Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.
стр. 7701
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٥٦١ - «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يَكْذِبُونَنِي، وَيَخُونُونَنِي وَيَعْصُونَنِي، وَأَشْتِمُهُمْ وَأَضْرِبُهُمْ، فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوكَ، وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذَنْبِهِمْ كَانَ فَضْلًا لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمْ، اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ. فَتَنَحَّى الرَّجُلُ، وَجَعَلَ يَهْتِفُ وَيَبْكِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] . فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَجِدُ لِي وَلِهَؤُلَاءِ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ، أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَحْرَارٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٥٦١ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: قُدَّامَهُ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ) : بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ مَمَالِيكَ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ، (يَكْذِبُونَنِي) أَيْ: يَكْذِبُونَ فِي أَخْبَارِهِمْ لِي (وَيَخُونُونَنِي) أَيْ: فِي مَالِي (وَيَعْصُونَنِي) أَيْ: فِي أَمْرِي وَنَهْيِي، (وَأَشْتِمُهُمْ) : بِكَسْرِ التَّاءِ وَيُضَمُّ، فَفِي الْمِصْبَاحِ: شَتَمَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَفِي الْقَامُوسِ: مِنْ بَابِ نَصَرَ أَيْضًا، أَيْ أَسُبُّهُمْ (وَأَضْرِبُهُمْ) أَيْ: ضَرْبَ تَأْدِيبٍ (فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ) ؟ أَيْ كَيْفَ يَكُونُ حَالِي مِنْ أَجْلِهِمْ وَبِسَبَبِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوكَ) أَيْ: مِقْدَارُهَا (وَعِقَابُكَ) : عَطْفٌ عَلَى مَا خَانُوكَ، أَيْ: وَيُحْسَبُ أَيْضًا قَدْرُ شَتْمِكَ وَضَرْبِكَ إِيَّاهُمْ، (فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ) أَيْ: عُرْفًا وَعَادَةً (كَانَ) أَيْ: أَمْرُكَ (كَفَافًا) : بِفَتْحِ الْكَافِ، فَفِي الْقَامُوسِ: كَفَافُ الشَّيْءِ كَسَحَابٍ مِثْلُهُ، وَمِنَ الرِّزْقِ مَا كَفَّ عَنِ النَّاسِ وَأَغْنَى. وَفِي النِّهَايَةِ: الْكَفَافُ الَّذِي لَا يَفْضُلُ عَنِ الشَّيْءِ وَيَكُونُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْأَنْسَبُ بِالْمَقَامِ ; وَلِذَا قَالَ بَيَانًا لَهُ: (لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ) أَيْ: لَيْسَ لَكَ فِيهِ ثَوَابٌ وَلَا عَلَيْكَ فِيهِ عِقَابٌ، بَلْ فِعْلُهُ مُبَاحٌ لَيْسَ عَلَيْكَ جُنَاحٌ، (فَإِنْ) : وَفِي نُسْخَةٍ وَإِنْ (كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذَنْبِهِمْ) أَيْ: أَقَلَّ مِنْهُ (كَانَ فَضْلًا لَكَ) أَيْ: عَلَيْهِمْ ; فَإِنْ قَصَدْتَ الثَّوَابَ تُجْزِيهِ وَإِلَّا فَلَا، (وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمْ) : بِالْجَمْعِ هُنَا وَبِالْإِفْرَادِ فِيمَا سَبَقَ، الْمُرَادُ مِنْهُ الْجِنْسُ تَفَنُّنٌ فِي الْكَلَامِ أَيْ: أَكْثَرَ مِنْهُ (اقْتُصَّ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أُخِذَ بِمِثْلِهِ (لَهُمْ) أَيْ: لِأَجْلِهِمْ (مِنْكَ الْفَضْلُ) أَيِ: الزِّيَادَةُ، (فَتَنَحَّى الرَّجُلُ) أَيْ: بَعُدَ عَنِ الْمَجْلِسِ (وَجَعَلَ يَهْتِفُ) : بِكَسْرِ التَّاءِ أَيْ: شَرَعَ يَصِيحُ (وَيَبْكِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الفاتحة: ٤٧ - ١٩٨٢٩] أَيْ: ذَوَاتِ الْقِسْطِ
стр. 7702
وَهُوَ الْعَدْلُ (لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَاللَّامُ لِلتَّوْقِيتِ ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] أَيْ: قَلِيلًا مِنَ الظُّلْمِ (وَإِنْ كَانَ) أَيِ: الْعَمَلُ وَالظُّلْمُ (مِثْقَالَ حَبَّةٍ) أَيْ: مِقْدَارَهَا، وَهُوَ بِالنَّصْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ كَانَ نَاقِصَةٌ، وَرَفْعُ مِثْقَالٍ عَلَى كَانَ التَّامَّةِ، ﴿مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧] أَيْ: أَحْضَرْنَاهَا وَالضَّمِيرُ لِلْمِثْقَالِ وَتَأْنِيثُهُ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْحَبَّةِ ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ; إِذْ لَا مَزِيدَ عَلَى عِلْمِنَا وَوَعْدِنَا، (فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَجِدُ لِي وَلِهَؤُلَاءِ) أَيِ: الْمَمْلُوكِينَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي (شَيْئًا) أَيْ: مَخْلَصًا (خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ) أَيْ: مِنْ مُفَارَقَتِي إِيَّاهُمْ ; لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى مُرَاعَاةِ الْمُحَاسَبَةِ وَالْمُطَالَبَةِ عَسِرٌ جِدًّا (أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ) : بِالنَّصْبِ عَلَى التَّأْكِيدِ، وَيَجُورُ رَفْعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: (أَحْرَارٌ) ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ; حَيْثُ قُرِئَ بِالْوَجْهَيْنِ فِي السَّبْعَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7703
٥٥٦٢ - «وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ: " اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا " قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! مَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ قَالَ: " أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابِهِ فَيَتَجَاوَزُ اللَّهُ عَنْهُ، إِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ يَا عَائِشَةُ هَلَكَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٥٥٦٢ - (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ) أَيْ: مِنَ الْفَرَائِضِ أَوِ النَّوَافِلِ، أَوْ فِي بَعْضِ أَجْزَائِهَا مِنْ أَوَّلِ الْقِيَامِ أَوِ الرُّكُوعِ، أَوِ الْقَوْمَةِ أَوِ السُّجُودِ، أَوِ الْقَعْدَةِ. (اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا) : وَهَذَا إِمَّا تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ وَتَنْبِيهٌ لَهُمْ عَنْ نَوْمِ الْغَفْلَةِ، وَإِمَّا تَلَذُّذٌ بِمَا يَقَعُ لَهُ مِنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ وَإِمَّا خَشْيَةٌ لَهُ ; كَمَا يَقْتَضِيهِ مَقَامُهُ مِنْ مَعْرِفَةِ رَبِّ الْعِزَّةِ، وَذُهُولُهُ عَنْ مَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ وَمَنْزِلَةِ الْعِصْمَةِ. (قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! مَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ قَالَ: أَنْ يَنْظُرَ) أَيِ: الْعَبْدُ (فِي كِتَابِهِ فَيَتَجَاوَزُ) : بِالرَّفْعِ وَيُنْصَبُ أَيِ (اللَّهُ عَنْهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِيهِمَا (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَيِ: الْمُحَاسَبَةَ وَالْمُضَايَقَةَ فِي الْمُطَالَبَةِ (يَوْمَئِذٍ يَا عَائِشَةُ هَلَكَ) أَيْ: عُذِّبَ، فَفِي الصِّحَاحِ: الْمُنَاقَشَةُ الِاسْتِقْصَاءُ. وَفِي الْحَدِيثِ: " «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ» " وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ طُرُقِهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . قَالَ السَّيِّدُ: وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. قُلْتُ: فِي الدُّرِّ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
стр. 7704
٥٥٦٣ - «وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَنْ يَقْوَى عَلَى الْقِيَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الَّذِي قَالَ اللَّهُ : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] ؟ فَقَالَ: يُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ» .
ــ
٥٥٦٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَنْ يَقْوَى عَلَى الْقِيَامِ) أَيْ: عَلَى الْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ أَيْ: فِي حَقِّهِ، فَالْمَوْصُولُ صِفَةٌ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، أَيْ: يَوْمَ يَتَجَلَّى سُبْحَانَهُ بِجَلَالِهِ وَهَيْبَتِهِ، وَيُظْهِرُ سَطَوَاتِ قَهْرِهِ عَلَى الْجَبَّارِينَ، وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] بَكَى نَحِيبًا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى قِرَاءَةِ مَا بَعْدَهُ، (فَقَالَ: يُخَفَّفُ) أَيْ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ (عَلَى الْمُؤْمِنِ) أَيِ: الْكَامِلِ أَوِ الْمُصَلِّي (حَتَّى يَكُونَ) أَيْ: طُولُهُ (عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ) أَيْ: كَمِقْدَارِ أَدَائِهَا أَوْ قَدْرَ وَقْتِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ - فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا - إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا - وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٤ - ٧] ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ - فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ - عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٨ - ١٠] . فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يَصِيرُ يَسِيرًا إِمَّا فِي الْكَمِّيَّةِ، وَإِمَّا فِي الْكَيْفِيَّةِ، وَإِمَّا فِيهِمَا جَمِيعًا، حَتَّى بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِهِمْ يَكُونُ هُوَ كَسَاعَةٍ، وَهُمْ مَنْ جَعَلُوا الدُّنْيَا سَاعَةً وَكَسَبُوا فِيهَا طَاعَةً.
стр. 7705
٥٥٦٤ - وَعَنْهُ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] مَا طُولُ هَذَا الْيَوْمِ؟ فَقَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا» ". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ (الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) .
ــ
٥٥٦٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] مَا طُولُ هَذَا الْيَوْمِ) ؟ أَيْ: مَا حَالُ النَّاسِ فِي طُولِ هَذَا الْيَوْمِ فَهَلْ يَسْتَطِيعُونَ الْقِيَامَ فِيهِ مَعَ طُولِهِ (فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ) أَيِ: الْكَامِلِ (حَتَّى يَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ) أَيْ: مِنْ أَدَائِهَا أَوْ قِيَامِهَا (يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا. رَوَاهُمَا) . أَيِ الْحَدِيثَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) .
стр. 7706
٥٥٦٥ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵂ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «يُحْشَرُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُنَادِي مُنَادٍ يَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ؟ فَيَقُومُونَ، وَهُمْ قَلِيلٌ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِسَائِرِ النَّاسِ إِلَى الْحِسَابِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
٥٥٦٥ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ) أَيِ: ابْنِ السَّكَنِ بِفَتْحَتَيْنِ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يُحْشَرُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ) أَيْ: مَكَانٍ (وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنَادَى) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَيُنَادِي (مُنَادٍ يَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ) أَيْ: تَتَنَحَّى وَتَتَبَاعَدُ (عَنِ الْمَضَاجِعِ) ؟ وَفِي الْإِسْنَادِ مَجَازٌ وَمُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى، إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [السجدة: ١٦] أَيْ دَاعِينَ رَبَّهُمْ عَابِدِينَ لَهُ خَوْفًا وَطَمَعًا أَيْ مِنْ سُخْطِهِ، وَفِي رَحْمَتِهِ، أَوْ نَارِهِ وَفِي جَنَّتِهِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِمْ، فَقِيلَ: هُمُ الْمُجْتَهِدُونَ، وَقِيلَ: هُمُ الْأَوَّابُونَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِمْ مَنْ يُصَلِّي الْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، (فَيَقُومُونَ) أَيْ: فَيُظْهِرُونَ الْقِيَامَ وَيَتَمَيَّزُونَ عَنْ سَائِرِ الْأَنَامِ (وَهُمْ قَلِيلٌ) أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. قَالَ تَعَالَى ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ، وَقَالَ : ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] ، (فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) : يَحْتَمِلُ صِيغَتَيِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ (بِغَيْرِ حِسَابٍ) ; لِأَنَّهُمْ صَبَرُوا عَلَى مَرَارَةِ الطَّاعَةِ وَتَرْكِ لَذَّةِ الرَّاحَةِ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ، (ثُمَّ يُؤْمَرُ بِسَائِرِ النَّاسِ إِلَى الْحِسَابِ) أَيِ: الْمُحَاسَبَةِ وَالْمُنَاقَشَةِ وَالْعَذَابِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 7707
[بَابُ الْحَوْضِ وَالشَّفَاعَةِ]
стр. 7708
[٤] بَابُ الْحَوْضِ وَالشَّفَاعَةِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥٦٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، فَإِذَا طِينُهُ مِسْكٌ أَذْفَرُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[٤] بَابُ الْحَوْضِ وَالشَّفَاعَةِ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوْضَانِ: أَحَدُهُمَا فِي الْمَوْقِفِ قَبْلَ الصِّرَاطِ، وَالثَّانِي فِي الْجَنَّةِ، وَكِلَاهُمَا يُسَمَّى كَوْثَرًا، وَالْكَوْثَرُ فِي كَلَامِهِمُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ، ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنَّ الْحَوْضَ قَبْلَ الْمِيزَانِ ; فَإِنَّ النَّاسَ يَخْرُجُونَ عِطَاشًا مِنْ قُبُورِهِمْ ; فَيُقَدَّمُ الْحَوْضُ قَبْلَ الْمِيزَانِ، وَكَذَا حِيَاضُ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْمَوْقِفِ. قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا، وَأَنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُهُمْ وَارِدَةً، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَمُرَةَ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الشَّفْعُ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى مِثْلِهِ، وَمِنْهُ الشَّفَاعَةُ وَهُوَ الِانْضِمَامُ إِلَى آخَرَ نَاصِرًا لَهُ وَسَائِرًا عَنْهُ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي انْضِمَامِ مَنْ هُوَ أَعْلَى مَرْتَبَةً إِلَى مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنْهُ، وَالشَّفَاعَةُ فِي الْقِيَامَةِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥٦٦ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذَا) : بِالْأَلِفِ (أَنَا بِنَهَرٍ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ جَدْوَلٍ (حَافَتَاهُ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ جَانِبَاهُ وَطَرَفَاهُ (قِبَابُ الدُّرِّ) : بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ قُبَّةٍ بِالضَّمِّ أَيْ: خَيْمِ اللُّؤْلُؤِ (الْمُجَوَّفِ) : الَّذِي لَهُ جَوْفٌ وَفِي وَسَطِهِ خَلَاءٌ يُسْكَنُ فِيهِ، (قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ) ؟ أَيِ: النَّهْرُ الْمَذْكُورُ عَلَى الْوَصْفِ الْمَسْطُورِ (قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ) : إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] وَهُوَ فَوَعْلٌ مِنَ الْكَثْرَةِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي أَعْطَاهُ رَبُّهُ مِنَ الْقُرْآنِ أَوِ النُّبُوَّةِ، أَوْ كَثْرَةِ الْأُمَّةِ، أَوْ سَائِرِ الْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ، وَمِنْهَا: الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ، وَاللِّوَاءُ الْمَمْدُودُ، وَالْحَوْضُ الْمَوْرُودُ، وَلَا مُنَافَاةَ، بَلِ الْكُلُّ دَاخِلٌ فِي الْكَوْثَرِ، وَإِنْ كَانَ اشْتِهَارُهُ فِي مَعْنَى الْحَوْضِ أَكْثَرَ. (فَإِذَا طِينُهُ مِسْكٌ أَذْفَرُ) أَيْ: شَدِيدُ الرَّائِحَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ طَيِّبُ الرِّيحِ، وَالذَّفَرُ بِالتَّحْرِيكِ يَقَعُ عَلَى الطَّيِّبِ وَالْكَرِيهِ، وَيُفْرَقُ بَيْنَهُمَا بِمَا يُضَافُ إِلَيْهِ وَيُوصَفُ بِهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7709
٥٥٦٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ يَشْرَبُ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٦٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَوْضِي) أَيْ: مِقْدَارُهُ (مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ) : جَمْعُ زَاوِيَةٍ، وَهِيَ الْجَانِبُ وَالنَّاحِيَةُ، أَيْ: أَطْرَافُ حَوْضِي (سَوَاءٌ) أَيْ: مُرَبَّعٌ مُسْتَوٍ لَا يَزِيدُ طُولُهُ عَلَى عَرْضِهِ، وَقِيلَ: عُمْقُهُ أَيْضًا (مَاؤُهُ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: النَّحْوِيُّونَ يَقُولُونَ: لَا يُبْنَى فِعْلُ التَّعَجُّبِ وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِنَ الْأَلْوَانِ وَالْعُيُوبِ، بَلْ يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ بِنَحْوِ أَشَدَّ وَأَبْلَغَ، فَلَا يُقَالُ: مَا أَبْيَضَ زَيْدًا! وَلَا: زَيْدٌ أَبْيَضُ مِنْ عَمْرٍو، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ وَحُجَّةٌ عَلَى مَنْ مَنَعُوهُ، وَهِيَ لُغَةٌ وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الِاسْتِعْمَالِ. (وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ) : جَمْعُ كُوزٍ (كَنُجُومِ السَّمَاءِ) أَيْ: فِي الْكَثْرَةِ وَالنُّورَانِيَّةِ (مَنْ يَشْرَبُ) : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَزْمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّ (مَنْ) مَوْصُولَةٌ، وَمَجْزُومًا عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ: (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ كِيزَانِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْهُ، أَيْ: مِنَ الْحَوْضِ، أَوْ مِنْ مَائِهِ (فَلَا يَظْمَأُ) : بِرَفْعِ الْهَمْزَةِ وَقِيلَ بِالْجَزْمِ، أَيْ: فَلَا يَعْطَشُ (أَبَدًا) ، فَيَكُونُ شُرْبُهُ فِي الْجَنَّةِ تَلَذُّذًا كَأَكْلِهِ تَنَعُّمًا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ لَكَ أَنْ لَا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٧ - ١١٩] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7710
٥٥٦٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: " نَعَمْ لَكُمْ سِيمَاءُ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥٦٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ حَوْضِي) أَيْ: بُعْدَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْ حَوْضِي (أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ، أَيْ: أَزْيَدُ مِنْ بُعْدِ أَيْلَةَ، وَهِيَ بَلْدَةٌ عَلَى السَّاحِلِ مِنْ آخِرِ بِلَادِ الشَّامِ مِمَّا يَلِي بَحْرَ الْيَمَنِ (مِنْ عَدَنٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ يُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ، وَهُوَ آخِرُ بِلَادِ الْيَمَنِ مِمَّا يَلِي بَحْرَ الْهِنْدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: (مِنْ) الْأُولَى مُتَعَلِّقَةٌ بِأَبْعَدَ، وَالثَّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِبُعْدٍ مُقَدَّرٍ، ثُمَّ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ الْخَبَرِ الْآتِي: مَا بَيْنَ
стр. 7711
عَدَنٍ وَعُمَّانَ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، اسْمُ بَلَدٍ بِالشَّامِ وَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْإِخْبَارَ عَلَى طَرِيقِ التَّقْرِيبِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّحْدِيدِ وَالتَّفَاوُتِ بَيْنَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّامِعِينَ فِي الْإِحَاطَةِ بِهِ عِلْمًا. قَالَ الْقَاضِي ﵀: اخْتِلَافُ الْأَحَادِيثِ فِي مِقْدَارِ الْحَوْضِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّرَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّخْمِينِ، لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى حَسَبِ مَا رَوَاهُ وَعَرَفَهُ. (لَهُوَ) : بِضَمِّ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ وَاللَّامُ لِلِابْتِدَاءِ، أَيْ: لَحَوْضِي (أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ) ، وَلَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى الثَّلْجَ فِي أَرْضِ الشَّامِ (وَأَحْلَى) أَيْ: أَلَذُّ (مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ) أَيِ: الْمَخْلُوطِ بِهِ (وَلَآنِيَتُهُ) : جَمْعُ إِنَاءٍ، أَيْ: وَلَظُرُوفُهُ مِنْ كِيزَانِهِ وَغَيْرِهَا (أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَصُدُّ) أَيْ: أَدْفَعُ وَأَمْنَعُ (النَّاسَ) أَيِ: الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ (عَنْهُ) أَيِ: الْحَوْضِ (كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ) أَيِ: الرَّاعِي (إِبِلَ النَّاسِ) أَيِ: الْأَجَانِبِ (عَنْ حَوْضِهِ) أَيْ: صِيَانَةً عَنِ الْمُشَارَكَةِ وَالْمُحَافَظَةِ (قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (أَتَعْرِفُنَا) أَيْ: تُمَيِّزُنَا مِنْ غَيْرِنَا (يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا) : بِالْقَصْرِ وَقَدْ يُمَدُّ وَهُوَ الْعَلَامَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ آثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] ، (لَيْسَتْ) أَيْ: تِلْكَ السِّيمَا (لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ) ; إِذِ الْمَقْصُودُ التَّمْيِيزُ بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ (تَرِدُونَ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ مِنَ الْوُرُودِ أَيْ: تَمُرُّونَ (عَلَيَّ غُرًّا) : جَمْعُ الْأَغَرِّ، وَهُوَ مَنْ فِي جَبْهَتِهِ بَيَاضٌ (مُحَجَّلِينَ) : بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ الْمَفْتُوحَةِ جَمْعُ مُحَجَّلٍ، وَهُوَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بَيَاضٌ (مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ) : بِضَمِّ الْوَاوِ أَيِ اسْتِعْمَالِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ، أَيْ: مَاءِ الْوُضُوءِ، وَنَصْبُهُمَا عَلَى الْحَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسِّيمَا مَا ذُكِرَ مِنَ الْوَصْفَيْنِ ; فَهُمَا مِنْ مُخْتَصَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ مَوْجُودًا فِي كَوْنِ الْوُضُوءِ هَلْ كَانَ لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ أَوْ لَا؟ وَإِنَّمَا كَانَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَانَ أَيْضًا لِلْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دُونَ أُمَمِهِمْ، وَفِي هَذَا فَضِيلَةٌ عُظْمَى وَمَرْتَبَةٌ كُبْرَى لِلْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 7712
٥٥٦٩ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: " «تَرَى فِيهِ أَبَارِيقَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ» ".
ــ
٥٥٦٩ - (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ: لِمُسْلِمٍ (عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: تُرَى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فِيهِ) أَيْ: فِي حَوْضِي (أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) : لَعَلَّ اخْتِلَافَ الْوَصْفَيْنِ بِاخْتِلَافِ مَرَاتِبِ الشَّارِبِينَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ (كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ) أَيْ: مِنْ كَثْرَتِهَا.
стр. 7713
٥٥٧٠ - وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: سُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ، فَقَالَ: " «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ يَغُتُّ، فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ: أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالْآخَرُ مِنْ وَرِقٍ» ".
ــ
٥٥٧٠ - (وَفِي أُخْرَى لَهُ) أَيْ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ (عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: سُئِلَ: أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ (عَنْ شَرَابِهِ) أَيْ: صِفَةِ مَشْرُوبِهِ (فَقَالَ: أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ يَغُتُّ) : بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتُكْسَرُ وَبِتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ، أَيْ: يَصُبُّ وَيَسِيلُ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْحَوْضِ (مِيزَابَانِ) ، قَالَ الْقَاضِي ﵀: أَيْ يَدْفُقُ دَفْقًا مُتَتَابِعًا دَائِمًا بِقُوَّةٍ، فَكَأَنَّهُ مِنْ ضَغْطِ الْمَاءِ لِكَثْرَتِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ، وَأَصْلُ الْغَتِّ الضَّغْطُ وَالْمِيزَابُ بِكَسْرِ الْمِيمِ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى: بِفَتْحِهَا أَيْضًا مِنْ وَزَبَ الْمَاءُ أَيْ سَالَ، فَأَصْلُ مِيزَابٍ نِوْزَابٍ، قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ فَتْحِ الْمِيمِ، فَفِي الْقَامُوسِ: أَزَبَ الْمَاءُ كَضَرَبَ جَرَى وَمِنْهُ الْمِيزَابُ، أَوْ هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، أَيْ: بُلِ الْمَاءَ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُهْمَزَ الْمِيزَابُ وَأَنْ يُبْدَلَ هَمْزُهُ يَاءً، وَقَالَ أَيْضًا: وَزَبَ الْمَاءُ سَالَ وَمِنْهُ الْمِيزَابُ، أَوْ هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَمَعْنَاهُ بُلِ الْمَاءِ، فَعَرَّبُوهُ بِالْهَمْزِ ; وَلِهَذَا جَمَعُوهُ مَآزِيبَ. (يَمُدَّانِهِ) : بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، أَيْ: يَزِيدَانِ الْحَوْضَ فِي مَائِهِ (مِنَ الْجَنَّةِ) أَيْ: مِنْ أَنْهَارِهَا، أَوْ مِنَ الْحَوْضِ الَّذِي لَهُ فِي الْجَنَّةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالنَّهْرِ الْكَوْثَرِ (أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالْآخَرُ مِنْ وَرِقٍ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ، أَيْ: مِنْ فِضَّةٍ، وَالْقَصْدُ بِهِمَا الزِّينَةُ بِاخْتِلَافِ لَوْنِ الْأَصْفَرِ وَالْأَبْيَضِ، لَا لِكَوْنِ الذَّهَبِ عَزِيزَ الْوُجُودِ هُنَاكَ قِيَاسًا عَلَى مَا فِي الدُّنْيَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِيزَابُ الذَّهَبِ مِنْ نَهْرِ الْعَسَلِ، وَمِيزَابُ الْفِضَّةِ مِنْ نَهْرِ اللَّبَنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِنَ الْمَاءِ، وَالْآخَرُ مِنَ الْعَسَلِ، أَوِ اللَّبَنُ يُخْلَطُ بِهِ فِي الْحَوْضِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7714
٥٥٧١ - وَعَنْ سَهْلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونَنِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٧١ - (وَعَنْ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي فَرَطُكُمْ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ سَابِقُكُمْ وَمُقَدَّمُكُمْ (عَلَى الْحَوْضِ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْفَرَطُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ وَهُوَ الْفَارِطُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الْوِرَادَ ; يُصْلِحُ لَهُمُ الْحِيَاضَ وَالدِّلَاءَ وَالْأَرْشِيَةَ وَغَيْرَهَا مِنْ أُمُورِ الِاسْتِقَاءِ، فَمَعْنَاهُ: أَنَا سَابِقُكُمْ إِلَى الْحَوْضِ كَالْمُهَيِّئِ لَكُمْ (مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا) ، قَالَ الْقَاضِي ﵀: ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشُّرْبَ مِنْهُ يَكُونُ بَعْدَ الْحِسَابِ وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، (لَيَرِدَنَّ) : مِنَ الْوُرُودِ، أَيْ: لَيَمُرَّنَّ (عَلَيَّ أَقْوَامٌ) : أَيْ جَمَاعَاتٌ (أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونَنِي) ، قِيلَ: لَعَلَّ هَؤُلَاءِ، هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ ; حَيْثُ قَالَ: أَصْحَابِي (ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي) أَيْ: مِنْ أُمَّتِي أَوْ مِنْ أَصْحَابِي (فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَاذَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) أَيْ: مِنَ الِارْتِدَادِ، فَإِنَّ سَائِرَ الْمَعَاصِي لَا تَمْنَعُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وُرُودِ الْحَوْضِ وَالشُّرْبِ مِنْ مَائِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: (فَأَقُولُ: سُحْقًا) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَيُضَمَّانِ (سُحْقًا) : كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، أَيْ: بُعْدًا وَهَلَاكًا وَنَصْبُهُمَا عَلَى الْمَصْدَرِ، وَالْجُمْلَةُ دُعَاءٌ بِالْعَذَابِ (لِمَنْ غَيَّرَ) أَيْ: دِينَهُ (بَعْدِي) أَيْ: بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ بَعْدَ قَبُولِ دِينِي وَالدُّخُولِ فِي أُمَّتِي. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7715
٥٥٧٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهَمُّوا بِذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا! فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ: أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا - وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ: سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ - وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ. قَالَ: فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ كَذَبَهُنَّ - وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ، وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا. قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ - قَتْلَهُ النَّفْسَ - وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ قَالَ: فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي فَيَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّانِيَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ. فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: " ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ ". قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: " ارْفَعْ مُحَمَّدُ! وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ " قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ قَدْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ: " وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيَّكُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٧٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (يُحْبَسُ) أَيْ: يُوقَفُ (الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهَمُّوا) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ يَحْزَنُوا (بِذَلِكَ) أَيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ الْحَبْسِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْهَاءِ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: هُوَ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: يَحْزَنُوا لِمَا امْتُحِنُوا بِهِ مِنَ الْحَبْسِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَهَمَّنِي الْأَمْرُ إِذَا أَقْلَقَكَ وَأَحْزَنَكَ (فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا) أَيْ: لَيْتَ طَلَبْنَا أَحَدًا لِيَشْفَعَ لَنَا (إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحَنَا) أَيْ: يُعْطِيَنَا الرَّاحَةَ وَيُخَلِّصَنَا (مِنْ مَكَانِنَا!) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَوْ هِيَ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلتَّمَنِّي وَالطَّلَبِ، وَقَوْلُهُ: فَيُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا مِنَ الْإِرَاحَةِ، وَنَصْبُهُ بِأَنِ الْمُقَدَّرَةِ بَعْدَ الْفَاءِ الْوَاقِعَةِ جَوَابًا لِـ (لَوْ) ، وَالْمَعْنَى: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا أَحَدًا إِلَى رَبِّنَا فَيَشْفَعَ لَنَا ; فَيُخَلِّصَنَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الْكَرْبِ وَالْحَبْسِ. قَالَ فِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ: شَفَعْتُ لَهُ إِلَى فُلَانٍ وَأَنَا شَافِعُهُ وَشَفِيعُهُ، وَاسْتَشْفَعَنِي إِلَيْهِ فَشَفَعْتُ لَهُ وَاسْتَشْفَعَ بِي، قَالَ الْأَعْمَشُ:
مَضَى زَمَنٌ وَالنَّاسُ يَسْتَشْفِعُونَنِي ... فَهَلْ لِي إِلَى لَيْلَى الْغَدَاةَ شَفِيعُ
(فَيَأْتُونَ آدَمَ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ رُؤَسَاءُ أَهْلِ الْمَحْشَرِ لَا جَمِيعُ أَهْلِ الْمَوْقِفِ (فَيَقُولُونَ) أَيْ: بَعْضُهُمْ (أَنْتَ آدَمُ) : هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ:
أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي
وَهُوَ فِيهِ مَعْنَى الْكَمَالِ لَا يُعْلَمُ مَا يُرَادُ مِنْهُ فَفُسِّرَ بِمَا بَعْدُ مِنْ قَوْلِهِ: (أَبُو النَّاسِ مَنْ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ) أَيْ: بِلَا وَاسِطَةٍ، أَوْ بِقُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ، أَوْ إِرَادَتِهِ الشَّامِلَةِ (وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ) ، فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى حُصُولِ الْمَآلِ وَوُصُولِ الْمَنَالِ، وَمَا تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ مِنْ حُسْنِ الْمَالِ (وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ) أَيْ: سُجُودَ تَحِيَّةٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْجَاهِ وَالْعَظَمَةِ، (وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ) : فِيهِ إِشْعَارٌ بِإِعْطَاءِ الْفَضِيلَةِ الْعُظْمَى وَالْمَرْتَبَةِ الْكُبْرَى. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وُضِعَ كُلُّ شَيْءٍ مَوْضِعَ أَشْيَاءَ، أَيِ: الْمُسَمَّيَاتِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] أَيْ: أَسْمَاءَ الْمُسَمَّيَاتِ إِرَادَةً لِلتَّفَصِّي، أَيْ: وَاحِدًا فَوَاحِدًا حَتَّى يَسْتَغْرِقَ الْمُسَمَّيَاتِ كُلَّهَا. (اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا) ، أَيْ: هَذَا الْمَكَانِ الْعَظِيمِ وَالْمَوْقِفِ الْأَلِيمِ (فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ) ، قِيلَ: هُنَا لَحِقَ بِهِ كَافُ الْخِطَابِ يَكُونُ لِلْبُعْدِ مِنَ الْمَكَانِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، فَالْمَعْنَى
стр. 7716
أَنَا بَعِيدٌ مِنْ مَقَامِ الشَّفَاعَةِ، قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ: أَيْ يَقُولُ آدَمُ ﵊ لَهُمْ: لَسْتُ فِي الْمَكَانِ وَالْمَنْزِلِ الَّذِي تَحْسَبُونَنِي فِيهِ، يُرِيدُ بِهِ مَقَامَ الشَّفَاعَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّ مَنْزِلَتَهُ دُونَ الْمَنْزِلَةِ الْمَطْلُوبَةِ، قَالَهُ تَوَاضُعًا وَإِكْبَارًا لِمَا يَسْأَلُونَهُ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمَقَامَ لَيْسَ لِي بَلْ لِغَيْرِي. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ ﵀: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَكَذَا فِي بَقِيَّةِ الْمَوَاضِعِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَيْسَتْ لِصَاحِبِكَ ذَاكَ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْإِشَارَةَ الْمَذْكُورَةَ.
(وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ) أَيِ: اعْتِذَارًا عَنِ التَّقَاعُدِ وَالتَّأَنِّي عَنِ الشَّفَاعَةِ، وَالرَّاجِعُ إِلَى الْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أَيِ: الَّتِي أَصَابَهَا، وَقَوْلُهُ: (أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ) : بِالنَّصْبِ بَدَلٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ، أَيْ: يَذْكُرُ أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ، ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِلضَّمِيرِ الْمُبْهَمِ الْمَحْذُوفِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] ، (وَقَدْ نُهِيَ) أَيْ: آدَمُ ﵊ (عَنْهَا) أَيْ: عَنِ الشَّجَرَةِ أَوْ عَنِ الْخَطِيئَةِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ، (وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ) ، اسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الْأَوَّلِيَّةُ بِأَنَّ آدَمَ ﵇ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَكَذَا شِيثٌ وَإِدْرِيسُ وَغَيْرُهُمْ، وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْأَوَّلِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ بِقَوْلِهِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَيُشْكِلُ ذَلِكَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْبُخَارِيِّ فِي التَّيَمُّمِ، «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ خَاصَّةً إِلَى قَوْمٍ خَاصَّةً» ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْعُمُومَ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ بَعْثَةِ نُوحٍ، وَإِنَّمَا اتَّفَقَ بِاعْتِبَارِ حَصْرِ الْخَلْقِ فِي الْمَوْجُودِينَ بَعْدَ هَلَاكِ سَائِرِ النَّاسِ انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى، وَقِيلَ: إِنَّ الثَّلَاثَةَ كَانُوا أَنْبِيَاءَ وَلَمْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ، فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ بِإِنْزَالِ الصُّحُفِ عَلَى شِيثٍ، وَهُوَ عَلَامَةُ الْإِرْسَالِ انْتَهَى. وَفِيهِ بَحْثٌ ; إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِنْزَالِ الصُّحُفِ أَنْ يَكُونَ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ رَسُولًا ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِي الصُّحُفِ مَا يَعْمَلُ بِهِ بِخَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ أَمْرٌ وَنَهْيٌ، بَلْ مَوَاعِظُ وَنَصَائِحُ تَخْتَصُّ بِهِ. فَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: الثَّلَاثَةُ كَانُوا مُرْسَلِينَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَأَمَّا نُوحٌ ﵇ فَإِنَّمَا أُرْسِلَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَكُلُّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا، هَذَا وَقَدْ قِيلَ: هُوَ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ أَيْ مُرْسَلٌ، وَمَنْ قَبْلَهُ كَانُوا أَنْبِيَاءَ غَيْرَ مُرْسَلِينَ كَآدَمَ وَإِدْرِيسَ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّهُ جَدُّ نُوحٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَرِّخُونَ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قِيلَ إِنَّ إِدْرِيسَ هُوَ إِلْيَاسُ، وَهُوَ نَبِيٌّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَيَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْ نُوحٍ ; فَيَصِحُّ أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ مِنْ كَوْنِ إِدْرِيسَ نَبِيًّا مُرْسَلًا، وَأَمَّا آدَمُ وَشِيثٌ، فَهُمَا وَإِنْ كَانَا رَسُولَيْنِ إِلَّا أَنَّ آدَمَ أُرْسِلَ إِلَى بَنِيهِ وَلَمْ يَكُونُوا كُفَّارًا، بَلْ أُمِرَ بِتَعْلِيمِهِمُ الْإِيمَانَ وَطَاعَةَ اللَّهِ، وَشِيثٌ كَانَ خَلَفًا لَهُ فِيهِمْ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ نُوحٍ، فَإِنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى كُفَّارِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَهَذَا أَقْرَبُ مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ آدَمَ وَإِدْرِيسَ لَمْ يَكُونَا رَسُولَيْنِ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ أَوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ آدَمَ، عَلَى أَنَّ شِيثًا كَانَ خَلِيفَةً لَهُ فَأَوَّلِيَّتُهُ إِضَافِيَّةٌ، أَوْ أَوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ، فَالْأَوَّلِيَّةُ حَقِيقِيَّةٌ، وَهَذَا أَوْفَقُ الْأَقْوَالِ، وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ: قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ إِدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أُرْسِلَ أَيْضًا لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ قَبْلَ نُوحٍ ; لِإِخْبَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ آدَمَ ﵊ أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ جَازِمٌ قَالُوهُ، وَصَحَّ أَنْ يُحْمَلَ أَنَّ إِدْرِيسَ كَانَ نَبِيًّا مُرْسَلًا. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّ إِدْرِيسَ هُوَ إِلْيَاسُ، وَأَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ، فَإِنْ كَانَ هَكَذَا سَقَطَ الِاعْتِرَاضُ، وَبِمِثْلِ هَذَا يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ بِآدَمَ وَشِيثٍ، وَرِسَالَتُهُمَا إِلَى مَنْ مَعَهُمَا، وَإِنْ كَانَا رَسُولَيْنِ، فَإِنَّ آدَمَ أُرْسِلَ إِلَى بَنِيهِ وَلَمْ يَكُونُوا كُفَّارًا، وَكَذَلِكَ شِيثٌ خَلَفَهُ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ رِسَالَةِ نُوحٍ إِلَى كُفَّارِ أَهْلِ الْأَرْضِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: وَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا الْحَسَنِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ آدَمَ لَيْسَ بِرَسُولِ اللَّهِ لِيَسْلَمَ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ نَصٌّ دَالٌّ عَلَى أَنَّ آدَمَ وَإِدْرِيسَ رَسُولَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 7717
(فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ) : إِنِّي عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ (لَسْتُ هُنَاكُمْ) : قَالَ شَارِحٌ: أَيْ لَسْتُ فِي مَكَانِ الشَّفَاعَةِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: هُنَاكُمْ إِلَى الْبُعْدِ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِنَّمَا يَقُولُونَهُ تَوَاضُعًا، وَإِكْبَارًا لِمَا يَسْأَلُونَهُ، وَقَدْ يَكُونُ إِشَارَةً مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ، وَهَذَا الْمَقَامَ لَيْسَ لَهُ بَلْ لِغَيْرِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَدُلُّ عَلَى الْآخَرِ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ صَاحِبَهَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعَيَّنًا، وَيَكُونُ إِحَالَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْآخَرِ، لِأَنْ تَنْدَرِجَ الشَّفَاعَةُ فِي ذَلِكَ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُبَادَرَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ، وَإِجَابَتُهُ لِرَغْبَتِهِمْ ; لِتَحَقُّقِهِ أَنَّ هَذِهِ الْكَرَامَةَ وَالْمَقَامَ لَهُ خَاصَّةً. قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ ﵀: وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْهَمَهُمْ سُؤَالَ آدَمَ وَمَنْ بَعْدَهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - فِي الِابْتِدَاءِ، وَلَمْ يُلْهَمُوا سُؤَالَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِظْهَارًا لِفَضِيلَةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُمْ لَوْ سَأَلُوهُ ابْتِدَاءً لَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّ غَيْرَهُ يَقْدِرُ عَلَى هَذَا، وَأَمَّا إِذَا سَأَلُوا غَيْرَهُ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَصْفِيَائِهِ، فَامْتَنَعُوا، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَجَابَ، وَحَصَلَ غَرَضُهُمْ، فَهُوَ النِّهَايَةُ فِي ارْتِفَاعِ الْمَنْزِلَةِ وَكَمَالِ الْقُرْبِ، وَفِيهِ تَفْضِيلُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الرُّسُلِ الْآدَمِيِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَ وَهِيَ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ غَيْرُهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
(وَيَذْكُرُ) أَيْ: نُوحٌ ﵇ (خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ - يَعْنِي سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ -) أَيْ: قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] إِلَى آخِرِهِ، وَكَانَ سُؤَالُهُ إِنْجَاءَ ابْنِهِ، وَكَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ هَذَا السُّؤَالُ ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] إِلَى آخِرِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ مَوْقِعُ سُؤَالِهِ هُنَا مَوْقِعُ أَكْلِهِ فِي الْقَرِينَةِ السَّابِقَةِ، وَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ عِلْمٍ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فِي سُؤَالِهِ، أَيْ: صَادِرًا عَنْهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَرَبَّهُ مَفْعُولُ سُؤَالِهِ، وَالْمُرَادُ بِالسُّؤَالِ قَوْلُهُ: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ; طَلَبَ أَنْ يُنْجِيَهُ مِنَ الْغَرَقِ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: بِغَيْرِ عِلْمٍ أَنَّهُ سَأَلَ مَا لَا يَجُوزُ سُؤَالُهُ، وَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْأَلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] ; وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] أَيْ: وَعَدْتَنِي أَنْ تُنْجِيَ أَهْلِي مِنَ الْغَرَقِ، وَأَنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي فَنَجِّهِ، قِيلَ لَهُ: مَا شَعَرْتَ مَنِ الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ، وَهُوَ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَإِنَّ ابْنَكَ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ. (وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ. قَالَ: فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ كَذَبَهُنَّ -) : بِالتَّخْفِيفِ أَيْ: قَالَهُنَّ كَذِبًا. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ ﵀: إِحْدَى الْكِذْبَاتِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﵊ قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] ، وَثَانِيَتُهَا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] ، وَثَالِثَتُهَا قَوْلُهُ لِسَارَةَ: هِيَ أُخْتِي وَالْحَقُّ أَنَّهَا مَعَارِيضُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ صُورَتُهَا صُورَةَ الْكَذِبِ سَمَّاهَا أَكَاذِيبَ، وَاسْتَنْقَصَ مِنْ نَفْسِهِ لَهَا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ أَعْرَفَ بِاللَّهِ وَأَقْرَبَ مِنْهُ مَنْزِلَةً كَانَ أَعْظَمَ خَطَرًا وَأَشَدَّ خَشْيَةً، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ سَائِرُ مَا أُضِيفَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْخَطَايَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْكَامِلُ قَدْ يُؤَاخَذُ بِمَا هُوَ عِبَادَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، كَمَا قِيلَ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ. (وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ) : اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ وَبَيَانٍ، وَالْمَعْنَى: أَعْطَاهُ (التَّوْرَاةَ) : وَهِيَ أَوَّلُ الْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ الْمُنَزَّلَةِ (وَكَلَّمَهُ) أَيْ: بِلَا وَاسِطَةٍ (وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا) أَيْ: مُنَاجِيًا لَهُ أَوْ مُنَاجًى بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ. (قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ - قَتْلَهُ النَّفْسَ -) أَيْ: نَفْسَ الْقِبْطِيِّ، وَفِي نُسْخَةٍ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ (وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ
стр. 7718
وَرُوحَ اللَّهِ) : أَضَافَهُ إِلَيْهِ تَشْرِيفًا، وَلِأَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى (وَكَلِمَتَهُ) أَيْ: خُلِقَ بِأَمْرِ (كُنْ) أَوْ كَلِمَتَهُ فِي دَعْوَتِهِ كَانَتْ مُسْتَجَابَةً، (قَالَ: فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ) : إِنَّمَا قَالَ كَذَا مَعَ أَنَّ خَطِيئَتَهُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ لَعَلَّهُ لِاسْتِحْيَائِهِ مِنِ افْتِرَاءِ النَّصَارَى فِي حَقِّهِ بِأَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ. (وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ) أَيْ: فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَانِعٌ مِنْ مَقَامِ الشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا مِمَّا اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ. قَالَ الْقَاضِي: قِيلَ الْمُتَقَدِّمُ مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَالْمُتَأَخِّرُ عِصْمَتُهُ بَعْدَهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ مَا وَقَعَ مِنْهُ ﷺ عَنْ سَهْوٍ وَتَأْوِيلٍ، حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَاخْتَارَهُ الْقُشَيْرِيُّ ﵀ وَقِيلَ: مَا تَقَدَّمَ لِأَبِيهِ آدَمَ ﵊ وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِذَنْبٍ لَوْ كَانَ، وَقِيلَ: هُوَ تَنْزِيهٌ لَهُ مِنَ الذُّنُوبِ.
(قَالَ: فَيَأْتُونِّ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَتَخْفِيفٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵊: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام: ٨٠] ، (فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي) أَيْ: فَأَطْلُبُ الْإِذْنَ مِنْهُ ; لِلْأَدَبِ مَعَ الرَّبِّ (فِي دَارِهِ) أَيْ: دَارِ ثَوَابِهِ وَهُوَ الْجَنَّةُ، وَقِيلَ: ذَلِكَ تَحْتَ عَرْشِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ فَأَسْتَأْذِنُ فِي الدُّخُولِ عَلَى دَارِ رَبِّي (فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ) أَيْ: فِي الدُّخُولِ عَلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِضَافَةُ دَارِ الثَّوَابِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى هُنَا كَإِضَافَتِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧] عَلَى أَنَّ السَّلَامَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِضَافَتُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِلشَّرَفِ وَالْكَرَامَةِ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِئْذَانِ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ مَكَانًا لَا يَقِفُ فِيهِ دَاعٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ، وَلَا يَقُومُ بِهِ سَائِلٌ إِلَّا أُجِيبَ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْوَاقِفِ فِيهِ وَبَيْنَ رَبِّهِ حِجَابٌ، وَالْحِكْمَةُ فِي نَقْلِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مَوْقِفِهِ ذَلِكَ إِلَى دَارِ السَّلَامِ لِعَرْضِ الْحَاجَةِ هِيَ أَنَّ مَوْقِفَ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ مَوْقِفُ السِّيَاسَةِ، وَلَمَّا كَانَ مِنْ حَقِّ الشَّفِيعِ أَنْ يَقُومَ مَقَامَ كَرَامَتِهِ ; فَتَقَعُ الشَّفَاعَةُ مَوْقِعَهَا أَرْشَدَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ - إِلَى النَّقْلَةِ عَنْ مَوْقِفِ الْخَوْفِ فِي الْقِيَامَةِ إِلَى مَوْقِفِ الشَّفَاعَةِ وَالْكَرَامَةِ، وَذَلِكَ أَيْضًا مَثَلُ الَّذِي يَتَحَرَّى الدُّعَاءَ فِي مَوْقِفِ الْخِدْمَةِ لِيَكُونَ أَحَقَّ بِالْإِجَابَةِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَعْنَاهُ فَيُؤْذَنُ لِي فِي الشَّفَاعَةِ الْمَوْعُودِ بِهَا وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي أَخَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ يَبْعَثُهُ فِيهِ.
(فَإِذَا رَأَيْتُهُ) أَيْ: بِارْتِفَاعِ الْحِجَابِ عَنِّي، وَفِي الْمَشَارِقِ: فَإِذَا أَنَا رَأَيْتُهُ بِزِيَادَةِ أَنَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ إِنِّي رَأَيْتُنِي، وَهَذَا الْتِفَاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ، (وَقَعْتُ سَاجِدًا) أَيْ: خَوْفًا مِنْهُ وَإِجْلَالًا، أَوْ تَوَاضُعًا لَهُ وَإِذْلَالًا، أَوِ انْبِسَاطًا لَهُ وَإِذْلَالًا. (فَيَدَعُنِي) أَيْ: يَتْرُكُنِي (مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي) أَيْ: فِي السُّجُودِ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَسْجُدُ قَدْرَ جُمُعَةٍ مِنْ جُمَعِ الدُّنْيَا، كَذَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي حَاشِيَةِ مُسْلِمٍ، (فَيَقُولُ: ارْفَعْ) أَيْ: رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ (مُحَمَّدُ) أَيْ: يَا مُحَمَّدُ ; فَإِنَّكَ صَاحِبُ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ (وَقُلْ) أَيْ: مَا شِئْتَ (تُسْمَعْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: يُقْبَلْ قَوْلُكَ، أَوْ قُلْ مَا أُلْهِمُكَ مِنَ الثَّنَاءِ لِتُسْمَعَ، أَيْ: تُجَابَ (وَاشْفَعْ) أَيْ: فِيمَنْ شِئْتَ (تُشَفَّعْ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: تُقْبَلْ شَفَاعَتُكَ (وَسَلْ) أَيْ: مَا تُرِيدُ مِنَ الْمَزِيدِ (تُعْطَهْ) بِهَاءِ السَّكْتِ، فِي نُسْخَةٍ بِالضَّمِيرِ، أَيْ: تُعْطَ مَا تَسْأَلُ، فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنَ الْفِعْلِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ (قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: يُلْهِمُنِيهِ حِينَئِذٍ وَلَا أَدْرِيهِ الْآنَ (ثُمَّ أَشْفَعُ) ، قَالَ الْقَاضِي: وَجَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ابْتَدَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ سُجُودِهِ وَحَمْدِهِ وَالْإِذْنِ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ بِقَوْلِهِ: أُمَّتِي (فَيَحُدُّ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْعَكْسِ، أَيْ: فَيُعَيِّنُ (لِي حَدًّا) : وَهُوَ إِمَّا مَصْدَرٌ أَوِ اسْمٌ، أَيْ: مِقْدَارًا مُعَيَّنًا فِي بَابِ الشَّفَاعَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: يُرِيدُ أَنَّهُ يُبَيِّنُ لِي فِي كُلِّ طَوْرٍ مِنْ أَطْوَارِ الشَّفَاعَةِ حَدًّا أَقِفُ عِنْدَهُ، فَلَا أَتَعَدَّاهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ:
стр. 7719
شَفَّعْتُكَ فِيمَنْ أَخَلَّ بِالْجَمَاعَاتِ، ثُمَّ يَقُولُ: شَفَّعْتُكَ فِيمَنْ أَخَلَّ بِالْجُمُعَاتِ، ثُمَّ يَقُولُ: شَفَّعْتُكَ فِيمَنْ أَخَلَّ بِالصَّلَوَاتِ، وَمِثْلُهُ فِيمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، ثُمَّ فِيمَنْ زَنَى، وَعَلَى هَذَا لِيُرِيَهُ عُلُوَّ الشَّفَاعَةِ فِي عِظَمِ الذَّنْبِ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الشَّنَاعَةِ، (فَأَخْرُجُ) أَيْ: مِنْ دَارِ رَبِّي (فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: دَلَّ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَشْفِعِينَ هُمُ الَّذِينَ حُبِسُوا فِي الْمَوْقِفِ وَهَمُّوا وَحَزِنُوا لِذَلِكَ، فَطَلَبُوا أَنْ يُخَلِّصَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْكَرْبِ، وَدَلَّ قَوْلُهُ: فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ عَلَى أَنَّهُمْ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِيهَا فَمَا وَجْهُهُ؟ قُلْتُ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَعَلَّ الْمُؤْمِنِينَ صَارُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً سَارَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، وَفِرْقَةً حُبِسُوا فِي الْمَحْشَرِ وَاسْتَشْفَعُوا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَلَّصَهُمْ مِمَّا فِيهِ، وَأَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ شَرَعَ فِي شَفَاعَةِ الدَّاخِلِينَ فِي النَّارِ زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَيَحُدُّ لِي حَدًّا) إِلَى آخِرِهِ، فَاخْتُصِرَ الْكَلَامُ وَهُوَ مِنْ حِلْيَةِ التَّنْزِيلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَانُونًا فِي فُتُوحِ الْغَيْبِ فِي سُورَةِ هُودٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ مِثْلُ هَذَا الِاخْتِصَارِ. قُلْتُ: مُرَادُهُ أَنَّهُ ذَكَرَ الْفِرْقَةَ الثَّانِيَةَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى خَلَاصِهَا ; لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهَا خَلَاصُ الْفِرْقَةِ الْأُولَى بِالْأَوْلَى، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، وَثَانِيهِمَا: أَنْ يُرَادَ بِالنَّارِ الْحَبْسُ وَالْكُرْبَةُ، وَمَا كَانُوا بِهِ مِنَ الشِّدَّةِ وَدُنُوِّ الشَّمْسِ إِلَى رُءُوسِهِمْ وَحَرِّهَا وَإِلْجَامِهِمُ الْعَرَقَ، وَبِالْخُرُوجِ الْخَلَاصَ مِنْهَا. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ مَجَازًا لَكِنَّهُ إِلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ أَقْرَبُ، وَإِلَى أَصْلِ الْقَضِيَّةِ أَنْسَبُ ; فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الشَّفَاعَةُ الْكُبْرَى، وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ وَاللِّوَاءِ الْمَمْدُودِ عَلَى مَا قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، وَمَحَطُّ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ هِيَ الْخَلَاصُ مِنَ الْحَبْسِ وَالْقِيَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمُحَاسَبَةِ لِلْأَنَامِ، وَأَمَّا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَا لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَالْعُلَمَاءِ وَالشُّهَدَاءِ، وَالصَّالِحِينَ وَالْفُقَرَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ شَفَاعَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ فِي إِدْخَالِ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ، وَإِدْخَالِ بَعْضِهِمُ الْجَنَّةَ وَلَوِ اسْتَحَقُّوا دُخُولَ النَّارِ، وَإِخْرَاجِ بَعْضِهِمْ مِنَ النَّارِ، وَفِي تَخْفِيفِ عَذَابِ بَعْضِهِمْ، وَفِي تَرَقِّي دَرَجَاتِ بَعْضِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَأَمْثَالِهَا، وَلَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى لَمَا كُرِّرَتْ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ مَرَّاتٍ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: يَنْقَسِمُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْعُصَاةِ عَلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَكُونُ الشَّفَاعَةُ أَقْسَامًا: أَوَّلُهَا لِلْإِرَاحَةِ مِنَ الْمَوْقِفِ، وَثَانِيهَا: لِإِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَثَالِثُهَا: عِنْدَ الْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَرَابِعُهَا: لِلْإِخْرَاجِ مِنَ النَّارِ، فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ الْقِسْمَيْنِ وَطَوَى الْآخَرِينَ مِنَ الْبَيِّنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(ثُمَّ أَعُودُ) أَيْ: أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي (الثَّانِيَةَ) أَيِ: الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ (فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ) أَيْ: فِي دُخُولِهَا (فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ) أَيْ: بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ (فَإِذَا رَأَيْتُهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْمَكَانَ، أَوْ رَأَيْتُ رَبِّي مَعَ تَنْزِيهِهِ عَنِ الْمَكَانِ، وَعَنْ سَائِرِ صِفَاتِ الْحَدَثَانِ (وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي) أَيْ: فِي مَقَامِ الْفَنَاءِ (ثُمَّ يَقُولُ) : رَدًّا لِي إِلَى حَالِ الْبَقَاءِ (ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ) . قَالَ: (فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ) قَالَ (فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ) أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ (إِلَّا مَنْ قَدْ حَبَسَهُ
стр. 7720
الْقُرْآنُ) أَيْ: مَنَعَهُ مِنْ خُرُوجِ النَّارِ بِأَنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ مُخَلَّدٌ فِي دَارِ الْفُجَّارِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ، وَهُوَ قَتَادَةُ مِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ (أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ) أَيْ: دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى خُلُودِهِ وَهُمُ الْكُفَّارُ، وَمَعْنَى وَجَبَ أَيْ ثَبَتَ وَتَحَقَّقَ، أَوْ وَجَبَ بِمُقْتَضَى إِخْبَارِهِ تَعَالَى ; فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّخَلُّفُ أَبَدًا (ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَنَسٌ، أَوْ قَتَادَةُ، تَذَكُّرًا أَوِ اسْتِشْهَادًا أَوِ اعْتِضَادًا (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) (قَالَ) أَيْ: أَنَسٌ وَهُوَ أَنْسَبُ، أَوْ قَتَادَةُ وَهُوَ أَقْرَبُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ فَاعِلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بُعْدٍ، (وَهَذَا الْمَقَامُ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِهِ: (الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعَدَهُ) أَيِ: اللَّهُ سُبْحَانَهُ (نَبِيَّكُمْ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: وُعِدَ نَبِيُّكُمْ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ فَاعِلَ قَالَ غَيْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظَاهِرٌ لَا إِشْكَالَ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقَائِلَ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ وَضَعَ الْمُظْهَرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ، وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ يَقُولَ: وَعَدَنِيهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ قَالَ الرَّاوِيَ، وَأَنْ يَكُونَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7721
٥٥٧٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ إِلَى رَبِّكَ. فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ مُوسَى ﵇ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونِّي فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ يَا رَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي. فَيُقَالُ: انْطَلِقْ، فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي. فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٧٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ) أَيِ: اخْتَلَطَ وَاضْطَرَبَ (النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ) أَيْ: دَاخِلِينَ فِيهِمْ أَيْ مُقْبِلِينَ مُدْبِرِينَ مُتَحَيِّرِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ (فَيَأْتُونَ آدَمَ) ﵇ (فَيَقُولُونَ اشْفَعْ) أَيْ: لَنَا (إِلَى رَبِّكَ) ; لِيَأْمُرَ بِالْحِسَابِ، ثُمَّ يُجَازِيَ بِالثَّوَابِ أَوِ الْعِقَابِ (فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا) أَيْ: لَسْتُ كَائِنًا لِلشَّفَاعَةِ وَلَا مُخْتَصًّا بِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اللَّامُ فِيهِ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣] الْكَشَّافُ: اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وَاللَّامُ هِيَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ لِهَذَا الْأَمْرِ، أَيْ: كَائِنٌ لَهُ وَمُخْتَصٌّ بِهِ، قَالَ:
أَنْتَ لَهَا أَحْمَدُ مِنْ بَيْنِ الْبَشَرِ
وَفِي قَوْلِهِ: أَنَا لَهَا، وَقَوْلِهِ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، (وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ) أَيِ: الْزَمُوهُ فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، أَوِ الْمَعْنَى تَشَفَّعُوا وَتَوَسَّلُوا بِهِ ; (فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ) أَيْ: بَعْدَ قَوْلِهِمُ اشْفَعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاخْتُصِرَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرُوا هَذَا الْأَمْرَ بِنَاءً عَلَى كَشْفِ الْقَضِيَّةِ عَنْهُ، (لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ) أَيْ: وَيُنَاسِبُهُ الْكَلَامُ فِي مَرَامِ هَذِهِ الْمَقَامِ (فَيَأْتُونَ مُوسَى ﵇ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ) أَيْ: فَإِنَّهُ رُوحُهُ مُسْتَطَابَةٌ، وَكَلِمَتُهُ مُسْتَجَابَةٌ (فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ) ﵇ أَيْ: فَإِنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَسَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ (فَيَأْتُونِّ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيُخَفَّفُ (فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي) أَيْ: عَلَى كَلَامِهِ أَوْ عَلَى دُخُولِ دَارِهِ (فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا) أَيْ: حِينَئِذٍ (لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ) : وَهِيَ جَمْعُ حَمْدٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَمَحَاسِنَ جَمْعُ حَسَنٍ أَوْ جَمْعُ مَحْمَدَةٍ (وَأَخِرُّ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: أَسْقُطُ (لَهُ) أَيْ: لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِشُكْرِهِ (سَاجِدًا) : حَالٌ (فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ،
стр. 7722
وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ) أَيْ: بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ، أَوْ فِي حَالِ السُّجُودِ (يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي) أَيِ: ارْحَمْهُمْ وَاغْفِرْ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَفَضَّلْ عَلَيْهِمْ بِالْكَرَامَةِ، وَكَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، أَوْ أُرِيدَ بِهِمُ السَّابِقُونَ وَاللَّاحِقُونَ، (فَيُقَالُ: انْطَلِقْ) أَيِ: اذْهَبْ (فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ) أَيْ: وَزْنُهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِقَدْرِهَا، (مِنْ إِيمَانٍ) ، ثُمَّ الْمِثْقَالُ مَا يُوزَنُ بِهِ، مِنَ الثَّقَلِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ سَنْجٍ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِ حَسَبَ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ، وَالتَّأْوِيلُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ أَنْ يُرَادَ بِالْأَمْرِ الْمُقَدَّرِ بِالشَّعِيرِ وَالذَّرَّةِ، وَالْحَبَّةِ وَالْخَرْدَلَةِ، غَيْرُ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ إِيمَانٍ مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَهُوَ مَا يُوجَدُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ، وَلَمَحَاتِ الْإِيقَانِ، وَلَمَعَانِ الْعِرْفَانِ ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ الْخَاصُّ الْقَلْبِيُّ، وَكَذَا الْإِقْرَارُ الْمُقَرَّرُ اللِّسَانِيُّ لَا يَدْخُلُهَا التَّجْزِيءُ وَالتَّبْعِيضُ، وَلَا الزِّيَادَةُ وَلَا النُّقْصَانُ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَحَمَلُوا مَا قَالَهُ غَيْرُهُمْ عَلَى الِاخْتِلَافِ اللَّفْظِيِّ وَالنِّزَاعِ الصُّورِيِّ، (فَأَنْطَلِقُ) أَيْ: فَأَذْهَبُ (فَأَفْعَلُ) أَيْ: مَا أَذِنَ لِي بِالْإِخْرَاجِ مِمَّنْ عَيَّنَ وَبَيَّنَ لِي (ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) : وَهِيَ أَقَلُّ الْأَشْيَاءِ الْمَوْزُونَةِ، وَقِيلَ: هِيَ الْهَبَاءُ الَّذِي يَظْهَرُ فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ، وَقِيلَ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ (أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ) : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوِ الشَّكِّ (فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ) : وَكَرَّرَ أَدْنَى ثَلَاثًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْقِلَّةِ (فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أَيْ: وَلَوْ فِي عُمْرِهِ مَرَّةً بَعْدَ إِقْرَارِهِ السَّابِقِ ; فَإِنَّهُ مِنْ جُلَّةِ عَمَلِهِ اللَّاحِقِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ; وَلِإِطْلَاقِ حَدِيثِ: ( «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ) ، فَإِنَّهُ يَشْمَلُ دُخُولَهُ أَوَّلًا وَآخِرًا.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذَا يُؤْذِنُ بِأَنَّ مَا قُدِّرَ قَبْلَ ذَلِكَ بِمِثْقَالِ شَعِيرَةٍ، ثُمَّ بِمِثْقَالِ حَبَّةٍ أَوْ خَرْدَلٍ، غَيْرُ الْإِيمَانِ الَّذِي يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ التَّصْدِيقِ، وَهُوَ مَا يُوجَدُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ ثَمَرَةِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَنْ يُرَادَ بِالثَّمَرَةِ ازْدِيَادُ الْيَقِينِ، وَطُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْأَدِلَّةِ أَقْوَى لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ وَأَثْبَتُ لِقُوَّتِهِ، وَأَنْ يُرَادَ بِهَا الْعَمَلُ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِالْعَمَلِ، وَيَنْصُرُ هَذَا الْوَجْهَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ بَعْدَ هَذَا، يَعْنِي قَوْلَهُ: (وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ نَارٍ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ) .
(قَالَ) أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى (لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، قَالَ الْقَاضِي ﵀: لَيْسَ هَذَا لَكَ، وَإِنَّمَا أَفْعَلُ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِاسْمِي وَإِجْلَالًا لِتَوْحِيدِي، وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: (أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي) الْحَدِيثَ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْرَى عَلَى عُمُومِهِ، وَيُحْمَلَ عَلَى حَالٍ وَمَقَامٍ آخَرَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إِذَا فَسَّرْنَا مَا يَخْتَصُّ بِاللَّهِ تَعَالَى بِالتَّصْدِيقِ الْمُجَرَّدِ عَنِ الثَّمَرَةِ، وَذَكَرْنَا أَنَّ مَا يَخْتَصُّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْإِيمَانُ مَعَ الثَّمَرَةِ مِنِ ازْدِيَادِ الْيَقِينِ أَوِ الْعَمَلِ ; فَلَا اخْتِلَافَ. وَقَالَ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا الْمُحَقِّقِينَ: الْمَعْنَى لَيْسَ إِخْرَاجُ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنَ النَّارِ لَكَ، أَيْ: إِلَيْكَ، يَعْنِي مُفَوَّضًا إِلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ لَكَ فِيهِمْ مَكَانُ شَفَاعَةٍ، أَوْ لَسْنَا نَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَجْلِكَ، بَلْ لِأَنَّا أَحِقَّاءُ بِأَنَّا نَفْعَلُهُ كَرَمًا وَتَفَضُّلًا، ثُمَّ إِنَّهُ بَيَّنَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَمْرَ فِي إِخْرَاجِ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ مِنَ النَّارِ خَارِجٌ عَنْ حَدِّ الشَّفَاعَةِ، بَلْ هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى مَحْضِ الْكِرَامِ، مُوكَلٌ إِلَيْهِ، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَسْعَدُ النَّاسِ إِلَخْ، أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ بِشَفَاعَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّا عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي، فَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هُمُ الْأُمَمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَنْبِيَائِهِمْ لَكِنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ، وَفِي الثَّانِي هُمْ مِنْ أُمَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7723
٥٥٧٤ - ( «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» ". (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
ــ
٥٥٧٤ - ( «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» ") أَيْ: لَا يَشُوبُهُ شَكٌّ وَشِرْكٌ، وَلَا يَخْلِطُهُ نِفَاقٌ وَسُمْعَةٌ وَرِيَاءٌ (أَوْ نَفْسِهِ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَقِيلَ: أَسْعَدُ هُنَا بِمَعْنَى أَصْلِ الْفِعْلِ، وَقِيلَ: بَلْ عَلَى بَابِهِ وَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَحْصُلُ لَهُ سَعَادَةُ شَفَاعَتِهِ، لَكِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُخْلِصَ أَكْثَرُ سَعَادَةً ; فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْفَعُ فِي إِرَاحَةِ الْخَلْقِ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ، وَيَشْفَعُ فِي بَعْضِ الْكُفَّارِ كَأَبِي طَالِبٍ فِي تَخْفِيفِ عَذَابِ النَّارِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُرَادُ هُوَ أَسْعَدُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ مِنَ الْإِخْلَاصِ الْبَالِغِ غَايَتُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّأْكِيدِ ذِكْرُ الْقَلْبِ ; إِذِ الْإِخْلَاصُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَفَائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، وَقَالَ الْقَاضِي ﵀: أَسْعَدُ هُنَا بِمَعْنَى السَّعِيدِ ; إِذْ لَا يَسْعَدُ بِشَفَاعَتِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، أَوِ الْمُرَادُ بِمَنْ قَالَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الرَّحْمَةَ، وَيَسْتَوْجِبُ بِهِ الْخَلَاصَ مِنَ النَّارِ ; فَإِنَّ احْتِيَاجَهُ إِلَى الشَّفَاعَةِ أَكْثَرُ، وَانْتِفَاعَهُ بِهَا أَوْفَرُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَدْ سَبَقَ أَنَّ حُلُولَ شَفَاعَتِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ أَثْمَرَ لِإِيمَانِهِ إِمَّا مَزِيدُ طُمَأْنِينَةٍ أَوْ عَمَلٌ، وَتَخْتَلِفُ مَرَاتِبُ الْيَقِينِ وَالْعَمَلِ ; فَيَكُونُ التَّفْضِيلُ بِحَسَبِ الْمَرَاتِبِ، وَلِذَلِكَ أَكَّدَ خَالِصًا بِقَوْلِهِ: مِنْ قَلْبِهِ، أَيْ: خَالِصًا كَائِنًا مِنْ قَلْبِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْإِخْلَاصَ مَعْدِنُهُ وَمَكَانُهُ الْقَلْبُ، فَذِكْرُ الْقَلْبِ هُنَا تَأْكِيدٌ وَتَقْرِيرٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] الْكَشَّافُ: فَإِنْ قُلْتَ: هَلَّا اقْتُصِرَ عَلَى قَوْلِهِ: فَإِنَّهُ آثِمٌ، وَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِ الْقَلْبِ، وَالْجُمْلَةُ هِيَ الْآثِمَةُ لَا الْقَلْبُ وَحْدَهُ؟ قُلْتُ: كِتْمَانُ الشَّهَادَةِ هُوَ أَنْ يُضْمِرَهَا وَلَا يَتَكَلَّمَ بِهَا، فَلَمَّا كَانَ آثِمًا مُفْتَرِيًا بِالْقَلْبِ أُسْنِدَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ إِسْنَادَ الْفِعْلِ إِلَى الْجَارِحَةِ الَّتِي يُعْمَلُ بِهَا أَبْلَغُ، أَلَا تَرَاكَ تَقُولُ إِذَا أَرَدْتَ التَّوْكِيدِ: هَذَا مِمَّا أَبْصَرَتْهُ عَيْنِي، وَمِمَّا سَمِعَتْهُ أُذُنِي، وَمِمَّا عَرَفَهُ قَلْبِي. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ خَالِصًا مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ: أَوْ مِنْ نَفْسِهِ.
стр. 7724
٥٥٧٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً، ثُمَّ قَالَ: " أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ يَقُومَ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ ; فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ؟ فَيَأْتُونَ آدَمَ ". وَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ وَقَالَ: فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ ". ثُمَّ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ ".» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٧٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: جِيءَ (بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ) أَيِ: الذِّرَاعُ (تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ) : بِالْمُهْمَلَةِ، وَقِيلَ بِالْمُعْجَمَةِ، أَيْ: فَأَخَذَ بِمُقَدَّمِ أَسْنَانِهِ (مِنْهَا) أَيْ: مِنَ الذِّرَاعِ يَعْنِي مِمَّا عَلَيْهَا (نَهْسَةً) ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: أَكْثَرُ الرُّوَاةِ رَوَوْهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَرَوَاهُ ابْنُ هَامَانَ بِالْمُعْجَمَةِ، وَالنَّهْسُ بِالْمُهْمَلَةِ الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ، وَبِالْمُعْجَمَةِ الْأَخْذُ بِالْأَضْرَاسِ (ثُمَّ قَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ) أَيْ: جَمِيعِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: حَيْثُ يَحْتَاجُونَ إِلَى شَفَاعَتِي ذَلِكَ الْيَوْمَ ; لِكَرَامَتِي عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا اضْطُرُّوا أَتَوْا إِلَيَّ طَالِبِينَ لِشَفَاعَتِي، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: ( «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ» ) ، عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَوَابَ سَائِلٍ قَالَ: مَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ؟ قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِأَعْنِي مِقْدَارًا، أَوْ مَرْفُوعًا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُوَ وَفُتِحَ يَوْمُ عَلَى الْحِكَايَةِ. (وَتَدْنُو الشَّمْسُ) أَيْ: تَقْرُبُ مِنْ رُءُوسِ النَّاسِ (فَيَبْلُغُ النَّاسَ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: فَيَلْحَقُهُمْ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: فَيَصِلُونَ (مِنَ الْغَمِّ) أَيْ: مِنْ أَجْلِهِ وَسَبَبِهِ (وَالْكَرْبِ) : وَهُوَ الْهَمُّ الشَّدِيدُ الْحَاصِلُ مِنَ الْقِيَامِ وَدُنُوِّ الشَّمْسِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الْحَرُّ التَّامُّ الْمُوجِبُ لِلْعَرَقِ عَلَى وَجْهِ الْإِلْجَامِ (مَا لَا يُطِيقُونَ) أَيْ: مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهِ ; فَيَجْزَعُونَ وَيَفْزَعُونَ، (فَيَقُولُ النَّاسُ) أَيْ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ (أَلَا تَنْظُرُونَ) أَيْ: أَلَا تَتَأَمَّلُونَ وَلَا تَتَفَكَّرُونَ، أَوَلَا تُبْصِرُونَ (مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ) ؟ أَيْ: لِيُرِيحَكُمْ مِنْ هَذَا الْهَمِّ وَالْغَمِّ (فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇ وَذَكَرَ) أَيْ:
стр. 7725
أَبُو هُرَيْرَةَ أَوِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ) أَيْ: بِطُولِهِ كَمَا سَبَقَ (وَقَالَ: فَأَنْطَلِقُ) أَيْ: فَأَذْهَبُ (فَآتِي) : بِالْمَدِّ أَيْ: فَأَجِيءُ (تَحْتَ الْعَرْشِ) ، قِيلَ: وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، أَنْ يُقَالَ: دَارُهُ الْجَنَّةُ وَالْجَنَّةُ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَقِيلَ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْجَنَّةِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَوْقِفِ. (فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ، أَوْ إِشَارَةً إِلَى طَبَقَاتِ الْعُصَاةِ (فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ) أَيْ: مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ (شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ) أَيْ: لَيْسُوا مَمْنُوعِينَ مِنْ سَائِرِ الْأَبْوَابِ، بَلْ هُمْ مَخْصُوصُونَ لِلْعِنَايَةِ بِذَلِكَ الْبَابِ (ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ، أَيِ: الْبَابَيْنِ الْمَضْرُوبَيْنِ عَلَى مَدْخَلٍ وَاحِدٍ (مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ) : بِفَتْحَتَيْنِ مَصْرُوفًا وَقَدْ لَا يُصْرَفُ، فَفِي الصِّحَاحِ هَجَرُ: اسْمُ بَلَدٍ مُذَكَّرٍ مَصْرُوفٍ، وَقَالَ شَارِحٌ: هِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْمُولُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: الْمِصْرَاعَانِ الْبَابَانِ الْمُغْلَقَانِ عَلَى مَنْفَذٍ وَاحِدٍ، وَالْمِصْرَاعُ مِفْعَالٌ مِنَ الصَّرْعِ، وَهُوَ الْإِلْقَاءُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْبَابُ الْمُغْلَقُ مِصْرَاعًا لِأَنَّهُ كَثِيرُ الْإِلْقَاءِ وَالدَّفْعِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7726
٥٥٧٦ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥٧٦ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ» ) : بِفَتَحَاتٍ أَيْ: بِجَانِبَيْهِ (يَمِينًا وَشِمَالًا) .
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: يُرِيدُ بِجَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ نَاحِيَتَيْهِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَمَانَةَ وَالرَّحِمَ لِعَظَمَةِ شَأْنِهِمَا وَفَخَامَةِ أَمْرِهِمَا، مِمَّا يَلْزَمُ الْعِبَادَ مِنْ رِعَايَةِ حَقِّهِمَا يَمْثُلَانِ هُنَالِكَ لِلْأَمِينِ وَالْخَائِنِ، وَالْوَاصِلِ وَالْقَاطِعِ، فَيُحَاجَّانِ عَنِ الْمُحِقِّ الَّذِي رَاعَاهُمَا، وَيَشْهَدَانِ عَلَى الْمُبْطِلِ الَّذِي أَضَاعَهُمَا ; لِيَتَمَيَّزَ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: يُرْسَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَنْ يُحَاجُّ لَهُمَا وَعَنْهُمَا، وَفِي الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى رِعَايَةِ حَقِّهِمَا وَالِاهْتِمَامِ بِأَمْرِهِمَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ الْأَمَانَةُ عَلَى الْأَمَانَةِ الْعُظْمَى، وَهِيَ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ صِلَتُهُمَا الْكُبْرَى، وَهِيَ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] فَيَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ مَعْنَى التَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَكَأَنَّهُمَا اكْتَنَفَا جَنْبَيِ الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَقُطْرَيِ الْإِيمَانِ وَالِدَيْنِ الْقَوِيمِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7727
٥٥٧٧ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيمَ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] وَقَالَ عِيسَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي ". وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيهِ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: " إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥٧٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيمَ) : ﵇، أَيْ: فِي سُورَتِهِ أَوْ حَاكِيًا فِي حَقِّهِ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ﴾ [إبراهيم: ٣٦] أَيِ: الْأَصْنَامَ ﴿أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] أَيْ: صِرْنَ سَبَبَ ضَلَالِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ [إبراهيم: ٣٦] أَيْ: فِي التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَالتَّوَكُّلِ ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]
стр. 7728
أَيْ مِنْ أَتْبَاعِي وَأَشْيَاعِي، وَتَمَامُهُ: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] أَيْ: تَغْفِرُ مَا دُونَ الشِّرْكِ لِمَنْ تَشَاءُ وَتَرْحَمُهُ بِالتَّفَضُّلِ عَلَى مَنْ تَشَاءُ، أَوْ تَغْفِرُ لِلْعَاصِي الْمُشْرِكِ بِأَنْ تَوَفِّقَهُ لِلْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ فِي الدُّنْيَا، وَتَرْحَمَ عَلَيْهِ بِزِيَادَةِ الْمَثُوبَةِ فِي الْعُقْبَى. (وَقَالَ عِيسَى ﵇ ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هُوَ مَصْدَرٌ، يُقَالُ: قَالَ قَوْلًا وَقِيلًا، وَقَدْ أَضَافَ إِلَى عِيسَى عَطْفًا عَلَى مَفْعُولِ تَلَا، أَيْ: تَلَا قَوْلَ اللَّهِ وَقَوْلَ عِيسَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] ، وَآخِرُهُ: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] أَيْ: لَا يَغْلِبَنَّكَ شَيْءٌ ; فَإِنَّكَ الْقَوِيُّ الْقَادِرُ وَتَحْكُمُ بِمَا تَشَاءُ، فَأَنْتَ الْحَاكِمُ الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، أَوِ الْحَكِيمُ الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَوْضِعِهَا، وَيُتْقِنُ الْأَفْعَالَ وَيُحْسِنُهَا، (فَرَفَعَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَدَيْهِ) أَيْ: كَرِيمَتَيْهِ (فَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي) أَيِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللَّهُمَّ ارْحَمْ أُمَّتِي، وَلَعَلَّ هَذَا وَجْهُ التَّكْرَارِ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ التَّأْكِيدُ، أَوْ قُصِدَ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ (وَبَكَى) ; لِأَنَّهُ تَذَكَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشَّفَاعَةَ الصَّادِرَةَ عَنِ الْخَلِيلِ وَرُوحِ اللَّهِ فَرَقَّ لِأُمَّتِهِ (فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ) : جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ حَالِيَّةٌ دَفْعًا لِمَا يُوهِمُهُ قَوْلُهُ: (فَاسْأَلْهُ) : بِالْهَمْزِ وَالنَّقْلِ (مَا يُبْكِيهِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ) أَيْ: بِشَيْءٍ قَالَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ سَبَبِ الْبُكَاءِ، وَهُوَ الْخَوْفُ لِأَجْلِ أُمَّتِهِ (فَقَالَ لَهُ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا) أَيْ: بِعَظَمَتِنَا (سَنُرْضِيكَ) أَيْ: سَنَجْعَلُكَ رَاضِيًا (فِي أُمَّتِكَ) أَيْ: فِي حَقِّهِمْ (وَلَا نَسُوءُكَ) أَيْ: وَلَا نُحْزِنُكَ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ، بَلْ نُنْجِيهِمْ، وَلِأَجْلِ رِضَاكَ نُرْضِيهِمْ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى تَأْكِيدٌ ; إِذْ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ سَنُرْضِيكَ نُرْضِيكَ فِي حَقِّ الْبَعْضِ ; وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: مَا يَرْضَى مُحَمَّدٌ وَأَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ فِي النَّارِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَعَلَّهُ ﵊ أَتَى بِذِكْرِ الشَّفَاعَةِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنِ النَّبِيِّينَ عَنِ الْخَلِيلِ بِتَقْدِيرِ الشَّرْطِ وَالصِّيغَةِ الشَّرْطِيَّةِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْأَصْنَامَ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، فَمَنْ تَابَ مِنْ عِبَادَتِهَا وَتَبِعَنِي فِي التَّوْحِيدِ، فَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِي فَأَقْبَلُ شَفَاعَتِي فِيهِمْ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ تَابَ لِأَنَّهُ مُصَحِّحُ الشَّفَاعَةِ فِي حَقِّ الْمُشْرِكِينَ. قُلْتُ إِنَّمَا يُحْتَاجُ تَقْدِيرُ تَابَ فِي الشَّرْطِيَّةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَمَنْ عَصَانِي. قَالَ: وَعَنْ رُوحِ اللَّهِ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي (تَغْفِرْ لَهُمْ) رَاجِعٌ إِلَى مَنِ اتَّخَذَهُ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ بَعْدَمَا تَابُوا عَنْ ذَلِكَ ; فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْتُ: لَا يُلَائِمُهُ مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَصْدُرُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ التَّوْبَةِ هُنَاكَ، ثُمَّ الْجَزَاءُ فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] فِي كَلَامِ عِيسَى ﵊ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] جَزَاءٌ لِلشَّرْطِيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ، ثُمَّ قَالَ وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي ; لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّفَاعَتَيْنِ ; وَيُبَيِّنَ مَا بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْبَيَانَ يَحْتَاجُ إِلَى الْبُرْهَانِ وَالتِّبْيَانِ، فَإِنَّ الْعَرْضَ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ أَبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالدُّعَاءِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْفَنَاءِ وَالْبَقَاءِ، وَكَذَلِكَ طَرِيقُ التَّفْوِيضِ وَالتَّسْلِيمِ وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَلَا يَظْهَرُ بَيَانٌ لِلْمُدَّعِي وَلَا تِبْيَانٌ لِلْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: أُمَّتِي أُمَّتِي مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ إِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ شَفِّعْنِي فِي أُمَّتِي وَأَرْضِنِي فِيهَا، أَوْ أُمَّتِي ارْحَمْهُمْ وَأَرْضِنِي بِالشَّفَاعَةِ فِيهِمْ، وَالْحَذْفُ لِضِيقِ الْمَقَامِ وَشِدَّةِ الِاهْتِمَامِ. قُلْتُ: يَحْتَاجُ أَيْضًا هَذَا الْكَلَامُ إِلَى تَوْضِيحِ الْمَرَامِ. قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْجَزْمِ وَالْقَطْعِ. قُلْتُ: الدُّعَاءُ لَا يَكُونُ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ ; إِذْ لَا حُكْمَ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَمَآلُ الطَّرِيقَيْنِ فِي الدُّعَاءِ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْمَقْصِدِ جَاحِدٌ. قَالَ: وَالتَّكْرِيرُ لِمَزِيدِ التَّقْرِيرِ. قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ وُجُوهٌ أُخَرُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الدُّعَاءِ ; فَإِنَّ الْإِلْحَاحَ مِنَ الْعَبْدِ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا يُنَافِي الرِّضَا بِالْقَضَاءِ. قَالَ: وَمِنْ ثَمَّ أُجِيبَ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ:
стр. 7729
إِنَّا سَنُرْضِيكَ ; حَيْثُ أَتَى بِأَنْ وَضَمِيرِ التَّعْظِيمِ وَسِينِ التَّأْكِيدِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: لَا نَسُوءُكَ تَقْرِيرًا بَعْدَ تَقْرِيرٍ عَلَى الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] زِيدَ لَامُ الِابْتِدَاءِ عَلَى حَرْفِ الِاسْتِقْبَالِ وَلَفْظَةِ: رَبُّكَ، وَجُمِعَ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّأْكِيدِ وَالتَّأْخِيرِ ; فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَلَأَنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الْعَطَاءُ، وَقَوْلُهُ: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ مِنْ بَابِ التَّتْمِيمِ صِيَانَةً عَمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَهَّمَ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١] فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] .
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هَذَا الْحَدِيثُ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْفَوَائِدِ، مِنْهَا: بَيَانُ كَمَالِ شَفَقَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُمَّتِهِ، وَاعْتِنَائِهِ بِمَصَالِحِهِمْ، وَاهْتِمَامِهِ فِي أَمْرِهِمْ، وَمِنْهَا: الْبِشَارَةُ الْعَظِيمَةُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ بِمَا وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ، وَهَذَا مِنْ أَرْجَى الْأَحَادِيثِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمِنْهَا: بَيَانُ عِظَمِ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحِكْمَةِ فِي إِرْسَالِ جِبْرِيلَ ﵊ لِسُؤَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِظْهَارًا لِشَرَفِهِ، وَأَنَّهُ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى ; فَيَرْضَى وَيُكْرَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا الْبُخَارِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ.
стр. 7730
٥٥٧٨ - «وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَلْ تَضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ ". قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " مَا تَضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ ; فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ: فَمَاذَا تَنْظُرُونَ؟ يَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ» .
ــ
٥٥٧٨ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ» ) أَيْ: تَرَوْنَ رَبَّنَا. ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْمَوْقِفِ حَاصِلَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، حَتَّى قِيلَ لِلْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ أَيْضًا، ثُمَّ يُحْجَبُونَ بَعْدَ ذَلِكَ ; لِيَكُونَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، وَأَقُولُ: وَفِيهِ بَحْثٌ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] ; وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا سَيَأْتِي: (حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ) ; وَلِأَنَّ لَذَّةَ النَّظَرِ وَلَوْ مَرَّةً تُنْسِي كُلَّ مِحْنَةٍ وَشِدَّةٍ، بَلْ يَرْتَفِعُ بِهِ كُلُّ حَسْرَةٍ ; إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّظَرَ لَا يُوجَدُ دَائِمًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ أَيْضًا. قَالَ: وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ فِي الْجَنَّةِ فَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهَا حَاصِلَةٌ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالصِّدِّيقِينَ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، وَرِجَالِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْبَشَرِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِي نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ثَلَاثُ مَذَاهِبَ: لَا يَرَيْنَ، وَيَرَيْنَ، وَيَرَيْنَ فِي مِثْلِ أَيَّامِ الْأَعْيَادِ دُونَ غَيْرِهَا، وَفِي الْمَلَائِكَةِ قَوْلَانِ: لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ، وَيَرَوْنَهُ. وَفِي الْجِنِّ أَيْضًا خِلَافٌ. (هَلْ تُضَارُّونَ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِهَا مَعَ تَشْدِيدِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا.
قَالَ شَيْخُنَا الْمَرْحُومُ مَوْلَانَا عَبْدُ اللَّهِ السِّنْدِيُّ: فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ ضَمَّ التَّاءِ مَعَ التَّشْدِيدِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ، مَعَ احْتِمَالِ بِنَائِهِ لِلْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ، وَكَذَلِكَ فَتْحُ التَّاءِ مَعَ التَّشْدِيدِ ; فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ التَّفَاعُلِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّائَيْنِ، وَهُوَ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَأَمَّا ضَمُّ التَّاءِ مَعَ تَخْفِيفِ الرَّاءِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لِلْمَجْهُولِ، مِنْ ضَارَهُ يَضِيرُهُ أَوْ يَضُورُهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ بِمَعْنَى صَرَفَ، وَأَمَّا فَتْحُ التَّاءِ مَعَ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ، فَلَا وَجْهَ لَهُ بِحَسَبِ الْقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالْمَعْنَى: هَلْ تَتَدَافَعُونَ وَتَتَزَاحَمُونَ لِيَحْصُلَ لَكُمْ ضَرَرٌ (فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ) أَيْ: وَقْتَ انْتِصَافِ النَّهَارِ (صَحْوًا) أَيْ: حِينَ لَا سَحَابَ وَلَا غُبَارَ، مِنْ أَصْحَتِ السَّمَاءُ إِذَا خَلَتْ مِنَ الْغَيْمِ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَفِي الْقَامُوسِ: الصَّحْوُ ذَهَابُ الْغَيْمِ، فَقَوْلُهُ: (لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ) ؟ تَأْكِيدٌ، وَالْمُرَادُ بِالسَّحَابِ الْحِجَابُ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَانِبِ الرَّائِي، أَوْ مِنْ جَانِبِ الْمَرْئِيِّ، ثُمَّ أَكَّدَ ثَالِثًا وَأَظْهَرَ مِثَالًا آخَرَ بِقَوْلِهِ: (وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا) أَيْ: فِي السَّمَاءِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ، أَوْ فِي جِهَةِ رُؤْيَةِ الْقَمَرِ مِنَ السَّمَاءِ (سَحَابٌ) ؟ أَيْ مَانِعٌ وَحِجَابٌ (قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : أُرِيدَ
стр. 7731
بِهِ الْمَوْقِفُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ (إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا) ، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ وَتَعْلِيقٌ بِالْمُحَالِ، أَيْ: لَوْ كَانَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا مُضَارَّةٌ لَكَانَ فِي رُؤْيَتِهِ مُضَارَّةٌ، وَالتَّشْبِيهُ إِنَّمَا هُوَ لِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ، وَتَحَقُّقِ الرُّؤْيَةِ مَعَ التَّنَزُّهِ عَنْ صِفَاتِ الْحُدُوثِ مِنْ نَحْوِ الْمُقَابَلَةِ وَالْجِهَةِ، وَلَعَلَّ ذِكْرَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ حَاصِلَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، عَلَى غَايَةٍ مِنَ الظُّهُورِ وَنِهَايَةٍ مِنَ الْأَنْوَارِ، وَإِيمَاءٍ إِلَى تَفَاوُتِ التَّجَلِّي الرَّبَّانِيِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَبْرَارِ، (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) أَيْ: نَادَى مُنَادٍ (لِيَتَّبِعْ) : بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالسُّكُونِ وَالْفَتْحِ، أَيْ: لِيَعْقُبَ (كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنَ الْأَصْنَامِ) : بَيَانُ غَيْرِ اللَّهِ (وَالْأَنْصَابِ) : جَمْعُ نَصْبٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّهَا وَسُكُونِ الصَّادِ وَيُضَمَّانِ، وَهِيَ حِجَارَةٌ كَانَتْ تُنْصَبُ وَتُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَذْبَحُونَ عَلَيْهَا تَقَرُّبًا إِلَى آلِهَتِهِمْ، وَكُلُّ مَا نُصِبَ وَاعْتُقِدَ تَعْظِيمُهُ مِنَ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَهُوَ النَّصْبُ، (إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ) ; لِأَنَّ الْأَنْصَابَ وَالْأَصْنَامَ مُلْقَاةٌ فِيهَا (حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ) أَيْ: وَحْدَهُ (مِنْ بَرٍّ) أَيْ: مُطِيعٍ صَالِحٍ (وَعَاصٍ) أَيْ: فَاجِرٍ فَاسِقٍ (أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ) أَيْ: أَتَاهُمْ أَمْرُهُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ) أَيِ: الرَّبُّ (فَمَاذَا تَنْظُرُونَ) ؟ أَيْ: تَنْتَظِرُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ بِالْإِتْيَانِ عَنِ التَّجَلِّيَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالتَّعْرِيفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ، بَلْ قِيلَ: هُوَ الْقَوْلُ الْحَقُّ، وَهُوَ بِالِاعْتِبَارِ أَوْلَى وَأَحَقُّ، وَقِيلَ: الْإِتْيَانُ هُنَا عِبَارَةٌ عَنْ رُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُ ; لِأَنَّ مَنْ غَابَ عَنْ غَيْرِهِ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ إِلَّا بَعْدَ الْإِتْيَانِ، فَعَبَّرَ بِالْإِتْيَانِ عَنِ الرُّؤْيَةِ مَجَازًا، وَقِيلَ: الْإِتْيَانُ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ سَمَّاهُ إِتْيَانًا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ إِتْيَانُ بَعْضِ الْمَلَائِكَةِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: وَهَذَا الْوَجْهُ أَشْبَهُ عِنْدِي بِالْحَدِيثِ، أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ: يَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي صُورَةِ الْمَلَائِكَةِ مَخْلُوقَاتِهِ الَّتِي لَا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْإِلَهِ لِيَخْتَبِرَهُمْ، فَإِذَا قَالَ لَهُمُ الْمَلَكُ، أَوْ هَذِهِ الصُّورَةُ: أَنَا رَبُّكُمْ، وَرَأَوْا عَلَيْهِ مِنْ عَلَامَةِ الْمَخْلُوقِ يُنْكِرُونَهُ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ رَبَّهُمْ، فَيَسْتَعِيذُونَ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَقِيلَ: الرُّؤْيَةُ حَقِيقَةٌ غَيْرَ أَنَّا لَا نُكَيِّفُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: كُنْهُ مَعْرِفَتِهَا إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: إِتْيَانُ اللَّهِ فِي الْكِتَابِ مُفَسَّرٌ بِإِتْيَانِ أَمْرِهِ، وَإِتْيَانِ بِأْسِهِ، وَلَفْظُ التَّنْزِيلِ مُحْتَمِلٌ لِكِلَا الْقَوْلَيْنِ، فَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ يُئَوَّلُ عَلَى إِتْيَانِ أَمْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَمَاذَا تَنْظُرُونَ؟ وَمِنَ السَّلَفِ مَنْ تَنَزَّهَ عَنْ تَأْوِيلِهِ خَشْيَةَ الْخَطَأِ، مَعَ تَمَسُّكِهِ بِعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَهِيَ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الِاتِّصَافِ بِمَا تَتَحَدَّثُ بِهِ النُّفُوسُ مِنْ أَوْصَافِ الْخَالِقِ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْفُتُوحِ الْعِجْلِيُّ فِي كِتَابِ الْأَقَاوِيلِ الْمَشْهُورَةِ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَدْ تَكَلَّمَ الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَتَأْوِيلِهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ. قَالَ: إِنَّ هَذَا مَوْضِعٌ يَحْتَاجُ الْكَلَامُ فِيهِ إِلَى تَأْوِيلٍ وَتَخَرُّجٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّا نُنْكِرُ رُؤْيَةَ اللَّهِ ، بَلْ نُثْبِتُهَا، وَلَا مِنْ أَجْلِ أَنَّا نَدْفَعُ مَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ ذِكْرِ الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ، غَيْرَ أَنَّا لَا نُكَيِّفُ ذَلِكَ، وَلَا نَجْعَلُهُ حَرَكَةً وَانْتِقَالًا كَمَجِيءِ الْأَشْخَاصِ وَإِتْيَانِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ نُعُوتِ الْحَادِثِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ الَّتِي هِيَ ثَوَابُ الْأَوْلِيَاءِ وَكَرَامَةٌ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، غَيْرُ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَقَامِهِمْ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ صُهَيْبٍ فِي الرُّؤْيَةِ يَعْنِي كَمَا سَيَجِيءُ فِي بَابِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا تَعَرُّضُهُمْ لِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ امْتِحَانٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ، فَيَقَعُ بِهَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى وَبَيْنَ مَنْ عَبَدَ الطَّوَاغِيتَ ; لِيَتَّبِعَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَعْبُودَهُ، وَلَيْسَ نُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ الِامْتِحَانُ إِذْ ذَاكَ بَعْدُ قَائِمًا، وَحُكْمُهُ عَلَى الْخَلْقِ جَارِيًا حَتَّى يَفْرَغَ مِنَ الْحِسَابِ، وَيَقَعَ الْجَزَاءُ بِمَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوَابِ أَوِ الْعِقَابِ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ إِذَا حَقَّتْ وَاسْتَقَرَّتِ الْحَقَائِقُ أَمْرُ الْعِبَادِ قَرَارُهَا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ( «إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَسْجُدُونَ وَيَصِيرُ ظُهُورُ الْمُنَافِقِينَ طَبَقًا وَاحِدًا» ) . قَالَ: وَيُخَرَّجُ مَعْنَى إِتْيَانِ
стр. 7732
اللَّهِ فِي هَذَا إِيَّاهُمْ أَنَّهُ يُشْهِدُهُمْ رُؤْيَتَهُ لِيَتَيَقَّنُوهُ ; فَيَكُونُ مَعْرِفَتُهُمْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ عِيَانًا كَمَا كَانَ اعْتِرَافُهُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ فِي الدُّنْيَا عِلْمًا وَاسْتِدْلَالًا، وَيَكُونُ طَرِيقُ الرُّؤْيَةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ بِمَنْزِلَةِ إِتْيَانِ الْآتِي مِنْ حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا شَاهَدُوهُ، ثُمَّ قَوْلُهُ: فَمَاذَا تَنْظُرُونَ؟ أَيْ: قُلْنَا لَكُمْ لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَبَعْضُكُمُ اتَّبَعَ مَا عَبَدَهُ، فَلِمَ أَنْتُمْ أَيْضًا لَا تَتْبَعُونَهُ؟ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (يَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ) ، فَإِنَّ لَفْظَهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ (قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ) أَيِ: الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ نَعْبُدَ مَا سِوَاهُ فِي الدُّنْيَا، وَالْمَعْنَى: مَا اتَّبَعْنَاهَا مَا دُمْنَا فِي الدُّنْيَا (أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، أَيْ: فِي أَفْقَرِ أَكْوَانِنَا إِلَى النَّاسِ (وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ) أَيْ: فِي أَفْعَالِهِمْ، بَلْ قَاتَلْنَاهُمْ وَحَارَبْنَاهُمْ، وَعَادَيْنَاهُمْ وَقَاطَعْنَاهُمْ لِمَرْضَاتِكَ وَرَجَاءً لِتَجَلِّيَاتِكَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّا مَا اتَّبَعْنَاهُمْ حِينَئِذٍ وَالْأَمْرُ غَيْبٌ عَنَّا، وَنَحْنُ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِمْ، فَكَيْفَ نَتْبَعُهُمُ الْآنَ وَقْتَ الْعِيَانِ؟ إِنَّهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَفْقَرَ: حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ فَارَقْنَا، وَمَا: مَصْدَرِيَّةٌ وَالْوَقْتُ مُقَدَّرٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ تَضَرَّعُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَجَأُوا إِلَيْهِ وَتَوَسَّلُوا بِهَذَا الْقَوْلِ الْمُشْعِرِ بِالْإِخْلَاصِ إِلَى الْخَلَاصِ، يَعْنِي: رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا، الَّذِينَ زَاغُوا عَنْ طَاعَتِكَ مِنَ الْأَقْرِبَاءِ، وَمِمَّنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِمْ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَهَكَذَا كَانَ دَأْبُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُقَاطِعُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مَعَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، وَآثَرُوا رِضَا اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ.
стр. 7733
٥٥٧٩ - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ) . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: ( «فَيَقُولُ هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرَفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ - وَقَدْ بُيِّنَ لَكُمْ - مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُّونَ. فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيِّرًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: شُفِّعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشُفِّعَ النَّبِيُّونَ، وَشُفِّعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهْرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ، فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ، فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٧٩ - (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا) أَيْ: يَتَجَلَّى عَلَيْنَا بِوَجْهٍ نَعْرِفُهُ، (فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا) أَيْ: عَلَى مَا عَرَفْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الصُّورَةِ وَالْكَمِّيَّةِ، وَالْكَيْفِيَّةِ وَالْجِهَةِ وَأَمْثَالِهَا، (عَرَفْنَاهُ) أَيْ: حَقَّ الْمَعْرِفَةِ. قِيلَ: يُشْبِهُ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا مَنَعَهُمْ عَنْ تَحَقُّقِ الرُّؤْيَةِ فِي الْكَرَّةِ الْأُولَى، حَتَّى قَالُوا: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا ; مِنْ أَجْلِ مَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ الرُّؤْيَةَ، وَهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ، فَلَمَّا مُيِّزُوا عَنْهُمُ ارْتَفَعَ الْحِجَابُ، فَقَالُوا عِنْدَمَا رَأَوْهُ: أَنْتَ رَبُّنَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ.
(وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: فَيَقُولُ هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ) أَيْ: بَيْنَ رَبِّكُمْ (آيَةٌ) أَيْ: عَلَامَةٌ (تَعْرِفُونَهُ) ؟ أَيْ: بِتِلْكَ الْآيَةِ، وَهِيَ الْمَعْرِفَةُ وَالْمَحَبَّةُ الَّتِي هِيَ نَتِيجَةُ التَّوْحِيدِ، وَثَمَرَةُ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ، (يَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) : بِصِيَغِةِ الْمَجْهُولِ، وَقِيلَ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ، قِيلَ: مَعْنَى كَشْفِ السَّاقِ زَوَالُ الْخَوْفِ وَالْهَوْلِ، (فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ) أَيْ: مِنْ نَحْوِهَا وَجِهَتِهَا مُخْلِصًا لَا لِجِهَةِ اتِّقَاءِ الْخَلْقِ وَتَعْلِيقِ الرَّجَاءِ بِهِمْ، (إِلَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً) أَيِ: احْتِرَاسًا مِنَ السَّيْفِ، أَوْ خَوْفًا مِنَ النَّاسِ (وَرِيَاءً) أَيْ: مُرَايَاةً وَمُسَامَعَةً لِلْخَلْقِ (إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً) ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ ﵀: قَوْلُهُ: طَبَقَةً وَاحِدَةً أَيْ صَفْحَةً، أَيْ: صَارَ فَقَارُ ظَهْرِهِ وَاحِدَةً كَالصَّفْحَةِ، (كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ) أَيْ: سَقَطَ (عَلَى قَفَاهُ) .
قَالَ الشَّيْخُ ﵀: وَالَّذِي يُوَضِّحُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَنَّ الدُّنْيَا - وَإِنْ كَانَتْ دَارَ ابْتِلَاءٍ - فَقَدْ يَتَحَقَّقُ الْجَزَاءُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] ، فَكَذَا الْآخِرَةُ، وَإِنْ كَانَتْ دَارَ جَزَاءٍ فَقَدْ يَقَعُ بِهَا الِابْتِلَاءُ أَيْ بِالتَّجَلِّي وَالسُّجُودِ وَنَحْوِهِمَا ; بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَبْرَ هُوَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ
стр. 7734
يَجْزِي فِيهِ الِابْتِلَاءُ، ثُمَّ قَالَ: فَلَئِنْ كَانَ مَعْنَى الْخَبَرِ هَذَا فَذَاكَ، وَإِلَّا فَمَعْنَاهُ مَا أَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ مُمَاثَلَةٍ وَمُشَابَهَةٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هَذَا السُّجُودُ امْتِحَانٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ. أَقُولُ: الْأَظْهَرُ مَا قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ مِنْ أَنَّ التَّحْقِيقَ هُوَ أَنَّ التَّكْلِيفَ خَاصٌّ بِالدُّنْيَا، وَأَمَّا مَا يَقَعُ فِي الْقَبْرِ وَفِي الْمَوْقِفِ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَثَارِ ذَلِكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَقَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الْجَمْعَ الَّذِي فِيهِمُ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُنَافِقُونَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ يَمْتَحِنُ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ كَانَ مُخْلِصًا، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ كَانَ مُنَافِقًا، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى.
(ثُمَّ يُضْرَبُ) أَيْ: يُجْعَلُ وَيُمَدُّ (الْجِسْرُ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْجَسْرُ الَّذِي يُعْبَرُ عَلَيْهِ، وَيُكْسَرُ، وَالْمَعْنَى مَوْضِعُ الصِّرَاطِ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ (عَلَى جَهَنَّمَ) أَيْ: مَتْنِهَا أَوْ وَسَطِهَا (وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ وَيُضَمُّ، أَيْ: تَقَعُ وَيُؤْذَنُ فِيهَا (فَيَقُولُونَ) أَيِ: الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ ; بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ هَذَا، (اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) : تَكْرَارُهُ مَرَّتَيْنِ الْمُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ، أَوْ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ، أَوْ لِلْإِلْحَاحِ فِي الدُّعَاءِ كَمَا هُوَ مِنْ آدَابِهِ، وَهُوَ أَمْرُ مُخَاطَبٍ، أَيْ: يَقُولُ كُلُّ نَبِيٍّ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ أُمَّتِي مِنْ ضَرَرِ الصِّرَاطِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ سَالِمِينَ مِنْ آفَاتِهِ، آمِنِينَ مِنْ مَخَافَاتِهِ. (فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرَفِ الْعَيْنِ) ، وَفِي الْمَصَابِيحِ كَطَرْفَةِ الْعَيْنِ. قَالَ شَارِحٌ لَهُ: التَّاءُ لِلْوَحْدَةِ، يُقَالُ طَرَفَ طَرَفًا إِذَا أَطْبَقَ أَحَدَ جَفْنَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، (وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ) أَيْ: بِحَسَبِ مَقَامَاتِهِمْ، وَعَلَى قَدْرِ حَالَاتِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْجَذْبَةِ وَقُوَّةِ الطَّيَرَانِ وَسُرْعَةِ الْجَرَيَانِ، الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ) : هِيَ جَمْعُ أَجْوَادٍ، وَهُوَ جَمْعُ جَوَادٍ، وَهُوَ الْفَارِسُ السَّابِقُ الْجَيِّدُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، فَجَوَادٌ نَعْتٌ مِنْ جَادَ إِذَا أَسْرَعَ فِي السَّيْرِ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، وَقَوْلُهُ: (وَالرِّكَابِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ عَطْفٌ عَلَى الْخَيْلِ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْإِبِلُ، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، (فَنَاجٍ) : الْفَاءُ لِلتَّفْرِيغِ أَوِ التَّفْضِيلِ، وَقَدْ قَسَّمَ الْمَارَّةَ عَلَى الصِّرَاطِ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ عَلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ، بِحَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْعَمَلِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَالْمَعْنَى: فَمِنْهُمْ نَاجٍ (مُسَلَّمٌ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ: يَنْجُو مِنَ الْعَذَابِ وَلَا يَنَالُهُ مَكْرُوهٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ، (وَمَخْدُوشٌ) أَيْ: وَمِنْهُمْ مَجْرُوحٌ (مُرْسَلٌ) أَيْ: مُخَلَّصٌ. قَالَ شَارِحٌ: أَيِ الَّذِي يُخْدَشُ بِالْكَلُّوبِ فَيُرْسَلُ إِلَى النَّارِ مِنْ عُصَاةِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَقَوْلُهُ: مُرْسَلٌ أَيْ مُطْلَقٌ مِنَ الْقَيْدِ وَالْغَلِّ بَعْدَ أَنْ عُذِّبُوا مُدَّةً، (وَمَكْدُوسٌ) : بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: وَمِنْهُمْ مَدْفُوعٌ (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) : يُقَالُ: كُدِسَ إِذَا دُفِعَ مِنْ وَرَائِهِ فَسَقَطَ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا مَنْجَا وَلَا مَلْجَأَ لَهُمْ، الْمَقْضِيُّونَ بِالْخُلُودِ عَلَيْهِمْ، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِقَوْلِهِ ﵊: (وَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ) اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ: (فَنَاجٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ (فَيَمُرُّ) لَا أَنَّهُ تَفْرِيعٌ لَهُ، وَالضَّمِيرُ فِي مِنْهُمُ الْمُقَدَّرُ رَاجِعٌ إِلَى جَمِيعِ الْمَارَّةِ عَلَى الْجِسْرِ، وَرُوِيَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ كَدَشَهُ إِذَا سَاقَهُ سَوْقًا شَدِيدًا، وَخَدَشَهُ وَجَرَحَهُ وَطَرَدَهُ، وَرُوِيَ مَكْدُوشٌ أَيْ مُلْقًى فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَكْدُوسٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ، قَالَ: وَرَوَاهُ الْعُذْرِيُّ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَمَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ السَّوْقُ الشَّدِيدُ، وَبِالْمُهْمَلَةِ كَوْنُ الْأَشْيَاءِ بَعْضُهَا رَاكِبَةً عَلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ تَكَدَّسَتِ الدَّوَابُّ فِي سَيْرِهَا إِذَا رَكِبَ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَفِي النِّهَايَةِ: مَكْدُوسٌ فِي النَّارِ أَيْ: جُمِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَأُلْقِيَ فِيهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَسَّمَ الْمَارَّةَ عَلَى الصِّرَاطِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ: قِسْمٌ مُسَلَّمٌ فَلَا يَنَالُهُ شَيْءٌ أَصْلًا، وَقِسْمٌ يُخْدَشُ ثُمَّ يُرْسَلُ فَيَخْلُصُ، وَقِسْمٌ يُكَرْدَسُ وَيُلْقَى فَيَسْقُطُ فِي جَهَنَّمَ، وَخَدَشَ الْجِلْدَ قَشَّرَهُ بِعُودٍ، (حَتَّى إِذَا خَلَصَ) : بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ نَجَا (الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ) أَيْ: مِنْ وُقُوعِهِمْ فِيهَا، فَحَتَّى: غَايَةٌ لِمُرُورِ الْبَعْضِ
стр. 7735
عَلَى الصِّرَاطِ وَسُقُوطِ الْبَعْضِ فِي النَّارِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: حَتَّى: غَايَةُ قَوْلِهِ مَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، أَيْ: يَبْقَى الْمَكْدُوسُ فِي النَّارِ حَتَّى يَخْلُصَ بَعْدَ الْعَذَابِ بِمِقْدَارِ ذَنْبِهِ، أَوْ بِشَفَاعَةِ أَحَدٍ، أَوْ بِفَضْلِهِ سُبْحَانَهُ، وُضِعَ الْمُؤْمِنُونَ مَوْضِعَ الرَّاجِعِ إِلَى الْمَكْدُوسِ إِشْعَارٌ بِالْعِلِّيَّةِ وَأَنَّ صِفَةَ الْإِيمَانِ مُنَافِيَةٌ لِلْخُلُودِ فِي النَّارِ. (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) : جَوَابُ إِذَا (مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ) : خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقَوْلُهُ: (بِأَشَدَّ) خَبَرُ مَا، وَقَوْلُهُ: (مُنَاشَدَةً) مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَيْ: أَشَدَّ مُطَالَبَةً وَمُنَاظَرَةً، وَقَوْلُهُ: (فِي الْحَقِّ) ظَرْفٌ لِلْمُنَاشَدَةِ، (وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ) : صِفَةٌ لِلْحَقِّ ; لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى نَكِرَةٌ، أَيْ: فِي حَقٍّ قَدْ تَبَيَّنَ وَظَهَرَ لَكُمْ عَلَى خَصْمِكُمْ، أَوْ حَالٌ إِمَّا مِنَ الضَّمِيرِ فِي أَشَدَّ، وَإِمَّا مِنَ الْحَقِّ. وَقَالَ شَارِحٌ: حَالٌ مِنَ الْحَقِّ، وَالتَّقْدِيرُ: مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً فِي حَالِ أَنْ تَبَيَّنَ لَكُمُ الْأَمْرُ الْحَقُّ، وَقَوْلُهُ: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِأَشَدَّ، أَيْ: بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً مِنْكُمْ، فَوَضَعَ الْمُظْهَرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ، وَقَوْلُهُ: (لِلَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمُنَاشَدَةٍ، وَقَوْلُهُ: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظَرْفُ أَشَدَّ، أَيْ: يُنَاشِدُونَ اللَّهَ (لِإِخْوَانِهِمْ) أَيْ: لِأَجْلِ إِخْوَانِهِمْ (الَّذِينَ فِي النَّارِ) ، بِالشَّفَاعَةِ مِنَ الْجَبَّارِ الْغَفَّارِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُنَاشِدُ اللَّهَ فِي الدُّنْيَا فِي اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ وَاسْتِقْصَائِهِ، وَتَحْصِيلِهِ مِنْ جِهَةِ خَصْمِهِ وَالْمُعْتَدَى عَلَيْهِ بِأَشَدَّ مِنْكُمْ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ تَعَالَى فِي الشَّفَاعَةِ لِإِخْوَانِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا: مَعْنَاهُ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ أَكْثَرُ اجْتِهَادًا وَمُبَالَغَةً فِي طَلَبِ الْحَقِّ حِينَ ظَهَرَ لَكُمُ الْأَمْرُ الْحَقُّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَلَبِ خَلَاصِ إِخْوَانِهِمُ الْعُصَاةِ فِي النَّارِ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ مُنَاشَدَتَهُمْ بِقَوْلِهِ: (يَقُولُونَ رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعًا) أَيْ: مُوَافِقِينَ لَنَا (وَيُصَلُّونَ) أَيْ: صَلَاتَنَا (وَيَحُجُّونَ) أَيْ: عَلَى طَرِيقَتِنَا (فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ) أَيْ: بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، (فَتُحَرَّمُ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ: فَتُمْنَعُ (صُوَرُهُمْ) أَيْ: تَغَيُّرُهَا (عَلَى النَّارِ) أَيْ: بِأَنْ تَأْكُلَهَا أَوْ تُسَوِّدَهَا بِحَيْثُ لَا تُعْرَفُ وُجُوهُهُمْ، فَيَعْرِفُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الشَّافِعُونَ بِسِيمَاهُمْ، (فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا) أَيْ: مِنْهَا (ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ) أَيْ: بِإِخْرَاجِهِ مِنْ أَرْبَابِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، (فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ) أَيْ: مِقْدَارَهُ (مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ) ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: قِيلَ: مَعْنَى الْخَيْرِ هُنَا الْيَقِينُ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِيمَانِ ; لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ لَا يَتَجَزَّأُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا التَّجْزِيءُ بِشَيْءٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، أَوْ ذِكْرٍ خَفِيٍّ، أَوْ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى مِسْكِينٍ، أَوْ خَوْفٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَنِيَّةٍ صَادِقَةٍ، ( «فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ نِصْفَ مِثْقَالِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ» ) أَيْ: لَمْ نَتْرُكَ (فِيهَا) أَيْ: فِي جَهَنَّمَ (خَيِّرًا) أَيْ: أَهْلَ خَيْرٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ مَنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ، مِنِ ازْدِيَادِ الْيَقِينِ، أَوِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَوَضَعَ الْخَيْرَ مَوْضِعَ الذَّاتِ، كَمَا يُوضَعُ الْعَدْلُ مَوْضِعَهُ مُبَالَغَةً، أَيْ: فَيُقَالُ رَجُلٌ عَدْلٌ، وَأُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ مُبَالَغَةً عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ هُوَ، بَلْ هُوَ هُوَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْعَدْلَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْعَادِلِ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ صَاحِبُ عَدْلٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (فَيَقُولُ اللَّهُ: شُفِّعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشُفِّعَ النَّبِيُّونَ، وَشُفِّعَ الْمُؤْمِنُونَ،
стр. 7736
وَلَمْ يَبْقَ) أَيْ: أَحَدٌ مِمَّنْ يَرْحَمُ عَلَى أَحَدٍ (إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) أَيِ: الَّذِي رَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنَّ رَحْمَةَ كُلِّ أَحَدٍ فِي جَنْبِ أَثَرِ رَحْمَتِهِ كَلَا شَيْءٍ، (فَيَقْبِضُ قَبْضَةً) أَيْ: مَا يَسَعُ الْكَفَّ (مِنَ النَّارِ) أَيْ: مِنْ أَهْلِهَا (فَيُخْرِجُ) أَيِ: اللَّهُ (مِنْهَا) أَيْ: مِنَ النَّارِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ تِلْكَ الْقَبْضَةِ (قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ) أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ خَيْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِيمَانِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: هُمُ الَّذِينَ مَعَهُمْ مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يُؤْذَنْ فِيهِمْ بِالشَّفَاعَةِ، وَتَفَرَّدَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِ مَا تُكِنُّهُ الْقُلُوبُ بِالرَّحْمَةِ لِمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا حَضَرَ لَهُ الْقَلْبُ بِالرَّحْمَةِ وَصَحِبَتْهُ نِيَّةٌ، وَعَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ. قُلْتُ: الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ التَّصْدِيقَ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ عَلَى التَّحْقِيقِ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِي أَنْوَارِهِ وَثَمَرَاتِهِ وَنَتَائِجِهِ مِنْ حَقَائِقِ الْإِيقَانِ، وَدَقَائِقِ الْعِرْفَانِ، وَمَرَاتِبِ الْإِحْسَانِ، وَمَنَازِلِ الْعِرْفَانِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَدْ عَادُوا) : الْجُمْلَةُ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ، وَالْمَعْنَى: صَارُوا (حُمَمًا) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ جَمْعُ حُمَمَةٍ، وَهِيَ الْفَحْمُ (فَيُلْقِيهِمْ) أَيْ: يَأْمُرُ اللَّهُ بِإِلْقَائِهِمْ، أَوْ يُلْقِيهِمْ بِلَا وَاسِطَةٍ (فِي نَهَرٍ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ، أَيْ: جَدْوَلِ مَاءٍ كَائِنٍ (فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ) أَيْ: فِي أَوَائِلِهَا، وَهُوَ جَمْعُ فُوَّهَةٍ بِضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ، وَهُوَ جَمْعٌ سُمِعَ مِنَ الْعَرَبِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَأَفْوَاهُ الْأَزِقَّةِ وَالْأَنْهَارِ أَوَائِلُهَا كَذَا، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَفْوَاهُ كِنَايَةً عَنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِدُخُولِهِمْ إِيَّاهَا عَلَى أَحْسَنِ الْهَيْئَةِ. (يُقَالُ لَهُ) أَيْ: لِذَلِكَ النَّهْرِ (نَهْرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ) أَيْ: مِنَ النَّهْرِ (كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ فَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، أَيْ: مَحْمُولِهِ، فَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْحِبَّةُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ جَامِعٌ لِحُبُوبِ الْبُقُولِ الَّتِي تَنْتَشِرُ إِذَا هَاجَتْ، ثُمَّ إِذَا مُطِرَتْ مِنْ قَابِلٍ نَبَتَتْ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: هِيَ حَبُّ الرَّيَاحِينِ، فَأَمَّا الْحِنْطَةُ وَنَحْوُهَا فَهِيَ الْحَبُّ لَا غَيْرُ، وَالْحَبَّةُ مِنَ الْحَبِّ فَبِالْفَتْحِ، وَحَمِيلُ السَّيْلِ هُوَ مَا يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِنْ غُثَاءٍ أَوْ طِينٍ، فَإِذَا اتَّفَقَ فِيهِ الْحِبَّةُ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى شَطِّ مَجْرَى السَّيْلِ تَنْبُتُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَهِيَ أَسْرَعُ نَابِتَةٍ نَبَاتًا. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَإِنَّمَا شَبَّهَهُمْ بِهَا لِسُرْعَةِ نَبَاتِهَا وَحُسْنِهَا وَطَرَاوَتِهَا انْتَهَى، فَالتَّشْبِيهُ فِي سُرْعَةِ الظُّهُورِ. وَقَالَ شَارِحٌ: الْحِبَّةُ بِالْكَسْرِ بَذْرُ الصَّحْرَاءِ مِمَّا لَيْسَ بِقُوتٍ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْحِبَّةُ بِالْكَسْرِ بَذْرُ الصَّحْرَاءِ وَالْجَمِيعُ: حُبَبٌ، وَأَمَّا الْحَبَّةُ بِالْفَتْحِ فَهُوَ مَا يَزْرَعُهُ النَّاسُ وَالْجَمْعُ حُبُوبٌ.
(يَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ) ، فِي الْبَيَاضِ وَالصَّفَاءِ، (فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ) : جَمْعُ الْخَاتَمِ وَالْجَمْعُ لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، وَالْمُرَادُ هُنَا عَلَامَةٌ تَظْهَرُ فِي رِقَابِهِمْ ; لِيَكُونُوا مُتَمَيِّزِينَ مِنَ الْمَغْفُورِينَ بِوَاسِطَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ: الْمُرَادُ بِالْخَوَاتِمِ هُنَا أَشْيَاءُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ غَيْرِهِ تُعَلَّقُ فِي أَعْنَاقِهِمْ يُعْرَفُونَ بِهَا، (فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ) أَيْ: حِينَ رَأَوْهُمْ وَظَهَرَ لَهُمْ تِلْكَ الْعَلَامَةُ (هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أَدْخَلَهُمْ) أَيِ: اللَّهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ) أَيْ: عَمِلُوهُ، عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (وَلَا خَيْرٍ) أَيْ: مِنْ عَمَلٍ بَاطِنٍ (قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ لَكُمْ) : الْخِطَابُ لِلْعُتَقَاءِ أَيْ لَكُمْ (مَا رَأَيْتُمْ) أَيْ: مِقْدَارَ مَدِّ بَصَرِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ (وَمِثْلَهُ مَعَهُ) ، أَوْ لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ مِمَّا جَاءَ فِي نَظَرِكُمْ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَالْقُصُورِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فِيهِ حَذْفٌ، أَيْ: فَيَنْظُرُونَ فِي الْجَنَّةِ إِلَى أَشْيَاءَ يَنْتَهِي مَدُّ بَصَرِهِمْ إِلَيْهَا، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ. أَقُولُ: وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أَيْ: جَنَّةٌ ظَاهِرَةٌ وَجَنَّةٌ بَاطِنَةٌ، أَوْ جَنَّةٌ مِنْ جِهَةِ الْعَدْلِ وَجَنَّةٌ مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7737
٥٥٨٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيَخْرُجُونَ قَدِ امْتَحَشُوا، وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْا أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٨٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ: لِلْأَنْبِيَاءِ أَوْ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الشُّفَعَاءِ أَوْ لِلْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا سَيَأْتِي
стр. 7738
مُصَرَّحًا فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ (مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ) أَيْ: مِنَ النَّارِ. قِيلَ: بِهَذَا الْحَدِيثِ يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَهُمُ الرَّحْمَنُ بِقَبْضَةٍ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِلَا خَيْرٍ وَعَمَلٍ زَائِدٍ عَلَى الْإِيمَانِ، دُونَ الْكُفَّارِ كَمَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ هُنَاكَ ; فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، (فَيُخْرَجُونَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَدِ امْتَحَشُوا) : عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ أَيِ احْتَرَقُوا وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَقِيلَ: بِالْمَفْعُولِ فَكَأَنَّهُ جُعِلَ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنَى الْمَحْشِ عَلَى حَذْفِ الزَّوَائِدِ، وَهُوَ إِحْرَاقُ النَّارِ الْجِلْدَ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَحْشُ إِحْرَاقُ الْجِلْدِ وَظُهُورُ الْعَظْمِ. وَفِي الْقَامُوسِ: امْتَحَشَ احْتَرَقَ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: امْتَحَشُوا احْتَرَقُوا وَزْنًا وَمَعْنًى، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، وَلَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ امْتَحَشَهُ مُتَعَدِّيًا، وَإِنَّمَا سُمِعَ لَازِمًا مُطَاوِعُ مَحَشَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ، وَبِهِ ضَبَطَ الْخَطَّابِيُّ وَالْهَرَوِيُّ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ عَنْ شُيُوخِهِ، وَمَعْنَاهُ: احْتَرَقُوا. قَالَ الْقَاضِي: وَرَوَاهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ. (وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ) أَيْ: تَعُودُ أَبْدَانُهُمْ إِلَيْهِمْ (كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْا) أَيْ: أَلَمْ تُبْصِرُوا، أَوْ أَلَمْ تَعْلَمُوا (أَنَّهَا) أَيِ: الْحِبَّةُ (تَخْرُجُ) أَيْ: أَوَّلًا (صَفْرَاءَ) أَيْ: خَضْرَاءَ (مُلْتَوِيَةً) أَيْ: مَلْفُوفَةً مُجْتَمِعَةً، وَقِيلَ مُنْحَنِيَةً. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7739
٥٥٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ غَيْرَ كَشْفِ السَّاقِ، «وَقَالَ: يُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَإِنَّهُ وَقَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَفْعَلْ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي اللَّهَ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ ; فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا، سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتُ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَسَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: تَمَنَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ» . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: " قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٨١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَذَكَرَ) أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ (مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ) أَيِ: الَّذِي مَرَّ قُبَيْلَ ذَلِكَ (غَيْرَ كَشْفِ السَّاقِ، وَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا (يُضْرَبُ الصِّرَاطُ) أَيْ: يُمَدُّ (بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ) أَيْ: بَيْنَ طَرَفَيْهَا فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ: عَلَى مَتْنِهَا وَظَهْرِهَا وَفَوْقَهَا، (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ: مَنْ يُجَاوِزُهُمْ عَنْهَا (وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ (إِلَّا الرُّسُلُ) ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ وَقْتَ جَوَازِ الصِّرَاطِ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَاهُ بِهَذَا ; لِأَنَّ ثَمَّةَ مَوَاطِنَ لَا يَتَكَلَّمُ فِيهَا النَّاسُ. قُلْتُ لِقَوْلِهِ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ، وَلَكِنَّ هُنَاكَ مَوَاقِفَ يَتَكَلَّمُ فِيهَا عُمُومُ النَّاسِ أَيْضًا فَالْحَصْرُ يُفِيدُ التَّقْيِيدَ بِحِينَئِذٍ، (وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) : كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ (وَفِي جَهَنَّمَ) أَيْ: فِي أَطْرَافِهَا (كَلَالِيبُ) : بِلَا صَرْفٍ ; لِكَوْنِهِ عَلَى صِيغَةِ مُنْتَهَى الْجُمُوعِ جَمْعُ كُلَّابٍ بِالضَّمِّ، أَوْ كَلُّوبٍ بِالْفَتْحِ وَبِتَشْدِيدِ اللَّامِ فِيهِمَا، وَهِيَ حَدِيدَةٌ مُعْوَجَّةُ الرَّأْسِ يُخَطَّفُ بِهَا أَوْ يُعَلَّقُ عَلَيْهَا اللَّحْمُ، وَيُرْسَلُ فِي التَّنُّورِ، أَوْ عُودٌ فِي رَأْسِهِ اعْوِجَاجٌ يُجَرُّ بِهِ الْجَمْرُ. (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وَهُوَ نَبْتٌ لَهُ شَوْكٌ عَظِيمٌ، وَيُقَالُ لِشَوْكِهِ حَسَكُ السَّعْدَانِ، وَيُشْبِهُ حَلَمَةَ الثَّدْيِ (لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا) : بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ أَيْ: عَظَمَةَ تِلْكَ الْكَلَالِيبِ (إِلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ) أَيْ: تَأْخُذُ الْكَلَالِيبُ بِسُرْعَةٍ، وَالطَّاءُ مَفْتُوحَةٌ وَرُوِيَ بِكَسْرِهَا، وَالْأُولَى هِيَ الْأَوْلَى لِمُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ اللُّغَةُ الْفُصْحَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: يُرْوَى بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ: تَخْطَفُ (النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ) أَيْ: بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ، أَوْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ (فَمِنْهُمْ) أَيْ: مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ الْعُصَاةِ، أَوْ مِنَ الْمَخْطُوفِينَ (مَنْ يُوبَقُ) أَيْ: يَهْلِكُ وَيُحْبَسُ (بِعَمَلِهِ) أَيِ: الْقَبِيحِ، مِنْ وَبِقَ أَيْ هَلَكَ وَأَوْبَقَهُ غَيْرُهُ، فَفِي النِّهَايَةِ: وَبِقَ يَبِقُ وَيَوْبَقُ فَهُوَ وَبِقٌ إِذَا هَلَكَ، وَأَوْبَقَهُ غَيْرُهُ فَهُوَ مَوْبُوقٌ أَيْ مُهْلَكٌ. (وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ) : بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: يُصْرَعُ أَوْ يُقْطَعُ قَطْعًا كَالْخَرْدَلَةِ، فَفِي النِّهَايَةِ الْمُخَرْدَلُ: الْمُقَطَّعُ، تَقْطَعُهُ كَلَالِيبُ الصِّرَاطِ حَتَّى يَهْوِيَ فِي النَّارِ، يُقَالُ: خَرْدَلْتُ اللَّحْمَ
стр. 7740
بِالدَّالِ وَالذَّالِ أَيْ فَصَّلْتَ أَعْضَاءَهُ وَقَطَّعْتَهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: وَقِيلَ يُقَطِّعُ الْكَلَالِيبُ لَحْمَهُ عَلَى الصِّرَاطِ وَيُخْرِجُ أَعْضَاءَهُ، (ثُمَّ يَنْجُو) أَيْ: مِنَ الْمَوْقِعِ فِي النَّارِ، فَالْكَافِرُ يُوبَقُ، وَالْفَاسِقُ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَتَخَلَّصُ، (حَتَّى إِذَا أَفْرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ) أَيْ: مِنَ الْحُكْمِ (بَيْنَ عِبَادِهِ) بِمَا يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنْ جَزَاءِ عَمَلِهِ (وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ) أَيْ: يُوَحِّدُهُ أَوْ يَعْرِفُهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، أَوْ يَعْبُدُهُ عَلَى نَعْتِ التَّوْحِيدِ، (فَيُخْرِجُونَهُمْ، وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ) ، قَالَ تَعَالَى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] ، (وَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ) أَيْ: مَنَعَهَا (أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ) أَيْ: مِنْ وُجُوهِهِمْ أَوْ جِبَاهِهِمْ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ النَّارَ لَا تَأْكُلُ جَمِيعَ أَعْضَاءِ السُّجُودِ السَّبْعَةِ، وَهِيَ: الْجَبْهَةُ، وَالْيَدَانِ، وَالرُّكْبَتَانِ، وَالْقَدَمَانِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: الْمُرَادُ بِأَثَرِ السُّجُودِ الْجَبْهَةُ خَاصَّةً، وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ الثَّانِيَ مَا سَبَقَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: الْإِدَارَةُ الْوَجْهُ، وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ مِمَّا تَقَدَّمَ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ، (فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ) أَيْ: آثَارُ أَفْعَالِهِ مِنْ أَعْضَائِهِ (يَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ) : وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ (فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا) أَيِ: احْتَرَقُوا وَقَدْ سَبَقَ، (فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ) ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُمْ يُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ، وَلَعَلَّ الِاخْتِلَافَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، (فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) أَيْ: مَحْمُولِهِ، (وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجِنَّةِ وَالنَّارِ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ الدُّخُولِ (مُقْبِلٌ) : خَبَرٌ آخَرُ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ آخَرَ هُوَ مُقَدَّرٌ، أَيْ: مُتَوَجِّهٌ (بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، أَيْ: إِلَى جِهَتِهَا (فَيَقُولُ يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) أَيْ: رُدَّهُ عَنْهَا (وَقَدْ قَشَبَنِي) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ: آذَانِي وَأَهْلَكَنِي (رِيحُهَا) ، وَقِيلَ: سَمَّنِي وَأَهْلَكَنِي مِنَ الْقَشِيبِ، وَهُوَ السُّمُّ الْمُهْلِكُ، وَفِي الْمُقَدِّمَةِ: أَيْ مَلَأَ خَيَاشِيمِي، وَالْقَشَبُ: السُّمُّ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِصَابَةِ بِكُلِّ مَكْرُوهٍ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ غَيَّرَ جِلْدِي وَصُورَتِي، (وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ ذَكَاهَا بِالْقَصْرِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هُوَ بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ، أَيْ: لَهَبُهَا وَاشْتِعَالُهَا وَشِدَّةُ وَهَجِهَا، وَالْأَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ مَقْصُورَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّ الْقَصْرَ وَالْمَدَّ لُغَتَانِ، (فَيَقُولُ) أَيِ: الرَّبُّ (هَلْ عَسَيْتَ) أَيْ: يُتَوَقَّعُ مِنْكَ (إِنْ أَفْعَلْ ذَلِكَ) أَيْ: بِكَ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى صَرْفِ الْوَجْهِ، وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اسْمِ عَسَى وَخَبَرِهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: (أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ) ؟ وَالْمَعْنَى: هَلْ يُتَوَقَّعُ مِنْكَ بَعْدَ حُصُولِ ذَلِكَ سُؤَالُ غَيْرِهِ؟ .
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ عَالِمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ؟ قُلْتُ: مَعْنَاهُ أَنَّكُمْ يَا بَنِي آدَمَ لِمَا عُهِدَ مِنْكُمْ مِنْ رَخَاوَةِ الْوَعْدِ وَنَقْصِ الْعَهْدِ أَحِقَّاءُ بِأَنْ يُقَالَ لَكُمْ: يَا هَؤُلَاءِ مَا تَرَوْنَ هَلْ يُتَوَقَّعُ مِنْكُمْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَعْنَى عَسَى رَاجِعٌ إِلَى الْمُخَاطَبِ لَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مِنْ بَابِ إِرْخَاءِ الْعِنَانِ، وَبَعْثِ الْمُخَاطَبِ عَلَى التَّفَكُّرِ فِي أَمْرِهِ وَشَأْنِهِ ; لِيُنْصِفَ مِنْ نَفْسِهِ وَيُذْعِنَ لِلْحَقِّ، (فَيَقُولُ: لَا) أَيْ: لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَ ذَلِكَ (وَعِزَّتِكَ) لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ (فَيُعْطِي) أَيِ: الرَّجُلُ (اللَّهَ مَا شَاءَ) : مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيُعْطِي أَيْ مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ، أَوْ مَا أَرَادَهُ (مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ) أَيْ: قَسَمٍ يُوَثَّقُ الْعَهْدُ بِهِ وَيُؤَكَّدُ (فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ) : بِصِيغَةِ
следующие страницы →