Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.
стр. 6511
٤٧١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ، فَقَالَ: " إِنَّ هَذِهِ ضِجْعَةٌ لَا يُحِبُّهَا اللَّهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٧١٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ، فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ لَهُ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ، أَوْ لِغَيْرِهِ إِعْرَاضًا عَنْهُ وَاعْتِرَاضًا عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ قَابِلٍ لِلنَّصِيحَةِ. (إِنَّ هَذِهِ) أَيْ: هَذَا الِاضْطِجَاعَ، وَتَأْنِيثُهُ لِتَأْنِيثِ خَبَرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (ضِجْعَةٌ) : وَهَى بِكَسْرِ أَوَّلِهِ لِلنَّوْعِ (لَا يُحِبُّهَا اللَّهُ) : لِأَنَّ وَضْعَ الصَّدْرِ وَالْوَجْهِ اللَّذَيْنِ مِنْ أَشْرَفِ الْأَعْضَاءِ عَلَى الْأَرْضِ إِذْلَالٌ فِي غَيْرِ السُّجُودِ، أَوْ هَذِهِ الضِّجْعَةُ رَقْدَةُ اللَّوَّاطَةِ، فَالتَّشْبِيهُ بِهِمْ مَذْمُومٌ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا ضِجْعَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ، وَفِي حَدِيثٍ إِنَّمَا هِيَ ضِجْعَةُ أَهْلِ النَّارِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 6512
٤٧١٩ - وَعَنْ يَعِيشَ بْنِ طِخْفَةَ بْنِ قَيْسٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ - قَالَ «بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعٌ مِنَ السَّحَرِ عَلَى بَطْنِي إِذَا رَجُلٌ يُحَرِّكُنِي بِرِجْلِهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ ضِجْعَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » -. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٤٧١٩ - (وَعَنْ يَعِيشَ) : بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ عَلَى وَزْنِ يَزِيدَ (ابْنِ طِخْفَةَ) : بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْفَاءِ كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِضَبْطِ الْمُصَنِّفِ، وَقِيلَ: طِهْفَةَ بِالْهَاءِ بَدَلَ الْخَاءِ، وَفِي الْمُغْنِي بِمَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ فَفَاءٍ، وَيُقَالُ: بِهَاءٍ، وَيُقَالُ: بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَكَانَ خَاءٍ. (ابْنِ قَيْسٍ الْغِفَارِيِّ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: طِخْفَةَ (وَكَانَ) أَيْ: أَبُوهُ (مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ) : لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، بَلْ ذَكَرَ يَعِيشَ فِي التَّابِعِينَ، وَقَالَ فِي حَرْفِ الْقَافِ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: هُوَ قَيْسُ بْنُ أَبِي غَرَزَةَ الْغِفَارِيُّ عَدَادُهُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، رَوَى عَنْهُ أَبُو وَائِلٍ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي ذِكْرِ التِّجَارَةِ. (قَالَ) أَيْ: أَبُوهُ (بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعٌ مِنَ السَّحَرِ) : بِفُتْحَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِ الثَّانِي، وَهُوَ الرِّئَةُ. فَفِي الصِّحَاحِ: السُّحْرُ الرِّئَةُ، وَكَذَلِكَ السَّحْرُ وَيُحَرَّكُ، وَفِي الْقَامُوسِ: السَّحْرُ وَيُضَمُّ وَيُحَرَّكُ: الرِّئَةُ اهـ. وَقِيلَ: مَا لَصِقَ بِالْحُلْقُومِ مِنْ أَعْلَى الْبَطْنِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمَعْنَى: رَاقِدٌ مِنْ أَجْلِ دَاءٍ بِهِ وَبِسَبَبِ وَجَعِهِ (عَلَى بَطْنِي إِذَا رَجُلٌ) أَيْ: شَخْصٌ (يُحَرِّكُنِي بِرِجْلِهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ ضِجْعَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ) : هَذَا آكِدٌ وَأَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ لَا يُحِبُّهَا اللَّهُ (فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ) أَيِ: الرَّجُلُ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) . وَلَعَلَّهُ ﵇ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ عُذْرُهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ يُمْكِنُ الِاضْطِجَاعُ عَلَى الْفَخِذَيْنِ لِدَفْعِ الْوَجَعِ مِنْ غَيْرِ مَدِّ الرِّجْلَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 6513
٤٧٢٠ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ عَلَيْهِ حِجَابٌ - وَفِي رِوَايَةٍ: حِجَارٌ - فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي " مَعَالِمِ السُّنَنِ " لِلْخَطَّابِيِّ " حِجًى ".
ــ
٤٧٢٠ - (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ) بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ فَمُوَحَّدَةٌ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: حَنَفِيٌّ يَمَانِيٌّ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ بَاتَ) أَيْ: نَامَ لَيْلًا (عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ) أَيْ: سَطْحٍ لَهُ (لَيْسَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَطْرَافِهِ (حِجَابٌ) أَيْ: مَانِعٌ مِنَ السُّقُوطِ (وَفِي رِوَايَةٍ: حِجَارٌ) أَيْ: بِالرَّاءِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ جَمْعُ حِجْرٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَهُوَ مَا يُحْجَرُ بِهِ مِنْ حَائِطٍ وَنَحْوِهِ وَمِنْهُ حَجَرُ الْكَعْبَةِ (فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ) . قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ مَنْ نَامَ عَلَى سَطْحٍ لَا سَتْرَ لَهُ فَقَدْ تَصَدَّى لِلْهَلَاكِ، وَأَزَالَ الْعِصْمَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَصَارَ كَالْمُهْدَرِ الَّذِي لَا ذِمَّةَ لَهُ، فَلَعَلَّهُ يَنْقَلِبُ فِي نَوْمِهِ فَيَسْقُطُ وَيَمُوتُ مُهْدَرًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ لِكُلٍّ مِنَ النَّاسِ عَهْدًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِفْظِ وَالْكَلَأِ، فَإِذَا أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ انْقَطَعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَهْدٌ، وَهَذَا تَهْدِيدُ كَرَاهَةِ اضْطِجَاعِ الرَّجُلِ فِي مَوْضِعٍ مَخُوفٍ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ تَعْلِيمِ الْأَبِ النَّاشِئِ عَنْ مَرْحَمَةِ سَيِّدِ أُولِي الْأَلْبَابِ وَشَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ لِكَوْنِهِ كَالْأَبِ، بَلْ أَكْمَلُ وَأَتَمُّ وَأَرْحَمُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَرْحَمُ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَهُوَ أَعْلَمُ الْعَالَمِينَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ لَكِنْ بِلَفْظِ حِجَابٍ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ (وَفِي " مَعَالِمِ السُّنَنِ " لِلْخَطَّابِيِّ " حِجًى) : بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَجِيمٍ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، فَفِي الْقَامُوسِ، الْحِجَا كَإِلَى: الْعَقْلُ وَبِالْفَتْحِ: النَّاحِيَةُ اهـ. وَهُوَ مُنَوَّنٌ وَهُوَ مَرْفُوعٌ تَقْدِيرًا. وَفِي النِّهَايَةِ حِجًى هَكَذَا.
стр. 6514
رَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ، وَقَالَ: إِنَّهُ يُرْوَى بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا وَمَعْنَاهُ فِيهِمَا السَّتْرُ، فَمَنْ قَالَ بِالْكَسْرِ شَبَّهَهُ بِالْحِجْرِ: الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْفَسَادِ، وَيَحْفَظُهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْهَلَاكِ، فَشَبَّهَ السَّتْرَ - الَّذِي يَكُونُ عَلَى السَّطْحِ الْمَانِعَ لِلْإِنْسَانِ مِنَ التَّرَدِّي وَالسُّقُوطِ - بِالْعَقْلِ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ أَفْعَالِ السُّوءِ الْمُودِيَةِ إِلَى الرَّدَى، وَمَنْ رَوَاهُ بِالْفَتْحِ فَقَدْ ذَهَبَ إِلَى النَّاحِيَةِ وَالطَّرْفِ، وَأَحْجَاءُ الشَّيْءِ نَوَاحِيهِ، وَأَحَدُهُمَا حَجًى بِالْفَتْحِ. وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ؛ الَّذِي قَرَأْتُهُ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ حِجَابٌ. وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: حِجَارٌ، أَمَّا الْحِجَابُ بِالْبَاءِ فَهُوَ الَّذِي يَحْجُبُ الْإِنْسَانَ عَنِ الْوُقُوعِ، وَبِالرَّاءِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ حَجَرٍ وَهُوَ مَا حُجِرَ بِهِ مِنْ حَائِطٍ، وَذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَمْنَعُ النَّائِمَ عَلَى السَّطْحِ مِنَ السُّقُوطِ، وَيُعَضِّدُ رِوَايَةَ الرَّاءِ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ اهـ. وَفِي الْمَصَابِيحِ مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ حَيْثُ قَالَ شَارِحٌ لَهُ: لَيْسَ عَلَيْهِ حَجًى بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَكَسْرِهَا.
стр. 6515
٤٧٢١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَطْحٍ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٧٢١ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ) أَيْ: لَيْلًا أَوْ مُطْلَقًا (عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ) أَيْ: لَيْسَ حَوْلَهُ جِدَارٌ مَانِعٌ مِنَ الْوُقُوعِ عَنِ السَّطْحِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 6516
٤٧٢٢ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ قَعَدَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٧٢٢ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: مَلْعُونٌ) أَيْ: مَذْمُومٌ (عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ قَعَدَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ) . بِسُكُونِ السِّينِ وَاللَّامِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: لُعِنَ مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ، وَهُوَ يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْتِيَ حَلْقَةَ قَوْمٍ فَيَتَخَطَّى رِقَابَهُمْ وَيَقْعُدَ وَسْطَهَا، وَلَا يَقْعُدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ، وَالثَّانِي: أَنْ يَقْعُدَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ فَيَحُولُ بَيْنَ الْوُجُوهِ وَيَحْجُبُ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ فَيَتَضَرَّرُونَ بِهِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمُرَادُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْمَاجِنُ الَّذِي يُقِيمُ نَفْسَهُ مَقَامَ السُّخْرِيَةِ، لِيَكُونَ ضِحْكَةً بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُ مِنَ الْمُتَأَكِّلِينَ بِالسُّمْعَةِ وَالشَّعْوَذَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ عَنْ حُذَيْفَةَ، لَكِنْ بِلَفْظِ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ قَعَدَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ.
стр. 6517
٤٧٢٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَيْرُ الْمَجَالِسِ أَوْسَعُهَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٧٢٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَيْرُ الْمَجَالِسِ أَوْسَعُهَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ عَنْهُ. وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ.
стр. 6518
٤٧٢٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: «جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ جُلُوسٌ، فَقَالَ: " مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ» ؟ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٧٢٤ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: حَضَرَ (وَأَصْحَابُهُ جُلُوسٌ) أَيْ: جَالِسُونَ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ (فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكُمْ) أَيْ: أُبْصِرُكُمْ (عِزِينَ؟) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالزَّايِ أَيْ: مُتَفَرِّقِينَ جَمْعُ عِزَةٍ، وَالْهَاءُ عِوَضٌ عَنِ الْيَاءِ، وَهِيَ فِرْقَةٌ مِنَ النَّاسِ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَالْمَعْنَى: اجْلِسُوا فِي الْحَلْقَةِ أَوْ فِي الصَّفِّ أَمَرَهُمْ بِهِ كَيْلَا يُدْبِرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَا يُؤَدِّيَ إِلَى التَّفْرِقَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]
стр. 6519
الْآيَةَ. وَلِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بِالْكُفَّارِ عَلَى مَا حَكَاهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ - عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٦ - ٣٧] ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي حِلَقًا. قَالَ: وَرَوَى يَحْيَى عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ وَهُمْ حِلَقٌ فَقَالَ: " مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ» "، أَيْ: مُتَفَرِّقِينَ مُخْتَلِفِينَ لَا يَجْمَعُكُمْ مَجْلِسٌ وَاحِدٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ.
стр. 6520
٤٧٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْفَيْءِ فَقَلَصَ عَنْهُ الظِّلُّ، فَصَارَ بَعْضُهُ فِي الشَّمْسِ، وَبَعْضُهُ فِي الظِّلِّ، فَلْيَقُمْ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٧٢٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْفَيْءِ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: فِي ظِلٍّ (فَقَلَصَ) أَيِ: ارْتَفَعَ (عَنْهُ الظِّلُّ) أَيْ: بَعْضُهُ وَفِيهِ تَفَنُّنٌ (فَصَارَ بَعْضُهُ فِي الشَّمْسِ، وَبَعْضُهُ فِي الظِّلِّ) بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهُ (فَلْيَقُمْ) أَيْ: فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْهُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ يَكُونُ كُلُّهُ ظِلًّا أَوْ شَمْسًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا قَعَدَ ذَلِكَ الْمَقْعَدَ فَسَدَ مَزَاجُهُ لِاخْتِلَافِ حَالِ الْبَدَنِ مِنَ الْمُؤَثِّرَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَلِأَنَّهُ خِلَافُ الْعَدَالَةِ الْمُوجِبَةِ لِاخْتِلَالِ الِاعْتِدَالِ مَعَ أَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِمَجْلِسِ الْمَجَانِينِ، وَنَظِيرُهُ النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ إِحْدَى النَّعْلَيْنِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُعَلَّلَ بِمَا عَلَّلَهُ الشَّارِعُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي: فَإِنَّهُ مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: مَرْفُوعًا.
стр. 6521
٤٧٢٦ - وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " عَنْهُ قَالَ: " «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْفَيْءِ فَقَلَصَ عَنْهُ فَلْيَقُمْ، فَإِنَّهُ مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ» ". هَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ مَوْقُوفًا.
ــ
٤٧٢٦ - (وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ) . أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْفَيْءِ فَقَلَصَ) أَيِ: ارْتَفَعَ الْفَيْءُ (عَنْهُ فَلْيَقُمْ، فَإِنَّهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْمَجْلِسَ (مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْبَاعِثُ عَلَيْهِ لِيُصِيبَهُ السُّوءُ، فَهُوَ عَدُوٌّ لِلْبَدَنِ كَمَا هُوَ عَدُوٌّ لِلدِّينِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ عَدَاوَتُهُ لِلْبَدَنِ بِنَاءً عَلَى اسْتِعَانَتِهِ بِضَعْفِ الْبَدَنِ عَلَى ضَعْفِ الدِّينِ. (هَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ مَوْقُوفًا) أَيْ: عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْأَصْلُ فِيهِ الرَّفْعُ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ مَرْفُوعًا؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ لَا يَقْدُمُ عَلَى التَّحَدُّثِ بِالْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عَنْهُ ﷺ وَالْحَقُّ الْأَبْلَجُ فِيهِ وَفِي مِثَالِهِ التَّسْلِيمُ لِنَبِيِّ اللَّهِ ﵇ فِي مَقَالِهِ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ مَا لَا يَعْلَمُ غَيْرُهُ وَيَرَى مَا لَا يَرَى اهـ. فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ ﷺ «نَهَى أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ بَيْنَ الضِّحِّ وَالظِّلِّ، وَقَالَ: " مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رَجُلٍ مَرْفُوعًا.
стр. 6522
٤٧٢٧ - وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ «سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ لِلنِّسَاءِ: " اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تُحْقِقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ» ". فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْصَقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٤٧٢٧ - (وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) بِضَمِّ هَمْزٍ وَفَتْحِ سِينٍ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيُّ الْأَنْصَارِيُّ سَبَقَ تَرْجَمَتُهُ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَاخْتَلَطَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْ مَحْذُوفٍ هُوَ الْمَقُولُ أَيْ يَقُولُ: كَيْتَ وَكَيْتَ فَاخْتَلَطَ (الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ لِلنِّسَاءِ) : فَالْفَاءُ فِي " فَاخْتَلَطَ " مُسَبَّبٌ عَنْ مَقُولِ يَقُولُ، وَفِي " فَقَالَ " عَنِ اخْتَلَطَ اهـ. وَقَوْلُهُ: (اسْتَأْخِرْنَ) : مِنْ بَابِ الِاسْتِفْعَالِ بِمَعْنَى التَّفَعُّلِ، فَالْمَعْنَى تَأَخَّرْنَ عَنْ وَسَطِ الطَّرِيقِ. وَأَبْعِدْنَ عَنْ حَاقِّهَا إِلَى حَافَتِهَا، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحَقُقْنَ الطَّرِيقَ) : بِضَمِّ الْقَافِ الْأُولَى أَيْ: تَذْهَبْنَ فِي حَاقِّ الطَّرِيقِ، وَالَحَاقُّ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ الْوَسَطُ. (عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ) . جَمْعُ حَافَةٍ بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ أَيْ: بِأَطْرَافِهَا وَجَوَانِبِهَا. وَفَى النِّهَايَةِ:
стр. 6523
الْحَافَةُ النَّاحِيَةُ وَعَيْنُهَا وَاوٌ بِدَلِيلِ تَصْغِيرِهَا عَلَى حُوَيْفَةٍ (فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ) أَيْ: بَعْدَ ذَلِكَ الْأَمْرِ (تَلْصَقُ) : بِفَتْحِ الصَّادِ، أَيْ: تَلْزَقُ (بِالْجِدَارِ) : وَتُبَالِغُ فِي لُصُوقِهَا (حَتَّى إِنَّ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ) : أَيْ أَحْيَانًا (بِالْجِدَارِ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") .
стр. 6524
٤٧٢٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَمْشِيَ - يَعْنِي الرَّجُلُ - بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٧٢٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَمْشِيَ - يَعْنِي الرَّجُلَ -) : تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ أَيْ: يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ بِفَاعِلِ يَمْشِي: الرَّجُلَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لَفْظَ الرَّجُلِ لَيْسَ مِنْ أَصْلِ الْحَدِيثِ، فَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ سَابِقِهِ وَلَاحِقِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَلَفَظُ الْجَامِعِ: «نَهَى أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ.
стр. 6525
٤٧٢٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: «كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَذُكِرَ حَدِيثَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي " بَابِ الْقِيَامِ ".
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي " بَابِ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَصِفَاتِهِ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
٤٧٢٩ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ ) أَيْ: مَجْلِسَهُ الشَّرِيفَ (جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي) . أَيْ: هُوَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَجْلِسِ أَوْ حَيْثُ يَنْتَهِي الْمَجْلِسُ إِلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ حُضَّارِهِ تَأَدُّبًا وَتَرْكًا لِلتَّكَلُّفِ، وَمُخَالَفَةً لِحَظِّ النَّفْسِ مِنْ طَلَبِ الْعُلُوِّ كَمَا هُوَ شَأْنُ أَرْبَابِ الْجَاهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ حَدِيثَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي " بَابِ الْقِيَامِ) : كَذَا فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، وَفِي أَصْلِ السَّيِّدِ: حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ، أَمَّا عَلَى الْأُصُولِ فَالْحَدِيثَانِ أَوَّلُهُمَا: لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ لَا تَجْلِسْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَإِنَّمَا قَالَ حَدِيثَا عَبْدِ اللَّهِ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ مَنْسُوبٌ فِيمَا سَبَقَ إِلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِجَدِّهِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا قَدَّمْنَا الْخِلَافَ فِيهِ، وَأَمَّا عَلَى نُسْخَةِ السَّيِّدِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَيْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي " بَابِ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَصِفَاتِهِ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) . فَالْأَوَّلُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ» ، وَالثَّانِي: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مَشْيِهِ.
стр. 6526
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٧٣٠ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: «مَرَّ بِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِي الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي. قَالَ: " أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ؟» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٧٣٠ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) تَابِعِيٌّ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: شَرِيدِ بْنِ السُّوَيْدِ الثَّقَفِيِّ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ وَهُوَ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا) : الْمُشَارُ إِلَيْهِ الْمُفَسَّرُ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِي الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي) أَيِ: الْيُمْنَى، وَالْأَلْيَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ اللَّحْمَةُ الَّتِي فِي أَصْلِ الْإِبْهَامِ.
стр. 6527
(فَقَالَ) أَيْ: مُنْكِرًا عَلَيَّ (أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ؟) الْقِعْدَةُ بِالْكَسْرِ لِلنَّوْعِ وَالْهَيْئَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَكْسَ فِعْلِهِ أَيْضًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِنْكَارُ، وَكَذَا وَضْعُ الْيَدَيْنِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ مُتَّكِئًا عَلَيْهِمَا مِنْ قِعْدَةِ الْمُتَكَبِّرِينَ، لَكِنْ فِي أَخْذِهِ مِنَ الْحَدِيثِ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمُرَادُ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمُ الْيَهُودُ، وَفِي التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ فَائِدَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْقِعْدَةَ مِمَّا يَبْغَضُهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْأُخْرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ مِمَّنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَ التَّشَبُّهَ بِمَنْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ اهـ. وَفِي كَوْنِ الْيَهُودِ هُمُ الْمُرَادَ مِنَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ هُنَا مَحَلُّ بِحْثٍ، وَتَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ هَذَا شِعَارَهُمْ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أَعَمُّ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ الْمُتَكَبِّرِينَ الْمُتَجَبِّرِينَ مِمَّنْ تَظْهَرُ آثَارُ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ عَلَيْهِمْ مِنْ قُعُودِهِمْ وَمَشْيِهِمْ وَنَحْوِهِمَا. نَعَمْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ: أَنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ هُمُ الْيَهُودُ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَهُ فِي أَوَّلِ شَرْحِ حِزْبِ الْفَتْحِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)
стр. 6528
٤٧٣١ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا مُضْطَجِعٌ عَلَى بَطْنِي فَرَكَضَنِي بِرِجْلِهِ وَقَالَ: " يَا جُنْدُبُ! إِنَّمَا هِيَ ضِجْعَةُ أَهْلِ النَّارِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٤٧٣١ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: مَرَّ بِي) أَيْ: عَلَيَّ (النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا مُضْطَجِعٌ عَلَى بَطْنِي) : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ مَمْدُودَ الرِّجْلِ عَلَى عَادَةِ أَجْلَافِ الْعَرَبِ (فَرَكَضَنِي بِرِجْلِهِ وَقَالَ: يَا جُنْدُبُ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالدَّالِ وَيُفْتَحُ اسْمُ أَبِي ذَرٍّ (إِنَّمَا هِيَ) أَيْ: رِقْدَتُكَ هَذِهِ (ضِجْعَةُ أَهْلِ النَّارِ) : بِكَسْرِ الضَّادِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذِهِ عَادَةُ الْكُفَّارِ أَوِ الْفُجَّارِ فِي هَذِهِ الدَّارِ، أَوْ هَذِهِ تَكُونُ ضِجْعَتَهُمْ حَالَ كَوْنِهِمْ فِي النَّارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . وَسَبَقَ حَدِيثَانِ فِي مَعْنَاهُ.
стр. 6529
[بَابُ الْعُطَاسِ وَالتَّثَاؤُبِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٧٣٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ "
ــ
[٦] بَابُ الْعُطَاسِ وَالتَّثَاؤُبِ
الْعُطَاسُ: بِضَمِّ الْعَيْنِ مِنَ الْعَطْسَةِ، وَالتَّثَاؤُبُ تَفَاعُلٌ مِنَ الثَّوْبَاءِ، وَهَى فَتْرَةٌ مِنْ ثِقَلِ النُّعَاسِ يَفْتَحُ لَهَا فَاهُ، وَمِنْهُ إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُغَطِّ فَاهُ، وَالْهَمْزَةُ بَعْدَ الْأَلْفِ هُوَ الصَّوَابُ وَالْوَاوُ غَلَطٌ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَكَذَا ذَكَرَ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ، وَفِي الْقَامُوسِ: تَثَاءَبَ أَصَابَهُ كَسَلٌ وَفَتْرَةٌ كَفَتْرَةِ النُّعَاسِ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْهُ إِلَّا فِي الْمَهْمُوزِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ تَثَاءَبَ بِالْمَدِّ، وَفِي أَكْثَرِهَا تَثَاؤُبَ بِالْوَاوِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، قَالَ ثَابِتٌ: لَا يُقَالُ تَثَاءَبَ بِالْمَدِّ مُخَفَّفًا، بَلْ تَثَأَّبَ بِتَشْدِيدِ الْهَمْزِ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَصْلُهُ مِنْ تَثَأَّبَ الرَّجُلُ بِالتَّشْدِيدِ إِذَا اسْتَرْخَى وَكَسِلَ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ تَثَاءَبَتْ بِالْمَدِّ مُخَفَّفًا عَلَى تَفَاعَلَتْ، وَلَا تَثَاوَبَتْ، وَالِاسْمُ مِنَ الثَّوْبَاءِ مَمْدُودَةٌ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٧٣٢ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ) : لِأَنَّهُ سَبَبُ خِفَّةِ الدِّمَاغِ وَصَفَاءِ الْقُوَى الْإِدْرَاكِيَّةِ، فَيَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى الطَّاعَةِ (وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ) : لِأَنَّهُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ عَنِ النَّشَاطِ فِي الطَّاعَةِ، وَيُوجِبُ الْغَفْلَةَ؛ وَلِذَا يَفْرَحُ بِهِ الشَّيْطَانُ، وَهُوَ الْمَعْنَى فِي ضَحِكِهِ الْآتِي، قَالَ الْقَاضِي: التَّثَاؤُبُ بِالْهَمْزِ التَّنَفُّسُ الَّذِي يُفْتَحُ عَنْهُ الْفَمُ، وَهُوَ إِنَّمَا يَنْشَأُ مِنَ الِامْتِلَاءِ وَثِقَلِ النَّفْسِ وَكُدُورَةِ الْحَوَاسِّ، وَيُورِثُ الْغَفْلَةَ وَالْكَسَلَ وَسُوءَ الْفَهْمِ؛ وَلِذَا كَرِهَهُ اللَّهُ وَأَحَبَّهُ الشَّيْطَانُ وَضَحِكَ مِنْهُ، وَالْعُطَاسُ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لِخِفَّةِ الدِّمَاغِ، وَاسْتِفْرَاغِ الْفَضَلَاتِ عَنْهُ، وَصَفَاءِ الرُّوحِ، وَتَقْوِيَةِ الْحَوَاسِّ كَانَ أَمْرُهُ بِالْعَكْسِ. (فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ
стр. 6530
نَصَّ عَلَيْهِ السُّيُوطِيُّ، وَجَوَّزَ كَسْرَهُ الْقَامُوسُ (وَحَمِدَ اللَّهَ) : قَالَ الْحَلِيمِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ أَنَّ الْعُطَاسَ يَدْفَعُ الْأَذَى مِنَ الدِّمَاغِ الَّذِي فِيهِ قُوَّةُ الْفِكْرِ، وَمِنْهُ يَنْشَأُ الْأَعْصَابُ الَّتِي هِيَ مَعْدِنُ الْحِسِّ وَبِسَلَامَتِهِ تَسْلَمُ الْأَعْصَابُ، فَهُوَ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يُنَاسِبُ أَنْ تُقَابَلَ بِالْحَمْدِ (كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) : فِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ التَّشْمِيتَ فَرْضُ عَيْنٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضٌ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الْحَدِيثَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، لَكِنْ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ لِدَلِيلٍ آخَرَ أَوْ بِالْقِيَاسِ عَلَى رَدِّ السَّلَامِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ سُنَّةٌ وَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى النَّدْبِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (سَمِعَهُ) : صِفَةٌ لِمُسْلِمٍ احْتِرَازًا مِنْ حَالِ عَدَمِ سَمَاعِهِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ السَّلَامِ وَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ مِنْ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ، وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَنَحْوِهَا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّحْمِيدِ حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ عِنْدَهُ وَيَسْتَحِقَّ التَّشْمِيتَ، وَقَوْلُهُ: (أَنْ يَقُولَ) : اسْمُ كَانَ أَيْ: يَرُدَّ كُلُّ مُسْلِمٍ سَامِعٍ (لَهُ) : أَيْ: لِلْعَاطِسِ الْحَامِدِ (يَرْحَمُكَ اللَّهُ) : فَهَذَا حُكْمُ الْعُطَاسِ (فَأَمَّا التَّثَاؤُبُ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ) أَيْ: مِمَّا يَفْرَحُ بِهِ، أَوْ يَبْعَثُ عَلَى الْبَاعِثِ الْجَاذِبِ إِلَيْهِ؛ فَلِذَا لَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: صَارَ الْعُطَاسُ مَحْمُودًا؛ لِأَنَّهُ يُعِينُ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَالتَّثَاؤُبُ مَذْمُومًا؛ لِأَنَّهُ يُثْنِيهِ وَيُصْرِفُهُ عَنِ الْخَيْرَاتِ، فَالْمَحَبَّةُ وَالْكَرَاهِيَةُ تَنْصَرِفُ إِلَى الْأَسْبَابِ الْجَالِبَةِ لَهَا، وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَى الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُزَيِّنُ لِلنَّفْسِ شَهْوَتَهَا، وَقِيلَ: مَا تَثَاءَبَ نَبِيٌّ قَطُّ. ( «فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ» ) أَيْ: يَكْظِمْ فَمَهُ (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ) أَيْ: وَفَتَحَ فَاهُ (ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) أَيْ: فَرَحًا بِذَلِكَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَوَافَقَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ) : الظَّاهِرُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا) : مَقْصُورًا أَيْ: إِذَا بَالَغَ فِي التَّثَاؤُبِ وَفَتْحِ الْفَمِ، وَقِيلَ: هُوَ حِكَايَةُ صَوْتِ الْمُتَثَائِبِ (ضَحِكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ، وَأَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مَعَ التَّثَاؤُبِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَلَا يَعْوِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَضْحَكُ مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَغَيْرِهِ: «إِذَا تَجَشَّأَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَطَسَ فَلَا يَرْفَعْ بِهِمَا الصَّوْتَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ بِهِمَا الصَّوْتُ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ كَفَّيْهِ عَلَى وَجْهِهِ وَلْيُخْفِضْ صَوْتَهُ» .
стр. 6531
٤٧٣٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤٧٣٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» ) : عَدَّهُ الشَّارِعُ نِعْمَةً، فَيُسَنُّ عَقِيبَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ (وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ) أَيْ: فِي الْإِسْلَامِ (- أَوْ صَاحِبُهُ -) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (يَرْحَمُكَ اللَّهُ) : قِيلَ: وَإِنَّمَا شُرِعَ التَّرَحُّمُ مِنْ جَانِبِ الْمُشَمِّتِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الرَّحْمَةِ حَيْثُ عَظَّمَ رَبَّهُ بِالْحَمْدِ عَلَى نِعْمَتِهِ وَعَرَفَ قَدْرَهَا. (فَإِنْ قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ) أَيِ: الْعَاطِسُ فِي جَوَابِهِ (يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) أَيْ: شَأْنَكُمْ وَحَالَكُمْ؛ لِأَنَّهُ إِذَا دَعَا لَهُ بِالرَّحْمَةِ شُرِعَ فِي حَقِّهِ دُعَاءٌ بِالْخَيْرِ لَهُ تَأْلِيفًا لِلْقُلُوبِ، وَلَفْظُ الْعُمُومِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَإِنَّ الْعَاطِسَ قَلَّمَا يَخْلُو عِنْدَ عُطَاسِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ، أَوْ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى تَعْظِيمِهِ وَاحْتِرَامِهِ فِي الدُّعَاءِ، أَوْ إِلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كُلِّهِمْ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 6532
٤٧٣٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الْآخَرَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! شَمَّتَّ هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتْنِي قَالَ: " إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَلَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٧٣٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا) : بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ. قَالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ أَبْعَدَكَ عَنِ الشَّمَاتَةِ، وَبِالْمُهْمَلَةِ مِنَ السَّمْتِ، وَهُوَ حُسْنُ الْقَصْدِ وَالْهَدْيِ (وَلَمْ يُشَمِّتِ الْآخَرَ. فَقَالَ الرَّجُلُ) أَيِ: الَّذِي لَمْ يُشَمَّتْ لَهُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! شَمَّتَّ) : بِتَشْدِيدَتَيْنِ (هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتْنِي) أَيْ: وَمَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ؟ (فَقَالَ: إِنَّ هَذَا) : وُضِعَ مَوْضِعَ ذَاكَ لِجَوَازِهِ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ حَاضِرًا. فَالْمَعْنَى: أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ (حَمِدَ اللَّهَ) أَيْ: فَأَجَبْتُهُ (وَلَمْ تَحْمِدِ اللَّهَ) أَيْ: أَنْتَ فَلَمْ تَسْتَحِقَّ التَّشْمِيتَ. قَالَ الْقَاضِي: تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَكَانَ أَصْلُهُ إِزَالَةُ الشَّمَاتَةِ فَاسْتُعْمِلَ لِلدُّعَاءِ بِالْخَيْرِ لِتَضَمُّنِهِ ذَلِكَ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْعَاطِسَ إِذَا لَمْ يَحْمِدِ اللَّهَ لَا يَسْتَحِقُّ التَّشْمِيتَ. قَالَ مَكْحُولٌ: كُنْتُ إِلَى جَنْبِ عُمَرَ فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ إِنْ كُنْتَ حَمِدْتَ اللَّهَ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَعْطِسُ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَقِيلَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا عَطَسْتَ فَحَمِدْتَ، وَلَيْسَ عِنْدَكَ أَحَدٌ قُلْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ، فَإِنَّهُ يُشَمِّتُكَ مَنْ سَمِعَكَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6533
٤٧٣٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٧٣٥ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
стр. 6534
٤٧٣٦ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّهُ «سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: " يَرْحَمُكَ اللَّهُ " ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى، فَقَالَ: " الرَّجُلُ مَزْكُومٌ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ: " إِنَّهُ مَزْكُومٌ ".
ــ
٤٧٣٦ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَهُ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ سَمِعَ (فَقَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: يَقُولُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ حَالٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . الْكَشَّافُ فِي قَوْلِهِ تَعَالِي: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي﴾ [آل عمران: ١٩٣] ، تَقُولُ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَتَكَلَّمُ، فَتُوقِعُ الْفِعْلَ عَلَيْهِ وَتَحْذِفُ الْمَسْمُوعَ وَتَجْعَلُهُ حَالًا مِنْهُ، فَأَغْنَاكَ عَنْ ذِكْرِهِ، فَإِذَا مُقْتَضَى الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ شَمَّتَهُ فَقَالَ: فَلَا إِشْكَالَ حِينَئِذٍ. (ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى) أَيْ: مَرَّةً أُخْرَى (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (الرَّجُلُ مَزْكُومٌ) أَيْ: مَرِيضٌ، فَرُبَّمَا يَكْثُرُ تَعَطُّسُهُ وَحَمْدُهُ، وَفِي الْجَوَابِ كُلَّ مَرَّةٍ حَرَجٌ لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَمِ تَجْوِيزِ التَّدَاخُلِ فِي الْمَجْلِسِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرْتُهُ مَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا " فَمَا زَادَ أَيْ: عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، فَإِنْ شِئْتَ فَشَمِّتْهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا "؛ حَيْثُ صَرَّحَ بِالتَّخْيِيرِ، فَقَوْلُ النَّوَوِيِّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْعَى لَهُ، لَكِنْ غَيْرُ دُعَائِهِ لِلْعَاطِسِ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، إِذْ حَاصِلُ الْحَدِيثِ أَنَّ التَّشْمِيتَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، وَمَا زَادَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ السُّكُوتِ وَهُوَ رُخْصَةٌ، وَبَيْنَ التَّشْمِيتِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (قَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ) أَيْ: فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ فِي الثَّالِثِ، أَيْ: فِي الْعُطَاسِ الثَّالِثِ (إِنَّهُ) أَيِ: الرَّجُلُ (مَزْكُومٌ) : كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ عَنِ التِّرْمِذِيِّ: أَنْتَ مَزْكُومٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يَعْنِي أَنْتَ لَسَتْ مِمَّنْ يُشَمَّتُ بَعْدَ هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي بِكَ مَرَضٌ، وَيُوَافِقُهُ فِي التَّثْلِيثِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيُشَمِّتْهُ جَلِيسُهُ فَإِنْ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ فَهُوَ مَزْكُومٌ» " وَلَا يُشَمَّتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَيْ: لَا يَجِبُ تَشْمِيتُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِمَا سَبَقَ.
стр. 6535
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ مَرِيضًا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُدْعَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالدُّعَاءِ مِنْ غَيْرِهِ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْعَى لَهُ، لَكِنْ غَيْرُ دُعَائِهِ لِلْعَاطِسِ، بَلْ دُعَاءُ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ بِالْعَافِيَةِ وَالسَّلَامَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّشْمِيتِ. قُلْتُ: بَلْ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِيُعْرَفَ أَنَّ التَّشْمِيتَ مَتَى يَجِبُ وَمَتَى لَمْ يَجِبْ، فَلَوْ دَعَا لَهُ بِالْعَافِيَةِ وَالسَّلَامَةِ وَنَحْوِهِمَا، رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ أَنَّ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ يُدْعَى لَهُ بِالسَّلَامَةِ وَنَحْوِهَا، فَيُدْخُلُ تَحْتَ الْوُجُوبِ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالصِّحَّةِ فَمِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ الْمَعْلُومَةِ، مَعَ أَنَّ الزُّكَامَ مَحْمُودٌ يُخْرِجُ كَثِيرًا مِنَ الْأَسْقَامِ.
стр. 6536
٤٧٣٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فَمِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٧٣٧ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِ (بِيَدِهِ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، فَفِي الْقَامُوسِ مَسَكَ بِهِ وَأَمْسَكَ وَتَمَسَّكَ وَتَمَاسَكَ وَاسْتَمْسَكَ: احْتَبَسَ وَاعْتَصَمَ بِهِ، وَفِي الْمُغْرِبِ: أَمْسَكَ بِالشَّيْءِ وَتَمَسَّكَ بِهِ وَاسْتَمْسَكَ اعْتَصَمَ بِهِ (عَلَى فَمِهِ) أَيْ: وَاضِعًا عَلَيْهِ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الدُّخُولُ حَقِيقَةً، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ يَجْرِي مَجْرَى الدَّمِ مِنَ الْإِنْسَانِ، لَكِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ مَا دَامَ مُنْتَبِهًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّمَكُّنُ مِنْهُ بِالْوَسْوَسَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَسَبَقَ رِوَايَاتٍ أُخْرَى فِي هَذَا الْمَعْنَى.
стр. 6537
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٧٣٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، وَغَضَّ بِهَا صَوْتَهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٧٣٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ أَوْ ثَوْبِهِ) : لِئَلَّا يَظْهَرَ تَشْوِيهُ صُورَةٍ أَوْ تَنْزِيلُ فَضْلَةٍ (وَغَضَّ) أَيْ: خَفَضَ أَوْ نَقَصَ بِهَا، أَيْ: بِالْعَطْسَةِ أَوْ بِالتَّغْطِيَةِ (صَوْتَهُ) : وَالْمَعْنَى لَمْ يَرْفَعْهُ بِصَيْحَةٍ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِصَوْتِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا نَوْعُ أَدَبٍ بَيْنَ الْجُلَسَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَاطِسَ لَا يَأْمَنْ عِنْدَ الْعُطَاسِ مِمَّا يَكْرَهُهُ الرَّاءُونَ مِنْ فَضَلَاتِ الدِّمَاغِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَنَّهُ « ﷺ كَانَ إِذَا عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ فَيُقَالُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَيَقُولُ: يَهْدِيكُمْ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» .
стр. 6538
٤٧٣٩ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلْيَقُلِ الَّذِي يَرُدُّ عَلَيْهِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ هُوَ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٤٧٣٩ - (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» ) أَيْ: تَصْرِيحًا بِالْإِجْمَالِ، فَالزِّيَادَةُ مِنْ بَابِ الْإِكْمَالِ (وَلْيَقُلْ) أَيْ: وُجُوبًا عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ (الَّذِي يَرُدُّ عَلَيْهِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ) : خَبَرٌ مَعْنَاهُ الدُّعَاءُ (وَلْيَقُلْ) أَيْ: نَدْبًا (هُوَ) أَيِ: الْعَاطِسُ (يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) : الْبَالُ الْقَلْبُ، يَقُولُ: فُلَانٌ مَا يَخْطُرُ بِبَالِي، أَيْ: قَلْبِي، وَالْبَالُ رَخَاءُ الْعَيْشِ. يُقَالُ: فُلَانٌ رَخِيُّ الْبَالِ، أَيْ: وَاسِعُ الْعَيْشِ، وَالْبَالُ الْحَالُ، يَقُولُ: مَا بَالُكَ؟ أَيْ: حَالُكَ. وَالْبَالُ فِي الْحَدِيثِ يَحْتَمِلُ الْمَعَانِيَ الثَّلَاثَةَ، وَالْأَوْلَى أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْمَعْنَى الثَّالِثِ أَنْسَبُ لِعُمُومِهِ الْمَعْنَيَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَيْضًا، كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، فَإِنَّهُ إِذَا صَلَحَ الْقَلْبُ صَلَحَ الْحَالُ، هَذَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَيَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْعَاطِسِ أَنْ يَقُولَ عَقِيبَ عُطَاسِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَلَوْ زَادَ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَانَ أَحْسَنَ، فَلَوْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَانَ أَفْضَلَ. قُلْتُ: وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا: «مَنْ قَالَ عِنْدَ كُلِّ عَطْسَةٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا كَانَ لَمْ يَجِدْ وَجَعَ ضِرْسٍ وَلَا أُذُنٍ أَبَدًا» . قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هَذَا مَوْقُوفٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، أَيْ: فَلَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ.
стр. 6539
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ لِلسَّامِعِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَوْ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، أَوْ رَحِمَكَ اللَّهُ، أَوْ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، وَلِلْعَاطِسِ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ، أَوْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، قُلْتُ: أَوْ يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ، كَمَا جَاءَ فِي أَحَادِيثَ بَيَّنَهَا الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ، ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَوْلُ السَّامِعِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَلَوْ قَالَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ أَجْزَأَ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي التَّشْمِيتِ اخْتِلَافٌ فِي أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : " حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ " جَعَلَهُ سُنَّةً. قُلْتُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِمَّا فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةُ كِفَايَةٍ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَرْبَابِ الدِّرَايَةِ مِنْ أَصْحَابِ الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ، وَأَمَّا نَقْلُ قَوْلِهِ ﷺ : " حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ " فَلَيْسَ فِيهِ لَفْظُ (حَقُّ) كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيثَيْنِ مِنْ بَابِ السَّلَامِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، بَلْ لَفْظُهُ: لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ هُوَ مَا عُرِفَ فِي الشَّرْعِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلْيُقَلْ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ هُوَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَشْجَعِيِّ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَإِذَا قَالَ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَحِمَكَ اللَّهُ.
стр. 6540
٤٧٤٠ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ:. «كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: " يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٧٤٠ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ) أَيْ: يَطْلُبُونَ الْعَطْسَةَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ) أَيْ: يَتَمَنَّوْنَ بِهَذَا السَّبَبِ (أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَيَقُولُ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ عِنْدَ عُطَاسِهِمْ وَحَمْدِهِمْ (يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) : وَلَا يَقُولُ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، لِأَنَّ الرَّحْمَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ، بَلْ يَدْعُو لَهُمْ بِمَا يُصْلِحُ بِالْهَمْ مِنَ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ لِلْإِيمَانِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، لَكِنْ مَنْعَهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ إِمَّا التَّقْلِيدُ، وَإِمَّا حُبُّ الرِّيَاسَةِ، وَعَرَفُوا أَنَّ ذَلِكَ مَذْمُومٌ، فَتَحَرَّوْا أَنْ يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَيُزِيلَ عَنْهُمْ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ ﵇ اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْجُونَ دُعَاءَهُ بِالرَّحْمَةِ لَا بِالْهِدَايَةِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَإِلَّا فَدُعَاؤُهُ بِالْهِدَايَةِ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ قَدْ وَقَعَ فِي قَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» ، وَلَكِنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ، فَفِي الْجُمْلَةِ دَعْوَتُهُ مُسْتَجَابَةٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6541
٤٧٤١ - وَعَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ، فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ: وَعَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ. فَكَأَنَّ الرَّجُلَ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَقُلْ إِلَّا مَا «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ، إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٧٤١ - (وَعَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ) : بِكَسْرِ الْيَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ نُسْخَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، فَفِي الْقَامُوسِ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ بِالْكَسْرِ وَقَدْ يُفْتَحُ، تَابِعِيٌّ كُوفِيٌّ اهـ. أَوِ الْيَاءُ أَصْلِيَّةٌ فَيَتَعَيَّنُ الصَّرْفُ، وَفِي الْمُغْنِي بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ، أَوْ هُوَ بِفَتْحِ يَاءٍ وَكَسْرِهَا وَبِكَسْرِ هَمْزَةٍ مَكَانَ يَاءٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مَوْلَى أَشْجَعَ، أَدْرَكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَرَوَى عَنْ مُسْلِمِ بْنِ قَيْسٍ، وَسَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: كُنَّا مَعَ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَشْجَعِيٌّ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَعِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، رَوَى عَنْهُ هِلَالُ بْنُ يِسَافٍ وَغَيْرُهُ. (فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) : ظَنًّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بَدَلَ الْحَمْدِ لِلَّهِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ،
стр. 6542
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ سَبْقِ اللِّسَانِ، كَمَا قَدْ يُشَاهَدُ مِنْ غَيْرِهِ، لَكِنْ يُرَجَّحُ الْأَوَّلُ حَيْثُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ (فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ: وَعَلَيْكَ) : بِالْوَاوِ (وَعَلَى أُمِّكَ) : نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى حَمَاقَتِهَا؛ حَيْثُ سَرَى فِيهِ مِنْ صِفَاتِهَا، فَافْتَقَرَ إِلَى الدُّعَاءِ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْآفَاتِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِنِسْبَةِ الْحَمَاقَةِ إِلَى ذَاتِهَا الْغَائِبَةِ، وَلِسَرَيَانِ صِفَاتِهَا إِلَى وَلَدِهَا، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا، بَلْ إِنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ لَهُمَا بِالسَّلَامَةِ، لَكِنْ عَلَى طِبْقِ كَلَامِهِ؛ حَيْثُ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَوْقِعِهِ، نَعَمْ قَدْ يُقَالُ الْأَوْجَهُ فِي وَجْهِ تَخْصِيصِ الْأُمِّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ تَرْبِيَتِهَا إِيَّاهُ دُونَ أَبِيهِ، فَإِنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ، وَلَمْ يَعْرِفْنَ تَفْصِيلَ الْآدَابِ بِخِلَافِ الْآبَاءِ، فَإِنَّهُمْ لِمُعَاشَرَةِ الْعُلَمَاءِ يَعْرِفُونَ غَالِبًا مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (فَكَأَنَّ الرَّجُلَ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ (وَجَدَ) أَيِ: الْكَرَاهَةَ أَوِ الْخَجَالَةَ أَوِ الْحُزْنَ لِمَا قَالَ سَالِمٌ (فِي نَفْسِهِ) : لَكِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ آثَارِهِ، وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ: غَضِبَ أَوْ حَزِنَ مِنَ الْمَوْجِدَةِ، وَهُوَ الْغَضَبُ أَوِ الْوَجْدُ، وَهُوَ الْحُزْنُ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَجَدَ عَلَيْهِ فِي الْغَضَبِ مَوْجِدَةً وَوُجْدَانًا أَيْضًا، وَوَجَدَ فِي الْحُزْنِ وَجْدًا بِالْفَتْحِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِذَا حُمِلَ عَلَى الْغَضَبِ قِيلَ: وَجَدَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ أَيْ: لَمْ يُظْهِرِ الْغَضَبَ وَكَظَمَ الْغَيْظَ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْحُزْنِ قِيلَ أَيْ: أَوْقَعَ الْحُزْنَ فِي نَفْسِهِ (فَقَالَ) أَيْ: سَالِمٌ (أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنِّي لَمْ أَقُلْ إِلَّا مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ: فَأَنَا مُتَّبِعٌ لَا مُبْتَدِعٌ (إِذْ «عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَيْكَ» ) : بِلَا وَاوٍ (وَعَلَى أُمِّكَ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: نَبَّهَ بِقَوْلِهِ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ عَلَى بَلَاهَتِهِ وَبَلَاهَةِ أُمِّهِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ مُحَمَّقَةً، فَصَارَا مُفْتَقِرَيْنِ إِلَى السَّلَامِ فَيَسْلَمَانِ بِهِ مِنَ الْآفَاتِ اهـ. وَفِيهِ مَعَ مَا سَبَقَ أَنَّ تَقْدِيرَ السَّلَامِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ فِي الْمَقَامِ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ الْمَلَامُ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ التَّعَلُّمِ وَالْإِعْلَامِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ رَدَّ السَّلَامِ، بَلِ الْقَصْدُ زَجْرُهُ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ الْوَاقِعِ فِي غَيْرِ الْمَرَامِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: إِذَا قَالَ الْعَاطِسُ لَفْظًا آخَرَ غَيْرَ الْحَمْدِ لِلَّهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ التَّشْمِيتَ. قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ كَذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْجَوَابَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ سَلَامُهُ فِي غَيْرِ صَوْبِ الصَّوَابِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا زَجَرَهُ وَمَزَجَ مِنْ كَلَامِهِ الْحَقِّ بِطِيبِ حَلَاوَةِ مَزْجِهِ الصِّدْقَ، نَصَحَ وَأَفَادَ وَعَمَّ الْعِبَادَ. (فَقَالَ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ) أَيِ: اسْتِحْبَابًا (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أَيْ: مَثَلًا (وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ) أَيْ: وُجُوبًا (يَرْحَمُكَ اللَّهُ) أَيْ: مَثَلًا (وَلْيَقُلْ) أَيِ: الْعَاطِسُ نَدْبًا (يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ) أَيْ: مَثَلًا، وَقَالَ: الْأَوْلَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6543
٤٧٤٢ - وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «شَمِّتِ الْعَاطِسَ ثَلَاثًا فَإِنْ زَادَ فَشَمِّتْهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤٧٤٢ - (وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ - يُكْنَى أَبَا مُعَاذٍ - الزُّرَقِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ، مَاتَ فِي أَوَّلِ وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عُبَيْدٌ وَمُعَاذٌ وَابْنُ أَخِيهِ يَحْيَى بْنُ خَلَّادٍ اهـ. وَأَمَّا ابْنُهُ فَتَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ، فَالْحَدِيثُ إِمَّا مُرْسَلٌ، وَإِمَّا سَقَطَ مِنْ صَدْرِ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: عَنْ أَبِيهِ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: شَمِّتِ الْعَاطِسَ) أَيِ: الْحَامِدَ (ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ (فَمَا زَادَ) أَيْ: عَطْسُهُ عَنِ الثَّلَاثِ (فَإِنْ شِئْتَ فَشَمِّتْهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 6544
٤٧٤٣ - وَعَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " «شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ زُكَامٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُهُ. إِلَّا أَنَّهُ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
ــ
٤٧٤٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أَيْ: مَوْقُوفًا (قَالَ: " شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا، فَإِنْ زَادَ) : وَفِي نُسْخَةٍ فَمَا زَادَ (فَهُوَ) أَيِ: الْعَاطِسُ (زُكَامٌ) أَيْ: مِنْ أَثَرِهِ وَعَلَامَتِهِ، أَوْ صَاحِبُهُ ذُو زُكَامٍ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ أَنَّهُ مَزْكُومٌ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ) أَيْ: أَبُو دَاوُدَ حَاكِيًا عَمَّنْ يَرْوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ قَالَ
стр. 6545
أَبُو دَاوُدَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ: (لَا أَعْلَمُهُ) : الضَّمِيرُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ (إِلَّا أَنَّهُ) أَيْ: أَبَا هُرَيْرَةَ (رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) : هَذَا الْقَوْلُ إِنْ صَدَرَ مِمَّنْ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَمَعْنَاهُ أَعْلَمُ رَفْعَهُ، لَكِنْ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لَا أَظُنُّ إِلَّا أَنَّهُ، وَلَكِنِّي مَا أَدْرِي بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مَنْ سَمِعْتُ، أَوْ قَالَ وَنَحْوَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ، مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الْمَوْقُوفَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ مَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 6546
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٧٤٤ - عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأَنَا أَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَلَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٧٤٤ - (عَنْ نَافِعٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ) أَيْ: مُنْتَهِيًا جُلُوسًا إِلَى جَنْبِهِ (فَقَالَ) أَيِ: الْعَاطِسُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَهْلِهِ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ زِيَادَةُ السَّلَامِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَذْكَارِ أَوْ جَزَاءً لِتَعْلِيمِنَا آدَابَ الْأَبْرَارِ، أَوْ قِيَاسًا عَلَى زِيَادَةِ ذِكْرِهِ بَعْدَ الْحَمْدَلَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ كَابْتِدَاءِ الْخُطْبَةِ، وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِمَا. لَكِنْ لَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ مَعَ الْفَارِقِ (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأَنَا أَقُولُ) أَيْ: كَمَا تَقُولُ أَيْضًا (الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ) : لِأَنَّهُمَا ذِكْرَانِ شَرِيفَانِ، كُلُّ أَحَدٍ مَأْمُورٌ بِهِمَا، لَكِنْ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلَيْسَ هَكَذَا) أَيْ: لَيْسَ الْأَدَبُ الْمَأْمُورُ الْمَنْدُوبُ هَكَذَا بِأَنْ يَضُمَّ السَّلَامَ مَعَ الْحَمْدِ عِنْدَ الْعَطْسَةِ، بَلِ الْأَدَبُ مُتَابَعَةُ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ نُقْصَانٍ مِنْ تِلْقَاءِ النَّفْسِ إِلَّا بِقِيَاسٍ جَلِيٍّ (عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) : فَالزِّيَادَةُ الْمَطْلُوبَةُ إِنَّمَا هِيَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَمْدَلَةِ سَوَاءٌ وَرَدَ أَوْ لَا. وَأَمَّا زِيَادَةُ ذِكْرٍ آخَرَ بِطَرِيقِ الضَّمِّ إِلَيْهِ، فَغَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ؛ لِأَنَّ مَنْ سَمِعَ رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَأْمُورَاتِ، ثُمَّ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: عَلَى كُلِّ حَالٍ، بِقَوْلِهِ: نَقُولُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ ﷺ عَلَّمَنَا قَوْلَ الْحَمْدِ لِلَّهِ عِنْدَ الْعَطْسَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ فِي الْأَفْعَالِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَلَيْسَ هَكَذَا أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْعَاطِسِ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، كَمَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﵇، وَقَوْلُهُ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَأْنَفٌ دَالٌّ عَلَى الْمُقَدَّرِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ إِلَى مَا هُوَ أَحَقُّ وَأَحْرَى عَلَى طُرُقِ إِرْخَاءِ الْعِنَانِ وَالتَّسَاهُلِ وَالِاجْتِنَابِ عَنِ التَّخَشُّنِ، خِلَافًا لِقَوْلِ سَالِمٍ: عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ كَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ. قُلْتُ: هَذَا جُرْأَةٌ عَظِيمَةٌ وَغَلْطَةٌ جَسِيمَةٌ فِي نِسْبَةِ التَّخَشُّنِ إِلَى صَاحِبِ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّ قَوْلَ سَالِمٍ عَيْنُ قَوْلِهِ ﷺ ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِذَارِ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِرَاضِ ذَنْبٌ آخَرُ أَعْظَمُ مِنْهُ؛ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ هِلَالٍ: إِذَا عَطَسَ الرَّجُلُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ الْعَاطِسُ وَسَمَّى أُمَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْفَظَاظَةِ وَهُوَ جَدِيرٌ بِالرِّفْقِ؟ قُلْتُ: لَعَلَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ مِرَارًا التَّشْمِيتَ، وَعَدَلَ مِنْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلِهَذَا زَجَرَهُ، وَمَا كَانَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ ابْتِدَاءُ تَعْلِيمٍ وَإِرْشَادٍ، فَأَقُولُ لَيْتَهُ كَانَ تَفَضَّضَ جَمِيعَ أَسْنَانِهِ وَأَقْلَامَ بَنَانِهِ، وَلَمْ يُنْسِبْ فِي تَقْرِيرِهِ وَتَحْرِيرِهِ، بَلْ لَمْ يَخْطُرْ فِي خَاطِرِهِ وَضَمِيرِهِ إِسْنَادُ الْفَظَاظَةِ إِلَيْهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، فَإِنَّهُ كُفْرٌ صَرِيحٌ مَا عَنْهُ عُذْرٌ صَحِيحٌ، إِذْ أَثْبَتَ لَهُ مَا نَزَّهَهُ عَنْهُ، ثُمَّ مِنْ أَيْنَ لَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ بِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ مِرَارًا، وَمَا كَانَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ ابْتِدَاءٌ مَعَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَلَا فِي كُتُبِ سِيَرِ الْأَصْحَابِ مَنْقُولٌ أَنَّهُ ﷺ نَهَى بَعْضَ أَصْحَابِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِرَارًا عَنْ مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ عَدَلَ مِنْهُ إِلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَاحْتَاجَ إِلَى زَجْرِهِ بِالْعُدُولِ عَنْ رِفْقِهِ اللَّائِقِ بِهِ، وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ بَيَّنَّا لَطَافَةَ كَلَامِهِ فِي تَعْلِيمِ سَلَامِهِ بِمَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ، وَصَرَّحْنَا وَأَشَرْنَا إِلَيْهِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ عَنْ بُلُوغِ فَهْمِ كَلَامِهِ ﷺ وَشَرُفَ وَكَرُمَ وَعَظُمَ، عَلَى أَنَّ فَرْقًا ظَاهِرًا بَيْنَ صَاحِبِ ابْنِ عُمَرَ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ ﷺ ؛ حَيْثُ إِنَّ الْأَوَّلَ وَضَعَ السَّلَامَ الْمُتَعَارَفَ عِنْدَ اللِّقَاءِ مَكَانَ حَمْدِ اللَّهِ حَالَ الْعُطَاسِ، وَالثَّانِي زَادَ السَّلَامَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ
) .
стр. 6547
[بَابُ الضَّحِكِ]
стр. 6548
(٧) بَابُ الضَّحِكِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٧٤٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَبْتَسِمُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[٧] بَابُ الضَّحِكِ
هُوَ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فِي الْأُصُولِ، وَفِي الْقَامُوسِ: ضَحِكَ ضَحِكًا بِالْفَتْحِ وَبِالْكَسْرِ وَبِكَسْرَتَيْنِ كَكِتِفٍ، هَذَا وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالضَّحِكِ الْمَعْنَى الْأَعَمَّ الشَّامِلَ لِلتَّبَسُّمِ، وَإِلَّا فَكَانَ أَكْثَرُ ضَحِكِهِ ﷺ تَبَسُّمًا، أَوْ أَرَادَ بِالضَّحِكِ مِنْ حَيْثُ هُوَ اسْتِدْلَالًا عَلَى جَوَازِهِ بِوُقُوعِهِ مِنْهُ ﷺ وَمِنْ أَصْحَابِهِ ﵃، وَأَمَّا مَا نَقَلَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ، وَالْكَبِيرَةُ الضَّحِكُ، فَمَحْمُولٌ عَلَى سُخْرِيَةِ الْكُفَّارِ بِالْمُؤْمِنِينَ، أَوْ جَهَلَةِ الْفُجَّارِ بِالْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٧٤٥ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا) أَيْ: مَا أَبْصَرْتُهُ حَالَ كَوْنِهِ مُسْتَجْمِعًا مِنْ جِهَةِ الضَّحِكِ، فَقَوْلُهُ: ضَاحِكًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ دَرُّهُ فَارِسًا، وَالْمَعْنَى: مَا رَأَيْتُهُ يَضْحَكُ تَامًّا مُقْبِلًا بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى الضَّحِكِ (حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْهَاءِ جَمْعُ اللَّهَاةِ، وَهِيَ اللَّحَمَاتُ فِي سَقْفِ أَقْصَى الْفَمِ مُشْرِفَةً عَلَى الْحَلْقِ (إِنَّمَا كَانَ يَبْتَسِمُ) أَيْ: غَالِبًا، وَقَدْ يَضْحَكُ، لَكِنْ لَا يَصِلُ إِلَى الْحَدِّ الْمَذْكُورِ، وَالْإِعْرَابُ السَّابِقُ زُبْدَةُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ، وَمَالَ ابْنُ الْمَلَكِ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ضَاحِكًا حَالٌ أَيْ: مَا رَأَيْتُهُ مُسْتَجْمِعًا لِضَحِكِهِ فِي حَالِ ضَحِكِهِ، أَيْ: لَمْ أَرَهُ يَضْحَكُ ضَحِكًا تَامًّا ضَاحِكًا بِجَمِيعِ فَمِهِ اهـ. وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ شَارِحٍ سَبَقَهُ، وَقَالَ: فَكَأَنَّهَا قَالَتْ مُسْتَجْمِعًا ضَحِكًا، وَفِي الْمِصْبَاحِ: اسْتَجْمَعَتْ شَرَائِطُ الْإِمَامَةِ وَاجْتَمَعَتْ بِمَعْنَى حَصَلَتْ، فَالْفِعْلَانِ عَلَى اللُّزُومِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ. وَفِي الْمُغْرِبِ: اسْتَجْمَعَ السَّيْلُ اجْتَمَعَ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ، وَاسْتَجْمَعَتْ لِلْمَرْءِ أُمُورُهُ اجْتَمَعَ لَهُ مَا يُحِبُّهُ وَهُوَ لَازِمٌ، كَمَا تَرَى. وَقَوْلُهُ: اسْتَجْمَعَ الْفَرَسُ جَرْيًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: مُسْتَجْمِعًا شَرَائِطَ الْجُمُعَةِ فَلَيْسَ يَثْبُتُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا» . جَعَلَ التَّبَسُّمَ مِنَ الضَّحِكِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّ التَّبَسُّمَ مِنَ الضَّحِكِ بِمَنْزِلَةِ السِّنَةِ مِنَ النَّوْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ [النمل: ١٩] ، أَيْ: شَارِعًا فِي الضَّحِكِ.
стр. 6549
٤٧٤٦ - وَعَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: «مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٧٤٦ - (وَعَنْ جَرِيرٍ) أَيِ: ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ (قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ: مَا مَنَعَنِي مِنْ مُجَالَسَتِهِ الْخَاصَّةِ أَوْ مِنْ بَيْتِهِ؛ حَيْثُ يُمْكِنُ الدُّخُولُ عَلَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنِّي لَمْ أَحْتَجْ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا مَنَعَنِي مِنْ مُلْتَمَسَاتِي عَنْهُ، بَلْ أَعْطَانِي مَا طَلَبْتُهُ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ. (مُنْذُ أَسْلَمْتُ) : وَقَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا (وَلَا رَآنِي) أَيْ: مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِذِ الْحَذْفُ مِنَ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ كَثِيرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْهُ بِلَفْظِ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا رَآنِي مُنْذُ أَسْلَمْتُ، فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنَ الْفِعْلَيْنِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: (إِلَّا تَبَسَّمَ) : مُرْتَبِطٌ بِالْفِعْلِ الثَّانِي، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: إِلَّا ضَحِكَ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّبَسُّمُ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ مَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ ﷺ وَلَعَلَّ مَنْشَأَ كَثْرَةِ انْبِسَاطِهِ ﵇ مَعَهُ أَنَّهُ ﵁ كَانَ مِنْ مَظَاهِرِ الْجَمَالِ؛ وَلِذَا قَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ جَرِيرًا يُوسُفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6550
٤٧٤٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ ﷺ » -. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ.
ــ
٤٧٤٧ - (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ) أَيِ: الصُّبْحَ (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) أَيْ: طُلُوعًا حَسَنًا كَمَا سَبَقَ (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ) أَيْ: لِصَلَاةِ الْإِشْرَاقِ، وَهُوَ مَبْدَأُ صَلَاةِ الضُّحَى، أَوْ مَعْنَاهُ قَامَ لِلِانْصِرَافِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَمُلَازَمَتِهِ مَجْلِسَهَا مَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَكَانَ السَّلَفُ يُوَاظِبُونَ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ، وَيَقْتَصِرُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. (وَكَانُوا) أَيْ: أَصْحَابُهُ (يَتَحَدَّثُونَ) أَيْ: فِيمَا بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، أَوْ فِي غَيْرِهِ أَوْ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ (فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ: عَلَى سَبِيلِ الْمَذَمَّةِ، أَوْ بِطَرِيقِ الْحِكَايَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ فَائِدَةٍ وَغَيْرِهِ، مِنْ جُمْلَتِهِ أَنَّهُ قَالَ وَاحِدٌ: مَا نَفَعَ أَحَدًا صَنَمُهُ مِثْلَ مَا نَفَعَنِي. قَالُوا: كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ: صَنَعْتُهُ مِنَ الْحَيْسِ، فَجَاءَ الْقَحْطُ، فَكُنْتُ آكُلُهُ يَوْمًا فَيَوْمًا، وَقَالَ آخَرُ: رَأَيْتُ ثَعْلَبَيْنِ جَاءَا وَصَعِدَا فَوْقَ رَأْسِ صَنَمٍ لِي وَبَالَا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: أَرَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبَانِ بِرَأْسِهِ
فَجِئْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَسْلَمْتُ. (فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ) أَيْ: يَقْرَءُونَهُ، أَوْ يَطْلُبُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ قِرَاءَتَهُ. فِي الشَّمَائِلِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: جَالَسْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ، وَيَتَذَاكَرُونَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ سَاكِتٌ، وَرُبَّمَا يَتَبَسَّمُ مَعَهُمْ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ فِي مَجْلِسِهِ الشَّرِيفِ لَا يُتَنَاشَدُ إِلَّا الشِّعْرُ الْمُنِيفُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَقَدْ كَانَ ﷺ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ، يَقُولُ:
سَتُبْدِي لَكَ الْأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلًا ... وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوَّدِ
وَقَدْ قَالَ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقِ: " «إِنَّ أَصْدَقَ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ ... وَكُلُّ نُعَيْمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ
»
أَيْ: مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: نَعِيمُكَ فِي الدُّنْيَا غُرُورٌ وَحَسْرَةٌوَعَيْشُكَ فِي الدُّنْيَا مُحَالٌ وَبَاطِلُ
هَذَا وَمِنْ لَطَائِفِ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ قَرَأَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حِزْبَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَنْشَدَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ شِعْرًا، فَحَصَلَ لَهُ بُكَاءٌ وَتَوَاجُدٌ، فَلَمَّا سَكَنَ قَالَ: أَتَلُومُونَ النَّاسَ يَقُولُ فُلَانٌ مُلْحِدٌ أَوْ زِنْدِيقٌ؟ قَرَأْتُ كَذَا مِنَ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَخْرُجْ لِي دَمْعَةٌ، فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الشِّعْرَ كِدْتُ أَنْ أَتَجَنَّنَ. أَقُولُ: هَذَا فَتْحُ بَابٍ لِلسَّمَاعِ، وَيَنْجَرُّ إِلَى مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ النِّزَاعِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ حَالَيِ الشَّيْخِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ فِي الْكَلَامِ، فَأَعْرَضْنَا عَنْهُ شُرُوعًا فِي الْأَهَمِّ مِنْهُ مِنَ الْمَرَامِ.
следующие страницы →