Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.
стр. 7666
٥٥٣٦ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٣٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ) : بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقْرَأَ بِالْمَدِّ وَالتَّسْهِيلِ أَيْضًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] ، (وَالنِّسَاءُ) : عَطْفٌ عَلَى الرِّجَالِ وَهُمَا مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: (جَمِيعًا) أَيْ: مُجْتَمِعِينَ حَالٌ مِنْهُمَا عَلَى مَا جَوَّزَهُ الْبَعْضُ، فَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: (يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) ؟ وَهُوَ مَحَطُّ الِاسْتِفْهَامِ التَّعَجُّبِيِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ: مُبْتَدَأٌ، وَجَمِيعًا: حَالٌ سَدَّ مَسَدَّ الْخَبَرِ، أَيْ: مُخْتَلِطُونَ جَمِيعًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ: يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَهُوَ الْعَامِلُ فِي الْحَالِ قُدِّمَ اهْتِمَامًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: ٦٧] وَفِيهِ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، وَلِذَلِكَ أَجَابَ، (فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ! الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) أَيْ: أَمْرُ الْقِيَامَةِ أَصْعَبُ مِنْ أَنْ يَقْدِرَ أَحَدٌ عَلَى النَّظَرِ إِلَى غَيْرِهِ عَمْدًا، أَوْ سَهْوًا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا " فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى عَوْرَةِ بَعْضٍ، فَقَالَ: " يَا فُلَانَةُ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: كَيْفَ يُحْشَرُ النَّاسُ؟ قَالَ: " حُفَاةً عُرَاةً ". قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ! قَالَ: " إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا ". قَالَتْ: وَأَيُّ آيَةٍ هِيَ؟ قَالَ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] » ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاسَوْأَتَاهُ! يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ! فَقَالَ: " شُغُلُ النَّاسِ ". قُلْتُ: مَا شُغُلُهُمْ؟ قَالَ: " نَشْرُ الصَّحَائِفِ فَمِنْهَا مَثَاقِيلُ الذَّرِّ وَمَثَاقِيلُ الْخَرْدَلِ» ".
стр. 7667
٥٥٣٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٣٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ؟ وَلِكَوْنِ الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرًا (قَالَ: أَلَيْسَ) أَيِ: الشَّأْنُ (الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا) : مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: (قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهُ (عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فِي الثَّالِثِ، وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبَا حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ «عَنْ أَنَسٍ قِيلَ: قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: " الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَرْجُلِهِمْ قَادِرٌ أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ» ". وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: " أَرَأَيْتَ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَلَيْسَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ» ؟ ".
стр. 7668
٥٥٣٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ ; فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ! إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ لِإِبْرَاهِيمَ: مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٥٣٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَلْقَى) أَيْ: يَرَى (إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ) : بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجْهِ آزَرَ) : وُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ; لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رَجْعُهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فِي ابْتِدَاءِ الْحَالِ (قَتَرَةٌ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ سَوَادٌ مِنَ الْكَآبَةِ وَالْحُزْنِ (وَغَبَرَةٌ) : بِفَتْحَتَيْنِ غُبَارٌ مَعَهُ سَوَادٌ، فَذَكَرَهُمَا مُبَالَغَةً وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، (فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ) : ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ (لَا أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ! إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي) أَيْ: لَا تَفْضَحَنِي (يَوْمَ يُبْعَثُونَ) أَيِ: الْخَلَائِقُ (فَأَيُّ خِزْيٍ) : فِي النِّهَايَةِ هُوَ الْهَلَاكُ وَالْوُقُوعُ فِي بَلِيَّةٍ (أَخْزَى مِنْ أَبِي) أَيْ: مِنْ خِزْيِ أَبِي (الْأَبْعَدِ) : يُرِيدُ الْبُعْدَ فِي الْمَرْتَبَةِ وَالِالْتِحَاقَ بِأَهْلِ النَّارِ، أَوِ الْهَالِكِ مِنَ الْبُعْدِ بِمَعْنَى الْهَلَاكِ، أَوِ الْأَبْعَدُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الْفَاسِقَ بَعِيدٌ وَالْكَافِرَ أَبْعَدُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وَإِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ أَقْرَبُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ أَفْعَلُ الَّذِي قُطِعَ عَنْ مُتَعَلَّقِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، (فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ) ؟ وَفِي نُسْخَةٍ: انْظُرْ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ، وَمَا: اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَا اسْتِفْهَامٌ خَبَرُهُ تَحْتَ، وَيَجُوزُ كَوْنُهُ بِمَعْنَى الَّذِي، أَيِ: انْظُرْ إِلَى الَّذِي تَحْتَ رِجْلَيْكَ، (فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ) أَيْ: آزَرُ (بِذِيخٍ) : بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فَتَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ فَخَاءٌ مُعْجَمَةٌ، وَهُوَ ذَكَرُ الضَّبْعِ الْكَثِيرِ الشَّعْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ مَا يُذْبَحُ (مُتَلَطِّخٍ) : إِمَّا بِرَجِيعِهِ أَوْ بِدَمِهِ أَوْ بِالطِّينِ، (فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ) : جَمْعُ قَائِمَةٍ وَهُوَ مَا يَقُومُ بِهِ الدَّوَابُّ بِمَثَابَةِ الْأَرْجُلِ لِلْإِنْسَانِ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ، فَفِيهِ تَغْلِيبٌ ; إِذِ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ (فَيُلْقَى) أَيْ: فَيُطْرَحُ (فِي النَّارِ) أَيْ: فِي مَقَامِ الْكُفَّارِ، فَغُيِّرَ صُورَتُهُ لِيَكُونَ تَسْلِيَةً لِإِبْرَاهِيمَ حَتَّى لَا يُخْزِيَهُ لَوْ رَآهُ قَدْ أُلْقِيَ فِي النَّارِ عَلَى صُورَتِهِ، فَيَكُونُ خِزْيًا وَفَضِيحَةً عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ ; فَغَيَّرَهُ سُتْرَةً لِحَالِهِ فِي تَقْبِيحِ مَآلِهِ. قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اخْتَلَفَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَبَرَّأَ إِبْرَاهِيمُ فِيهِ مِنْ أَبِيهِ، فَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَمَّا مَاتَ آزَرُ مُشْرِكًا، وَقِيلَ إِنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمَّا أَيِسَ مِنْهُ حِينَ مُسِخَ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ لَمَّا مَاتَ مُشْرِكًا، فَتَرَكَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ، لَكِنْ لَمَّا رَآهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَدْرَكَتْهُ الرَّأْفَةُ فَسَأَلَ مِنْهُ، فَلَمَّا رَآهُ مُسِخَ أَيِسَ مِنْهُ وَتَبَرَّأَ تَبَرُّأً أَبَدِيًّا، وَقِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِمَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ آمَنَ فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُطْلِعْ إِبْرَاهِيمَ، وَيَكُونُ وَقْتُ تَبَرُّئِهِ مِنْهُ بَعْدَ الْحَالِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7669
٥٥٣٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٣٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَعْرَقُ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ (النَّاسُ) أَيْ: جَمِيعًا، وَالْجِنُّ أَوْلَى، فَتَرْكُهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، وَالظَّاهِرُ اسْتِثْنَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ (حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا) : قِيلَ هَذَا الْعَرَقُ تَرَاكُمُ الْأَهْوَالِ وَحُصُولُ الْحَيَاءِ وَالْخَجَالَةِ وَالنَّدَامَةِ وَالْمَلَامَةِ، وَتَزَاحُمُ حَرِّ الشَّمْسِ وَالنَّارِ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: إِنَّ جَهَنَّمَ تُدِيرُ أَهْلَ الْمَحْشَرِ فَلَا يَكُونُ إِلَى الْجَنَّةِ طَرِيقٌ إِلَّا الصِّرَاطُ، (وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ) أَيْ: يَصِلَ الْعَرَقُ إِلَيْهَا، وَهِيَ بِالْمَدِّ جَمْعُ أُذُنٍ. قَالَ شَارِحٌ: أَيْ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَسَيَأْتِي أَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي أَحْوَالِهِمْ عَلَى مَرَاتِبِ أَعْمَالِهِمْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُلْجِمُهُ الْعَرَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ أَرِحْنِي وَلَوْ إِلَى النَّارِ» ".
стр. 7670
٥٥٤٠ - وَعَنِ الْمِقْدَادِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا "، وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥٤٠ - (وَعَنِ الْمِقْدَادِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: تَدْنُو الشَّمْسُ) أَيْ: تَقْرَبُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ) أَيِ: الشَّمْسُ وَالْمُرَادُ جِرْمُهَا (كَمِقْدَارِ مِيلٍ) : تَقْدِيرُهُ حَتَّى يَكُونَ مِقْدَارُ قُرْبِ الشَّمْسِ مِنْهُمْ مِثْلَ مِقْدَارِ مِيلٍ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩] أَيْ: كَانَ قُرْبُ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ جِبْرِيلَ، أَوْ مِنْ مَكَانِ الْقُرْبِ مِثْلَ مِقْدَارِ قَوْسَيْنِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ سُلَيْمٌ: لَا أَدْرِي أَيَّ الْمِيلَيْنِ يَعْنِي مَسَافَةَ الْأَرْضِ، أَوِ الْمِيلَ الَّذِي يُكْحَلُ بِهِ الْعَيْنُ، (فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ) أَيِ: السَّيِّئَةِ (فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ) أَيْ: تَقْرِيبًا ; فَيَقْبَلُ النُّقْصَانَ وَالزِّيَادَةَ، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ) : الْحَقْوُ: الْخَصْرُ وَمَشَدُّ الْإِزَارِ، (وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا، وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ) أَيْ: فَمِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنْ قُلْتَ: إِذَا كَانَ الْعَرَقُ كَالْبَحْرِ يُلْجِمُ الْبَعْضَ، فَكَيْفَ يَصِلُ إِلَى كَعْبِ الْآخَرِ؟ قُلْنَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى ارْتِفَاعًا فِي الْأَرْضِ تَحْتَ أَقْدَامِ الْبَعْضِ، أَوْ يُقَالُ يُمْسِكُ اللَّهُ تَعَالَى عَرَقَ كُلِّ إِنْسَانٍ بِحَسَبِ عَمَلِهِ ; فَلَا يَصِلُ إِلَى غَيْرِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، كَمَا أَمْسَكَ جَرْيَةَ الْبَحْرِ لِمُوسَى ﵊ قُلْتُ: الْمُعْتَمَدُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَخِيرُ ; فَإِنَّ أَمْرَ الْآخِرَةِ كُلَّهُ عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ، أَمَا تَرَى أَنَّ شَخْصَيْنِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ يُعَذَّبُ أَحَدُهُمَا وَيُنَعَّمُ الْآخَرُ، وَلَا يَدْرِي أَحَدُهُمَا عَنْ غَيْرِهِ، وَنَظِيرُهُ فِي الدُّنْيَا نَائِمَانِ، مُخْتَلِفَانِ فِي رُؤْيَاهُمَا، فَيَحْزَنُ أَحَدُهُمَا وَيَفْرَحُ الْآخَرُ، بَلْ شَخْصَانِ قَاعِدَانِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ أَحَدُهُمَا فِي عِلِّيِّينَ، وَالْآخَرُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ، أَوْ أَحَدُهُمَا فِي صِحَّةٍ وَالْآخَرُ فِي وَجَعٍ أَوْ بَلِيَّةٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7671
٥٥٤١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ. قَالَ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ، ثُمَّ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: " أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: " أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " فَكَبَّرْنَا، قَالَ: " مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوَكَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٤١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبَغَوِيِّ (يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ. قَالَ: أَخْرِجْ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: أَظْهِرْ وَمَيِّزْ مِنْ بَيْنِ أَوْلَادِكَ (بَعْثَ النَّارِ) أَيْ: جَمْعًا يَسْتَحِقُّونَ الْبَعْثَ إِلَيْهَا (قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ) ؟ قِيلَ: عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ: سَمِعْتُ وَأَطَعْتُ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، أَيْ: وَمَا مِقْدَارُ مَبْعُوثِ النَّارِ؟ وَقِيلَ: (مَا) بِمَعْنَى كَمِ الْعَدَدِيَّةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَ اسْتِئْنَافِيَّةٌ تُفِيدُ الرَّبْطَ بَيْنَ سَابِقِهَا وَلَاحِقِهَا، (قَالَ) أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى (مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ) ، قِيلَ: يُخَالِفُهُ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ. وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ: بِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ مِمَّا لَا اعْتِبَارَ لَهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ تَقْلِيلُ عَدَدِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَكْثِيرُ عَدَدِ الْكَافِرِينَ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ; فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ عَشَرَةٌ، وَيُقَرِّبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ذُكِرُوا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ دُونَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِالْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وَالثَّانِي بِخُصُوصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِبَعْثِ النَّارِ الْكُفَّارَ، وَمَنْ يَدْخُلُ النَّارَ مِنَ الْعُصَاةِ، فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ كَافِرًا، وَمِنْ كُلِّ مِائَةِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ عَاصِيًا، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (فَعِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ هَذَا الْحُكْمِ (يَشِيبُ الصَّغِيرُ) أَيْ: مِنَ الْحُزْنِ الْكَثِيرِ وَالْهَمِّ الْكَبِيرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَغَوِيِّ: فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ الْمَوْلُودُ، وَظُهُورُ الشَّيْبِ إِمَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ، أَوْ عَلَى الْفَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج: ٢] أَيْ: مِنَ الْخَوْفِ ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] أَيْ: مِنَ الْخَمْرِ ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] .
стр. 7672
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ١] أَيِ احْذَرُوا بِطَاعَتِهِ عِقَابَهُ حَتَّى تَرْجُوا ثَوَابَهُ ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] وَالزَّلْزَلَةُ شِدَّةُ الْحَرَكَةِ عَلَى الْحَالَةِ الْهَائِلَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا فَقَالَ عَلْقَمَةُ وَالشَّعْبِيُّ: هِيَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ قَبْلَ قِيَامِهَا، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: هِيَ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: زَلْزَلَةُ السَّاعَةِ قِيَامُهَا، فَتَكُونُ مَعَهَا يَوْمَ تَرَوْنَهَا أَيِ السَّاعَةَ، أَوِ الزَّلْزَلَةَ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ أَيْ تُشْغَلُ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا أَيْ سَقَطَ وَلَدُهَا مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. قَالَ الْحَسَنُ: تَذْهَلُ الْمُرْضِعُ عَنْ وَلَدِهَا بِغَيْرِ فِطَامٍ، وَتَضَعُ الْحَامِلُ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ غَيْرِ تَمَامٍ، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ تَكُونُ فِي الدُّنْيَا ; لِأَنَّ بَعْدَ الْبَعْثِ لَا يَكُونُ حَبَلٌ، وَمَنْ قَالَ تَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ قَالَ: هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لِلْأَمْرِ لَا عَلَى حَقِيقَتِهِ، كَقَوْلِهِمْ: أَصَابَنَا أَمْرٌ يَشِيبُ فِيهِ الْوَلِيدُ، يُرِيدُ بِهِ شِدَّتَهُ. (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ) ؟ وَلَمَّا اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ وَاسْتَشْعَرُوا الْخَوْفَ مِنْهُ، (قَالَ) أَيْ: فِي جَوَابِهِمْ تَسْلِيَةً لِفُؤَادِهِمْ (أَبْشِرُوا) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَا يَخْلُو هَذَا الِاسْتِفْهَامُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُجْرًى عَلَى حَقِيقَتِهِ، أَوْ يَكُونَ اسْتِعْظَامًا لِذَلِكَ الْحُكْمِ وَاسْتِشْعَارَ خَوْفٍ مِنْهُ، فَالْأَوَّلُ يَسْتَدْعِي أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْوَاحِدَ فُلَانٌ، أَوْ مُتَّصِفٌ بِالصِّفَةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَالثَّانِي يَسْتَدْعِي أَنْ يُجَابَ بِمَا يُزِيلُ ذَلِكَ الْخَوْفَ رِفْقًا لِلنَّاسِ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ ; لِقَوْلِهِ: أَبْشِرُوا، وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَأَيُّنَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ذَلِكَ النَّاجِي الْمُفْلِحُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ بَنِي آدَمَ، فَقَالَ: أَبْشِرُوا، (فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) : بِالْأَلِفِ وَيُهْمَزُ فِيهِمَا (أَلْفٌ) : بِالرَّفْعِ فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، فَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَقَدَّمَ الْجَارَّ لِكَوْنِ الْمُبْتَدَأِ نَكِرَةً، وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ عَفِيفِ الدِّينِ أَلِفًا بِالنَّصْبِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ; فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الْعَطْفِ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَالْمَجْرُورُ مُقَدَّمٌ، وَالْمَعْنَى: سَيُوجَدُ بِعَدَدِ كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أَلْفٌ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ; فَحِينَئِذٍ يَكْثُرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَهْلَ النَّارِ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَعَلَّ أَهْلَهَا يَكْثُرُونَ بِوُجُودِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالْحُورِ الْعِينِ، فَصَحَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: " «غَلَبَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» "، زَادَ الْبَغَوِيُّ قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ: اللَّهُ أَكْبَرُ.
(ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا) أَيْ: أَنْتُمْ أَيُّهَا الصَّحَابَةُ، أَوْ أَيُّهَا الْأُمَّةُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا) : التَّكْبِيرُ لِلْعَجَبِ وَالْفَرَحِ التَّامِّ، وَالِاسْتِبْشَارِ وَالِاسْتِعْظَامِ، (فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا) ، وَلَعَلَّهُ ﷺ دَرَّجَ الْأَمْرَ ; لِئَلَّا تَنْقَطِعَ قُلُوبُهُمْ بِالْفَرَحِ الْكَثِيرِ دَفْعَةً، أَوْ بِالنَّظَرِ إِلَى دُخُولِهِمْ فِي دَفَعَاتٍ، أَوْ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَحْيًا بَعْدَ وَحْيٍ فَأَخْبَرَ بِمَا بُشِّرَ (فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فِي الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ دَاخِلُونَ فِي هَذَا الْوَعِيدِ، وَدَلَّ بِقَوْلِهِ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّ غَيْرَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ الْفَائِتَةِ لِلْحَصْرِ أَيْضًا دَاخِلُونَ فِي الْوَعِيدِ، فَإِذَا وُزِّعَ نِصْفُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ مِثْلِهِ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ عَلَى هَؤُلَاءِ يَكُونُ كَالْوَاحِدِ مِنَ الْأَلْفِ ; يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الرَّاوِي (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فَقَالَ: (مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ) ، الظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ فِي التَّعْبِيرِ وَتَحْتَمِلُ الشَّكَّ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَقَوْلُهُمُ: اللَّهُ أَكْبَرُ مِرَارًا ثَلَاثًا مُتَعَجِّبِينَ اسْتِبْشَارٌ مِنْهُمْ، وَاسْتِعْظَامٌ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعُظْمَى وَالْمِنْحَةِ الْكُبْرَى، فَيَكُونُ فِي هَذَا الِاسْتِعْظَامِ بَعْدَ ذَلِكَ الِاسْتِعْظَامِ إِشَارَةٌ إِلَى فَوْزِهِمْ بِالْبُغْيَةِ بَعْدَ الْيَأْسِ مِنْهَا اهـ. وَلَعَلَّ وُرُودَ هَذَا الْحَدِيثِ قَبْلَ عِلْمِهِ ﷺ بِأَنَّ أُمَّتَهُ ثُلُثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ ; إِذْ قَدْ وَرَدَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ صَفًّا: ثَمَانُونَ صَفًّا أُمَّتُهُ ﷺ وَأَرْبَعُونَ سَائِرُ الْأُمَمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا نِصْفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدَّاخِلِينَ أَوَّلًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَعَ مُخْتَصَرًا عَلَى مَا سَيَأْتِي الْحَدِيثُ بِطُولِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
стр. 7673
وَفِي الْمَعَالِمِ: رُوِيَ «عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵄ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ لَيْلًا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَثُّوا الْمَطِيَّ حَتَّى كَانُوا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُرَ أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا لَمْ يَحُطُّوا السُّرُجَ عَنِ الدَّوَابِّ، وَلَمْ يَضْرِبُوا الْخِيَامَ، وَلَمْ يَطْبُخُوا قِدْرًا، وَالنَّاسُ بَيْنَ بَاكٍ أَوْ جَالِسٍ حَزِينٍ مُتَفَكِّرِينَ ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ ذَلِكَ "؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ : يَا آدَمُ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ وَلَدِكَ، قَالَ: فَيَقُولُ آدَمُ: مِنْ كُلِّ كَمْ كَمْ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِلَى النَّارِ وَوَاحِدًا إِلَى الْجَنَّةِ ". قَالَ: فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَبَكَوْا وَقَالُوا: فَمَنْ يَنْجُو إِذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَبْشِرُوا وَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا ; فَإِنَّ مَعَكُمْ خَلِيقَتَيْنِ مَا كَانَتَا فِي قَوْمٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ، يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ " ثُمَّ قَالَ: " فَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " فَكَبَّرُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " فَكَبَّرُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ صَفًّا: ثَمَانُونَ مِنْهَا أُمَّتِي، وَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْكُفَّارِ إِلَّا كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ، أَوْ كَالرَّقَبَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، بَلْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ "، ثُمَّ قَالَ: " وَيَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ " فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: سَبْعُونَ أَلْفًا؟ قَالَ: " نَعَمْ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا " فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَنْتَ مِنْهُمْ " فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: " سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» ".
стр. 7674
٥٥٤٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٤٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ) ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: مَذْهَبُ أَهْلِ السَّلَامَةِ مِنَ السَّلَفِ التَّوَرُّعُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْقَوْلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ الْأَمْثَلُ وَالْأَحْوَطُ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الْكَشْفَ عَنِ السَّاقِ مَثَلٌ فِي شِدَّةِ الْأَمْرِ، وَصُعُوبَةِ الْخَطْبِ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِيهَا شَائِعٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
عَجِبْتُ مِنْ نَفْسِي وَمِنْ إِشْفَاقِهَا ... وَمِنْ طِرَادِي الطَّيْرَ عَنْ أَرْزَاقِهَا
فِي سَنَةٍ قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أَيْ: عَنْ شِدَّةٍ، وَتَنْكِيرُ السَّاقِ فِي الْآيَةِ مِنْ دَلَائِلِ هَذَا التَّأْوِيلِ، وَوَجْهُ تَعْرِيفِ السَّاقِ فِي الْحَدِيثِ دُونَ الْآيَةِ أَنْ يُقَالَ: أَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا الشِّدَّةُ الَّتِي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ اهـ. وَعِنْدَ الْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ: هُوَ يَوْمُ كَرْبٍ وَشِدَّةٍ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَعْنَى يَكْشِفُ عَنْ قُدْرَتِهِ الَّتِي تَكْشِفُ عَنِ الشِّدَّةِ وَالْكَرْبِ. وَقِيلَ: الْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يَمُوتَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِ النَّاقَةِ، فَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي رَحِمِهَا، فَيَأْخُذُ بِسَاقِهِ لِيُخْرِجَهُ، فَهَذَا هُوَ الْكَشْفُ عَنِ السَّاقِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ أَمْرٍ فَظِيعٍ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً، وَحَاصِلُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُهُمْ بِالشَّدَائِدِ، كَمَنْ يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ بِالتَّشْمِيرِ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي أَمْرٍ خَطِيرٍ. (فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ) أَيْ: مِنْ كَمَالِ الشِّدَّةِ يَقَعُونَ فِي السَّجْدَةِ طَالِبِينَ رَفْعَهَا بِتِلْكَ الْقُرْبَةِ، وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ «عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قَالَ: " عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ فَيَخْرُجُونَ لَهُ سُجَّدًا» " فَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ تَعَالَى يَتَجَلَّى لِلنَّاسِ تَجَلِّيًا صُورِيًّا، وَبِهَذَا يَنْحَلُّ الْإِشْكَالُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ الْخُلَّصُ مِنْهُمَا ; وَلِذَا قَالَ: (وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً) أَيْ: نِفَاقًا وَشُهْرَةً (فَيَذْهَبُ) أَيْ: يَقْصِدُ
стр. 7675
وَيَشْرَعُ (لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ) أَيْ: يَصِيرُ (ظَهْرُهُ، طَبَقًا وَاحِدًا) أَيْ: عَظْمًا بِلَا مَفْصِلٍ ; بِحَيْثُ لَا يَنْثَنِي عِنْدَ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ فَلَا يَقْدِرُ، وَالطَّبَقُ: فَقَارُ الظَّهْرِ وَاحِدُهُ طَبَقَةٌ، يَعْنِي صَارَ فَقَارُهُ وَاحِدًا ; فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِانْحِنَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى يَكْشِفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ شِدَّةٍ يَرْتَفِعُ دُونَهَا سَوَاتِرُ الِامْتِحَانِ ; فَيَتَمَيَّزُ أَهْلُ الْإِخْلَاصِ وَالْإِيقَانِ بِالسُّجُودِ، عَنْ أَهْلِ الرَّيْبِ وَالنِّفَاقِ فِي الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ - خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢ - ٤٣] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ. قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ لِمُوَافَقَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 7676
٥٥٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ". وَقَالَ: اقْرَءُوا ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٤٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ) أَيْ: جَاهًا وَمَالًا، أَوْ لَحْمًا وَشَحْمًا ; فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (السَّمِينُ) عَطْفَ بَيَانٍ لَهُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ) أَيْ: لَا يَعْدِلُ وَلَا يَسْوِي (عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) أَيْ: لَا يَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ وَمَنْزِلَةٌ، تَقُولُ الْعَرَبُ: مَا لِفُلَانٍ عِنْدَنَا وَزْنٌ أَيْ: قَدْرٌ لِخِسَّتِهِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ: ( «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ لَمَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» ) . (وَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ أَوْ أَبُو هُرَيْرَةَ (اقْرَءُوا) أَيِ: اسْتِشْهَادًا وَاعْتِضَادًا ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] أَيْ: لِلْكُفَّارِ ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] ، قِيلَ: مِقْدَارًا وَحِسَابًا وَاعْتِبَارًا، وَقِيلَ مِيزَانًا، فَالتَّقْدِيرُ آلَةُ الْوَزْنِ ; إِذِ الْكُفَّارُ الْخُلَّصُ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَإِنَّمَا الْمِيزَانُ لِلْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ، وَالْمُرَائِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ وُجِّهَ صِحَّةُ الِاسْتِشْهَادِ بِالْآيَةِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْوَزْنِ فِي الْحَدِيثِ وَزْنُ الْجُثَّةِ وَمِقْدَارُهُ ; لِقَوْلِهِ: الْعَظِيمُ السَّمِينُ، وَفِي الْآيَةِ إِمَّا وَزْنُ الْأَعْمَالِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] ، وَإِمَّا مِقْدَارُهُمْ، وَالْمَعْنَى نَزْدَرِي بِهِمْ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ عِنْدَنَا وَزْنٌ وَمِقْدَارٌ؟ قُلْتُ: الْحَدِيثُ مِنَ الْوَجْهِ الثَّالِثِ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ، وَذِكْرُ الْجُثَّةِ وَالْعَظْمِ لَا يُنَافِي إِرَادَةَ مِقْدَارِهِ وَتَفْخِيمَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7677
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٥٤٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] قَالَ " أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا "؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، أَنْ تَقُولَ: عَمِلَ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا ".
قَالَ: " فَهَذِهِ أَخْبَارُهَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٥٤٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ﴾ [الزلزلة: ٤] أَيِ: الْأَرْضُ ﴿أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] قَالَ: " أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا ") ؟ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ خَبَرٍ، فِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ أَيْ تَحْدِيثُهَا (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ أَخْبَارَهَا) : بِالْوَجْهَيْنِ (أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ) أَيْ: ذَكَرٍ وَأُنْثَى (بِمَا عَمِلَ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: فَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ (عَلَى ظَهْرِهَا) ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالضَّمِّ عَلَى أَنَّ نَائِبَ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ: عَلَى ظَهْرِهَا (أَنْ تَقُولَ) : بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ أَنْ تَشْهَدَ أَوْ بَيَانٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ تَقُولُ بِدُونِ أَنْ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هِيَ يَعْنِي شَهَادَتَهَا أَنْ تَقُولَ (عَمِلَ) أَيْ: فُلَانٌ (عَلَى) أَيْ: عَلَى ظَهْرِي (كَذَا وَكَذَا) أَيْ: مِنَ الطَّاعَةِ أَوِ الْمَعْصِيَةِ (يَوْمَ كَذَا وَكَذَا) أَيْ: مِنْ
стр. 7678
شَهْرِ كَذَا وَعَامِ كَذَا (قَالَ: فَهَذِهِ) أَيِ: الشَّهَادَاتُ أَوِ الْمَذْكُورَاتُ (أَخْبَارُهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) . وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
стр. 7679
٥٥٤٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ ". قَالُوا: وَمَا نَدَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ نَزَعَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٥٤٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ) أَيْ: فَاغْتَنِمُوا الْحَيَاةَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ قَبْلَ الْفَوْتِ، (قَالُوا: وَمَا نَدَامَتُهُ) ؟ أَيْ: مَا وَجْهُ تَأَسُّفِ كُلِّ أَحَدٍ وَمَلَامَتِهِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ ازْدَادَ) أَيْ: خَيْرًا أَوْ بِرًّا، (وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ نَزَعَ) أَيْ: كَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الْإِسَاءَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7680
٥٥٤٦ - وَعَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفًا مُشَاةً، وَصِنْفًا رُكْبَانًا، وَصِنْفًا عَلَى وُجُوهِهِمْ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: " إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَمَا إِنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٥٤٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ) ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: (صِنْفًا مُشَاةً) : بِضَمِّ الْمِيمِ جَمْعُ مَاشٍ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ خَلَطُوا صَالِحَ أَعْمَالِهِمْ بِسَيِّئِهَا، (وَصِنْفًا رُكْبَانًا) أَيْ: عَلَى النُّوقِ، وَهُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ رَاكِبٍ، وَهُمُ السَّابِقُونَ الْكَامِلُونَ الْإِيمَانِ، وَإِنَّمَا بَدَأَ بِالْمُشَاةِ جَبْرًا لِخَاطِرِهِمْ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] ، وَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ [الشورى: ٤٩] أَوْ لِأَنَّهُمُ الْمُحْتَاجُونَ إِلَى الْمَغْفِرَةِ أَوَّلًا، أَوْ لِإِرَادَةِ التَّرَقِّي وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: فَإِنْ قِيلَ: لِمَ بَدَأَ بِالْمُشَاةِ بِالذِّكْرِ قَبْلَ أُولِي السَّابِقَةِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُمْ هُمُ الْأَكْثَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ. (وَصِنْفًا عَلَى وُجُوهِهِمْ) أَيْ: يَمْشُونَ عَلَيْهَا، وَهُمُ الْكُفَّارُ (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ) ؟ أَيْ وَالْعَادَةُ أَنْ يُمْشَى عَلَى الْأَرْجُلِ، (قَالَ: إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ) يَعْنِي: وَقَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الفرقان: ٣٤] ، وَإِخْبَارُهُ حَقٌّ، وَوَعْدُهُ صِدْقٌ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَبْعَدَ مِثْلُ ذَلِكَ، (أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُمْ) أَيِ:
стр. 7681
الْكُفَّارَ (يَتَّقُونَ) أَيْ: يَحْتَرِزُونَ وَيَدْفَعُونَ (بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ) أَيْ: مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ (وَشَوْكٍ) أَيْ: وَنَحْوَهُ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يُتَأَذَّى بِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ وُجُوهَهُمْ وَاقِيَةٌ لِأَبْدَانِهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْأَذَى ; لِأَجْلِ أَنْ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَالْأَمْرُ فِي الدُّنْيَا عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي هُوَ أَعَزُّ الْأَعْضَاءِ لَمْ يَضَعْهُ سَاجِدًا عَلَى التُّرَابِ، وَعَدَلَ عَنْهُ تَكَبُّرًا، فَجُعِلَ أَمْرُهُ عَلَى الْعَكْسِ.
قَالَ الْقَاضِي ﵀: قَوْلُهُ: يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ يُرِيدُ بَيَانَ هَوَانِهِمْ وَاضْطِرَارِهِمْ إِلَى حَدٍّ جَعَلُوا وُجُوهَهُمْ مَكَانَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ فِي التَّوَقِّي عَنْ مُؤْذِيَاتِ الطُّرُقِ وَالْمَشْيِ إِلَى الْمَقْصِدِ ; لَمَّا لَمْ يَجْعَلُوهَا سَاجِدَةً لِمَنْ خَلَقَهَا وَصَوَّرَهَا، وَمِمَّا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ مَا يُحْكَى: أَنَّهُ رُئِيَ بَعْضُ الْأَغْنِيَاءِ أَنَّهُ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَغْلَةٍ بِطَرِيقِ الْخُيَلَاءِ، ثُمَّ رُئِيَ فِي بَعْضِ الْبَادِيَةِ وَالصَّحْرَاءِ أَنَّهُ يَمْشِي، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: لَمَّا رَكِبْنَا فِي مَحَلِّ الْمَشْيِ عَاقَبَنَا اللَّهُ بِأَنْ نَمْشِيَ فِي مَحَلِّ الرُّكُوبِ، هَذَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] وَفَسَّرُوا بِأَنْ يُلْقَى الْكَافِرُ مَقْلُوبًا فِي النَّارِ، فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ النَّارَ إِلَّا بِوَجْهِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ﵏.
стр. 7682
٥٥٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] وَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] وَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] » . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ
ــ
٥٥٤٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ سَرَّهُ) أَيْ: أَعْجَبَهُ (أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أَيْ: أَحْوَالِهِ وَأَنْ يَطَّلِعَ فِي أَهْوَالِهِ (كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ) أَيْ: فَيَتَرَقَّى مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ (فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] أَيْ: لُفَّتْ وَأُلْقِيَتْ فِي النَّارِ، وَقَالَ الْقَاضِي ﵀: أَيْ لُفَّتْ بِمَعْنَى رُفِعَتْ، أَوْ لُفَّ ضَوْءُهَا، أَوْ أُلْقِيَتْ عَنْ فَلَكِهَا، وَفِي الدُّرِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ أَظْلَمَتْ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ: نُكِّسَتْ، وَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] أَيِ: انْشَقَّتْ، وَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] أَيِ انْصَدَعَتْ، وَالْمُرَادُ هَذِهِ السُّوَرُ ; فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرِ أَحْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) ، وَكَذَا ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
стр. 7683
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٥٤٨ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: إِنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ ﷺ حَدَّثَنِي: " «أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلَاثَةَ أَفْوَاجٍ: فَوْجًا رَاكِبِينَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ، وَفَوْجًا تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ، وَفَوْجًا يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ وَيُلْقِي اللَّهُ الْآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ فَلَا يَبْقَى، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا» ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٥٤٨ - (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: إِنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ حَدَّثَنِي أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلَاثَةَ أَفْوَاجٍ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْمُرَادُ بِالْحَشْرِ هُنَا مَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ» ) وَقَوْلِهِ: ( «سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ نَحْوِ حَضْرَمَوْتَ تَحْشُرُ النَّاسَ) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَمَا تَأْمُرُ؟ قَالَ: (عَلَيْكُمْ
стр. 7684
بِالشَّامِ» ) ، (فَوْجًا) : وَهُمُ السَّابِقُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ (رَاكِبِينَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ مُرْهَفِينَ لِاسْتِعْدَادِهِمْ مَا يُبَلِّغُهُمْ إِلَى الْقَصْدِ مِنَ الزَّادِ وَالرِّحْلَةِ (وَفَوْجًا) : وَهُمُ الْكُفَّارُ (تَسْحَبُهُمْ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ تَجُرُّهُمُ (الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ) : وَهُوَ إِمَّا عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَإِمَّا كِنَايَةٌ عَنْ كَمَالِ هَوَانِهِمْ وَذُلِّهِمْ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِدَلَالَةِ السِّبَاقِ وَاللَّحَاقِ، (وَتَحْشُرُ النَّارُ) : بِنَصْبِ النَّارِ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَأَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: (وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ) بِالضَّمِيرِ مَعَ نَصْبِ النَّارِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: إِلَيْهَا وَمَعَ رَفْعِهَا عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ تَحْشُرُ الْمَلَائِكَةُ لَهُمُ النَّارَ وَتُلْزِمُهُمْ إِيَّاهَا، حَتَّى لَا تُفَارِقَهُمْ أَيْنَ بَاتُوا وَأَيْنَ قَالُوا وَأَصْبَحُوا، وَيَصِحُّ أَنْ تُرْفَعَ النَّارُ أَيْ وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ، (وَفَوْجًا) : وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُذْنِبُونَ (يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ) أَيْ: وَيُسْرِعُونَ لَا أَنَّهُمْ يَمْشُونَ بِسَكِينَةٍ وَرَاحَةٍ (وَيُلْقِي اللَّهُ الْآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ) أَيْ: عَلَى الْمَرْكُوبِ تَسْمِيَةً بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَتَعْبِيرًا عَنِ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ، (فَلَا يَبْقَى) أَيْ: ظَهْرٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّأْنِيثِ أَيْ دَابَّةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: فَلَا تُبْقِي الْآفَةُ دَابَّةً (حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ) أَيِ: الْبُسْتَانُ (يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ) أَيْ: بِعِوَضِهَا وَبَدَلِهَا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالتَّاءِ لِلْجَمَلِ كَالْإِكَافِ لِغَيْرِهِ (لَا يَقْدِرُ) أَيْ: أَحَدٌ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى ذَاتِ الْقَتَبِ ; لِعِزَّةِ وُجُودِهَا، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَشْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ حَشْرَ الْقِيَامَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَبَقِيَ أَنْ يُقَالَ: لِمَ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ الْحَشْرِ، وَهَذَا مَحَلُّ ذِكْرِهِ بَابُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ قُلْنَا: تَأَسِّيًا بِمُحْيِي السُّنَّةِ، وَالْعَجَبُ أَنَّ مُحْيِيَ السُّنَّةِ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ ; حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا الْحَشْرُ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَى الشَّامِ إِحْيَاءً، فَأَمَّا الْحَشْرُ بَعْدَ الْبَعْثِ مِنَ الْقُبُورِ، فَعَلَى خِلَافِ هَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ رُكُوبِ الْإِبِلِ وَالْمُعَاقَبَةِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ حُفَاةً عُرَاةً، وَأَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ اهـ.
وَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ فِي كَلَامِ التُّورِبِشْتِيِّ ﵀ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ رُكُوبَ بَعْضِ الْخَوَاصِّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ ثَابِتٌ فِي الْحَشْرِ بَعْدَ الْبَعْثِ أَيْضًا، وَأَنَّ حَدِيثَ: " يُبْعَثُونَ حُفَاةً عُرَاةً " بِنَاءً عَلَى أَكْثَرِ الْخَلْقِ، أَوْ نَظَرًا إِلَى ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: " «إِنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَفْوَاجٍ: فَوْجٍ طَاعِمِينَ كَاسِينَ رَاكِبِينَ، وَفَوْجٍ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ، وَفَوْجٍ تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ» " اهـ. فَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ بِأَنَّ الْحَشْرَ حَشْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ; لِتَصْرِيحِهِ فِي الْآيَةِ، وَالْحَدِيثُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيُؤَيِّدُ سَحْبَ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، فَالْوَجْهُ الْوَجِيهُ مَا اخْتَارَهُ شَيْخُنَا التُّورِبِشْتِيُّ ﵀ لَا مَا أَخْطَأَ الْخَطَّابِيُّ ; حَيْثُ لَمْ يُدْرِكْهُ هَذَا الْمَدْرَكَ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْآفَةُ مِنْ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ أَصْلِ الْكِتَابِ زِيَادَةً عَلَى مَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ، وَيُلْقِي اللَّهُ الْآفَةَ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنْ يُقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ أَدْرَجَهُ مَعَهُ، وَأَدْمَجَهُ فِيهِ بِأَدْنَى مُنَاسَبَةٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7685
[بَابُ الْحِسَابِ وَالْقِصَاصِ وَالْمِيزَانِ]
стр. 7686
[٣] بَابُ الْحِسَابِ وَالْقِصَاصِ وَالْمِيزَانِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥٤٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ ". قُلْتُ: أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] فَقَالَ: (إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ فِي الْحِسَابِ يَهْلِكْ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٣] بَابُ الْحِسَابِ وَالْقِصَاصِ وَالْمِيزَانِ
الْحِسَابُ: بِمَعْنَى الْمُحَاسَبَةِ، وَالْقِصَاصُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ اسْمٌ مِنْ قَصَّهُ الْحَاكِمُ يَقُصُّهُ إِذَا مَكَّنَهُ مِنْ أَخْذِ الْقِصَاصِ، وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَهُ، مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ، أَوْ ضَرْبٍ أَوْ جَرْحٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥٤٩ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ) أَيْ: فِي حَقِّ أَهْلِ النَّجَاةِ ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] وَتَمَامُهُ: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٩] ، (فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَجُوِّزَ الْفَتْحُ عَلَى خِطَابِ الْعَامِّ أَوْ تَعْظِيمًا لَهَا، وَالْمَعْنَى: إِنَّمَا ذَلِكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَرْضُ عَمَلِهِ لَا الْحِسَابُ عَلَى وَجْهِ الْمُنَاقَشَةِ، ( «وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ فِي الْحِسَابِ يَهْلَكُ» ) : بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَزْمِ أَيْ: يُعَذَّبُ، قَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ: يُقَالُ نَاقَشَهُ الْحِسَابَ إِذَا عَاسَرَهُ فِيهِ وَاسْتَقْصَى، فَلَمْ يَتْرُكْ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنَاقَشَةِ الِاسْتِقْصَاءُ فِي الْمُحَاسَبَةِ وَالِاسْتِيفَاءُ بِالْمُطَالَبَةِ وَتَرْكُ الْمُسَامَحَةِ فِي الْجَلِيلِ، وَالْمُنَاقَشَةُ لِبَيَانِ ظُهُورِ الْعَدْلِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ يُحَاسِبُهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ» ". وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «مَنْ نُوقِشَ فِي الْحِسَابِ عُذِّبَ» ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَفْظُهُ: " «مَنْ نُوقِشَ الْمُحَاسَبَةَ هَلَكَ» ".
стр. 7687
٥٥٥٠ - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ وَلَا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٥٠ - (وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) : بِكَسْرِ التَّاءِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) : مِنْ مَزِيدَةٌ لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ، وَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ (إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ) أَيْ: بِلَا وَاسِطَةٍ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفْرَغٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ) أَيْ: بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ (تَرْجُمَانٌ) : بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهُ إِتْبَاعًا عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ، وَكَزَعْفَرَانٍ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، أَيْ: مُفَسِّرٌ لِلْكَلَامِ بِلُغَةٍ عَنْ لُغَةٍ، يُقَالُ: تَرْجَمْتُ عَنْهُ، وَالْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَى أَصَالَةِ التَّاءِ، وَفِي التَّهْذِيبِ التَّاءُ أَصْلِيَّةٌ وَلَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ وَالْكَلِمَةُ رُبَاعِيَّةٌ. (وَلَا حِجَابٌ) أَيْ: حَاجِزٌ وَسَاتِرٌ وَمَانِعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ (يَحْجُبُهُ) أَيْ: يَحْجُبُ ذَلِكَ الْعَبْدَ مِنْ رَبِّهِ (أَيْمَنَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ، وَقَالَ شَارِحٌ: ضَمِيرُ مِنْهُ رَاجِعٌ إِلَى الْعَبْدِ. قُلْتُ: وَالْمَآلُ وَاحِدٌ، وَالْمَعْنَى: يَنْظُرُ فِي الْجَانِبِ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ، (فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ) أَيْ: عَمَلِهِ الصَّالِحِ مُصَوَّرًا، أَوْ جَزَاءَهُ مُقَدَّرًا، (وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ) أَيْ: فِي الْجَانِبِ الَّذِي فِي شِمَالِهِ (فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ) أَيْ: مِنْ عَمَلِهِ السَّيِّئِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّصْبَ فِي أَيْمَنَ وَأَشْأَمَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْيَمِينُ وَالشِّمَالُ، فَقِيلَ: نَظَرَ الْيَمِينَ وَالشِّمَالَ هُنَا كَالْمَثَلِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ شَأْنِهِ إِذَا دَهَمَهُ أَمْرٌ أَنْ يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَشِمَالًا لِطَلَبِ الْغَوْثِ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الِالْتِفَاتِ أَنَّهُ يَتَرَجَّى أَنْ يَجِدَ طَرِيقًا يَذْهَبُ فِيهَا ; لِتَحْصُلَ لَهُ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا يُفْضِي بِهِ إِلَى النَّارِ. (وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) أَيْ فِي مُحَاذَاتِهِ وَعَلَيْهَا الصِّرَاطُ (فَاتَّقُوا النَّارَ) أَيْ: إِذَا عَرَفْتُمْ ذَلِكَ فَاحْذَرُوا مِنْهَا وَلَا تَظْلِمُوا أَحَدًا (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) : أَوْ فَتَصَدَّقُوا وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، أَيْ: لَوْ بِمِقْدَارِ نِصْفِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا، وَالْمَعْنَى وَلَوْ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا ; فَإِنَّهُ حِجَابٌ وَحَاجِزٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّارِ ; فَإِنَّ الصَّدَقَةَ جُنَّةٌ وَوَسِيلَةٌ إِلَى جَنَّةٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: " «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَأَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالضِّيَاءُ عَنْ أَنَسٍ، وَالْبَزَّارُ أَيْضًا عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا: " «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» ".
стр. 7688
٥٥٥١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ! حَتَّى قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ. قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٥١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ) : بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ: يُقَرِّبُهُ قُرْبَ كَرَامَةٍ لَا قُرْبَ مَسَافَةٍ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَالْمُؤْمِنُ فِي الْمَعْنَى كَالنَّكِرَةِ، إِذْ لَا عَهْدَ فِي الْخَارِجِ وَلَا بُعْدَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ (فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ يَحْفَظُهُ مُسْتَعَارٌ مِنْ كَنَفِ الطَّائِرِ وَهُوَ جَنَاحُهُ ; لِأَنَّهُ يَحُوطُ بِهِ نَفْسَهُ وَيَصُونُ بِهِ بَيْضَتَهُ، (وَيَسْتُرُهُ) أَيْ: عَنْ أَهْلِ الْمَوْقِفِ ; كَيْلَا يَفْتَضِحَ، وَقِيلَ: أَيْ يُظْهِرُ عِنَايَتَهُ عَلَيْهِ وَيَصُونُهُ عَنِ الْخِزْيِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ (كَمَا يَضَعُ أَحَدُكُمْ كَنَفَ ثَوْبِهِ) أَيْ: طَرَفَهُ (عَلَى رَجُلٍ) إِذَا أَرَادَ صِيَانَتَهُ وَقَصَدَ حَمِيَّتَهُ، وَهَذَا تَمْثِيلٌ. قِيلَ: هَذَا فِي عَبْدٍ لَمْ يَغْتَبْ وَلَمْ يَعِبْ وَلَمْ يَفْضَحْ أَحَدًا وَلَمْ يَشْمَتْ بِفَضِيحَةِ مُسْلِمٍ، بَلْ سَتَرَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَهْتِكُ عِرْضَ أَحَدٍ عَلَى مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ، فَسَتَرَهُ اللَّهُ وَجَعَلَهُ تَحْتَ كَنَفِ حِمَايَتِهِ جَزَاءً وِفَاقًا مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ. (فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا) ؟ فِي التَّكْرِيرِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّكْثِيرِ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا فِي الضَّمِيرِ، (فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّي! حَتَّى قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ) أَيْ: جَعَلَهُ مُقِرًّا بِهَا بِأَنْ أَظْهَرَهَا لَهُ وَأَلْجَأَهُ إِلَى الْإِقْرَارِ بِهَا، (وَرَأَى فِي نَفْسِهِ) أَيْ: ظَنَّ الْمُؤْمِنُ فِي بَاطِنِهِ (أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ) أَيْ: مَعَ الْهَالِكِينَ وَلَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ مَعَ النَّاجِينَ، وَقَالَ شَارِحٌ، أَيْ: عَلِمَ اللَّهُ فِي ذَاتِهِ أَنَّهُ هَلَكَ أَيِ الْمُؤْمِنُ، وَيَجُوزُ كَوْنُ ضَمِيرِ رَأَى لِلْمُؤْمِنِ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ. (قَالَ) أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى (سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ) أَيْ: بِيَمِينِهِ (وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] ) أَيْ: بِإِثْبَاتِ الشَّرِيكِ وَنَحْوِهِ ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] أَيِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7689
٥٥٥٢ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ هَذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥٥٢ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) : بِالرَّفْعِ أَيْ: وَحَصَلَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ أَيْ إِذَا كَانَ الزَّمَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) أَيْ: مَوْصُوفٍ بِالْإِسْلَامِ مُذَكَّرًا كَانَ أَوْ مُؤَنَّثًا (يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا) أَيْ: وَاحِدًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، (فَيَقُولُ) أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى (هَذَا) أَيِ: الْكِتَابِيُّ (فِكَاكُكَ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَبِكَسْرٍ أَيْ خَلَاصُكَ (مِنَ النَّارِ) .
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: فِكَاكُ الرَّهْنِ مَا يُفَكُّ بِهِ وَيَخْلُصُ وَالْكَسْرُ لُغَةٌ فِيهِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: لَمَّا كَانَ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ مَقْعَدٌ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدٌ مِنَ النَّارِ، فَمَنْ آمَنَ حَقَّ الْإِيمَانِ بُدِّلَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ بِمَقْعَدٍ مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ فَبِالْعَكْسِ كَانَتِ الْكَفَرَةُ كَالْخَلَفِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي مَقَاعِدِهِمْ مِنَ النَّارِ وَالنَّائِبِ مَنَابَهُمْ فِيهَا، وَأَيْضًا لَمَّا سَبَقَ الْقَسَمُ الْإِلَهِيُّ بِمَلْءِ جَهَنَّمَ كَانَ مَلْؤُهَا مِنَ الْكُفَّارِ خَلَاصًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَجَاةً لَهُمْ مِنَ النَّارِ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ كَالْفِدَاءِ وَالْفِكَاكِ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالذِّكْرِ ; لِاشْتِهَارِهِمَا بِمُضَادَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمُقَابَلَتِهِمَا إِيَّاهُمْ فِي تَصْدِيقِ الرَّسُولِ الْمُقْتَضِي لِنَجَاتِهِمْ اهـ. وَقِيلَ: عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْفِكَاكِ تَارَةً وَبِالْفِدَاءِ أُخْرَى عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ ; إِذْ لَمْ يُرِدْ بِهِ تَعْذِيبَ الْكِتَابِيِّ بِذَنْبِ الْمُسْلِمِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى بِلَفْظِ: " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَعْطَى اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ رَجُلٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ» ". وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْكُنَى عَنْ أَبِي مُوسَى وَلَفْظُهُ: " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ مَلَكًا مَعَ كَافِرٍ فَيَقُولُ الْمَلَكُ لِلْمُؤْمِنِ: يَا مُؤْمِنُ هَاكَ هَذَا الْكَافِرَ، فَهَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ» ".
стр. 7690
٥٥٥٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ! فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيُقَالُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ " ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٥٥٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُجَاءُ) أَيْ: يُؤْتَى (بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ) : وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] لِأَنَّ الْإِجَابَةَ غَيْرُ التَّبْلِيغِ، وَهِيَ تَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ لَا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ إِلَّا عِلْمُهُ سُبْحَانَهُ، بِخِلَافِ نَفْسِ التَّبْلِيغِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ الْبَدِيهِيَّةِ (فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ) أَيْ: أُمَّةُ الدَّعْوَةِ (هَلْ بَلَّغَكُمْ) ؟ أَيْ: نُوحٌ رِسَالَتَهُ (فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ) أَيْ: مُنْذِرٌ لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، مُبَالَغَةً فِي الْإِنْكَارِ، تَوَهُّمًا أَنَّهُ يَنْفَعُهُمُ الْكَذِبُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَنِ الْخَلَاصِ مِنَ النَّارِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ، (فَقَالَ) أَيْ: لِنُوحٍ (مَنْ شُهُودُكَ) ؟ وَإِنَّمَا طُلِبَ مِنْ نُوحٍ شُهَدَاءُ عَلَى تَبْلِيغِهِ الرِّسَالَةَ أُمَّتَهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ وَإِنَافَةً لِمَنْزِلَةِ أَكَابِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، (فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ) : وَالْمَعْنَى أَنَّ أُمَّتَهُ شُهَدَاءُ وَهُوَ مُزَكٍّ لَهُمْ، وَقُدِّمَ فِي الذِّكْرِ لِلتَّعْظِيمِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْهَدُ لِنُوحٍ ﵊ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ النُّصْرَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَيُجَاءُ بِكُمْ) : وَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاضِرٌ نَاظِرٌ فِي ذَلِكَ الْعَرْضِ الْأَكْبَرِ، فَيُؤْتَى بِالرُّسُلِ وَأَوَّلُهُمْ نُوحٌ، وَيُؤْتَى بِشُهُودِهِ وَهُمْ هَذِهِ الْأُمَّةُ (فَتَشْهَدُونَ) أَيْ: أَنْتُمْ (أَنَّهُ) أَيْ: أَنَّ نُوحًا (قَدْ بَلَّغَ) أَيْ: قَوْمَهُ رِسَالَةَ رَبِّهِ، وَنَبِيُّكُمْ مُزَكٍّ لَكُمْ، أَوْ أَنْتُمْ وَنَبِيُّكُمْ مَعَكُمْ تَشْهَدُونَ، فَفِيهِ تَغْلِيبٌ، (ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : اسْتِشْهَادًا بِالْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعُمُومِ فِي مَادَّةِ الْخُصُوصِ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، قِيلَ عُدُولًا وَخِيَارًا ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَغْلُوا غُلُوَّ النَّصَارَى، وَلَا قَصَّرُوا تَقْصِيرَ الْيَهُودِ فِي حَقِّ أَنْبِيَائِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ وَالْقَتْلِ وَالصَّلْبِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﵊ تَفْسِيرُ الْوَسَطِ بِالْعَدْلِ، فَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: هُوَ مِنْ وَسَطِ قَوْمِهِ أَيْ خِيَارِهِمْ، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ: عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ: رَسُولُكُمْ وَاللَّامُ لِلْعِوَضِ، أَوِ اللَّامُ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ: مُطَّلِعًا وَرَقِيبًا عَلَيْكُمْ، وَنَاظِرًا لِأَفْعَالِكُمْ، وَمُزَكِّيًا لِأَقْوَالِكُمْ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ قَالَ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] مُقَدِّمًا صِلَةَ الشَّهَادَةِ لِيُفِيدَ اخْتِصَاصَهُمْ بِشَهَادَتِهِ عَلَيْهِمْ لِلُزُومِ الْمَضَرَّةِ؟ قُلْتُ: الْكَلَامُ وَارِدٌ فِي مَدْحِ الْأُمَّةِ، فَالْغَرَضُ هُنَا أَنَّهُ يُزَكِّيهِمْ، فَضُمِّنَ شَهِدَ بِمَعْنَى رَقِبَ ; لِأَنَّ الْعُدُولَ تَحْتَاجُ إِلَى رَقِيبٍ يَحْفَظُ أَحْوَالَهُمْ لِيَطَّلِعَ عَلَيْهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَيُزَكِّيَهُمْ، وَلَمَّا كَانُوا هُمُ الْعُدُولَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأُمَمِ خَصَّهُمُ اللَّهُ بِكَوْنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا أَيْ رَقِيبًا مُزَكِّيًا، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ مَعَ أَنَّ مُزَكِّيَ الشَّاهِدِ أَيْضًا شَاهِدٌ. أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ هُوَ أَنَّ الْأُمَّةَ يَشْهَدُونَ عَلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَأَنَّهُ ﷺ يَشْهَدُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ بِأَجْمَعِهِمْ يَشْهَدُونَ عَلَى الْكُلِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، بِأَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا بِمَا عَمِلْتُمْ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ رَجُلٌ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ، فَيُقَالُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُدْعَى مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَ هَذَا قَوْمَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُقَالُ: وَمَا عِلْمُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جَاءَنَا نَبِيُّنَا فَأَخْبَرَنَا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] » الْآيَةَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «أَنَا وَأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى كَوْمٍ مُشْرِفِينَ عَلَى الْخَلَائِقِ، مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ إِلَّا وَدَّ أَنَّهُ مِنَّا، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ إِلَّا وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّهُ بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ» ".
стр. 7691
٥٥٥٤ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ، فَقَالَ: (هَلْ تَدْرُونَ مِمَّا أَضْحَكُ) ؟ . قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ يَا رَبِّ! أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ) ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى. قَالَ: (فَيَقُولُ فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي) . قَالَ: فَيَقُولُ: (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا) . قَالَ: (فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي) قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ. قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥٥٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مِمَّا أَضْحَكُ) ؟ فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الضَّحِكُ إِلَّا لِأَمْرٍ غَرِيبٍ وَحُكْمٍ عَجِيبٍ (قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ (قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ! أَلَمْ تُجِرْنِي) : مِنَ الْإِجَارَةِ أَيْ أَلَمْ تَجْعَلْنِي فِي إِجَارَةٍ مِنْكَ بِقَوْلِكَ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] (مِنَ الظُّلْمِ) ؟ وَالْمَعْنَى أَلَمْ تُؤَمِّنِّي مِنْ أَنْ تَظْلِمَ عَلَيَّ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (يَقُولُ) أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى فِي جَوَابِ الْعَبْدِ (بَلَى) قَالَ: (فَيَقُولُ فَإِنِّي) أَيْ: فَإِذَا أَجَرْتَنِي مِنَ الظُّلْمِ فَإِنِّي (لَا أُجِيزُ) : بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: لَا أُجَوِّزُ وَلَا أَقْبَلُ (عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي) أَيْ: مِنْ جِنْسِي ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ شَهِدُوا عَلَيْنَا بِالْفَسَادِ قَبْلَ الْإِيجَادِ.
(قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا) : نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ وَعَلَيْكَ مَعْمُولُهُ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمَامِ وَالِاخْتِصَاصِ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي فَاعِلِ كَفَى، وَالْيَوْمَ ظَرْفٌ لَهُ أَوْ لِشَهِيدٍ (وَبِالْكِرَامِ) أَيْ: وَكَفَى بِالْعُدُولِ الْمُكَرَّمِينَ (الْكَاتِبِينَ) أَيْ: لِصُحُفِ الْأَعْمَالِ (شُهُودًا) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِذَا قُلْتَ: دَلَّ أَدَاةُ الْحَصْرِ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَكَيْفَ أَجَابَ بِقَوْلِهِ: كَفَى بِنَفْسِكَ وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ؟ قُلْتُ: بَذَلَ مَطْلُوبَهُ وَزَادَ عَلَيْهِ تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا (قَالَ: فَيُخْتَمُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَلَى فِيهِ) أَيْ: فَمِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] ، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] ، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠] ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ) أَيْ: لِأَعْضَائِهِ وَأَجْزَائِهِ (انْطِقِي) . قَالَ: (فَتَنْطِقُ) أَيِ: الْأَرْكَانُ (بِأَعْمَالِهِ) أَيْ: بِأَفْعَالِهِ الَّتِي بَاشَرَهَا وَارْتَكَبَهَا بِسَبَبِهَا، (ثُمَّ يُخَلَّى) أَيْ: يُتْرَكُ (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ) أَيْ: يُرْفَعُ الْخَتْمُ مِنْ فِيهِ ; حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِالْكَلَامِ الْعَادِيِّ، فَشَهَادَةُ أَلْسِنَتِهِمْ فِي الْآيَةِ يُرَادُ بِهَا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِهِ.
(قَالَ: فَيَقُولُ) أَيِ: الْعَبْدُ (بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ هَلَاكًا، وَهُمَا مَصْدَرَانِ نَاصِبُهُمَا مُقَدَّرٌ، وَالْخِطَابُ لِلْأَرْكَانِ أَيِ: ابْعُدْنَ وَاسْحُقْنَ (فَعَنْكُنَّ) أَيْ: عَنْ قِبَلِكُنَّ وَمِنْ جِهَتِكُنَّ وَلِأَجْلِ خَلَاصِكُنَّ، (كُنْتُ أُنَاضِلُ) أَيْ: أُجَادِلُ وَأُخَاصِمُ وَأُدَافِعُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ أُخَاصِمُ لِخَلَاصِكُنَّ، وَأَنْتُنَّ تُلْقِينَ أَنْفُسَكُنَّ فِيهَا، وَالْمُنَاضَلَةُ الْمُرَامَاةُ بِالسِّهَامِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمُحَاجَّةُ بِالْكَلَامِ، يُقَالُ: تَنَاضَلَ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ إِذَا تَكَلَّمَ عَنْهُ بِعُذْرٍ وَدَفَعَ. قُلْتُ: وَجَوَابُهُنَّ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢١ - ٢٣] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ عُرِّفَ الْكَافِرُ بِعَمَلِهِ فَجَحَدَ وَخَاصَمَ، فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ جِيرَانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ. فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيُقَالُ: أَهْلُكَ وَعِشْرَتُكَ؟ فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيُقَالُ: احْلِفُوا فَيَحْلِفُونَ، ثُمَّ يُصْمِتُهُمُ اللَّهُ وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ النَّارَ» ".
стр. 7692
٥٥٥٥ - «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا. قَالَ: فَيَلْقَى الْعَبْدَ فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ: أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ لَا. فَيَقُولُ: فَإِنِّي قَدْ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي. ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! آمَنْتُ بِكَ، وَبِكِتَابِكَ وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيْتُ وَصُمْتُ، وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ، يَقُولُ: هَاهُنَا إِذًا، ثُمَّ يُقَالُ: الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدًا عَلَيْكَ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ: انْطِقِي ; فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ) فِي (بَابِ التَّوَكُّلِ) بِرِوَايَةِ عَبَّاسٍ
ــ
٥٥٥٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا) : الِاسْتِفْهَامُ لِلِاسْتِخْبَارِ وَالِاسْتِعْلَامِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ؟ قُيِّدَ بِهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا ; لِأَنَّ الذَّاتَ الْبَاقِيَةَ لَا تُرَى بِالْعَيْنِ الْفَانِيَةِ. (قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَتُفْتَحُ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ أَوِ التَّفَاعُلِ مِنَ الضَّرَرِ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ، وَهُوَ حَمْلُ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَالْمَعْنَى: هَلْ يَحْصُلُ لَكُمْ تَزَاحُمٌ وَتَنَازُعٌ يَتَضَرَّرُ بِهِ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ؟ (فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ) أَيْ: لِأَجْلِ رُؤْيَتِهَا أَوْ عِنْدَهَا (فِي الظَّهِيرَةِ) : وَهِيَ نِصْفُ النَّهَارِ، وَهُوَ وَقْتُ ارْتِفَاعِهَا وَظُهُورِهَا وَانْتِشَارِ ضَوْئِهَا فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ. (لَيْسَتْ) : أَيِ الشَّمْسُ (فِي سَحَابَةٍ) ؟ أَيْ غَيْمٍ تَحْجُبُهَا عَنْكُمْ، (قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِهَذِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا) . قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: رُوِيَ تُضَارُّونَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَالتَّاءُ مَضْمُومَةٌ فِيهِمَا، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: هَلْ تَضَامُّونَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِهَا، فَمَنْ شَدَّدَهَا فَتَحَ التَّاءَ، وَمَنْ خَفَّفَهَا ضَمَّهَا، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: لَا تُضَارُّونَ أَوْ لَا تُضَامُّونَ عَلَى الشَّكِّ.
قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ ﵀: وَفِي تَضَارُّونَ الْمُشَدَّدِ مِنَ الضَّرَرِ، وَالْمُخَفَّفِ مِنَ الضَّيْرِ أَيْ: تَكُونُ رُؤْيَتُهُ جَلِيَّةً بَيِّنَةً لَا تَقْبَلُ مِرَاءً وَلَا مِرْيَةً، فَيُخَالِفُ فِيهَا بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَيُكَذِّبُهُ، كَمَا لَا يُشَكُّ فِي رُؤْيَةِ إِحْدَاهُمَا يَعْنِي الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَلَا يُنَازَعُ فِيهَا، فَالتَّشْبِيهُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي الرُّؤْيَةِ بِاعْتِبَارِ جَلَائِهَا وَظُهُورِهَا ; بِحَيْثُ لَا يُرْتَابُ فِيهَا لَا فِي سَائِرِ كَيْفِيَّاتِهَا، وَلَا فِي الْمَرْئِيِّ ; فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَعَمَّا يُؤَدِّي إِلَيْهَا، وَفِي تَضَامُّونَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ الضَّمِّ، أَيْ: لَا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ فِي طَلَبِ رُؤْيَتِهِ ; لِإِشْكَالِهِ وَخَفَائِهِ كَمَا يَفْعَلُونَ فِي الْهِلَالِ، أَوْ لَا يَضُمُّكُمْ شَيْءٌ دُونَهُ فَيَحُولُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا، وَبِالتَّخْفِيفِ مِنَ الضَّيْمِ، أَيْ: لَا يَنَالُكُمْ ضَيْمٌ فِي رُؤْيَتِهِ، فَيَرَاهُ بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ، بَلْ يَسْتَوُونَ فِيهَا، وَأَصْلُهُ تُضْيَمُونَ، فَنُقِلَتْ فَتْحَةُ الْيَاءِ إِلَى الضَّادِ، فَصَارَتْ أَلِفًا لِسُكُونِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، كَذَلِكَ تُضَارُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وَأَمَّا الْمُشَدَّدُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ عَلَى مَعْنَى لَا تَضَارُّونَ، أَيْ: تَتَنَازَعُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، هَذَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: إِلَّا كَمَا تَضَارُّونَ، كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: لَا تَضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ كَمَا لَا تَضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهَا، وَلَكِنَّهُ أُخْرِجَ مُخْرَجَ قَوْلِهِ:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
أَيْ: لَا تَشُكُّونَ فِيهِ إِلَّا كَمَا تَشُكُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرَيْنِ، وَلَيْسَ فِي رُؤْيَتِهِمَا شَكٌّ فَلَا تَشُكُّونَ فِيهَا أَلْبَتَّةَ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (فَيَلْقَى) أَيِ: الرَّبُّ (الْعَبْدَ) أَيْ: عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ (فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ) : بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَتُفْتَحُ وَتُضَمُّ أَيْ فُلَانٌ، فَفِي النِّهَايَةِ مَعْنَاهُ يَا فُلَانُ وَلَيْسَ تَرْخِيمًا لَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ إِلَّا بِسُكُونِ اللَّامِ، وَلَوْ كَانَ تَرْخِيمًا لَفَتَحُوهَا أَوْ ضَمُّوهَا. قُلْتُ: وَقِيلَ فَلَا، كَمَا يُقَالُ: سَعَى فِي سَعِيدٍ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَيْسَتْ تَرْخِيمًا وَإِنَّمَا هِيَ صِيغَةٌ ارْتُجِلَتْ فِي بَابِ النِّدَاءِ، وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ النِّدَاءِ قَالَ:
فِي لُجَّةٍ أَمْسَكَ فُلَانٌ عَنْ فُلِ
بِكَسْرِ اللَّامِ لِلْقَافِيَةِ، وَإِنَّمَا قِيلَ: لَيْسَ مُرَخَّمًا لِأَنَّ شَرْطَ مِثْلِهِ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ حَذْفِ النُّونِ وَالْأَلِفِ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ كَ " مَرْوَانَ "، وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ تَرْخِيمُ فُلَانٍ فَحُذِفَتِ النُّونُ لِلتَّرْخِيمِ وَالْأَلِفُ لِسُكُونِهَا، وَيُفْتَحُ اللَّامُ وَيُضَمُّ عَلَى مَذْهَبَيِ التَّرْخِيمِ (أَلَمْ أُكْرِمْكَ) أَيْ: أَلَمْ أُفَضِّلْكَ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ (وَأُسَوِّدْكَ) أَيْ: أَلَمْ أَجْعَلْكَ سَيِّدًا فِي قَوْمِكَ (وَأُزَوِّجْكَ) أَيْ: أَلَمْ أُعْطِكَ زَوْجًا مِنْ جِنْسِكَ وَمَكَّنْتُكَ مِنْهَا، وَجَعَلْتُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا مَوَدَّةً وَرَحْمَةً وَمُؤَانَسَةً وَأُلْفَةً، (وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ) أَيْ: أُذَلِّلْهَا لَكَ، وَخُصَّتَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا أَصْعَبُ الْحَيَوَانَاتِ، (وَأَذَرْكَ) أَيْ: لَمْ
стр. 7693
أَذَرْكَ، وَالْمَعْنَى: أَلَمْ أَدَعْكَ وَلَمْ أُمَكِّنْكَ عَلَى قَوْمِكَ (تَرْأَسُ) أَيْ: تَكُونُ رَئِيسًا عَلَى قَوْمِكَ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، (وَتَرْبَعُ) ؟ أَيْ: تَأْخُذُ رِبَاعَهُمْ وَهُوَ رُبُعُ الْغَنِيمَةِ ; وَكَانَ مُلُوكُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْخُذُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ، (فَيَقُولُ: بَلَى) أَيْ: فِي كُلٍّ أَوْ فِي الْكُلِّ (قَالَ: فَيَقُولُ) أَيِ: الرَّبُّ (أَفَظَنَنْتَ) أَيْ: أَفَعَلِمْتَ (أَنَّكَ مُلَاقِيَّ) ؟ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ الْعَائِدَةِ بِحَذْفِ التَّنْوِينِ وَالثَّانِيَةُ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، (فَيَقُولُ لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي قَدْ أَنْسَاكَ) أَيِ: الْيَوْمَ أَتْرُكُكَ مِنْ رَحْمَتِي (كَمَا نَسِيتَنِي) أَيْ: فِي الدُّنْيَا مِنْ طَاعَتِي. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْ قَوْلِهِ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ، يَعْنِي سَوَّدْتُكَ وَزَوَّجْتُكَ، وَفَعَلْتُ بِكَ مِنَ الْإِكْرَامِ حَتَّى تَشْكُرَنِي وَتَلْقَانِي لِأَزِيدَ فِي الْإِنْعَامِ، وَأُجَازِيَكَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا نَسِيتَنِي فِي الشُّكْرِ نَسِينَاكَ وَتَرَكْنَا جَزَاءَكَ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [الفاتحة: ١٢٦ - ٢٩٤٦٨] وَنِسْبَةُ النِّسْيَانِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِمَّا مُشَاكَلَةٌ أَوْ مَجَازٌ عَنِ التَّرْكِ. (ثُمَّ يَلْقَى) أَيِ: الرَّبُّ (الثَّانِيَ) أَيْ: مِنَ الْعَبْدِ (فَذَكَرَ مِثْلَهُ) أَيْ: قَالَ الرَّاوِي: ذَكَرَ ﷺ فِي الثَّانِي مِثْلَ مَا ذَكَرَ فِي الْأَوَّلِ مِنْ سُؤَالِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ وَجَوَابِهِ. (ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ، وَبِكِتَابِكَ وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيْتُ وَصُمْتُ، وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي) أَيْ: يَمْدَحُ الثَّالِثُ عَلَى نَفْسِهِ (بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ، فَيَقُولُ) أَيِ: الرَّبُّ (هَاهُنَا إِذًا) : بِالتَّنْوِينِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إِذًا جَوَابٌ وَجَزَاءٌ، وَالتَّقْدِيرُ: إِذًا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ بِمَا أَثْنَيْتَ إِذًا فَأُثْبِتَّ هُنَا ; كَيْ نُرِيَكَ أَعْمَالَكَ بِإِقَامَةِ الشَّاهِدِ عَلَيْهَا، قَالَ شَارِحٌ: أَيْ يَقُولُ: إِذًا تُجْزَى بِأَعْمَالِكَ هَاهُنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ أَقَرَّ الثَّالِثُ بِظَنِّهِ لِقَاءَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَدَّ أَعْمَالَهُ الصَّالِحَةَ فَيَقُولُ: هَاهُنَا إِذًا، أَيْ قِفْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِذَا ذَكَرْتَ أَعْمَالَكَ حَتَّى تَتَحَقَّقَ خِلَافَ مَا زَعَمْتَ، (ثُمَّ يُقَالُ: الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدًا عَلَيْكَ، وَيَتَفَكَّرُ) أَيِ: الْعَبْدُ الثَّالِثُ (فِي نَفْسِهِ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ) : حَالٌ تَقْدِيرُهُ يَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ قَائِلًا مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ (فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ) أَيْ: فَمِهِ (فَيُقَالُ) : وَفِي نُسْخَةٍ وَيُقَالُ (لِفَخِذِهِ انْطِقِي، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ) أَيِ: الْمُتَعَلِّقَةُ بِفَخِذِهِ (بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ) أَيْ: إِنْطَاقُ أَعْضَائِهِ أَوْ بَعْثُ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَشَارَ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، وَخَتْمِ الْفَمِ وَنُطْقِ الْفَخِذِ وَغَيْرِهِ، (لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ) ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: لِيُعْذِرَ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ مِنَ الْإِعْذَارِ، وَالْمَعْنَى: لِيُزِيلَ اللَّهُ عُذْرَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ بِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ وَشَهَادَةِ أَعْضَائِهِ عَلَيْهِ ; بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عُذْرٌ يَتَمَسَّكُ بِهِ، وَقِيلَ لِيَصِيرَ ذَا عُذْرٍ فِي تَعْذِيبٍ مِنْ قِبَلِ نَفْسِ الْعَبْدِ، (وَذَلِكَ) أَيِ: الْعَبْدُ الثَّالِثُ (الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي سَخِطَ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْ: غَضِبَ (اللَّهُ عَلَيْهِ) . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
(وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ) : صَوَابُهُ عَلَى مَا سَبَقَ: " «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» "، (فِي بَابِ التَّوَكُّلِ، بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ) . فَكَانَ الْبَغَوِيُّ ﵀ ذَكَرَ الْحَدِيثَ مُكَرَّرًا بِإِسْنَادَيْنِ: أَحَدُهُمَا هُنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْآخَرُ هُنَاكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَحَذَفَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ مَا هُنَا، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ ذُكِرَ سَابِقًا بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَنْبِيهًا عَلَى ذَلِكَ، فَانْدَفَعَ مَا يُتَوَهَّمُ مِنَ التَّدَافُعِ بَيْنَ قَوْلِهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَوْلِهِ بِرَاوِيَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
стр. 7694
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٥٥٦ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٥٥٦ - (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أَيِ: الْبَاهِلِيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي) : مِنَ الْإِدْخَالِ ; لِقَوْلِهِ: (سَبْعِينَ أَلْفًا) : وَالْمُرَادُ بِهِ إِمَّا هَذَا الْعَدَدُ أَوِ الْكَثْرَةُ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: سَبْعِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] جَمْعُ السَّبْعِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ لِلْكَثْرَةِ ; أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ زَادَ عَلَى السَّبْعِينَ لَمْ يُغْفَرْ لَهُمْ. (لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ) أَيْ: لَا مُنَاقَشَةَ لَهُمْ فِي الْمُحَاسَبَةِ (وَلَا عَذَابَ) أَيْ: بِالْأَوْلَى، أَوْ لَا عَذَابَ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحِسَابِ، (مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ حَثْيَةٍ (مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي) ، قَالَ شَارِحٌ: الْحَثْيَةُ وَالْحَثْوَةُ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُعْطِيهِ الْإِنْسَانُ بِكَفَّيْهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ وَتَقْدِيرٍ، ثُمَّ تُسْتَعَارُ لِمَا يُعْطَى مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وَإِضَافَةُ الْحَثَيَاتِ إِلَى رَبِّهِ تَعَالَى لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْكَثْرَةِ، قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الْحَثَيَاتُ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُبَالَغَةِ وَالْكَثْرَةِ ; وَإِلَّا فَلَا كَفَّ ثَمَّةَ وَلَا حَثْيَ، جَلَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: وَثَلَاثٌ مَرْفُوعٌ عُطِفَ عَلَى سَبْعُونَ وَهُوَ أَقْرَبُ، وَقِيلَ مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى سَبْعِينَ، أَيْ: وَأَنْ يُدْخِلَ ثَلَاثَ قَبَضَاتٍ مِنْ قَبَضَاتِهِ، أَيْ: عَدَدًا غَيْرَ مَعْلُومٍ، وَالْمَعْنَى: يَكُونُ مَعَ هَذَا الْعَدَدِ الْمَعْلُومِ عَدَدٌ كَثِيرٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُمَا جَمِيعًا الْمُبَالَغَةُ فِي الْكَثْرَةِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: يُحْتَمَلُ النَّصْبُ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ سَبْعِينَ أَلْفًا، وَالرَّفْعُ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَالرَّفْعُ أَظْهَرُ فِي الْبَالِغَةِ ; إِذِ التَّقْدِيرُ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ، بِخِلَافِ النَّصْبِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: الْحَثْيَةُ مَا يَحْثِيهِ الْإِنْسَانُ بِيَدَيْهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَيُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُعْطِيهِ الْمُعْطِي بِكَفَّيْهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ جِيءَ بِهِ هَاهُنَا عَلَى وَجْهِ التَّمْثِيلِ، وَأُرِيدَ بِهَا الدَّفَعَاتُ أَيْ: يُعْطَى بَعْدَ هَذَا الْعَدَدِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مَا يَخْفَى عَلَى الْعَادِّينَ حَصْرُهُ وَتَعْدَادُهُ ; فَإِنَّ عَطَاءَهُ الَّذِي لَا يَضْبِطُهُ الْحِسَابُ أَوْفَى وَأَرْبَى مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَتَدَاخَلُهُ الْحِسَابُ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّجَلِّي الصُّورِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 7695
٥٥٥٧ - وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ: فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ــ
٥٥٥٧ - (وَعَنِ الْحَسَنِ) أَيِ: الْبَصْرِيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُعْرَضُ النَّاسُ) أَيْ: عَلَى اللَّهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ) بِفَتْحَتَيْنِ، قِيلَ: أَيْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: فَأَمَّا الْمَرَّةُ الْأُولَى فَيَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَيَقُولُونَ لَمْ يُبَلِّغْنَا الْأَنْبِيَاءُ وَيُحَاجُّونَ اللَّهَ تَعَالَى، وَفِي الثَّانِيَةِ: يَعْتَرِفُونَ وَيَعْتَذِرُونَ بِأَنْ يَقُولَ كُلٌّ فَعَلْتُهُ سَهْوًا وَخَطَأً، أَوْ جَهْلًا، أَوْ رَجَاءً وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ) : جَمْعُ مَعْذِرَةٍ وَلَا يَتِمُّ قَضِيَّتُهُمْ فِي الْمَرَّتَيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ، (وَأَمَّا الْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ) ، كَذَا هُوَ سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ، وَجَامِعُ الْأُصُولِ، وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: تَطَايَرُ، أَيْ تَتَطَايَرُ الصُّحُفُ، وَهُوَ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ الصَّحِيفَةِ وَهُوَ الْمَكْتُوبُ، وَقَالَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ: تَطَايُرُ الصُّحُفِ أَيْ تَفَرُّقُهَا إِلَى كُلِّ جَانِبٍ، فَرِوَايَتُهُ بِالْمَصْدَرِ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فَبِالْمُضَارِعِ أَيْ يَسْرُعُ وُقُوعُهَا (فِي الْأَيْدِي) أَيْ: أَيْدِي الْمُكَلَّفِينَ جَمِيعًا (فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ) : الْفَاءُ تَفْصِيلِيَّةٌ أَيْ: فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِيَمِينِهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمِنْهُمْ آخِذٌ بِشِمَالِهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَحِينَئِذٍ تَتِمُّ قَضِيَّتُهُمْ عَلَى وَفْقِ الْبِدَايَةِ، وَيَتَمَيَّزُ أَهْلُ الضَّلَالَةِ مِنْ أَهْلِ الْهِدَايَةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ) أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (لَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قِبَلِ) : بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ أَيْ مِنْ جِهَةِ (أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَيْ: فَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ فِي صَحِيحِهِ: الْحَسَنَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ وَبَيْنَهَا قَالَ: وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَلَمْ يُخْرِجْ لِلْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا نَقَلَهُ مَيْرَكُ. أَقُولُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ إِخْرَاجِ مُسْلِمٍ حَدِيثَهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ ; إِذْ شَرْطُ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ تَحَقُّقُ اللُّقَى وَلَوْ مَرَّةً أَقْوَى مِنْ شَرْطِ مُسْلِمٍ وَهُوَ مُجَرَّدُ وُجُودِ الْمُعَاصَرَةِ.
стр. 7696
٥٥٥٨ - وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي مُوسَى.
ــ
٥٥٥٨ - (وَقَدْ رَوَاهُ) أَيْ: هَذَا الْحَدِيثَ (بَعْضُهُمْ) أَيْ: بَعْضُ الْمُخَرِّجِينَ (عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي مُوسَى) يَعْنِي: فَالْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ مِنْ طَرِيقَةٍ وَاعْتَضَدَ بِإِسْنَادِهِ ; فَإِنَّ الْمُؤَلِّفَ ذَكَرَ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ أَنَّ الْحَسَنَ رَوَى عَنِ الصَّحَابَةِ، كَأَبِي مُوسَى، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ.
стр. 7697
٥٥٥٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلَ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ! فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ قَالَ: لَا يَا رَبِّ! فَيَقُولُ: بَلَى ; إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ ; فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٥٥٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: يَخْتَارُ (رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ) : بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: فَيَفْتَحُ (عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا) : بِكَسْرَتَيْنِ فَتَشْدِيدٍ أَيْ كِتَابًا كَبِيرًا (كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ) أَيْ: كُلُّ كِتَابٍ مِنْهَا طُولُهُ وَعَرْضُهُ مِقْدَارُ مَا يَمْتَدُّ إِلَيْهِ بَصَرُ الْإِنْسَانِ، (ثُمَّ يَقُولُ) أَيِ: الرَّبُّ (أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا) أَيِ: الْمَكْتُوبِ (شَيْئًا) ؟ أَيْ مِمَّا لَا تَفْعَلُهُ (أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي) : بِفَتَحَاتٍ جَمْعُ كَاتِبٍ، وَالْمُرَادُ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ (الْحَافِظُونَ) ؟ أَيْ: لِأَعْمَالِ بَنِي آدَمَ (فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ) : جَوَابٌ لَهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ) ؟ أَيْ: فِيمَا فَعَلْتَهُ مِنْ كَوْنِهِ سَهْوًا أَوْ خَطَأً، أَوْ جَهْلًا وَنَحْوَ ذَلِكَ (قَالَ: لَا يَا رَبِّ! فَيَقُولُ: بَلَى) أَيْ: لَكَ عِنْدَنَا مَا يَقُومُ مَقَامَ عُذْرِكَ (إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً) أَيْ: وَاحِدَةً عَظِيمَةً مَقْبُولَةً تَمْحُو جَمِيعَ مَا عِنْدَكَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وَإِذَا قَالَ اللَّهُ ﷻ وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ لِشَيْءٍ عَظِيمٍ فَهُوَ عَظِيمٌ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَئِنْ كَانَتْ لِي حَسَنَةٌ عِنْدَ اللَّهِ كَفَتْنِي. (وَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ) ، لَعَلَّهُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] أَيْ: بِنُقْصَانِ أَجْرٍ لَكَ وَلَا بِزِيَادَةِ عِقَابٍ عَلَيْكَ، بَلْ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ وَهُوَ إِمَّا بِالْعَدْلِ وَإِمَّا بِالْفَصْلِ، (فَتُخْرَجُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: فَتَظْهَرُ (بِطَاقَةٌ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ أَيْ رُقْعَةٌ صَغِيرَةٌ ثَبَتَ فِيهَا مِقْدَارُ مَا بِهِ، وَيُجْعَلُ فِي الثَّوَابِ إِنْ كَانَ عَيْنًا فَوَزْنُهُ أَوْ عَدَدُهُ، وَإِنْ كَانَ مَتَاعًا فَثَمَنُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُشَدُّ بِطَاقَةٍ مِنْ هُدْبِ الثَّوْبِ فَتَكُونُ التَّاءُ حِينَئِذٍ زَائِدَةً وَهِيَ كَلِمَةٌ كَثِيرَةُ الِاسْتِعْمَالِ بِمِصْرَ، وَيُرْوَى بِالنُّونِ وَهُوَ غَرِيبٌ. (فِيهَا) أَيْ: مَكْتُوبٌ فِي الْبِطَاقَةِ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) ، يَحْتَمِلُ أَنَّ الْكَلِمَةَ هِيَ أَوَّلُ مَا نَطَقَ بِهَا، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْإِقْرَارَ شَرْطُ الْإِيمَانِ أَوْ شَطْرُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ تِلْكَ الْمَرَّةِ مِمَّا وَقَعَتْ مَقْبُولَةً عِنْدَ الْحَضْرَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِي مَادَّةِ الْخُصُوصِ مِنْ عُمُومِ الْأُمَّةِ، (فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ) أَيِ: الْوَزْنَ الَّذِي لَكَ أَوْ وَزْنَ عَمَلِكَ، أَوْ وَقْتَ وَزْنِكَ أَوْ آلَةَ وَزْنِكَ وَهُوَ الْمِيزَانُ ; لِيَظْهَرَ لَكَ انْتِفَاءُ الظُّلْمِ وَظُهُورُ الْعَدْلِ وَتَحَقُّقُ الْعَدْلِ، (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ) أَيِ: الْوَاحِدَةُ (مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ) ؟ أَيِ الْكَثِيرَةِ، وَمَا قَدْرُهَا بِجَنْبِهَا وَمُقَابَلَتِهَا، (فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ) أَيْ: لَا يَقَعُ عَلَيْكَ الظُّلْمُ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ الْوَزْنِ كَيْ يَظْهَرَ أَنْ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ، فَاحْضُرِ الْوَزْنَ، قِيلَ: وَجْهُ مُطَابَقَةِ هَذَا جَوَابًا لِقَوْلِهِ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ أَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ لِلتَّحْقِيرِ، كَأَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَعَ هَذِهِ الْبِطَاقَةِ الْمُحَقَّرَةِ مُوَازَنَةٌ لِتِلْكَ السِّجِلَّاتِ، فَرُدَّ بِقَوْلِهِ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ بِحَقِيرَةٍ، أَيْ: لَا تَحْقِرْ هَذِهِ فَإِنَّهَا
стр. 7698
عَظِيمَةٌ عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ، إِذْ لَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَلَوْ ثَقُلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَظُلِمْتَ، (قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ) : بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ أَيْ: فَرْدَةٍ مِنْ زَوْجَيِ الْمِيزَانِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْكِفَّةُ بِالْكَسْرِ مِنَ الْمِيزَانِ مَعْرُوفٌ وَيُفْتَحُ، (وَالْبِطَاقَةُ) أَيْ: وَتُوضَعُ (فِي كِفَّةٍ) أَيْ: فِي أُخْرَى (فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ) أَيْ: خَفَّتْ (وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ) أَيْ: رَجَحَتْ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُضِيِّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، فَفِي الدُّرِّ أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، يَعْنِي: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] فَقَالَ: لِأَنْ تَفْضُلَ حَسَنَاتِي عَلَى سَيِّئَاتِي مِثْقَالَ ذَرَّةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبِطَاقَةُ وَحْدَهَا غَلَبَتِ السِّجِلَّاتِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَعَ سَائِرِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ، وَلَكِنَّ الْغَلَبَةَ مَا حَصَلَتْ إِلَّا بِبَرَكَةِ هَذِهِ الْبِطَاقَةِ، (فَلَا يَثْقُلُ) : بِالرَّفْعِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْجَزْمِ وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُهُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى، أَيْ: فَلَا يَرْجَحُ وَلَا يَغْلِبُ (مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ) وَالْمَعْنَى: لَا يُقَاوِمُهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَعَاصِي، بَلْ يَتَرَجَّحُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى جَمِيعِ الْمَعَاصِي. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فَإِنْ قِيلَ: الْأَعْمَالُ أَعْرَاضٌ لَا يُمْكِنُ وَزْنُهَا، وَإِنَّمَا تُوزَنُ الْأَجْسَامُ، أُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُوزَنُ السِّجِلُّ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ الْأَعْمَالُ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، أَوْ أَنَّ اللَّهَ يُجَسِّمُ الْأَفْعَالَ وَالْأَقْوَالَ فَتُوزَنُ، فَتَثْقُلُ الطَّاعَاتُ وَتَطِيشُ السَّيِّئَاتُ ; لِثِقَلِ الْعِبَادَةِ عَلَى النَّفْسِ وَخِفَّةِ الْمَعْصِيَةِ عَلَيْهَا ; وَلِذَا وَرَدَ: " «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» ". (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 7699
٥٥٦٠ - «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ: أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ؟ وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ، أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ؟ وَأَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؟ وَعِنْدَ الصِّرَاطِ: إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٥٦٠ - (عَنْ عَائِشَةَ) رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا (أَنَّهَا ذَكَرَتْ) أَيْ: فِي نَفْسِهَا (النَّارَ) أَيْ: نَارَ جَهَنَّمَ (فَبَكَتْ) أَيْ: خَوْفًا مِنْهَا، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا يُبْكِيكِ) ؟ أَيْ: مَا سَبَبُ بُكَائِكِ (قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا) ! أَيْ بِالْخُصُوصِ، وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى فَهِيَ عَامَّةٌ لِلْخَلَائِقِ كُلِّهَا، (عِنْدَ الْمِيزَانِ) ، قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: الْمِيزَانُ حَقٌّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] يُوضَعُ مِيزَانُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ يُوزَنُ بِهِ الصَّحَائِفُ الَّتِي يَكُونُ مَكْتُوبًا فِيهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ، وَلَهُ كِفَّتَانِ إِحْدَاهُمَا لِلْحَسَنَاتِ وَالْأُخْرَى لِلسَّيِّئَاتِ، وَعَنِ الْحَسَنِ: لَهُ كِفَّتَانِ وَلِسَانٌ، وَذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، (حَتَّى يَعْلَمَ) أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ (أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ) ؟ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ أَحَدٍ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ نَبِيٌّ وَلَا مُرْسَلٌ (وَعِنْدَ الْكِتَابِ) أَيْ: تَطَايُرِهِ أَوْ عِنْدَ عَطَائِهِ (حِينَ يُقَالُ) أَيْ: يَقُولُ مَنْ يُعْطَى بِيَمِينِهِ (هَاؤُمُ) أَيْ: خُذُوا (اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) : تَنَازُعٌ فِيهِ لِفِعْلَانِ وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ لِبَيَانِ يَاءِ الْإِضَافَةِ (حَتَّى يَعْلَمَ: أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ، أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؟) . كَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي أَكْثَرِهَا: أَوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ: أَمْ بَدَلُ (أَوْ) ، وَالْأَوَّلُ أَوْفَقُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ مَعْنَى الْآيَتَيْنِ: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] ، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ - فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا - وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٠ - ١٢] الْكَشَّافُ، قِيلَ: يُغَلُّ يُمْنَاهُ إِلَى عُنُقِهِ،
стр. 7700
وَتُجْعَلُ شِمَالُهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَيُؤْتَى كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَقِيلَ: تُخْلَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀. (وَعِنْدَ الصِّرَاطِ: إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ) أَيْ: وَسَطَهَا وَفَوْقَهَا، وَالْمَعْنَى: حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ نَجَا بِالْمُرُورِ مِنْهَا وَالْوُرُودِ عَنْهَا أَوْ وَقَعَ وَسَقَطَ وَزَلَّ فِيهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا - ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] . قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّهُ جِسْرٌ مَمْدُودٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ يَمُرُّ عَلَيْهِ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَالْمُؤْمِنُونَ يَنْجُونَ عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ، وَالْآخَرُونَ يَسْقُطُونَ فِيهَا، عَافَانَا اللَّهُ الْكَرِيمُ، وَالْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالسَّلَفُ يَقُولُونَ: إِنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، وَهَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ ﵀: أَيْ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ.
стр. 7701
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٥٦١ - «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يَكْذِبُونَنِي، وَيَخُونُونَنِي وَيَعْصُونَنِي، وَأَشْتِمُهُمْ وَأَضْرِبُهُمْ، فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوكَ، وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذَنْبِهِمْ كَانَ فَضْلًا لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمْ، اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ. فَتَنَحَّى الرَّجُلُ، وَجَعَلَ يَهْتِفُ وَيَبْكِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] . فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَجِدُ لِي وَلِهَؤُلَاءِ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ، أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَحْرَارٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٥٦١ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: قُدَّامَهُ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ) : بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ مَمَالِيكَ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ، (يَكْذِبُونَنِي) أَيْ: يَكْذِبُونَ فِي أَخْبَارِهِمْ لِي (وَيَخُونُونَنِي) أَيْ: فِي مَالِي (وَيَعْصُونَنِي) أَيْ: فِي أَمْرِي وَنَهْيِي، (وَأَشْتِمُهُمْ) : بِكَسْرِ التَّاءِ وَيُضَمُّ، فَفِي الْمِصْبَاحِ: شَتَمَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَفِي الْقَامُوسِ: مِنْ بَابِ نَصَرَ أَيْضًا، أَيْ أَسُبُّهُمْ (وَأَضْرِبُهُمْ) أَيْ: ضَرْبَ تَأْدِيبٍ (فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ) ؟ أَيْ كَيْفَ يَكُونُ حَالِي مِنْ أَجْلِهِمْ وَبِسَبَبِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوكَ) أَيْ: مِقْدَارُهَا (وَعِقَابُكَ) : عَطْفٌ عَلَى مَا خَانُوكَ، أَيْ: وَيُحْسَبُ أَيْضًا قَدْرُ شَتْمِكَ وَضَرْبِكَ إِيَّاهُمْ، (فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ) أَيْ: عُرْفًا وَعَادَةً (كَانَ) أَيْ: أَمْرُكَ (كَفَافًا) : بِفَتْحِ الْكَافِ، فَفِي الْقَامُوسِ: كَفَافُ الشَّيْءِ كَسَحَابٍ مِثْلُهُ، وَمِنَ الرِّزْقِ مَا كَفَّ عَنِ النَّاسِ وَأَغْنَى. وَفِي النِّهَايَةِ: الْكَفَافُ الَّذِي لَا يَفْضُلُ عَنِ الشَّيْءِ وَيَكُونُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْأَنْسَبُ بِالْمَقَامِ ; وَلِذَا قَالَ بَيَانًا لَهُ: (لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ) أَيْ: لَيْسَ لَكَ فِيهِ ثَوَابٌ وَلَا عَلَيْكَ فِيهِ عِقَابٌ، بَلْ فِعْلُهُ مُبَاحٌ لَيْسَ عَلَيْكَ جُنَاحٌ، (فَإِنْ) : وَفِي نُسْخَةٍ وَإِنْ (كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذَنْبِهِمْ) أَيْ: أَقَلَّ مِنْهُ (كَانَ فَضْلًا لَكَ) أَيْ: عَلَيْهِمْ ; فَإِنْ قَصَدْتَ الثَّوَابَ تُجْزِيهِ وَإِلَّا فَلَا، (وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمْ) : بِالْجَمْعِ هُنَا وَبِالْإِفْرَادِ فِيمَا سَبَقَ، الْمُرَادُ مِنْهُ الْجِنْسُ تَفَنُّنٌ فِي الْكَلَامِ أَيْ: أَكْثَرَ مِنْهُ (اقْتُصَّ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أُخِذَ بِمِثْلِهِ (لَهُمْ) أَيْ: لِأَجْلِهِمْ (مِنْكَ الْفَضْلُ) أَيِ: الزِّيَادَةُ، (فَتَنَحَّى الرَّجُلُ) أَيْ: بَعُدَ عَنِ الْمَجْلِسِ (وَجَعَلَ يَهْتِفُ) : بِكَسْرِ التَّاءِ أَيْ: شَرَعَ يَصِيحُ (وَيَبْكِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الفاتحة: ٤٧ - ١٩٨٢٩] أَيْ: ذَوَاتِ الْقِسْطِ
стр. 7702
وَهُوَ الْعَدْلُ (لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَاللَّامُ لِلتَّوْقِيتِ ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] أَيْ: قَلِيلًا مِنَ الظُّلْمِ (وَإِنْ كَانَ) أَيِ: الْعَمَلُ وَالظُّلْمُ (مِثْقَالَ حَبَّةٍ) أَيْ: مِقْدَارَهَا، وَهُوَ بِالنَّصْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ كَانَ نَاقِصَةٌ، وَرَفْعُ مِثْقَالٍ عَلَى كَانَ التَّامَّةِ، ﴿مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧] أَيْ: أَحْضَرْنَاهَا وَالضَّمِيرُ لِلْمِثْقَالِ وَتَأْنِيثُهُ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْحَبَّةِ ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ; إِذْ لَا مَزِيدَ عَلَى عِلْمِنَا وَوَعْدِنَا، (فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَجِدُ لِي وَلِهَؤُلَاءِ) أَيِ: الْمَمْلُوكِينَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي (شَيْئًا) أَيْ: مَخْلَصًا (خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ) أَيْ: مِنْ مُفَارَقَتِي إِيَّاهُمْ ; لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى مُرَاعَاةِ الْمُحَاسَبَةِ وَالْمُطَالَبَةِ عَسِرٌ جِدًّا (أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ) : بِالنَّصْبِ عَلَى التَّأْكِيدِ، وَيَجُورُ رَفْعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: (أَحْرَارٌ) ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ; حَيْثُ قُرِئَ بِالْوَجْهَيْنِ فِي السَّبْعَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7703
٥٥٦٢ - «وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ: " اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا " قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! مَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ قَالَ: " أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابِهِ فَيَتَجَاوَزُ اللَّهُ عَنْهُ، إِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ يَا عَائِشَةُ هَلَكَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٥٥٦٢ - (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ) أَيْ: مِنَ الْفَرَائِضِ أَوِ النَّوَافِلِ، أَوْ فِي بَعْضِ أَجْزَائِهَا مِنْ أَوَّلِ الْقِيَامِ أَوِ الرُّكُوعِ، أَوِ الْقَوْمَةِ أَوِ السُّجُودِ، أَوِ الْقَعْدَةِ. (اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا) : وَهَذَا إِمَّا تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ وَتَنْبِيهٌ لَهُمْ عَنْ نَوْمِ الْغَفْلَةِ، وَإِمَّا تَلَذُّذٌ بِمَا يَقَعُ لَهُ مِنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ وَإِمَّا خَشْيَةٌ لَهُ ; كَمَا يَقْتَضِيهِ مَقَامُهُ مِنْ مَعْرِفَةِ رَبِّ الْعِزَّةِ، وَذُهُولُهُ عَنْ مَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ وَمَنْزِلَةِ الْعِصْمَةِ. (قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! مَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ قَالَ: أَنْ يَنْظُرَ) أَيِ: الْعَبْدُ (فِي كِتَابِهِ فَيَتَجَاوَزُ) : بِالرَّفْعِ وَيُنْصَبُ أَيِ (اللَّهُ عَنْهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِيهِمَا (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَيِ: الْمُحَاسَبَةَ وَالْمُضَايَقَةَ فِي الْمُطَالَبَةِ (يَوْمَئِذٍ يَا عَائِشَةُ هَلَكَ) أَيْ: عُذِّبَ، فَفِي الصِّحَاحِ: الْمُنَاقَشَةُ الِاسْتِقْصَاءُ. وَفِي الْحَدِيثِ: " «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ» " وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ طُرُقِهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . قَالَ السَّيِّدُ: وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. قُلْتُ: فِي الدُّرِّ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
стр. 7704
٥٥٦٣ - «وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَنْ يَقْوَى عَلَى الْقِيَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الَّذِي قَالَ اللَّهُ : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] ؟ فَقَالَ: يُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ» .
ــ
٥٥٦٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَنْ يَقْوَى عَلَى الْقِيَامِ) أَيْ: عَلَى الْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ أَيْ: فِي حَقِّهِ، فَالْمَوْصُولُ صِفَةٌ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، أَيْ: يَوْمَ يَتَجَلَّى سُبْحَانَهُ بِجَلَالِهِ وَهَيْبَتِهِ، وَيُظْهِرُ سَطَوَاتِ قَهْرِهِ عَلَى الْجَبَّارِينَ، وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] بَكَى نَحِيبًا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى قِرَاءَةِ مَا بَعْدَهُ، (فَقَالَ: يُخَفَّفُ) أَيْ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ (عَلَى الْمُؤْمِنِ) أَيِ: الْكَامِلِ أَوِ الْمُصَلِّي (حَتَّى يَكُونَ) أَيْ: طُولُهُ (عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ) أَيْ: كَمِقْدَارِ أَدَائِهَا أَوْ قَدْرَ وَقْتِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ - فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا - إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا - وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٤ - ٧] ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ - فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ - عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٨ - ١٠] . فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يَصِيرُ يَسِيرًا إِمَّا فِي الْكَمِّيَّةِ، وَإِمَّا فِي الْكَيْفِيَّةِ، وَإِمَّا فِيهِمَا جَمِيعًا، حَتَّى بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِهِمْ يَكُونُ هُوَ كَسَاعَةٍ، وَهُمْ مَنْ جَعَلُوا الدُّنْيَا سَاعَةً وَكَسَبُوا فِيهَا طَاعَةً.
стр. 7705
٥٥٦٤ - وَعَنْهُ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] مَا طُولُ هَذَا الْيَوْمِ؟ فَقَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا» ". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ (الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) .
ــ
٥٥٦٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] مَا طُولُ هَذَا الْيَوْمِ) ؟ أَيْ: مَا حَالُ النَّاسِ فِي طُولِ هَذَا الْيَوْمِ فَهَلْ يَسْتَطِيعُونَ الْقِيَامَ فِيهِ مَعَ طُولِهِ (فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ) أَيِ: الْكَامِلِ (حَتَّى يَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ) أَيْ: مِنْ أَدَائِهَا أَوْ قِيَامِهَا (يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا. رَوَاهُمَا) . أَيِ الْحَدِيثَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) .
следующие страницы →