← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

٤٧٩٧ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مُسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا، الثَّرْثَارُونَ، الْمُتَشَدِّقُونَ، الْمُتَفَيْهِقُونَ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٤٧٩٧ - (وَعَنْ أَبِي شُعْبَةَ الْخُشَنِيِّ) : ﵁ مَرَّ ذِكْرُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا (وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: مَنْزِلَةً (أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا) : نَصَبَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ وَجَمَعَهُ لِإِرَادَةِ الْأَنْوَاعِ أَوْ لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ (وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا (وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي) أَيْ: فِي الْعُقْبَى (مُسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْوَاوِ جَمْعُ مَسْوَأٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ، كَمَحَاسِنَ فِي جَمْعِ مَحْسَنٍ، وَهُوَ إِمَّا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، وَإِمَّا اسْمُ مَكَانٍ أَيْ: مَحَالُّ سُوءِ الْأَخْلَاقِ. وَيُرْوَى أَسَاوِيكُمْ وَهُوَ جَمْعُ أَسْوَأَ كَأَحَاسِنَ جَمْعُ أَحْسَنَ،

стр. 6617

وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا فِي أَصْلِ الْمَصَابِيحِ. هَذَا مُجْمَلُ الْكَلَامِ فِي مَقَامِ الْمَرَامِ، وَقَالَ الْقَاضِي: أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ إِذَا أُضِيفَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ زَائِدٌ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِمْ فِي الْخَصْلَةِ الَّتِي هُوَ وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِيهَا جَازَ الْإِفْرَادُ وَالتَّذْكِيرُ فِي الْحَالَاتِ كُلِّهَا وَتَطَبُّقُهَا، لِمَا هُوَ وَصْفٌ لَهُ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَقَدْ جُمِعَ الْوَجْهَانِ فِي الْحَدِيثِ، فَأُفْرِدَ (أَحَبَّ) وَ (أَبْغَضَ) وَجُمِعَ (أَحَاسِنُ) وَ (أَسَاوِي) فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَسَاوِيكُمْ بَدَلَ مَسَاوِيكُمْ، وَهُوَ جَمْعُ مَسْوَأٍ كَمَحَاسِنَ فِي جَمْعِ مَحْسَنٍ، وَهُوَ إِمَّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ نُعِتَ بِهِ ثُمَّ جُمِعَ، أَوِ اسْمُ مَكَانٍ بِمَعْنَى الْأَمْرِ الَّذِي فِيهِ السُّوءُ، فَأُطْلِقَ عَلَى الْمَنْعُوتِ بِهِ مَجَازًا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَرَادَ بِأَبْغَضِكُمْ بِغِيضَكُمْ وَبِأَحَبِّكُمُ التَّفْضِيلَ، فَلَا يَكُونُ الْمُخَاطَبُونَ بِأَجْمَعِهِمْ مُشْتَرِكِينَ فِي الْبُغْضِ وَالْمَحَبَّةِ. وَقَالَ الْحَاجِبِيُّ: تَقْدِيرُهُ أَحَبُّ الْمَحْبُوبِينَ مِنْكُمْ وَأَبْغَضُ الْمَبْغُوضِينَ مِنْكُمْ، وَيَجُوزُ إِطْلَاقُ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ لِلْقَرِينَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا جُعِلَ الْخِطَابُ خَاصًّا بِالْمُؤْمِنِينَ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَبْغَضُكُمْ لَا يَجُوزُ بِغِيضُكُمْ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْمَحَبَّةِ، فَالْقَوْلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ وَالْمُوَفَّقُ وَالْمُنَافِقُ، فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمُنَافِقُ الْحَقِيقِيُّ، فَالْكَلَامُ ظَاهِرٌ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ الْحَقِيقِيِّ كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ فَمُسْتَقِيمٌ أَيْضًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (الثِّرْثَارُونَ) إِلَخْ. وَهُوَ إِمَّا بَدَلٌ مِنْ مُسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَوْصَافُ أَسْوَأَ الْأَخْلَاقِ؛ لِأَنَّ الْمُبْدَلَ كَالتَّمْهِيدِ وَالتَّوْطِئَةِ، وَإِمَّا رُفِعَ عَلَى الذَّمِّ، فَإِنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَيَكُونُ أَشْنَعَ وَأَبْلَغَ. وَفِي النِّهَايَةِ: الثِّرْثَارُونَ هُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الْكَلَامَ تَحَلُّفًا وَخُرُوجًا عَنِ الْحَقِّ مِنَ الثَّرْثَرَةِ، وَهِيَ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَتَرْدِيدُهُ (الْمُتَشَدِّقُونَ) أَيِ: الْمُتَوَسِّعُونَ فِي الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاطٍ وَاحْتِرَازٍ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُتَشَدِّقِ الْمُسْتَهْزِئَ بِالنَّاسِ يَلْوِي شِدْقَهُ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُتَكَلِّفُونَ فِي الْكَلَامِ فَيَلْوِي بِهِ شِدْقَيْهِ، وَالشِّدْقُ جَانِبُ الْفَمِ (الْمُتَفَيْهِقُونَ) أَيِ: الَّذِينَ يَمْلَئُونَ أَفْوَاهَهُمْ بِالْكَلَامِ وَيَفْتَحُونَهَا مِنَ الْفَهْقِ وَهُوَ الِامْتِلَاءُ وَالِاتِّسَاعُ، قِيلَ: وَهَذَا مِنَ التَّكَبُّرِ وَالرُّعُونَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى التَّرْدِيدِ فِي الْكَلَامِ لِيَمِيلَ بِقُلُوبِ النَّاسِ وَأَسْمَاعِهِمْ إِلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَزَادَ فِي الْفَائِقِ وَالنِّهَايَةِ عَلَى هَذَا أَيْ: عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، أَوْ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ الْمَعْهُودِ الْمَحْمُودِ، الْمُوطَّئُونَ أَكْنَافًا الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ. قَالَ: وَهَذَا مَثَلٌ وَحَقِيقَتُهُ مِنَ التَّوْطِئَةِ وَهِيَ التَّمْهِيدُ وَالتَّذْلِيلُ، وَفِرَاشٌ وَطِيءٌ لَا يُؤْذِي جَنْبَ النَّائِمِ، وَالْأَكْنَافُ الْجَوَانِبُ أَرَادَ الَّذِينَ جَوَانِبُهُمْ وَطِيئَةٌ يَتَمَكَّنُ فِيهَا مَنْ يُصَاحِبُهُمْ وَلَا يَتَأَذَّى. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 6618

٤٧٩٨ - وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ عَنْ جَابِرٍ، وَفِي رِوَايَتِهِ «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: " الْمُتَكَبِّرُونَ» ". ــ ٤٧٩٨ - (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ) أَيْ: مِثْلَهُ مَعْنًى لَا لَفْظًا (عَنْ جَابِرٍ) : قَالَ مِيرَكُ: وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مُسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا، بَلْ قَالَ: وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثِّرْثَارُونَ إِلَخْ. (وَفِي رِوَايَتِهِ) أَيْ: رِوَايَةِ جَابِرٍ وَالتِّرْمِذِيِّ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْنَا الثِّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: الْمُتَكَبِّرُونَ) أَيِ: الْمُظْهِرُونَ لِلْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: يُكْرَهُ التَّفَخُّرُ فِي الْكَلَامِ بِالتَّشَدُّقِ، وَتَكَلُّفِ السَّجْعِ وَالْفَصَاحَةِ، وَالتَّصَنُّعِ بِالْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي يَعْتَادُهَا الْمُتَفَاصِحُونَ مِنْ زَخَارِفِ الْقَوْلِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ الْمَذْمُومِ، وَكَذَلِكَ التَّحَرِّي فِي دَقَائِقِ الْإِعْرَابِ وَوَحْشِيِّ اللُّغَةِ فِي حَالِ مُخَاطَبَةِ الْعَوَامِّ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ فِي مُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهُمْ لَفْظًا يَفْهَمُونَهُ فَهْمًا جَلِيًّا، وَلَا يَدْخُلُ فِي الذَّمِّ تَحْسِينُ الْقَادِرِ لِلْخُطَبِ وَالْمَوَاعِظِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِفْرَاطٌ وَإِغْرَابٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا تَهْيِيجُ الْقُلُوبِ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِحُسْنِ اللَّفْظِ فِي هَذَا أَثَرٌ ظَاهِرٌ.

стр. 6619

٤٧٩٩ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِي: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ قَوْمٌ - يَأْكُلُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَمَا تَأْكُلُ الْبَقَرَةُ بِأَلْسِنَتِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٤٧٩٩ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَمَا تَأْكُلُ الْبَقَرَةُ» ) : بِفُتْحَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ الْبَاقِرَةُ وَهِيَ جَمَاعَةُ الْبَقَرَةِ (بِأَلْسِنَتِهَا) أَيْ: يَجْعَلُونَ أَلْسِنَتَهُمْ وَسَائِلَ أَكْلِهِمْ كَالْبَقَرَةِ تَأْخُذُ الْعَلَفَ بِلِسَانِهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ضُرِبَ لِلْمَعْنَى مَثَلٌ يُشَاهِدُهُ الرَّاءُونَ مِنْ حَالِ الْبَقَرِ، لِيَكُونَ أَثْبَتَ فِي الضَّمَائِرِ، ذَلِكَ أَنَّ سَائِرَ الدَّوَابِّ تَأْخُذُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ بِأَسْنَانِهَا، فَضُرِبَ بِهَا الْمَثَلُ لِمَعْنَيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ لَا يَهْتَدُونَ مِنَ الْمَآكِلِ إِلَّا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، كَمَا أَنَّ الْبَقَرَةَ لَا تَتَمَكَّنُ مِنَ الِاحْتِشَاشِ إِلَّا بِلِسَانِهَا، وَالْآخَرُ: أَنَّهُمْ فِي مَغْزَاهُمْ ذَلِكَ كَالْبَقَرَةِ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُمَيِّزَ فِي رَعْيِهَا بَيْنَ الرَّطْبِ وَالشَّوْكَةِ، وَبَيْنَ الْحُلْوِ وَالْمُرِّ، بَلْ تَلِفُّ الْكُلَّ بِلِسَانِهَا لَفًّا، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ أَلْسِنَتَهُمْ ذَرِيعَةً إِلَى مَآكِلِهِمْ، لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَرَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادِهِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا تُقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ الزُّهْدُ رِوَايَةً وَالْوَرَعُ تَصَنُّعًا» .

стр. 6620

٤٨٠٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا يَتَخَلَّلُ الْبَاقِرَةُ بِلِسَانِهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٤٨٠٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَلِيغَ) أَيِ: الْمُبَالِغَ فِي فَصَاحَةِ الْكَلَامِ وَبَلَاغَتِهِ (مِنَ الرِّجَالِ) أَيْ: مِمَّا بَيْنَهُمْ وَخُصُّوا لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِيهِمْ (الَّذِي) : صِفَةُ الْبَلِيغِ (يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ) أَيْ: يَأْكُلُ بِلِسَانِهِ، أَوْ يُدِيرُ لِسَانَهُ حَوْلَ أَسْنَانِهِ مُبَالَغَةً فِي إِظْهَارِ بَلَاغَتِهِ وَبَيَانِهِ. (كَمَا يَتَخَلَّلُ الْبَاقِرَةُ بِلِسَانِهَا) أَيِ: الْبَقَرَةُ كَأَنَّهُ أَدْخَلَ التَّاءَ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجِنْسِ كَالْبَقَرَةِ مِنَ الْبَقَرِ، وَاسْتِعْمَالُهَا مَعَ التَّاءِ قَلِيلٌ. قَالَ الْقَاضِي: شَبَّهَ إِدَارَةَ لِسَانِهِ حَوْلَ الْأَسْنَانِ وَالْفَمِ حَالَ التَّكَلُّمِ تَفَاصُحًا بِمَا تَفْعَلُ الْبَقَرَةُ بِلِسَانِهَا، وَالْبَاقِرَةُ جَمَاعَةُ الْبَقَرَةِ. وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ الَّذِي يَتَشَدَّقُ فِي الْكَلَامِ، وَيُفَخِّمُ بِهِ لِسَانَهُ، وَيَلِفُّهُ كَمَا تَلِفُّ الْبَقَرَةُ بِلِسَانِهَا لَفًّا اهـ. فَالْمُرَادُ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَكُونُ قَدَرَ الْحَاجَةِ يُوَافِقُ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ عَلَى مِنْوَالِ الشَّرِيعَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَأَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ عَالِمٍ بِالدُّنْيَا جَاهِلٍ بِالْآخِرَةِ ".»

стр. 6621

٤٨٠١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِقَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنَ النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٤٨٠١ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي) : بَنَى اللَّيْلَةَ عَلَى الْفَتْحِ لِإِضَافَتِهَا إِلَى الْجُمْلَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ، فَالتَّقْدِيرُ لَيْلَةً أُسْرِيَ بِي فِيهَا، وَقَوْلُهُ: (بِقَوْمٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِمَرَرْتُ (تُقْرَضُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: تُقَطَّعُ (شِفَاهُهُمْ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ الشَّفَةِ بِالْفَتْحِ (بِمَقَارِيضَ) : جَمْعُ مِقْرَاضٍ (مِنَ النَّارِ فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ) : إِشَارَةُ تَحْقِيرٍ؛ وَلِذَا أُعِيدَ (خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ) أَيْ: عُلَمَاؤُهُمْ وَوُعَّاظُهُمْ أَوْ شُعَرَاؤُهُمْ (الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) : قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] ، وَقَالَ : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الفاتحة: ٤٤ - ١٨٤٧٤] ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 6622

٤٨٠٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الْكَلَامِ لِيَسْبِيَ بِهِ قُلُوبَ الرِّجَالِ أَوِ النَّاسِ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٨٠٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الْكَلَامِ) أَيْ: إِيرَادَهُ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَقِيلَ أَيِ: الزِّيَادَةَ مِنَ الْقَوْلِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ، وَالصَّرْفُ الْفَصْلُ (لِيَسْبِيَ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: لِيَسْلُبَ وَيَسْتَمِيلَ بِهِ أَيْ: بِصَرْفِ الْكَلَامِ (قُلُوبَ الرِّجَالِ أَوِ النَّاسِ) أَيْ: عَامَّتِهِمْ وَأَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي (لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) : فِي النِّهَايَةِ: الصَّرْفُ التَّوْبَةُ أَوِ النَّافِلَةُ، وَالْعَدْلُ الْفِدْيَةُ أَوِ الْفَرِيضَةُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا " «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِغَيْرِ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ".

стр. 6623

٤٨٠٣ - «وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا وَقَامَ رَجُلٌ فَأَكْثَرَ الْقَوْلَ، فَقَالَ عَمْرٌو: لَوْ قَصَدَ فِي قَوْلِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَقَدْ رَأَيْتُ - أَوْ أُمِرْتُ - أَنْ أَتَجَوَّزَ فِي الْقَوْلِ، فَإِنَّ الْجَوَازَ هُوَ خَيْرٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٨٠٣ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ) أَيْ: عَمْرٌو (يَوْمًا) أَيْ: مِنَ الْأَيَّامِ (وَقَامَ) أَيْ: وَقَدْ قَامَ (رَجُلٌ) أَيْ: خَطِيبًا وَوَاعِظًا (فَأَكْثَرَ الْقَوْلَ) أَيْ: أَطَالَ الْكَلَامَ إِظْهَارًا لِلْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ حَتَّى حَصَلَ لِلسَّامِعِينَ الْمَلَالَةُ. (فَقَالَ عَمْرٌو) : كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَهُوَ تَكْرَارٌ لِطُولِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (لَوْ قَصَدَ فِي قَوْلِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ) : هُوَ الْمَقُولُ لِقَوْلِهِ قَالَ يَوْمًا، وَقَوْلُهُ وَقَامَ رَجُلٌ حَالٌ، فَلَمَّا وَقَعَ بَيْنَهُمَا طَالَ الْكَلَامُ فَأَعَادَ. قَالَ عَمْرٌو: وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الْحَمَاسِيِّ: وَإِنَّ امْرَأً دَامَتْ مَوَاثِيقُ عَهْدِهِ ... عَلَى مِثْلِ هَذَا إِنَّهُ لَكَرِيمُ فَقَوْلُهُ: لَكَرِيمُ خَبَرُ إِنَّ الْأُولَى، وَأَعَادَ إِنَّهُ لِطُولِ الْكَلَامِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ قَوْلُهُ: قَصَدَ أَيْ: لَوْ أَخَذَ فِي كَلَامِهِ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، وَالْقَصْدُ مَا بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ. (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُ) أَيْ: عَلِمْتُ (أَوْ أُمِرْتُ) . شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (أَنْ أَتَجَوَّزَ فِي الْقَوْلِ) أَيْ: أُسْرِعَ فِيهِ، وَأُخَفِّفَ الْمُؤْنَةَ عَنِ السَّامِعِ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ أَيْ: خَفَّفَ، ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ. (فَإِنَّ الْجَوَازَ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ (هُوَ خَيْرٌ) : قَالَ شَارِحٌ: التَّجَوُّزُ فِي الْقَوْلِ وَالْجَوَازُ فِيهِ الِاقْتِصَارُ؛ لِأَنَّهُ إِسْرَاعٌ وَانْتِقَالٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى السُّكُوتِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . قَالَ مِيرَكُ: وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِيهِ وَفِيهِمَا مَقَالٌ اهـ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «لَقَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَتَجَوَّزَ فِي الْقَوْلِ، فَإِنَّ الْجَوَازَ فِي الْقَوْلِ هُوَ خَيْرٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.

стр. 6624

٤٨٠٤ - وَعَنْ صَخْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا، وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٨٠٤ - (وَعَنْ صَخْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) : تَابِعِيٌّ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَعَنْ عِكْرِمَةَ، وَعَنْهُ حَجَّاجُ بْنُ حَسَّانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ. (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، وَهُوَ قَاضِي مَرْوَ تَابِعِيٌّ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَثِقَاتِهِمْ، سَمِعَ أَبَاهُ وَغَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ سَهْلٌ وَغَيْرُهُ، مَاتَ بِمَرْوَ، وَلَهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ: بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ، أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا، وَبَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَكَانَ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى خُرَاسَانَ غَازِيًا، فَمَاتَ بِمَرْوَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. وَالْحُصَيْبُ تَصْغِيرُ الْحَصَبِ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ) أَيْ: بُرَيْدَةُ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا» ) : مَرَّ بَيَانُهُ ( «وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا» ) أَيْ: لِكَوْنِهِ عِلْمًا مَذْمُومًا وَالْجَهْلُ بِهِ خَيْرٌ مِنْهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ عِلْمًا بِمَا لَا يَعْنِيهِ فَيَصِيرُ جَهْلًا بِمَا يَعْنِيهِ. فِي النِّهَايَةِ، قِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ الْعُلُومِ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَالنُّجُومِ

стр. 6625

وَعِلْمِ الْأَوَائِلِ، وَيَدَعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي دِينِهِ مِنْ عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَالِاشْتِغَالُ بِهِ يَمْنَعُهُ عَنْ تَعَلُّمٍ فِي مَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ جَهْلًا لَهُ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَقِيلَ: هُوَ أَنْ لَا يَعْمَلَ بِعِلْمِهِ فَيَكُونَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ جَهْلًا، وَمُصَدِّقُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] ، قَلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] ، فَفِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ قَالَ قَتَادَةُ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا عُصِيَ بِهِ اللَّهُ فَهُوَ جَهَالَةٌ عَمْدًا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَكُلَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ. ( «وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا» ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: حِكْمَةً كَمَا سَبَقَ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] ، أَيِ: الْحِكْمَةَ (وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ) أَيِ: الْكَلَامِ (عِيَالًا) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِ أَبِي دَاوُدَ: عَيْلًا بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: ثِقَلًا وَوَبَالًا عَلَيْكَ، أَوْ ثِقَلًا عَلَى سَامِعِكَ؛ لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِهِ أَوْ جَاهِلٌ لَا يَفْهَمُهُ، فَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ عَرْضُكَ حَدِيثَكَ وَكَلَامَكَ عَلَى مَنْ لَا يُرِيدُهُ وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو عُبَيْدَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ. قَالَ: وَأَدْخَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: تَحَوَّلَ مِنْ هُنَاكَ اهـ. وَوَهِمَ أَبُو حَاتِمٍ فِيهِ، بَلِ الْبُخَارِيُّ احْتَجَّ بِهِ.

стр. 6626

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٨٠٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَضَعُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ يَقُومُ عَلَيْهِ قَائِمًا، يُفَاخِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ يُنَافِحُ. وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ حَسَّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا نَافَحَ أَوْ فَاخَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٨٠٥ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ يَقُومُ عَلَيْهِ قَائِمًا» ) أَيْ: قِيَامًا فَفِي الْمُفَصَّلِ قَدْ يَرِدُ الْمَصْدَرُ عَلَى وَزْنِ اسْمِ الْفَاعِلِ نَحْوَ: قُمْتُ قَائِمًا (يُفَاخِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: لِأَجْلِهِ وَعَنْ قِبَلِهِ (أَوْ يُنَافِحُ) : بِنُونٍ ثُمَّ فَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ: - يُدَافِعُ عَنْهُ ﷺ وَيُخَاصِمُ الْمُشْرِكِينَ وَيَهْجُوهُمْ مُجَازَاةً لَهُمْ، وَ " أَوْ " تَحْتَمِلُ الشَّكَّ وَالتَّنْوِيعَ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي الشَّمَائِلِ، أَوْ قَالَ أَيِ: الرَّاوِي وَفِي نُسْخَةٍ أَوْ قَالَتْ: (وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ حَسَّانَ) : وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ حَسَّانًا (بِرُوحِ الْقُدُسِ) : بِضَمِّ الدَّالِ وَيُسَكَّنُ الْمُرَادُ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ «إِنَّ جِبْرِيلَ مَعَ حَسَّانَ مَا نَافَحَ عَنِّي» ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى الْقُدُسِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْقُدُسُ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلتَّشْرِيفِ كَبَيْتِ اللَّهِ، وَتَسْمِيَتُهُ بِالرُّوحِ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي الْأَنْبِيَاءَ بِمَا فِيهِ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ وَالطَّهَارَةُ السَّرْمَدِيَّةُ. (مَا نَافَحَ أَوْ فَاخَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : وَفِي الشَّمَائِلِ: مَا يُنَافِحُ أَوْ يُفَاخِرُ أَيْ: مَا دَامَ مُشْتَغِلًا بِتَأْيِيدِ دِينِ اللَّهِ وَتَقْوِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَعَانِي فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 6627

٤٨٠٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ حَادٍ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ لَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ» " قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي ضَعْفَةَ النِّسَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٨٠٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَادٍ) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ حَدَا الْإِبِلَ وَبِهَا حَدْوًا وَحُدَاءً وَحِدَاءً: زَجَرَهَا وَسَاقَهَا. ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ. وَفِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ: حَدَاهَا إِذَا عَنَى بِهَا. قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: وَأَصْلُ الْحِدَاءِ فِي دِي دِي، وَقَالَ فِيهِ مَا كَانَ لِلنَّاسِ حِدَاءٌ، فَضَرَبَ أَعْرَابِيٌّ غُلَامَهُ وَعَضَّ أَصَابِعَهُ فَمَشَى وَهُوَ يَقُولُ: دِي دِي دِي أَرَادَ بِأَيْدِي، فَسَارَتِ الْإِبِلُ عَلَى صَوْتِهِ فَقَالَ لَهُ: الْزَمْهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ، فَهَذَا أَصْلُ الْحِدَاءِ اهـ، وَلَهُ تَأْثِيرٌ بَلِيغٌ فِي سُرْعَةِ مَشْيِ الْإِبِلِ وَتَأْثِيرِ الْغِنَاءِ فِيهِنَّ، وَمِمَّا حُكِيَ فِيهِ أَنَّ شَخْصًا صَارَ ضَيْفًا لِأَعْرَابِيٍّ، فَرَأَى عَبْدًا أَسْوَدَ مُسَلْسَلًا مُقَيَّدًا، وَبَيْنَ يَدَيْهِ بَعِيرٌ وَاحِدٌ، فَقَالَ لَهُ: اشْفَعْ لِي عِنْدَ سَيِّدِي، فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَفَاعَةَ الضَّيْفِ فَتَكَلَّمَ فِي حَقِّهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا عَمِلَ ذَنَبًا كَبِيرًا، فَإِنَّهُ كَانَ لِي عَشَرَةٌ مِنَ الْإِبِلِ فَحَدَا بِهِنَّ لَيْلَةً حَتَّى.

стр. 6628

سِرْنَ فِيهَا مَسَافَةً لَيَالِيَ، فَلَمَّا وَصَلْنَ إِلَى الْمَنْزِلِ لَمْ يَبْقَ إِلَّا هَذَا الْإِبِلُ، لَكِنْ قَبِلْتُ شَفَاعَتَكَ فَقَالَ: إِذًا تَأْمُرُهُ أَنْ يُسْمِعَنِي بَعْضَ حُدَيَّاتِهِ وَهُنَيَّاتِهِ، فَأَمَرَ بِهِ، فَلَمَّا أَبْدَى بَعْضَ الْكَلِمَاتِ قَامَتِ الْإِبِلُ وَنَفَرَتْ وَحْشِيَّةً إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَقَامَ الرَّجُلُ مَجْنُونًا أَوْ مَجْذُوبًا لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ فِي الْبَيْدَاءِ. (يُقَالُ لَهُ) أَيْ: لِلْحَادِي (أَنْجَشَةُ) : بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَسُكُونِ نُونٍ وَجِيمٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: هُوَ غُلَامٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَبَشِيٌّ يُكَنَّى أَبَا مَارِيَةَ (وَكَانَ) أَيْ: أَنْجَشَةُ (حَسَنَ الصَّوْتِ) أَيْ: وَكَانَ يَحْدُو إِبِلَ بَعْضِ النِّسَاءِ (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : رُوَيْدَكَ) أَيْ: أَمْهِلْ إِمْهَالَكَ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] ، فَهُوَ مَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ بِفِعْلِهِ الْمُقَدَّرِ، وَالْكَافُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ، وَقِيلَ اسْمُ فِعْلٍ وَالْكَافُ حَرْفُ خِطَابٍ. ( «يَا أَنْجَشَةُ لَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ» ) : بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَالْقَوَارِيرُ جَمْعُ قَارُورَةٍ سُمِّيَتْ بِهَا لِاسْتِقْرَارِ الشَّرَابِ فِيهَا، وَهِيَ الزُّجَاجَةُ كُنِّيَ بِهَا عَنِ النِّسَاءِ لِمَا فِيهِنَّ مِنَ الرِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ وَضَعْفِ الْبِنْيَةِ، أَمْرَهُ أَنْ يَغُضَّ مِنْ صَوْتِهِ الْحَسَنِ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ مِنْ قُلُوبِهِنَّ مَوْقِعًا لِضَعْفِ عَزَائِمِهِنَّ وَسُرْعَةِ ثَائِرِهِنَّ كَسُرْعَةِ الْكَسْرِ إِلَى الْقَوَارِيرِ. وَفِي النِّهَايَةِ: شُبِّهْنَ بِالْقَوَارِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَسْرُعُ إِلَيْهَا الْكَسْرُ، وَكَانَ أَنْجَشَةُ يَحْدُو وَيُنْشِدُ الْقَرِيضَ وَالرَّجْزَ، فَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُصِيبَهُنَّ أَوْ يَقَعَ فِي قُلُوبِهِنَّ حِدَاؤُهُ، فَأَمَرَهُ بِالْكَفِّ عَنْ ذَلِكَ. وَفِي الْمَثَلِ: الْغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَا. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ الْإِبِلَ إِذَا سَمِعَتِ الْحِدَاءَ أَسْرَعَتْ فِي الْمَشْيِ وَاشْتَدَّتْ، فَأَزْعَجَتِ الرَّاكِبَ وَأَتْعَبَتْهُ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ يَضْعُفْنَ عَنْ شِدَّةِ الْحَرَكَةِ. قُلْتُ: وَهَذَا الْمَعْنَى أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى، فَإِنَّهُ نَاشِئٌ عَنِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ، وَذَاكَ عَنْ سُوءِ ظَنٍّ لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ. (قَالَ قَتَادَةُ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ. (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ (بِالْقَوَارِيرِ ضَعْفَةَ النِّسَاءِ) : وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6629

٤٨٠٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الشِّعْرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هُوَ كَلَامٌ، فَحَسَنُهُ حَسَنٌ، وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. ــ ٤٨٠٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: ذُكِرَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الشِّعْرُ) : فَكَأَنَّهُ ذَمَّهُ بَعْضٌ وَمَدَحَهُ بَعْضٌ عَلَى إِطْلَاقِهِ أَوْ ذُكِرَ بِالذَّمِّ فَقَطْ، وَفِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُوَ كَلَامٌ) أَيْ: كَسَائِرِ الْكَلَامِ أَوْ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ مَوْزُونٌ (فَحَسَنَهُ حَسَنٌ، وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ) : وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَا إِنَّمَا يَدُورَانِ مَعَ الْمَعْنَى، وَلَا عِبْرَةَ بِاللَّفْظِ، سَوَاءٌ كَانَ مَوْزُونًا أَوْ غَيْرَهُ عَرَبِيًّا أَوْ غَيْرَهُ. (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) : وَكَذَا أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ذَكَرَهُ مِيرَكُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الشِّعْرُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ، فَحَسَنُهُ كَحَسَنِ الْكَلَامِ، وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِ الْكَلَامِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.

стр. 6630

٤٨٠٨ - وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، مُرْسَلًا. ــ ٤٨٠٨ - (وَرَوَى) : فِي نُسْخَةٍ وَرَوَاهُ (الشَّافِعِيُّ عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا) : وَهُوَ لَا يَضُرُّ لِكَوْنِ الْمُرْسَلِ حُجَّةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إِذَا اعْتَضَدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ طُرُقٍ أَنَّهُ أُسْنِدَ.

стр. 6631

٤٨٠٩ - «وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعَرْجِ. إِذَا عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خُذُوا الشَّيْطَانَ، أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ، لِأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٨٠٩ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ) أَيْ: مَعْشَرُ الصَّحَابَةِ (نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعَرْجِ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ. فِي الْقَامُوسِ: الْعَرَجُ بِالْفَتْحِ بَلَدٌ بِالْيَمَنِ وَوَادٍ بِالْحِجَازِ ذُو نَخِيلٍ وَمَوْضِعٌ.

стр. 6632

بِبِلَادٍ هُذَيْلٍ وَمَنْزِلٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِالْجِيمِ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ مِنْ عَمَلِ الْفُرْعِ عَلَى نَحْوِ ثَمَانِيَةٍ وَسَبْعِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ (إِذْ عَرَضَ) أَيْ: ظَهَرَ (شَاعِرٌ يُنْشِدُ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: يَقْرَأُ شِعْرَهُ أَوْ شِعْرَ غَيْرِهِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خُذُوا الشَّيْطَانَ، أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيِ: امْنَعُوهُ مِنْ إِنْشَادِهِ، وَلَعَلَّهُ ﷺ لَمَّا رَآهُ يُنْشِدُ الشِّعْرَ مُتَعَرِّضًا غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَيْهِمْ وَمَيَّالٍ بِهِمْ مُسْتَهْتِرًا بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ عَرَفَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ هُوَ قَرْضُ الشِّعْرِ، وَأَنَّهُ مَسْلُوبُ الْحَيَاءِ مَعْزُولٌ عَنِ الْأَدَبِ، وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الشَّيْطَانِ وَأَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ( «لِأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» ) : وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6633

٤٨١٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) . ــ ٤٨١٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْغِنَاءُ) : بِكَسْرِ الْغَيْنِ مَمْدُودًا أَيِ: التَّغَنِّي (يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ) : يَعْنِي الْغِنَاءُ سَبَبُ النِّفَاقِ وَمُؤَدٍّ إِلَيْهِ، فَأَصْلُهُ وَشُعْبَتُهُ كَمَا قَالَ: " «الْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ» ". وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قِيلَ: الْغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ كَانَ يُدِيمُ الْغِنَاءَ وَيَغْشَاهُ الْمُغَنُّونَ مُعْلَنًا، فَهَذَا سَفَهٌ يَرُدُّ شَهَادَتَهُ وَإِنْ كَانَ يُقِلُّ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: غِنَاءُ الْإِنْسَانِ بِمُجَرَّدِ صَوْتِهِ مَكْرُوهٌ وَسَمَاعُهُ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَ سَمَاعُهُ مِنَ الْأَجْنَبِيَّةِ كَانَ أَشَدَّ كَرَاهَةٍ، وَالْغِنَاءُ بِآلَاتٍ مُطْرِبَةٍ هُوَ مِنْ شِعَارِ شَارِبِي الْخَمْرِ كَالْعُودِ وَالطُّنْبُورِ وَالصَّنْجِ وَالْمَعَازِفِ وَسَائِرِ الْأَوْتَارِ حَرَامٌ، وَكَذَا سَمَاعُهُ حَرَامٌ، وَفِي الْيَرَاعِ الْوَجْهَانِ صَحَّحَ الْبَغَوِيُّ الْحُرْمَةَ وَالْغَزَالِيُّ الْجَوَازَ، وَهُوَ أَقْرَبُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْيَرَاعِ كُلَّ قَصَبٍ، بَلِ الْمِزْمَارُ الْعِرَاقِيُّ وَمَا يُضْرَبُ بِهِ مِنَ الْأَوْتَارِ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ، ثُمَّ قَالَ: الْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ حُرْمَةُ الْيَرَاعِ، وَهِيَ هَذِهِ الْمِزْمَارَةُ الَّتِي تُسَمَّى الشَّبَّابَةَ، وَقَدْ صَنَّفَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الدَّوْلَقِيُّ كِتَابًا فِي تَحْرِيمِ الْيَرَاعِ مُشْتَمِلًا عَلَى نَفَائِسِ وَأَطْنَبَ فِي دَلَائِلِ تَحْرِيمِهِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْمَلَاهِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، لَكِنَّ لَفْظَهُ: الْبَقْلُ بَدَلَ الزَّرْعِ.

стр. 6634

٤٨١١ - «وَعَنْ نَافِعٍ ﵀ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي طَرِيقٍ، فَسَمِعَ مِزْمَارًا، فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَنَاءَ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، ثُمَّ قَالَ لِي بَعْدَ أَنْ بَعُدَ: يَا نَافِعُ! هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَا، فَرَفَعَ أُصْبُعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَسَمِعَ صَوْتَ يَرَاعٍ، فَصَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ. قَالَ نَافِعٌ: فَكُنْتُ إِذْ ذَاكَ صَغِيرًا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٨١١ - (وَعَنْ نَافِعٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي طَرِيقٍ، فَسَمِعَ مِزْمَارًا، فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنِهِ وَنَاءَ) : بِهَمْزٍ بَعْدَ الْأَلِفِ أَيْ: بَعُدَ (عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ) أَيْ: مِمَّا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ (ثُمَّ قَالَ لِي: بَعْدَ أَنْ بَعُدَ) : بِفَتْحٍ فَضَمٍّ أَيْ: صَارَ بَعِيدًا بَعْضَ الْبُعْدِ عَنْ مَكَانِ صَاحِبِ الْمِزْمَارِ (يَا نَافِعُ! هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا؟) أَيْ: مِنْ صَوْتِ الْمِزْمَارِ (قُلْتُ: لَا، فَرَفَعَ أُصْبُعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ، قَالَ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ وَتَعْلِيلٌ بِالدَّلِيلِ (كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَ صَوْتَ يَرَاعٍ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: قَصَبٍ (فَصَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ) أَيْ: مِنْ وَضْعِ الْأُصْبُعَيْنِ فِي الْأُذُنَيْنِ فَقَطْ، أَوْ جَمِيعَ مَا سَبَقَ مِنَ الْبُعْدِ عَنِ الطَّرِيقِ وَمُرَاجَعَةِ السُّؤَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ نَافِعٌ: وَكُنْتُ إِذْ ذَاكَ صَغِيرًا) : وَلَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ أَيْضًا كَانَ صَغِيرًا فَيَتِمُّ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إِنَّهُ أَيْضًا كَانَ وَاضِعًا أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، فَلِمَا سَأَلَهُ رَفَعَ أُصْبُعَيْهِ فَأَجَابَ وَلَيْسَ حِينَئِذٍ مَحْذُورٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدِ السَّمَاعَ، وَمِثْلُهُ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَفْعَلَ أَيْضًا بِنَفْسِهِ إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا، بَلِ التَّحْقِيقُ أَنَّ نَفْسَ الْوَضْعِ مِنْ بَابِ الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى وَمُرَاعَاةِ الْأَوْلَى، وَإِلَّا فَلَا يُكَلَّفُ الْمَرْءُ إِلَّا بِأَنَّهُ لَمْ يَقْصُدِ السَّمَاعَ لَا بِأَنَّهُ يُفْقِدُ السَّمَاعَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 6635

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ يَعْنِي: لَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ سَمَاعُ الْيَرَاعِ مُبَاحٌ، وَالْمَنْعُ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ بَلْ لِلتَّنْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَنَعَ أَيْضًا نَافِعًا عَنِ الِاسْتِمَاعِ، وَالْجَوَابُ: إِنَّ نَافِعًا لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ التَّكْلِيفِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَكُنْتُ إِذْ ذَاكَ صَغِيرًا وَلَوْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى هَذِهِ الْفَائِدَةِ لَكَانَ وَصْفُهُ لِنَفْسِهِ بِالصِّغَرِ ضِحْكَةً لِلسَّاخِرِينَ كَمَا فِي قَوْلِكَ: الْمَيِّتُ الْيَهُودِيُّ لَا يُبْصِرُ هَذَا، وَذِكْرُ الْحَدِيثِ بُعَيْدَ السَّابِقِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ اسْتِمَاعَ الْغِنَاءِ وَالْمِزْمَارِ وَالْيَرَاعِ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ، أَيْ: فِي الْجُمْلَةِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ الْمَزَامِيرِ وَالْمَلَاهِي وَالْمَعَازِفِ، وَكَانَ الَّذِي سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ صَفَّارَةَ الرُّعَاةِ، وَقَدْ جَاءَ مَذْكُورًا فِي الْحَدِيثِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ يَقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى سَدِّ الْمَسَامِعِ دُونَ الْمُبَالَغَةِ فِي الرَّدِّ وَالزَّجْرِ، وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهُمْ فِي صَفَّارَةِ الرُّعَاةِ اهـ. وَلَعَلَّهُ كَانَ صَاحِبُ الْيَرَاعِ يَهُودِيًّا، مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ بَعِيدًا عَنِ الْمُوَاجَهَةِ، هَذَا وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: أَمَّا اسْتِمَاعُ صَوْتِ الْمَلَاهِي كَالضَّرْبِ بِالْقَضِيبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ حَرَامٌ وَمَعْصِيَةٌ لِقَوْلِهِ ﵇: " «اسْتِمَاعُ الْمَلَاهِي مَعْصِيَةٌ، وَالْجُلُوسُ عَلَيْهَا فِسْقٌ، وَالتَّلَذُّذُ بِهَا مِنَ الْكُفْرِ» " إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّشْدِيدِ وَإِنْ سَمِعَ بَغْتَةً فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ كُلَّ الْجَهْدِ حَتَّى لَا يَسْمَعَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي أُذُنَيْهِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ أَشْعَارِ الْعَرَبِ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الْفِسْقِ وَالْخَمْرِ وَالْغُلَامِ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرُ الْفَوَاحِشِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6636

[بَابُ حِفْظِ اللِّسَانِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٨١٢ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ (١٠) بَابُ حِفْظِ اللِّسَانِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ حِفْظُ اللِّسَانِ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ حَفِظُهُ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ، فَعَطْفُ الْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ عَلَى الْحِفْظِ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، وَالْغِيبَةُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ أَنْ تَذْكُرَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ فِي الْغَيْبَةِ بِالْفَتْحِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِيهِ، وَإِلَّا فَهُوَ بُهْتَانٌ، وَالشَّتْمُ السَّبُّ وَاللَّعْنُ وَهُوَ يَشْمَلُ الْحَاضِرَ وَالْغَائِبَ وَالْحَيَّ وَالْمَيِّتَ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٨١٢ - (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) أَيِ: السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ يَضْمَنْ) : بِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ شُرْطِيَّةٌ (لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ) : بِفَتْحِ اللَّامِ مَنْبَتُ الْأَسْنَانِ، أَيْ: مَنْ يَكْفُلُ لِي مُحَافَظَةَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ اللِّسَانِ وَالْفَمِ عَنْ تَقْبِيحِ الْكَلَامِ وَأَكْلِ الْحَرَامِ (وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ) أَيْ: مِنَ الْفَرْجِ عَنِ الزِّنَا وَنَحْوِهِ (أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ) أَيْ: دُخُولَهَا أَوْ دَرَجَاتَهَا الْعَالِيَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعَنْ بَعْضِهِمْ مَنْ يَضْمَنْ لِي لِسَانَهُ أَيْ: شَرَّ لِسَانِهِ وَبَوَادِرَهُ وَحَفِظَهُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَضُرُّهُ مِمَّا يُوجِبُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ، وَفَرَجَهُ بِأَنْ يَصُونَهُ أَضْمَن لَهُ دُخُولَ الْجَنَّةِ، وَلَحْيَيْهِ بِفَتْحِ اللَّامِ تَثْنِيَةُ لَحْيٍ، هُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ يَنْبُتُ عَلَيْهِمَا الْأَسْنَانُ عُلُوًّا وَسُفْلًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي مُوسَى بِلَفْظِ: " «مَنْ حَفِظَ مَا بَيْنَ فُقْمَيْهِ وَرِجْلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، وَالْفُقْمُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ اللَّحْيُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي الْحَاكِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَنَسٍ: «مَنْ وُقِيَ شَرَّ لَقْلَقِهِ وَقَبْقَبِهِ وَذَبْذَبِهِ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» "، وَاللَّقْلَقُ اللِّسَانُ وَالْقَبْقَبُ الْبَطْنُ وَالذَّبْذَبُ الذَّكَرُ، كَذَا فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ لِلسُّيُوطِيِّ.

стр. 6637

٤٨١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لِيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: " «يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» ". ــ ٤٨١٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَيُضَمُّ، وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ حَالٌ مِنَ الْكَلِمَةِ أَيْ مِنْ كَلَامٍ فِيهِ رِضَاهُ (لَا يُلْقِي) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ لَا يُرِي (لَهَا) أَيْ: لِتِلْكَ الْكَلِمَةِ (بَالًا) أَيْ شَأْنًا أَوْ بَأْسًا (يَرْفَعُ اللَّهُ) أَيْ: لَهُ (بِهَا) أَيْ: بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ (دَرَجَاتٍ) وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا وَيَظُنُّهَا هَيِّنَةً قَلِيلَةَ الِاعْتِبَارِ، وَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمَةُ الِاقْتِدَارِ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيَانٌ لِلْمُوجَبِ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ: مَاذَا يَسْتَحِقُّ بَعْدُ؟ قِيلَ لَهُ: يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ

стр. 6638

بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْقَافِ، وَالْمَعْنَى: لَا يَجِدُ لَهَا عَظَمَةً عِنْدَهُ وَلَا يَلْتَفِتُ عَاقِبَتَهَا عَنْ رَبِّهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَتَكَلَّمُ، وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: لَا يَسْتَمِعُ إِلَيْهَا وَلَا يَجْعَلُ قَلْبَهُ نَحْوَهَا اهـ. وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ عِنْدَ التَّكَلُّمِ، وَفِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: أَنَّهُ بِفَتْحِهِمَا وَرَفْعِ الْبَالِ، فَالْبَالُ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْحَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي الْمَصَابِيحِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ شَارِحُهُ زَيْنُ الْعَرَبِ: أَيْ لَا يَلْحَقُهُ بَأْسٌ وَتَعَبٌ فِي قَوْلِهَا أَوَّلًا، وَلَا يَحْضُرُ بَالُهُ أَيْ: قَلْبُهُ لِمَا يَقُولُهُ مِنْهَا، أَوْ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَيْسَ هَذَا مِنْ بَالِي أَوْ مِمَّا أُبَالِيهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ يَظُنُّهَا قَلِيلَةً وَهَى عِنْدَ اللَّهِ جَلِيلَةٌ، فَيَحْصُلُ لَهُ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَقَدْ يَتَكَلَّمُ بِسُوءٍ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ ذَنْبٌ عَظِيمٌ، فَيَحْصُلُ لَهُ السَّخَطُ مِنَ اللَّهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَإِنَّ الْعَبْدَ لِيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ) أَيْ: مِمَّا يُوجِبُ غَضَبَهُ (لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي) : بِكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ: يَخُوضُ وَيَقَعُ وَيَسْقُطُ (بِهَا) أَيْ: بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ (فِي جَهَنَّمَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ. (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) أَيِ: الشَّيْخَيْنِ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ (يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) . أَيْ هَوِيًّا أَبْعَدَ مِنَ الْبُعْدِ الَّذِي بَيْنَهُمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هَوِيًّا بَلِيغًا بَعِيدَ الْمُبْتَدَأِ وَالْمُنْتَهَى. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَإِنَّ الْعَبْدَ لِيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْهُ.

стр. 6639

٤٨١٤ - وَعَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٨١٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سِبَابُ الْمُسْلِمِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: شَتْمُهُ وَهُوَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ (فُسُوقٌ) ؛ لِأَنَّ شَتْمَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ حَرَامٌ. قَالَ الْأَكْمَلُ: الْفُسُوقُ لُغَةً الْخُرُوجُ زِنَةً وَمَعْنًى، وَشَرْعًا هُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الطَّاعَةِ (وَقِتَالُهُ) أَيْ: مُحَارَبَتُهُ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ (كُفْرٌ) . كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ، لَكِنْ بُعْدُهُ لَا يَخْفَى؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ مَعْلُومِ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى بَيَانِهِ، بَلِ الْمَعْنَى: مُجَادَلَتُهُ وَمُحَارَبَتُهُ بِالْبَاطِلِ كُفْرٌ بِمَعْنَى: كُفْرَانُ النِّعْمَةِ وَالْإِحْسَانِ فِي أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ رُبَّمَا يَئُولُ إِلَى الْكُفْرِ، أَوْ أَنَّهُ فِعْلُ الْكَفَرَةِ، أَوْ أَرَادَ بِهِ التَّغْلِيظَ وَالتَّهْدِيدَ وَالتَّشْدِيدَ فِي الْوَعِيدِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ» " نَعَمْ قِتَالُهُ مَعَ اسْتِحْلَالِ قَتْلِهِ كُفْرٌ صَرِيحٌ، فَفِي النِّهَايَةِ السَّبُّ الشَّتْمُ، يُقَالُ: سَبَّهُ يَسُبُّهُ سَبًّا وَسِبَابًا. قِيلَ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَبَّ أَوْ قَاتَلَ مُسْلِمًا مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وَقِيلَ: إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّغْلِيظِ، لَا أَنَّهُ يُخْرِجُهُ إِلَى الْفِسْقِ وَالْكُفْرِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ إِذَا اسْتَبَاحَ دَمَهُ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَمْ يَرَ الْإِسْلَامَ عَاصِمًا لَهُ فَهُوَ رِدَّةٌ وَكُفْرٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ ﷺ : " «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» " وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْلِمِ هُنَا الْكَامِلُ فِي الْإِيمَانِ الْمُؤَدِّي حُقُوقَهُ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ، فَالنِّسْبَةُ إِلَى الْكُفْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى نُقْصَانِ إِيمَانِهِ تَغْلِيظًا اهـ. وَهُوَ مِنْهُ وَهَمٌ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ الْإِضَافَةَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ سَبَّ الْمُسْلِمِ وَقِتَالَهُ فِسْقٌ وَكُفْرَانٌ سَوَاءٌ يَكُونُ كَامِلَ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا. هَذَا وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ الطَّاعَةَ مِنَ الْإِيمَانِ وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْإِيمَانَ لَا يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَلَا يَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِنَّهُ ﷺ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: قِتَالُهُ كُفْرٌ إِلَى أَنَّ تَرْكَ الْقِتَالِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ فِعْلَهُ يَنْقُصُ الْإِيمَانَ. قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مَا هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ الصَّوَابَ، هُوَ أَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ، بَلْ مِنْ كَمَالِهِ، وَأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، نَعَمْ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ قُوَّةٌ بِحَسَبِ مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ وَضَعْفِ فَقْدِهِ، وَقَدْ يُثْمِرُ ثَمَرَتَهُ مِنْ ظُهُورِ الطَّاعَاتِ، وَقَدْ لَا يُثْمِرُ فَيَقَعُ صَاحِبُهُ فِي السَّيِّئَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالَاتِ وَالْمَقَامَاتِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ سَعْدٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ عَنْ جَابِرٍ، وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ.

стр. 6640

٤٨١٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٨١٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ: كَافِرُ) بِضَمِّ الرَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ، فَإِنَّهُ مُنَادَى حُذِفَ حَرْفُ نِدَائِهِ كَمَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ بِالنِّدَاءِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِتَنْوِينِهِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَنْتَ أَوْ هُوَ (فَقَدْ بَاءَ بِهَا) أَيْ: رَجَعَ بِإِثْمِ تِلْكَ الْمَقَالَةِ (أَحَدُهُمَا) : وَفِي النِّهَايَةِ الْتَزَمَهَا وَرَجَعَ بِهَا اهـ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِهِ أَيْ: بِالْكُفْرِ، وَهُوَ أَوْلَى ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَفِيهِ بَحْثٌ، بَلِ الْأَوْلَى أَنَّ مَعْنَاهُ رَجَعَ بِإِثْمِ ذَلِكَ الْقَوْلِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا، أَمَّا الْقَائِلُ إِنِ اعْتَقَدَ كُفْرَ الْمُسْلِمِ بِذَنْبٍ صَدَرَ مِنْهُ، أَوِ الْآخَرُ إِنْ صَدَّقَ الْقَائِلَ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ الْقَائِلُ لِصَاحِبِهِ: يَا كَافِرُ مَثَلًا فَإِنْ صَدَقَ رَجَعَ إِلَيْهِ كَلِمَةُ الْكُفْرِ الصَّادِرُ مِنْهُ مُقْتَضَاهَا، وَإِنْ كَذَبَ وَاعْتَقَدَ بُطْلَانَ دِينِ الْإِسْلَامِ رَجَعَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا عَدَّهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُشْكَلَاتِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ الْمُسْلِمُ بِالْمَعَاصِي كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا، وَقَوْلِهِ لِأَخِيهِ: كَافِرُ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ بُطْلَانِ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ أَوْجُهٌ أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا مَعْنَى بَاءِ بِهَا أَيْ: بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ أَيْ: رَجَعَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ، وَثَانِيهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ رَجَعَتْ عَلَيْهِ نَقِيضَتُهُ وَمَعْصِيَةُ تَكْفِيرِهِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْخَوَارِجِ الْمُكَفِّرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ الْخَوَارِجَ كَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ لَا تُكَفَّرُ. قُلْتُ: وَهَذَا فِي غَيْرِ حَقِّ الرَّافِضَةِ الْخَارِجَةِ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ كُفْرَ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ، فَضْلًا عَنْ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَهُمْ كَفَرَةٌ بِالْإِجْمَاعِ بِلَا نِزَاعٍ. قَالَ: وَخَامِسُهَا: فَقَدْ رَجَعَ إِلَيْهِ تَكْفِيرُهُ وَلَيْسَ الرَّاجِعُ حَقِيقَةَ الْكُفْرِ، بَلْ كُفْرَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ، قَالَ: لِأَنَّ كُفْرَ مَنْ لَا يُكَفِّرُهُ إِلَّا كَافِرٌ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي أَكْثَرِ الْوُجُوهِ أَحَدُهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى الْقَائِلِ: (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو.

стр. 6641

٤٨١٦ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٨١٦ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ) أَيْ: رَجُلٌ رَجُلًا (بِالْكُفْرِ إِلَّا ارْتَدَّتْ) أَيْ: رَجَعَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ نِسْبَةِ الْفِسْقِ أَوِ الْكُفْرِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْقَائِلِ أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ: (إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ) أَيِ: الْمَقُولُ لَهُ (كَذَلِكَ) أَيْ: مِثْلَ مَا قِيلَ لَهُ مِنَ الْفُسُوقِ أَوِ الْكُفْرِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 6642

٤٨١٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٨١٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رِضَى اللَّهِ عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ) أَيْ: بِأَنْ قَالَ لَهُ يَا كَافِرُ (أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَدُوُّ اللَّهِ أَيْ: هُوَ أَوْ أَنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ (وَلَيْسَ كَذَلِكَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ مَا مِنْ كَوْنِهِ كَافِرًا أَوْ عَدُوًّا لِلَّهِ، بَلْ هُوَ مُسْلِمٌ مُحِبٌّ لِلَّهِ (إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ) : بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ أَيْ: رَجَعَ عَلَيْهِ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَحْذُوفٌ دَالٌّ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ، أَيْ: مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ بَاطِلًا، فَلَا يَلْحَقُهُ مِنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنِ اسْتِفْهَامِيَّةً، وَفِيهِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ أَيْ: مَا يَفْعَلُ أَحَدٌ هَذِهِ الْفِعْلَةَ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6643

٤٨١٨ - ٤٨١٩ - وَعَنْ أَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٨١٨ - ٤٨١٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الْمُسْتَبَّانِ) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ تَثْنِيَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ بَابِ التَّفَاعُلِ أَيِ: الْمُتَشَاتِمَانِ، وَهُمَا اللَّذَانِ سَبَّ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ، لَكِنَّ الْآخَرَ أَرَادَ رَدَّ

стр. 6644

الْآخَرَ، أَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ مَعَايِبِهِ الْمَوْجُودَةِ فِيهِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ (مَا قَالَا) أَيْ إِثْمُ قَوْلِهِمَا (فَعَلَى الْبَادِئِ) أَيْ: عَلَى الْمُبْتَدِئِ فَقَطْ وَالْفَاءُ إِمَّا لِكَوْنِ مَا شَرْطِيَّةً، أَوْ لِأَنَّهَا مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِلشَّرْطِ ثُمَّ " الْبَادِئِ " بِالْهَمْزِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْإِثْمُ كُلُّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا لِتِلْكَ الْمُخَاصَمَةِ، وَقِيلَ: إِثْمُ مَا قَالَا لِلْبَادِئِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْصُلُ لِلْمَظْلُومِ. (مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ) . فَإِنْ جَاوَزَ الْحَدَّ بِأَنْ أَكْثَرَ الْمَظْلُومُ شَتْمَ الْبَادِئِ وَإِيذَاءَهُ صَارَ إِثْمُ الْمَظْلُومِ أَكْثَرَ مِنْ إِثْمِ الْبَادِئِ، وَقِيلَ: إِذَا تَجَاوَزَ فَلَا يَكُونُ الْإِثْمُ عَلَى الْبَادِئِ فَقَطْ، بَلْ يَكُونُ الْآخَرُ آثِمًا أَيْضًا بِاعْتِدَائِهِ، وَحَاصِلُ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إِلَى خِلَافِ الِاعْتِدَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ " مَا " شَرْطِيَّةً، وَقَوْلُهُ: " فَعَلَى الْبَادِئِ " جَزَاؤُهُ، أَوْ مَوْصُولَةً " فَعَلَى الْبَادِئِ " خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ مُسَبَّبَةٌ، وَمَعْنَاهُ إِثْمُ مَا قَالَاهُ عَلَى الْبَادِئِ إِذَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ، فَإِذَا تَعَدَّى يَكُونُ عَلَيْهِمَا، نَعَمْ إِلَّا إِذَا تَجَاوَزَ غَايَةَ الْحَدِّ فَيَكُونُ إِثْمُ الْقَوْلَيْنِ عَلَيْهِ اهـ، وَفِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: «مِنْ أَرْبَى الرِّبَا؟ مَنْ يَسُبُّ سَبَّتَيْنِ بِسَبَّةٍ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا حَتَّى يَعْتَدِيَ الْمَظْلُومُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ أَنَسٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ: " «الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ يَتَهَاتَرَانِ وَيَتَكَاذَبَانِ» ) وَالتَّهَاتُرُ التَّعَالُجُ فِي الْقَوْلِ.

стр. 6645

٤٨٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٨٢٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَنْبَغِي) أَيْ: لَا يَجُوزُ (لِصِدِّيقٍ) : بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ أَيْ: مُبَالِغٍ فِي الصِّدْقِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] ، وَلِرِوَايَةِ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ (أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا) أَيْ: كَثِيرَ اللَّعْنِ وَهُوَ الطَّرْدُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الدُّعَاءُ بِالْبُعْدِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالِي، وَإِنَّمَا أَتَى بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ قَلِيلِهِ نَادِرُ الْوُقُوعِ فِي الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ إِيذَانٌ بِأَنَّ هَذَا الذَّمَّ لَا يَكُونُ لِمَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ اللَّعْنُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: وَلَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ حُكْمٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ تَالِيَةُ صِفَةِ النُّبُوَّةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] ، إِنَّمَا بُعِثُوا رَحْمَةً لِلْخَلْقِ وَمُقَرِّبِينَ لِلْبَعِيدِ وَالطَّرِيدِ إِلَى اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَاللَّاعِنُ طَارِدٌ لَهُمْ وَطَالِبٌ لِبُعْدِهِمْ مِنْهَا، فَاللَّعْنَةُ مُنَافِيَةٌ لَهُ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالِفِ الْمُخْتَلِفُ جَوَازُهُ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُ يُخَالِفُهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6646

٤٨٢١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٨٢١ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ» ) : أَيْ عَلَى النَّاسِ وَهُمُ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ بِأَنَّ رُسُلَهُمْ بَلَّغُوا الرِّسَالَةَ إِلَيْهِمْ، فَيُحْرَمُونَ عَنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الشَّرِيفَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالْوَسَطِ الْعَدْلُ وَاللَّعْنَةُ سَالِبَةٌ لِلْعَدَالَةِ، وَقَالَ شَارِحٌ: لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ لِصَيْرُورَتِهِمْ فَاسِقِينَ بِاللَّعْنِ عَلَى النَّاسِ. (وَلَا شُفَعَاءَ) أَيْ: وَلَا تَكُونُ لَهُمْ مَرْتَبَةُ الشَّفَاعَةِ؛ لِأَنَّهُمْ بِاللَّعْنَةِ أَسْقَطُوا مَرْتَبَتَهُمْ تِلْكَ مِنْ مَرَاتِبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : ظَرْفٌ لَهُمَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6647

٤٨٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٨٢٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ) أَيِ: اسْتَوْجَبُوا النَّارَ بِسُوءِ أَعْمَالِهِمْ (فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَيَفْتَحُ، فَفِي النِّهَايَةِ: يُرْوَى بِفَتْحِ الْكَافِ.

стр. 6648

وَضَمِّهَا، فَمَنْ فَتَحَهَا كَانَ فِعْلًا مَاضِيًا، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْغَالِينَ الَّذِينَ يُؤْيِسُونَ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ يَقُولُونَ: هَلَكَ النَّاسُ. فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ ذَلِكَ، فَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَهُ لَهُمْ لَا اللَّهُ تَعَالَى يَعْنِي، وَلَا عِبْرَةَ بِإِيجَابِهِ لَهُمْ فَإِنَّ فَضْلَ اللَّهِ وَاسِعٌ وَرَحْمَتَهُ تَعُمُّهُمْ، ثُمَّ قَالَ أَوْ هُوَ الَّذِي لَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ وَآيَسَهُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى تَرْكِ الطَّاعَةِ وَالِانْهِمَاكِ فِي الْمَعَاصِي، فَهُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي الْهَلَاكِ، وَأَمَّا الضَّمُّ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ لَهُمْ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ أَيْ: أَكْثَرُهُمْ هَلَاكًا، وَهُوَ الرَّجُلُ يُولَعُ بِعَيْبِ النَّاسِ، وَيَذْهَبُ بِنَفْسِهِ عَجَبًا، وَيَرَى لَهُ فَضْلًا عَلَيْهِمْ، وَزَادَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: إِنَّهُ رَوَى مَعْنَى هَذَا عَنْ مَالِكٍ؛ حَيْثُ قَالَ: إِذَا قَالَ ذَلِكَ عَجَبًا بِنَفْسِهِ وَتَصَاغُرًا لِلنَّاسِ فَهُوَ الْمَكْرُوهُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ ذَلِكَ تَحَزُّنًا أَوْ تَحْذِيرًا لِمَا يَرَى فِي النَّاسِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا اهـ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ أَهْلُ الْبِدَعِ الَّذِينَ يُؤْيِسُونَ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَيُوجِبُونَ الْخُلُودَ بِذُنُوبِهِمْ إِذَا قَالُوا ذَلِكَ فِي أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَهُمْ أَهْلَكُهُمْ أَيْ: هُمْ بِهَذَا الِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ أَنْجَسُ مِنَ الْمُؤْمِنَ الْفَاسِقِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6649

٤٨٢٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : - " تَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٨٢٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَا الْوَجْهَيْنِ» ) أَيْ: بِقَصْدِ الْفَسَادِ (الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ) أَيْ: طَائِفَةً (بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ) أَيْ: بِوَجْهٍ آخَرَ كَالْمُنَافِقِينَ وَالنَّمَّامِينَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٣] ، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . هَذَا مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: " «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ» " الْحَدِيثَ.

стр. 6650

٤٨٢٤ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " نَمَّامٌ ". ــ ٤٨٢٤ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ: مَعَ الْفَائِزِينَ (قَتَّاتٌ) . بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ أَيْ: نَمَّامٌ، وَالنَّمِيمَةُ نَقْلُ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهِ الْفَسَادِ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ مِنْ أَنَّ هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِصْلَاحِ فَلَوْ كَانَ لَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُصْلِحًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْقَتَّاتُ هُوَ النَّمَّامُ، يُقَالُ: قَتَّ الْحَدِيثَ إِذَا زَوَّرَهُ وَهَيَّأَهُ وَسَوَّاهُ، وَقِيلَ: النَّمَّامُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَعَ الْقَوْمِ يَتَحَدَّثُ فِيهِمْ وَعَلَيْهِمْ، وَالْقَتَّاتُ هُوَ الَّذِي يَتَسَمَّعُ عَلَى الْقَوْمِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يَنِمُّ. قَالَ الشِّيخُ أَبُو حَامِدٍ: قِيلَ: النَّمِيمَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَذِبِ وَالْحَسَدِ وَالنِّفَاقِ، وَهِيَ أَثَافِي الذُّلِّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُبْغَضَ النَّمَّامُ، وَلَا يُوْثَقُ بِهِ وَبِصَدَاقَتِهِ، حُكِيَ أَنَّ حَكِيمًا زَارَهُ أَحَدٌ وَأَخْبَرَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِخَبَرٍ فَقَالَ: أَبْطَلْتَ زِيَارَتِي ثُمَّ أَتَيْتَنِي بِثَلَاثِ جِنَايَاتٍ: بَغَّضْتَ إِلَيَّ أَخِي، وَشَغَلْتَ قَلْبِي الْفَارِغَ، وَاتَّهَمْتَ نَفْسَكَ الْأَمِينَةَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ) : الْأُولَى، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (نَمَّامٌ) .

стр. 6651

٤٨٢٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: " «إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ. وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ» ". ــ ٤٨٢٥ - ( «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ» ) أَيِ: الْزَمُوا الصِّدْقَ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَلَى وَفْقِ مَا فِي الْوَاقِعِ (فَإِنَّ الصِّدْقَ) أَيْ: عَلَى وَجْهِ مُلَازَمَتِهِ وَمُدَاوَمَتِهِ (يَهْدِي) أَيْ: صَاحِبَهُ (إِلَى الْبِرِّ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ جَامِعُ الْخَيْرَاتِ مِنِ اكْتِسَابِ الْحَسَنَاتِ وَاجْتِنَابِ السَّيِّئَاتِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَمَلِ الْخَالِصِ الدَّائِمِ الْمُسْتَمِرِّ مَعَهُ إِلَى الْمَوْتِ (وَإِنَّ الْبَرَّ يَهْدِي) أَيْ: يُوصِلُ صَاحِبَهُ (إِلَى الْجَنَّةِ) أَيْ: مَرَاتِبِهَا الْعَالِيَةِ وَدَرَجَاتِهَا.

стр. 6652

الْغَالِيَةِ (وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ) أَيِ: الشَّخْصُ (يَصْدُقُ) أَيْ: فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ (وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ) أَيْ: يُبَالِغُ وَيَجْتَهِدُ فِيهِ (حَتَّى يُكْتَبَ) أَيْ: يُثْبَتَ (عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا) بِكَسْرِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: مُبَالِغًا فِي الصِّدْقِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الصِّدِّيقُ مَا يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الصِّدْقُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ اسْمَ الْمُبَالَغَةِ فِي الصِّدْقِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِحُسْنِ خَاتِمَتِهِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصِّدِّيقَ يَكُونُ مَأْمُونَ الْعَاقِبَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابَةِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِظْهَارُهُ لِلْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَإِلْقَاءُ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ ( «وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ» ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَفْصَحُ ( «فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ» ) : بِضَمِّ الْفَاءِ أَيِ: الْمَيْلِ عَنِ الصِّدْقِ وَالْحَقِّ وَالِانْبِعَاثِ فِي الْمَعَاصِي، وَهُوَ أَظْهَرُ لِلْمُقَابَلَةِ بِالْبَرِّ. وَفِي الْقَامُوسِ: فَجَرَ: فَسَقَ، وَكَذَبَ وَكَذَّبَ وَعَصَى وَخَالَفَ. ( «وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ، عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» ) . قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَى " يُكْتَبَ " هُنَا يُحْكَمُ لَهُ لِذَلِكَ وَيَسْتَحِقُّ الْوَصْفَ بِمَنْزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ وَثَوَابِهِمْ أَوْ صِفَةَ الْكَذَّابِ وَعِقَابِهِمْ، وَالْمُرَادُ إِظْهَارُ ذَلِكَ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَإِمَّا بِأَنْ يُكْتَبَ اسْمُهُ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِينَ حَتَّى يُوضَعَ لَهُ الْقَبُولُ، أَوِ الْبَغْضَاءُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: «إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ» ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، إِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

стр. 6653

٤٨٢٦ - وَعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٨٢٦ - (وَعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُغْنِي وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا، فَفِي الْقَامُوسِ: أُمُّ كُلْثُومٌ - كَزُنْبُورٍ - بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اهـ. وَالْمُرَادُ بِهَا هَنَا بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَتْ مَاشِيَةً وَبَايَعَتْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا بِمَكَّةَ زَوْجٌ، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَقُتِلَ عَنْهَا فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، فَتَزَوَّجَهَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ إِبْرَاهِيمَ وَحُمَيْدًا، وَمَاتَ عَنْهَا، فَتَزَوَّجَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ شَهْرًا وَمَاتَتْ، وَهِيَ أُخْتُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لِأُمِّهِ، رَوَى عَنْهَا ابْنُهَا حُمَيْدٌ. (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ الْكَذَّابُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ لَيْسَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُهَا مُقَدَّمٌ عَلَى اسْمِهَا، وَهُوَ أَظْهَرُ دِرَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ الْمَحْكُومُ بِهِ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: (الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ) : ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْفَعَّالَ هُنَا لِلنِّسْبَةِ كَلَبَّانٍ وَتَمَّارٍ، أَيْ: ذِي كَذِبٍ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ [فصلت: ٤٦] ، أَيْ: بِذِي ظُلْمٍ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُبَالَغَةِ انْتِفَاءُ أَصْلِ الْفِعْلِ، وَالْمَعْنَى: مَنْ كَذِبَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ لَا يَكُونُ كَاذِبًا مَذْمُومًا (وَيَقُولُ خَيْرًا) أَيْ: قَوْلًا مُتَضَمِّنًا لِلْخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ، بِأَنْ يَقُولَ لِلْإِصْلَاحِ مَثَلًا بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو: يَا عَمْرُو يُسَلِّمُ عَلَيْكَ زَيْدٌ وَيَمْدَحُكَ وَيَقُولُ: أَنَا أُحِبُّهُ وَكَذَلِكَ يَجِيءُ إِلَى زَيْدٍ وَيُبَلِّغُهُ مِنْ عَمْرٍو مِثْلَ مَا سَبَقَ. (وَيَنْمِي خَيْرًا) أَيْ يُبَلِّغُهُ وَيَرْفَعُهُ إِلَيْهِ، هَذَا وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ قَوْلَهُ: اللَّامُ فِي الْكَذَّابِ إِشَارَةٌ إِلَى الْكَذَّابِ الْمَعْهُودِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَنَحْوِهِ يَعْنِي الْكَذَّابَ الْمَذْمُومَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الْمَمْقُوتَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ مَنْ يُصْلِحُ ذَاتَ الْبَيْنِ، فَإِنَّهُ مَحْمُودٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَهُمْ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَذَّابُ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّهُ اسْمُ لَيْسَ، وَقَوْلُهُ: " الَّذِي يُصْلِحُ " خَبَرُهُ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْكَذَّابَ خَبَرُ لَيْسَ وَالَّذِي اسْمُهُ اهـ.

стр. 6654

وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ سَبْقِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي الْكِتَابِ صُدُورُهُ مِنْ صَدْرٍ صَدَّرَ الْأَنْبِيَاءُ أَوَّلًا فِي هَذَا الْبَابِ، أَوْ وُقُوعُهُ عِنْدَ هَذَا الْخِطَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، ثُمَّ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: نَمَيْتُ الْحَدِيثَ وَأَنْمَيْتُهُ إِذَا بَلَّغْتَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ وَطَلَبِ الْخَيْرِ، فَإِذَا بَلَّغْتَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِفْسَادِ وَالنَّمِيمَةِ. قُلْتَ: نَمَّيْتُهُ بِالتَّشْدِيدِ هَكَذَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ، قُلْتُ فَقَوْلُهُ: خَيْرًا أَيْ: حَدِيثَ خَيْرٍ لِلتَّأْكِيدِ وَعَلَى إِرَادَةِ التَّجْرِيدِ، وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: نَمَّى مُشَدَّدَةٌ وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُهَا مُخَفَّفَةً، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ، وَمَنْ خَفَّفَ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ خَيْرٌ بِالرَّفْعِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ يَنْتَصِبُ بِنَمَى كَمَا انْتَصَبَ بِقَالَ، وَكِلَاهُمَا عَلَى زَعْمِهِ لَازِمَانِ، وَإِنَّمَا نَمَى مُتَعَدٍّ يُقَالُ: نَمَيْتُ الْحَدِيثَ أَيْ: رَفَعْتُهُ وَأَبْلَغْتُهُ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: نَمَا يَنْمُو زَادَ كَنَمَى يَنْمِي نَمْيًا. وَأَنْمَى وَنَمَّى الْحَدِيثُ: ارْتَفَعَ. وَنَمَيْتُهُ وَنَمَّيْتُهُ: رَفَعْتُهُ وَعَزَوْتُهُ، وَأَنْمَاهُ أَذَاعَهُ عَلَى وَجْهِ النَّمِيمَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَلَفَظُ الْجَامِعِ: " «لَيْسَ الْكَذَّابُ بِالَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا وَيَقُولُ خَيْرًا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ.

стр. 6655

٤٨٢٧ - وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٨٢٧ - (وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﵁) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ خَالَفَ كِنْدَةَ فَنُسِبَ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ ابْنَ الْأَسْوَدِ لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيفَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ فِي حِجْرِهِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ عَبْدًا فَتَبَنَّاهُ. وَكَانَ سَادِسًا فِي الْإِسْلَامِ، رَوَى عَنْهُ عَلِيٌّ وَطَارِقُ بْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُمَا، مَاتَ بِالْجُرْفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ) أَيِ: الْمُبَالِغِينَ فِي الْمَدْحِ مُتَوَجِّهَيْنِ إِلَيْكُمْ طَمَعًا سَوَاءٌ يَكُونُ نَثْرًا أَوْ نَظْمًا (فَاحْثُوا) : بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَضَمِّ مُثَلَّثَةٍ أَيِ: ارْمُوا (فِي وُجُوهِهِمْ) : وَفِي نُسْخَةٍ فِي أَفْوَاهِهِمْ (التُّرَابَ) : قِيلَ: يُؤْخَذُ التُّرَابُ وَيُرْمَى بِهِ فِي وَجْهِ الْمَدَّاحِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِدَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِمْ، إِذِ الْمَالُ حَقِيرٌ كَالتُّرَابِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْضِ فِي كُلِّ بَابٍ أَيْ: أَعْطُوهُمْ إِيَّاهُ وَاقْطَعُوا بِهِ أَلْسِنَتَهُمْ لِئَلَّا يُهْجُوكُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَعْطُوهُمْ عَطَاءً قَلِيلًا فَشَبَّهَهُ لِقِلَّتِهِ بِالتُّرَابِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَخَيِّبَ الْمَادِحَ وَلَا يُعْطِيَهُ شَيْئًا لِمَدْحِهِ، وَالْمُرَادُ زَجْرُ الْمَادِحِ وَالْحَثُّ عَلَى مَنْعِهِ مِنَ الْمَدْحِ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الشَّخْصَ مَغْرُورًا وَمُتَكَبِّرًا. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَدَّاحُونَ هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَدْحَ النَّاسِ عَادَةً، وَجَعَلُوهُ بِضَاعَةً يَسْتَأْكِلُونَ بِهِ الْمَمْدُوحَ، فَأَمَّا مَنْ مَدَحَ الرَّجُلَ عَلَى الْفِعْلِ الْحَسَنِ وَالْأَمْرِ الْمَحْمُودِ، يَكُونُ مِنْهُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي أَمْثَالِهِ، وَتَحْرِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ فِي أَشْبَاهِهِ فَلَيْسَ بِمَدَّاحٍ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَدِ اسْتَعْمَلَ الْمِقْدَادُ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي تَنَاوُلِ عَيْنِ التُّرَابِ وَحَثْيِهِ فِي وَجْهِ الْمَادِحِ، وَقَدْ يُتَأَوَّلُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْخَيْبَةَ وَالْحِرْمَانَ أَيْ: مَنْ تَعَرَّضَ لَكُمْ بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ فَلَا تُعْطُوهُ وَاحْرِمُوهُ، كَنَّى بِالتُّرَابِ عَنِ الْحِرْمَانِ كَقَوْلِهِمْ: مَا فِي يَدِهِ غَيْرُ التُّرَابِ، وَكَقَوْلِهِ ﷺ : " «إِذَا جَاءَكَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا» "، وَفِي الْجُمْلَةِ الْمَدْحُ وَالثَّنَاءُ عَلَى الرَّجُلِ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَسْلَمُ الْمَادِحُ عَنْ كَذِبٍ يَقُولُهُ فِي مَدْحِهِ، وَقَلَّمَا يَسْلَمُ الْمَمْدُوحُ مِنْ عُجْبٍ يَدْخُلُهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ الْمِقْدَادِ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْحَاكِمُ فِي الْكُنَى عَنْ أَنَسٍ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «احْثُوا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ عَنِ الْمِقْدَادِ " «احْثُوَا فِي أَفْوَاهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ» "، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَذَا ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
следующие страницы →