Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.
стр. 6546
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٧٤٤ - عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأَنَا أَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَلَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٧٤٤ - (عَنْ نَافِعٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ) أَيْ: مُنْتَهِيًا جُلُوسًا إِلَى جَنْبِهِ (فَقَالَ) أَيِ: الْعَاطِسُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَهْلِهِ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ زِيَادَةُ السَّلَامِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَذْكَارِ أَوْ جَزَاءً لِتَعْلِيمِنَا آدَابَ الْأَبْرَارِ، أَوْ قِيَاسًا عَلَى زِيَادَةِ ذِكْرِهِ بَعْدَ الْحَمْدَلَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ كَابْتِدَاءِ الْخُطْبَةِ، وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِمَا. لَكِنْ لَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ مَعَ الْفَارِقِ (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأَنَا أَقُولُ) أَيْ: كَمَا تَقُولُ أَيْضًا (الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ) : لِأَنَّهُمَا ذِكْرَانِ شَرِيفَانِ، كُلُّ أَحَدٍ مَأْمُورٌ بِهِمَا، لَكِنْ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلَيْسَ هَكَذَا) أَيْ: لَيْسَ الْأَدَبُ الْمَأْمُورُ الْمَنْدُوبُ هَكَذَا بِأَنْ يَضُمَّ السَّلَامَ مَعَ الْحَمْدِ عِنْدَ الْعَطْسَةِ، بَلِ الْأَدَبُ مُتَابَعَةُ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ نُقْصَانٍ مِنْ تِلْقَاءِ النَّفْسِ إِلَّا بِقِيَاسٍ جَلِيٍّ (عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) : فَالزِّيَادَةُ الْمَطْلُوبَةُ إِنَّمَا هِيَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَمْدَلَةِ سَوَاءٌ وَرَدَ أَوْ لَا. وَأَمَّا زِيَادَةُ ذِكْرٍ آخَرَ بِطَرِيقِ الضَّمِّ إِلَيْهِ، فَغَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ؛ لِأَنَّ مَنْ سَمِعَ رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَأْمُورَاتِ، ثُمَّ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: عَلَى كُلِّ حَالٍ، بِقَوْلِهِ: نَقُولُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ ﷺ عَلَّمَنَا قَوْلَ الْحَمْدِ لِلَّهِ عِنْدَ الْعَطْسَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ فِي الْأَفْعَالِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَلَيْسَ هَكَذَا أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْعَاطِسِ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، كَمَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﵇، وَقَوْلُهُ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَأْنَفٌ دَالٌّ عَلَى الْمُقَدَّرِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ إِلَى مَا هُوَ أَحَقُّ وَأَحْرَى عَلَى طُرُقِ إِرْخَاءِ الْعِنَانِ وَالتَّسَاهُلِ وَالِاجْتِنَابِ عَنِ التَّخَشُّنِ، خِلَافًا لِقَوْلِ سَالِمٍ: عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ كَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ. قُلْتُ: هَذَا جُرْأَةٌ عَظِيمَةٌ وَغَلْطَةٌ جَسِيمَةٌ فِي نِسْبَةِ التَّخَشُّنِ إِلَى صَاحِبِ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّ قَوْلَ سَالِمٍ عَيْنُ قَوْلِهِ ﷺ ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِذَارِ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِرَاضِ ذَنْبٌ آخَرُ أَعْظَمُ مِنْهُ؛ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ هِلَالٍ: إِذَا عَطَسَ الرَّجُلُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ الْعَاطِسُ وَسَمَّى أُمَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْفَظَاظَةِ وَهُوَ جَدِيرٌ بِالرِّفْقِ؟ قُلْتُ: لَعَلَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ مِرَارًا التَّشْمِيتَ، وَعَدَلَ مِنْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلِهَذَا زَجَرَهُ، وَمَا كَانَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ ابْتِدَاءُ تَعْلِيمٍ وَإِرْشَادٍ، فَأَقُولُ لَيْتَهُ كَانَ تَفَضَّضَ جَمِيعَ أَسْنَانِهِ وَأَقْلَامَ بَنَانِهِ، وَلَمْ يُنْسِبْ فِي تَقْرِيرِهِ وَتَحْرِيرِهِ، بَلْ لَمْ يَخْطُرْ فِي خَاطِرِهِ وَضَمِيرِهِ إِسْنَادُ الْفَظَاظَةِ إِلَيْهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، فَإِنَّهُ كُفْرٌ صَرِيحٌ مَا عَنْهُ عُذْرٌ صَحِيحٌ، إِذْ أَثْبَتَ لَهُ مَا نَزَّهَهُ عَنْهُ، ثُمَّ مِنْ أَيْنَ لَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ بِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ مِرَارًا، وَمَا كَانَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ ابْتِدَاءٌ مَعَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَلَا فِي كُتُبِ سِيَرِ الْأَصْحَابِ مَنْقُولٌ أَنَّهُ ﷺ نَهَى بَعْضَ أَصْحَابِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِرَارًا عَنْ مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ عَدَلَ مِنْهُ إِلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَاحْتَاجَ إِلَى زَجْرِهِ بِالْعُدُولِ عَنْ رِفْقِهِ اللَّائِقِ بِهِ، وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ بَيَّنَّا لَطَافَةَ كَلَامِهِ فِي تَعْلِيمِ سَلَامِهِ بِمَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ، وَصَرَّحْنَا وَأَشَرْنَا إِلَيْهِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ عَنْ بُلُوغِ فَهْمِ كَلَامِهِ ﷺ وَشَرُفَ وَكَرُمَ وَعَظُمَ، عَلَى أَنَّ فَرْقًا ظَاهِرًا بَيْنَ صَاحِبِ ابْنِ عُمَرَ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ ﷺ ؛ حَيْثُ إِنَّ الْأَوَّلَ وَضَعَ السَّلَامَ الْمُتَعَارَفَ عِنْدَ اللِّقَاءِ مَكَانَ حَمْدِ اللَّهِ حَالَ الْعُطَاسِ، وَالثَّانِي زَادَ السَّلَامَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ
) .
стр. 6547
[بَابُ الضَّحِكِ]
стр. 6548
(٧) بَابُ الضَّحِكِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٧٤٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَبْتَسِمُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[٧] بَابُ الضَّحِكِ
هُوَ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فِي الْأُصُولِ، وَفِي الْقَامُوسِ: ضَحِكَ ضَحِكًا بِالْفَتْحِ وَبِالْكَسْرِ وَبِكَسْرَتَيْنِ كَكِتِفٍ، هَذَا وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالضَّحِكِ الْمَعْنَى الْأَعَمَّ الشَّامِلَ لِلتَّبَسُّمِ، وَإِلَّا فَكَانَ أَكْثَرُ ضَحِكِهِ ﷺ تَبَسُّمًا، أَوْ أَرَادَ بِالضَّحِكِ مِنْ حَيْثُ هُوَ اسْتِدْلَالًا عَلَى جَوَازِهِ بِوُقُوعِهِ مِنْهُ ﷺ وَمِنْ أَصْحَابِهِ ﵃، وَأَمَّا مَا نَقَلَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ، وَالْكَبِيرَةُ الضَّحِكُ، فَمَحْمُولٌ عَلَى سُخْرِيَةِ الْكُفَّارِ بِالْمُؤْمِنِينَ، أَوْ جَهَلَةِ الْفُجَّارِ بِالْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٧٤٥ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا) أَيْ: مَا أَبْصَرْتُهُ حَالَ كَوْنِهِ مُسْتَجْمِعًا مِنْ جِهَةِ الضَّحِكِ، فَقَوْلُهُ: ضَاحِكًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ دَرُّهُ فَارِسًا، وَالْمَعْنَى: مَا رَأَيْتُهُ يَضْحَكُ تَامًّا مُقْبِلًا بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى الضَّحِكِ (حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْهَاءِ جَمْعُ اللَّهَاةِ، وَهِيَ اللَّحَمَاتُ فِي سَقْفِ أَقْصَى الْفَمِ مُشْرِفَةً عَلَى الْحَلْقِ (إِنَّمَا كَانَ يَبْتَسِمُ) أَيْ: غَالِبًا، وَقَدْ يَضْحَكُ، لَكِنْ لَا يَصِلُ إِلَى الْحَدِّ الْمَذْكُورِ، وَالْإِعْرَابُ السَّابِقُ زُبْدَةُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ، وَمَالَ ابْنُ الْمَلَكِ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ضَاحِكًا حَالٌ أَيْ: مَا رَأَيْتُهُ مُسْتَجْمِعًا لِضَحِكِهِ فِي حَالِ ضَحِكِهِ، أَيْ: لَمْ أَرَهُ يَضْحَكُ ضَحِكًا تَامًّا ضَاحِكًا بِجَمِيعِ فَمِهِ اهـ. وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ شَارِحٍ سَبَقَهُ، وَقَالَ: فَكَأَنَّهَا قَالَتْ مُسْتَجْمِعًا ضَحِكًا، وَفِي الْمِصْبَاحِ: اسْتَجْمَعَتْ شَرَائِطُ الْإِمَامَةِ وَاجْتَمَعَتْ بِمَعْنَى حَصَلَتْ، فَالْفِعْلَانِ عَلَى اللُّزُومِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ. وَفِي الْمُغْرِبِ: اسْتَجْمَعَ السَّيْلُ اجْتَمَعَ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ، وَاسْتَجْمَعَتْ لِلْمَرْءِ أُمُورُهُ اجْتَمَعَ لَهُ مَا يُحِبُّهُ وَهُوَ لَازِمٌ، كَمَا تَرَى. وَقَوْلُهُ: اسْتَجْمَعَ الْفَرَسُ جَرْيًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: مُسْتَجْمِعًا شَرَائِطَ الْجُمُعَةِ فَلَيْسَ يَثْبُتُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا» . جَعَلَ التَّبَسُّمَ مِنَ الضَّحِكِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّ التَّبَسُّمَ مِنَ الضَّحِكِ بِمَنْزِلَةِ السِّنَةِ مِنَ النَّوْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ [النمل: ١٩] ، أَيْ: شَارِعًا فِي الضَّحِكِ.
стр. 6549
٤٧٤٦ - وَعَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: «مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٧٤٦ - (وَعَنْ جَرِيرٍ) أَيِ: ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ (قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ: مَا مَنَعَنِي مِنْ مُجَالَسَتِهِ الْخَاصَّةِ أَوْ مِنْ بَيْتِهِ؛ حَيْثُ يُمْكِنُ الدُّخُولُ عَلَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنِّي لَمْ أَحْتَجْ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا مَنَعَنِي مِنْ مُلْتَمَسَاتِي عَنْهُ، بَلْ أَعْطَانِي مَا طَلَبْتُهُ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ. (مُنْذُ أَسْلَمْتُ) : وَقَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا (وَلَا رَآنِي) أَيْ: مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِذِ الْحَذْفُ مِنَ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ كَثِيرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْهُ بِلَفْظِ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا رَآنِي مُنْذُ أَسْلَمْتُ، فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنَ الْفِعْلَيْنِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: (إِلَّا تَبَسَّمَ) : مُرْتَبِطٌ بِالْفِعْلِ الثَّانِي، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: إِلَّا ضَحِكَ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّبَسُّمُ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ مَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ ﷺ وَلَعَلَّ مَنْشَأَ كَثْرَةِ انْبِسَاطِهِ ﵇ مَعَهُ أَنَّهُ ﵁ كَانَ مِنْ مَظَاهِرِ الْجَمَالِ؛ وَلِذَا قَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ جَرِيرًا يُوسُفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6550
٤٧٤٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ ﷺ » -. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ.
ــ
٤٧٤٧ - (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ) أَيِ: الصُّبْحَ (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) أَيْ: طُلُوعًا حَسَنًا كَمَا سَبَقَ (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ) أَيْ: لِصَلَاةِ الْإِشْرَاقِ، وَهُوَ مَبْدَأُ صَلَاةِ الضُّحَى، أَوْ مَعْنَاهُ قَامَ لِلِانْصِرَافِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَمُلَازَمَتِهِ مَجْلِسَهَا مَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَكَانَ السَّلَفُ يُوَاظِبُونَ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ، وَيَقْتَصِرُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. (وَكَانُوا) أَيْ: أَصْحَابُهُ (يَتَحَدَّثُونَ) أَيْ: فِيمَا بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، أَوْ فِي غَيْرِهِ أَوْ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ (فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ: عَلَى سَبِيلِ الْمَذَمَّةِ، أَوْ بِطَرِيقِ الْحِكَايَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ فَائِدَةٍ وَغَيْرِهِ، مِنْ جُمْلَتِهِ أَنَّهُ قَالَ وَاحِدٌ: مَا نَفَعَ أَحَدًا صَنَمُهُ مِثْلَ مَا نَفَعَنِي. قَالُوا: كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ: صَنَعْتُهُ مِنَ الْحَيْسِ، فَجَاءَ الْقَحْطُ، فَكُنْتُ آكُلُهُ يَوْمًا فَيَوْمًا، وَقَالَ آخَرُ: رَأَيْتُ ثَعْلَبَيْنِ جَاءَا وَصَعِدَا فَوْقَ رَأْسِ صَنَمٍ لِي وَبَالَا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: أَرَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبَانِ بِرَأْسِهِ
فَجِئْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَسْلَمْتُ. (فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ) أَيْ: يَقْرَءُونَهُ، أَوْ يَطْلُبُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ قِرَاءَتَهُ. فِي الشَّمَائِلِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: جَالَسْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ، وَيَتَذَاكَرُونَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ سَاكِتٌ، وَرُبَّمَا يَتَبَسَّمُ مَعَهُمْ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ فِي مَجْلِسِهِ الشَّرِيفِ لَا يُتَنَاشَدُ إِلَّا الشِّعْرُ الْمُنِيفُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَقَدْ كَانَ ﷺ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ، يَقُولُ:
سَتُبْدِي لَكَ الْأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلًا ... وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوَّدِ
وَقَدْ قَالَ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقِ: " «إِنَّ أَصْدَقَ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ ... وَكُلُّ نُعَيْمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ
»
أَيْ: مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: نَعِيمُكَ فِي الدُّنْيَا غُرُورٌ وَحَسْرَةٌوَعَيْشُكَ فِي الدُّنْيَا مُحَالٌ وَبَاطِلُ
هَذَا وَمِنْ لَطَائِفِ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ قَرَأَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حِزْبَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَنْشَدَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ شِعْرًا، فَحَصَلَ لَهُ بُكَاءٌ وَتَوَاجُدٌ، فَلَمَّا سَكَنَ قَالَ: أَتَلُومُونَ النَّاسَ يَقُولُ فُلَانٌ مُلْحِدٌ أَوْ زِنْدِيقٌ؟ قَرَأْتُ كَذَا مِنَ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَخْرُجْ لِي دَمْعَةٌ، فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الشِّعْرَ كِدْتُ أَنْ أَتَجَنَّنَ. أَقُولُ: هَذَا فَتْحُ بَابٍ لِلسَّمَاعِ، وَيَنْجَرُّ إِلَى مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ النِّزَاعِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ حَالَيِ الشَّيْخِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ فِي الْكَلَامِ، فَأَعْرَضْنَا عَنْهُ شُرُوعًا فِي الْأَهَمِّ مِنْهُ مِنَ الْمَرَامِ.
стр. 6551
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٧٤٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ ﵁ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » -. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٧٤٨ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ) : بِفَتْحِ جِيمٍ وَسُكُونِ زَايٍ بَعْدَهُ هَمْزٌ (قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » -. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 6552
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٧٤٩ - عَنْ قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ: هَلْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَالْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ أَعْظَمُ مِنَ الْجَبَلِ. وَقَالَ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ: أَدْرَكْتُهُمْ يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ، وَيَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ كَانُوا رُهْبَانًا» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٧٤٩ - (عَنْ قَتَادَةَ) : مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ (قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ: هَلْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَالْإِيمَانُ) أَيْ: نَعَمْ يَضْحَكُونَ، وَالْحَالُ أَنَّ عَظْمَةَ الْإِيمَانِ وَجَلَالَتَهُ (فِي قُلُوبِهِمْ أَعْظَمُ مِنَ الْجَبَلِ) : فَكَانُوا فِي غَايَةٍ مِنَ الْوَقَارِ وَالثَّبَاتِ عَلَى قَوَاعِدِ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ، وَفِي نِهَايَةٍ مِنْ مُرَاعَاةِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الرَّضِيَّةِ؛ حَيْثُ لَمْ يَتَجَاوَزُوا فِي حَالِ الضَّحِكِ وَغَيْرِهِ عَنْ دَائِرَةِ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ وَالْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ، أَيْ: نَعَمْ كَانُوا يَضْحَكُونَ، لَكِنْ لَا يَتَجَاوَزُونَ إِلَى مَا يُمِيتُ قُلُوبَهُمْ وَيَتَزَلْزَلُ بِهِ إِيمَانُهُمْ مِنْ كَثْرَةِ الضَّحِكِ، كَمَا وَرَدَ: إِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقُلُوبَ. (وَقَالَ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ) : تَابِعِيٌّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (أَدْرَكْتُهُمْ) أَيْ: كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ (يَشْتَدُّونَ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنَ الشَّدِّ، وَهُوَ الْعَدْوُ أَيْ: يَعْدُونَ وَيَجْرُونَ (بَيْنَ الْأَغْرَاضِ) : جَمْعُ الْغَرَضِ، بِفُتْحَتَيْنِ، وَهُوَ الْهَدَفُ زِنَةً وَمَعْنًى، وَالْمُرَادُ بِالْجَمْعِ هُنَا مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ لِيُوَافِقَ مَا فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: تَخْتَلِفُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَرَضَيْنِ وَأَنْتَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (وَيَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) أَيْ: مُتَوَجِّهًا وَمُلْتَفِتًا إِلَيْهِ لَا مُعْرِضًا وَمَائِلًا عَنْهُ، أَوْ إِلَى بِمَعْنَى " مَعَ "، كَمَا نُقِلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] ، أَوْ ضَمَّنَ يَضْحَكُ مَعْنَى يَنْبَسِطُ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَضَمَّنَ ضَحِكَ بِمَعْنَى السُّخْرِيَةِ وَعَدَّاهُ بِإِلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤] ، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ السُّخْرِيَةَ يَتَعَدَّى بِمِنْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] ، نَعَمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] ، ضَمَّنَ الضَّحِكَ مَعْنَى السُّخْرِيَةِ، وَأَمَّا ثَانِيًا - فَلِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٧٦] ، لَيْسَ فِيهِ تَضْمِينُ السُّخْرِيَةِ، بَلْ وَلَا يَصِحُّ لَفْظًا وَلَا مَعْنًى، بَلْ فِيهِ تَأْوِيلَانِ. أَحَدُهُمَا أَنَّ إِلَى بِمَعْنَى: مَعَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] ، وَثَانِيهُمَا تَضْمِينُ إِلَى مَعْنَى الِانْضِمَامِ أَوِ الِانْتِهَاءِ، هَذَا وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا كَانَ حَالَهُمْ فِي النَّاسِ وَفِي مَجَالِسِ أَصْحَابِهِمُ الْأَبْرَارِ (فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ) أَيْ: وُجِدَ، أَوْ كَانَ الْوَقْتُ زَمَانَ اللَّيْلِ، وَمَقَامَ الْوِحْدَةِ وَمَرَتَبَةَ الْخِلْوَةِ بَعْدَ مَنْزِلَةِ الْجِلْوَةِ (كَانُوا رُهْبَانًا) : بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ رَاهِبٍ كَرُكْبَانٍ وَرَاكِبٍ، وَقَدْ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَيُجْمَعُ عَلَى رَهَّابِينَ، فَفِي النِّهَايَةِ: الرُّهْبَانُ مَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا وَزَهِدَ فِيهَا وَتَخَلَّى عَنْهَا، وَعُزِلَ عَنْ أَهْلِهَا، وَتَعَمَّدَ مَشَاقَّهَا اهـ. فَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧] ، وَقَالَ إِخْبَارًا عَنْهُمْ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ - وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨] بَلْ أَقُولُ: إِنَّهُمْ كَانُوا حَالَ الضَّحِكِ ظَاهِرًا فِي عَيْنِ الْبُكَاءِ بَاطِنًا، فَإِنَّهُمْ فَرْشِيُّونَ بِأَشْبَاحِهِمْ، عَرْشِيُّونَ بِأَرْوَاحِهِمْ، كَائِنُونَ مَعَ الْخَلْقِ بِأَبْدَانِهِمْ، بَائِنُونَ عَنْهُمْ مَعَ الْحَقِّ بِقُلُوبِهِمْ وَجَنَانِهِمْ، قَرِيبُونَ فِي الظَّاهِرِ مَعَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، غَرِيبُونَ عَنِ الْخَلْقِ فِي الْبَاطِنِ عَلَى قَدَمِ التَّجْرِيدِ وَالتَّفْرِيدِ، مُلُوكٌ فِي سُلُوكِ لِبَاسِ الْأَطْمَارِ، وَأَغْنِيَاءٌ مَعَ كَمَالِ فَقْرِهِمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ، ﵃ وَنَفَعَنَا بِبَرَكَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهُمْ. (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
стр. 6553
[بَابُ الْأَسَامِي]
стр. 6554
(٨) بَابُ الْأَسَامِي
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٧٥٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّوقِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٨] بَابُ الْأَسَامِي
بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا، فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ جَمْعُ اسْمٍ، وَكَذَا أَسَامِيُّ وَأَسَامٍ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، فَأَسَامِيُّ عَلَى وَزْنِ أَفَاعِيلَ وَأَسَامٍ عَلَى وَزْنِ أَفَاعِلَ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٧٥٠ - (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّوقِ) أَيْ: قَاعِدًا أَوْ وَاقِفًا أَوْ مَارًّا (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ (إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا) أَيْ: وَأَشَارَ إِلَى غَيْرِهِ ﷺ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : سَمُّوا بِاسْمِي) : يَعْنِي فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الِالْتِبَاسَ؛ لِأَنَّكُمْ مَنْهِيُّونَ عَنْ دُعَائِي بِاسْمِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] ، وَلِلتَّعْلِيمِ الْعَقْلِيِّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ؛ حَيْثُ مَا خَاطَبَهُ ﷺ فِي كَلَامِهِ إِلَّا بِيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ؛ حَيْثُ نَادَاهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، وَقَالَ: يَا آدَمُ! وَيَا إِبْرَاهِيمُ! وَيَا مُوسَى! وَيَا عِيسَى! (وَلَا تَكْتَنُوا) : مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَا تُكَنُّوا بِضَمِّ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنَ التَّكْنِيَةِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، وَالْكُلُّ لُغَاتٌ. وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَا تَكَنَّوْا. (بِكُنْيَتِي) ؛ لِأَنَّ الْكُنْيَةَ مِنْ بَابِ التَّعْظِيمِ وَالتَّوْقِيرِ، بِخِلَافِ الِاسْمِ الْمُجَرَّدِ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَقَعَ الِالْتِبَاسُ حِينَ مُنَادَاةِ بَعْضِ النَّاسِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ عُلَمَاءَ الْعَرَبِيَّةِ قَالُوا: الْعَلَمُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُشْعِرًا بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ وَهُوَ اللَّقَبُ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ، فَإِمَّا أَنْ يُصَدَّرَ بِأَبٍ أَوِ ابْنٍ وَهُوَ الْكُنْيَةُ، أَوْ لَا وَهُوَ الِاسْمُ، فَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْقَاسِمِ، وَلَقَبُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا كُنِّيَ بِأَكْبَرِ أَوْلَادِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6555
٤٧٥١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، فَإِنِّي إِنَّمَا جُعِلْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٧٥١ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا» ) : مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ وَلَفْظُ الْجَامِعِ وَلَا تَكَنَّوْا، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا وَأَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ (بِكُنْيَتِي) أَيِ: الْمَخْصُوصَةِ بِي، قِيلَ: مَذْهَبُ الْعَرَبِ فِي الْعُدُولِ عَنِ الِاسْمِ إِلَى الْكُنْيَةِ هُوَ التَّوْقِيرُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْكُنْيَةُ لَفْظًا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْمَدْعُوُّ بِهِ، وَلِمَا كَانَ مِنْ حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يُرَادُ بِهِ التَّعْظِيمُ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِيهِ أَحَدٌ كُرِهَ أَنْ يُكَنَّى أَحَدٌ بِكُنْيَتِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] ، وَبَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ: (فَإِنِّي إِنَّمَا جُعِلْتُ) :. أَيْ: جَعَلَنِي اللَّهُ (قَاسِمًا) : وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: إِنَّمَا بُعِثْتُ قَاسِمًا (لِأَقْسِمَ بَيْنَكُمْ) أَيِ: الْعِلْمَ وَالْغَنِيمَةَ وَنَحْوَهُمَا. وَقِيلَ: الْبِشَارَةُ لِلصَّالِحِ وَالنِّذَارَةُ لِلطَّالِحِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ قِسْمَةُ الدَّرَجَاتِ وَالدَّرَكَاتِ مُفَوَّضَةً إِلَيْهِ ﷺ وَلَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَذْفُ الْمَفْعُولِ لِتَذْهَبَ أَنْفُسُهُمْ كُلَّ الْمَذْهَبِ، وَيَشْرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَشْرَبِ، وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَوْجُودٍ حَقِيقَةً فِي حَقِّكُمْ، بَلْ مُجَرَّدُ اسْمٍ لَفْظًا وَصُورَةً فِي شَأْنِكُمْ وَشَأْنِ أَوْلَادِكُمْ، وَالْحَاصِلُ أَنِّي لَسْتُ أَبَا الْقَاسِمِ بِمُجَرَّدِ أَنَّ وَلَدِي كَانَ مُسَمًّى بِقَاسِمٍ، بَلْ لُوحِظَ فِي مَعْنَى الْقَاسِمِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الْقِسْمَةِ الْأَزَلِيَّةِ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَسْتُ كَأَحَدِكُمْ لَا فِي الذَّاتِ، وَلَا فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَبُو الْقَاسِمِ نَظِيرَ قَوْلِ الصُّوفِيَّةِ: الصُّوفِيُّ أَبُو الْوَقْتِ أَيْ: صَاحِبُهُ وَمُلَازِمُهُ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَمَعْنَى أَبِي الْقَاسِمِ صَاحِبُ هَذَا الْوَصْفِ، كَمَا يُقَالُ: أَبُو الْفَضْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ مُسَمًّى بِالْفَضْلِ، وَمُجْمَلُهُ أَنَّ هَذِهِ الْكُنْيَةَ تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى اللَّقَبِ الْمَحْمُودِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ: النَّهْيُ مَخْصُوصٌ بِحَيَاتِهِ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ خِطَابُهُ بِخِطَابِ غَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ سَبَبِ وُرُودِ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ بِالصَّرِيحِ، وَقِيلَ: النَّهْيُ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِحَيَاتِهِ ﵇، هَذَا وَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ: اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى وُجُوهٍ.
стр. 6556
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ أَصْلًا، سَوَاءٌ كَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدًا أَوْ أَحَمَدَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ اسْمٌ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَنَّى أَبَا الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، إِمَّا بِوَحْيٍ إِلَيْهِ وَيُنْزِلُهُمْ مَنَازِلَهُمُ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَهَا فِي الشَّرَفِ وَالْفَضْلِ وَقَسْمِ الْغَنَائِمِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُشَارِكُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَنَعَ أَنْ يُكَنَّى بِهِ غَيْرُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، أَمَّا لَوْ كُنِّيَ بِهِ أَحَدٌ لِلنِّسْبَةِ إِلَى ابْنٍ لَهُ اسْمُهُ قَاسِمٌ، أَوْ لِلْعَلَمِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ جَازَتْ وَيَدُلُّكَ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ لِلنَّهْيِ. قُلْتُ: لَكِنْ يَأْبَى عَلَيْكَ مَا سَبَقَ مِنْ سَبَبِ الْوُرُودِ الْمَسْطُورِ لِلنَّهْيِ. قَالَ: وَثَانِيهَا: أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ كَانَ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ فَيُبَاحُ التَّكَنِّي الْيَوْمَ بِأَبِي الْقَاسِمِ لِكُلِّ أَحَدٍ سَوَاءٌ فِيهِ مِنِ اسْمِهِ مُحَمَّدٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَعِلَّتُهُ الْتِبَاسُ خِطَابِهِ بِخِطَابِ غَيْرِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نَهْيُهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَقِيبَ مَا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا، وَمَا رُوِيَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي «عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ وُلِدَ لِي بَعْدَكَ وَلَدٌ أُسْمِيهِ مُحَمَّدًا، وَأُكَنِّيهِ بِكُنْيَتِكَ. قَالَ: نَعَمْ» . أَقُولُ: دَعْوَى النَّسْخِ مَمْنُوعَةٌ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ الِاشْتِبَاهُ وَهُوَ مُتَغَيِّرٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ. قَالَ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ.
وَثَالِثُهَا: إِنَّهُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ وَالْأَدَبِ لَا لِلتَّحْرِيمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَرِيرٍ. قُلْتُ: وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فِي أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ، لَا سِيَّمَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَذَى لَهُ ﷺ وَلَوْ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ مِنْ حَيَاتِهِ، عَلَى أَنَّهُ عَلَّلَ النَّهْيَ بِعِلَّةٍ دَالَّةٍ عَلَى اخْتِصَاصِ الِاسْمِ بِهِ حَالَ وُجُودِهِ قَالَ:
وَرَابِعُهَا: أَنَّ النَّهْيَ لِلْجَمْعِ وَلَا بَأْسَ بِالْكُنْيَةِ وَحْدَهَا لِمَنْ لَا يُسَمِّي وَاحِدًا مِنَ الِاسْمَيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَجْمَعَ أَحَدٌ بَيْنَ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: اشْرَبِ اللَّبَنَ، وَلَا تَأْكُلِ السَّمَكَ أَيْ: حِينَ شَرِبْتَهُ، فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ. قُلْتُ: هَذَا مَعَ مُخَالَفَةِ ظَاهِرِ الْحَدِيثَيْنِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِمَا مِنْ جَوَازِ التَّسْمِيَةِ، وَمَنْعُ التَّكْنِيَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُقَارَنًا بِالتَّسْمِيَةِ، أَوْ مُفَارِقًا لَهَا لَا يُلَائِمُهُ سَبَبُ وُرُودِ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَلَا يُنَاسِبُهُ الْعِلَّةُ الْمَسْطُورَةُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي، فَتَأَمَّلْ. وَالنَّظِيرُ لَفْظِيٌّ لَا مَعْنَوِيٌّ، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ شُرْبِ اللَّبَنِ وَأَكْلِ السَّمَكِ مُضِرٌّ عَلَى قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ، وَأَمَّا هُنَا فَالضَّرَرُ فِي التَّكْنِيَةِ وَحْدَهَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُوجَدَ مَعَهَا اشْتِرَاكُ الِاسْمِ أَمْ لَا. فَالنَّظِيرُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ أَنْ يُقَالَ: خَالِطِ النَّاسَ وَلَا تُؤْذِ.
قَالَ: وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ نَهْيٌ عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ مُطْلَقًا، وَأَرَادَ الْمُقَيَّدَ وَهُوَ النَّهْيُ عَنِ التَّسْمِيَةِ بِالْقَاسِمِ، وَقَدْ غَيَّرَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ اسْمَ ابْنِهِ حِينَ بَلَغَهُ هَذَا الْحَدِيثُ، فَسَمَّاهُ عَبْدَ الْمَلِكِ، وَكَانَ اسْمُهُ الْقَاسِمَ، وَكَذَا عَنْ بَعْضِ الْأَنْصَارِ. قُلْتُ: لَوْ قِيلَ قَوْلٌ سَابِعٌ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنِ التَّكْنِيَةِ بِأَبِي الْقَاسِمِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سَبَبُ الْوُرُودِ الْمَذْكُورِ، وَعَنِ التَّسْمِيَةِ بِالْقَاسِمِ أَيْضًا نَظَرًا إِلَى التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ مَعَ التَّقْيِيدِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ تَنْزِيهًا لِغَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ مُشَارِكًا لَهُ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَمَّا جَوَازُ إِطْلَاقِ أَبِي الْقَاسِمِ وَمَنْعُ الْقَاسِمِ فَمَمْنُوعٌ وَلَا لَهُ وَجْهٌ مَشْرُوعٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَرْوَانَ غَيَّرَ اسْمَ ابْنِهِ الْقَاسِمِ لَمَّا بَلَغَهُ الْحَدِيثُ عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ، وَخَافَ أَنْ يُكَنَّى بِهِ وَيَقَعَ الْمَحْظُورُ، فَغَيَّرَهُ تَخَلُّصًا مِنْ حُصُولِ الْمَحْذُورِ.
قَالَ: وَسَادِسُهَا: أَنَّ التَّسْمِيَةَ بِمُحَمَّدٍ مَمْنُوعَةٌ مُطْلَقًا، وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «تُسَمُّونَ أَوْلَادَكُمْ مُحَمَّدًا ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ» ". قُلْتُ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى مَنْعِ التَّسْمِيَةِ بِمُحَمَّدٍ، بَلْ فِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا سُمِّيَ وَلَدٌ بِمُحَمَّدٍ يَجِبُ تَعْظِيمُهُ بِسَبَبِ هَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ، فَلَا يُعَامَلُ مَعَهُ مُعَامَلَةَ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا " إِذَا سَمَّيْتُمْ مُحَمَّدًا فَلَا تَضْرِبُوهُ وَلَا تَحْرِمُوهُ ". وَمَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ، عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " إِذَا سَمَّيْتُمُ الْوَلَدَ مُحَمَّدًا فَأَكْرِمُوهُ وَأَوْسِعُوا لَهُ فِي الْمَجْلِسِ وَلَا تُقَبِّحُوا لَهُ وَجْهًا ". قَالَ: وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْكُوفَةِ: لَا تُسَمُّوا أَحَدًا بِاسْمِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ وَسَبَبُهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِمُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْخَطَّابِ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ يَا مُحَمَّدُ، فَدَعَاهُ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: أَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَبُّ بِكَ، وَاللَّهِ لَا تُدْعَى مُحَمَّدًا مَا بَقِيتَ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ. قُلْتُ: فَالنَّهْيُ عَنْهُ لَيْسَ مُطْلَقًا لِذَاتِهِ، بَلْ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَحْصُلَ بِسَبَبِهِ إِهَانَةٌ لِسَمِيِّهِ ﷺ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ شَرِيكُهُ فِي اسْمِهِ قَالَ: وَهَذَا أَكْثَرُهُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيِّ: وَقَالَ أَيْضًا: أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ التَّسْمِيَةِ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. قُلْتُ: وَقَدْ قَدَّمْتُ مَا هُوَ الصَّوَابُ. قَالَ: وَكَرِهَ مَالِكٌ التَّسَمِّيَ بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ كَجِبْرِيلَ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرَادٍ: «سَمُّوا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا تُسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6557
٤٧٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٧٥٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» ) : قِيلَ: أَيْ: بَعْدَ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ بِدَلِيلِ الْإِضَافَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْمَيْنِ لَيْسَا بِأَحَبَّ مِنِ اسْمِ مُحَمَّدٍ، فَهُمَا فِي مَرْتَبَةِ التَّسَاوِي مَعَهُ، أَوْ يَكُونُ اسْمُ مُحَمَّدٍ أَحَبَّ مِنَ الِاسْمَيْنِ إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ مِنْ وَجْهٍ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي زُهَيْرٍ الثَّقَفِيِّ مَرْفُوعًا " إِذَا سَمَّيْتُمْ فَعَبِّدُوا " أَيِ: انْسِبُوا عُبُودِيَّتَهُمْ إِلَى أَسْمَاءِ اللَّهِ، فَيَشْمَلُ عَبْدَ الرَّحِيمِ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ وَغَيْرَهُمَا. وَلَا يَجُوزُ نَحْوُ عَبْدِ الْحَارِثِ وَلَا عَبْدِ النَّبِيِّ، وَلَا عِبْرَةٌ بِمَا شَاعَ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ.
стр. 6558
٤٧٥٣ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا، وَلَا رَبَاحًا، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَلَا يَكُونُ، فَيَقُولُ لَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، قَالَ: " «لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ رَبَاحًا، وَلَا يَسَارًا وَلَا أَفْلَحَ وَلَا نَافِعًا» ".
ــ
٤٧٥٣ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُسَمِّينَ) أَيْ: أَلْبَتَّةَ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ، بِالْخِطَابِ الْعَامِّ (غُلَامَكَ) أَيْ: صَبِيَّكَ أَوْ عَبْدَكَ (يَسَارًا) : مِنَ الْيُسْرِ ضِدَّ الْعُسْرِ (وَلَا رَبَاحًا) : بِفَتْحِ الرَّاءِ مِنَ الرِّبْحِ ضِدِّ الْخَسَارَةِ (وَلَا نَجِيحًا) : مِنَ النُّجْحِ وَهُوَ الظَّفَرُ (وَلَا أَفْلَحَ) : مِنَ الْفَلَاحِ وَهُوَ الْفَوْزُ (فَإِنَّكَ تَقُولُ) أَيْ: أَحْيَانًا (أَثَمَّ) : بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ بِتَقْدِيرِ اسْتِفْهَامٍ أَيْ: أَهُنَاكَ (هُوَ؟) أَيِ: الْمُسَمَّى بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ (فَلَا يَكُونُ) أَيْ: فَلَا يُوجَدُ هُوَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ اتِّفَاقًا (فَيَقُولُ) أَيِ: الْمُجِيبُ (لَا) أَيْ: لَيْسَ هُنَاكَ يَسَارٌ، أَوْ لَا رَبَاحٌ عِنْدَنَا، أَوْ لَا نَجِيحٌ هُنَاكَ، أَوْ لَا أَفْلَحُ مَوْجُودٌ، فَلَا يَحْسُنُ مِثْلُ هَذَا فِي التَّفَاؤُلِ، أَوْ فَيُكْرَهُ لِشَنَاعَةِ الْجَوَابِ: فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَعْنَى هَذَا: أَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ التَّفَاؤُلَ بِحُسْنِ أَلْفَاظِهَا أَوْ مَعَانِيهَا، وَرُبَّمَا يَنْقَلِبُ عَلَيْهِمْ مَا قَصَدُوهُ إِلَى الضِّدِّ إِذَا سَأَلُوا فَقَالُوا: أَثَمَّ يَسَارٌ أَوْ نَجِيحٌ؟ فَقِيلَ: لَا، فَتَطَيَّرُوا بِنَفْيِهِ وَأَضْمَرُوا الْيَأْسَ مِنَ الْيُسْرِ وَغَيْرِهِ، فَنَهَاهُمْ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي يَجْلِبُ سُوءَ الظَّنِّ وَالْإِيَاسَ مِنَ الْخَيْرِ. قَالَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ: فَإِذَا ابْتُلِيَ رَجُلٌ فِي نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَلْيُحَوِّلْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَقِيلَ: أَثَمَّ يَسَارٌ أَوْ بَرَكَةٌ؟ فَإِنَّ مِنَ الْأَدَبِ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ مَا هُنَا يُسْرٌ وَبَرَكَةٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَيُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي تُرِيدُهُ، وَلَا يُقَالُ لَيْسَ هُنَا وَلَا خَرَجَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) : أَيْ: لِمُسْلِمٍ (قَالَ: لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ رَبَاحًا وَلَا يَسَارًا وَلَا نَافِعًا) : فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، قَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ التَّسَمِّي بِالْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ، وَالْعِلَّةُ فِيهِ مَا نَبَّهَ ﷺ بِقَوْلِهِ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَكُرِهَ لِشَنَاعَةِ الْجَوَابِ.
стр. 6559
٤٧٥٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى وَبِبَرَكَةَ وَبِأَفْلَحَ وَبِيَسَارٍ وَبِنَافِعٍ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ. ثُمَّ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، ثُمَّ قُبِضَ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٧٥٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى) : بِالْفَتْحِ مُضَارِعُ عَلِيَ فِي الشَّرَفِ بِالْكَسْرِ (وَبِبَرَكَةَ) : بِعَدَمِ الصَّرْفِ وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَبِأَفْلَحَ) : وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَبِيَسَارٍ) : فَالْيَاءُ أَصْلِيَّةٌ فَصُرِفَ (وَبِنَافِعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) أَيْ: وَبِمَعْنَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَسْمَاءِ كَمَا سَبَقَ بَعْضُهَا (ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكْتَ بَعْدُ) : بِالضَّمِّ مَبْنِيًّا، أَيْ: بَعْدَ إِرَادَتِهِ النَّهْيَ عَنِ التَّسْمِيَةِ بِمَا ذُكِرَ (عَنْهَا) أَيْ: سَكَتَ عَنِ الْأَسْمَاءِ الْمَسْطُورَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِنَهْيٍ وَلَا بِجَوَازٍ (ثُمَّ قُبِضَ) أَيْ: تُوُفِّيَ (وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ: عَمَّا ذُكِرَ مِنَ الْأَسْمَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ رَأَى أَمَارَاتٍ وَسَمِعَ مَا يُشْعِرُ بِالنَّهْيِ، وَلَمْ يَقِفْ عَلَى النَّهْيِ صَرِيحًا؛ فَلِذَا قَالَ ذَلِكَ، وَقَدْ نَهَاهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ لِسَمُرَةَ، وَشَهَادَةُ الْإِثْبَاتِ أَثْبَتُ. قُلْتُ: وَلَهُ وَجْهٌ آخَرُ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَنْهَى نَهْيَ تَحْرِيمٍ، ثُمَّ سَكَتَ بَعْدَ ذَلِكَ رَحْمَةً عَلَى الْأُمَّةِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، وَإِيقَاعِ الْحَرَجِ، لَا سِيَّمَا وَأَكْثَرُ النَّاسِ مَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ مِنَ الْقُبْحِ وَالْحُسْنِ، فَالنَّهْيُ الْمَنْفِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَالْمُثْبَتُ عَلَى التَّنْزِيهِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَمُرَةَ: أَنَّهُ ﷺ «نَهَى أَنْ يُسَمَّى أَرْبَعَةَ أَسْمَاءٍ: أَفْلَحَ وَيَسَارًا وَنَافِعًا وَرَبَاحًا» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ﷺ «نَهَى أَنْ يُسَمَّى الرَّجُلُ حَرْبًا أَوْ وَلِيدًا أَوْ مُرَّةَ أَوِ الْحَكَمَ أَوْ أَبَا الْحَكَمِ أَوْ أَفْلَحَ أَوْ نَجِيحًا أَوْ يَسَارًا» ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّهُ ﷺ «نَهَى أَنْ يُسَمَّى كَلْبٌ أَوْ كُلَيْبٌ»
стр. 6560
٤٧٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَخْنَى الْأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ: " «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ» ".
ــ
٤٧٥٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَخْنَى الْأَسْمَاءِ) : بِسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا نُونٌ أَيْ: أَقْبَحُهَا، وَرُوِيَ أَخْنَعُ أَيْ: أَذَلُّهَا وَأَوْضَعُهَا بِاعْتِبَارِ مُسَمَّاهُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ) أَيْ: وَإِنْ كَانَ الْيَوْمَ عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ أَعْظَمَ الْأَسْمَاءِ وَأَكْرَمَهَا (رَجُلٌ) أَيِ: اسْمُ رَجُلٍ (يُسَمَّى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّسْمِيَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِمَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَاضٍ مَعْلُومٌ مِنَ التَّسَمِّي مَصْدَرٌ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّسْمِيَةِ، وَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي أَصْلٍ مُصَحَّحٍ مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ مِنَ التَّسَمِّي ثُمَّ قَوْلُهُ: (مَلِكَ الْأَمْلَاكِ) : مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَالْأَمْلَاكُ جَمْعُ مَلِكٍ كَالْمُلُوكِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، فَقَالَ: هُوَ شَهَنْشَاهْ يَعْنِي: شَاهْ شَاهَانْ بِلِسَانِ الْعَجَمِ، وَقَدَّمَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ ثُمَّ حَذَفَ الْأَلِفَ وَفَتَحَ الْهَاءَ تَخْفِيفًا وَهُوَ بِالْعَرَبِيِّ سُلْطَانُ السَّلَاطِينِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ (أَغْيَظُ رَجُلٍ) : اسْمُ تَفْضِيلٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: أَكْثَرُ مَنْ يُغْضَبُ عَلَيْهِ وَيُعَاقَبُ، فَإِنَّ الْغَيْظَ غَضَبُ الْعَاجِزِ عَنِ الِانْتِقَامِ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ، فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْ شِدَّةِ كَرَاهَةِ هَذَا الِاسْمِ أَوْ مَجَازًا عَنْ عُقُوبَتِهِ لِلتَّسَمِّي بِالِاسْمِ الْآتِي، وَأُضِيفَ إِلَى مُفْرِدٍ بِمَعْنَى الْجَمْعِ أَيْ: أَشَدُّ أَصْحَابِ الْأَسْمَاءِ الْكَرِيهَةِ عُقُوبَةً (عَلَى اللَّهِ) : بِحَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: بِنَاءً عَلَى حُكْمِهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ) أَيْ: حَالًا وَمَقَامًا (رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ) : وَهُوَ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ؛ حَيْثُ قَالَ أَيْ: يُسَمِّي نَفْسَهُ بِذَلِكَ فَيَرْضَى أَنَّ اسْمَهُ عَلَى ذَلِكَ (لَا مَلِكَ) أَيْ: لَا سُلْطَانَ (إِلَّا اللَّهُ) : وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ تَعْلِيلِ تَحْرِيمِ التَّسْمِيَةِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَلِكَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ إِلَّا هُوَ، وَمِلْكِيَّةُ غَيْرِهِ مُسْتَعَارَةٌ، فَمَنْ سُمِّيَ بِهَذَا الِاسْمِ نَازَعَ اللَّهَ بِرِدَائِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظْمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا قَصَمْتُهُ، وَلَمَّا اسْتَنْكَفَ أَنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ جُعِلَ لَهُ الْخِزْيُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَهَذَا مُجْمَلُ الْكَلَامِ فِي مَقَامِ الْمَرَامِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلَفْظُهُ: " «أَخْنَعُ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ» " اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَمْلَاكَ جَمْعُ الْمَلِكِ بِالْكَسْرِ، فَيَكُونُ بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا مَذْمُومًا عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقْرَأَ " مَلِكَ " " مَالِكَ "، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ، وَهُوَ مَرْسُومٌ بِحَذْفِ الْأَلِفِ اتِّفَاقًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا بُدَّ فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَعَ أَنَّ حُكْمَهُ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ لِلْإِشْعَارِ بِتَرْتِيبِ مَا هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْهُ مِنْ إِنْزَالِ الْهَوَانِ، وَحُلُولِ الْعِقَابِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لِمُسْلِمٍ: أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: سَأَلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، أَبَا عَمْرٍو عَنْ أَخْنَعُ، فَقَالَ: أَوْضَعُ، وَالْمَعْنَى: أَشَدُّ ذُلًّا وَصِغَارًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اهـ.
وَقَوْلُهُ: رَجُلٌ يُسَمَّى خَبَرُ أَخْنَعُ، وَلَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ لِيُطَابِقَ الْخَبَرُ الْمُبْتَدَأَ وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ فِي الْخَبَرِ، أَيِ: اسْمُ رَجُلٍ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ يُرَادَ بِالِاسْمِ الْمُسَمَّى مَجَازًا، أَيْ: أَخْنَى الرِّجَالِ رَجُلٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] ، وَفِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ أَنَّهُ إِذَا قَدَّسَ اسْمَهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِذَاتِهِ، فَكَأَنَّ ذَاتَهُ بِالتَّقْدِيسِ أَوْلَى، وَهُنَا إِذَا كَانَ الِاسْمُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالْهَوَانِ وَالصَّغَارِ، فَكَيْفَ بِالْمُسَمَّى، فَإِذَا كَانَ حُكْمُ الِاسْمِ ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِالْمُسَمَّى، وَهَذَا إِذَا كَانَ رَضِيَ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُبَدِّلْهُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَبْلَغُ مِنَ الْأَوَّلِ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ: أَغْيَظُ رَجُلٍ. قَالَ الْقَاضِي أَيْ: أَكْبَرُ مَنْ يُغْضَبُ عَلَيْهِ غَضَبًا، اسْمُ تَفْضِيلٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ كَأَلْوَمَ، وَأَضَافَهُ إِلَى الْمُفْرَدِ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ وَالِاسْتِغْرَاقِ فِيهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعَلَى هُنَا لَيْسَتْ بِصِلَةٍ لِأَغْيَظَ كَمَا يُقَالُ: اغْتَاظَ عَلَى صَاحِبِهِ وَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَأْبَاهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَكِنْ بَيَانٌ كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ: أَغْيَظُ رَجُلٍ قِيلَ:
стр. 6561
عَلَى مَنْ؟ قِيلَ: عَلَى اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] ، فَإِنَّ لَكَ بَيَانٌ لِاسْمِ الصَّوْتِ. قُلْتُ: التَّقْدِيرُ مَا أَفَادَ التَّغْيِيرَ لِيَكُونَ دَفْعُ الْفَسَادِ، بَلْ وَقَعَ فِي عَيْنِ مَا أَرَادَ مِنْهُ الشُّرَّاحُ، ثُمَّ لِي نَظِيرُهُ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْآيَةِ، فَإِنَّ الْغَيْظَ تَعْدِيَتُهُ بِعَلَى فِي أَصْلِ اللُّغَةِ بِخِلَافِ هَيْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ أَصْلًا، بَلْ مَعْنَاهُ أَقْبِلْ وَبَادِرْ أَوْ هَيَّأْتُ، وَالْكَلِمَةُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ اسْمُ فِعْلٍ بُنِيَ عَلَى الْفَتْحِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْقُرَّاءِ كَأَيْنَ، وَاللَّامُ لِلتَّبْيِينِ كَالَّتِي فِي سُقْيًا لَكَ، فَالْأَوْلَى مَا أَوَّلْنَاهُ أَوَّلًا. وَفِي النِّهَايَةِ هَذَا مَجَازُ الْكَلَامِ مَعْدُولٌ عَنْ ظَاهِرِهِ، فَإِنَّ الْغَيْظَ صِفَةٌ تَعْتَرِي الْمَخْلُوقَ عِنْدَ احْتِدَادِهِ يَتَحَرَّكُ لَهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عُقُوبَتِهِ لِلْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ أَيْ: إِنَّهُ أَشَدُّ أَصْحَابِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ عُقُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّ الْغَيْظَ وَالْغَضَبَ مِنَ الْأَعْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ لَهَا بِدَايَاتٌ وَغَايَاتٌ، فَإِذَا وُصِفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُهَا عَلَى الْغَايَاتِ مِنَ الِانْتِقَامِ بِإِنْزَالِ الْهَوَانِ وَحُلُولِ الْعِقَابِ، لَا عَلَى بِدَايَاتِهَا مِنَ التَّغْيِيرِ النَّفْسَانِيِّ، فَعَلَى هَذَا فِي عَلَى مَعْنَى الْوُجُوبِ أَيْ: وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْوَعِيدِ أَنْ يُغَيَّظَ عَلَيْهِ، وَيُنَكِّلَ بِهِ، وَيُعَذِّبَهُ أَشَدَّ الْعَذَابِ. قُلْتُ وَهَذَا غَايَةُ كَلَامِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ زَادَ فِي مَعْنَى عَلَى أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ وَقْعُ مَا أَخْبَرَ بِهِ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّحَتُّمِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] "، فَحِينَئِذٍ يُقَالُ: إِنَّهُ يَجِبُ وُقُوعُ عَذَابِ الْكُفَّارِ، وَإِلَّا يَقَعُ الْخُلْفُ فِي إِخْبَارِهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، فَهَذَا وَاجِبٌ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ مَا عَدَا الشِّرْكَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: وَاجِبٌ عَلَيْهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْوَعِيدِ أَنْ يُعَذِّبَهُ فَتَدَبَّرْ وَتَأَمَّلْ، لِئَلَّا تَقَعَ فِي الْخَلَلِ وَالْخَطَلِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي رِسَالَتِي الْمُسَمَّاةِ بِالْقَوْلِ السَّدِيدِ فِي خُلْفِ الْوَعِيدِ، هَذَا وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ: مَلِكَ الْأَمْلَاكِ، زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ: «لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ» . قَالَ سُفْيَانُ: مِثْلُ شَاهَنْشَاهْ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ شَاهْ شَاهْ. قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأَصْوَبَ شَاهْ شَاهَانْ. قُلْتُ: كَذَلِكَ حَتَّى يَصِحَّ الْإِضَافَةُ أَوْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ، فَيُقَالُ: شَاهْ كُلْ شَاهْ. قَالَ الْقَاضِي: فَلَا يُنْكَرُ مَجِيءُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْعَجَمِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ. قُلْتُ: هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي شَاهَنْشَاهْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَيَتَغَيَّرُ الِاعْتِبَارُ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: شَاهَانْرَاشَاهْ. قُلْتُ: وَالتَّحْقِيقُ مَا قَدَّمْنَاهُ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةِ الرَّاءِ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ. ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ شَاهْ: مُلُوكٌ، وَشَاهَانِ: الْمُلُوكُ، وَكَذَا مَا يَقُولُونَ: قَاضِي الْقُضَاةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمِمَّا يُلْحَقُ بِهِ مَلِكُ شَاهْ، وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ بِاسْمِ مَلِكِ الْأَمْلَاكِ. أَيْ: تَسَمَّى بَاسِمِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: الرَّحْمَنُ الْجَبَّارُ الْعَزِيزُ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَالَّذِي قَالَهُ سُفْيَانُ أَشْبَهُ، وَكُلٌّ لَهُ وَجْهٌ.
стр. 6562
٤٧٥٦ - وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: سُمِّيتُ بَرَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ، سَمُّوهَا زَيْنَبَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٧٥٦ - (وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) : وَهِيَ رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ﷺ (قَالَتْ: سُمِّيتُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: سَمَّانِي أَهْلِي (بَرَّةَ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَرَاءٍ مُشَدِّدَةٍ مُبَالَغَةُ بَارَّةٍ، إِمَّا عَلَى الْوَصْفِيَّةِ أَوِ الْمَصْدَرِيَّةِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) أَيْ: كَمَا قَالَ تَعَالَى ( «اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ» ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَزْكِيَةُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهَا، وَالْبِرُّ اسْمُ لِكُلِّ فِعْلٍ مَرْضِيٍّ (سَمَّوْهَا زَيْنَبَ) : فِي الْقَامُوسِ زَنِبَ كَفَرِحَ سَمُنَ وَالْأَزْنَبُ السَّمِينُ، وَبِهِ سُمِّيَتِ الْمَرْأَةُ زَيْنَبَ يَعْنِي: إِخْبَارًا أَوْ تَفَاؤُلًا أَوْ مِنْ زُبَانَى الْعَقْرَبِ لِزُبَانَاهَا، أَوْ مِنَ الزَّيْنَبِ لِشَجَرٍ حَسَنِ الْمَنْظَرِ طَيِّبِ الرَّائِحَةِ، أَوْ أَصْلُهَا زَيْنُ أَبٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «كَانَ ﷺ يُلَاعِبُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ وَيَقُولُ: يَا زُوَيْنِبُ يَا زُوَيْنِبُ مِرَارًا» . رَوَاهُ الضِّيَاءُ عَنْ أَنَسٍ.
стр. 6563
٤٧٥٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " «كَانَتْ جُوَيْرِيَةُ اسْمُهَا بَرَّةُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْمَهَا جُوَيْرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَرَّةَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٧٥٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ كَانَتْ (جُوَيْرِيَةُ) بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ تَصْغِيرُ جَارِيَةٍ، وَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ (اسْمُهَا بَرَّةُ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ فِي عِصْمَتِهِ ﷺ -
стр. 6564
(فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْمَهَا) : يَعْنِي بَرَّةَ (جُوَيْرِيَةَ) عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: إِلَى جُوَيْرِيَةَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حَوَّلَ بِمَعْنَى صَيَّرَ، فَيَصِيرُ مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولَيْنِ (وَكَانَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَرَّةَ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ عِنْدِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﵇ أَخْبَرَهُ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ قَوْلُ النَّوَوِيِّ بَيَّنَ ﷺ فِي الْحَدِيثَيْنِ نَوْعَيْنِ مِنَ الْعِلَّةِ، وَهُمَا التَّزْكِيَةُ وَخَوْفُ التَّطَيُّرِ. قُلْتُ: يَعْنِي أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَوَّلِ التَّزْكِيَةُ، وَفِي الثَّانِيَةِ التَّطَيُّرُ مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6565
٤٧٥٨ - «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ بِنْتًا كَانَتْ لِعُمَرَ يُقَالُ لَهَا: عَاصِيَةُ فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمِيلَةً» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٧٥٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ بِنْتًا كَانَتْ لِعُمَرَ يُقَالُ لَهَا: عَاصِيَةُ) : وَلَعَلَّهَا سُمِّيَتْ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ الْعِصْيَانِ، بَلْ مِنَ الْعِيصِ وَهُوَ بِالْكَسْرِ الشَّجَرُ الْكَثِيفُ الْمُلْتَفُّ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمُنْبَثِّ، وَمِنْهُ عِيصُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵉، وَكَأَنَّهُ لَمَّا أُبْدِلَتِ الْيَاءُ أَلِفًا فُتِحَتِ الْعَيْنُ، وَمِنْهُ الْعَاصُ وَأَبُو الْعَاصِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا مُؤَنَّثُ الْعَاصِ لَا تَأْنِيثُ الْعَاصِي، لَكِنْ لَمَّا كَانَ يَتَبَادَرُ مِنْهُ هَذَا الْمَعْنَى غَيَّرَهَا (فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمِيلَةً) . وَلَعَلَّهُ لَمْ يُسَمِّهَا مُطِيعَةً مَعَ أَنَّهَا ضِدُّ الْعَاصِيَةِ مَخَافَةَ التَّزْكِيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ التُّورِبِشْتِيَّ قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِالْعَاصِ وَالْعَاصِيَةِ ذِهَابًا إِلَى مَعْنَى الْإِبَاءِ عَنْ قَبُولِ النَّقَائِصِ وَالرِّضَا بِالضَّيْمِ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ كَرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ مِنَ الظَّاهِرِ أَنْ يُسَمِّيَ بِمَا يُقَابِلُ اسْمَهَا، وَالْمُقَابِلُ بَرَّةُ وَهُوَ أَيْضًا غَيْرُ جَائِزٍ لِلْعِلَّتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ، وَلِذَلِكَ عَدَلَ إِلَى جَمِيلَةٍ وَهِيَ مُقَابِلَةٌ لَهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْجَمِيلَ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ إِلَّا الْجَمِيلُ وَالْبِرُّ. قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّحْوِيلِ الْمُقَابَلَةُ أَلْبَتَّةَ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى مُرَاعَاتِهَا، مَعَ أَنَّ الْمُقَابِلَ لِلْعَاصِيَةِ إِنَّمَا هُوَ الْمُطِيعَةُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَمِيلَةَ هُنَا بِمَعْنَى الْحَسَنَةِ، لَا بِمَعْنَى الْآتِيَةِ بِالْجَمَالِ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى التَّزْكِيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَغْيِيرِ الِاسْمِ الْقَبِيحِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ تَغْيِيرُ الْأَسَامِي الْمَكْرُوهَةِ إِلَى حَسَنٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6566
٤٧٥٩ - «وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: أُتِيَ بِالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وُلِدَ، فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ فَقَالَ: " مَا اسْمُهُ؟ " قَالَ: فُلَانٌ. قَالَ: " لَا، لَكِنِ اسْمُهُ الْمُنْذِرُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٧٥٩ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁) أَيِ: السَّاعِدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ: وَكَانَ اسْمُهُ حَزْنًا، فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَهْلًا، مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ الْعَبَّاسُ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو حَازِمٍ (قَالَ: أُتِيَ) أَيْ: جِيءَ (بِالْمُنْذِرِ) : بِالْكَسْرِ (ابْنِ أَبِي أُسَيْدٍ) :. بِالتَّصْغِيرِ، وَهُوَ السَّاعِدِيُّ أَيْضًا (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وُلِدَ فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فِي الْقَامُوسِ: الْفَخِذُ كَكَتِفٍ مَا بَيْنَ السَّاقِ وَالْوَرِكِ مُؤَنَّثٌ، كَالْفَخْذِ وَيُكْسَرُ. (فَقَالَ) أَيْ: لِمَنْ أَتَى بِهِ (مَا اسْمُهُ؟ قَالَ: فُلَانٌ) . لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِ (قَالَ: لَكِنْ) : وَفِي نُسْخَةٍ: لَا لَكِنْ أَيْ: لَا أَرْضَى بِذَلِكَ لَكِنْ (اسْمُهُ الْمُنْذِرُ) . قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: لَا أَرْضَى بِمَا سَمَّيْتُمُوهُ، وَلَكِنْ أَرْضَى لَهُ أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ الْمُنْذِرَ، وَلَعَلَّهُ ﷺ تَفَاءَلَ بِهِ وَلَمَّحَ إِلَى مَعْنَى التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6567
٤٧٦٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ ". وَلَكِنْ لِيَقُلْ غُلَامِي وَجَارِيَتِي، وَفَتَايَ وَفَتَاتِي. وَلَا يَقُلِ الْعَبْدُ: رَبِّي، وَلَكِنْ يَقُلْ: سَيِّدِي» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «لِيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «لَا يَقُلِ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: مَوْلَايَ، فَإِنَّ مَوْلَاكُمُ اللَّهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٧٦٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي ") أَيْ: يَا عَبْدِي أَوْ عَبْدِي فُلَانٌ؛ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشَّرِكَةِ فِي الْعُبُودِيَّةِ أَوْ فِي حَقِيقَةِ الْعَبْدِيَّةِ وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَأَمَتِي) فِي الْإِعْرَابِ، وَالْمَعْنَى: فَإِنَّ الْأَمَةَ هِيَ الْمَمْلُوكَةُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَلَا مُلْكَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا لَهُ (كُلُّكُمْ) : اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ، وَالْمَعْنَى: كُلُّ رِجَالِكُمْ (عُبَيْدُ اللَّهِ) بِقَرِينَةِ الْمُقَابَلَةِ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ) . وَيُحْتَمَلُ أَنْ
стр. 6568
يَكُونُ الْأَوَّلُ عَامًّا عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيبِ، وَالثَّانِي تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ، وَيُؤَيِّدُ التَّوْجِيهَ السَّابِقَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ، ( «وَلَكِنْ لِيَقُلْ غُلَامِي وَجَارِيَتِي» ) أَيْ: بَدَلًا عَنْ عَبْدِي وَأَمَتِي وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَفَتَايَ وَفَتَاتِي) . فَالْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " وَهُمَا بِمَعْنَى الشَّابِّ أَوِ الشَّابَّةِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ فِي الْخَدَمِ، أَوِ الْقَوِيِّ وَالْقَوِيَّةِ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ (وَلَا يَقُلِ الْعَبْدُ: رَبِّي) أَيْ: بِالنِّدَاءِ أَوِ الْإِخْبَارِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَرْبُوبٌ مُتَعَبِّدٌ بِإِخْلَاصِ التَّوْحِيدِ، فَكُرِهَ الْمُضَاهَاةُ بِالِاسْمِ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي مَعْنَى الشِّرْكِ إِذِ الْعَبْدُ وَالْحُرُّ فِيهِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ. (وَلَكِنْ لِيَقُلْ: سَيِّدِي) ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ السِّيَادَةِ إِلَى مَعْنَى الرِّيَاسَةِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ فِي الْمَعِيشَةِ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى الزَّوْجُ سَيِّدًا. (وَفِي رِوَايَةٍ: لِيَقُلْ سَيِّدِي) أَيْ: تَارَةً (وَمَوْلَايَ) أَيْ: أُخْرَى، لَكِنْ بِمَعْنًى مُتَصَرِّفٍ. (وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَقُلِ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ مَوْلَايَ» ) . أَيْ: بِمَعْنَى النَّاصِرِ وَالْمُعِينِ، فَلَا يُنَافِي مَا سَبَقَ؛ وَلِذَا يُطْلَقُ الْمَوْلَى عَلَى الْمُعْتِقِ وَالْمُعْتَقِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : " «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» ". عَلَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ، " «مَوْلَى الرَّجُلِ أَخُوهُ وَابْنُ عَمِّهِ» " عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَوْلَى لَهُ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا: مَا يَخْتَصُّ بِهِ سُبْحَانَهُ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ تَعَالَى، وَهُوَ نِعْمَ الْمَوْلَى؛ وَلِذَا قَالَ: (فَإِنَّ مَوْلَاكُمُ اللَّهُ) أَيِ: الْمُخْتَصُّ بِهَذَا الْمَعْنَى الْخَاصِّ؛ وَلِذَا قِيلَ فِي كَرَاهَةِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ هُوَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّطَاوُلِ عَلَى الرَّقِيقِ وَالتَّحْقِيرِ لِشَأْنِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ، وَقَالَ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] ، وَقَالَ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ، وَقَالَ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] ، وَمَعْنَى هَذَا رَاجِعٌ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنَ الْكِبْرِ وَالْتِزَامِ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ، فَلَمْ يَحْسُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: فُلَانٌ عَبْدِي، بَلْ يَقُولُ: فَتَايَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَلَكَ فَتَاهُ ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا مِنَ اللَّهِ بِخَلْقِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠] ، عَلَى هَذَا امْتِحَانُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ ابْتُلِيَ يُوسُفُ ﵇ بِالرِّقِّ، كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالُوا: إِنَّمَا يُكْرَهُ لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَقُولَ لِمَالِكِهِ: رَبِّي؛ لِأَنَّ فِيهِ إِيهَامَ الْمُشَارَكَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا حَدِيثُ: حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا فِي الضَّالَّةِ فَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ فَهِيَ كَالدَّارِ وَالْمَالِ، لَا كَرَاهَةَ أَنْ يَقُولَ رَبُّ الْمَالِ وَالدَّارِ، وَأَمَّا قَوْلُ يُوسُفَ ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ، وَ ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] ، فَفِيهِ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خَاطَبَهُ بِمَا يَعْرِفُهُ وَجَازَ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ، وَثَانِيهُمَا: أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ فِي شَرْعِنَا اهـ.
وَالْأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] ، أَنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعَالَى أَيْ: إِنَّهُ خَالِقِي. أَحْسَنَ مَنْزِلَتِي وَمَأْوَايَ بِأَنْ عَطَّفَ عَلَيَّ الْقُلُوبَ فَلَا أَعْصِيهِ، وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] أَيِ: اذْكُرْ حَالَتِي عِنْدَ الْمَلِكِ كَيْ يُخَلِّصَنِي ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢] ، أَيْ: أَنْسَى يُوسُفَ ذِكْرَ اللَّهِ حَتَّى اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﵇: " «رَحِمَ اللَّهُ أَخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لَمَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ سَبْعًا بَعْدَ الْخَمْسِ» " كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ: لَمَّا قَالَ لِصَاحِبِ السِّجْنِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ، نَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: اللَّهُ يُقْرِئُكَ السَّلَامُ وَيَقُولُ: مَنْ حَبَّبَكَ إِلَى أَبِيكَ مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِكَ؟ وَمَنْ قَيَّضَ لَكَ السَّيَّارَةَ لِتَخْلِيصِكَ، وَمَنْ طَرَحَ فِي قَلْبِ مَنِ اشْتَرَاكَ مِنْ مَوَدَّتِكَ حَتَّى قَالَ: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١] ، وَمَنْ صَرَفَ عَنْكَ وَبَالَ الْمَعْصِيَةِ؟ قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَنَا الَّذِي حَفِظْتُكَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، أَخَشِيتَ أَنْ أَنْسَاكَ فِي السِّجْنِ حَتَّى اسْتَعَنْتَ بِغَيْرِي؟ وَقُلْتَ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ، أَمَا كَانَ رَبُّكَ أَقْرَبَ مِنْكَ وَأَقْدَرَ عَلَى خَلَاصِكَ مِنْ رَبِّ صَاحِبِ السِّجْنِ؟ لَتَلْبَثَنَّ فِيهِ بِضْعَ سِنِينَ. قَالَ يُوسُفُ: وَرَبِّي عَنِّي بِرَاضٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَا أُبَالِي وَلَوْ إِلَى السَّاعَةِ، كَذَا فِي حَقَائِقِ السُّلَمِيِّ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6569
٤٧٦١ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَا تَقُولُوا: الْكَرْمُ، فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٧٦١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَقُولُوا) أَيْ: لِلْعِنَبِ (الْكَرْمُ) : بِسُكُونِ الرَّاءِ وَيُفْتَحُ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ (فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ) . قَالَ شَارِحٌ: سَمَّتِ الْعَرَبُ الْعِنَبَةَ كَرْمًا ذَهَابًا إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ تُورِثُ شَارِبَهَا كَرَمًا، وَيَلْتَفِتُ إِلَيْهِ قَوْلُ الْقَائِلِ: فَيَا ابْنَةَ الْكَرْمِ لَا بَلْ يَا ابْنَةَ الْكَرَمِ
فَلَمَّا حَرَّمَ الْخَمْرَ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ تَحْقِيرًا لِلْخَمْرِ، وَتَأْكِيدًا لِحُرْمَتِهَا، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ هُوَ الْكَرْمُ؛ لِأَنَّهُ مَعْدِنُ التَّقْوَى لَا الْخَمْرُ الْمُؤَدِّي إِلَى اخْتِلَالِ الْعَقْلِ، وَفَسَادِ الرَّأْيِ وَإِتْلَافِ الْمَالِ وَصَرْفِهِ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ. وَفِي الْفَائِقِ: أَرَادَ أَنْ يُقَرِّرَ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، بِطَرِيقٍ مَنِيفٍ وَمَسْلَكٍ لَطِيفٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْكَرَمُ مُحَرَّكَةٌ ضِدُّ اللُّؤْمِ، وَأَرْضٌ كَرَمٌ مُحَرَّكَةً أَيْ: طَيِّبَةٌ، وَالْكَرْمُ: الْعِنَبُ، وَالْكَرِيمَانِ الْحَجُّ وَالْجِهَادُ، وَمِنْهُ: «خَيْرُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ بَيْنَ كَرِيمَيْنِ» . وَفِي الْحَدِيثِ: " «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ» ". وَلَيْسَ الْغَرَضُ حَقِيقَةَ النَّهْيِ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا، وَلَكِنَّهُ رَمْزٌ إِلَى أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ غَيْرِ الْأَنَاسِيِّ الْمُسَمَّى بِالِاسْمِ الْمُشْتَقِّ مِنَ الْكَرَمِ، أَنْتُمْ أَحِقَّاءُ بِأَنْ لَا تُؤَهِّلُوهُ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ غَيْرَةً لِلْمُسْلِمِ التَّقِيِّ أَنْ يُشَارَكَ فِيمَا سَمَّاهُ اللَّهُ، وَخَصَّهُ بِأَنْ جَعَلَهُ صِفَتَهُ، فَضْلًا أَنْ تُسَمُّوا بِالْكَرِيمِ مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ تَأَتَّى لَكُمْ أَنْ لَا تُسَمُّوهُ مَثَلًا بِاسْمِ الْكَرَمِ، فَلَا تُسَمُّوا بِهِ غَيْرَهُ. وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ الْكَرْمَ أَيْ: فَإِنَّمَا الْمُسْتَحِقُّ لِلِاسْمِ الْمُشْتَقِّ مِنَ الْكَرَمِ الْمُسْلِمُ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ كَرَمٌ وَامْرَأَةٌ كَرَمٌ، وَرَجُلَانِ كَرَمٌ، وَرِجَالٌ كَرَمٌ، وَنِسْوَةٌ كَرَمٌ كُلُّهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا بِمَعْنَى كَرِيمٍ؛ وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ كَعَدْلٍ وَضَيْفٍ.
стр. 6570
٤٧٦٢ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: " «لَا تَقُولُوا: الْكَرْمُ، وَلَكِنْ قُولُوا: الْعِنَبُ وَالْحَبَلَةُ» ".
ــ
٤٧٦٢ - (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ: لِمُسْلِمٍ (عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ) : بِضَمِّ حَاءٍ وَسُكُونِ جِيمٍ (لَا تَقُولُوا: الْكَرْمُ وَلَكِنْ قُولُوا: الْعِنَبُ) : وَهُوَ يُطْلَبُ عَلَى الثَّمَرِ وَالشَّجَرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الشَّجَرُ (وَالْحَبْلَةُ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ وَيُسَكَّنُ - وَهُوَ الْأَصْلُ - مِنْ شَجَرِ الْعِنَبِ.
стр. 6571
٤٧٦٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ، وَلَا تَقُولُوا: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ! فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤٧٦٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ، وَلَا تَقُولُوا: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ» ) : الْخَيْبَةُ الْحِرْمَانُ وَالْخُسْرَانُ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمُصَدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ! يُرِيدُونَ سَبَّ الدَّهْرِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ( «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» ) أَيْ: هُوَ مَا يُضَافُ إِلَى الدَّهْرِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، أَوْ فَإِنَّ اللَّهَ خَالِقُ الدَّهْرِ وَمُصَرِّفُهُ وَمُقَلِّبُهُ وَالْمُتَصَرِّفُ فِيهِ وَالدَّهْرُ مُسَخَّرٌ بِحِكْمَتِهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
стр. 6572
٤٧٦٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَسُبَّ أَحَدُكُمُ الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٧٦٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ ( «قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَسُبَّ أَحَدُكُمُ الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» ": قَدْ مَرَّ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مُفَصَّلًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6573
٤٧٦٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: " يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ " فِي " بَابِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٤٧٦٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ) : بِفَتْحِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَتَاءٍ سَاكِنَةٍ (نَفْسِي وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي) : بِفَتْحِ لَامٍ فَكَسْرِ قَافٍ، أَيْ: غَثِيَتْ. عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ اللَّقْسَ الْغَثَيَانُ، وَإِنَّمَا كَرِهَ خَبُثَتْ هَرَبًا مِنْ لَفْظِ الْخُبْثِ وَالْخَبِيثِ يَعْنِي مِنَ الِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ مَعَ التَّبَادُرِ إِلَى الْمَعْنَى الْقَبِيحِ. وَقَالَ شَارِحٌ: لَقِسَتْ بِالْكَسْرِ وَخَبُثَتْ أَيْ: غَثِيَتْ، وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ كُلًّا مِنْهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَضْرِبَ الْمُؤْمِنُ لِنَفْسِهِ مَثَلَ السَّوْءِ، وَيُضِيفَ الْخُبْثَ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَى خَبَاثَةِ النَّفْسِ وَسُوءِ الْخُلُقِ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْغَثَيَانِ إِلَى نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُمْ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ كَسَلًا وَتَهَاوُنًا: الْخُبْثُ؛ حَيْثُ قَالَ: أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسِلَانَا ذَمًّا وَزَجْرًا لَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّمَا كَرِهَ لَفْظَ الْخُبْثِ لِشَنَاعَتِهِ، وَعَلَّمَهُمُ الْأَدَبَ فِي الْأَلْفَاظِ، وَاسْتِعْمَالَ أَحْسَنِهَا، وَهِجْرَانَ قَبِيحِهَا، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ ﷺ فِي الَّذِي يَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ: " خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ " وَالْجَوَابُ أَنَّهُ ﷺ مُخْبِرٌ هُنَاكَ عَنْ صِفَةِ غَيْرِهِ وَعَنْ شَخْصٍ مُبْهَمٍ مَذْمُومِ الْحَالِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَكَمِثْلِ ذَلِكَ فِي السُّنَنِ نَهَى عَنْ لَعْنِ الْمُسْلِمِ أَشَدَّ النَّهْيِ. ثُمَّ قَالَ: " «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ» " وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ الْقَصْدُ فِيهِ الْوَعِيدُ وَالزَّجْرُ لَا اللَّعْنُ لِمُسْلِمٍ بِعَيْنِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: " يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ " فِي " بَابِ الْإِيمَانِ ") .
стр. 6574
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٧٦٦ - «عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يُكَنُّونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ " قَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بِحُكْمِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ " قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ. قَالَ: " فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ " قَالَ: قُلْتُ: شُرَيْحٌ. قَالَ: " فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٧٦٦ - (عَنْ شُرَيْحِ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ هَانِئٍ) : بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ فَهَمْزَةٌ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: هَانِئِ بْنِ يَزِيدٍ (أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ) أَيْ: جَاءَ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ) أَيْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ (يُكَنُّونَهُ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَعَ ضَمِّ أَوَّلِهِ، وَتَخْفِيفٍ مَعَ فَتْحِ أَوَّلِهِ (بِأَبِي الْحَكَمِ) : الْكُنْيَةُ قَدْ تَكُونُ بِالْأَوْصَافِ كَأَبِي الْفَضَائِلِ وَأَبَى الْمَعَالِي وَأَبِي الْحَكَمِ وَأَبِي الْخَيْرِ، وَقَدْ تَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوْلَادِ كَأَبِي سَلَمَةَ، وَأَبِي شُرَيْحٍ، وَإِلَى مَا لَا يُلَابِسُهُ كَأَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنَّهُ ﵇ رَآهُ وَمَعَهُ هِرَّةٌ فَكَنَّاهُ بِأَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ تَكُونُ لِلْعَلَمِيَّةِ الصِّرْفَةِ كَأَبِي بَكْرٍ وَأَبِي عَمْرٍو (فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: طَلَبَ هَانِئًا (فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ) : عَرَّفَ الْخَبَرَ وَأَتَى بِضَمِيرِ الْفَصْلِ فَدَلَّ عَلَى الْحَصْرِ، وَأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ مُخْتَصٌّ بِهِ لَا يَتَجَاوَزُ إِلَى غَيْرِهِ (وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ) أَيْ: مِنْهُ يُبْتَدَأُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي الْحُكْمُ، ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] ، لَا رَادَّ لِحُكْمِهِ، وَلَا يَخْلُو حُكْمُهُ عَنْ حِكْمَتِهِ. وَفِي إِطْلَاقِ أَبِي الْحَكَمِ عَلَى غَيْرِهِ يُوهِمُ الِاشْتِرَاكَ فِي وَصْفِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ أَبُو الْحَكَمِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ الْوَالِدِيَّةِ وَالْوَلَدِيَّةِ، وَقَدْ غَيَّرَ ﷺ اسْمَ عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ الْمُكَنَّى بِأَبِي الْحَكَمِ بِأَبِي جَهْلٍ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْحَكَمُ هُوَ الْحَاكِمُ الَّذِي إِذَا حَكَمَ لَا يُرَدُّ حُكْمُهُ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تَلِيقُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْحَكَمُ. (فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟) أَيْ: فَلِأَيِّ شَيْءٍ وَبِأَيِّ سَبَبٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُنْيَةِ تُكَنَّى بِأَبِي الْحَكَمِ؟ (قَالَ: إِنَّ قَوْمِي) : اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ (إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ) : وَصَارُوا فِرْقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ وَكَادَ أَنْ يَقْتَتِلَا (أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ) أَيْ: بِأَيِّ نَوْعٍ مِنَ الْحُكْمِ (فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بِحُكْمِي) أَيْ: لِمُرَاعَاتِي الْجَانِبَيْنِ وَالْعَدْلَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَحُصُولِ الصُّلْحِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَحْسَنَ هَذَا) أَيِ: الَّذِي ذَكَرْتَهُ مِنَ الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ، أَوْ مِنْ وَجْهِ التَّكْنِيَةِ وَهُوَ الْأَوْلَى، وَأَتَى بِصِيغَةِ التَّعَجُّبِ مُبَالَغَةً فِي حُسْنِهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الْإِيهَامِ مَا سَبَقَ فِي الْكَلَامِ أَرَادَ تَحْوِيلَ كُنْيَتِهِ إِلَى مَا يُنَاسِبُهُ فِي الْمَرَامِ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ
стр. 6575
(فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟) : وَأَغْرَبَ الْمُظْهِرُ فِي قَوْلِهِ: مَا لِلتَّعَجُّبِ، يَعْنِي: الْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ حَسَنٌ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْكُنْيَةَ غَيْرُ حَسَنَةٍ، وَتَبِعَهُ الطِّيبِيُّ فَقَالَ: وَلَمَّا لَمْ يُطَابِقْ جَوَابَ أَبِي شُرَيْحٍ قَالَ لَهُ ﷺ عَلَى أَلْطَفِ وَجْهٍ وَأَرْشَقِهِ رَدًّا عَلَيْهِ ذَلِكَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا، لَكِنْ أَيْنَ ذَلِكَ مِنْ هَذَا؟ فَاعْدِلْ عَنْهُ إِلَى مَا هُوَ يَلِيقُ بِحَالِكَ مِنَ التَّكَنِّي بِالْأَبْنَاءِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ وَأَلْيَقُ بِحَالِهِ. (قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ) : ظَاهِرُ التَّرْتِيبِ الْمُقْتَضِي لِعَقْلِهِ أَنَّهُ قَدَّمَ الْأَكْبَرَ فَالْأَكْبَرَ، لَكِنَّ الْوَاوَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى مُطْلَقِ الْجَمْعِ كَانَ غَيْرَ صَرِيحٍ فِي الْمُدَّعَى (قَالَ: " وَمَنْ أَكْبَرُهُمْ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُكَنَّى الرَّجُلُ بِأَكْبَرِ بَنِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ فَبِأَكْبَرِ بَنَاتِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ بِأَكْبَرِ بَنِيهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ابْنٌ فَبِأَكْبَرِ بَنَاتِهَا.
(قَالَ) أَيْ: هَانِئٌ (قُلْتُ: شُرَيْحٌ) أَيْ: أَكْبَرُهُمْ (قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ) أَيْ: رِعَايَةً لِلْأَكْبَرِ سِنًّا، فَصَارَ بِبَرَكَتِهِ ﷺ أَكْبَرَ رُتْبَةٍ، وَأَكْثَرَ فَضْلًا، فَإِنَّهُ مِنْ أَجِلَّةِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ ﵁ وَكَانَ مُفْتِيًا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، وَيَرُدُّ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَقَدْ وَلَّاهُ عَلِيٌّ ﵁ قَاضِيًا، وَخَالَفَهُ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْحَسَنِ لَهُ وَالْقَضِيَّةُ مَشْهُورَةٌ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: وَأَمَّا التَّابِعِيُّ: فَإِنْ ظَهَرَتْ فَتْوَاهُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ كَشُرَيْحٍ كَانَ مِثْلَهُمْ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَلَعَلَّهُ عُدَّ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِ الْمُصَنِّفِ لِهَذَا الْمَعْنَى، أَوْ لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُخَضْرَمِينَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 6576
٤٧٦٧ - «وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: لَقِيتُ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ. قَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الْأَجْدَعُ شَيْطَانٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ
ــ
٤٧٦٧ - (وَعَنْ مَسْرُوقٍ) : هَمَذَانِيٌّ كُوفِيٌّ، أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَدْرَكَ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَكَانَ أَحَدَ الْأَعْلَامِ وَالْفُقَهَاءِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ عَامِلًا عَلَى الْبَصْرَةِ أَهْدَى إِلَى مَسْرُوقٍ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُحْتَاجٌ فَلَمْ يَقْبَلْهَا. يُقَالُ: إِنَّهُ سُرِقَ صَغِيرًا ثُمَّ وُجِدَ فَسُمِّيَ مَسْرُوقًا. ( «قَالَ: لَقِيتُ عُمَرَ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ، قَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الْأَجْدَعُ شَيْطَانٌ» ") أَيِ: اسْمُ شَيْطَانٍ مِنَ الشَّيَاطِينِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ مِنْ مَقْطُوعِ الْأَطْرَافِ لِمَقْطُوعِ الْحُجَّةِ اهـ. وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُطَايَبَةً مِنْ عُمَرَ ﵁ أَوْ تَنْبِيهًا عَلَى تَغْيِيرِ هَذَا الِاسْمِ عَنْ أَبِيهِ إِنْ كَانَ حَيًّا، وَيُقَالُ لَهُ أَبُو مَسْرُوقٍ وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا وَاحْتِرَاسًا مِنْ أَنْ يُسَمَّى وَلَدُهُ بَاسِمِ أَبِيهِ، وَيُكَنَّى بِأَبِي الْأَجْدَعِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ.
стр. 6577
٤٧٦٨ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٧٦٨ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تُدْعَوْنَ) : وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ، وَهُوَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: تُنَادَوْنَ أَوْ تُسَمَّوْنَ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا) أَيْ: أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ (أَسْمَاءَكُمْ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6578
٤٧٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَجْمَعَ أَحَدٌ بَيْنَ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ، وَيُسَمَّى مُحَمَّدٌ أَبَا الْقَاسِمِ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٧٦٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَجْمَعَ أَحَدٌ بَيْنَ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ، وَيُسَمَّى» ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مُحَمَّدٌ) : بِالرَّفْعِ (أَبَا الْقَاسِمِ) : بِالنَّصْبِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ: نَهَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ اسْمِهِ، عَلَى
стр. 6579
بِنَاءِ الْمَفْعُولِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ (أَحَدٌ) . وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ يُسَمَّى بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَمُحَمَّدًا بِالنَّصْبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مُطَابِقٌ لِمَا قَبْلَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مُحَمَّدٌ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ أُقِيمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ، كَذَا فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَشَرْحِ السُّنَّةِ وَأَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَالْمَعْنَى: يُسَمَّى الْمُسَمَّى بِمُحَمَّدٍ أَبَا الْقَاسِمِ. وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ (مُحَمَّدًا) مَنْصُوبٌ، فَالْفِعْلُ يَكُونُ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ يَكُونُ بِفَتْحِ الْيَاءِ بِالنَّصْبِ الظَّاهِرِيِّ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ مَفْعُولًا، فَإِنَّ نَصْبَهُ مُقَدَّرٌ عَلَى الْأَلْفِ، ثُمَّ عَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ تَقْدِيرُهُ: وَأَنْ يُسَمِّيَ أَحَدٌ مُحَمَّدًا أَبَا الْقَاسِمِ، وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ وَأَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَقِيقَةِ، إِنَّمَا هُوَ عَنْ كُنْيَتِهِ ﷺ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ اسْمِ مُحَمَّدٍ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 6580
٤٧٧٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا سَمَّيْتُمْ بِاسْمِي فَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: " «وَمَنْ تَسَمَّى بِاسْمِي لَا يَكْتَنِ بِكُنْيَتِي، وَمَنْ تَكَنَّى بِكُنْيَتِي فَلَا يَتَسَمَّ بِاسْمِي» ".
ــ
٤٧٧٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا سَمَّيْتُمْ بِاسْمِي) أَيْ: فَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي تَسْمِيَتِهِ (فَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي) أَيْ: فِي حَيَاتِي، لِئَلَّا يَلْتَبِسَ فِي ذَاتِي، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ " تَسَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي " عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ، وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ إِفْرَادَ الْكُنْيَةِ جَائِزٌ فَإِنَّهُ أَقَلُّ كَرَاهَةٍ مِنَ الْجَمْعِ، إِذْ فِي الْإِفْرَادِ يُمْكِنُ رَفْعُ اللَّبْسِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الرَّفْعُ إِلَّا بِكُلْفَةٍ لِكَثْرَةِ الِاشْتِرَاكِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَانِهِ أَوْ بَعْدَهُ اهـ. وَمَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا أَوْلَى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: «مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِي فَلَا يَكْتَنِي بِكُنْيَتِي، وَمَنْ تُكَنَّى بِكُنْيَتِي، فَلَا يَتَسَمَّ بِاسْمِي» ) : وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ الْمَلَكِ، لَكِنْ تُخَالِفُ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ السَّابِقَ، نَعَمْ يُمْكِنُ تَقْيِيدُهُ بِأَنَّ هَذَا بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ لِئَلَّا يُورِثَ الِاشْتِبَاهَ فِي ذِكْرِهِ أَوْ نَسَبِهِ، وَأَمَّا الْكُنْيَةُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَمَنْهِيَّةٌ مُطْلَقًا لِمَا سَبَقَ مِنْ سَبَبِ وُرُودِهِ، وَأَمَّا وَجْهُ الْمَنْعِ عَلَى التَّعْلِيلِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّهُ مَعَ وُجُودِ الْفَرْدِ الْأَكْمَلِ لَا يَنْبَغِي إِطْلَاقُ الْوَصْفِ عَلَى غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 6581
٤٧٧١ - «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي وَلَدْتُ غُلَامًا فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا، وَكَنَّيْتُهُ أَبَا الْقَاسِمِ، فَذُكِرَ لِي أَنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: " مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي؟ أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي؟» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: غَرِيبٌ.
ــ
٤٧٧١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي وَلَدْتُ غُلَامًا) أَيْ: نَفْسَهُ (فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا، وَكَنَّيْتُهُ أَبَا الْقَاسِمِ) أَيْ: تَبَرُّكًا بِهِمَا (فَذُكِرَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: فَذَكَرَ بَعْضٌ (لِي أَنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ) أَيْ: كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَجَابَ (فَقَالَ: " مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي؟ !) : بِالِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ (أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي؟ !) : شَكٌّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ، وَفِيهِ تَصْرِيحٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْجَمْعِ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ بَلْ لِلتَّنْزِيهِ كَمَا سَبَقَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: غَرِيبٌ) أَيْ: مَتْنًا أَوْ إِسْنَادًا.
стр. 6582
٤٧٧٢ - «وَعَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ وُلِدَ لِي بَعْدَكَ وَلَدٌ أُسَمِّيهِ بِاسْمِكَ وَأُكَنِّيهِ بِكُنْيَتِكَ؟ قَالَ: " نَعَمْ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٧٧٢ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ) : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يُكَنَّى أَبَا الْقَاسِمِ، وَأُمُّهُ خَوْلَةُ بِنْتُ جَعْفَرٍ الْحَنَفِيَّةُ، وَيُقَالُ: بَلْ كَانَتْ أُمُّهُ مِنْ سَبْيِ الْيَمَامَةِ، فَصَارَتْ إِلَى عَلِيٍّ ﵁. وَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵄: رَأَيْتُ أُمَّ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ سَنْدِيَّةً سَوْدَاءَ، وَكَانَتْ أَمَةَ بَنِي حَنِيفَةَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَلَهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. (عَنْ أَبِيهِ قَالَ) أَيْ: أَبُوهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ) أَيْ: أَخْبِرْنِي (إِنْ وُلِدَ لِي بَعْدَكَ) أَيْ: فَرْضًا وَتَقَدُّرًا (وَلَدٌ) أَيْ: مِنْ فَاطِمَةَ أَوْ غَيْرِهَا (أُسَمِّيهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ وَأُسَمِّيهِ (بِاسْمِكَ وَأُكَنِّيهِ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ (بِكُنْيَتِكَ؟) أَيْ: تَبَرُّكًا وَتَذَكُّرًا (قَالَ: نَعَمْ) : فِيهِ أَنَّ النَّهْيَ مَقْصُورٌ عَلَى زَمَانِهِ، فَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بَعْدَهُ لِرَفْعِ الِالْتِبَاسِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ حَقَّقْنَا الْبَحْثَ قَبْلَ ذَلِكَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6583
٤٧٧٣ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَنَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَقْلَةٍ كُنْتُ أَجْتَنِيهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَفِي " الْمَصَابِيحِ ": صَحَّحَهُ.
ــ
٤٧٧٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: كَنَّانِي) : بِتَشْدِيدِ - النُّونِ الْأُولَى أَيْ: جَعَلَنِي مُكَنًّى بِأَبِي حَمْزَةَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَقْلَةٍ) أَيْ: بِسَبَبِ اسْمِ بَقْلَةٍ خَرِيفِيَّةٍ فِي طَعْمِهَا حُمُوضَةٌ اسْمُهَا حَمْزَةُ بِالْحَاءِ وَالزَّايِ (كُنْتُ أَجْتَنِيهَا) أَيْ: أَقْلَعُهَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) أَيِ: الْحَدِيثُ غَرِيبٌ، وَالْغَرَابَةُ تَجْتَمِعُ مَعَ الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ؛ وَلِذَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (وَفِي " الْمَصَابِيحِ " صَحَّحَهُ) .
стр. 6584
٤٧٧٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُغَيِّرُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٧٧٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُغَيِّرُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ» ) أَيْ: غَيْرَ اللَّائِقِ بِضِدِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْأَمْثِلَةِ، وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ اسْمُهُ أَسْوَدَ فَسَمَّاهُ - أَبْيَضَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 6585
٤٧٧٥ - وَعَنْ بَشِيرِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَمِّهِ أُسَامَةَ بْنِ أَخْدَرِيٍّ، «أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَصْرَمُ كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ أُوتُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا اسْمُكَ؟ " قَالَ: أَصْرَمُ قَالَ: " بَلْ أَنْتَ زُرْعَةُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٧٧٥ - (وَعَنْ بِشْرِ بْنِ مَيْمُونٍ) : ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ، وَقَالَ: صَدُوقٌ، رَوَى عَنْهُ بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ وَغَيْرُهُ. (عَنْ عَمِّهِ أُسَامَةَ بْنِ أَخْدَرِيٍّ) : بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَسُكُونِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ دَالٍّ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ رَاءٍ وَيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، وَقِيلَ فِي صُحْبَتِهِ وَفِي إِسْنَادِ حَدِيثِهِ مَقَالٌ، لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي تَغْيِيرِ الْأَسْمَاءِ (أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَصْرَمُ) : أَفْعَلُ مِنَ الصَّرْمِ (كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِي) : أُفْرِدَ الْمَوْصُولُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ النَّفَرِ وَجُمِعَ فِي قَوْلِهِ: (أُوتُوا) : بِحَسَبِ الْمَعْنَى، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] ، وَفِي نُسْخَةٍ: الَّذِينَ أَتَوْا (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا اسْمُكَ؟ ، قَالَ: أَصْرَمُ قَالَ: بَلْ أَنْتَ زُرْعَةٌ» ") : بِضَمِّ زَايٍ وَسُكُونِ رَاءٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّرْعِ، وَهُوَ مُسْتَحْسَنٌ بِخِلَافِ أَصْرَمَ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّرْمِ، وَهُوَ الْقَطْعُ فَبَادَلَهُ بِهِ وَغَيَّرَهُ لَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
следующие страницы →