُوعٌ وَتَظَاهَرَتْ بِهِ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ السَّلَامِ أَوِ الِاسْتِئْذَانِ، وَالصَّحِيحُ تَقْدِيمُ السَّلَامِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ. أَدْخُلُ؟ وَعَنِ الْمَاوَرْدِيِّ إِنْ وَقَعَتْ عَيْنُ الْمُسْتَأْذِنِ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ قَبْلَ دُخُولِهِ قَدَّمَ السَّلَامَ، وَإِلَّا قَدَّمَ الِاسْتِئْذَانَ. قُلْتُ: وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ السَّلَامِ قَبْلَ الْكَلَامِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٦٦٧ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: أَتَانَا أَبُو مُوسَى) ، أَيِ: الْأَشْعَرِيُّ (قَالَ) أَيْ: أَبُو مُوسَى اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِعِلَّةِ الْإِتْيَانِ (إِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ) ، أَيْ بِأَنْ

стр. 6446

أَجِيئَهُ (فَأَتَيْتُ بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا) ، أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَيْرَ مُتَوَالِيَاتٍ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْأَدَبِ الْمُتَعَارَفِ، وَالْمُرَادُ بِهِ سَلَامُ الْإِيذَانِ، وَهُوَ قَدْ يَكُونُ مَعَ أَدْخُلُ؟ ، وَقَدْ يَتَجَرَّدُ عَنْهُ اكْتِفَاءً، وَسَيَأْتِي بَيَانُ حِكْمَةِ التَّثْلِيثِ (فَلَمْ يَرُدَّ) أَيْ: عُمَرُ أَوْ أَحَدٌ (عَلَيَّ) ، أَيِ: الْجَوَابَ (فَرَجَعْتُ) ، أَيْ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] ، وَالسُّكُوتُ فِي هَذَا الْمَقَامِ دَلِيلٌ عَلَى الْإِعْرَاضِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ بِالرُّجُوعِ فَرَجَعْتُ. (فَقَالَ) أَيْ: بَعْدَ ذَلِكَ مُعَاتِبًا لِي (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا؟) أَيْ: مِنَ الْإِتْيَانِ إِلَيْنَا مَعَ إِرْسَالِنَا إِلَيْكَ بِالْإِتْيَانِ (فَقُلْتُ: إِنِّي) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا (أَتَيْتُ) أَيْ: إِلَيْكَ (فَسَلَّمْتُ) وَالْكَسْرُ هُوَ الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ مَعَ أَنَّ الْمَقُولَ لَا يَكُونُ إِلَّا جُمْلَةً، وَلِهَذَا تَكُونُ أَنَّ بَعْدَ الْقَوْلِ دَائِمًا مَكْسُورَةً. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ فَتْحُ إِنَّ لِيَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ، فَإِنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْمَنْعِ فَيَجِبُ أَنْ يُبَيِّنَ الْمَانِعَ، وَيُقَالَ: إِنَّ الْمَانِعَ إِتْيَانِي وَتَسْلِيمِي، وَالْكَسْرُ يَدُلُّ عَلَى الْمَانِعِ بِالْمَفْهُومِ. (عَلَى بَابِكَ) : مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ أَيْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْكَ حَالَ كَوْنِي وَاقِفًا عَلَى بَابِي (ثَلَاثًا فَلَمْ تَرُدُّوا) أَيْ: لَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُدَّامِكَ (عَلَيَّ) أَيِ: السَّلَامَ أَوِ الْجَوَابَ (فَرَجَعْتُ وَقَدْ) : الْوَاوُ حَالِيَّةٌ أَوِ اسْتِئْنَافِيَّةٌ (قَالَ) أَيْ: لِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، وَالْمَعْنَى مُخَاطِبًا لِي (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» ) : فَإِنَّ الْأَوَّلَ لِلتَّعَرُّفِ، وَالثَّانِي لِلتَّأَمُّلِ، وَالثَّالِثَ لِلْإِذْنِ وَعَدَمِهِ (فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَيْتَهُ هُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (الْبَيِّنَةَ) أَيْ: تَمَامَ الْبَيِّنَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا الشَّاهِدُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَزْدَادَ فِيهِ وُثُوقًا، فَالْعِلْمَانِ خَيْرٌ مِنْ عِلْمٍ وَاحِدٍ لَا لِلشَّكِّ فِي صِدْقِ خَبَرِهِ عِنْدَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تَعَلَّقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَقُولُ لَا يُحْتَجُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَدَلَائِلُهُمْ أَكْثَرُ مِمَّا تُحْصَى، وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَذَا، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ رَدُّ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ خَافَ مُسَارَعَةَ النَّاسِ إِلَى الْقَوْلِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَا لَمْ يَقُلْ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُبْتَدِعُونَ وَالْكَذَّابُونَ، وَكَذَا مَنْ وَقَعَ لَهُ قَضِيَّةٌ وَضَعَ فِيهَا حَدِيثًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَرَادَ سَدَّ الْبَابِ لَا شَكًّا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى ; لِأَنَّهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُظَنَّ بِهِ أَنْ يُحَدِّثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَرُدَّ خَبَرَ أَبِي مُوسَى لِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ إِخْبَارَ رَجُلٍ آخَرَ حَتَّى يَعْمَلَ بِالْحَدِيثِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ خَبَرَ الِاثْنَيْنِ خَبَرُ وَاحِدٍ، وَكَذَا مَا زَادَ حَتَّى يَبْلُغَ التَّوَاتُرَ ; لِأَنَّ مَا لَمْ يَبْلُغِ التَّوَاتُرَ فَهُوَ خَبَرُ وَاحِدٍ. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ) ، أَيْ: مَعَ أَبِي مُوسَى (فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ، فَشَهِدْتُ) ، أَيْ: عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو مُوسَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَالْقَدْرُ الْمَرْفُوعُ مِنْهُ رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَأَبَى سَعِيدٍ مَعًا، وَالطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ جُنْدَبٍ الْبَجَلِيِّ.

стр. 6447

٤٦٦٨ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ وَأَنْ تَسْمَعَ سِوَادِي حَتَّى أَنْهَاكَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٦٦٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ؟ قَالَ لِيَ) أَيْ: مَخْصُوصًا (النَّبِيُّ ﷺ : إِذْنُكَ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، أَيْ: عَلَامَةُ إِذْنِكَ (عَلَيَّ) أَيْ: بِالدُّخُولِ، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: (أَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ) أَيْ: رَفْعُكَ الْحِجَابَ وَهُوَ السِّتَارَةُ (وَأَنْ تَسْمَعَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَأَنْ تَسْمَعَ (سِوَادِي) : بِكَسْرِ السِّينِ، أَيْ: سِرِّي وَكَلَامِيَ الْخَفِيَّ الدَّالَّ عَلَى كَوْنِي فِي الْبَيْتِ (حَتَّى أَنْهَاكَ) ، أَيْ: عَنِ الدُّخُولِ حِينَئِذٍ لِمَانِعٍ يَكُونُ عِنْدِي، أَوْ عَنِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، فَيَكُونُ مَعَ النَّاسِ سَوَاءً، وَضَبَطَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ قَوْلَهُ: إِذْنُكَ بِمَدِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الذَّالِ، وَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَا آذِنٌ لَكَ عَلَيَّ بِأَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ، يَعْنِي: لَا حَاجَةَ لَكَ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ إِذَا أَرَدْتَ الدُّخُولَ عَلَيَّ، بَلْ أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَيَّ وَأَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ.

стр. 6448

قُلْتُ: وَفِي هَذَا مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ وَمِدْحَةٌ جَسِيمَةٌ لَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِكَثْرَةِ خِدْمَتِهِ وَمُلَازِمَةِ صُحْبَتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ صَاحِبَ النَّعْلَيْنِ وَالسِّوَاكِ وَالْمَطْهَرَةِ وَالسَّجَّادَةِ فَهَنِيئًا لَهُ، ثُمَّ هَنِيئًا، ثُمَّ قَالَ الشَّارِحُ، وَقَوْلُهُ: سِوَادِي بِالْكَسْرِ أَيْ: سِرَارِي يُقَالُ: سَاوَدْتُهُ مُسَاوَدَةً، أَيْ: سَارَرْتُهُ، سُمِّيَ السِّوَارُ سِوَادًا ; لِاقْتِرَابِ السِّوَادَيْنِ فِيهِ، وَهُمَا شَخْصَا الْمُتَنَاجِيَيْنِ اهـ. وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنَ النِّهَايَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: عَلَيَّ مُتَعَلِّقٌ بِإِذْنِكَ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَأَنْ تَرْفَعَ مَعَ الْمَعْطُوفِ خَبَرُهُ يَعْنِي: إِذْنُكَ الْجَمْعُ بَيْنَ رَفْعِكَ الْحِجَابَ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِكَ إِيَّايَ فِي الدَّارِ لَوْ كُنْتَ مُسَارًا لِغَيْرِي هَذَا شَأْنُكَ مُسْتَمِرٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْيَانِ إِلَّا أَنْ أَنْهَاكَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى شَرَفِهِ، وَأَنَّهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَصَاحِبِ السِّرِّ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَأَنْ يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ وَمَحَارِمِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْعَلَامَةِ فِي الْإِذْنِ بِالدُّخُولِ، فَإِذَا جَعَلَ الْأَمِيرُ وَالْقَاضِي أَوْ غَيْرُهُمَا رَفْعَ السِّتْرِ الَّذِي بَابُهُ عَلَامَةً لِلْإِذْنِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ لِلنَّاسِ عَامَّةً أَوْ لِطَائِفَةٍ خَاصَّةٍ، أَوْ لِشَخْصٍ، أَوْ جَارٍ، أَوْ عَلَامَةً غَيْرَ ذَلِكَ جَازَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا وَالدُّخُولُ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6449

٤٦٦٩ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: " مَنْ ذَا؟ " فَقُلْتُ: أَنَا. فَقَالَ: " أَنَا! أَنَا! " كَأَنَّهُ كَرِهَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٦٦٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) أَيِ: ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ، قُتِلَ أَبُوهُ فِي أُحُدٍ (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي) ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ بَابِ الْمُعْجِزَاتِ (فَدَقَقْتُ الْبَابَ) أَيْ: بِلُطْفٍ كَضَرْبِ الْأَظَافِيرِ عَلَى مَا هُوَ دَأْبُ أَرْبَابِ الْأَلْبَابِ. (فَقَالَ: مَنْ ذَا؟) ، أَيِ: الَّذِي يَدُقُّ (قُلْتُ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَقُلْتُ (أَنَا) : يُقْرَأُ بِالْأَلِفِ وَقْفًا وَبِحَذْفِهِ وَصْلًا (فَقَالَ: أَنَا! أَنَا) : مُكَرِّرٌ لِلْإِنْكَارِ عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: قَوْلُكَ أَنَا مَكْرُوهٌ فَلَا تَعْدُو الثَّانِي تَأْكِيدٌ. (كَأَنَّهُ كَرِهَهَا) . أَيْ: كَلِمَةَ أَنَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذِنْ بِالسَّلَامِ، بَلْ بِالدَّقِّ؛ ذَكَرَهُ الْبَرْمَاوِيُّ، أَوْ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَنْ ذَا اسْتِكْشَافٌ لِلْإِبْهَامِ، وَقَوْلَهُ: أَنَا لَمْ يَزَلْ بِهِ الْإِشْكَالُ وَالْإِبْهَامُ ; لِأَنَّهُ بَيَانٌ عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ لَا عِنْدَ الْغَيْبَةِ، وَكَانَ حَقُّ الْجَوَابِ أَنْ يَقُولَ: جَابِرٌ، أَوْ أَنَا جَابِرٌ، وَهَذَا مَعْنَى مَا قَالَ شَارِحٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنَا لَا يُشْعِرُ بِصَاحِبِهِ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِمَّنْ يُعْرَفُ بِصَوْتِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ، إِذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ عَرَفَهُ ﷺ بِصَوْتِهِ لَمَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَوْ لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا فَلَمْ يَرَ التَّكَلُّمَ بِلَفْظٍ لَيْسَ فِيهِ تَوَاضُعٌ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنَا جَابِرٌ لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُهَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَإِنَّمَا كُرِهَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِقَوْلِهِ أَنَا فَائِدَةٌ تُزِيلُ الْإِبْهَامَ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فُلَانٌ بِاسْمِهِ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا فُلَانٌ فَلَا بَأْسَ، كَمَا قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ حِينَ اسْتَأْذَنَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَنْ هَذِهِ؟ " فَقَالَتْ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِمَا يُعْرَفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ، وَإِنْ كَانَ صُورَةً لَهَا فِيهِ تَبْجِيلٌ وَتَعْظِيمٌ بِأَنْ يُكَنِّيَ نَفْسَهُ، أَوْ يَقُولَ أَنَا الْمُفْتِي فُلَانٌ أَوِ الْقَاضِي أَوِ الشَّيْخُ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْرِفَةُ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْإِذْنُ وَعَدَمُهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6450

٤٦٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ. فَقَالَ: " أَبَا هِرٍّ! الْحَقْ بِأَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ إِلَيَّ " فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٦٧٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: فِي بَيْتِهِ، وَقِيلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. (فَوَجَدَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (لَبَنًا فِي قَدَحٍ: لَعَلَّ التَّنْوِينَ لِلتَّعْظِيمِ (فَقَالَ: أَبَا هِرٍّ!) بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ لِكَمَالِ أَدَبِهِ وَالْهِرُّ يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّهُ مُكَنَّى بِأَبِي هُرَيْرَةَ (الْحَقْ) : بِهَمْزِ وَصْلٍ وَفَتْحِ حَاءٍ أَيِ: اذْهَبْ مُسْتَعْجِلًا (بِأَهْلِ الصُّفَّةِ) أَيْ: بِالْوُصُولِ إِلَيْهِمْ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ: آتِيهِمْ (فَادْعُهُمْ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا) . قَالَ الطِّيبِيُّ: أَهْلُ الصُّفَّةِ جَمَاعَةٌ مِنْ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ اجْتَمَعُوا فِي صُفَّةٍ، ذَكَرَهُمُ الشَّيْخُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ أَوْ طَعَامٍ لَا يَكْفِيهِ الدُّعَاءُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الِاسْتِئْذَانِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَقْرُبَ الزَّمَانُ اهـ. فَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْآتِي إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِذْنٌ لَهُ أَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ جَاءُوا بَعْدَ الدَّاعِي، فَاحْتَاجُوا إِلَى إِذْنٍ جَدِيدٍ أَوْ مِنْ غَايَةِ الْأَدَبِ وَالْحَيَاءِ جَدَّدُوا الِاسْتِئْذَانَ، أَوْ كَانَ هُنَاكَ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، أَوْ مَا وَصَلَ إِلَيْهِمُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ، أَوْ هُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ هَذَا الْفِعْلِ؛ احْتِمَالَاتٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالَاتِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 6451

الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٦٧١ - «عَنْ كَلَدَةَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ ﵁ بَعَثَ بِلَبَنٍ أَوْ جَدَايَةٍ وَضَغَابِيسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بِأَعْلَى الْوَادِي، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " ارْجِعْ، فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٦٧١ - (عَنْ كَلَدَةَ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ وَبِالدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ ضَبَطَهُ الْمُؤَلِّفُ (ابْنُ حَنْبَلٍ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى مَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَهُوَ أَسْلَمِيٌّ أَخُو صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ الْجُمَحِيِّ لِأُمِّهِ، وَكَانَ عَبْدًا لِعُمَرَ بْنِ حَبِيبٍ اشْتَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ بِسُوقِ عُكَاظٍ، وَحَالَفَهُ وَأَنْكَحَهُ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا، رَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ) : بِضَمِّ هَمْزٍ وَفَتْحِ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ، وَكَانَ مِنْ أَفْصَحِ قُرَيْشٍ لِسَانًا، وَكَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ (بَعَثَ بِلَبَنٍ وَجَدَايَةٍ) : قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَالشُّرَّاحُ: هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا أَوْلَادُ الظِّبَاءِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مِمَّا بَلَغَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ سَبْعَةً بِمَنْزِلَةِ الْجَدْيِ مِنَ الْمَعْزِ (وَضَغَابِيسَ) : جَمْعُ ضَغْبُوسٍ بِفَتْحِ الضَّادِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ صَغِيرُ الْقِثَّاءِ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّبِيُّ ﷺ بِأَعْلَى الْوَادِي) أَيْ: فَوْقَ الْمَدِينَةِ، وَنُكْتَةُ الْعُدُولِ عَنْ قَوْلِهِ: وَهُوَ إِلَى الْوَصْفِ الظَّاهِرِ لَا يَخْفَى (قَالَ) أَيْ: صَفْوَانُ (فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ) أَيْ: قَبْلَ الدُّخُولِ (وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ) أَيْ: بِقَوْلِي أَدْخُلُ؟ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ارْجِعْ) ، أَيْ: تَعْذِيبًا لَهُ وَتَأْدِيبًا لِغَيْرِهِ (فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟) : يَجُوزُ فِيهِ تَحْقِيقُ الْهَمْزَتَيْنِ وَتَسْهِيلُ الثَّانِيَةِ وَإِبْدَالُهَا أَلِفًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6452

٤٦٧٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، «قَالَ: " رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ» " ــ ٤٦٧٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا دُعِيَ) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: إِذَا طُلِبَ (أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ) . أَيْ: إِجَازَةٌ بِالدُّخُولِ، فَإِنْ وَقَعَ تَقْصِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ. (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) ، أَيْ: لِأَبِي دَاوُدَ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ) أَيْ: إِذَا كَانَ مَصْحُوبًا مَعَهُ لِمَا سَبَقَ.

стр. 6453

٤٦٧٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ فَيَقُولُ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا سُتُورٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ، «قَالَ ﵊: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» " فِي " بَابِ الضِّيَافَةِ ". ــ ٤٦٧٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ) : بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ سُلَمِيٌّ مَازِنِيٌّ، لَهُ وَلِأَبِيهِ بُسْرٍ وَأُمِّهِ وَأَخِيهِ عَطِيَّةَ وَأُخْتِهِ الصَّمَّاءِ صُحْبَةٌ، نَزَلَ الشَّامَ وَمَاتَ بِحِمْصَ فَجْأَةً وَهُوَ يَتَوَضَّأُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ) أَيْ: وَصَلَهُ (لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ) ، أَيْ: مُقَابِلَ وَجْهِهِ وَحِذَائِهِ لِئَلَّا يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ (وَلَكِنْ) أَيْ: يَسْتَقْبِلُ مَعَ الِانْحِرَافِ وَالْمَيْلِ (مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ) أَيْ: مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ الْأَنْسَبِ بِالْوُقُوفِ (فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) ، أَيْ: أَوَّلًا (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) أَيْ: ثَانِيًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ السَّمَاعُ وَالْإِذْنُ، وَالْمُرَادُ بِالتَّكْرَارِ التَّعَدُّدُ لَا الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ التَّثْلِيثُ لِمَا سَبَقَ (وَذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ اسْتِقْبَالِ الْبَابِ وَوُجُودِ الِانْحِرَافِ (أَنَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ لِأَنَّ (الدُّورَ) : بِالضَّمِّ جَمْعُ الدَّارِ أَيْ: أَبْوَابُهَا (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ سُتُورٌ) . جَمْعُ سِتْرٍ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْحِجَابُ، وَفِيهِ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ بَابٌ أَوْ سِتْرٌ يَحْصُلُ بِهِ حِجَابٌ فَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِقْبَالِ، لَكِنَّ الِانْحِرَافَ أَوْلَى مُرَاعَاةً لِأَصْلِ السُّنَّةَ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْصُلُ بَعْضُ الِانْكِشَافِ عِنْدَ فَتْحِ الْبَابِ أَوْ رَفْعِ الْحِجَابِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَرْبَابِ الْأَلْبَابِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

стр. 6454

(وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ، قَالَ ﵊ أَيْ: لِلِاسْتِئْذَانِ عَلَى بَابِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فِي " بَابِ الضِّيَافَةِ ") . مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرٍ.

стр. 6455

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٦٧٤ - عَنْ عَطَاءٍ، «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: " نَعَمْ " فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا " فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي خَادِمُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا» ". رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٦٧٤ - (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) : مِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَسْتَأْذِنُ) أَيْ: أَطْلُبُ الْإِذْنَ عِنْدَ إِرَادَتِي الدُّخُولَ (عَلَى أُمِّي) : وَفِي مَعْنَاهَا بَقِيَّةُ الْمَحَارِمِ نَسَبًا وَرَضَاعًا وَمُصَاهَرَةً إِلَّا الزَّوْجَةَ (فَقَالَ: نَعَمْ) أَيْ: لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَنْكَشِفُ عَنْ عُضْوٍ لَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ (فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ) أَيْ: فِي بَيْتِهَا أَوْ فِي بَيْتِي، وَالْمَعْنَى: أَنَّا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهَا فِي بَيْتٍ وَحْدَهَا لِيَكُونَ دُخُولِي عَلَيْهَا نَادِرًا، أَفَأَسْتَأْذِنُ حِينَئِذٍ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي زَمَانِنَا؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا) أَيْ: وَلَوْ كُنْتُمَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ لِاحْتِمَالِ تَكَشُّفِهَا فِي الْغَيْبَةِ (فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي) : وَفِي نُسْخَةٍ: أَنَا (خَادِمُهَا) أَيْ: فَيَكْثُرُ تَرَدُّدِي إِلَيْهَا، فَهَلْ يَكُونُ الْإِذْنُ كُلَّ مَرَّةٍ سَاقِطًا لِدَفْعِ الْحَرَجِ عَلَى مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْتَأْذِنْ عَلَيْهِ) أَيْ: وَلَوْ بِنَحْوِ تَنَحْنُحٍ وَضَرْبِ رِجْلٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ (أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟) أَيْ: كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا (قَالَ: لَا. قَالَ: فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا) ، أَيْ: دَائِمًا، وَبِهَذَا حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَتَرْكِ إِيجَابِ الْإِحْرَامِ لِمَنْ كَثُرَ تَرَدُّدُهُ إِلَى الْحَرَمِ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا) .

стр. 6456

٤٦٧٥ - «وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَدْخَلٌ بِاللَّيْلِ، وَمَدْخَلٌ بِالنَّهَارِ، فَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ بِاللَّيْلِ، تَنَحْنَحَ لِي» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. ــ ٤٦٧٥ - ( «وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَدْخَلٌ» ) : مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أَيْ: دُخُولٌ (بِاللَّيْلِ، وَمَدْخَلٌ بِالنَّهَارِ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لِي: خَبَرُ كَانَ، وَاسْمُهُ مَدْخَلٌ، وَمِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَعَلِّقٌ بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، أَيْ: حَصَلَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولٌ بِاللَّيْلِ وَدُخُولٌ بِالنَّهَارِ، وَعَلَامَةُ الْإِذْنِ بِاللَّيْلِ تَنَحْنُحُهُ ﵊، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَرَّمَ اللَّهِ وَجْهَهُ: (فَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ بِاللَّيْلِ، تَنَحْنَحَ لِي) : قِيلَ: إِنَّ التَّنَحْنُحَ لِلْمَنْعِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ صَرِيحٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّنَحْنُحُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَلَامَةِ الْإِذْنِ، وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ عَلَامَةَ الْمَنْعِ بَقِيَ الْكَلَامُ عَلَى عَلَامَةِ دُخُولِ عَلِيٍّ فِي النَّهَارِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ عَلَى مُقْتَضَى الْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ، أَيْ: وَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ بِالنَّهَارِ تَنَحْنَحْتُ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .

стр. 6457

٤٦٧٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَا تَأْذَنُوا لِمَنْ لَمْ يَبْدَأْ بِالسَّلَامِ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٤٦٧٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَأْذَنُوا) أَيْ: بِالدُّخُولِ أَوْ لِلطَّعَامِ (لِمَنْ لَمْ يَبْدَأْ بِالسَّلَامِ) أَيْ: بِسَلَامِ الْإِذْنِ، أَوْ بِسَلَامِ الْمُلَاقَاةِ بِأَنْ دَخَلَ سَاكِتًا أَوْ بَدَأَ بِالْكَلَامِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") : وَكَذَا الضِّيَاءُ. وَقَدْ سَبَقَ أَحَادِيثُ تُقَوِّيهِ فِي الْمَعْنَى الْمُرَامِ.

стр. 6458

[بَابُ الْمُصَافَحَةِ وَالْمُعَانَقَةِ]

стр. 6459

(٣) بَابُ الْمُصَافَحَةِ وَالْمُعَانَقَةِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٦٧٧ - عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ ﵁: أَكَانَتِ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ (٣) بَابُ الْمُصَافَحَةِ وَالْمُعَانَقَةِ الْمُصَافَحَةُ: هِيَ الْإِفْضَاءُ بِصَفْحَةِ الْيَدِ إِلَى صَفْحَةِ الْيَدِ، وَأَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَهَا أَهْلُ الْيَمَنِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ. ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَفِي مُخْتَصِرِ النِّهَايَةِ لَهُ: أَنَّ التَّصْفِيحَ هُوَ التَّصْفِيقُ، وَهُوَ ضَرْبُ صَفْحَةِ الْكَفِّ عَلَى صَفْحَةِ الْأُخْرَى، وَمِنْهُ الْمُصَافَحَةُ، وَهِيَ إِلْصَاقُ صَفْحَةِ الْكَفِّ بِالْكَفِّ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْمُصَافَحَةُ الْأَخْذُ بِالْيَدِ كَالتَّصَافُحِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ الصَّفْحِ بِمَعْنَى الْعَفْوِ، وَيَكُونُ أَخْذُ الْيَدِ دَلَالَةً عَلَيْهِ كَمَا أَنَّ تَرْكَهُ مُشْعِرٌ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَافَحَةَ سُنَّةٌ وَمُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ كُلِّ لِقَاءٍ، وَمَا اعْتَادَهُ النَّاسُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنَّ أَصْلَ الْمُصَافَحَةِ سُنَّةٌ وَكَوْنَهُمْ مُحَافِظِينَ عَلَيْهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَمُفَرِّطِينَ فِيهَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْوَالِ لَا يُخْرِجُ ذَلِكَ الْبَعْضَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الْمُصَافَحَةِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِأَصْلِهَا، وَهِيَ مِنَ الْبِدْعَةِ الْمُبَاحَةِ، وَقَدْ شَرَحْنَا أَنْوَاعَ الْبِدَعِ فِي أَوَّلِ كُتُبِ الِاعْتِصَامِ مُسْتَوْفًى اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ نَوْعُ تَنَاقُضٍ ; لِأَنَّ إِتْيَانَ السُّنَّةِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لَا يُسَمَّى بِدَعَةً مَعَ أَنَّ عَمَلَ النَّاسِ فِي الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ الْمَشْرُوعِ، فَإِنَّ مَحَلَّ الْمُصَافَحَةِ الْمَشْرُوعَةِ أَوَّلُ الْمُلَاقَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ جَمَاعَةٌ يَتَلَاقَوْنَ مِنْ غَيْرِ مُصَافِحَةٍ وَيَتَصَاحَبُونَ بِالْكَلَامِ وَمُذَاكِرَةِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مُدَّةً مَدِيدَةً، ثُمَّ إِذَا صَلَّوْا يَتَصَافَحُونَ، فَأَيْنَ هَذَا مِنَ السُّنَّةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَلِهَذَا صَرَّحَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا بِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ حِينَئِذٍ، وَأَنَّهَا مِنَ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ، نَعَمْ لَوْ دَخَلَ أَحَدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ عَلَى إِرَادَةِ الشُّرُوعِ فِيهَا، فَبَعْدَ الْفَرَاغِ لَوْ صَافَحَهُمْ، لَكِنْ بِشَرْطِ سَبْقِ السَّلَامِ عَلَى الْمُصَافَحَةِ، فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُصَافَحَةِ الْمَسْنُونَةِ بِلَا شُبْهَةٍ، وَمَعَ هَذَا إِذَا مَدَّ مُسْلِمٌ يَدَهُ لِلْمُصَافَحَةِ، فَلَا يَنْبَغِي الْإِعْرَاضُ عَنْهُ بِجَذْبِ الْيَدِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ أَذًى يَزِيدُ عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَدَبِ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْمُصَافَحَةِ حِينَئِذٍ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ مَكْرُوهٌ لَا الْمُجَابَرِةَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُقَالُ فِيهِ نَوْعُ مُعَاوَنَةٍ عَلَى الْبِدْعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْتَرَزَ عَنْ مُصَافَحَةِ الْأَمْرَدِ الْحَسَنِ الْوَجْهِ، فَإِنَّ النَّظَرَ إِلَيْهِ حَرَامٌ كَمَا بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِيهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: كُلُّ مِنْ حَرُمَ النَّظَرُ إِلَيْهِ حَرُمَ مَسُّهُ، بَلْ مَسُّهُ أَشَدُّ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. وَفِي حَالِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ مَسُّهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اهـ. ثُمَّ الْمُعَانَقَةُ وَالتَّعَانُقُ فِي الْمَحَبَّةِ وَالِاعْتِنَاقُ فِي الْحَرْبِ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الْحَسَنَ جَاءَهُ ﷺ يَسْعَى حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَذْكُرَ التَّقْبِيلَ أَيْضًا فِي عُنْوَانِ الْبَابِ لِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٦٧٧ - (عَنْ قَتَادَةَ) : ﵁ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ (قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَكَانَتِ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟) ، أَيْ: ثَابِتَةً وَمَوْجُودَةً فِيهِمْ حَالَ مُلَاقَاتِهِمْ بَعْدَ السَّلَامِ زِيَادَةً لِلْمَوَدَّةِ وَالْإِكْرَامِ (قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 6460

٤٦٧٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ. فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: " مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: " أَثَمَّ لُكَعُ " فِي " بَابِ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ " إِنْ شَاءَ تَعَالَى. وَذَكَرَ حَدِيثَ أُمِّ هَانِئٍ فِي " بَابِ الْإِيمَانِ ". ــ ٤٦٧٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَبَّلَ) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ) . قَالَ الْمُؤَلِّفُ: تَمِيمِيٌّ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ مَعَ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَكَانَ شَرِيفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، اسْتَعْمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ عَلَى جَيْشِ الْعُدَّةِ عَلَى خُرَاسَانَ، وَأُصِيبَ هُوَ وَالْحَسَنُ الْجَوْزَجَانِيُّ، رَوَى عَنْهُ جَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ. (فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ) : بِفَتْحَتَيْنِ

стр. 6461

وَيَجُوزُ ضَمُّ أَوَّلِهِ وَسُكُونُ ثَانِيهِ بِمَعْنَى الْأَوْلَادِ (مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا) ، أَيْ: فِي مُدَّةِ عُمْرِي أَبَدًا (فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: نَظَرَ تَعَجُّبٍ أَوْ نَظَرَ غَضَبٍ (ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» ) . بِسُكُونِ الْمِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا فِيهِمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ فِيهِ الْجَزْمُ وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّ مَنْ مَوْصُولَةٌ أَوْ شَرْطِيَّةٌ، وَلَعَلَّ وَضْعَ الرَّحْمَةِ فِي الْأَوَّلِ لِلْمُشَاكَلَةِ، فَإِنَّ الْمَعْنَى: مَنْ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الْأَوْلَادِ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ أَتَى بِالْعَامِّ لِتَدْخُلَ الشَّفَقَةُ أَوَّلِيًّا اهـ. وَالثَّانِي أَتَمُّ وَفَائِدَتُهُ أَعَمُّ وَلِهَذَا حَذَفَ الْمَفْعُولَ لِيَذْهَبَ الْفَهْمُ كُلَّ الْمَذْهَبِ، فَهُوَ بِالِاعْتِبَارِ أَقْرَبُ وَأَنْسَبُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: تَقْبِيلُ الرَّجُلِ خَدَّ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَاجِبٌ، وَكَذَا غَيْرُ خَدِّهِ مِنْ أَطْرَافِهِ وَنَحْوِهَا عَلَى وَجْهِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَاللُّطْفِ، وَمَحَبَّةُ الْقَرَابَةِ سُنَّةٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَكَذَا قُبْلَةُ وَلَدِ صَدِيقِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ صِغَارِ الْأَطْفَالِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَمَّا التَّقْبِيلُ بِالشَّهْوَةِ فَحَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْوَالِدُ وَغَيْرُهُ اهـ. وَكَوْنُ تَقْبِيلِ الرَّجُلِ خَدَّ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَاجِبًا يَحْتَاجُ إِلَى حَدِيثٍ صَرِيحٍ أَوْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَدِيثُ: " «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَرِيرٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ جَرِيرٍ، وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: " «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ» ". وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَرِيرٍ وَلَفْظُهُ: " «مَنْ لَا يَرْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يَرْحَمْهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ جَرِيرٍ: " «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ، وَمَنْ لَا يَغْفِرْ لَا يُغْفَرْ لَهُ» ". وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَرِيرٍ، " «وَمَنْ لَا يَتُبْ لَا يُتَبْ عَلَيْهِ» " اهـ. فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ نَصٌّ عَلَى أَنَّ مَنْ فِي الْحَدِيثِ شَرْطِيَّةٌ جَازِمَةٌ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَثَمَّ) : بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَشَدِّ الْمِيمِ، أَيْ: أَهُنَاكَ (لُكَعُ) : بِضَمِّ لَامٍ وَفَتْحِ كَافٍ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ وَقَدْ يَنْصَرِفُ وَهُوَ الصَّبِيُّ، وَيَعْنِي بِهِ حَسَنًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ. الْحَدِيثَ (فِي " مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) : مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: سَنَذْكُرُ. (وَذَكَرَ حَدِيثَ أُمِّ هَانِئٍ فِي بَابِ الْإِيمَانِ) : وَفِي حَدِيثِهَا: أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهَا: " مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ " فَفِيهِ أَنَّ التَّرْحِيبَ سُنَّةٌ لِلْقَادِمِ وَغَيْرِهِ.

стр. 6462

الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٦٧٩ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ، إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: " «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا، وَحَمِدَا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَاهُ، غُفِرَ لَهُمَا» ". ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٦٧٩ - (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄) : صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ) : مِنْ مَزِيدَةٌ لِمَزِيدِ الِاسْتِغْرَاقِ (يَلْتَقِيَانِ) أَيْ: يَتَلَاقَيَانِ (فَيَتَصَافَحَانِ) أَيْ: بَعْدَ سَلَامِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا) أَيْ: بِالْأَبْدَانِ وَبِالْفَرَاغِ مِنَ الْمُصَافَحَةِ، وَهُوَ أَظْهَرُ فِي إِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَالضِّيَاءُ، كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ: (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ) ، مَعْنَاهُ: فِي رِوَايَةٍ لَهُ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا، وَحَمِدَا اللَّهَ) أَيْ: أَثْنَيَا عَلَيْهِ أَوْ شَكَرَاهُ عَلَى نَعْمَائِهِ (وَاسْتَغْفَرَاهُ) أَيْ: طَلَبَا مَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ مِنْ مَوْلَاهُمَا (غُفِرَ لَهُمَا) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ، فَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الزِّيَادَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِحُصُولِ أَصْلِ الْمَغْفِرَةِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْأَوَّلِ، أَوْ إِفَادَةً لِكَمَالِهَا بِأَنْ تَكُونَ مُسْتَوْعَبَةً لِجَمِيعِ ذُنُوبِهِمَا. وَرَوَى الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ ﵁ مَرْفُوعًا " «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، كَانَ أَحَبُّهُمَا إِلَى اللَّهِ أَحْسَنَهُمَا بُشْرًا بِصَاحِبِهِ، فَإِذَا تَصَافَحَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ لِلْبَادِئِ تِسْعُونَ وَلِلْمُصَافَحِ عَشَرَةٌ» ".

стр. 6463

٤٦٨٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ، أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: " لَا ". قَالَ: أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: " لَا " قَالَ: أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: " نَعَمْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٦٨٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرَّجُلُ مِنَّا) أَيْ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنَ الْعَرَبِ (يَلْقَى أَخَاهُ) أَيِ: الْمُسْلِمَ أَوْ أَحَدًا مِنْ قَوْمِهِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ أَخُو الْعَرَبِ (أَوْ صَدِيقَهُ) أَيْ: حَبِيبَهُ وَهُوَ أَخَصُّ مِمَّا قَبْلَهُ (أَيَنْحَنِي لَهُ؟) : مِنَ الِانْحِنَاءِ، وَهُوَ إِمَالَةُ الرَّأْسِ وَالظَّهْرِ تَوَاضُعًا وَخِدْمَةً (قَالَ: لَا) أَيْ: فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى الرُّكُوعِ، وَهُوَ كَالسُّجُودِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ (قَالَ: أَفَيَلْتَزِمُهُ) أَيْ: يَعْتَنِقُهُ وَيُقَبِّلُهُ (قَالَ: لَا) : اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ كَرِهَ الْمُعَانَقَةَ وَالتَّقْبِيلَ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ التَّقْبِيلِ لِزُهْدٍ، وَعِلْمٍ، وَكِبَرِ سِنٍّ، قَالَ النَّوَوِيُّ: تَقْبِيلُ يَدِ الْغَيْرِ إِنْ كَانَ لِعِلْمِهِ وَصِيَانَتِهِ وَزُهْدِهِ وَدِيَانَتِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ لَمْ يُكْرَهْ، بَلْ يُسْتَحَبَّ، وَإِنْ كَانَ لِغِنَاهُ أَوْ جَاهِهِ فِي دُنْيَاهُ كُرِهَ وَقِيلَ حَرَامٌ. اهـ. وَقِيلَ: الْحَرَامُ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّقِ وَالتَّعْظِيمِ، وَأَمَّا الْمَأْذُونُ فِيهِ فَعِنْدَ التَّوْدِيعِ وَالْقُدُومِ مِنَ السَّفَرِ وَطُولِ الْعَهْدِ بِالصَّاحِبِ، وَشِدَّةِ الْحُبِّ فِي اللَّهِ مَعَ أَمْنِ النَّفْسِ، وَقِيلَ: لَا يُقَبِّلِ الْفَمَ، بَلِ الْيَدَ وَالْجَبْهَةَ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: حَتَّى الظَّهْرُ مَكْرُوهٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي النَّهْيِ عَنْهُ، وَلَا تُعْتَبَرُ كَثْرَةُ مَنْ يَفْعَلُهُ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى عِلْمٍ وَصَلَاحٍ. الْمُعَانَقَةُ وَتَقْبِيلُ الْوَجْهِ لِغَيْرِ الْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ مَكْرُوهَانِ. صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي النَّهْيِ عَنْهُمَا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ. (قَالَ: أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟) : عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَوِ الثَّانِي أَخَصُّ وَأَتَمُّ (قَالَ: نَعَمْ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 6464

٤٦٨١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «تَمَامُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ أَنْ يَضَعَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، أَوْ عَلَى يَدِهِ، فَيَسْأَلَهُ: كَيْفَ هُوَ؟ وَتَمَامُ تَحِيَّاتِكُمْ بَيْنَكُمُ الْمُصَافَحَةُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَضَعَّفَهُ. ــ ٤٦٨١ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁) أَيِ: الْبَاهِلِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (تَمَامُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ) أَيْ: كَمَالُهَا ( «أَنْ يَضَعَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، أَوْ عَلَى يَدِهِ» ) أَيْ: يَفْعَلُ أَحَدَهُمَا، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ (فَيَسْأَلَهُ) : بِالنَّصْبِ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَيَسْأَلَهُ نَفْسَهُ، أَوْ يَسْأَلَ عَنْهُ أَهْلَهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (كَيْفَ هُوَ؟) أَيْ: كَيْفَ حَالُهُ أَوْ مَرَضُهُ (وَتَمَامُ تَحِيَّاتِكُمْ) جَمْعُ التَّحِيَّةِ وَجَمَعَ إِشْعَارًا بِأَنْوَاعِهَا فِي الْهَنَاءِ وَالْعَزَاءِ وَغَيْرِهِمَا (بَيْنَكُمْ) ، أَيِ: الْوَاقِعَةُ فِيمَا بَيْنَكُمْ (الْمُصَافَحَةُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي لَا مَزِيدَ عَلَى هَذَيْنِ، فَلَوْ زِدْتُمْ عَلَى هَذَا دَخَلَ فِي التَّكَلُّفِ وَهُوَ بَيَانٌ لِقَصْدِ الْأُمُورِ ; لِأَنَّهُ نَهَى عَنِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ كَمَالَ الْأَمْرَيْنِ يَحْصُلُ بِهَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّهُ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِمَا، وَأَنَّ الزَّائِدَ يُعَدُّ مِنَ التَّكَلُّفِ فِيهِمَا، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا أَدْنَى الْكَمَالِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَضَعَّفَهُ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: مِنْ تَمَامِ إِلَخْ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مِنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ الْأَخْذُ بِالْيَدِ.

стр. 6465

٤٦٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، فَأَتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عُرْيَانًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٦٨٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ) أَيْ: مِنْ غَزْوَةٍ أَوْ سَفَرٍ (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي) : الْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ حَالِيَّةٌ (فَأَتَاهُ) أَيْ: فَجَاءَ زَيْدٌ فَقَرَعَ الْبَابَ أَيْ: قَرْعًا مُتَعَارَفًا لَهُ أَوْ مَقْرُونًا بِالسَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ (فَقَامَ إِلَيْهِ) أَيْ: مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُرْيَانًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ) أَيْ: رِدَاءَهُ مِنْ كَمَالِ فَرَحِهِ بِقُدُومِهِ وَمَأْتَاهُ. قَالَ شَارِحٌ: أَيْ كَانَ سَاتِرًا مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ، وَلَكِنْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ عَاتِقِهِ فَكَانَ مَا

стр. 6466

فَوْقَ سُرَّتِهِ عُرْيَانًا. (وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ عُرْيَانًا) أَيْ: يَسْتَقْبِلُ أَحَدًا (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي نُسْخَةٍ لَا قَبْلَهُ (وَلَا بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ) : قَالَ شَارِحٌ، إِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَحْلِفُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مَعَ طُولِ الصُّحْبَةِ، وَكَثْرَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، قِيلَ: لَعَلَّهَا أَرَادَتْ عُرْيَانًا اسْتَقْبَلَ رَجُلًا وَاعْتَنَقَهُ، فَاخْتَصَرَتِ الْكَلَامَ لِدَلَالَةِ الْحَالِ أَوْ عُرْيَانًا مِثْلَ ذَلِكَ الْعُرْيِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي الْأَوَّلَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا هُوَ الْوَجْهُ لِمَا يُشَمُّ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهَا رَائِحَةُ الْفَرَحِ وَالِاسْتِبْشَارِ بِقُدُومِهِ وَتَعْجِيلِهِ لِلِقَائِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَمَامِ التَّرَدِّي بِالرِّدَاءِ حَتَّى جَرَّهُ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ مِثْلُ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 6467

٤٦٨٣ - وَعَنْ أَيُّوبَ بْنِ بُشَيْرٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَنَزَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ ﵁: «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَافِحُكُمْ إِذَا لَقِيتُمُوهُ؟ قَالَ: مَا لَقِيتُهُ قَطُّ إِلَّا صَافَحَنِي، وَبَعَثَ إِلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ أَكُنْ فِي أَهْلِي، فَلَمَّا جِئْتُ أُخْبِرْتُ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ، فَالْتَزَمَنِي، فَكَانَتْ تِلْكَ أَجْوَدَ وَأَجْوَدَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٦٨٣ - (وَعَنْ أَيُّوبَ بْنِ بُشَيْرٍ ﵁) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ فَرَاءٍ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَنَزَةَ) : بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فَنُونٍ فَزَايٍ مَفْتُوحَاتٍ، قَبِيلَةٌ شَهِيرَةٌ (أَنَّهُ) أَيِ: الرَّجُلُ (قَالَ: «قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَافِحُكُمْ إِذَا لَقِيتُمُوهُ؟» ) أَيْ: يَقْبَلُ مُصَافَحَتَكُمْ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا ; لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ مُبَادِئًا لِلْمُصَافَحَةِ عَلَى مَا هُوَ مُقْتَضَى بَابِ الْمُفَاعَلَةِ لَا غَالِبًا وَلَا دَائِمًا مُسْتَمِرًّا. (قَالَ) أَيْ: أَبُو ذَرٍّ (مَا لَقِيتُهُ قَطُّ إِلَّا صَافَحَنِي، وَبَعَثَ إِلَيَّ) أَيْ: إِلَى طَلَبِي (ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ أَكُنْ فِي أَهْلِي، فَلَمَّا جِئْتُ) أَيْ: رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي (أُخْبِرْتُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَدْ يُعَبَّرُ بِالسَّرِيرِ عَنِ الْمُلْكِ وَالنِّعْمَةِ، فَالسَّرِيرُ هُنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مُلْكَ النُّبُوَّةِ وَنِعْمَتَهَا، وَقِيلَ: هُوَ السَّرِيرُ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ يَتَّخِذُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ مِصْرَ لِلنَّوْمِ فِيهِ وَتَوَقِّيًا مِنَ الْهَوَامِّ اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ مَا قِيلَ كَمَا لَا يَخْفَى. (فَالْتَزَمَنِي) أَيْ: فَعَانَقَنِي، وَلَمَّا كَانَ الِالْتِزَامُ بِمَعْنَى الْمُعَانَقَةِ قَالَ: (فَكَانَتْ تِلْكَ) : أَيِ: الْمُعَانَقَةُ، وَقِيلَ الِالْتِزَامُ ; لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ (أَجْوَدَ) أَيْ: مِنَ الْمُصَافَحَةِ فِي إِفَاضَةِ الرُّوحِ وَالرَّاحَةِ، أَوْ أَحْسَنَ - مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَنْصُرُهُ عَدَمُ ذِكْرِ مُتَعَلِّقِ أَفْعَلَ لِيَعُمَّ، وَيُؤَيِّدُهُ تَأْكِيدُهُ مُكَرَّرًا بِقَوْلِهِ: (وَأَجْوَدَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَاوُ لِلتَّعَاقُبِ بِمَنْزِلَةِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِمُ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْوَاوَ هُنَا عَاطِفَةٌ لِتَأْكِيدِ نِسْبَةِ الْإِسْنَادِ بِخِلَافِ الْفَاءِ فِي الْأَمْثَلِ، فَإِنَّهُ لِلتَّعْقِيبِ الرُّتَبِيِّ فِي الْأَمْرِ الْإِضَافِيِّ، ثُمَّ الْأَجْوَدُ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ تِلْكَ أَجْوَدُ مِنَ الْمُصَافَحَةِ وَأَجْوَدُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6468

٤٦٨٤ - «وَعَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ جِئْتُهُ: " مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٦٨٤ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ) : ﵁ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ حَسُنَ إِسْلَامُهُ ; بِحَيْثُ كَانَ إِذَا فَتَحَ الْمُصْحَفَ يَقُولُ: هَذَا كَلَامُ رَبِّي وَيُغْشَى عَلَيْهِ (ابْنِ أَبِي جَهْلٍ) أَيْ: فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. كَانَ يُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ، فَكُنَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا جَهْلٍ، فَغَلَبَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكُنْيَةُ، وَأَغْرَبَ الْمُصَنِّفُ حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي التَّابِعِينَ، وَكَانَ ﷺ إِذَا رَأَى عِكْرِمَةَ يَقُولُ: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ. (قَالَ) أَيْ: عِكْرِمَةُ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ جِئْتُهُ) أَيْ: عَامَ الْفَتْحِ، وَزَادَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: «فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبَ إِلَيْهِ فَرِحًا وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ حَتَّى بَايَعَهُ» (مَرْحَبًا) : مَقُولُ الْقَوْلِ أَيْ: جِئْتَ مَرْحَبًا، أَيْ: مَوْضِعًا وَاسِعًا، وَالْأَظْهَرُ رَحَّبَ مَرْحَبًا (بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ) أَيْ: إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَوْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : " «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» " أَيْ: مِنْ مَكَّةَ ; لِأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْفَتْحِ، فَإِنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ وَاجِبَةً، بَلْ شَرْطًا، وَأَمَّا الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَوُجُوبُهَا بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

стр. 6469

قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَاسْمُ أَبِي جَهْلٍ عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ الْقُرَشِيُّ، كَانَ شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ وَأَبُوهُ، وَكَانَ فَارِسًا مَشْهُورًا، وَهَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ بِالْيَمَنِ، فَلَحِقَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ فَأَتَتْ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ، فَأَسْلَمَ بَعْدَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ فِي زَمَنِ عُمَرَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ لَأَبِي جَهْلٍ عَذْقًا فِي الْجَنَّةِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ عِكْرِمَةُ قَالَ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ! هَذَا هُوَ. قَالَتْ: «وَشَكَا عِكْرِمَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ إِذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ قَالُوا: هَذَا ابْنُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: النَّاسُ مَعَادِنُ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 6470

٤٦٨٥ - «وَعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ﵁ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ - قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ - وَكَانَ فِيهِ مُزَاحٌ - بَيْنَا يُضْحِكُهُمْ فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ، فَقَالَ: أَصْبِرْنِي. قَالَ: " أَصْطَبِرُ " قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَمِيصِهِ، فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ، قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٦٨٥ - (وَعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ﵁) : بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا أَنْصَارِيٌّ أَوْسِيٌّ، كَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ. رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ عِشْرِينَ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ (رَجُلٌ) : بِالرَّفْعِ. وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ. قَالَ الْأَشْرَفُ: فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَصَابِيحِ اضْطِرَابٌ، وَجَامِعُ الْأُصُولِ يُنْبِئُ عَنْهُ وَهُوَ فِيهِ، هَكَذَا عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ: «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ فِيهِ مُزَاحٌ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ يُضْحِكُهُمْ، إِذْ طَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِعُودٍ كَانَ فِي يَدِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصْبِرْنِي. قَالَ: اصْطَبِرْ» إِلَخْ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ هُوَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَلَا يَجُوزُ جَرُّ رَجُلٍ، بَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَمُخَصِّصِهُ قَوْلُهُ: (مِنَ الْأَنْصَارِ) : وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ: (قَالَ) : مَعَ فَاعِلِهِ الْمُسْتَكِنِّ فِيهِ (بَيْنَمَا) : ظَرْفٌ لِقَالَ، قُلْتُ: وَضَمِيرُ (هُوَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ) : لِلرَّجُلِ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الضَّمَائِرِ مِنْ قَوْلِهِ: (وَكَانَ فِيهِ مُزَاحٌ) : إِلَخْ. وَالْمُزَاحُ بِالضَّمِّ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْكَسْرِ، قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ اسْمُ الْمِزَاحِ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْمَصْدَرُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمُزَاحُ بِالضَّمِّ الِاسْمُ، وَأَمَّا الْمِزَاحُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ مَصْدَرُ مَازَحَهُ، وَالْمَفْهُومُ مِنَ الْقَامُوسِ أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ إِلَّا أَنَّ الضَّمَّ مَصْدَرٌ لِمُجَرَّدٍ، وَالْكَسْرَ مَصْدَرٌ لِمَزِيدِ، هَذَا وَقَالَ الْأَشْرَفُ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: فِيهِ لِلرَّجُلِ، وَكَانَ فِيهِ مُزَاحٌ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ ضَمِيرِ يُحَدِّثُ وَقَعَتْ بَيْنَ قَوْلِهِ: يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: يُضْحِكُهُمْ. قُلْتُ: وَفِي الْمَتْنِ (بَيْنَا يُضْحِكُهُمْ) : قَالَ وَقَوْلُهُ: بَيْنَا مَعَ مَا بَعْدَهُ مَقُولٌ لِقَالَ وَبَيْنَا ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: طَعَنَهُ أَوْ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ الظَّاهِرُ، وَالتَّقْدِيرُ بَيْنَا يُضْحِكُهُمْ فَأَضْحَكَهُمْ (فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ ) : عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ يُضْحِكُهُمْ. اهـ كَلَامُ الْأَشْرَفِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَدِيثُ عَلَى مَا هُوَ فِي الْمَتْنِ وَالْمَصَابِيحِ مُثْبَتٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَفِي نُسْخَةٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا، فَبَقِيَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي طَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خَاصِرَتِهِ، هَلْ هُوَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ أَوْ غَيْرُهُ؟ فَعَلَى مَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ هُوَ غَيْرُهُ، وَعَلَى مَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَنَّهُ هُوَ وَلَفْظُهُ هَكَذَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ بَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ يُضْحِكُهُمْ، وَكَانَ فِيهِ مُزَاحٌ فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَكَانَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ مِنْ نُقَبَاءِ الْأَنْصَارِ، وَتَنْزِيلُ الْحَدِيثِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَسْهَلُ وَأَبْعَدُ مِنَ التَّكَلُّفِ مِنْ تِلْكَ الرِّوَايَةِ، وَمَا قِيلَ أَنَّ قَالَ خَبَرٌ، وَبَيْنَمَا ظَرْفٌ لَهُ خَارِجٌ عَنِ الْمُرَادِ، فَقَوْلُهُ رَجُلٌ مَجْرُورٌ بَدَلًا مِنْ أُسَيْدٍ، وَقَالَ قَوْلَ الرَّاوِي أَيْ: قَالَ الرَّاوِي، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، بَيْنَمَا أُسَيْدٌ يُحَدِّثُ إِلَخْ. وَلَوْ كَانَ الْقَائِلُ أُسَيْدًا لَقَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا، وَبَيْنَا الثَّانِيَةُ بَدَلٌ مِنْهَا، وَقَوْلُهُ فَطَعَنَهُ هُوَ الْجَوَابُ اهـ كَلَامُهُ. وَالْمَعْنَى: فَضَرَبَهُ ﷺ عَلَى طَرِيقِ الْمِزَاحِ (فِي خَاصِرَتِهِ) أَيْ: شَاكِلَتِهِ (بِعُودٍ) أَيْ: بِخَشَبٍ مِنْ عَصَا أَوْ غَيْرِهَا (فَقَالَ: أَصْبِرْنِي) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: أَقْدِرْنِي وَمَكِّنِّي مِنِ اسْتِيفَاءِ الْقَصَاصِ حَتَّى أَطْعَنَ فِي خَاصِرَتِكَ، كَمَا طَعَنْتَ فِي خَاصِرَتِي (قَالَ: أَصْطَبِرُ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ، أَيْ: أُمَكِّنُكَ مِنَ الْقِصَاصِ وَاقْتَصَّ مِنْ نَفْسِي، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ؛ بَلْ قِيلَ هِيَ الْأَصَحُّ اصْطَبِرْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ أَيِ: اسْتَوْفِ الْقِصَاصَ، وَالِاصْطِبَارُ الِاقْتِصَاصُ ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَفِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: أَصْبِرْنِي أَيْ: أَقْدِرْنِي مِنْ نَفْسِكَ. قَالَ: اسْتَقِدْ، يُقَالُ: أَصْبَرَ فُلَانٌ مَنْ خَصْمِهِ وَاصْطَبَرَ أَيِ:

стр. 6471

اقْتَصَّ مِنْهُ، وَأَصْبَرَهُ الْحَاكِمُ أَيْ: أَقَصَّهُ مِنْ خَصْمِهِ. قَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ: وَأَصْلُهُ الْحَبْسُ حَتَّى يُقْتَلَ، وَأَصْبَرَهُ الْقَاضِي صَبَارًا أَقَصَّهُ أَوِ اصْطَبَرَ، أَيِ: اقْتَصَّ. (قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ) : حِكَايَةُ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ وَمِنَ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيَّ قَمِيصٌ (فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَمِيصِهِ) : عَدَّاهُ بِعَنْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى كَشَفَ، أَيْ: كَشَفَ عَمَّا سَتَرَهُ قَمِيصُهُ فَرَفَعَهُ عَنْهُ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [النمل: ٤٤] (فَاحْتَضَنَهُ) أَيِ: اعْتَنَقَهُ وَأَخَذَهُ فِي حِضْنِهِ، وَهُوَ مَا دُونُ الْإِبِطِ إِلَى الْكَشْحِ (وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ) أَيْ: جَنْبَهُ، قَالَ الشَّارِحُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ مَا بَيْنَ الْخَاصِرَةِ إِلَى الضِّلْعِ الْأَقْصَرِ مِنْ أَضْلَاعِ الْجَنْبِ. (قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ: مَا أَرَدْتُ بِقَوْلِي أَصْبِرْنِي إِلَّا هَذَا التَّقْبِيلَ، وَمَا قَصَدْتُ حَقِيقَةَ الْقَصَاصِ، أَقُولُ: وَهَذَا لَا مُمَاثَلَةَ، فَإِنَّ هَذَا أَعْلَى وَأَغْلَى مَعَ أَنَّ لَهُ بِطَعْنِهِ أَيْضًا مِنَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مَا يَنْسَى فِي جَنْبِهِ جَمِيعَ نَعِيمِ الدُّنْيَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِإِبَاحَةِ الْمِزَاحِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحْذُورٌ شَرْعًا، وَبِاسْتِمَاعِهِ أَيْضًا. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمِزَاحَ بِشَرْطِهِ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْبَابِ ; لِأَنَّهُ مَعْدُودٌ فِي شَمَائِلِهِ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ لِهَذَا الْبَابِ، قَالَ: وَبِأَنَّ الِانْبِسَاطَ مَعَ الْوَضِيعِ مِنْ شِيَمِ الشَّرِيفِ. قُلْتُ: هَذَا غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِمَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّ الْمَازِحَ هُوَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَإِنَّهُ مِنْ أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ وَنُقَبَاءِ الْأَنْصَارِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6472

٤٦٨٦ - وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَقَّى جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَالْتَزَمَهُ وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " مُرْسَلًا. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ " الْمَصَابِيحِ ": وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " عَنِ الْبَيَاضِيِّ مُتَّصِلًا. ــ ٤٦٨٦ - (وَعَنِ الشَّعْبِيِّ) : بِفَتْحِ شِينٍ مُعْجَمَةٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَيَاءٍ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ، كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الشَّعْبُ كَالْمَنْعِ: الْقَبِيلَةُ الْعَظِيمَةُ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَامِرُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الْكُوفِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَامِ، وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَوَى عَنْ خَلْقٍ كَثِيرٍ، وَرَوَى عَنْهُ أُمَمٌ. قَالَ: أَدْرَكْتُ خَمْسَمِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: مَا كَتَبْتُ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ قَطُّ، وَلَا حَدَّثْتُ بِحَدِيثٍ إِلَّا حَفِظْتُهُ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي زَمَانِهِ، وَالشَّعْبِيُّ فِي زَمَانِهِ، وَالثَّوْرِيُّ قِي زَمَانِهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الْعُلَمَاءُ أَرْبَعَةٌ: ابْنُ الْمُسَيَّبِ بِالْمَدِينَةِ، وَالشَّعْبِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِالْبَصْرَةِ، وَمَكْحُولٌ بِالشَّامِ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ وَلَهُ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَقَّى جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) أَيِ: اسْتَقْبَلَهُ حِينَ قَدِمَ مِنَ السَّفَرِ (فَالْتَزَمَهُ) أَيِ: اعْتَنَقَهُ (وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مُرْسَلًا. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: أَيْضًا (عَنِ الْبَيَاضِيِّ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ تَحْتِيَّةٍ وَإِعْجَامِ ضَادٍ (مُتَّصِلًا) : قِيلَ الْبَيَاضِيُّ: مَنْسُوبٌ إِلَى بَيَاضَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، وَالْبَيَاضِيُّ بِلَا تَسْمِيَةٍ مُطْلَقًا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ: الْبَيَاضِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى بَيَاضَةَ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ الْأَنْصَارِيُّ صَحَابِيٌّ.

стр. 6473

٤٦٨٧ - «وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي قِصَّةِ رُجُوعِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ، فَتَلَقَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاعْتَنَقَنِي، ثُمَّ قَالَ: " مَا أَدْرِي: أَنَا بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَفْرَحُ، أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ؟ " وَوَافَقَ ذَلِكَ فَتْحَ خَيْبَرَ» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". ــ ٤٦٨٧ - (وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فِي قِصَّةِ رُجُوعِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ قَالَ) أَيْ: جَعْفَرٌ (فَخَرَجْنَا) أَيْ: مِنَ الْحَبَشَةِ ( «حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ، فَتَلَقَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاعْتَنَقَنِي، ثُمَّ قَالَ: مَا أَدْرِي: أَنَا بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَفْرَحُ، أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ؟» ) : الظَّاهِرُ أَنَّ أَفْرَحُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرُ أَنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنَا تَأْكِيدًا لِضَمِيرِ أَدْرِي

стр. 6474

وَأَفْرَحُ: فِعْلٌ مُضَارِعٌ مُتَكَلِّمٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَدَّدَ سَبَبُ فَرَحِي فَمَا أَدْرِي أُلَاحِظُ هَذَا أَوْ ذَاكَ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ لِاسْتِقْلَالِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْفَرَحِ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْفَرَحِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْأُسْلُوبُ مِنْ بَابِ الذَّهَابِ إِلَى التَّشَابُهِ مِنَ التَّشْبِيهِ مُبَالَغَةً فِي إِلْحَاقِ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ اهـ. فَجَعَلَ قُدُومَ جَعْفَرٍ نَاقِصًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَتْحِ خَيْبَرَ، فَفِيهِ نَظَرٌ لِإِمْكَانِ التَّسَاوِي فَتَدَبَّرْ (وَوَافَقَ ذَلِكَ) أَيْ: قُدُومُ جَعْفَرٍ (فَتْحَ خَيْبَرَ. رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ.

стр. 6475

٤٦٨٨ - «وَعَنْ زَارِعٍ ﵁ وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا فَنُقَبِّلُ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَهُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٦٨٨ - (وَعَنْ زَارِعٍ ﵁ : بِزَايٍ، ثُمَّ رَاءٍ مَكْسُورَةٍ، وَأَغْرَبَ شَارِحٌ وَقَالَ: هُوَ اسْمُ رَجُلٍ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ زَارِعُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، عِدَادُهُ فِي الْبَصْرِيِّينَ، وَحَدِيثُهُ فِيهِمْ. (وَكَانَ) أَيْ: زَارِعٌ (فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ) أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُمْ وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ (قَالَ) أَيْ: زَارِعٌ (لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ) أَيْ: فِي النُّزُولِ مِنْ رَوَاحِلِنَا (فَنُقَبِّلُ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6476

٤٦٨٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا. وَفِي رِوَايَةٍ: حَدِيثًا وَكَلَامًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَاطِمَةَ، كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، قَامَ إِلَيْهَا، فَأَخَذَ بِيَدِهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا، قَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٦٨٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا) أَيْ: هَيْئَةً وَطَرِيقَةً كَانَتْ عَلَيْهَا مِنَ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ. قَالَ شَارِحٌ: السَّمْتُ فِي الْأَصْلِ الْقَصْدُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَيْئَةُ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالتَّزَيِّي بِزِيِّ الصَّالِحِينَ (وَهَدْيًا) أَيْ: سِيرَةً وَطَرِيقَةً. يُقَالُ: فُلَانٌ حَسَنُ الْهَدْيِ أَيْ: حَسَنُ الْمَذْهَبِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا. (وَدَلًّا) : بِفَتْحِ دَالٍ وَتَشْدِيدِ لَامٍ، فَسَّرَهُ الرَّاغِبُ بِحُسْنِ الشَّمَائِلِ، وَأَصْلُهُ مِنْ دَلِّ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ شَكْلُهَا وَمَا يُسْتَحْسَنُ مِنْهَا، وَالْكُلُّ أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَأَنَّهَا أَشَارَتْ بِالسَّمْتِ إِلَى مَا يُرَى عَلَى الْإِنْسَانِ مِنَ الْخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعِ لِلَّهِ، وَبِالْهَدْيِ مَا يَتَحَلَّى بِهِ مِنَ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، إِلَى مَا يَسْلُكُهُ مِنَ الْمَنْهَجِ الْمُرْضِيِّ، وَبِالدَّلِّ حُسْنَ الْخُلُقِ وَلُطْفَ الْحَدِيثِ. (وَفِي رِوَايَةٍ: حَدِيثًا وَكَلَامًا) أَيْ: أَشْبَهَ تَحَدُّثًا وَمَنْطِقًا (بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَاطِمَةَ كَانَتْ) أَيْ: فَاطِمَةُ (إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، قَامَ إِلَيْهَا) أَيْ: مُسْتَقْبِلًا وَمُتَوَجِّهًا (فَأَخَذَ بِيَدِهَا فَقَبَّلَهَا) أَيْ: بَيْنَ عَيْنَيْهَا أَوْ رَأْسِهَا، وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا " «مَنْ قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْ أُمِّهِ كَانَ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ» " فَكَأَنَّهُ ﷺ نَزَّلَهَا مَنْزِلَةَ أُمِّهِ تَعْظِيمًا لَهَا. (وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ) أَيْ: تَكْرِيمًا لِمَأْتَاهَا (وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا، قَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ) أَيْ: عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ الشَّرِيفَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْيَدُ الْمُنِيفَةُ (وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا) أَيْ: مَوْضِعِهَا الْمُهَيَّأِ لِلْكَرَامَةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6477

٤٦٩٠ - وَعَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَائِشَةُ ابْنَتُهُ مُضْطَجِعَةٌ، قَدْ أَصَابَهَا حُمَّى، فَأَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتِ يَا بُنَيَّةُ؟ وَقَبَّلَ خَدَّهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٦٩٠ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ) أَيِ: ابْنِ عَازِبٍ ﵄ (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ) أَيْ: مِنْ غَزْوَةٍ (فَإِذَا عَائِشَةُ ابْنَتُهُ مُضْطَجِعَةٌ، قَدْ أَصَابَهَا حُمَّى) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَقْصُورًا (فَأَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتِ يَا بُنَيَّةُ؟) : تَصْغِيرُ بِنْتٍ لِلشَّفَقَةِ (وَقَبَّلَ خَدَّهَا) أَيْ: لِلْمَرْحَمَةِ وَالْمَوَدَّةِ، أَوْ مُرَاعَاةً لِلسُّنَّةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6478

٤٦٩١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِصَبِيٍّ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: " أَمَا إِنَّهُمْ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ، وَإِنَّهُمْ لَمِنْ رَيْحَانِ اللَّهِ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " ــ ٤٦٩١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِصَبِيٍّ) أَيْ: جِيءَ إِلَيْهِ (فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: أَمَا) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُمْ) أَيِ: الْأَوْلَادُ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الصَّبِيِّ (مَبْخَلَةٌ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مُسَبِّبٌ وَمُحَصِّلٌ لِلْبُخْلِ، فَفِي النِّهَايَةِ: الْمَبْخَلَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الْبُخْلِ وَمَظِنَّةٌ لَهُ أَيْ: يَحْمِلُ أَبَوَيْهِ عَلَى الْبُخْلِ، وَيَدْعُوهُمَا إِلَيْهِ فَيَبْخَلَانِ بِالْمَالِ لِأَجْلِهِ (مَجْبَنَةٌ) : بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ جِيمٍ وَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ: بَاعِثٌ عَلَى الْجُبْنِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ مَحَبَّتِهِمْ وَغَايَةِ مَوَدَّتِهِمْ حَتَّى يَخْتَارَ أَكْثَرُ النَّاسِ حُبَّهُمْ عَلَى مَحَامِدِ الْمَحَاسِنِ الرَّضِيَّةِ وَالْأُمُورِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي الشَّرِيعَةِ الْحَنَفِيَّةِ النَّافِعَةِ لَهُمْ فِي الْقَضَايَا الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ. وَفِي الْفَائِقِ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَلَدَ مُوقِعٌ أَبَاهُ فِي الْجُبْنِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُقْتَلَ فِي الْحَرْبِ، فَيَضِيعَ وَلَدُهُ بَعْدَهُ، وَفِي الْبُخْلِ إِبْقَاءً عَلَى مَالِهِ لَهُ. وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ (وَإِنَّهُمْ) : لِلْحَالِ كَأَنَّهُ قَالَ مَعَ أَنَّهُمْ (لَمِنْ رَيْحَانِ اللَّهِ) أَيْ: مِنْ رِزْقِ اللَّهِ يُقَالُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَرَيْحَانَهُ أَيْ: أُسَبِّحُ لَهُ وَأَسْتَرْزِقُهُ، وَهُوَ مُخَفَّفٌ عَنْ رَيْحَانٍ فَيْعَلَانٍ مِنَ الرُّوحِ ; لِأَنَّ انْتِعَاشَهُ بِالرِّزْقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّيْحَانِ الْمَشْمُومِ ; لِأَنَّ الشَّمَّامَاتِ تُسَمَّى رَيْحَانًا، وَيُقَالُ حَبَاهُ بِطَاقَةَ نَرْجِسٍ وَبِطَاقَةَ رَيْحَانٍ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَأَنَّهُمْ مِمَّا أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ الْأَنَاسِيَّ، وَحَبَاهُمْ بِهِ ; أَوْ لِأَنَّهُمْ يَشُمُّونَ وَيُقَبِّلُونَ، فَكَأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الرَّيَاحِينِ الَّتِي أَنْبَتَهَا اللَّهُ. وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ: مِنْ رِزْقِ اللَّهِ أَوْ مِنَ الطِّبِّ الَّذِي طَيَّبَ اللَّهُ بِهِ قُلُوبَ الْآبَاءِ. وَالرَّيْحَانُ الرِّزْقُ، وَأَيْضًا نَبْتٌ طَيِّبُ الرِّيحِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: أَمَا إِنَّهُمْ إِلَخْ تَذْيِيلٌ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ الضَّمِيرَ الرَّاجِعَ إِلَى الصَّبِيِّ لِيُعَقِّبَ الْحُكْمَ الْخَاصَّ بِالْعَامِّ وَيُؤَكِّدَهُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا. وَقَوْلُهُ: وَإِنَّهُمْ لَمِنْ رَيْحَانِ اللَّهِ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ؛ ذَمَّهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُ إِلَى الْمَدْحِ، قُلْتُ: بَلْ نَبَّهَ أَوَّلًا عَلَى مَا قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى وُجُودِهِمْ مِنَ الْأُمُورِ الْمَذْمُومَةِ احْتِرَاسًا عَنْهَا، ثُمَّ مَدَحَهُمْ بِأَنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ رَاحَةٌ لِلرُّوحِ، وَبَيَانٌ لِلرِّزْقِ وَالْفُتُوحِ، وَبَقَاءٌ مَعْنَوِيٌّ وَنِظَامٌ دُنْيَوِيٌّ وَأُخْرَوِيٌّ، وَلِذَا قِيلَ: الْوَلَدُ إِنْ عَاشَ نَفَعَ، وَإِنْ مَاتَ شَفَعَ. وَقَدْ رَوَى الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ مَرْفُوعًا " «الْوَلَدُ مِنْ رَيْحَانِ الْجَنَّةِ» ". وَرَوَى أَبُو يَعْلَى، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا ( «الْوَلَدُ ثَمَرُ الْقَلْبِ وَأَنَّهُ مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ» . رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ.

стр. 6479

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٦٩٢ - عَنْ يَعْلَى ﵁ قَالَ: «إِنَّ حَسَنًا وَحُسَيْنًا ﵄ اسْتَبَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَضَمَّهُمَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: " إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٦٩٢ - (عَنْ يَعْلَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) : مُضَارِعُ عَلَى، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَشَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَتَبُوكَ. رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ صَفْوَانُ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ، قُتِلَ بِصِفِّينَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (قَالَ: إِنَّ حَسَنًا وَحُسَيْنًا اسْتَبَقَا) أَيْ: تَبَادَرَا وَتَسَابَقَا (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَضَمَّهُمَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُمَا هُنَا كِنَايَتَانِ عَنِ الْمَحَبَّةِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ فَيَكُونُ مَدْحًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ كِنَايَةً عَنِ الذَّمِّ اهـ. وَهُوَ غَرِيبٌ. وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُمَا هُنَا ; لِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى كَمَالِ الْمَحَبَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَالْمَوَدَّةِ الْعَادِيَّةِ الْمُوَرِّثَةِ لِلْبُخْلِ وَالْجُبْنِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ كَامِلًا فِي الْمَرْتَبَةِ الْعُبُودِيَّةِ، وَمَا يَقْتَضِيهَا مَنْ تَقَدُّمِ مَحَبَّةِ مَرْضَاةِ الرَّبِّ عَلَى مَا سِوَاهُ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمَحْبُوبُ الْحَقِيقِيُّ وَمَا سِوَاهُ مَطْلُوبٌ إِضَافِيٌّ، وَقَدْ سَبَقَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ

стр. 6480

حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: " «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ". (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ خَلَفٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ وَلَفْظُهُمَا: " «إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَةٌ مَحْزَنَةٌ» ".
следующие страницы →