← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

٤٧٧١ - «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي وَلَدْتُ غُلَامًا فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا، وَكَنَّيْتُهُ أَبَا الْقَاسِمِ، فَذُكِرَ لِي أَنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: " مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي؟ أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي؟» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: غَرِيبٌ. ــ ٤٧٧١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي وَلَدْتُ غُلَامًا) أَيْ: نَفْسَهُ (فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا، وَكَنَّيْتُهُ أَبَا الْقَاسِمِ) أَيْ: تَبَرُّكًا بِهِمَا (فَذُكِرَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: فَذَكَرَ بَعْضٌ (لِي أَنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ) أَيْ: كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَجَابَ (فَقَالَ: " مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي؟ !) : بِالِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ (أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي؟ !) : شَكٌّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ، وَفِيهِ تَصْرِيحٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْجَمْعِ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ بَلْ لِلتَّنْزِيهِ كَمَا سَبَقَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: غَرِيبٌ) أَيْ: مَتْنًا أَوْ إِسْنَادًا.

стр. 6582

٤٧٧٢ - «وَعَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ وُلِدَ لِي بَعْدَكَ وَلَدٌ أُسَمِّيهِ بِاسْمِكَ وَأُكَنِّيهِ بِكُنْيَتِكَ؟ قَالَ: " نَعَمْ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٧٧٢ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ) : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يُكَنَّى أَبَا الْقَاسِمِ، وَأُمُّهُ خَوْلَةُ بِنْتُ جَعْفَرٍ الْحَنَفِيَّةُ، وَيُقَالُ: بَلْ كَانَتْ أُمُّهُ مِنْ سَبْيِ الْيَمَامَةِ، فَصَارَتْ إِلَى عَلِيٍّ ﵁. وَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵄: رَأَيْتُ أُمَّ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ سَنْدِيَّةً سَوْدَاءَ، وَكَانَتْ أَمَةَ بَنِي حَنِيفَةَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَلَهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. (عَنْ أَبِيهِ قَالَ) أَيْ: أَبُوهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ) أَيْ: أَخْبِرْنِي (إِنْ وُلِدَ لِي بَعْدَكَ) أَيْ: فَرْضًا وَتَقَدُّرًا (وَلَدٌ) أَيْ: مِنْ فَاطِمَةَ أَوْ غَيْرِهَا (أُسَمِّيهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ وَأُسَمِّيهِ (بِاسْمِكَ وَأُكَنِّيهِ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ (بِكُنْيَتِكَ؟) أَيْ: تَبَرُّكًا وَتَذَكُّرًا (قَالَ: نَعَمْ) : فِيهِ أَنَّ النَّهْيَ مَقْصُورٌ عَلَى زَمَانِهِ، فَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بَعْدَهُ لِرَفْعِ الِالْتِبَاسِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ حَقَّقْنَا الْبَحْثَ قَبْلَ ذَلِكَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6583

٤٧٧٣ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَنَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَقْلَةٍ كُنْتُ أَجْتَنِيهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَفِي " الْمَصَابِيحِ ": صَحَّحَهُ. ــ ٤٧٧٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: كَنَّانِي) : بِتَشْدِيدِ - النُّونِ الْأُولَى أَيْ: جَعَلَنِي مُكَنًّى بِأَبِي حَمْزَةَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَقْلَةٍ) أَيْ: بِسَبَبِ اسْمِ بَقْلَةٍ خَرِيفِيَّةٍ فِي طَعْمِهَا حُمُوضَةٌ اسْمُهَا حَمْزَةُ بِالْحَاءِ وَالزَّايِ (كُنْتُ أَجْتَنِيهَا) أَيْ: أَقْلَعُهَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) أَيِ: الْحَدِيثُ غَرِيبٌ، وَالْغَرَابَةُ تَجْتَمِعُ مَعَ الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ؛ وَلِذَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (وَفِي " الْمَصَابِيحِ " صَحَّحَهُ) .

стр. 6584

٤٧٧٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُغَيِّرُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٧٧٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُغَيِّرُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ» ) أَيْ: غَيْرَ اللَّائِقِ بِضِدِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْأَمْثِلَةِ، وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ اسْمُهُ أَسْوَدَ فَسَمَّاهُ - أَبْيَضَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 6585

٤٧٧٥ - وَعَنْ بَشِيرِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَمِّهِ أُسَامَةَ بْنِ أَخْدَرِيٍّ، «أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَصْرَمُ كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ أُوتُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا اسْمُكَ؟ " قَالَ: أَصْرَمُ قَالَ: " بَلْ أَنْتَ زُرْعَةُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٧٧٥ - (وَعَنْ بِشْرِ بْنِ مَيْمُونٍ) : ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ، وَقَالَ: صَدُوقٌ، رَوَى عَنْهُ بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ وَغَيْرُهُ. (عَنْ عَمِّهِ أُسَامَةَ بْنِ أَخْدَرِيٍّ) : بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَسُكُونِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ دَالٍّ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ رَاءٍ وَيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، وَقِيلَ فِي صُحْبَتِهِ وَفِي إِسْنَادِ حَدِيثِهِ مَقَالٌ، لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي تَغْيِيرِ الْأَسْمَاءِ (أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَصْرَمُ) : أَفْعَلُ مِنَ الصَّرْمِ (كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِي) : أُفْرِدَ الْمَوْصُولُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ النَّفَرِ وَجُمِعَ فِي قَوْلِهِ: (أُوتُوا) : بِحَسَبِ الْمَعْنَى، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] ، وَفِي نُسْخَةٍ: الَّذِينَ أَتَوْا (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا اسْمُكَ؟ ، قَالَ: أَصْرَمُ قَالَ: بَلْ أَنْتَ زُرْعَةٌ» ") : بِضَمِّ زَايٍ وَسُكُونِ رَاءٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّرْعِ، وَهُوَ مُسْتَحْسَنٌ بِخِلَافِ أَصْرَمَ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّرْمِ، وَهُوَ الْقَطْعُ فَبَادَلَهُ بِهِ وَغَيَّرَهُ لَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6586

٤٧٧٦ - وَقَالَ: وَغَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَ الْعَاصِ، وَعَزِيزٍ، وَعَتَلَةَ، وَشَيْطَانٍ، وَالْحَكَمِ، وَغُرَابٍ، وَحُبَابٍ، وَشِهَابٍ، وَقَالَ: تَرَكْتُ أَسَانِيدَهَا لِلِاخْتِصَارِ. ــ ٤٧٧٦ - (وَقَالَ) أَيْ: أَبُو دَاوُدَ بِطَرِيقِ التَّعْلِيقِ (وَغَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَ الْعَاصِ) : قَالَ شَارِحٌ: لِأَنَّهُ مِنَ الْعِصْيَانِ. وَفِي الْفَائِقِ: كَرِهَ الْعَاصِيَ؛ لِأَنَّ شِعَارَ الْمُؤْمِنَ الطَّاعَةُ، لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْقَامُوسِ أَنَّ الْعَاصَ لَيْسَ مِنْ مَادَّةِ الْعِصْيَانِ؛ حَيْثُ ذُكِرَ فِي مُعْتَلِّ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَاصَ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْلَادُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْأَكْبَرِ، وَهُمْ: الْعَاصُ، وَأَبُو الْعَاصِ، وَالْعِيصُ، وَأَبُو الْعِيصِ، قَالَ: وَالْعِيصُ الْمَنْبِتُ، وَعِيصُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵉، فَلَعَلَّ التَّبْدِيلَ الِاسْمِيَّ لِأَجْلِ الِاشْتِبَاهِ اللَّفْظِيِّ. (وَعَزِيزٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: عَبْدُ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَوْصُوفٌ بِالذُّلِّ وَالْخُضُوعِ، وَالْعِزَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى بِحَمِيدٍ، فَإِنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ، فَلَا يُقَالُ إِلَّا عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَكَذَلِكَ الْكَرِيمُ وَأَمْثَالُهُ. (وَعَتَلَةَ) : بِفُتُحَاتٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْغِلْظَةُ وَالشِّدَّةُ مِنْ عَتَلْتُهُ إِذَا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، وَالْمُؤْمِنُ مَوْصُوفٌ بِلِينِ الْجَانِبِ وَخَفْضِ الْجَنَاحِ، وَقِيلَ: الْعَتَلَةُ عَمُودُ حَدِيدٍ يُهْدَمُ بِهِ الْحِيطَانُ، وَقِيلَ: حَدِيدَةٌ كَبِيرَةٌ يُقْلَعُ بِهَا الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ. (وَشَيْطَانٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُسَمَّاهُ يَتَشَاءَمُ بِهِ كُلُّ مَنْ رَآهُ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ أَيْضًا مَأْخُوذٌ مَنْ شَاطَ احْتَرَقَ أَوْ هَلَكَ. قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: وَمِنْهُ الشَّيْطَانُ فِي قَوْلٍ، أَوْ مِنْ شَطَنَ، فَفِي الْقَامُوسِ: الشَّاطِنُ الْخَبِيثُ وَالشَّيْطَانُ مَعْرُوفٌ، وَكُلُّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ مِنْ إِنْسٍ أَوْ جِنٍّ أَوْ دَابَّةٍ، وَشَيْطَنَ وَتَشَيْطَنَ فَعَلَ فِعْلَهُ، وَالْحَيَّةُ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: لِأَنَّ اشْتِقَاقَهُ مِنَ الشَّطَنِ وَهُوَ الْبُعْدُ عَنِ الْخَيْرِ. (وَالْحَكَمِ) : بِفُتْحَتَيْنِ مُبَالَغَةُ الْحَاكِمِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْحَاكِمُ وَلَا حُكْمَ إِلَّا لَهُ، فَإِذَا كَانَ ﷺ -

стр. 6587

غَيَّرَ أَبَا الْحَكَمِ عَلَى مَا سَبَقَ، فَالْحَكَمُ بِالْأَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى (وَغُرَابٍ) : لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْبُعْدُ؛ وَلِأَنَّهُ أَخْبَثُ الطُّيُورِ لِوُقُوعِهِ عَلَى الْجِيَفِ وَبَحْثِهِ عَنِ النَّجَاسَاتِ. وَقَالَ شَارِحٌ: لِأَنَّ الْغُرَابَ طَيْرٌ مَذْمُومٌ شَرْعًا، أَوْ لِأَنَّهُ مِنَ الْغُرُوبِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ فِي التَّفَاؤُلِ، يَعْنِي: وَكَانَ ﷺ يُحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنَ وَالْفَأْلَ الْحَسَنَ عَلَى مَا وَرَدَ كَمَا سَبَقَ. (وَحُبَابٍ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ اسْمُ الشَّيْطَانِ، وَيَقَعُ عَلَى الْحَيَّةِ أَوْ نَوْعٌ مِنْهَا (وَشِهَابٍ) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ؛ لِأَنَّهُ شُعْلَةُ نَارٍ سَاقِطَةٌ، وَالنَّارُ عِقَابُ الْكُفَّارِ، وَلِأَنَّهُ يُرْجَمُ بِهِ الشَّيْطَانُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى الدِّينِ مَثَلًا لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا. (وَقَالَ) أَيْ: أَبُو دَاوُدَ اعْتِذَارًا عَنْ إِيرَادِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مُعَلِّقًا (تَرَكْتُ أَسَانِيدَهَا لِلِاخْتِصَارِ) : وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَرَكْتُ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ وَإِعَادَةٌ. قَالَ: لِطُولِ الْفَصْلِ هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي فِي حَلِّ هَذَا الْمَحَلِّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: وَقَالَ: تَرَكْتُ أَسَانِيدَهَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ قَالَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ رَاوِي أَبِي دَاوُدَ، يَقُولُ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَحَادِيثَ مُتَعَدِّدَةً بِإِسْنَادِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهَا: أَنَّهُ غَيَرَّ أَسَامِيَ رِجَالٍ، ثُمَّ عَطَفَ أَبُو دَاوُدَ قَوْلَهُ: وَغَيَّرَ إِلَخْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَلَى الْمَذْكُورِ، ثُمَّ قَالَ: مَا ذَكَرْتُهُ مِنَ التَّغْيِيرِ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ مُسْنَدَةٍ، وَإِنِّي تَرَكْتُ أَسَانِيدَهَا اخْتِصَارًا، كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ: وَغَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ غَيَّرَ اسْمَ الْعَاصِ، وَلَعَلَّهُ سَهْوٌ مِنَ النَّاسِخِ اهـ. كَلَامُ الطِّيبِيِّ فَتَأَمَّلْ.

стр. 6588

٤٧٧٧ - «وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ - أَوْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِأَبِي مَسْعُودٍ -: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي (زَعَمُوا؟) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ حُذَيْفَةُ. ــ ٤٧٧٧ - (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ) : وَهُوَ كُنْيَةُ حُذَيْفَةَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ (أَوْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِأَبِي مَسْعُودٍ) : الشَّكُّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ عَنْهُمَا (مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ (يَقُولُ فِي: زَعَمُوا) أَيْ: فِي شَأْنِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، أَوْ فِي حَقِّ هَذَا اللَّفْظِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ " مَا " نَافِيَةً وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرَةً. أَيْ: أَمَا سَمِعْتُهُ ﷺ يَطْعَنُ وَيَذْكُرُ الذَّمَّ فِيمَا اسْتَعْمَلَهُ النَّاسُ مِنْ قَوْلِهِمْ: زَعَمُوا وَيَنْسِبُونَ الْأَخْبَارَ إِلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ ظَنًّا وَحُسْبَانًا لَا تَحْقِيقًا وَإِيقَانًا. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ) : وَهُوَ بِفَتْحِ مِيمٍ وَكَسْرِ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ أَيْ: مَرْكُوبُهُ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ بَارْكِيرْ، يَعْنِي: إِذَا عَجَزَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ تَعَلَّقَ بِهِ لِيُخَلِّصَ عُهْدَتَهُ. وَفِي الْقَامُوسِ: مَطَا: جَدَّ فِي السَّيْرِ، وَالْمَطِيَّةُ الَّتِي تَمْطُو فِي سَيْرِهَا، وَمَا أَحْسَنَ مُنَاسَبَةِ اشْتِقَاقِهَا بِالْمَقَامِ، فَإِنَّهُ شُبِّهَ بِهَا الْكَلَامُ الَّذِي لَمْ يُتَوَقَّفْ فِي تَحْقِيقِهِ، وَيَتَبَادَرْ فِيهِ إِلَى نَقْلِهِ وَنَشْرِهِ، ثُمَّ الْجُمْلَةُ مَفْعُولُ يَقُولُ، وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ أَيْ: بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا، وَلَوْ رُوِيَتِ الْمَطِيَّةُ مَنْصُوبَةً لَكَانَ فِي بِئْسَ ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إِلَى زَعَمُوا قِيلَ: أَرَادَ بِذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ التَّكَلُّمِ بِكَلَامٍ يَسْمَعُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ صِحَّتَهُ، أَوْ عَنِ اخْتِرَاعِ الْقَوْلِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى مَنْ لَا يُعْرَفُ، فَيَقُولُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، فَيَتَّخِذُ قَوْلَهُ: زَعَمُوا مَطِيَّةً يَقْطَعُ بِهَا أَوْدِيَةَ الْإِسْهَابِ. وَقِيلَ: سَمَّاهُ مَطِيَّةً؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَتَوَصَّلُ بِهَذَا الْقَوْلِ إِلَى مَقْصُودٍ مِنْ إِثْبَاتِ شَيْءٍ، كَمَا أَنَّهُ يَتَوَصَّلُ إِلَى مَوْضِعٍ بِوَاسِطَةِ الْمَطِيَّةِ، وَتَوْضِيحُهُ مَا فِي النِّهَايَةِ: مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا مِنَ الْمَسِيرِ إِلَى بَلَدٍ وَالظَّعْنِ فِي حَاجَةٍ، رَكِبَ مَطِيَّةً وَسَارَ حَتَّى يَقْضِيَ إِرْبَهُ، فَشَبَّهَ مَا يُقَدِّمُهُ الْمُتَكَلِّمُ أَمَامَ كَلَامِهِ، وَيَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى غَرَضِهِ مِنْ قَوْلِهِ: زَعَمُوا كَذَا وَكَذَا بِالْمَطِيَّةِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: زَعَمُوا فِي حَدِيثٍ لَا سَنَدَ لَهُ وَلَا ثَبْتَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُحْكَى عَنِ الْأَلْسُنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَلَاغِ، فَذُمَّ مِنَ الْحَدِيثِ مَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ، وَالزَّعْمُ: بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ الظَّنُّ اهـ. وَفِي الْحَدِيثِ مُبَالَغَةٌ فِي الِاجْتِنَابِ عَنْ أَخْبَارِ النَّاسِ كَيْلَا يَقَعَ فِي الْكَذِبِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» " لِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ مَذْمُومًا مَعَ

стр. 6589

قَوْلِهِ: زَعَمُوا أَنَّ الْأَمْرَ كَذَا وَكَذَا حَيْثُ أَسْنَدَ إِلَى النَّاسِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ إِنْشَاءً مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَلَا جَزَمَ بِهِ، بَلْ عَبَّرَ بِالزَّعْمِ الَّذِي بِمَعْنَى الِادِّعَاءِ وَالِافْتِرَاءِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ مَذْمُومًا إِذَا أَسْنَدَ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ، أَوْ نَسَبَ إِلَى نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إِسْنَادٍ إِلَى مَنْ سَمِعَهُ أَوْ كَذَبَ عَلَيْهِ ﷺ وَالْحَاصِلُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَبْدِيلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَهَذِهِ الْإِضَافَةِ، فَإِمَّا أَنْ يُحَقِّقَ الْكَلَامَ وَيَنْسُبَهُ إِلَى قَائِلِهِ، أَوْ يَسْكُتَ كَمَا قَالَ ﷺ : " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» " وَلَعَلَّ وَجْهَ مُنَاسَبَةِ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ لِلْبَابِ مُجَرَّدُ التَّغْيِيرِ لِلْأَمْرِ الْمَذْمُومِ أَعَمُّ مِنْ أَنَّ يَكُونَ اسْمًا أَوْ غَيْرَهُ، وَكَذَا الْأَمْرُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ، وَقَوْلُهُ فِي زَعَمُوا أَيْ: فِي شَأْنِ زَعَمُوا وَأَمْرِهِ، أَيْ: هَلْ كَانَ يَرْضَى بِهِ قَوْلًا أَمْ لَمْ يَرْضَ؟ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِيَدْخُلَ فِي بَابِ تَغْيِيرِ الْأَسْمَاءِ الشَّنِيعَةِ، وَلَمَّا لَمْ يَرْضَ بِهِ ﷺ قَالَ: " «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ» "، يَعْنِي: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْثِرَ الرَّجُلُ فِي كَلَامِهِ زَعْمَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَيَنْسُبُ الْكَذِبَ إِلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا تَحَقَّقَ وَتَيَقَّنَ كَذِبَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَحْتَرِزَ النَّاسُ عَنْهُ كَمَا وَرَدَ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التغابن: ٧] ، ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٤٨] . ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] اهـ. وَلَيْسَ مَسْلَكٌ غَيْرَ مَا شَرَحَهُ الشُّرَّاحُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَتَأَمَّلْ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: هَكَذَا عَلَى الشَّكِّ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ حُذَيْفَةَ. (وَقَالَ) أَيْ: أَبُو دَاوُدَ (إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: الْمَذْكُورَ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ. (هُوَ حُذَيْفَةُ) .

стр. 6590

٤٧٧٨ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «قَالَ: " لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٧٧٨ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ) : لَمْ يَقُلْ وَعَنْهُ لِئَلَّا يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى أَبِي مَسْعُودٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ» ) : فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَهُوَ كَائِنٌ أَوْ كَانَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ وَالِاشْتِرَاكِ (وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ) أَيْ: كَانَ (ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ) أَيْ: ثُمَّ بَعْدَ مَشِيئَةِ اللَّهِ شَاءَ فُلَانٌ؛ لِأَنَّ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا كَانَ قَبْلَ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ، لِيَنْدَفِعَ تَوَهُّمُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْحُكْمِ وَلَوْ بِالتَّرَاخِي أَيْضًا فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ مَسْلَكٌ دَقِيقٌ، وَبِالتَّحْقِيقِ حَقِيقٌ؛ وَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ: ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أَوْ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ، كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ، وَثُمَّ لِتَرَاخِي الْأَخْبَارِ، وَهَذَا مُجْمَلُ مَا ظَهَرَ لِي فِي حَلِّ هَذَا الْمَحَلِّ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: لَمَّا كَانَ الْوَاوُ حَرْفَ الْجَمْعِ وَالتَّشْرِيكِ مَنَعَ مِنْ عَطْفِ إِحْدَى الْمَشِيئَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَأَمَرَ بِتَقْدِيمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَأْخِيرِ مَشِيئَةِ مَنْ سِوَاهُ بِحَرْفِ ثُمَّ الَّذِي هُوَ لِلتَّرَاخِي. قَالَ الطِّيبِيُّ: ثُمَّ هَاهُنَا يُحْتَمَلُ التَّرَاخِي فِي الزَّمَانِ، وَفِي الرُّتْبَةِ، فَإِنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلِيَّةٌ، وَمَشِيئَةَ غَيْرِهِ حَادِثَةٌ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَشِيئَةُ الْعَبْدِ لَمْ يَقَعْ أَكْثَرُهَا فَأَيْنَ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى؟ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6591

٤٧٧٩ - وَفِي رِوَايَةٍ مُنْقَطِعًا قَالَ: " «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". ــ ٤٧٧٩ - (وَفِي رِوَايَةٍ مُنْقَطِعًا) أَيْ: إِسْنَادُهَا (قَالَ: " «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» ") أَيْ: شَاءَ غَيْرُهُ، أَوْ لَمْ يَشَأْ، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ جَوَازِ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ كَمَا لَا يَخْفَى.

стр. 6592

قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ رَخَّصَ أَنْ يَقُولَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي اسْمِهِ ﷺ حَيْثُ قَالَ: قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ. قُلْتُ: فِيهِ جَوَابَانِ. أَحَدُهُمَا: قَالَ دَفْعًا لِمَظِنَّةِ التُّهْمَةِ فِي قَوْلِهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ تَعْظِيمًا لَهُ وَرِيَاءً لِسُمْعَتِهِ، وَثَانِيهُمَا: أَنَّهُ رَأْسُ الْمُوَحِّدِينَ وَمَشِيئَتُهُ مَغْمُورَةٌ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمُضْمَحِلَّةٌ فِيهَا. أَقُولُ: أَصْلُ السُّؤَالِ مَدْفُوعٌ؛ لِأَنَّهُ ﷺ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ فُلَانٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، فَجَوَابُهُ الْأَوَّلُ خَطَأٌ فَاحِشٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، لَكَانَ شِرْكًا جَلِيًّا لَا مَظِنَّةً لِلتُّهْمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَجَوَابُهُ الثَّانِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صَحِيحٌ، لَكِنْ لَا يُفِيدُ جَوَازَ الْإِتْيَانِ بِالْوَاوِ، مَعَ أَنَّ مَشِيئَةَ غَيْرِهِ ﷺ أَيْضًا مُضْمَحِلَّةٌ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى سُبْحَانَهُ، وَأَيْضًا مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ لِمُجَرَّدِ الرُّخْصَةِ، وَلَوْ قَالَ هُنَا قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ، لَكَانَ أَمْرَ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الْمَشِيئَةَ الْمُسْنَدَةَ إِلَى فُلَانٍ إِنَّمَا هِيَ مَشِيئَةٌ جُزْئِيَّةٌ لَا يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى الْمَشِيئَةِ الْكُلِّيَّةِ، كَمَا رَمَزْنَا إِلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ مِنَ الْكَلَامِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. (رَوَاهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الرِّوَايَةِ الْمَقْطُوعَةِ الْإِسْنَادِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : فَقَوْلُهُ فِي الْمَصَابِيحِ: وَفِي رِوَايَةٍ، مَعْنَاهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِغَيْرِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ خِلَافًا لِمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنَ الْإِطْلَاقِ.

стр. 6593

٤٧٨٠ - وَعَنْهُ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٧٨٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ حُذَيْفَةَ وَفِي بَعْضِ الْحَوَاشِي عَنْ بُرَيْدَةَ، لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ صِحَّتِهِ. (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ» ) : مَفْهُومُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُؤْمِنِ: سَيِّدٌ، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ مَرْفُوعًا " «السَّيِّدُ اللَّهُ» "؛ لِأَنَّ فِي الْحَقِيقَةِ لَا سِيَادَةَ إِلَّا لَهُ وَمَا سِوَاهُ مَمْلُوكُهُ. (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ أَوِ الْمُنَافِقَ (إِنْ يَكُ سَيِّدًا) أَيْ: سَيِّدَ قَوْمٍ أَوْ صَاحِبَ عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ وَأَمْوَالٍ (أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ) أَيْ: أَغْضَبْتُمُوهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَعْظِيمًا لَهُ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ، فَكَيْفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَيِّدًا بِأَحَدٍ مِنَ الْمَعَانِي، فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَكُونُ كَذِبًا وَنِفَاقًا وِفَاقًا. وَفِي النِّهَايَةِ: فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ سَيِّدَكُمْ وَهُوَ مُنَافِقٌ، فَحَالُكُمْ دُونَ حَالِهِ وَاللَّهُ لَا يَرْضَى لَكُمْ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: إِنْ يَكُ سَيِّدًا لَكُمْ فَتَجِبُ عَلَيْكُمْ طَاعَتُهُ، فَإِذَا أَطَعْتُمُوهُ فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ، أَوْ لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ، فَإِنَّكُمْ إِنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ، فَوَضَعَ الْكَوْنَ مَوْضِعَ الْقَوْلِ تَحْقِيقًا لَهُ. قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَ النَّاسِ لِغَيْرِ الْمِلَّةِ كَالْحُكَمَاءِ وَالْأَطِبَّاءِ مَوْلَانَا دَاخِلٌ فِي هَذَا النَّهْيِ وَالْوَعِيدِ، بَلْ هُوَ أَشَدُّ؛ لِوُرُودِ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَوْلَانَا فِي التَّنْزِيلِ دُونَ السَّيِّدِ. قُلْتُ: إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ تَعْظِيمُهُ، فَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ جَوَازِهِ، وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِهِ أَحَدُ مَعَانِي الْمَوْلَى مِمَّا سَبَقَ فَلَا يَبْعُدُ جَوَازُهُ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، وَالْمَخْلَصُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْرِيَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي تَجْوِيزِ إِطْلَاقِ الْمَوْلَى عَلَى غَيْرِهِ سُبْحَانَهُ ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأحزاب: ٥] ، أَيْ: فِي الْمُسْلِمِينَ وَمَوَالِيكُمْ فِي غَيْرِهِمْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَوْلَى وَالسَّيِّدَ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَجَوَازُ إِطْلَاقِهِ وَعَدَمِهِ عَلَى غَيْرِهِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنَ الشَّارِعِ، وَلَمْ يَرِدْ نَهْيٌ عَنْ إِطْلَاقِ الْمَوْلَى عَلَى غَيْرِهِ سُبْحَانَهُ، فَيَجُوزُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، «وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ بُرَيْدَةَ بِلَفْظِ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلْمُنَافِقِ: يَا سَيِّدًا فَقَدْ أَغْضَبَ رَبَّهُ» ، وَلَعَلَّ هَذَا مَنْشَأُ وَهَمِ الْمُحَشِّي فِيمَا صَدَرَ عَنْهُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ.

стр. 6594

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٧٨١ - «وَعَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَحَدَّثَنِي أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " مَا اسْمُكَ؟ " قَالَ: اسْمِي حَزْنٌ، قَالَ: " بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ " قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٧٨١ - (عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: حَجَبِيٌّ، رَوَى عَنْ عَمَّتِهِ صَفِيَّةَ وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ عُيَيْنَةَ (قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) : - بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ وَقَدْ تُكْسَرُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ (فَحَدَّثَنِي أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا) : بِفَتْحِ حَاءٍ وَسُكُونِ زَايٍ (قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " مَا اسْمُكَ؟ " فَقَالَ: اسْمِي حَزْنٌ، قَالَ: " بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ) أَيْ: فَإِنَّ الْحَزْنَ ضِدُّ السَّهْلِ، وَقَدْ وَرَدَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ السَّهْلَ الطَّلِيقَ» ، عَلَى مِمَّا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : " «اللَّهُمَّ لَا سَهْلَ إِلَّا مَا جَعَلْتَهُ سَهْلًا، وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْحَزْنَ سَهْلًا إِذَا شِئْتَ» "، وَفِي الْقَامُوسِ: الْحَزْنُ مَا غَلُظَ مِنَ الْأَرْضِ، وَالسَّهْلُ: مِنَ الْأَرْضِ ضِدُّ الْحَزْنِ. (قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيَّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي) : وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ؛ لِأَنَّ السَّهْلَ يُوطَأُ وَيُمْتَهَنُ أَيْ: لَا أُغَيِّرُ اسْمِي؛ لِأَنَّ السَّهْلَ يُوطَأُ وَيُهَانُ أَيْ: يُدَاسُ بِالْأَقْدَامِ، وَفِيهِ نَوْعُ نَزْغَةٍ مِنْ نَزَغَاتِ إِبْلِيسَ وَقِيَاسَاتِهِ مِنَ التَّلْبِيسِ، حَيْثُ لَمْ يَدْرِ أَنَّ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، وَأَنَّ الْمَرْءَ عِنْدَ الِامْتِحَانِ يُكْرَمُ أَوْ يُهَانُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ - كَمَا قِيلَ: الْأَسْمَاءُ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ - يُوَافِقُ اسْمُهُ حُزْنَهُ الْجِبِلِيَّةِ مُطَابِقًا لِلْحَزْنِ الْجِبِلِّيِّ، وَمَا أَفَادَهُ قَوْلُ الْحَكِيمِ الْإِلَهِيِّ، وَأَبْعَدَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ أَيْ: هَذَا الِاسْمُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لَكَ؛ لِأَنَّكَ حَلِيمٌ لَيِّنُ الْجَانِبِ يَنْبَغِي أَنْ تُسَمَّى سَهْلًا، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَلِيمًا لَيِّنَ الْجَانِبِ لَرَاعَى أَدَبَ جَانِبِ النُّبُوَّةِ، وَعَمِلَ بِمُقْتَضَى أَخْلَاقِ الْفُتُوَّةِ، وَلَوْ بَدَّلَ اسْمَهُ السَّهْلَ بِالْحَزْنِ، فَكَيْفَ وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ، وَقَدْ أَبَاهُ حَتَّى سَرَى هَذَا الطَّبْعُ فِي ذُرِّيَّتِهِ؟ (قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتْ فِينَا) أَيْ: مَعْشَرِ أَوْلَادِهِ (الْحُزُونَةُ) أَيْ: صُعُوبَةُ الْخُلُقِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ (بَعْدُ) أَيْ: بَعْدَ إِبَاءِ أَبِي اسْمَ السَّهْلِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 6595

٤٧٨٢ - وَعَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَسَمُّوا أَسْمَاءَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٧٨٢ - (وَعَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ) : بِضَمِّ جِيمٍ وَفَتْحِ شِينٍ مُعْجَمَةٍ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ وَلَهُ صُحْبَةٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ» ) أَيْ: دُونَ الْمَلَائِكَةِ لِمَا سَبَقَ، وَلَا بِأَسْمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ كَلْبٍ وَحِمَارٍ وَعَبْدِ شَمْسٍ وَنَحْوِهَا. ( «وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» ) أَيْ: وَنَحْوُهُمَا مِنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ وَأَمْثَالِهِمَا. (وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ) : فَإِنَّ الْأَوَّلَ بِمَعْنَى الْكَاسِبِ، وَالثَّانِي: فَعَّالٌ مِنْ هَمَّ يَهِمُّ، فَلَا يَخْلُو إِنْسَانٌ عَنْ كَسْبٍ، وَهَمٍّ بَلْ عَنْ هُمُومٍ. (وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ) : لِأَنَّ الْحَرْبَ يُتَطَيَّرُ بِهَا وَتُكْرَهُ لِمَا فِيهَا مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَذَى، وَأَمَّا مُرَّةُ؛ فَلِأَنَّ الْمُرَّ كَرِيهٌ؛ وَلِأَنَّ كُنْيَةَ إِبْلِيسٍ أَبُو مُرَّةَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا النَّسَائِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ.

стр. 6596

[بَابُ الْبَيَانِ وَالشِّعْرِ]

стр. 6597

(٩) بَابُ الْبَيَانِ وَالشِّعْرِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٧٨٣ - «عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ (٩) - بَابُ الْبَيَانِ وَالشِّعْرِ فِي النِّهَايَةِ: الْبَيَانُ إِظْهَارُ الْمَقْصُودِ بِأَبْلَغِ لَفْظٍ، وَهُوَ مِنَ الْفَهْمِ وَذَكَاءِ الْقَلْبِ، وَأَصْلُهُ الْكَشْفُ وَالظُّهُورُ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الشِّعْرُ مَعْرُوفٌ، وَشَعَرْتُ أَصَبْتُ الشِّعْرَ، وَمِنْهُ اسْتُعِيرَ شَعَرْتُ كَذَا أَيْ: عَلِمْتُ عِلْمًا فِي الدِّقَّةِ كَإِصَابَةِ الشِّعْرِ قِيلَ: وَسُمِّي الشَّاعِرُ شَاعِرًا لِفِطْنَتِهِ وَدِقَّةِ مَعْرِفَتِهِ، كَالشِّعْرِ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْعِلْمِ الدَّقِيقِ فِي قَوْلِهِمْ: لَيْتَ شِعْرِي، وَصَارَ فِي التَّعَارُفِ أَسْمَاءً لِلْمَوْزُونِ الْمُقَفَّى مِنَ الْكَلَامِ، وَالشَّاعِرُ لِلْمُخْتَصِّ بِصِنَاعَتِهِ اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الشِّعْرُ كَلَامٌ مُقَفًّى مَوْزُونٌ قَصْدًا لِيَخْرُجَ مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ، أَوْ كَلَامُ النُّبُوَّةِ. قُلْتُ: لَكِنْ يَشْكُلُ مَعَ هَذَا فِي الْكَلَامِ الْإِلَهِيِّ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ نَفْيِ الْإِرَادَةِ فِيهِ، فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ وُقُوعَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذَّاتِ كَمَا ذَكَرُوا فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ". الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٧٨٣ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ) أَيْ: مِنْ جَانِبِهِ. قَالَ الْمَيْدَانِيُّ: هُمَا الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، وَكَذَا عَنِ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ عَلَى مَا سَيَأْتِي (فَخَطَبَا) أَيْ: بِكَلِمَاتٍ مُحَسَّنَاتٍ جَامِعَةٍ لِلْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ (فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا) أَيْ: وَلِفَصَاحَةِ لِسَانِهِمَا وَغَرَابَةِ شَأْنِهِمَا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» ") أَيْ: فِي اسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ كَالسِّحْرِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ ﷺ عِنْدَ قُدُومِ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ فِيهِمُ الزِّبْرِقَانُ وَعَمْرٌو، «فَفَخَرَ الزِّبْرِقَانُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا سَيِّدُ تَمِيمٍ وَالْمُطَاعُ فِيهِمْ وَالْمُجَابُ، أَمْنَعُهُمْ مِنَ الظُّلْمِ وَآخُذُ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ، وَهَذَا يَعْلَمُ ذَلِكَ. فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّهُ لَشَدِيدُ الْعَارِضَةِ مَانِعٌ لِجَانِبِهِ مُطَاعٌ فِي إِذْنِهِ، فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ مِنِّي غَيْرَ مَا قَالَ، وَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِلَّا الْحَسَدُ، فَقَالَ عَمْرٌو: أَنَا أَحْسُدُكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَئِيمُ الْخَالِ حَدِيثُ الْمَالِ ضَيِّقُ الْعَطَنِ حَمِقُ الْوَلَدِ مُضَيِّعٌ فِي الْعِشْرَةِ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُ فِيمَا قُلْتُ أَوَّلًا، وَمَا كَذَبْتُ فِيمَا قُلْتُ آخِرًا، وَلَكِنِّي رِجْلٌ إِذَا رَضِيتُ قُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمْتُ، وَإِذَا غَضِبْتُ قُلْتُ أَقْبَحَ مَا وَجَدْتُ، وَلَقَدْ صَدَقْتُ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى جَمِيعًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» قَالَ الْمَيْدَانِيُّ: يُضْرَبُ هَذَا الْمَثَلُ فِي اسْتِحْسَانِ الْمَنْطِقِ وَإِيرَادِ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ ذُو وَجْهَيْنِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ بِمَنْزِلَةِ السِّحْرِ فِي مَيَلَانِ الْقُلُوبِ لَهُ، أَوْ فِي الْعَجْزِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا النَّوْعُ مَمْدُوحٌ إِذَا صُرِفَ إِلَى الْحَقِّ كَمَذَمَّةِ الْخَمْرِ مَثَلًا وَمَذْمُومٌ إِذَا صُرِفَ إِلَى الْبَاطِلِ كَمَدْحِهَا مَثَلًا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الذَّمِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَمَّ التَّصَنُّعَ فِي الْكَلَامِ وَالتَّكَلُّفَ لِتَحْسِينِهِ لِيَرُوقَ لِلسَّامِعِينَ قَوْلُهُ، وَلِيَسْتَمِيلَ بِهِ قُلُوبَهُمْ، وَأَصْلُ السِّحْرِ فِي كَلَامِهِمُ الصَّرْفُ، وَسُمِّيَ السِّحْرُ سِحْرًا؛ لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَتِهِ، فَهَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِبَيَانِهِ يَصْرِفُ قُلُوبَ السَّامِعِينَ إِلَى قَبُولِ قَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَقٍّ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْ صَرْفِ الْكَلَامِ فَضْلُهُ، وَمَا يَتَكَلَّفُ الْإِنْسَانُ مِنَ الزِّيَادَةِ فِيهِ مِنْ وَرَاءِ الْحَاجَةِ قَدْ يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ وَيُخَالِطُهُ الْكَذِبُ، وَأَيْضًا قَدْ يُحِيلُ الشَّيْءَ عَنْ ظَاهِرِهِ بِبَيَانِهِ وَيُزِيلُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ لِلِسَانِهِ إِرَادَةَ التَّلْبِيسِ عَلَيْهِمْ، فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ السِّحْرِ الَّذِي هُوَ تَخْيِيلٌ! لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ أَنَّ مِنَ الْبَيَانِ مَا يَكْتَسِبُ بِهِ صَاحِبُهُ مِنَ الْإِثْمِ مَا يَكْتَسِبُ السَّاحِرُ بِسِحْرِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَهُوَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَيُسْحِرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ، فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ، وَشَاهِدُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ» . الْحَدِيثَ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَدْحُ الْبَيَانِ، وَالْحَثُّ عَلَى تَحْسِينِ الْكَلَامِ وَتَحْبِيرِ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّ إِحْدَى الْقَرِينَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا عَلَى طَرِيقِ الْمَدْحِ، فَكَذَلِكَ الْقَرِينَةُ. الْأُخْرَى. وَقَالَ شَارِحٌ: هَذَا وَارِدٌ لِلذَّمِّ أَيْ: إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ نَوْعًا يَحِلُّ مِنَ الْعُقُولِ وَالْقُلُوبِ مَحَلَّ السِّحْرِ، فَإِنَّ السَّاحِرَ بِسِحْرِهِ يُزَيِّنُ الْبَاطِلَ فِي عَيْنِ الْمَسْحُورِ، حَتَّى يَرَاهُ حَقًّا، وَكَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِمَهَارَتِهِ فِي الْبَيَانِ، وَتَفَنُّنِهِ فِي الْبَلَاغَةِ وَتَرْصِيفِ النَّظْمِ يَسْلُبُ عَقْلَ السَّامِعِ وَيَشْغَلُهُ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيهِ

стр. 6598

وَالتَّدَبُّرِ لَهُ، حَتَّى يُخَيِّلَ إِلَيْهِ الْبَاطِلَ حَقًّا وَالْحَقَّ بَاطِلًا، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ جِنْسَ الْبَيَانِ، وَإِنْ كَانَ مَحْمُودًا، كَانَ فِيهِ مَا يُذَمُّ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَإِنَّ جِنْسَ الشِّعْرِ وَإِنْ كَانَ مَذْمُومًا فَإِنَّ فِيهِ مَا يُحْمَدُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْحِكَمِ، وَهُوَ مَا فِيهِ مَوْعِظَةٌ وَثَنَاءٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَزُهْدٌ فِي الدُّنْيَا وَرَغْبَةٌ فِي الْآخِرَةِ. قُلْتُ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيَانَ فِي أَصْلِهِ مَحْمُودٌ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿الرَّحْمَنُ - عَلَّمَ الْقُرْآنَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ - عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤] ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشِّعْرَ فِي أَصْلِهِ مَذْمُومٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ - أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ - وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦] وَقَدْ كَثُرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي ذَمِّهِ، وَمِنْ ثَمَّ سَمُّوا الْأَدِلَّةَ الْكَاذِبَةَ شِعْرًا، وَقِيلَ: فِي الشِّعْرِ أَكْذَبُهُ أَحْسَنُهُ؛ وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِ الْكُفَّارِ لَهُ ﷺ : إِنَّهُ شَاعِرٌ يَعْنُونَ أَنَّهُ كَاذِبٌ؛ لِأَنَّ مَا يَأْتِي الشَّاعِرُ أَكْثَرُهُ كَذِبٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ رَجُلًا طَلَبَ إِلَيْهِ حَاجَةً كَانَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِسْعَافُهُ بِهَا، فَاسْتَمَالَ قَلْبَهُ بِالْكَلَامِ، فَأَنْجَزَهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ السِّحْرُ الْحَلَالُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَالْكَلَامُ فِيهِ تَشْبِيهٌ، وَحَقُّهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ كَالسِّحْرِ، فَقُلْتُ وَجُعِلَ الْخَبَرُ مُبْتَدَأً مُبَالَغَةً فِي جَعْلِ الْأَصْلِ فَرْعًا وَالْفَرْعِ أَصْلًا، وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ إِرَادَةِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: " «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا» ".

стр. 6599

٤٧٨٤ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٧٨٤ - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً» ) أَيْ: مَا فِيهِ حَقٌّ وَحِكْمَةٌ، أَوْ قَوْلًا صَادِقًا مُطَابِقًا لِلْحَقِّ، وَقِيلَ: أَصْلُ الْحِكْمَةِ الْمَنْعُ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ مِنَ الشِّعْرِ كَلَامًا نَافِعًا يَمْنَعُ عَنِ السَّفَهِ وَالْجَهْلِ، وَهُوَ مَا نَظَّمَهُ الشُّعَرَاءُ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْأَمْثَالِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ، فَإِنَّ الشِّعْرَ كَلَامٌ، فَحَسَنُهُ كَحَسَنِ الْكَلَامِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 6600

٤٧٨٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ " قَالَهَا ثَلَاثًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٧٨٥ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» ) أَيِ: الْمُتَكَلِّفُونَ فِي الْفَصَاحَةِ، أَوِ الْمُصَوِّتُونَ مِنْ قَعْرِ حُلُوقِهِمْ، وَالْمُرَدِّدُونَ لِكَلَامِهِمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ رُعُونَةً فِي الْقَوْلِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَرَادَ بِهِمُ الْمُتَعَمِّقِينَ الْغَالِينَ فِي خَوْضِهِمْ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمْ مِنَ الْكَلَامِ، وَالْأَصْلُ فِي الْمُتَنَطِّعِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِأَقْصَى حَلْقِهِ مَأْخُوذًا مِنَ النَّطْعِ وَهُوَ الْغَارُ الْأَعْلَى. (قَالَهَا) أَيْ: هَذِهِ الْكَلِمَةَ أَوِ الْجُمْلَةَ (ثَلَاثًا) : إِنَّمَا رَدَّدَ الْقَوْلَ ثَلَاثًا تَهْوِيلًا وَتَنْبِيهًا عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْغَائِلَةِ، وَتَحْرِيضًا عَلَى التَّيَقُّظِ وَالتَّبَصُّرِ دُونَهُ، وَكَمْ تَحْتَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ مُصِيبَةٍ تَعُودُ عَلَى أَهْلِ اللِّسَانِ وَالْمُتَكَلِّفِينَ فِي الْقَوْلِ، الَّذِينَ يَرُومُونَ بِسَبْكِ الْكَلَامِ سَبْيَ قُلُوبِ الرِّجَالِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْأَوْحَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الْمَذْمُومَ مِنْ هَذَا مَا يَكُونُ الْقَصْدُ فِيهِ مَقْصُورًا عَلَى مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ، فَجِيءَ الْمَعْنَى تَابِعًا لِلَّفْظِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ بِالْعَكْسِ، وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلَامُ الرَّسُولِ مَصْبُوبٌ فِي هَذَا الْقَالَبِ، فَيُرْفَعُ الْكَلَامُ إِلَى الدَّرَجَةِ الْقُصْوَى. قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْهُدْهُدِ: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] : هَذَا مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ الَّذِي سَمَّاهُ الْمُحَدِّثُونَ الْبَدِيعَ، وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الْكَلَامِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ بِشَرْطِ أَنْ يَجِيءَ مَطْبُوعًا، أَوْ بِصِيغَةِ الْعَالِمِ بِجَوْهَرِ الْكَلَامِ يَحْفَظُ مَعَهُ صِحَّةَ الْمَعْنَى وَسَدَادَهُ، وَلَقَدْ جَاءَ هَاهُنَا زَائِدًا عَلَى الصِّحَّةِ فَحَسُنَ وَبَدُعَ لَفْظًا وَمَعْنًى، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ مَكَانَ بِنَبَأٍ بِخَبَرٍ لَكَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا، وَهُوَ كَمَا جَاءَ أَصَحُّ لِمَا فِي النَّبَأِ مِنَ الزِّيَادَةِ الَّتِي يُطَابِقُهَا وَصْفُ الْحَالِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْهَرَوِيُّ صَاحِبُ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: اعْلَمْ أَنَّ التَّلَاؤُمَ يَكُونُ بِتَلَاؤُمِ الْحُرُوفِ، وَتَلَاؤُمِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَتَلَاؤُمِ الْمَعْنَى، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ خَرَجَ الْكَلَامُ غَايَةً فِي الْعُذُوبَةِ، وَفِي حُصُولِ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ انْحِطَاطٌ عَنْ دَرَجَةِ الْعُذُوبَةِ، وَكُلَّمَا ظَهَرَتِ الصِّيغَةُ أَكْثَرَ كَانَ الْكَلَامُ أَقْرَبَ إِلَى التَّعَسُّفِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.

стр. 6601

٤٧٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٧٨٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَصْدَقُ كَلِمَةٍ) أَيْ: جُمْلَةٍ مِنَ الْكَلَامِ (قَالَهَا الشَّاعِرُ) : أَرَادَ بِهِ جِنْسَ الشُّعَرَاءِ، وَفِي شَمَائِلِ التِّرْمِذِيِّ أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ أَيْ: أَحْسَنُهَا وَأَجْوَدُهَا (كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ ) . قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْبَاطِلِ الْفَانِي الْمُضْمَحِلُّ، وَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ لِلَبِيدٍ وَهُوَ صَحَابِيٌّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَ أَصْدَقَ؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِأَصْدَقِ الْكَلَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ، فَإِنْ قُلْتَ: الْأَوْفَقُ أَنَّهُ أَصْدَقُ لِمَا قَالَ الْحَقُّ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ، وَقَدْ بَيَّنْتُ وَجْهَهُ الْوَجِيهَ فِي شَرْحِ حِزْبِ الْفَتْحِ عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا سِوَى اللَّهِ، وَقَوْلِ بَعْضِ الْعَارِفِينَ: لَيْسَ فِي الدَّارِ غَيْرُ دِيَارٍ، وَقَوْلِ آخَرَ سِوَى اللَّهِ وَاللَّهِ مَا فِي الْوُجُودِ، وَأَوْضَحْتُ مَعْنَى التَّوْحِيدِ لِتَحْصِيلِ الْمُرِيدِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَزِيدِ، وَأَمَّا لَبِيدٌ: فَهُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ الشَّاعِرُ الْعَامِرِيُّ، قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَنَةَ وَفَدَ قَوْمُهُ بَنُو جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، وَكَانَ شَرِيفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: مِائَةٌ وَسَبْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَمِنْ جُمْلَةِ فَضَائِلِهِ: أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ لَمْ يَقُلْ شِعْرًا وَقَالَ: يَكْفِينِي الْقُرْآنُ وَتَمَامُ كَلَامِهِ: وَكُلُّ نُعَيْمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُنَعِيمُكَ فِي الدُّنْيَا غُرُورٌ وَحَسْرَةٌ وَعَيْشُكَ فِي الدُّنْيَا مُحَالٌ وَبَاطِلُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

стр. 6602

٤٧٨٧ - «وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: " هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيْءٌ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " هِيهِ " فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا. فَقَالَ: " هِيهِ " ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا فَقَالَ: " هِيهِ " حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٧٨٧ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ﵁) : سَبَقَ ذِكْرُهُمَا (عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) : بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ: رَكِبْتُ خَلْفَهُ، وَرِوَايَةُ الشَّمَائِلِ: كُنْتُ رَدِيفَهُ يَوْمًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ قُرْبِهِ وَيُشْعِرُ إِلَى كَمَالِ حِفْظِهِ (قَالَ: " هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ أَبِي الصَّلْتِ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (شَيْءٌ) : بَيَانُهُ مُقَدَّمٌ. قَالَ شَارِحٌ: وَإِنَّمَا اسْتَنْشَدَ شِعْرَ أُمَيَّةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ثَقَفِيًّا، أَدْرَكَ مَبَادِئَ الْإِسْلَامِ وَبَلَغَهُ خَبَرُ الْمَبْعَثِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُوَفَّقْ لِلْإِيمَانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ مِيرَكُ: كَانَ رَجُلًا مُتَرَهِّبًا غَوَّاصًا فِي الْمَعَانِي مُعْتَنِيًا بِالْحَقَائِقِ مُضَمِّنًا لَهَا فِي أَشْعَارِهِ؛ وَلِذَا قَالَ ﷺ فِي شَأْنِهِ: " كَادَ أَنْ يُسْلِمَ " وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: آمَنَ لِسَانُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ. (قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: هِيهِ) : بِكَسْرِ هَاءَيْنِ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ بَيْنَهُمَا أَيْ: هَاتِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ بِمَعْنَى إِيهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فَأُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ هَاءً، وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ: تَكَلَّمْ وَقَدْ يُنَوَّنُ فَتْحًا وَكَسْرًا لِلتَّنْكِيرِ أَيْ: حَدِّثْ حَدِيثًا (فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا) أَيْ: قَرَأْتُ لَهُ بَيْتًا مِنْ أَشْعَارِ أُمَيَّةَ فَأَعْجَبَهُ (فَقَالَ: هِيهِ) أَيْ: زِدْ. فِي النِّهَايَةِ: تَقُولُ لِلرَّجُلِ إِيهِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ إِذَا اسْتَزَدْتَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَعْهُودِ بَيْنَكُمَا، فَإِنْ نَوَّنْتَهُ اسْتَزَدْتَهُ مِنْ حَدِيثٍ مَا غَيْرِ مَعْهُودٍ لِلتَّنْكِيرِ. (ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا. فَقَالَ: هِيهِ، حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ) : وَالْغَرَضُ أَنَّهُ ﷺ اسْتَحْسَنَ شَعْرَ أُمَيَّةَ وَاسْتَزَادَ مِنْ إِنْشَادِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبَعْثِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الْحَالِ: انْظُرْ إِلَى مَا قَالَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ، وَيُوَافِقُ حَدِيثَ: «الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ» ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِنْشَادِ الشِّعْرِ الْمَحْمُودِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْحِكْمَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6603

٤٧٨٨ - وَعَنْ جُنْدُبٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ أُصْبُعُهُ فَقَالَ: " هَلْ أَنْتَ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٧٨٨ - (وَعَنْ جُنْدُبٍ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا أَيْضًا، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيُّ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مَاتَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ.

стр. 6604

(أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ) أَيِ: الْمَغَازِي، وَهُوَ غَزْوَةُ أُحُدٍ عَلَى مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْكَرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَارٍ فَدُمِيَتْ أُصْبَعُهُ» ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: لَعَلَّهُ غَازِيًا فَتُصُحِّفَ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ فِي التَّصْحِيفِ أَنْ يُقَالَ فِي غَازٍ بِالزَّايِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي فَرِيقٍ غَازٍ أَيْ مَعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ الْبَاجِيُّ: لِمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي بَعْضِ الْمُشَاهِدِ، وَلِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ يَعْنِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ: «بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَدَمِيَتْ أُصْبُعُهُ» . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ يُرَادُ بِالْغَارِ الْجَيْشُ وَالْجَمْعُ لَا الْغَارُ الَّذِي هُوَ الْكَهْفُ لِيُوَافِقَ رِوَايَةَ بَعْضِ الْمَشَاهِدِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: مَا ظَنُّكَ بِامْرِئٍ جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَارَيْنِ؟ ! . أَيِ: الْعَسْكَرَيْنِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ وَأَحْمَدُ. قُلْتُ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةٍ، وَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَآجَرَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَرَّتَيْنِ. (وَقَدْ دَمِيَتْ) : بِفَتْحِ الدَّالِ (إِصْبَعُهُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ، وَفِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ مُثَلَّثُ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ، فَفِيهِ تِسْعُ لُغَاتٍ. عَاشِرُهَا: أُصْبُوعٌ، وَفِي الشَّمَائِلِ أَصَابَ حَجَرٌ أُصْبُعَ النَّبِيِّ ﷺ فَدَمِيتِ (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ اتِّفَاقًا عَلَى مُقْتَضَى الطَّبْعِ السَّلِيمِ السَّلِيقِيِّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى وَزْنِهِ، كَمَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ (هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ) : الِاسْتِفْهَامُ فِي مَعْنَى النَّفْيِ، وَدَمِيتِ صِفَةُ أُصْبُعٍ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَعَمُّ عَامُّ الصِّفَةِ أَيْ: مَا أَنْتِ يَا أُصْبُعُ مَوْصُوفَةً بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِأَنْ دَمِيتِ كَأَنَّهَا لَمَّا تَجَرَّحَتْ وَتَوَجَّعَتْ فَخَاطَبَهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ أَوِ الْحَقِيقَةِ مُسَلِّيًا لَهَا، وَالْمَعْنَى: هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ، فَإِنَّكِ مَا ابْتُلِيتِ بِشَيْءٍ مِنَ الْهَلَاكِ وَالْقَطْعِ، سِوَى أَنَّكِ دَمِيتِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ هَدَرًا، بَلْ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرِضَاهُ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ) : " مَا " مَوْصُولَةٌ أَيِ: الَّذِي لَقِيتِهِ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا فِي سَبِيلِ غَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ ضَائِعًا فَافْرَحِي بِهِ. قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ " مَا " نَافِيَةً أَيْ: مَا لَقِيتِ شَيْئًا تَحْقِيرًا لِمَا لَقِيَهُ فِيهِ. قُلْتُ: هَذَا تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ؛ لِأَنَّهُ اسْتُفِيدَ مِنَ الْمِصْرَاعِ الْأَوَّلِ مَعَ مَا يُوهِمُ إِطْلَاقُهُ مِنَ الْخَلَلِ فَتَأَمَّلْ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: الرِّوَايَةُ بِكَسْرِ التَّاءِ فِيهِمَا، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُمَا بِالسُّكُونِ فِرَارًا مِنَ الْوَزْنِ يُعَارِضُهُ فَإِنَّهُ مَعَ السُّكُونِ أَيْضًا مَوْزُونٌ مِنَ الْكَامِلِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ مُنْشِئًا أَوْ مُتَمَثِّلًا؟ وَبِالثَّانِي جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ، فَقِيلَ: هُوَ لِلْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقِيلَ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ قَالَهُ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ وَقَدْ أُصِيبَتْ أُصْبُعُهُ. وَبَعْدَهُ: يَا نَفْسُ إِنْ لَا تُقْتَلِي تَمُوتِي ... هَذِي حِيَاضُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيتِ وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ لَقِيتِ ... إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ أَيْ: فِعْلَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ اهـ. وَقَدْ جَزَمَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ بِأَنَّ الرَّجَزَ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ قَوْلُ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَقَدْ تَلَفَّظَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ رَوَاحَةَ ضَمَّنَ كَلَامَهُ ﷺ تَبَرُّكًا، وَصَدَّرَ بِهِ شِعْرًا صَدَرَ مِنْ صَدْرِهِ تَيَمُّنًا؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ مُؤْتَةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ غَزْوَةِ أُحُدٍ مَعَ احْتِمَالِ التَّوَارُدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الرَّجَزِ الَّذِي جَرَى عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَوْقَاتِهِ، وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الرَّجَزَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ، وَإِنِ اسْتَوَى عَلَى وَزْنِ الشِّعْرِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الشِّعْرُ إِذْ لَمْ يَكُنْ صُدُورُهُ عَنْ نِيَّةٍ لَهُ وَرَوِيَّةٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ اتِّفَاقُ كَلَامٍ يَقَعُ أَحْيَانًا، فَيَخْرُجُ مِنْهُ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ عَلَى أَعَارِيضِ الشِّعْرِ، وَقَدْ وُجِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] ، الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِهِمْ: بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ. وَالْبَيْتُ الْوَاحِدُ مِنَ الشِّعْرِ لَا يَلْزَمُهُ هَذَا الِاسْمُ، فَلَا يُخَالِفُ مَعْنَى الْآيَةِ. هَذَا مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً، وَإِنَّمَا الشَّاعِرُ هُوَ الَّذِي قَصَدَ الشِّعْرَ وَنَشِيَهُ وَيَصِفُهُ وَيَمْدَحُهُ وَيَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الشُّعَرَاءِ فِي هَذِهِ الْأَفَانِينِ، وَقَدْ بَرَّأَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ مِنْ ذَلِكَ وَصَانَ قَدْرَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الشِّعْرَ لَا يَنْبَغِي لَهُ، وَإِذَا كَانَ مُرَادُ الْآيَةِ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَضُرَّ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنْهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْمُ الْمَنْفِيُّ عَنْهُ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ غَفَلَ بَعْضُ النَّاسِ وَقَالَ رِوَايَةَ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَأَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمَطْلَبِ بِالْخَفْضِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: دَمِيَتْ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ حِرْصًا مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ يُغَيِّرُ الرِّوَايَةَ لِيَسْتَغْنِيَ عَنِ الِاعْتِذَارِ، وَإِنَّمَا

стр. 6605

الرِّوَايَةُ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ وَالْمَدِّ اهـ. وَسَبَقَ أَنَّ الْقَصْرَ مَا يَضُرُّ بِالْوَزْنِ، وَأَمَّا مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ ضَبْطِ قَوْلِهِ: دَمِيَتْ وَلَقِيَتْ عَلَى صِيغَةِ الْغَائِبَةِ، وَإِنْ كَانَ يُخْرِجُهُ عَنْ حَيِّزِ الْوَزْنِ لَكِنْ لَا أَصْلَ لَهُ أَصْلًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6606

٤٧٨٩ - وَعَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: " اهْجُ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: " أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٧٨٩ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ) أَيِ: ابْنِ عَازِبٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ) أَيْ: يَوْمَ مُحَاصَرَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودِ فِي أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ (لِحَسَّانَ) : بِغَيْرِ الصَّرْفِ عَلَى الْأَصَحِّ (ابْنِ ثَابِتٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ، شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ، أَجْمَعَتِ الْعَرَبُ عَلَى أَنَّ أَشْعَرَ أَهْلِ الْمَدَرِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، رَوَى عَنْهُ عُمَرُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، عَاشَ مِنْهَا سِتِّينَ سَنَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَامِ. (اهْجُ الْمُشْرِكِينَ) : أَمْرٌ بِالْهَجْوِ ابْتِدَاءً أَوْ جَوَابًا (فَإِنَّ جِبْرِيلَ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَفِيهِ أَرْبَعُ قِرَاءَاتٍ مُتَوَاتِرَاتٍ ذَكَرْنَاهَا سَابِقًا أَيِ: الرُّوحُ الْأَمِينُ (مَعَكَ) أَيْ: مُعِينٌ لَكَ وَمُلْهِمٌ إِيَّاكَ، وَالْحَدِيثُ إِلَى هُنَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: أَجِبْ عَنِّي) أَيْ: مِنْ قِبَلِي وَعِوَضًا عَنْ جَانِبِي (اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ) أَيْ: قَوِّ حَسَّانَ (بِرُوحِ الْقُدُسِ) : بِضَمِّ الدَّالِ، وَيُسَكَّنُ أَيْ: بِجِبْرِيلَ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْأَنْبِيَاءَ بِمَا فِيهِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ، فَهُوَ كَالْمَبْدَأِ لِحَيَاةِ الْقَلْبِ، كَمَا أَنَّ الرُّوحَ مَبْدَأُ حَيَاةِ الْجَسَدِ، وَالْقُدُسُ صِفَةٌ لِلرُّوحِ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَالنَّزَاهَةِ عَنِ الْعُيُوبِ، وَقِيلَ: الْقُدُسُ بِمَعْنَى الْمُقَدَّسِ، وَهُوَ اللَّهُ، وَإِضَافَةُ الرُّوحِ إِلَيْهِ لِلتَّشْرِيفِ، ثُمَّ تَأْيِيدُهُ إِمْدَادُهُ لَهُ بِالْجَوَابِ، وَإِلْهَامُهُ لِمَا هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ، قِيلَ: لَمَّا دَعَاهُ أَعَانَهُ جِبْرِيلُ تِسْعِينَ بَيْتًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ حَقَّقَ مَيْرَكُ شَاهْ ﵀ حَيْثُ قَالَ: ظَاهِرُ إِيرَادِ الْمُؤَلِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: أَجِبْ إِلَخْ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يُفْهَمُ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ يَنْتَهِي إِلَى قَوْلِهِ: فَإِنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ، وَقَوْلُهُ: وَكَانَ إِلَخْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ.

стр. 6607

٤٧٩٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٧٩٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِشُعَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ: " اهْجُوا قُرَيْشًا) أَيْ: مُجَازَاةً لِمُهَاجَاتِهِمْ (فَإِنَّهُ) أَيِ: الْهَجْوُ (أَشَدُّ) أَيْ: أَصْعَبُ (عَلَيْهِمْ) : وَأَكْثَرُ تَأْثِيرًا فِيهِمْ (مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْقَافِ، وَالنَّبْلُ بِفَتْحِ النُّونِ فَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ فَلَامٌ أَيْ: مِنْ رَمْيِ السَّهْمِ إِلَيْهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الرَّشْقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ الرَّمْيُ بِالسَّهْمِ وَبِالْكَسْرِ النَّبْلُ الَّتِي تُرْمَى دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَفِيهِ جَوَازُ هَجْوِ الْكُفَّارِ، وَإِذَا هُمْ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمَانٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِالْجِهَادِ فِيهِمْ وَالْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ فِي الْإِغْلَاظِ بَيَانًا لِنَقْصِهِمْ وَالِانْتِصَارِ مِنْهُمْ لِهِجَائِهِمُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6608

٤٧٩١ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: " إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ". وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ.: " «هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٧٩١ - (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ إِبْدَالُهَا وَاوًا (مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أَيْ: دَافَعْتَ وَخَاصَمْتَ وَاجْتَهَدْتَ فِي الذَّبِّ عَنْ حَرِيمِهِمَا. فِي النِّهَايَةِ: الْمُنَافَحَةُ: الْمُدَافَعَةُ وَالْمُضَارَبَةُ، وَالْمُرَادُ بِمُنَافَحَتِهِ هِجَاءُ الْمُشْرِكِينَ، وَمُحَارَبَتُهُمْ عَلَى أَشْعَارِهِمْ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ شِعْرَكَ هَذَا الَّذِي تُنَافِحُ بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَعَنْ رَسُولِهِ يُلْهِمُكَ الْمَلَكُ سَبِيلَهُ، بِخِلَافِ مَا تَقُولُهُ الشُّعَرَاءُ إِذَا اتَّبَعُوا الْهَوَى وَهَامُوا فِي كُلِّ وَادٍ، فَإِنَّ مَادَّةَ قَوْلِهِمْ مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ إِلَيْهِمْ. (وَقَالَتْ) أَيْ: عَائِشَةُ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَيَ» ) أَيِ: الْمُسْلِمِينَ (وَاشْتَفَى) أَيْ: بِنَفْسِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَلِمَتَيْنِ التَّأْكِيدَ أَيْ: شَفَيَ الْغَيْظَ بِمَا أَمْكَنَهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6609

٤٧٩٢ - وَعَنِ الْبَرَاءِ ﵁ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى اغْبَرَّ بَطْنُهُ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَافَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَاإِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ: " أَبَيْنَا أَبَيْنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٧٩٢ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ التُّرَابَ) أَيْ: مَعَ الْأَصْحَابِ (يَوْمَ الْخَنْدَقِ) أَيْ: يَوْمَ الْأَحْزَابِ (حَتَّى اغْبَرَّ بَطْنُهُ) أَيْ: صَارَ ذَا غُبَارٍ (يَقُولُ) : اسْتِئْنَافٌ أَوْ بَدَلٌ مِنْ يَنْقُلُ، أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِهِ (وَاللَّهِ) : قَسَمٌ (لَوْلَا اللَّهُ) أَيْ: لَوْلَا هِدَايَتُهُ أَوْ فَضْلُهُ عَلَيْنَا مَعْشَرُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ هَدَانَا (مَا اهْتَدَيْنَا) أَيْ: بِنَفْسِنَا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] ، (وَلَا تَصَدَّقْنَا) أَيْ: عَلَى وَجْهِ الْإِخْلَاصِ: (وَلَا صَلَّيْنَا) أَيْ: صَلَاةَ الِاخْتِصَاصِ (فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً) أَيْ: وَقَارًا وَطُمَأْنِينَةً (عَلَيْنَا) : وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] ، " وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ " أَيْ: أَقْدَامَنَا " إِنْ لَاقَيْنَا " أَيْ: إِنْ رَأَيْنَا الْكُفَّارَ وَبَلَغْنَا إِلَيْهِمْ ثَبِّتْنَا عَلَى مُحَارَبَتِهِمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ : ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] ، " إِنَّ الْأُلَى ": مَقْصُورُ أُولَاءِ وَهُوَ لُغَةٌ فِيهِ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَالْأَحْزَابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا مَعَهُمْ يَوْمَئِذٍ. (قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا) أَيْ: تَكَبَّرُوا وَتَجَبَّرُوا وَتَعَدَّوْا بِالظُّلْمِ عَلَيْنَا وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَمَا قَالَ: (إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً) أَيْ: شِرْكًا أَوْ قَتْلًا وَنَهْبًا، أَوْ ضَلَالَنَا وَإِعَادَتَنَا فِي مِلْتِهِمْ (أَبَيْنَا) أَيِ: امْتَنَعْنَا عَنِ الْقَبُولِ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢] ، (يَرْفَعُ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (بِهَا) أَيْ: بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ أَوْ بِجُمْلَةِ أَبَيْنَا (صَوْتَهُ) : قَائِلًا (أَبَيْنَا أَبَيْنَا) أَيْ: مُكَرِّرًا لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّلَذُّذِ وَالتَّسْمِيعِ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي بِهَا رَاجِعٌ إِلَى الْأَبْيَاتِ وَأَبَيْنَا أَبَيْنَا حَالٌ، أَيْ: خُصُوصًا أَبَيْنَا أَبَيْنَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي بِهَا مُبْهَمًا مُفَسَّرًا بِقَوْلِهِ أَبَيْنَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 6610

٤٧٩٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ وَهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يُجِيبُهُمْ: " اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٧٩٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ) : وَهُوَ حُفْرَةٌ كَبِيرَةٌ عَرِيضَةٌ طَوِيلَةٌ حَاجِزَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ (وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ وَهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا) : بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مَاضٍ مِنَ الْمُبَايَعَةِ (عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا) : بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ: مِمَّا عِشْنَا (أَبَدًا. يَقُولُ ﷺ ) : اسْتِئْنَافٌ جَوَابًا لِمَا يُقَالُ، فَمَا كَانَ يَقُولُ وَقَوْلُهُ (وَهُوَ يُجِيبُهُمْ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَمَقُولِهِ وَهُوَ: (اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةْ) : وَهِيَ بِهَاءٍ سَاكِنَةٍ لِلْوَقْفِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّاءِ الْمَخْفُوضَةِ أَيِ: الْحَيَاةُ الْهَنِيئَةُ الدَّائِمَةُ هِيَ حَيَاةُ الْآخِرَةِ، وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْأَصْحَابِ عَنْ تَحَمُّلِ مَشَاقِّهِمْ فِي مُجَاهَدَةِ الْأَحْزَابِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]

стр. 6611

﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩] ، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧] ، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧] ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْ: مَا يَقْرِيهِمْ وَيَكْفِيهِمْ بِحَيْثُ لَا يُشْعِرُهُمُ بِالْجَهْدِ وَلَا يُرْهِقُهُمُ الْفَاقَةُ وَلَا تُذِلُّهُمُ الْمَسْأَلَةُ وَالْحَاجَةُ، وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فُضُولٌ يُخْرِجُ إِلَى التَّرَفُّهِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الدُّنْيَا وَالرُّكُونِ إِلَيْهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي أَنَّهُمَا إِذَا وَفُّوا بِمَا عَاهَدُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ جَازَاهُمْ مُجَازَاةً لَيْسَ بَعْدَهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْآخِرَةِ. (فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةْ) أَيْ: فَاغْفِرْ لَهُمُ الْآنَ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْمَطْلُوبِ اهـ. ضَمَّنَ اغْفِرْ مَعْنَى اسْتُرْ، وَفِي نُسْخَةٍ لِلْأَنْصَارِ فَيُقْرَأُ بِالنَّقْلِ مُرَاعَاةً لِلْوَزْنِ، وَالتَّاءُ فِي الْمُهَاجِرَةِ لِلْجَمْعِ يُرِيدُ جَمَاعَةَ الْمُهَاجِرِينَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

стр. 6612

٤٧٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٧٩٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَأَنْ يَمْتَلِئَ) : بِهَمْزٍ فِي آخِرِهِ (جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا) : نَصَبَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَيْ: صَدِيدًا وَدَمًا وَمَا يُسَمَّى نَجَاسَةً (يَرِيهِ) : بِفَتْحِ يَاءٍ وَكَسْرِ رَاءٍ وَسُكُونِ يَاءٍ أُخْرَى صِفَةُ قَبِيحٍ أَيْ: يُفْسِدُهُ مِنَ الْوَرَى وَهُوَ دَاءٌ يُفْسِدُ الْجَوْفَ وَمَعْنَاهُ: قَيْحًا يَأْكُلُ جَوْفَهُ وَيُفْسِدُهُ، وَقِيلَ أَيْ: يَصِلُ إِلَى الرِّئَةِ وَيُفْسِدُهَا، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الرِّئَةِ الْهَمْزُ (خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ) أَيْ: مَا فِي جَوْفِهِ مِنَ الصَّدْرِ وَالْقَلْبِ (شِعْرًا) أَيْ: مَذْمُومًا، فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالُوا: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الشِّعْرُ غَالِبًا عَلَيْهِ مُسْتَوْلِيًا؛ بِحَيْثُ يَشْغَلُهُ عَنِ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مَذْمُومٌ مِنْ أَيِّ شِعْرٍ كَانَ، وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّهُ حِفْظُ الْيَسِيرِ مِنَ الشِّعْرِ؛ لِأَنَّ جَوْفَهُ لَيْسَ مُمْتَلِئًا شِعْرًا وَقِيلَ: هَذَا الذَّمُّ مُخْتَصٌّ بِمُعَيَّنٍ كَمَا يَجِيءُ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: قِيلَ: خَاصٌّ بِشِعْرٍ هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِرِوَايَةِ " شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ ". قُلْتُ: الظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ وَهُوَ يَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ أَقْبَحُ أَنْوَاعِهِ أَوْ إِشْعَارًا بِأَنَّ الشِّعْرَ مَذْمُومٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى قَيْدِ الِامْتِلَاءِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَرْبَابِ الْإِمْلَاءِ، فَإِنَّ هَذَا الشِّعْرَ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ مِنْ هَجْوِ مُسْلِمٍ أَوِ افْتِرَاءٍ مَذْمُومٌ، سَوَاءٌ امْتَلَأَ الْجَوْفُ أَمْ لَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعُ الصَّغِيرُ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَةُ.

стр. 6613

الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٧٩٥ - «عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : " إِنِ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ فِي الشِّعْرِ مَا أَنْزَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأَنَّمَا تَرْمُونَهُمْ بِهِ نَضْحَ النَّبْلِ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. وَفِي " الِاسْتِيعَابِ " لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، «أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَاذَا تَرَى فِي الشِّعْرِ فَقَالَ: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ» . ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٧٩٥ - (عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) : أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ، وَكَانَ أَحَدَ شُعَرَاءِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ وَسَبْعِينَ سَنَةً بَعْدَ أَنْ عَمِيَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ شُعَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَكَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، وَكَانَ كَعْبُ يُخَوِّفُهُمُ الْحَرْبَ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَلَغَنَا أَنَّ دَوْسًا إِنَّمَا أَسْلَمَتْ فَرَقًا مِنْ قَوْلِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ خَطَأٌ فَاحِشٌ. (أَنَّهُ قَالَ) أَيْ: كَعْبٌ (لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ فِي الشِّعْرِ) أَيْ: فِي حَقِّهِ (مَا أَنْزَلَ) أَيْ: مِنَ الذَّمِّ فَكَأَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ، أَنْكَرَ عَلَى نَفْسِهِ الشِّعْرَ. (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأَنَّمَا تَرْمُونَهُمْ» ) : اللَّامُ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ الْقَسَمِ، وَالتَّقْدِيرُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّمَا تَرْمُونَهُمْ (بِهِ) أَيْ: بِالشِّعْرِ أَوْ بِاللِّسَانِ (نَضْحَ النَّبْلِ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: نَضْحًا مِثْلَ نَضْحِ النَّبْلِ.

стр. 6614

وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: كَنَضْحِ النَّبْلِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ كَأَنَّ زَيْدًا الْأَسَدُ إِنَّ زِيدًا كَالْأَسَدِ، فَقُدِّمَ حَرْفُ التَّشْبِيهِ اهْتِمَامًا بِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْفَصْلِ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْفَصْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصْلِ أَنَّكَ هَاهُنَا بَانَ كَلَامُكَ عَلَى التَّشْبِيهِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَثَمَّ بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرِهِ عَلَى الْإِثْبَاتِ. وَقَالَ الْقَاضِي: نَضْحُ النَّبْلِ رَمْيُهُ مُسْتَعَارٌ مِنْ نَضْحِ الْمَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ هِجَاءَهُمْ يُؤَثِّرُ فِيهِمْ تَأْثِيرَ النَّبْلِ، وَقَامَ قِيَامَ الرَّمْيِ فِي النِّكَايَةِ بِهِمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: خُلَاصَةُ جَوَابِهِ ﷺ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذَمُّ الشِّعْرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي شَأْنِ الْهَائِمِينَ فِي أَوْدِيَةِ الضَّلَالِ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ إِحْدَى عُدَّتَيْهِ فِي ذَبِّ الْكُفَّارِ مِنَ اللِّسَانِ وَالسِّنَانِ، بَلْ هُوَ أَعْدَى وَأَبْلَى، كَمَا قَالَ ﷺ : " «فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ» " وَإِلَيْهِ يُنْظَرُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامُ وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : قَالَ مِيرَكُ: بِإِسْنَادِ الصَّحِيحَيْنِ: إِلَّا أَحْمَدَ بْنَ مَنْصُورٍ، فَإِنَّهُ عَالِمٌ ثَبْتٌ. (وَفِي الِاسْتِيعَابِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، «أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَاذَا تَرَى فِي الشِّعْرِ؟ فَقَالَ: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ» ) : قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا " «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ» ".

стр. 6615

٤٧٩٦ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٧٩٦ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أَيِ: الْبَاهِلِيِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيِ: الْعَجْزُ فِي الْكَلَامِ وَالتَّحَيُّرِ فِي الْمَرَامِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ السُّكُوتُ عَمَّا فِيهِ إِثْمٌ مِنَ النَّثْرِ وَالشِّعْرِ لَا مَا يَكُونُ لِلْخَلَلِ فِي اللِّسَانِ (شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ) : فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَحْمِلُهُ الْإِيمَانُ عَلَى الْحَيَاءِ، فَيَتْرُكُ الْقَبَائِحَ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَمْنَعُهُ عَنِ الِاجْتِرَاءِ عَلَى الْكَلَامِ شَفَقَةً عَنْ عَثْرَةِ اللِّسَانِ، فَهُمَا شُعْبَتَانِ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيمَانَ مَنْشَؤُهُمَا وَمَنْشَأُ كُلِّ مَعْرُوفٍ وَإِحْسَانٍ (وَالْبَذَاءُ) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ فَذَالٍ مُعْجَمَةٍ فُحْشُ الْكَلَامِ أَوْ خِلَافُ الْحَيَاءِ (وَالْبَيَانُ) أَيِ: الْفَصَاحَةُ الزَّائِدَةُ عَنْ مِقْدَارِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ مِنَ التَّعَمُّقِ فِي النُّطْقِ وَإِظْهَارِ التَّفَاصُحِ لِلتَّقَدُّمِ عَلَى الْأَعْيَانِ (شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ) وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] ، قَالَ الْقَاضِيَ: لَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ بَاعِثًا عَلَى الْحَيَاءِ وَالتَّحَفُّظِ فِي الْكَلَامِ وَالِاحْتِيَاطِ فِيهِ عُدَّا مِنَ الْإِيمَانِ وَمَا يُخَالِفُهُمَا مِنَ النِّفَاقِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْعِيِّ مَا يَكُونُ بِسَبَبِ التَّأَمُّلِ فِي الْمَقَالِ وَالتَّحَرُّرِ عَنِ الْوَبَالِ لَا لِلْخَلَلِ فِي اللِّسَانِ، وَبِالْبَيَانِ مَا يَكُونُ سَبَبُهُ الِاجْتِرَاءَ وَعَدَمَ الْمُبَالَاةِ بِالطُّغْيَانِ، وَالتَّحَرُّزَ عَنِ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَدْ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ اهـ. وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.

стр. 6616

٤٧٩٧ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مُسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا، الثَّرْثَارُونَ، الْمُتَشَدِّقُونَ، الْمُتَفَيْهِقُونَ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٤٧٩٧ - (وَعَنْ أَبِي شُعْبَةَ الْخُشَنِيِّ) : ﵁ مَرَّ ذِكْرُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا (وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: مَنْزِلَةً (أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا) : نَصَبَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ وَجَمَعَهُ لِإِرَادَةِ الْأَنْوَاعِ أَوْ لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ (وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا (وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي) أَيْ: فِي الْعُقْبَى (مُسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْوَاوِ جَمْعُ مَسْوَأٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ، كَمَحَاسِنَ فِي جَمْعِ مَحْسَنٍ، وَهُوَ إِمَّا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، وَإِمَّا اسْمُ مَكَانٍ أَيْ: مَحَالُّ سُوءِ الْأَخْلَاقِ. وَيُرْوَى أَسَاوِيكُمْ وَهُوَ جَمْعُ أَسْوَأَ كَأَحَاسِنَ جَمْعُ أَحْسَنَ،

стр. 6617

وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا فِي أَصْلِ الْمَصَابِيحِ. هَذَا مُجْمَلُ الْكَلَامِ فِي مَقَامِ الْمَرَامِ، وَقَالَ الْقَاضِي: أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ إِذَا أُضِيفَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ زَائِدٌ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِمْ فِي الْخَصْلَةِ الَّتِي هُوَ وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِيهَا جَازَ الْإِفْرَادُ وَالتَّذْكِيرُ فِي الْحَالَاتِ كُلِّهَا وَتَطَبُّقُهَا، لِمَا هُوَ وَصْفٌ لَهُ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَقَدْ جُمِعَ الْوَجْهَانِ فِي الْحَدِيثِ، فَأُفْرِدَ (أَحَبَّ) وَ (أَبْغَضَ) وَجُمِعَ (أَحَاسِنُ) وَ (أَسَاوِي) فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَسَاوِيكُمْ بَدَلَ مَسَاوِيكُمْ، وَهُوَ جَمْعُ مَسْوَأٍ كَمَحَاسِنَ فِي جَمْعِ مَحْسَنٍ، وَهُوَ إِمَّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ نُعِتَ بِهِ ثُمَّ جُمِعَ، أَوِ اسْمُ مَكَانٍ بِمَعْنَى الْأَمْرِ الَّذِي فِيهِ السُّوءُ، فَأُطْلِقَ عَلَى الْمَنْعُوتِ بِهِ مَجَازًا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَرَادَ بِأَبْغَضِكُمْ بِغِيضَكُمْ وَبِأَحَبِّكُمُ التَّفْضِيلَ، فَلَا يَكُونُ الْمُخَاطَبُونَ بِأَجْمَعِهِمْ مُشْتَرِكِينَ فِي الْبُغْضِ وَالْمَحَبَّةِ. وَقَالَ الْحَاجِبِيُّ: تَقْدِيرُهُ أَحَبُّ الْمَحْبُوبِينَ مِنْكُمْ وَأَبْغَضُ الْمَبْغُوضِينَ مِنْكُمْ، وَيَجُوزُ إِطْلَاقُ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ لِلْقَرِينَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا جُعِلَ الْخِطَابُ خَاصًّا بِالْمُؤْمِنِينَ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَبْغَضُكُمْ لَا يَجُوزُ بِغِيضُكُمْ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْمَحَبَّةِ، فَالْقَوْلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ وَالْمُوَفَّقُ وَالْمُنَافِقُ، فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمُنَافِقُ الْحَقِيقِيُّ، فَالْكَلَامُ ظَاهِرٌ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ الْحَقِيقِيِّ كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ فَمُسْتَقِيمٌ أَيْضًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (الثِّرْثَارُونَ) إِلَخْ. وَهُوَ إِمَّا بَدَلٌ مِنْ مُسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَوْصَافُ أَسْوَأَ الْأَخْلَاقِ؛ لِأَنَّ الْمُبْدَلَ كَالتَّمْهِيدِ وَالتَّوْطِئَةِ، وَإِمَّا رُفِعَ عَلَى الذَّمِّ، فَإِنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَيَكُونُ أَشْنَعَ وَأَبْلَغَ. وَفِي النِّهَايَةِ: الثِّرْثَارُونَ هُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الْكَلَامَ تَحَلُّفًا وَخُرُوجًا عَنِ الْحَقِّ مِنَ الثَّرْثَرَةِ، وَهِيَ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَتَرْدِيدُهُ (الْمُتَشَدِّقُونَ) أَيِ: الْمُتَوَسِّعُونَ فِي الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاطٍ وَاحْتِرَازٍ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُتَشَدِّقِ الْمُسْتَهْزِئَ بِالنَّاسِ يَلْوِي شِدْقَهُ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُتَكَلِّفُونَ فِي الْكَلَامِ فَيَلْوِي بِهِ شِدْقَيْهِ، وَالشِّدْقُ جَانِبُ الْفَمِ (الْمُتَفَيْهِقُونَ) أَيِ: الَّذِينَ يَمْلَئُونَ أَفْوَاهَهُمْ بِالْكَلَامِ وَيَفْتَحُونَهَا مِنَ الْفَهْقِ وَهُوَ الِامْتِلَاءُ وَالِاتِّسَاعُ، قِيلَ: وَهَذَا مِنَ التَّكَبُّرِ وَالرُّعُونَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى التَّرْدِيدِ فِي الْكَلَامِ لِيَمِيلَ بِقُلُوبِ النَّاسِ وَأَسْمَاعِهِمْ إِلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَزَادَ فِي الْفَائِقِ وَالنِّهَايَةِ عَلَى هَذَا أَيْ: عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، أَوْ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ الْمَعْهُودِ الْمَحْمُودِ، الْمُوطَّئُونَ أَكْنَافًا الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ. قَالَ: وَهَذَا مَثَلٌ وَحَقِيقَتُهُ مِنَ التَّوْطِئَةِ وَهِيَ التَّمْهِيدُ وَالتَّذْلِيلُ، وَفِرَاشٌ وَطِيءٌ لَا يُؤْذِي جَنْبَ النَّائِمِ، وَالْأَكْنَافُ الْجَوَانِبُ أَرَادَ الَّذِينَ جَوَانِبُهُمْ وَطِيئَةٌ يَتَمَكَّنُ فِيهَا مَنْ يُصَاحِبُهُمْ وَلَا يَتَأَذَّى. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 6618

٤٧٩٨ - وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ عَنْ جَابِرٍ، وَفِي رِوَايَتِهِ «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: " الْمُتَكَبِّرُونَ» ". ــ ٤٧٩٨ - (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ) أَيْ: مِثْلَهُ مَعْنًى لَا لَفْظًا (عَنْ جَابِرٍ) : قَالَ مِيرَكُ: وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مُسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا، بَلْ قَالَ: وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثِّرْثَارُونَ إِلَخْ. (وَفِي رِوَايَتِهِ) أَيْ: رِوَايَةِ جَابِرٍ وَالتِّرْمِذِيِّ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْنَا الثِّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: الْمُتَكَبِّرُونَ) أَيِ: الْمُظْهِرُونَ لِلْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: يُكْرَهُ التَّفَخُّرُ فِي الْكَلَامِ بِالتَّشَدُّقِ، وَتَكَلُّفِ السَّجْعِ وَالْفَصَاحَةِ، وَالتَّصَنُّعِ بِالْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي يَعْتَادُهَا الْمُتَفَاصِحُونَ مِنْ زَخَارِفِ الْقَوْلِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ الْمَذْمُومِ، وَكَذَلِكَ التَّحَرِّي فِي دَقَائِقِ الْإِعْرَابِ وَوَحْشِيِّ اللُّغَةِ فِي حَالِ مُخَاطَبَةِ الْعَوَامِّ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ فِي مُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهُمْ لَفْظًا يَفْهَمُونَهُ فَهْمًا جَلِيًّا، وَلَا يَدْخُلُ فِي الذَّمِّ تَحْسِينُ الْقَادِرِ لِلْخُطَبِ وَالْمَوَاعِظِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِفْرَاطٌ وَإِغْرَابٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا تَهْيِيجُ الْقُلُوبِ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِحُسْنِ اللَّفْظِ فِي هَذَا أَثَرٌ ظَاهِرٌ.

стр. 6619

٤٧٩٩ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِي: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ قَوْمٌ - يَأْكُلُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَمَا تَأْكُلُ الْبَقَرَةُ بِأَلْسِنَتِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٤٧٩٩ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَمَا تَأْكُلُ الْبَقَرَةُ» ) : بِفُتْحَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ الْبَاقِرَةُ وَهِيَ جَمَاعَةُ الْبَقَرَةِ (بِأَلْسِنَتِهَا) أَيْ: يَجْعَلُونَ أَلْسِنَتَهُمْ وَسَائِلَ أَكْلِهِمْ كَالْبَقَرَةِ تَأْخُذُ الْعَلَفَ بِلِسَانِهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ضُرِبَ لِلْمَعْنَى مَثَلٌ يُشَاهِدُهُ الرَّاءُونَ مِنْ حَالِ الْبَقَرِ، لِيَكُونَ أَثْبَتَ فِي الضَّمَائِرِ، ذَلِكَ أَنَّ سَائِرَ الدَّوَابِّ تَأْخُذُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ بِأَسْنَانِهَا، فَضُرِبَ بِهَا الْمَثَلُ لِمَعْنَيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ لَا يَهْتَدُونَ مِنَ الْمَآكِلِ إِلَّا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، كَمَا أَنَّ الْبَقَرَةَ لَا تَتَمَكَّنُ مِنَ الِاحْتِشَاشِ إِلَّا بِلِسَانِهَا، وَالْآخَرُ: أَنَّهُمْ فِي مَغْزَاهُمْ ذَلِكَ كَالْبَقَرَةِ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُمَيِّزَ فِي رَعْيِهَا بَيْنَ الرَّطْبِ وَالشَّوْكَةِ، وَبَيْنَ الْحُلْوِ وَالْمُرِّ، بَلْ تَلِفُّ الْكُلَّ بِلِسَانِهَا لَفًّا، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ أَلْسِنَتَهُمْ ذَرِيعَةً إِلَى مَآكِلِهِمْ، لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَرَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادِهِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا تُقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ الزُّهْدُ رِوَايَةً وَالْوَرَعُ تَصَنُّعًا» .

стр. 6620

٤٨٠٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا يَتَخَلَّلُ الْبَاقِرَةُ بِلِسَانِهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٤٨٠٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَلِيغَ) أَيِ: الْمُبَالِغَ فِي فَصَاحَةِ الْكَلَامِ وَبَلَاغَتِهِ (مِنَ الرِّجَالِ) أَيْ: مِمَّا بَيْنَهُمْ وَخُصُّوا لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِيهِمْ (الَّذِي) : صِفَةُ الْبَلِيغِ (يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ) أَيْ: يَأْكُلُ بِلِسَانِهِ، أَوْ يُدِيرُ لِسَانَهُ حَوْلَ أَسْنَانِهِ مُبَالَغَةً فِي إِظْهَارِ بَلَاغَتِهِ وَبَيَانِهِ. (كَمَا يَتَخَلَّلُ الْبَاقِرَةُ بِلِسَانِهَا) أَيِ: الْبَقَرَةُ كَأَنَّهُ أَدْخَلَ التَّاءَ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجِنْسِ كَالْبَقَرَةِ مِنَ الْبَقَرِ، وَاسْتِعْمَالُهَا مَعَ التَّاءِ قَلِيلٌ. قَالَ الْقَاضِي: شَبَّهَ إِدَارَةَ لِسَانِهِ حَوْلَ الْأَسْنَانِ وَالْفَمِ حَالَ التَّكَلُّمِ تَفَاصُحًا بِمَا تَفْعَلُ الْبَقَرَةُ بِلِسَانِهَا، وَالْبَاقِرَةُ جَمَاعَةُ الْبَقَرَةِ. وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ الَّذِي يَتَشَدَّقُ فِي الْكَلَامِ، وَيُفَخِّمُ بِهِ لِسَانَهُ، وَيَلِفُّهُ كَمَا تَلِفُّ الْبَقَرَةُ بِلِسَانِهَا لَفًّا اهـ. فَالْمُرَادُ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَكُونُ قَدَرَ الْحَاجَةِ يُوَافِقُ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ عَلَى مِنْوَالِ الشَّرِيعَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَأَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ عَالِمٍ بِالدُّنْيَا جَاهِلٍ بِالْآخِرَةِ ".»
следующие страницы →