Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.
стр. 7736
وَلَمْ يَبْقَ) أَيْ: أَحَدٌ مِمَّنْ يَرْحَمُ عَلَى أَحَدٍ (إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) أَيِ: الَّذِي رَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنَّ رَحْمَةَ كُلِّ أَحَدٍ فِي جَنْبِ أَثَرِ رَحْمَتِهِ كَلَا شَيْءٍ، (فَيَقْبِضُ قَبْضَةً) أَيْ: مَا يَسَعُ الْكَفَّ (مِنَ النَّارِ) أَيْ: مِنْ أَهْلِهَا (فَيُخْرِجُ) أَيِ: اللَّهُ (مِنْهَا) أَيْ: مِنَ النَّارِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ تِلْكَ الْقَبْضَةِ (قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ) أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ خَيْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِيمَانِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: هُمُ الَّذِينَ مَعَهُمْ مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يُؤْذَنْ فِيهِمْ بِالشَّفَاعَةِ، وَتَفَرَّدَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِ مَا تُكِنُّهُ الْقُلُوبُ بِالرَّحْمَةِ لِمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا حَضَرَ لَهُ الْقَلْبُ بِالرَّحْمَةِ وَصَحِبَتْهُ نِيَّةٌ، وَعَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ. قُلْتُ: الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ التَّصْدِيقَ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ عَلَى التَّحْقِيقِ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِي أَنْوَارِهِ وَثَمَرَاتِهِ وَنَتَائِجِهِ مِنْ حَقَائِقِ الْإِيقَانِ، وَدَقَائِقِ الْعِرْفَانِ، وَمَرَاتِبِ الْإِحْسَانِ، وَمَنَازِلِ الْعِرْفَانِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَدْ عَادُوا) : الْجُمْلَةُ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ، وَالْمَعْنَى: صَارُوا (حُمَمًا) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ جَمْعُ حُمَمَةٍ، وَهِيَ الْفَحْمُ (فَيُلْقِيهِمْ) أَيْ: يَأْمُرُ اللَّهُ بِإِلْقَائِهِمْ، أَوْ يُلْقِيهِمْ بِلَا وَاسِطَةٍ (فِي نَهَرٍ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ، أَيْ: جَدْوَلِ مَاءٍ كَائِنٍ (فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ) أَيْ: فِي أَوَائِلِهَا، وَهُوَ جَمْعُ فُوَّهَةٍ بِضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ، وَهُوَ جَمْعٌ سُمِعَ مِنَ الْعَرَبِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَأَفْوَاهُ الْأَزِقَّةِ وَالْأَنْهَارِ أَوَائِلُهَا كَذَا، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَفْوَاهُ كِنَايَةً عَنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِدُخُولِهِمْ إِيَّاهَا عَلَى أَحْسَنِ الْهَيْئَةِ. (يُقَالُ لَهُ) أَيْ: لِذَلِكَ النَّهْرِ (نَهْرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ) أَيْ: مِنَ النَّهْرِ (كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ فَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، أَيْ: مَحْمُولِهِ، فَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْحِبَّةُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ جَامِعٌ لِحُبُوبِ الْبُقُولِ الَّتِي تَنْتَشِرُ إِذَا هَاجَتْ، ثُمَّ إِذَا مُطِرَتْ مِنْ قَابِلٍ نَبَتَتْ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: هِيَ حَبُّ الرَّيَاحِينِ، فَأَمَّا الْحِنْطَةُ وَنَحْوُهَا فَهِيَ الْحَبُّ لَا غَيْرُ، وَالْحَبَّةُ مِنَ الْحَبِّ فَبِالْفَتْحِ، وَحَمِيلُ السَّيْلِ هُوَ مَا يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِنْ غُثَاءٍ أَوْ طِينٍ، فَإِذَا اتَّفَقَ فِيهِ الْحِبَّةُ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى شَطِّ مَجْرَى السَّيْلِ تَنْبُتُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَهِيَ أَسْرَعُ نَابِتَةٍ نَبَاتًا. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَإِنَّمَا شَبَّهَهُمْ بِهَا لِسُرْعَةِ نَبَاتِهَا وَحُسْنِهَا وَطَرَاوَتِهَا انْتَهَى، فَالتَّشْبِيهُ فِي سُرْعَةِ الظُّهُورِ. وَقَالَ شَارِحٌ: الْحِبَّةُ بِالْكَسْرِ بَذْرُ الصَّحْرَاءِ مِمَّا لَيْسَ بِقُوتٍ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْحِبَّةُ بِالْكَسْرِ بَذْرُ الصَّحْرَاءِ وَالْجَمِيعُ: حُبَبٌ، وَأَمَّا الْحَبَّةُ بِالْفَتْحِ فَهُوَ مَا يَزْرَعُهُ النَّاسُ وَالْجَمْعُ حُبُوبٌ.
(يَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ) ، فِي الْبَيَاضِ وَالصَّفَاءِ، (فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ) : جَمْعُ الْخَاتَمِ وَالْجَمْعُ لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، وَالْمُرَادُ هُنَا عَلَامَةٌ تَظْهَرُ فِي رِقَابِهِمْ ; لِيَكُونُوا مُتَمَيِّزِينَ مِنَ الْمَغْفُورِينَ بِوَاسِطَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ: الْمُرَادُ بِالْخَوَاتِمِ هُنَا أَشْيَاءُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ غَيْرِهِ تُعَلَّقُ فِي أَعْنَاقِهِمْ يُعْرَفُونَ بِهَا، (فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ) أَيْ: حِينَ رَأَوْهُمْ وَظَهَرَ لَهُمْ تِلْكَ الْعَلَامَةُ (هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أَدْخَلَهُمْ) أَيِ: اللَّهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ) أَيْ: عَمِلُوهُ، عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (وَلَا خَيْرٍ) أَيْ: مِنْ عَمَلٍ بَاطِنٍ (قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ لَكُمْ) : الْخِطَابُ لِلْعُتَقَاءِ أَيْ لَكُمْ (مَا رَأَيْتُمْ) أَيْ: مِقْدَارَ مَدِّ بَصَرِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ (وَمِثْلَهُ مَعَهُ) ، أَوْ لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ مِمَّا جَاءَ فِي نَظَرِكُمْ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَالْقُصُورِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فِيهِ حَذْفٌ، أَيْ: فَيَنْظُرُونَ فِي الْجَنَّةِ إِلَى أَشْيَاءَ يَنْتَهِي مَدُّ بَصَرِهِمْ إِلَيْهَا، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ. أَقُولُ: وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أَيْ: جَنَّةٌ ظَاهِرَةٌ وَجَنَّةٌ بَاطِنَةٌ، أَوْ جَنَّةٌ مِنْ جِهَةِ الْعَدْلِ وَجَنَّةٌ مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7737
٥٥٨٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيَخْرُجُونَ قَدِ امْتَحَشُوا، وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْا أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٨٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ: لِلْأَنْبِيَاءِ أَوْ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الشُّفَعَاءِ أَوْ لِلْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا سَيَأْتِي
стр. 7738
مُصَرَّحًا فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ (مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ) أَيْ: مِنَ النَّارِ. قِيلَ: بِهَذَا الْحَدِيثِ يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَهُمُ الرَّحْمَنُ بِقَبْضَةٍ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِلَا خَيْرٍ وَعَمَلٍ زَائِدٍ عَلَى الْإِيمَانِ، دُونَ الْكُفَّارِ كَمَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ هُنَاكَ ; فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، (فَيُخْرَجُونَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَدِ امْتَحَشُوا) : عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ أَيِ احْتَرَقُوا وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَقِيلَ: بِالْمَفْعُولِ فَكَأَنَّهُ جُعِلَ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنَى الْمَحْشِ عَلَى حَذْفِ الزَّوَائِدِ، وَهُوَ إِحْرَاقُ النَّارِ الْجِلْدَ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَحْشُ إِحْرَاقُ الْجِلْدِ وَظُهُورُ الْعَظْمِ. وَفِي الْقَامُوسِ: امْتَحَشَ احْتَرَقَ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: امْتَحَشُوا احْتَرَقُوا وَزْنًا وَمَعْنًى، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، وَلَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ امْتَحَشَهُ مُتَعَدِّيًا، وَإِنَّمَا سُمِعَ لَازِمًا مُطَاوِعُ مَحَشَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ، وَبِهِ ضَبَطَ الْخَطَّابِيُّ وَالْهَرَوِيُّ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ عَنْ شُيُوخِهِ، وَمَعْنَاهُ: احْتَرَقُوا. قَالَ الْقَاضِي: وَرَوَاهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ. (وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ) أَيْ: تَعُودُ أَبْدَانُهُمْ إِلَيْهِمْ (كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْا) أَيْ: أَلَمْ تُبْصِرُوا، أَوْ أَلَمْ تَعْلَمُوا (أَنَّهَا) أَيِ: الْحِبَّةُ (تَخْرُجُ) أَيْ: أَوَّلًا (صَفْرَاءَ) أَيْ: خَضْرَاءَ (مُلْتَوِيَةً) أَيْ: مَلْفُوفَةً مُجْتَمِعَةً، وَقِيلَ مُنْحَنِيَةً. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7739
٥٥٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ غَيْرَ كَشْفِ السَّاقِ، «وَقَالَ: يُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَإِنَّهُ وَقَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَفْعَلْ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي اللَّهَ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ ; فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا، سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتُ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَسَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: تَمَنَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ» . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: " قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٨١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَذَكَرَ) أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ (مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ) أَيِ: الَّذِي مَرَّ قُبَيْلَ ذَلِكَ (غَيْرَ كَشْفِ السَّاقِ، وَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا (يُضْرَبُ الصِّرَاطُ) أَيْ: يُمَدُّ (بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ) أَيْ: بَيْنَ طَرَفَيْهَا فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ: عَلَى مَتْنِهَا وَظَهْرِهَا وَفَوْقَهَا، (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ: مَنْ يُجَاوِزُهُمْ عَنْهَا (وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ (إِلَّا الرُّسُلُ) ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ وَقْتَ جَوَازِ الصِّرَاطِ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَاهُ بِهَذَا ; لِأَنَّ ثَمَّةَ مَوَاطِنَ لَا يَتَكَلَّمُ فِيهَا النَّاسُ. قُلْتُ لِقَوْلِهِ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ، وَلَكِنَّ هُنَاكَ مَوَاقِفَ يَتَكَلَّمُ فِيهَا عُمُومُ النَّاسِ أَيْضًا فَالْحَصْرُ يُفِيدُ التَّقْيِيدَ بِحِينَئِذٍ، (وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) : كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ (وَفِي جَهَنَّمَ) أَيْ: فِي أَطْرَافِهَا (كَلَالِيبُ) : بِلَا صَرْفٍ ; لِكَوْنِهِ عَلَى صِيغَةِ مُنْتَهَى الْجُمُوعِ جَمْعُ كُلَّابٍ بِالضَّمِّ، أَوْ كَلُّوبٍ بِالْفَتْحِ وَبِتَشْدِيدِ اللَّامِ فِيهِمَا، وَهِيَ حَدِيدَةٌ مُعْوَجَّةُ الرَّأْسِ يُخَطَّفُ بِهَا أَوْ يُعَلَّقُ عَلَيْهَا اللَّحْمُ، وَيُرْسَلُ فِي التَّنُّورِ، أَوْ عُودٌ فِي رَأْسِهِ اعْوِجَاجٌ يُجَرُّ بِهِ الْجَمْرُ. (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وَهُوَ نَبْتٌ لَهُ شَوْكٌ عَظِيمٌ، وَيُقَالُ لِشَوْكِهِ حَسَكُ السَّعْدَانِ، وَيُشْبِهُ حَلَمَةَ الثَّدْيِ (لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا) : بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ أَيْ: عَظَمَةَ تِلْكَ الْكَلَالِيبِ (إِلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ) أَيْ: تَأْخُذُ الْكَلَالِيبُ بِسُرْعَةٍ، وَالطَّاءُ مَفْتُوحَةٌ وَرُوِيَ بِكَسْرِهَا، وَالْأُولَى هِيَ الْأَوْلَى لِمُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ اللُّغَةُ الْفُصْحَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: يُرْوَى بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ: تَخْطَفُ (النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ) أَيْ: بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ، أَوْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ (فَمِنْهُمْ) أَيْ: مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ الْعُصَاةِ، أَوْ مِنَ الْمَخْطُوفِينَ (مَنْ يُوبَقُ) أَيْ: يَهْلِكُ وَيُحْبَسُ (بِعَمَلِهِ) أَيِ: الْقَبِيحِ، مِنْ وَبِقَ أَيْ هَلَكَ وَأَوْبَقَهُ غَيْرُهُ، فَفِي النِّهَايَةِ: وَبِقَ يَبِقُ وَيَوْبَقُ فَهُوَ وَبِقٌ إِذَا هَلَكَ، وَأَوْبَقَهُ غَيْرُهُ فَهُوَ مَوْبُوقٌ أَيْ مُهْلَكٌ. (وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ) : بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: يُصْرَعُ أَوْ يُقْطَعُ قَطْعًا كَالْخَرْدَلَةِ، فَفِي النِّهَايَةِ الْمُخَرْدَلُ: الْمُقَطَّعُ، تَقْطَعُهُ كَلَالِيبُ الصِّرَاطِ حَتَّى يَهْوِيَ فِي النَّارِ، يُقَالُ: خَرْدَلْتُ اللَّحْمَ
стр. 7740
بِالدَّالِ وَالذَّالِ أَيْ فَصَّلْتَ أَعْضَاءَهُ وَقَطَّعْتَهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: وَقِيلَ يُقَطِّعُ الْكَلَالِيبُ لَحْمَهُ عَلَى الصِّرَاطِ وَيُخْرِجُ أَعْضَاءَهُ، (ثُمَّ يَنْجُو) أَيْ: مِنَ الْمَوْقِعِ فِي النَّارِ، فَالْكَافِرُ يُوبَقُ، وَالْفَاسِقُ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَتَخَلَّصُ، (حَتَّى إِذَا أَفْرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ) أَيْ: مِنَ الْحُكْمِ (بَيْنَ عِبَادِهِ) بِمَا يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنْ جَزَاءِ عَمَلِهِ (وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ) أَيْ: يُوَحِّدُهُ أَوْ يَعْرِفُهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، أَوْ يَعْبُدُهُ عَلَى نَعْتِ التَّوْحِيدِ، (فَيُخْرِجُونَهُمْ، وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ) ، قَالَ تَعَالَى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] ، (وَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ) أَيْ: مَنَعَهَا (أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ) أَيْ: مِنْ وُجُوهِهِمْ أَوْ جِبَاهِهِمْ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ النَّارَ لَا تَأْكُلُ جَمِيعَ أَعْضَاءِ السُّجُودِ السَّبْعَةِ، وَهِيَ: الْجَبْهَةُ، وَالْيَدَانِ، وَالرُّكْبَتَانِ، وَالْقَدَمَانِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: الْمُرَادُ بِأَثَرِ السُّجُودِ الْجَبْهَةُ خَاصَّةً، وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ الثَّانِيَ مَا سَبَقَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: الْإِدَارَةُ الْوَجْهُ، وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ مِمَّا تَقَدَّمَ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ، (فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ) أَيْ: آثَارُ أَفْعَالِهِ مِنْ أَعْضَائِهِ (يَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ) : وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ (فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا) أَيِ: احْتَرَقُوا وَقَدْ سَبَقَ، (فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ) ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُمْ يُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ، وَلَعَلَّ الِاخْتِلَافَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، (فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) أَيْ: مَحْمُولِهِ، (وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجِنَّةِ وَالنَّارِ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ الدُّخُولِ (مُقْبِلٌ) : خَبَرٌ آخَرُ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ آخَرَ هُوَ مُقَدَّرٌ، أَيْ: مُتَوَجِّهٌ (بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، أَيْ: إِلَى جِهَتِهَا (فَيَقُولُ يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) أَيْ: رُدَّهُ عَنْهَا (وَقَدْ قَشَبَنِي) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ: آذَانِي وَأَهْلَكَنِي (رِيحُهَا) ، وَقِيلَ: سَمَّنِي وَأَهْلَكَنِي مِنَ الْقَشِيبِ، وَهُوَ السُّمُّ الْمُهْلِكُ، وَفِي الْمُقَدِّمَةِ: أَيْ مَلَأَ خَيَاشِيمِي، وَالْقَشَبُ: السُّمُّ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِصَابَةِ بِكُلِّ مَكْرُوهٍ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ غَيَّرَ جِلْدِي وَصُورَتِي، (وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ ذَكَاهَا بِالْقَصْرِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هُوَ بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ، أَيْ: لَهَبُهَا وَاشْتِعَالُهَا وَشِدَّةُ وَهَجِهَا، وَالْأَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ مَقْصُورَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّ الْقَصْرَ وَالْمَدَّ لُغَتَانِ، (فَيَقُولُ) أَيِ: الرَّبُّ (هَلْ عَسَيْتَ) أَيْ: يُتَوَقَّعُ مِنْكَ (إِنْ أَفْعَلْ ذَلِكَ) أَيْ: بِكَ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى صَرْفِ الْوَجْهِ، وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اسْمِ عَسَى وَخَبَرِهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: (أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ) ؟ وَالْمَعْنَى: هَلْ يُتَوَقَّعُ مِنْكَ بَعْدَ حُصُولِ ذَلِكَ سُؤَالُ غَيْرِهِ؟ .
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ عَالِمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ؟ قُلْتُ: مَعْنَاهُ أَنَّكُمْ يَا بَنِي آدَمَ لِمَا عُهِدَ مِنْكُمْ مِنْ رَخَاوَةِ الْوَعْدِ وَنَقْصِ الْعَهْدِ أَحِقَّاءُ بِأَنْ يُقَالَ لَكُمْ: يَا هَؤُلَاءِ مَا تَرَوْنَ هَلْ يُتَوَقَّعُ مِنْكُمْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَعْنَى عَسَى رَاجِعٌ إِلَى الْمُخَاطَبِ لَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مِنْ بَابِ إِرْخَاءِ الْعِنَانِ، وَبَعْثِ الْمُخَاطَبِ عَلَى التَّفَكُّرِ فِي أَمْرِهِ وَشَأْنِهِ ; لِيُنْصِفَ مِنْ نَفْسِهِ وَيُذْعِنَ لِلْحَقِّ، (فَيَقُولُ: لَا) أَيْ: لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَ ذَلِكَ (وَعِزَّتِكَ) لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ (فَيُعْطِي) أَيِ: الرَّجُلُ (اللَّهَ مَا شَاءَ) : مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيُعْطِي أَيْ مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ، أَوْ مَا أَرَادَهُ (مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ) أَيْ: قَسَمٍ يُوَثَّقُ الْعَهْدُ بِهِ وَيُؤَكَّدُ (فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ) : بِصِيغَةِ
стр. 7741
الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (بِهِ) أَيْ بِوَجْهِهِ (عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا) أَيْ: حُسْنَهَا (وَكَثْرَةَ خَيْرِهَا سَكَتَ) ، كَذَا فِي الْأُصُولِ بِلَا عَاطِفٍ فِي الْفِعْلَيْنِ هُنَا، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا جَوَابَ إِذَا، وَالْآخِرَةُ عَطْفٌ عَلَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَلَعَلَّ تَوْجِيهَهُ أَنَّ قَوْلَهُ: رَأَى بَهْجَتَهَا جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُهُ، وَلَفْظُ الْمَشَارِقِ: فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ (مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ) أَيْ: سُكُوتَهُ (ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ) أَيْ: إِلَى بَابِهَا كَمَا سَيَأْتِي، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ حَالًا مُقَدَّرَةً (فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: أَلَيْسَ) أَيِ: الشَّأْنُ (قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ) أَيْ: لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَاهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالشَّقَاوَةِ هُنَا الْحِرْمَانُ أَيْ لَا أَكُونُ مَحْرُومًا (فَيَقُولُ) أَيِ: الرَّبُّ (فَمَا عَسَيْتَ) : مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ: فَهَلْ عَسَيْتَ (إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ) أَيْ: غَيْرَ ذَلِكَ (فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَ ذَلِكَ) : تَأْكِيدٌ وَبَيَانٌ لِقَوْلِهِ: لَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ، (فَيُعْطِي) أَيِ: الرَّجُلُ (رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ) أَيِ: اللَّهُ (إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا) : بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ: طِيبَ عَيْشِ مَنْ فِيهَا، وَالزَّهْرَةُ الْبَيَاضُ، وَزَهْرَةُ الدُّنْيَا نَضَارَتُهَا (وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ) أَيِ: الْحُسْنِ وَالرَّوْنَقِ (وَالسُّرُورِ) أَيِ: الْفَرَحِ بِمَا فِيهِ مِنَ الدُّرِّ وَالْقُصُورِ، وَكَثْرَةِ الْحُورِ وَالتَّنَعُّمِ بِالْحُبُورِ (فَسَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ) : بِالْفَاءِ هَاهُنَا عَلَى مَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ فَسَكَتَ كَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَأَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، فَعَلَى هَذَا جَوَابُ إِذَا مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى إِذَا رَأَى مَا رَأَى تَحَيَّرَ فَسَكَتَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] انْتَهَى. وَقِيلَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ وَتُسَمَّى وَاوَ الثَّمَانِيَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ ﵀: الْوَاوُ زَائِدَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ جَوَابُ حَتَّى إِذَا، وَلَيْسَتْ زَائِدَةً عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ اطْمَأَنُّوا نَحْوَ ذَلِكَ. (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ) : قَالَ شَارِحٌ: وَيْلَكَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ لَا غَيْرُ إِنْ أُضِيفَ، وَإِنْ لَمْ يُضَفْ يُرْفَعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَيُنْصَبُ بِإِضْمَارِ الْفِعْلِ، مِثْلَ: وَيْلٌ لِزَيْدٍ، وَوَيْلًا لِزَيْدٍ، أَيْ أَهْلَكَ اللَّهُ إِهْلَاكًا أَوْ هَلَكْتَ هَلَاكًا (مَا أَغْدَرَكَ) : بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَمَا فِيهِ لِلتَّعَجُّبِ، أَيْ: يَسْتَحِقُّ أَنْ يُتَعَجَّبَ مِنْكَ بِكَثْرَةِ غَدْرِكَ فِي عُهُودِكَ بِأَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا لِلِاسْتِفْهَامِ وَالْهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ صَيَّرَكَ غَادِرًا فِي عُهُودِكَ؟ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَكَ فِي هَذَا السُّؤَالِ مَعْذُورًا؟ (أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ طَابَقَ هَذَا الْجَوَابُ قَوْلَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ؟ قُلْتُ: كَأَنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ بَلَى أَعْطَيْتُ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ، وَلَكِنْ تَأَمَّلْتُ فِي كَرَمِكَ وَعَفْوِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَقَوْلِكَ: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] فَوَقَفْتُ عَلَى أَنِّي لَسْتُ مِنَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ أَيِسُوا
стр. 7742
مِنْ رَحْمَتِكَ، وَطَمِعْتُ فِي كَرَمِكَ وَسَعَةِ رَحْمَتِكَ، فَسَأَلْتُ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى رَضِيَ عَنْهُ بِهَذَا الْقَوْلِ فَضَحِكَ انْتَهَى، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ) أَيْ: يَرْضَى (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ أَجْلِهِ وَسَبَبِ دُعَائِهِ وَكَلَامِهِ (فَإِذَا ضَحِكَ أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: تَمَنَّ) : أَمْرُ مُخَاطَبٍ (فَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ) : بِضَمِّ هَمْزٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ، أَيْ: مَطْلُوبُهُ وَمُتَمَنَّاهُ، (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: تَمَنَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) ، قَالَ الْمُظْهِرُ: مِنْ فِيهِ لِلْبَيَانِ، يَعْنِي: تَمَنَّ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مَا تَشْتَهِي مِنْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَنَحْوُهُ " ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] "، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ زَائِدَةً فِي الْإِثْبَاتِ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، وَقَوْلُهُ: (أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ) بَدَلٌ مِنَ الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ، وَرَبُّهُ تَنَازَعَ فِيهِ الْعَامِلَانِ انْتَهَى، وَأَقْبَلَ بِمَعْنَى شَرَعَ وَيُذَكِّرُهُ بِتَشْدِيدِ الْكَافِ، أَيْ: يُلْهِمُهُ وَيُلَقِّنُهُ رَبُّهُ بِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُ فَيَتَمَنَّى، (حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ) أَيِ: انْقَطَعَتْ وَلَمْ تَبْقَ لَهُ أُمْنِيَّةٌ (قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ) أَيْ: مَسْئُولُكَ وَمَأْكُولُكَ (وَمِثْلُهُ مَعَهُ) أَيْ: تَفَضُّلًا عَلَيْكَ.
(وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: (قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ) أَيْ: مَا تَمَنَّيْتَ (وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) أَيْ: فِي الْكَيْفِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ فِي الْكَمِّيَّةِ، وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ التَّدَافُعُ وَيَنْدَفِعُ التَّمَانُعُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7743
٥٥٨٢ - «وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلْأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا
فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذُرُهُ ; لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا ; فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذُرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا ; فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذُرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا سَمِعَ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا، قَالَ: أَيْ رَبِّ! أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ; فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّا أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ فَقَالَ ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥٨٢ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْفَاءُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَفْصِيلِيَّةً أَبْهَمَ أَوَّلًا دُخُولَهُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ فَصَّلَ كَيْفِيَّةَ دُخُولِهَا ثَانِيًا، وَأَنْ تَكُونَ لِتَعْقِيبِ الْأَخْبَارِ، وَإِنْ تَقَدَّمَ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا فِي الْوُجُودِ، فَوَقَعَتْ مَوْقِعَ ثُمَّ فِي هَذَا الْمَعْنَى، كَأَنَّهُ قِيلَ: أُخْبِرُكُمْ عَقِيبَ هَذَا الْقَوْلِ حَالَهُ، فَهُوَ يَمْشِي قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الْجَنَّةِ مَرَّةً (وَيَكْبُو) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: يَقِفُ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ لِوَجْهِهِ (مَرَّةً) أَيْ: أُخْرَى (وَتَسْفَعُهُ النَّارُ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ: تُحْرِقُهُ (مَرَّةً) ، أَوْ يُجْعَلُ عَلَامَةً عَلَيْهِ مِنْ سَوَادِ الْوَجْهِ وَزُرْقَةِ الْعَيْنِ، يُقَالُ: سَفْعٌ مِنَ النَّارِ أَيْ عَلَامَةٌ مِنْهَا، وَسَفَعْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَعَلْتُ عَلَيْهِ عَلَامَةً. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ تَلْفَحُهُ لَفْحًا يَسِيرًا ; فَيَتَغَيَّرُ لَوْنُ بَشْرَتِهِ، وَقِيلَ: أَيْ تُعَلِّمُهُ عَلَامَةً، أَيْ: أَثَرًا مِنْهَا، وَفِي الْقَامُوسِ: لَفَحَتِ النَّارُ بِحَرِّهَا أَحْرَقَتْ، وَسَفَعَ الشَّيْءَ كَمَنَعَهُ أَعْلَمَهُ وَوَسَمَهُ وَالسَّمُومُ وَجْهَهُ: لَفَحَهُ لَفْحًا يَسِيرًا (فَإِذَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ: تَبَارَكَ) أَيْ: تَعَظَّمَ وَتَعَالَى أَوْ تَكَاثَرَ خَيْرُهُ (الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ) : هَذَا فَرَحٌ بِمَا أُعْطِيَهُ مِنَ النَّجَاةِ، وَقَوْلُهُ: لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) : جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أَقْسَمَ مِنَ الْفَرَحِ أَنَّ نَجَاتَهُ نِعْمَةٌ مَا ظَفِرَ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ مَا رَأَى أَحَدًا مُشَارِكًا لَهُ فِي خُرُوجِهِ مِنَ النَّارِ، وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ الْأَبْرَارَ فِي نَعِيمِ دَارِ الْقَرَارِ، (فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ) أَيْ: عِنْدَهَا عَيْنُ مَاءٍ ; لِمَا سَيَأْتِي، (فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ) : وَأَيْ فِي الْأَصْلِ لِنِدَاءِ الْقَرِيبِ، وَيَا: لِلْبَعِيدِ، فَتَارَةً يُنْظَرُ إِلَى قُرْبِ الرَّبِّ مِنَ الْعَبْدِ، كَمَا قَالَ : ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] ، وَتَارَةً يُرَاعَى بُعْدُ الْعَبْدِ مِنَ الرَّبِّ كَمَا قِيلَ: يَا لِلتُّرَابِ، وَرَبَّ الْأَرْبَابِ، (أَدْنِنِي) : أَمْرٌ مِنَ الْإِدْنَاءِ أَيْ: قَرِّبْنِي (مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلِأَسْتَظِلَّ) : بِكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى وَنَصْبِ الْفِعْلِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْفَاءُ سَبَبِيَّةٌ وَاللَّامُ مَزِيدَةٌ، أَوْ بِالْعَكْسِ، يَعْنِي: وَالْفَاءُ مَزِيدَةٌ وَاللَّامُ لِلْعِلَّةِ، فَفِيهِ مُسَامَحَةٌ لَا تَخْفَى، ثُمَّ فِي الْكَلَامِ تَجْرِيدٌ، وَالْمَعْنَى لِأَنْتَفِعَ، (بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا،
стр. 7744
فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا) أَيْ: مَسْأَلَتَكَ أَوْ أُمْنِيَّتَكَ (سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا) : هُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى خَبَرِ لَعَلَّ، (فَقَوْلُ: لَا يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذُرُهُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَيُضَمُّ، أَيْ: يَجْعَلُهُ مَعْذُورًا. وَفِي النِّهَايَةِ: وَقَدْ يَكُونُ أَعْذَرَ بِمَعْنَى جَعَلَهُ مَوْضِعَ الْعُذْرِ، وَفِي (الْمَشَارِقِ) : عَذَرْتُهُ وَأَعْذَرْتُهُ أَيْ: قَبِلْتُ عُذْرَهُ، وَفِي (الْمِصْبَاحِ) عَذَرْتُهُ فِيمَا صَنَعَ عُذْرًا، مِنْ بَابِ ضَرَبَ، رَفَعْتُ عَنْهُ اللَّوْمَ فَهُوَ مَعْذُورٌ، وَأَعْذَرْتُهُ بِالْأَلِفِ لُغَةٌ، وَاعْتَذَرَ أَيْ: طَلَبَ قَبُولَ مَعْذِرَتِهِ، وَاعْتَذَرَ عَنْ فِعْلِهِ أَظْهَرَ عُذْرَهُ، (لِأَنَّهُ) أَيِ: الْعَبْدُ (يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ) ، كَذَا فِي الْأُصُولِ فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَكَذَا فِي الثَّالِثَةِ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ، وَفِي أَكْثَرِهَا عَلَيْهَا بِتَأْوِيلِ مَا بِنِعْمَةٍ، وَعَلَى بِمَعْنَى عَنْ، كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، وَقَرَّرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةٍ عَلَى مُسْلِمٍ، (فَيُدْنِيهِ مِنْهَا) أَيْ: فَيُقَرِّبُهُ مِنَ الشَّجَرَةِ (فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ) أَيْ: أُخْرَى، هِيَ (أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى) ; لِأَنَّهُ أَرَادَ لَهُ التَّرَقِّيَ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى، (فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا) : الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الِاسْتِرَاحَةَ بِظِلِّهَا قَبْلَ الشُّرْبِ مِنْ مَائِهَا، (لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ حَالٌ تَنَازَعَ فِيهِ أَسْتَظِلُّ وَأَشْرَبُ (فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ) أَيِ: الرَّبُّ (لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي) : بِالرَّفْعِ أَيْ: تَطْلُبُ مِنِّي (غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذُرُهُ ; لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ) أَيْ: ثَالِثَةٌ (عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ هَذِهِ) : مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، أَيْ: هَذِهِ أَسْأَلُكَ (لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) : حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافٌ (وَرَبُّهُ يَعْذُرُهُ ; لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (عَلَيْهَا) ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا، (فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا سَمِعَ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيْ: فِي مُصَاحَبَتِهِمْ مَعَ أَزْوَاجِهِمْ، وَمُجَاوَزَتِهِمْ مَعَ أَصْحَابِهِمْ ; فَأَرَادَ الِاسْتِئْنَاسَ بِهِمْ، أَوْ فِي غِنَائِهِمْ ; فَأَرَادَ التَّقَرُّبَ لِيَتَلَذَّذَ بِأَنْغَامِهِمْ، (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! مَا يَصْرِينِي) ؟ : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَفِي رِوَايَةٍ مَا يَصْرِيكَ مِنْ، أَيْ: مَا يَقْطَعُ مَسْأَلَتَكَ وَيَمْنَعُكَ مِنْ سُؤَالِي؟ يُقَالُ: صَرَيْتُ الشَّيْءَ إِذَا قَطَعْتُهُ، وَصَرَيْتُ الْمَاءَ جَمَعْتُهُ وَحَبَسْتُهُ انْتَهَى. وَالْمَعْنَى: قَدْ كَرَّرْتَ سُؤَالَكَ مَعَ مُعَاهَدَتِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ، فَمَاذَا يَقْطَعُ سُؤَالَكَ عَنِّي وَيُرْضِيكَ؟ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: صَرَى عَنْهُ شَرَّهُ أَيْ دَفَعَ، وَصَرَيْتُهُ مَنَعْتُهُ، وَصَرَيْتُ مَا بَيْنَهُمْ صَرْيًا أَيْ: فَصَلْتُ، يُقَالُ: اخْتَصَمْنَا إِلَى الْحَاكِمِ فَصَرَى مَا بَيْنَنَا أَيْ: قَطَعَ مَا بَيْنَنَا وَفَصَلَ، وَحَسُنَ أَنْ يُقَالَ: مَا يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، أَيْ: مَا الَّذِي يُرْضِيكَ حَتَّى تَتْرُكَ مُنَاشَدَتَكَ؟ وَالْمَعْنَى أَنِّي أَجَبْتُكَ إِلَى مَسْأَلَتِكَ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَأَخَذْتُ مِيثَاقَكَ أَنْ لَا
стр. 7745
تَعُودَ وَلَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ، وَأَنْتَ لَا تَفِي بِذَلِكَ، فَمَا الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ؟ وَيَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ، وَالْمُبْتَغَى مِنْهُ التَّوْفِيقُ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَكَرَمِهِ وَبِرِّهِ بِعِبَادِهِ، حَتَّى إِنَّهُ يُخَاطِبُهُمْ مُخَاطَبَةَ الْمُسْتَعْطِفِ الْبَاعِثِ سَائِلَهُ عَلَى الِاسْتِزَادَةِ. قَالَ: وَفِي كِتَابِ (الْمَصَابِيحِ) مَا يَصْرِينِي مِنْكَ، وَهُوَ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ مَا يَصْرِينِي مِنِّي، كَذَا رَوَاهُ الْمُتْقِنُونَ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْقَلْبِ ; فَأَصْلُهُ مَا يَصْرِيكَ مِنِّي، وَقَلَبَ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَالْقَلْبُ شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ، ذَائِعٌ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الرِّوَايَةُ صَحِيحَةٌ وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَا يَصْرِينِي مِنْكَ، بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، كَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَرُوِيَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ مَا يَصْرِيكَ مِنِّي. قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ ﵀: هُوَ الصَّوَابُ، وَأَنْكَرَ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ﵀ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَأَنَّ السَّائِلَ مَتَى انْقَطَعَ عَنِ الْمَسْئُولِ، انْقَطَعَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ، وَالْمَعْنَى: أَيُّ شَيْءٍ يُرْضِيكَ وَيَقْطَعُ السُّؤَالَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ (أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا) أَيْ: قَدْرَهَا (وَمِثْلَهَا مَعَهَا قَالَ: أَيْ رَبِّ! أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي) أَيْ: أَتُحِلُّنِي مَحَلَّ الْمُسْتَهْزَأِ بِهِ، (وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) ؟ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَالِاسْتِهْزَاءُ بِالشَّيْءِ إِذَا أُسْنِدَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يُرَادُ إِنْزَالُ الْهَوَانِ عَلَيْهِ، وَإِحْلَالُهُ إِيَّاهُ مَحَلَّ الْمُسْتَهْزَأِ بِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: هَذَا وَارِدٌ مِنَ السُّؤَالِ عَلَى سَبِيلِ الْفَرَحِ وَالِاسْتِبْشَارِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذَا الْكَلَامُ صَادِرٌ عَنْهُ، وَهُوَ غَيْرُ ضَابِطٍ لِمَا نَالَ مِنَ السُّرُورِ بُلُوغَ مَا لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ ; فَلَمْ يَضْبُطْ لِسَانَهُ دَهْشَةً وَفَرَحًا، عَلَى عَادَتِهِ فِي الدُّنْيَا مُخَاطَبَةَ الْمَخْلُوقِ، وَنَحْوُهُ حَدِيثُ التَّوْبَةِ، قَوْلُ الرَّجُلِ عِنْدَ وِجْدَانِ زَادِهِ مَعَ رَاحِلَتِهِ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ انْتَهَى.
وَتَوْضِيحُهُ، مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنْ قِيلَ: صَدَرَ مِنْهُ هَذَا الْقَوْلُ بَعْدَ كَشْفِ الْغِطَاءِ، وَاسْتِوَاءِ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ، وَمَا يَجُوزُ؟ قُلْتُ: مَثَابَةُ هَذَا الْعَالِمِ مَثَابَةُ الْعَالِمِ الَّذِي يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الْفَرَحُ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ ; فَيَزِلُّ لِسَانُهُ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ، كَمَا أَخْطَأَ فِي الْقَوْلِ مَنْ ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، ثُمَّ بَعْدَمَا وَجَدَهَا وَأَخَذَ بِخِطَامِهَا قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ. (فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَلَا) : بِالتَّخْفِيفِ (تَسْأَلُونِي) : بِالنُّونِ وَتَخْفِيفٍ (مِمَّ أَضْحَكُ) ؟ أَيْ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَضْحَكُ؟ (فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ فَقَالَ ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ لَهُ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) ؟ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: الضَّحِكُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَا مُتَّفِقَيْنِ فِي اللَّفْظِ، فَإِنَّهُمَا مُتَبَايِنَانِ فِي الْمَعْنَى ; وَذَلِكَ أَنَّ الضَّحِكَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ يُحْمَلُ عَلَى كَمَالِ الرِّضَا عَنِ الْعَبْدِ، وَإِرَادَةِ الْخَيْرِ مِمَّنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَرْحَمَهُ. وَقَالَ الْقَاضِي ﵀: وَإِنَّمَا ضَحِكَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِعْجَابًا وَسُرُورًا بِمَا رَأَى مِنْ كَمَالِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلُطْفِهِ عَلَى عَبْدِهِ الْمُذْنِبِ وَكَمَالِ الرِّضَا عَنْهُ، وَأَمَّا ضَحِكُ ابْنِ مَسْعُودٍ ; فَكَانَ اقْتِدَاءً بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَاحَظَ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِلضَّحِكَ، لَا أَنَّهُ مُجَرَّدُ تَقْلِيدٍ وَحِكَايَةٍ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا اخْتِيَارِيًّا، وَلَا يَصْدُرُ مِنْ غَيْرِ بَاعِثٍ مِنْ قَوْلٍ عَجِيبٍ، أَوْ فِعْلٍ غَرِيبٍ. (فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ) : وَفِي نُسْخَةٍ قَدِيرٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: مِمَّ اسْتَدْرَكَهُ؟ قُلْتُ: عَنْ مُقَدَّرٍ ; فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ لَهُ: أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا، فَاسْتَبْعَدَهُ الْعَبْدُ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَقَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي؟ قَالَ : نَعَمْ، كُنْتَ لَسْتَ أَهْلًا لَهُ، لَكِنِّي أَجْعَلُكَ أَهْلًا لَهَا، وَأُعْطِيكَ مَا اسْتَبْعَدْتَهُ ; لِأَنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَدِيرٌ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : أَيْ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
стр. 7746
٥٥٨٣ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ (فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟) إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَزَادَ فِيهِ: ( «وَيَذْكُرُهُ اللَّهُ: سَلْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ: هُوَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ، فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ فَيَقُولَانِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ. قَالَ: فَيَقُولُ: مَا أَعْطَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتَ» ) .
ــ
٥٥٨٣ - (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ: لِمُسْلِمٍ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ) أَيْ: نَحْوَ الْمَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، (إِلَّا أَنَّهُ) أَيْ: أَبَا سَعِيدٍ (لَمْ يَذْكُرْ فَيَقُولُ: (يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ) إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَزَادَ) أَيْ: نَقَصَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا سَبَقَ وَزَادَ (فِيهِ: (وَيُذَكِّرُهُ اللَّهُ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: يُعْلِمُهُ (سَلْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ: هُوَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ثُمَّ يَدْخُلُ) أَيِ: الْعَبْدُ (بَيْتَهُ) أَيْ: قَصْرَهُ (فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: زَوْجَتَاهُ بِالتَّاءِ تَثْنِيَةُ زَوْجَةٍ، هَكَذَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ، وَالْأُصُولِ، وَهِيَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ مَعْرُوفَةٌ، (فَتَقُولَانِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ) أَيْ: خَلَقَنَا لَكَ، وَوَضَعَ أَحْيَا مَوْضِعَ خَلَقَ إِشْعَارًا بِالْخُلُودِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي لَا مَوْتَ فِيهَا، وَإِنَّهَا دَائِمَةُ السُّرُورِ وَالْحَيَاةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] ، (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَيَقُولُ) أَيِ: الْعَبْدُ (مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ) أَيْ: لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى إِعْطَاءِ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7747
٥٥٨٤ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ ; فَيُقَالُ لَهُمُ: الْجَهَنَّمِيُّونَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٥٨٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (لَيُصِيبَنَّ) أَيْ: وَاللَّهِ وَلَيُدْرِكَنَّ وَلَيَمَسَّنَّ (أَقْوَامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: سَوَادٌ مِنْ لَفْحِ النَّارِ أَوْ عَلَامَةٌ مِنْهَا، كَذَا فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَقِيلَ: إِحْرَاقٌ قَلِيلٌ (بِذُنُوبٍ) أَيْ: بِسَبَبِهَا، وَقَوْلُهُ: (أَصَابُوهَا) : صِفَةُ ذُنُوبٍ، وَقَوْلُهُ: (عُقُوبَةً) : مَفْعُولٌ لَهُ، (ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ) ، كَذَا فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَبَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا: بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ (فَيُقَالُ لَهُمُ: الْجَهَنَّمِيُّونَ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَيْسَتِ التَّسْمِيَةُ بِهَا تَنْقِيصًا لَهُمْ، بَلِ اسْتِذْكَارًا ; لِيَزْدَادُوا فَرَحًا إِلَى فَرَحٍ، وَابْتِهَاجًا إِلَى ابْتِهَاجٍ ; وَلِيَكُونَ ذَلِكَ عَلَمًا لِكَوْنِهِمْ عُتَقَاءَ اللَّهِ تَعَالَى. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
стр. 7748
٥٥٨٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَخْرُجُ أَقْوَامٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: " «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَتِي، يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ» ".
ــ
٥٥٨٥ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَخْرُجُ أَقْوَامٌ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: قَوْمٌ (مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: (صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَقِيلَ بِالْفَاعِلِ (وَيُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ) ، وَفِي " الْمَصَابِيحِ ": الْجَهَنَّمِيُّونَ، قَالَ شَارِحٌ لَهُ: الرِّوَايَةُ بِالْوَاوِ وَحَقُّهُ الْيَاءُ ; لِأَنَّهُ مَفْعُولُ يُسَمَّوْنَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْجَهَنَّمِيُّونَ بِالْوَاوِ عَلَمًا لَهُمْ ; فَلَمْ يُغَيَّرْ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَفِي رِوَايَةٍ: ( «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَتِي يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ» ) .
стр. 7749
٥٥٨٦ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ مِنِّي - أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي - وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟ . وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَكَانَ يُقَالُ: ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٨٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا» ) أَيْ: فِيهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ ; فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِلتَّوْضِيحِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ احْتِرَازًا مِمَّا عَسَى أَنْ يُتَوَهَّمَ مِنْ حَبْسِ أَحَدٍ فِي الْمَوْقِفِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حِينَئِذٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا) : حَالٌ أَوْ مَصْدَرٌ، مِنْ حَبَا الصَّبِيُّ إِذَا مَشَى عَلَى أَرْبَعٍ، أَوْ دَبَّ عَلَى اسْتِهِ، أَيْ: زَحْفًا كَمَا فِي رِوَايَةٍ، (فَيَقُولُ اللَّهُ) أَيْ: لَهُ (اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا) أَيْ: فَيَجِيءُ قَرِيبًا مِنْهَا، أَوْ فَيَدْخُلُهَا، (فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ) أَيْ: مِنْ تَصْوِيرِهِ تَعَالَى (أَنَّهَا) أَيِ: الْجَنَّةُ (مَلْأَى) : تَأْنِيثُ مَلْآنَ (فَقَوْلُ: أَيْ رَبِّ! وَجَدْتُهَا مَلْأَى) : يَعْنِي وَلَيْسَ لِي مَكَانٌ فِيهَا، (فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ) : الْمُرَادُ بِهَا جِنْسُهَا أَوْ جَنَّةٌ بِخُصُوصِهَا (فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا) أَيْ: فِي سَعَتِهَا وَقِيمَتِهَا (وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا) أَيْ: زِيَادَةً عَلَيْهَا فِي الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ، فَالْمُؤْمِنُ حَيْثُ تَرَكَ الدُّنْيَا وَهِيَ صَارَتْ كَالْحَبْسِ فِي حَقِّهِ جُوزِيَ بِمِثْلِهَا عَدْلًا وَأَضْعَافِهَا فَضْلًا، (فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيْ: أَتَسْتَهْزِئُ (مِنِّي - أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي -) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (وَأَنْتَ الْمَلِكُ) ؟ أَيْ: وَالْحَالُ أَنْتَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ الْجَلِيلُ. (فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ) أَيْ: ظَهَرَتْ (نَوَاجِذُهُ) أَيْ: أَوَاخِرُ أَضْرَاسِهِ، (وَكَانَ يُقَالُ) : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَلَامُ عِمْرَانَ، أَوْ مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الرُّوَاةِ، فَالْمَعْنَى: وَكَانَ يَقُولُ الصَّحَابَةُ أَوِ السَّلَفُ (ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7750
٥٥٨٧ - «وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا؟ وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً. فَيَقُولُ: رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَاهُنَا ". وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥٨٧ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ» ) أَيْ: فِيهَا (وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: اعْرِضُوا) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ أَيِ: أَظْهِرُوا (عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا) أَيْ: بِمَحْوِهَا أَوْ بِإِخْفَائِهَا، (فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا) أَيْ: فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ (كَذَا وَكَذَا) ؟ أَيْ: مِنْ عَمَلِ السَّيِّئَاتِ، (وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا) ؟ أَيْ: مِنْ تَرْكِ الطَّاعَاتِ، (فَيَقُولُ: نَعَمْ) أَيْ: فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ بَعْدَهُمَا جَمِيعًا (لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ) أَيْ: شَيْئًا مِنْهُمَا اسْتِئْنَافٌ، أَوْ حَالٌ (وَهُوَ) أَيِ: الرَّجُلُ (مُشْفِقٌ) أَيْ: خَائِفٌ (مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ) أَيْ: تِلْكَ الْكِبَارُ (عَلَيْهِ) ; لِأَنَّ الْعَذَابَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهَا أَكْثَرُ وَأَكْثَرُ، (فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً) : وَهُوَ إِمَّا لِكَوْنِهِ تَائِبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
стр. 7751
حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ، لَكِنْ يُشْكِلُ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: فَعَلَ بَعْدَ التَّوْبَةِ ذُنُوبًا اسْتَحَقَّ بِهَا الْعِقَابَ، وَإِمَّا وَقَعَ التَّبْدِيلُ لَهُ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ مِنْ رَبِّ الْأَرْبَابِ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَطْمَعُ فِي كَرَمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ (فَيَقُولُ: رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ) أَيْ: مِنَ الْكَبَائِرِ (لَا أَرَاهَا هَاهُنَا) أَيْ: فِي الصَّحَائِفِ، أَوْ فِي مَقَامِ التَّبْدِيلِ، (وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7752
٥٥٨٨ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةٌ، فَيُعْرَضُونَ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! لَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو إِذْ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا " قَالَ: (فَيُنْجِيهِ اللَّهُ مِنْهَا) » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥٨٨ - وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةٌ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: هُمُ الْآخِرُونَ خُرُوجًا مِنْهَا (فَيُعْرَضُونَ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! لَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو إِذْ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا، قَالَ: فَيُنْجِيهِ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ أَيْ: فَيُخَلِّصُهُ (اللَّهُ مِنْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَلَعَلَّ هَذَا الْخُرُوجَ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - بَعْدَ الْوُرُودِ الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْوُرُودِ الدُّخُولُ فِيهَا، وَهِيَ خَامِدَةٌ، فَيَعْبُرُهَا الْمُؤْمِنُونَ وَتَنْهَارُ بِغَيْرِهِمْ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
стр. 7753
٥٥٨٩ - «وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٥٨٩ - ( «وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا» ) ، فَذَكَرَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ وَاحِدًا وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالنَّجَاةِ، وَتَرَكَ الثَّلَاثَةَ اعْتِمَادًا عَلَى الْمَذْكُورِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ مُتَّحِدَةٌ فِي الْإِخْرَاجِ مِنَ النَّارِ وَالنَّجَاةِ مِنْهَا ; وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا خُرُوجَ لَهُ أَلْبَتَّةَ، فَيَدْخُلُ مَرَّةً أُخْرَى ; لِهَذَا قَالَ: (حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا، أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ) ، قَالَ: وَنَحْوُهُ فِي الْأُسْلُوبِ - وَهُوَ أَنْ يُرَادَ أَشْيَاءُ وَيُذْكَرَ بَعْضُهَا وَيُتْرَكَ بَعْضُهَا - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] : جَمَعَ الْآيَاتِ وَفَصَّلَهَا بِآيَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وَثَانِيهِمَا: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، الْكَشَّافُ: ذَكَرَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، وَطَوَى عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهَا دَلَالَةً عَلَى تَكَاثُرِ الْآيَاتِ، وَنَحْوُهُ فِي طَيِّ الذِّكْرِ قَوْلُ جَرِيرٍ:
كَانَتْ حَنِيفَةُ أَثْلَاثًا فَثُلْثُهُمُ ... مِنَ الْعَبِيدِ وَثُلْثٌ مِنْ مَوَالِيهَا
هَذَا وَضَبْطُ قَوْلِهِ: (يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُخَفَّفًا مِنَ الْإِخْلَاصِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّخَلُّصِ، وَفِي أُخْرَى بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ مِنَ الْخَلَاصِ، فَفِي النِّهَايَةِ: خَلَصَ سَلِمَ وَنَجَا، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْقَنْطَرَةِ الصِّرَاطُ الْمَمْدُودُ، وَالْمَظَالِمُ جَمْعُ مَظْلَمَةٍ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَهِيَ مَا تَطْلُبُهُ عِنْدَ الظَّالِمِ مِمَّا أَخَذَهُ مِنْكَ، وَقَوْلُهُ: وَنُقُّوا مِنَ التَّنْقِيَةِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لَهُذِّبُوا بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّهْذِيبِ، (فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ) أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ (أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ) أَيْ:
стр. 7754
إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى (إِلَى) عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي) أَيْ: إِلَيَّ، فَالْمَعْنَى: أَعْرَفُ وَأَكْثَرُ هِدَايَةً إِلَى مَنْزِلِهِ (فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا) ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُدًى لَا يَهْدِي بِالْبَاءِ، بَلْ بِاللَّامِ وَإِلَى، فَالْوَجْهُ أَنْ يَضْمَنَ مَدَى اللُّصُوقِ، أَيْ: أُلْصِقَ بِمَنْزِلِهِ هَادِيًا إِلَيْهِ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [يونس: ٩] أَيْ: يَهْدِيهِمْ فِي الْآخِرَةِ بِنُورِ إِيمَانِهِمْ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ، فَجَعَلَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ بَيَانًا لَهُ وَتَفْسِيرًا ; لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِسَبَبِ السَّعَادَةِ كَالْوُصُولِ إِلَيْهَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7755
٥٥٩٠ - «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ لَوْ أَسَاءَ ; لِيَزْدَادَ شُكْرًا، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ لَوْ أَحْسَنَ ; لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٥٩٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا أُرِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِرَاءَةِ، وَقَوْلُهُ: (مَقْعَدَهُ) : بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ ثَانٍ لَهُ، وَقَوْلُهُ: (مِنَ النَّارِ) : بَيَانٌ لِلْمَقْعَدِ (لَوْ أَسَاءَ) أَيْ: لَوْ أَسَاءَ الْعَمَلَ وَعَصَى رَبَّهُ - فَرْضًا وَتَقْدِيرًا - لَكَانَ ذَلِكَ مَقْعَدَهُ (لِيَزْدَادَ شُكْرًا) : عِلَّةٌ لِأُرِيَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِرَاءَةُ فِي الْقَبْرِ، عَلَى مَا يَشْهَدُ لَهُ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ لَوْ أَحْسَنَ) أَيِ: الْعَمَلَ، وَالْجَوَابُ مُقَدَّرٌ عَلَى مَا سَبَقَ، أَوْ (لَوْ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلتَّمَنِّي، (لِيَكُونَ) أَيِ: الْإِرَاءَةُ ; وَلِكَوْنِهِ مَصْدَرًا ذُكِّرَ فِعْلُهُ (عَلَيْهِ حَسْرَةً) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، أَيْ: لِيَقَعَ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ وَمَلَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7756
٥٥٩١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحَ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ ; فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٩١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ جِيءَ بِالْمَوْتِ» ) أَيْ: أُحْضِرَ بِهِ، وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ يُؤْتَى بِهِ عَلَى صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ ; لِيَتَيَقَّنُوا غَايَةَ الْيَقِينِ وَالْعِرْفَانِ، (حَتَّى يُجْعَلَ) أَيْ: وَاقِفًا (بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحَ) : قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ ﵀: وَالْحِكْمَةُ فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ حَصَلَ لَهُمُ الْفِدَاءُ، كَمَا فُدِيَ وَلَدُ إِبْرَاهِيمَ بِالْكَبْشِ، وَفِي الْأَمْلَحِ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَتَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ; لِأَنَّ الْأَمْلَحَ مَا فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ، (ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ) أَيْ: أَبَدًا بَلْ خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ، (وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ) : بِضَمِّ الْحَاءِ، وَسُكُونِ الزَّايِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَبِهِمَا قُرِئَ فِي السَّبْعَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ يُمَثِّلُ لَهُمْ عَلَى الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يُؤْتَى بِكَبْشٍ لَهُ عَيْنٌ الْحَدِيثَ ; وَذَلِكَ لِيُشَاهِدُوهُ بِأَعْيُنِهِمْ، فَضْلًا أَنْ يُدْرِكُوهُ بِبَصَائِرِهِمْ، وَالْمَعَانِي إِذَا ارْتَفَعَتْ عَنْ مَدَارِكِ الْأَفْهَامِ، وَاسْتَعْلَتْ عَنْ مَعَارِجِ النُّفُوسِ لِكِبَرِ شَأْنِهَا صِيغَتْ لَهَا قَوَالِبُ مِنْ عَالَمِ الْحِسِّ ; حَتَّى تَتَصَوَّرَ فِي الْقُلُوبِ، وَتَسْتَقِرَّ فِي النُّفُوسِ، ثُمَّ إِنَّ الْمَعَانِيَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ تَنْكَشِفُ لِلنَّاظِرِينَ انْكِشَافَ الصُّوَرِ فِي هَذِهِ الدَّارِ الْفَانِيَةِ، وَأَمَّا إِذَا أَحْبَبْنَا أَنْ نُؤَثِّرَ الْأَقْدَامَ فِي سَبِيلٍ لَا مَعْلَمَ بِهَا لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنَامِ، فَاكْتَفَيْنَا بِالْمُرُورِ عَنِ الْإِلْمَامِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7757
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٥٩٢ - عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " حَوْضِي مِنْ عَدَنٍ إِلَى عُمَّانَ الْبَلْقَاءِ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَكْوَابُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الشُّعْثُ رُءُوسًا، الدُّنْسُ ثِيَابًا، الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ، وَلَا يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٥٩٢ - عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: حَوْضِي مِنْ عَدَنٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ يُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ، آخِرُ بِلَادِ الْيَمَنِ مِمَّا يَلِي بَحْرَ الْهِنْدِ (إِلَى عُمَّانَ الْبَلْقَاءِ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مُضَافًا إِلَى الْبَلْقَاءِ بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ لَامٍ وَقَافٍ مَمْدُودَةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: عُمَّانُ مَدِينَةٌ بِالشَّامِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَوْضِعٌ بِالشَّامِ، وَبِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مَوْضِعٌ بِالْبَحْرَيْنِ. قُلْتُ: لَكِنَّ الْأُصُولَ الْمُعْتَمَدَةَ وَالنُّسَخَ الْمُصَحَّحَةَ اجْتَمَعَتْ عَلَى الضَّبْطِ الْأَوَّلِ ; فَهُوَ الْمُعَوَّلُ، ثُمَّ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْبَلْقَاءَ مَدِينَةٌ بِالشَّامِ، وَعُمَّانَ مَوْضِعٌ بِهَا، وَإِنَّمَا أُضِيفَ لِقُرْبِهِ إِلَيْهَا، عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْعَسْقَلَانِيُّ ﵀ وَالْمَعْنَى: مِقْدَارُ سَعَةِ حَوْضِي فِي الْعُقْبَى، كَمَا بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَحَادِيثِ فِي تَقْدِيرِ الْحَوْضِ، كَحَدِيثِ أَنَسٍ مَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ أَذَرُحَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ، وَحَدِيثِ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ تَصْوِيرُ كَثْرَةِ طُولِهِ وَعَرْضِهِ، لَا تَعْيِينُ قَدْرِهِ بِعَيْنِهِ وَحَصْرِهِ، فَوَرَدَ الْحَدِيثُ فِي كُلِّ مَقَامٍ بِمَا يُوَافِقُ إِدْرَاكَ السَّامِعِ فِي الْمَرَامِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَخْتَلِفَ لِاخْتِلَافِ مَذْهَبِ النَّاظِرِينَ، وَمَشْرَبِ الْوَارِدِينَ وَسَعَةِ صُدُورِهِمْ، وَحَذَاقَةِ بَصْرِهِمْ، كَاخْتِلَافِ سَعَةِ الْقَبْرِ وَمَنَازِلِ الْجَنَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّالِكِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ) : فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْبَيَاضَ هُوَ اللَّوْنُ الْمَحْبُوبُ، خِلَافًا لِمَا اخْتَارَهُ بَعْضٌ مِنَ اللَّوْنِ الْأَصْفَرِ ; لِمُقْتَضَى طَبْعِهِ الْمَقْلُوبِ، وَأَغْرَبُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَمِيلُونَ إِلَى تَغْيِيرِ شَفَةِ نِسَائِهِمُ الْمُحْمَرَّةِ إِلَى لَوْنِ السَّوَادِ، مَعَ أَنَّهُ مِمَّا يَغُمُّ الْفُؤَادَ، وَيُورِثُ الشَّوَادَ وَالْكُبَادَ، (وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ) أَيْ: أَلَذُّ مِنْهُ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الشِّفَاءِ لِلْعِبَادِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى مَذَمَّةِ شَرْبَةِ الْخَمْرِ ; لِمَا فِيهَا مِنَ الْحَرَارَةِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى شُرْبِهَا مِنَ الْفَسَادِ، (وَأَكْوَابُهُ) : جَمْعُ كُوبٍ، وَهُوَ الْكُوزُ الَّذِي لَا عُرْوَةَ لَهُ عَلَى مَا فِي الشُّرُوحِ، أَوْ لَا خُرْطُومَ لَهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، (عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ) : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: عَدَدُ أَكْوَابِهِ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، أَيْ: بِعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، (مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا) : فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَفَاوُتِ مَرَاتِبِ الشَّارِبِينَ، وَاخْتِلَافِ رَفْعِ ظَمَاءِ الْوَارِدِينَ.
(أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا) أَيْ: عَلَيْهِ (فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ) أَيْ: لِتَعَطُّشِهِمُ الظَّاهِرِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «أَجْوَعُكُمْ فِي الدُّنْيَا أَشْبَعُكُمْ فِي الْآخِرَةِ» ) ، وَعَلَى قِيَاسِهِ أَظْمَؤُكُمْ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيِّدُهُمْ، وَفِي مَعْنَاهُمْ كُلُّ مَنْ هَاجَرَ مِنْ وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، وَاخْتَارَ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى، وَالْخُمُولَ عَلَى الشُّهْرَةِ، وَزَهِدَ فِي تَحْصِيلِ الْمَالِ وَالْجَاهِ، وَاشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ فِي رِضَا مَوْلَاهُ. (الشُّعْثُ) : بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ أَشْعَثَ بِالْمُثَلَّثَةِ، أَيِ: الْمُتَفَرِّقُو الشَّعَرِ.
(رُءُوسًا) : تَمْيِيزٌ، وَالرَّأْسُ قَدْ يَتَنَاوَلُ الْوَجْهَ، فَتَدْخُلُ اللِّحْيَةُ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، (الدُّنْسُ) : بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَقَدْ يُسَكَّنُ، جَمْعُ الدَّنِسِ وَهُوَ الْوَسِخُ (ثِيَابًا، الَّذِينَ لَا يُنْكَحُونَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: لَا يُزَوَّجُوهُ لَوْ خَطَبُوا (الْمُتَنَعِّمَاتِ) أَيْ: بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ أَيِ: الَّذِينَ لَا يَتَزَوَّجُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ ; لِتَرْكِهِمُ الشَّهَوَاتِ زُهْدَهُمْ فِي اللَّذَّاتِ (وَلَا يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ) : بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْأُولَى الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ سُدَّةٍ، وَهِيَ بَابُ الدَّارِ ; سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَدْخَلَ يُسَدُّ بِهِ، وَالْمَعْنَى: لَوْ وَقَفُوا عَلَى بَابِ أَرْبَابِ الدُّنْيَا - فَرْضًا وَتَقْدِيرًا - لَا يُفْتَحُ لَهُمْ، وَلَا يَؤْبَهُ بِهِمْ، أَوْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِمْ فِي الضِّيَافَةِ وَأَنْوَاعِ الدَّعْوَةِ، حَيْثُ لَمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى مُقَامِهِمْ وَلَمْ يَتَبَارَكُوا بِأَقْدَامِهِمْ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) ، وَكَذَا الْحَاكِمُ. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 7758
٥٥٩٣ - «وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَنَزَلْنَا مَنْزِلَنَا، فَقَالَ: " مَا أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ "، قِيلَ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: سَبْعَمِائَةٍ أَوْ ثَمَانِمِائَةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٥٩٣ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: فِي سَفَرٍ (فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ) أَيْ: أَيُّهَا الصَّحَابَةُ الْحَاضِرُونَ (جُزْءٌ) : بِالرَّفْعِ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَكَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ، (مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضِ) ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: يَجُوزُ نَصْبُ جُزْءٍ عَلَى لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ بِإِعْمَالِ (مَا) وَإِجْرَائِهِ مَجْرَى لَيْسَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، يُرِيدُ بِهِ كَثْرَةَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. (قِيلَ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ) ؟ كَمِ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ مَحَلُّهَا نَصْبٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، أَيْ: كَمْ رَجُلًا أَوْ عَدَدًا كُنْتُمْ حِينَ إِذْ كُنْتُمْ مَعَهُ فِي السَّفَرِ، (قَالَ) أَيْ: زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ (سَبْعَمِائَةٍ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: كُنَّا، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: كَانَ عَدَدُنَا سَبْعَمِائَةٍ (أَوْ ثَمَانِمِائَةٍ) : يُحْتَمَلُ الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي عَنْ زَيْدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى (بَلْ) ، وَيُحْتَمَلُ التَّرَدُّدُ مِنْ زَيْدٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي بَابِ التَّخْمِينِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْعَدَدَ مَا بَيْنَهُمَا، لَا يَنْقُصُ عَنِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثَّانِي، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 7759
٥٥٩٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا، وَإِنَّهُمْ لَيَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥٥٩٤ - (وَعَنْ سَمُرَةَ) أَيِ: ابْنِ جُنْدُبٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا) أَيْ: يَشْرَبُ أُمَّتُهُ مِنْ حَوْضِهِ (وَإِنَّهُمْ) أَيِ: الْأَنْبِيَاءُ (لَيَتَبَاهَوْنَ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ، أَيْ: يَتَفَاخَرُونَ (أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً) أَيْ: نَاظِرِينَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أُمَّةً وَارِدَةً، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَقِيلَ: أَيُّهُمُّ مَوْصُولَةٌ، صَدْرُ صِلَتِهَا مَحْذُوفٌ، أَوْ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، كَمَا تَقُولُ: يَتَبَاهَى الْعُلَمَاءُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ عِلْمًا، أَيْ: قَائِلِينَ. (وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً) ، وَلَعَلَّ هَذَا الرَّجَاءَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ أُمَّتَهُ ثَمَانُونَ صَفًّا، وَبَاقِي الْأُمَمِ أَرْبَعُونَ فِي الْجَنَّةِ، عَلَى مَا سَبَقَ، ثُمَّ الْحَوْضُ عَلَى حَقِيقَتِهِ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ عَلَى مَا فِي الْمُعْتَمَدِ فِي الْمُعْتَقَدِ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ ﵀ حَيْثُ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ ; فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا، وَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَجَازِ، وَيُرَادَ بِهِ الْعِلْمُ وَالْهُدَى، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ: ( «وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» ) فِي وَجْهٍ، وَإِلَيْهِ يُلْمِحُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) .
قُلْتُ: هَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَافِي الْحَوْضَ الْحِسِّيَّ الَّذِي هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَرَاتِبِ الْوَارِدَةِ بِقَدْرِ أَخْذِ الْفَيْضِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْهُدَى الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ أَنْبِيَائِهِمْ، بَلْ أَقُولُ: لَا بُدَّ فِي التَّفَاوُتِ بَيْنَ مَاءِ كُلِّ حَوْضٍ فِي الصَّفَاءِ وَالرُّوَاءِ، وَاللَّذَّةِ وَالْكَثْرَةِ، بِحَسَبِ اخْتِيَارِهِمْ مَذْهَبَهُمْ، فَهُوَ عَلَى مِنْوَالِ ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠] . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 7760
٥٥٩٥ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: " أَنَا فَاعِلٌ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: " اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ " قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: " فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ " قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟ قَالَ: " فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ، فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ الْمَوَاطِنَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥٥٩٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيِ: الشَّفَاعَةَ الْخَاصَّةَ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ دُونَ الشَّفَاعَةِ الْعَامَّةِ، (فَقَالَ: أَنَا فَاعِلٌ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ فِي أَيِّ مَوْطِنٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ الَّتِي أَحْتَاجُ إِلَى شَفَاعَتِكَ أَطْلُبُكَ لِتُخَلِّصَنِي مِنْ تِلْكَ الْوَرْطَةِ؟ فَأَجَابَ: عَلَى الصِّرَاطِ، وَعِنْدَ الْمِيزَانِ وَالْحَوْضِ، أَيْ: أَفْقَرُ الْأَوْقَاتِ إِلَى شَفَاعَتِي هَذِهِ الْمَوَاطِنُ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ بَابِ الْحِسَابِ: فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا) قُلْتُ: جَوَابُهُ لِعَائِشَةَ بِذَلِكَ لِئَلَّا تَتَّكِلَ عَلَى كَوْنِهَا حَرَمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَوَابُهُ لِأَنَسٍ كَيْلَا يَيْأَسَ. أَقُولُ: فِيهِ أَنَّهُ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مَحَلُّ الِاتِّكَالِ أَيْضًا، مَعَ أَنَّ الْيَأْسَ غَيْرُ مُلَائِمٍ لَهَا أَيْضًا، فَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَائِبِينَ، فَلَا أَحَدَ يَذْكُرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ الْغُيَّبِ، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أُمَّتِهِ، فَيُئَوَّلُ بِأَنَّ [مَا] بَيْنَ عَدَمِ التَّذَكُّرِ وَبَيْنَ وُجُودِ الشَّفَاعَةِ عِنْدَ التَّحَضُّرِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ (قَالَ: اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي) أَيْ: فِي أَوَّلِ طَلَبِكَ
стр. 7761
إِيَّايَ (عَلَى الصِّرَاطِ) : فَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَأَوَّلُ نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: نَصْبُهُ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ) : فِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ الْمِيزَانَ بَعْدَ الصِّرَاطِ، (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟ قَالَ: فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ، فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ) : بِضَمِّ هَمْزٍ وَكَسْرِ الطَّاءِ بَعْدَهَا هَمْزٌ، أَيْ: لَا أَتَجَاوَزُ (هَذِهِ الثَّلَاثَ) أَيِ: الْبِقَاعَ، وَفِي نُسْخَةٍ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بِالتَّاءِ أَيِ: الْمَوَاطِنَ، وَالْمَعْنَى لَا أَتَجَاوَزُهُمْ، وَلَا أَحَدَ يَفْقِدُنِي فِيهِنَّ جَمِيعِهِنَّ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَلْقَانِي فِي مَوْضِعٍ مِنْهُنَّ.
وَقَدِ اسْتُشْكِلَ كَوْنُ الْحَوْضِ بَعْدَ الصِّرَاطِ ; لِمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ: أَنَّ جَمَاعَةً يُدْفَعُونَ عَنِ الْحَوْضِ بَعْدَ أَنْ كَادُوا يَرِدُونَ، وَيُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّ الَّذِي يَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى الْحَوْضِ يَكُونُ قَدْ نَجَا مِنَ النَّارِ، فَكَيْفَ يَرِدُ إِلَيْهَا؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُمْ يَقْرَبُونَ مِنَ الْحَوْضِ بِحَيْثُ يَرَوْنَ، فَيُدْفَعُونَ فِي النَّارِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُصُوا مِنَ الصِّرَاطِ، كَذَا حَقَّقَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ﵀. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 7762
٥٥٩٦ - «وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قِيلَ لَهُ: مَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ؟ قَالَ: " ذَلِكَ يَوْمَ يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى كُرْسِيِّهِ فَيَئِطُّ كَمَا يَئِطُّ الرَّحْلُ الْجَدِيدُ بِرَاكِبِهِ مِنْ تَضَايُقِهِ بِهِ، هُوَ كَسَعَةِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَيُجَاءُ بِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، فَيَكُونُ أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اكْسُوا خَلِيلِي ; فَيُؤْتَى بِرَيْطَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ مِنْ رِيَاطِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ أُكْسَى عَلَى أَثَرِهِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ مَقَامًا يَغْبِطُنِي الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ» ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٥٩٦ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قِيلَ لَهُ مَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ) ؟ أَيِ: الَّذِي وُعِدْتَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] (قَالَ: ذَلِكَ يَوْمٌ) بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنْ عُلَمَائِنَا، وَيَجُوزُ فَتْحُهُ، وَهُوَ خَبَرُ ذَلِكَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، أَمَّا عَلَى الثَّانِي فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَتَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ الَّذِي أَبْلُغُ فِيهِ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ (يَوْمٌ يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى كُرْسِيِّهِ) : يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ حُكْمِهِ بِالْعَدْلِ فِي يَوْمِ الْفَصْلِ قَبْلَ إِظْهَارِ الْفَضْلِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَى شَفَاعَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِشْعَارًا لِمَزِيدِ فَضْلِهِ عَلَى خَلْقِهِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَوْلَاهُ أَوَّلًا لَمَا خُلِقَ الْأَفْلَاكُ وَلَا وُجِدَ الْأَمْلَاكُ، فَكَذَا لَوْلَاهُ آخِرًا لَوَقَعَ الْأَنَامُ فِي الْهَلَاكِ، فَهُوَ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْآخِرُ، وَالْبَاطِنُ وَالظَّاهِرُ، وَهُوَ مُظْهِرُ الْكُلِّ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِأَنَّهُ مُظْهِرُ الْجَامِعِ الْمُسَمَّى بِاللَّهِ، وَقِيلَ: هَذَا طَرِيقَةُ الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقَاضِي بِقَوْلِهِ: مَثَّلَ التَّجَلِّي لِعِبَادِهِ بِنَعْتِ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ لِلْعَدْلِ وَالْقَضَاءِ، وَإِدْنَاءِ الْمُقَرَّبِينَ مِنْهُمْ عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ، وَكَشْفِ الْحِجَابِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ بِنُزُولِ السُّلْطَانِ مِنْ غُرَفِ الْقَصْرِ إِلَى صَدْرِ الدَّارِ، وَجُلُوسِهِ عَلَى كُرْسِيِّ الْمُلْكِ لِلْحُكُومَةِ وَالْفَصْلِ، وَإِقَامَةِ خَوَاصِّهِ وَأَهْلِ كَرَامَتِهِ حَوَالَيْهِ قُدَّامًا وَوَرَاءً، وَيَمِينًا وَشِمَالًا عَلَى تَفَاوُتِ مَرَاتِبِهِمْ لَدَيْهِ، وَقِيلَ: مَعْنَى نُزُولِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُرْسِيِّهِ ظُهُورُ مَمْلَكَتِهِ وَحُكْمِهِ مَحْسُوسًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ التَّجَلِّي لَهُ بِنَعْتِ الْعَظَمَةِ وَالْإِقْبَالُ بِوَصْفِ الْكِبْرِيَاءِ فِي الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، حَتَّى يَتَضَايَقَ مِنِ احْتِمَالِ مَا قَدْ غَشِيَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا لَمْ يَبْعُدْ عَنِ الْحَقِّ ; لِمَا فِي كَشْفِ الْحِجَابِ مِنْ مَعْنَى النُّزُولِ عَنْ مَعَارِجِ الْجَلَالِ إِلَى مَدَارِجِ الْجَمَالِ، (فَيَئِطُّ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ، أَيْ: يُصَوِّتُ الْكُرْسِيُّ (كَمَا يَئِطُّ الرَّحْلُ) : أَيِ الْإِكَافُ (الْجَدِيدُ بِرَاكِبِهِ) أَيْ: بِسَبَبِ رُكُوبِ رَاكِبِهِ إِذَا كَانَ عَظِيمًا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَهُوَ مُبَالَغَةٌ وَتَصْوِيرٌ لِعَظَمَةِ التَّجَلِّي عَلَى طَرِيقِ التَّرْشِيحِ، (مِنْ تَضَايُقِهِ بِهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَيَئِطُّ، أَيْ: مِنْ عَدَمِ اتِّسَاعِ الْكُرْسِيِّ بِاللَّهِ تَعَالَى، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ. وَقِيلَ: أَيْ مِنْ تَضَايُقِ الْكُرْسِيِّ بِمَلَائِكَةِ اللَّهِ، وَهَذَا تَمْثِيلٌ عَنْ كَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ الْحَافِّينَ حَوْلَ عَرْشِهِ، (وَهُوَ كَسَعَةِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) : بِفَتْحِ سِينِ كَسَعَةٍ وَيُكْسَرُ، وَفِي نُسْخَةٍ يَسَعُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَفِي الْقَامُوسِ: وَسِعَهُ الشَّيْءُ بِالْكَسْرِ يَسَعُهُ كَيَضَعُهُ سَعَةً كَدَعَةٍ وِدِيَةٍ. وَفِي الْمُغْرِبِ يُقَالُ: وَسِعَ الشَّيْءُ الْمَكَانَ، وَمَعْنَاهُ وَسِعَهُ الْمَكَانُ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَضِقْ عَنْهُ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْكُرْسِيِّ، أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ الْكُرْسِيَّ يَسَعُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لَكِنْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ الْأَرْضَ بِجَنْبِ السَّمَاءِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ، وَكَذَا كُلُّ سَمَاءٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَوْقَهَا، وَالسَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضِينَ عِنْدَ الْكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ، وَكَذَا هُوَ فِي جَنْبِ الْعَرْشِ» .
стр. 7763
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: وَهُوَ يَسَعُهُ حَالٌ أَوْ مُعْتَرِضَةٌ جِيءَ بِهَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ أَطِيطَ الْكُرْسِيِّ لِلضِّيقِ بِسَبَبِ تَشْبِيهِهِ بِالرَّحْلِ فِي الْأَطِيطِ (وَيُجَاءُ بِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا) أَيْ: تَحْضُرُونَ فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ (فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ) : بِرَفْعِهِ وَنَصْبِ أَوَّلَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِعَكْسِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَعَلَى الْأَوَّلِ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (اكْسُوا) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالسِّينِ، أَمْرٌ لِلْمَلَائِكَةِ أَيْ: أَلْبِسُوا (خَلِيلِي ; فَيُؤْتَى بِرَيْطَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ مِنْ رِيَاطِ الْجَنَّةِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ رَيْطَةٍ بِفَتْحِهَا، وَهِيَ الْمُلَاءَةُ الرَّقِيقَةُ اللَّيِّنَةُ مِنَ الْكَتَّانِ لَا تَكُونُ لِفْقَتَيْنِ، بَلْ تَكُونُ قِطْعَةً وَاحِدَةً، يُؤْتَى بِهِ مِنَ الشَّامِ (ثُمَّ أُكْسَى) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: أُلْبَسُ أَنَا (عَلَى أَثَرِهِ) : بِفَتْحَتَيْنِ وَبِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، أَيْ: عَقِبَ إِبْرَاهِيمَ وَبَعْدَهُ (ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ) أَيْ: قِيَامَ كَرَامَةٍ (مَقَامًا يَغْبِطُنِي) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: يَتَمَنَّاهُ (الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ) .
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ وَجْهُ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْجَوَابِ هُوَ قَوْلُهُ: ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ، لَكِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ أَوَّلًا الْوَقْتَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ، وَوَصَفَهُ بِمَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ ; لِيَكُونَ أَعْظَمَ فِي النُّفُوسِ وَقْعًا، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي أَقُومُ فِيهِ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى فَضْلِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، وَحِيَازَتُهُ قَصَبَ السَّبْقِ مِنْ بَيْنِ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالثَّقَلَيْنِ، وَكَفَى بِالشَّاهِدِ شَهِيدًا عَلَى الْمَلِكِ الْأَعْظَمِ إِذَا ضَرَبَ سُرَادِقَ الْجَلَالِ لِقَضَاءِ شُئُونِ الْعِبَادِ، وَجَمْعِ أَسَاطِينِ دَوْلَتِهِ، وَأَشْرَافِ مَمْلَكَتِهِ، وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ، لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ يَكُونُ عَنْ يَمِينِهِ هُوَ أَوْلَى أُولِي الْقُرْبِ، وَأَمَّا كُسْوَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ قَبْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَى فَضْلِهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَدَّمَ كُسْوَتَهُ عَلَى كُسْوَةِ مِثْلِ مَنْ يَغْبِطُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ ; إِظْهَارًا لِفَضْلِهِ وَكَرَامَتِهِ وَمَكَانَتِهِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النحل: ١٢٣] الْآيَةَ. " الْكَشَّافِ ": فِي ثُمَّ هَذِهِ مَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ مَنْزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجْلَالِ مَحَلِّهِ وَالْإِيذَانِ بِأَنَّ أَشْرَفَ مَا أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَأَجَلَّ مَا أُولِيَ فِي النِّعْمَةِ اتِّبَاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا دَلَّتْ عَلَى تَبَاعُدِ هَذَا النَّعْتِ فِي الْمَرْتَبَةِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النُّعُوتِ الَّتِي أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِهَا.
وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْفَضِيلَةُ الْمُطْلَقَةُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَدْخُلُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ عَنِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ خِطَابِهِ. قُلْتُ: هَذَا غَفْلَةٌ مِنَ الْقَائِلِ عَنْ تَصْرِيحِ قَوْلِهِ: ثُمَّ أُكْسَى عَلَى أَثَرِهِ، قِيلَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا جِيءَ بِهِ كَاسِيًا، وَإِنَّمَا كُسِيَ ثَانِيًا لِلْكَرَامَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ كُسِيَ لِلْعُرْيِ. أَقُولُ: وَهَذَا مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ عُرَاةً، ثُمَّ يُخْلَقُ لَهُمْ أَكْفَانُهُمْ فَيَلْبَسُونَهَا، ثُمَّ يَخْلَعُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْخَلِيلُ أَفْضَلَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ابْتُدِئَ بِهِ، وَلَمَّا كَانَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمَ النَّبِيِّينَ خُتِمَ بِهِ، وَأُقِيمَ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ تَرَقِّيًا عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ جَدَّهُ ﵇ وَمَتْبُوعَهُ فِي بَعْضِ الْمَقَامِ، مَعَ مُرَاعَاةِ كَوْنِهِ أَوَّلَ مَنْ عُرِّيَ فِي ذَاتِ اللَّهِ، حِينَ أَرَادُوا إِلْقَاءَهُ فِي النَّارِ فِيمَا ذَكَرْنَا امْتَازَ الْخَلِيلُ عَنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 7764
٥٥٩٧ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " شِعَارُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الصِّرَاطِ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥٥٩٧ - (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شِعَارُ الْمُؤْمِنِينَ) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: عَلَامَتُهُمُ الَّتِي يَتَعَارَفُونَ بِهَا، مُقْتَدِيًا كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ قَوْلُهُمْ: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الصِّرَاطِ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ) : وَالتَّكْرَارُ لِلْإِلْحَاحِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ التَّكْثِيرُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شِعَارُ الْمُؤْمِنِينَ قَوْلَ الْأَنْبِيَاءِ فِي حَقِّهِمْ هَذَا الدُّعَاءَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: وَشِعَارُ أُمَّتِي إِذَا حُمِلُوا عَلَى الصِّرَاطِ: يَا لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْأَوَّلُ لِسَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ إِنَّمَا هُوَ مِنْ شِعَارِ الْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، وَالشُّهَدَاءِ الصَّالِحِينَ مِمَّنْ لَهُمْ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ تَبَعًا لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَكَذَا الْحَاكِمُ (وَقَالَ) أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) ، وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: ( «شِعَارُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يُبْعَثُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» ) ، وَرَوَى الشِّيرَازِيُّ عَنْهَا أَيْضًا: ( «شِعَارُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظُلَمِ الْقِيَامَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» ) .
стр. 7765
٥٥٩٨ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٥٩٨ - ( «وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» ) أَيْ: شَفَاعَتِي فِي الْعَفْوِ عَنِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ شَفَاعَتِي الَّتِي تُنَجِّي الْهَالِكِينَ مُخْتَصَّةٌ بِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَفِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ) لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ عَقْلًا، وَوُجُوبُهَا سَمْعًا ; لِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] ، وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ الَّذِي بَلَغَتْ بِمَجْمُوعِهَا التَّوَاتُرَ لِصِحَّةِ الشَّفَاعَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَجْمَعَ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَيْهَا، وَمَنَعَتِ الْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْهَا، وَتَعَلَّقُوا بِمَذَاهِبِهِمْ فِي تَخْلِيدِ الْمُذْنِبِينَ فِي النَّارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] ، وَبِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْآيَتَيْنِ فِي الْكُفَّارِ، وَالْمُرَادُ بِالظُّلْمِ الشِّرْكُ، وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ بِكَوْنِهَا فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فَبَاطِلٌ، وَأَلْفَاظُ الْأَحَادِيثِ فِي الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ صَرِيحَةٌ فِي بُطْلَانِ مَذْهَبِهِمْ، وَإِخْرَاجِ مَنِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ. قُلْتُ: وَمِنْهُ هَذَا الْحَدِيثُ ; حَيْثُ لَا مَعْنَى لِزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ لِأَصْحَابِ الْكَبَائِرِ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى زَعْمِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، قَالَ: وَالشَّفَاعَةُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ:
(أَوَّلُهَا) : مُخْتَصَّةٌ بِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ الْإِرَاحَةُ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ وَتَعْجِيلِ الْحِسَابِ.
(الثَّانِيَةُ) : فِي إِدْخَالِ قَوْمٍ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَهَذِهِ أَيْضًا وَرَدَتْ فِي نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(الثَّالِثَةُ) : الشَّفَاعَةُ لِقَوْمٍ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ، فَيَشْفَعُ فِيهِمْ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(الرَّابِعَةُ) : فِيمَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنَ الْمُذْنِبِينَ، فَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا وَالْمَلَائِكَةِ وَإِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يُخْرِجُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
(الْخَامِسَةُ) : الشَّفَاعَةُ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ لِأَهْلِهَا، وَهَذِهِ لَا نُنْكِرُهَا أَيْضًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ.
стр. 7766
٥٥٩٩ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ.
ــ
٥٥٩٩ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ) ، وَفِي (الْجَامِعِ) : رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَفِي رِوَايَةٍ لِلْخَطِيبِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: ( «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الذُّنُوبِ مِنْ أُمَّتِي، وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي الدَّرْدَاءِ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ عَلِيٍّ: ( «شَفَاعَتِي لِأُمَّتِي مَنْ أَحَبَّ أَهْلَ بَيْتِي» ) . وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: ( «شَفَاعَتِي مُبَاحَةٌ إِلَّا لِمَنْ سَبَّ أَصْحَابِي» ) . وَرَوَى ابْنُ مَنِيعٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَبِضْعَةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَفْظُهُ: ( «شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا» ) .
стр. 7767
٥٦٠٠ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَتَانِي آتٍ مِنْ عِنْدِ رَبِّي، فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ نِصْفَ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ، وَهِيَ لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٦٠٠ - (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَانِي آتٍ) أَيْ: مَلَكٌ عَظِيمٌ (مِنْ رَبِّي، فَخَيَّرَنِي) أَيْ: رَبِّي أَوِ الْمَلَكُ (بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْخَاءِ عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِي أُخْرَى بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْخَاءِ، عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ هُوَ أَوِ الْمَلَكُ مَجَازًا، فَقَوْلُهُ: (نِصْفُ أُمَّتِي) : مَرْفُوعٌ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ وَمَنْصُوبٌ عَلَى الثَّالِثِ، وَقَوْلُهُ: (الْجَنَّةَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ بِكُلٍّ مِنَ
стр. 7768
الرِّوَايَاتِ (وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ) أَيْ: لِأُمَّةِ الْإِجَابَةِ ; لِاحْتِيَاجِ أَكْثَرِهِمْ إِلَيْهَا، (وَهِيَ) أَيِ: الشَّفَاعَةُ (لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا) . وَاعْلَمْ أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ الْمُحَدِّثِ أَنَّ تَدْخُلَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ، عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ، وَنِصْفٌ بِالرَّفْعِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَكَلُّفٍ، بَلْ إِلَى تَعَسُّفٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَضُبِطَ بِالْحَمْرَةِ أَيْضًا تُدْخِلُ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ مُخَاطِبًا، وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ: نِصْفُ أُمَّتِي، وَالْقَوْلُ بِالِالْتِفَاتِ فِي مِثْلِ هَذَا مِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) ، وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَوْفٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي مُوسَى.
стр. 7769
٥٦٠١ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْجَدْعَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٦٠١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْجَدْعَاءِ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، كَذَا فِي (جَامِعِ الْأُصُولِ) وَهَكَذَا ضُبِطَ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَأَيْضًا نُسِبَ إِلَى الْعَسْقَلَانِيِّ، لَكِنَّهُ فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي (التَّقْرِيبِ) مِنْ أَنَّهُ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ فَذَالٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ، كِنَانِيٌّ صَحَابِيٌّ، لَهُ حَدِيثَانِ، تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفَ: تَمِيمِيٌّ يُذْكَرُ فِي الْوُحْدَانِ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ، وَعِدَادُهُ فِي الْبَصْرِيِّينَ. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ) أَيْ: خَلِيلٍ (مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) : وَهِيَ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ، فَقِيلَ: الرَّجُلُ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقِيلَ: أَوْسٌ الْقَرَنِيُّ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ ﵀: وَهَذَا أَقْرَبُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 7770
٥٦٠٢ - «وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَشْفَعُ لِلْفِئَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْقَبِيلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْعُصْبَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلرَّجُلِ، حَتَّى يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٦٠٢ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أَيِ: الْخُدْرِيِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ مِنْ أُمَّتِي) أَيْ: بَعْضُ أَفْرَادِهِمْ، مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصُّلَحَاءِ (مَنْ يَشْفَعُ لِلْفِئَامِ) : بِكَسْرِ الْفَاءِ بَعْدَهُ هَمْزٌ وَقَدْ يُبْدَلُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ، لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَالْعَامَّةُ تَقُولُ: فِيامٌ بِلَا هَمْزٍ. أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ هَاهُنَا مَعْنَاهُ الْقَبَائِلُ، كَمَا قِيلَ هُوَ فِي الْمَعْنَى جَمْعُ فِئَةٍ ; لِقَوْلِهِ: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْقَبِيلَةِ) : وَهِيَ قَوْمٌ كَثِيرٌ جَدُّهُمْ وَاحِدٌ (وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْعُصْبَةِ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ مِنَ الرِّجَالِ، لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا جَمْعٌ وَلَوِ اثْنَانِ ; لِقَوْلِهِ: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلرَّجُلِ) : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ طَوَى مَا بَيْنَ الْعُصْبَةِ وَالرَّجُلِ ; لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الرَّجُلُ بِالْبُرْهَانِ الْجَلِيِّ، كَمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ، (حَتَّى يَدْخُلُوا) : أَيِ الْأُمَّةُ كُلُّهُمُ (الْجَنَّةَ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَايَةَ يَشْفَعُ، وَالضَّمِيرُ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ، أَيْ: يَنْتَهِي شَفَاعَتُهُمْ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا جَمِيعُهُمُ الْجَنَّةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى (كَيْ) فَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: وَحَسَّنَهُ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ السَّيِّدُ.
стр. 7771
٥٦٠٣ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ بِلَا حِسَابٍ ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ وَهَكَذَا، فَحَثَا بِكَفَّيْهِ وَجَمَعَهُمَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَهَكَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَلَيْكَ أَنْ يُدْخِلَنَا اللَّهُ كُلَّنَا الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ إِنْ شَاءَ أَنْ يُدْخِلَ خَلْقَهُ الْجَنَّةَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ فَعَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " صَدَقَ عُمَرُ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٥٦٠٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ بِلَا حِسَابٍ) أَيْ: وَلَا كِتَابٍ وَلَا سَابِقَةِ عَذَابٍ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ: زِدْنَا فِي الْإِخْبَارِ عَمَّا وَعَدَكَ رَبُّكَ إِدْخَالَ أُمَّتِكَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِكَ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ
стр. 7772
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: ( «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي» ) . كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ مُسْتَحْسَنٌ جِدًّا، إِلَّا أَنَّ قَيْدَ قَوْلِهِ بِشَفَاعَتِكَ لَا دَلَالَةَ لِلْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ شَفَاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَإِنْ كَانُوا دَاخِلِينَ فِي الشَّفَاعَةِ الْعَامَّةِ، هَذَا وَفِي قَوْلِهِ: زِدْنَا، عَلَى أَنَّ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَدْخَلًا وَمَجَالًا فِي الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَفِي التَّصَرُّفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ، بِحَسَبِ مَا أَوْلَاهُ مَوْلَاهُ مِنَ الرُّتْبَةِ الْجَلِيَّةِ وَالْمَزِيَّةِ الْعَلِيَّةِ. (قَالَ) أَيْ: أَنَسٌ (وَهَكَذَا) أَيْ: وَفَعَلَ هَكَذَا، وَتَفْسِيرُ (فَحَثَا بِكَفَّيْهِ وَجَمَعَهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَهَكَذَا) أَيْ: فَحَثَا بِكَفَّيْهِ وَجَمَعَهُمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا حِكَايَةٌ لِفِعْلِهِ سُبْحَانَهُ ; وَلِذَا قَالَ الشُّرَّاحُ: إِنَّمَا ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْحَثَيَاتِ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُعْطِي الْكَرِيمِ إِذَا اسْتُزِيدَ أَنْ يَحْثِيَ بِكَفَّيْهِ مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ، وَرُبَّمَا نَاوَلَهُ مِلْءَ كَفٍّ، فَالْحَثْيُ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْكَثْرَةِ، وَإِلَّا فَلَا كَفَّ وَلَا حَثْيَ. (فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ) ! أَيِ: اتْرُكْنَا عَلَى مَا بَيَّنَ لَنَا الْحَالَ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ ; لِنَكُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِدَالِ، (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَلَيْكَ) أَيْ: بَأْسٌ وَضَرَرٌ (أَنْ يُدْخِلَنَا اللَّهُ كُلَّنَا) أَيْ: جَمِيعَنَا، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ فِي يُدْخِلَنَا (الْجَنَّةَ؟ قَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ) أَيْ: بَلْ أَقُولُ زِيَادَةً عَلَى مَا تَقُولُ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَقَدُ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ إِنْ شَاءَ أَنْ يُدْخِلَ خَلْقَهُ الْجَنَّةَ) أَيْ: جَمِيعَ مَخْلُوقَاتِهِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، وَمُطِيعِهِمْ وَفَاجِرِهِمْ، (بِكَفٍّ وَاحِدٍ) أَيْ: بِمَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ (فَعَلَ) ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] قِيلَ: أَرَادَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ عَطَاءَهُ وَفَضْلَهُ، أَيْ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ الْخَلْقَ كُلَّهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ فَعَلَ ; فَإِنَّهَا أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ، هَذَا وَالْكَفُّ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ الْيَدُ أَوْ إِلَى الْكُوعِ، وَجَعَلَهَا صَاحِبُ الْمُغْرِبِ مِنَ الْمُؤَنَّثَاتِ السَّمَاعِيَّةِ، وَعَدَّهَا ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا فِي رِسَالَتِهِ مِمَّا يَجِبُ تَأْنِيثُهُ، فَقَوْلُهُ: بِكَفٍّ وَاحِدٍ، مُئَوَّلٌ بِعَطَاءٍ وَاحِدٍ، أَوْ بِمَقْبُوضٍ وَاحِدٍ. (فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ عُمَرُ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: وَإِنَّمَا لَمْ يُجِبْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ بِمِثْلِ كَلَامِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لِأَنَّهُ وَجَدَ لِلْبِشَارَاتِ مَدْخَلًا عَظِيمًا فِي تَوَجُّهِ النُّفُوسِ الْقُدْسِيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُنْجِي خَلْقَهُ مِنْ عَذَابِهِ بِشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ، الْفَوْجَ بَعْدَ الْفَوْجِ، وَالْقَبِيلَ بَعْدَ الْقَبِيلِ، ثُمَّ يُخْلِصُ مَنْ قَصُرَتْ عَنْهُ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ سَلِمَ لَهُمُ الْإِيمَانُ، وَلَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ هُوَ مِنْ بَابِ التَّضَرُّعِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ مِنْ بَابِ التَّفْوِيضِ وَالتَّسْلِيمِ. أَقُولُ: التَّسْلِيمُ أَسْلَمُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ) أَيْ صَاحِبُ (الْمَصَابِيحِ) (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي (مُسْنَدِهِ) عَلَى مَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ.
стр. 7773
٥٦٠٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُصَفُّ أَهْلَ النَّارِ، فَيَمُرُّ بِهِمُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: يَا فُلَانُ أَمَا تَعْرِفُنِي؟ أَنَا الَّذِي سَقَيْتُكَ شَرْبَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَا الَّذِي وَهَبْتُ لَكَ وَضُوءًا، فَيَشْفَعُ لَهُ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٦٠٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُصَفُّ) : بِضَمٍّ وَفَتْحٍ وَتَشْدِيدٍ، أَيْ: يُجْعَلُ صَفًّا، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحٍ فَضَمٍّ أَيْ يَصِيرُ صَفًّا (أَهْلُ النَّارِ) أَيْ: مِنْ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْفُجَّارِ فِي طَرِيقِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَخْيَارِ، وَالصُّلَحَاءِ الْأَبْرَارِ، عَلَى هَيْئَةِ الْمَسَاكِينِ السَّائِلِينَ فِي طَرِيقِ الْأَغْنِيَاءِ فِي هَذِهِ الدَّارِ، (فَيَمُرُّ بِهِمُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ أَهْلِ النَّارِ (يَا فُلَانُ) كِنَايَةً عَنِ اسْمِهِ (أَمَا تَعْرِفُنِي؟ أَنَا الَّذِي سَقَيْتُكَ شَرْبَةً) أَيْ: مِنْ مَاءٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَا الَّذِي وَهَبْتُ لَكَ وَضُوءًا) : بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ: مَاءَ وُضُوءٍ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ مِنْ لُقْمَةٍ وَخِرْقَةٍ، أَوْ نَوْعِ إِعَانَةٍ، أَوْ جِنْسِ عَطِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ أَوْ جُزْئِيَّةٍ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، أَوْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ; فَإِنَّ الْغَرِيقَ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ حَشِيشٍ. (فَيَشْفَعُ لَهُ) أَيْ: ذَلِكَ الصَّالِحُ (فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ) أَيْ: يَصِيرُ سَبَبًا لِدُخُولِهِ إِيَّاهَا، أَوِ الْمَعْنَى: فَيُدْخِلُهُ مَعَهُ الْجَنَّةَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، لَا سِيَّمَا مَعَ الصُّلَحَاءِ وَالْمُجَالَسَةِ مَعَهُمْ وَمَحَبَّتِهِمْ ; فَإِنَّ مَحَبَّتَهُمْ زَيْنٌ فِي الدُّنْيَا وَنُورٌ فِي الْعُقْبَى. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 7774
٥٦٠٥ - «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلَ النَّارَ اشْتَدَّ صِيَاحُهُمَا، فَقَالَ الرَّبُّ تَعَالَى: أَخْرِجُوهُمَا. فَقَالَ لَهُمَا: لِأَيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ صِيَاحُكُمَا؟ قَالَا: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِتَرْحَمَنَا. قَالَ: (فَإِنَّ رَحْمَتِي لَكُمَا أَنْ تَنْطَلِقَا فَتُلْقِيَا أَنْفُسَكُمَا حَيْثُ كُنْتُمَا مِنَ النَّارِ، فَيُلْقِي أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَيَقُومُ الْآخَرُ فَلَا يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُلْقِيَ نَفْسَكَ كَمَا أَلْقَى صَاحِبُكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا بَعْدَ مَا أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا. فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: لَكَ رَجَاؤُكَ. فَيُدْخَلَانِ جَمِيعًا الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٦٠٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلَ النَّارَ اشْتَدَّ صِيَاحُهُمَا) أَيْ: بُكَاؤُهُمَا وَتَضَرُّعُهُمَا وَاسْتِغَاثَتُهُمَا (فَقَالَ الرَّبُّ تَعَالَى) أَيْ: لِلزَّبَانِيَةِ (أَخْرِجُوهُمَا. فَقَالَ لَهُمَا: لِأَيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ صِيَاحُكُمَا) ؟ أَيْ: بَعْدَمَا كُنْتُمَا سَاكِتَيْنِ خَامِدَيْنِ (قَالَا: فَعَلْنَا ذَلِكَ) أَيِ: اشْتِدَادَ الصِّيَاحِ لِتَرْحَمَنَا أَيْ: فَإِنَّكَ تُحِبُّ مَنْ يَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ (قَالَ: فَإِنَّ رَحْمَتِي لَكُمَا أَنْ تَنْطَلِقَا) أَيْ: تَذْهَبَا (فَتُلْقِيَا أَنْفُسَكُمَا حَيْثُ كُنْتُمَا مِنَ النَّارِ) : فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ التَّضَرُّعِ الظَّاهِرِيِّ لَا يُفِيدُ الرَّحْمَةَ بِدُونِ الِانْقِيَادِ الْبَاطِنِيِّ ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: أَنْ تَنْطَلِقَا فَتُلْقِيَا خَبَرَانِ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ الِانْطِلَاقِ إِلَى النَّارِ وَإِلْقَاءُ النَّفْسِ فِيهَا عَلَى الرَّحْمَةِ؟ قُلْتُ: هَذَا مِنْ حَمْلِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُمَا لَمَّا فَرَّطَا فِي جَنْبِ اللَّهِ، وَقَصَّرَا فِي الْعَاجِلَةِ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ، أَمَرَ هُنَالِكَ بِالِامْتِثَالِ فِي إِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمَا فِي النَّارِ ; إِيذَانًا بِأَنَّ الرَّحْمَةَ إِنَّمَا هِيَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ . (فَيُلْقِي أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ) أَيْ: فِي النَّارِ (فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا) أَيْ: كَمَا جَعَلَهَا بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، (وَيَقُومُ الْآخَرُ) أَيْ: يَقِفُ (فَلَا يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُلْقِيَ نَفْسَكَ) أَيْ: مِنْ إِلْقَائِهَا فِي النَّارِ (كَمَا أَلْقَى صَاحِبُكَ) ؟ أَيْ كَإِلْقَائِهِ فِيهَا؟ (فَيَقُولُ: رَبِّ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا بَعْدَمَا أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا) ، فَالْأَوَّلُ امْتَثَلَ بِالْخَوْفِ وَالْعَمَلِ، وَالثَّانِي عَمِلَ بِالْعِلْمِ وَالْأَمَلِ، (فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: لَكَ رَجَاؤُكَ) أَيْ: مُقْتَضَاهُ وَنَتِيجَتُهُ، كَمَا أَنَّ لِصَاحِبِكَ خَوْفُهُ وَعَمَلُهُ بِمُوجِبِهِ، (فَيُدْخَلَانِ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: فَيُدْخِلُهُمَا اللَّهُ (جَمِيعًا الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ) أَيِ: الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْعَمَلِ وَالْمَعْرِفَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7775
٥٦٠٦ - «وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ مِنْهُ بِأَعْمَالِهِمْ، فَأَوَّلُهُمْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ، ثُمَّ كَالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَسِ، ثُمَّ كَالرَّاكِبِ فِي رَحْلِهِ، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٦٠٦ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ) : يَرِدُ عَلَى وَزْنِ يَعِدُ مُضَارِعٌ مِنَ الْوُرُودِ بِمَعْنَى الْحُضُورِ، يُقَالُ: وَرَدْتُ مَاءَ كَذَا أَيْ حَضَرْتُهُ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ وُرُودًا لِأَنَّ الْمَارَّةَ عَلَى الصِّرَاطِ يُشَاهِدُونَ النَّارَ وَيَحْضُرُونَهَا ; وَعَلَى هَذَا يُئَوَّلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ حِينَئِذٍ فِي الْعَطَشِ الشَّدِيدِ، وَإِنَّمَا مَرُّوا عَلَى الصِّرَاطِ لِلْوُصُولِ إِلَى الْحَوْضِ الْمَوْرُودِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: الْوُرُودُ لُغَةً قَصْدُ الْمَاءِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هَاهُنَا الْجَوَازُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ. (ثُمَّ يَصْدُرُونَ مِنْهَا) : بِضَمِّ الدَّالِ أَيْ يَنْصَرِفُونَ عَنْهَا ; فَإِنَّ الصَّدْرَ إِذَا عُدِّيَ بِمِنِ اقْتَضَى الِانْصِرَافَ، وَهَذَا عَلَى الِاتِّسَاعِ وَمَعْنَاهُ النَّجَاةُ ; إِذْ لَيْسَ هُنَاكَ انْصِرَافٌ، وَإِنَّمَا هُوَ الْمُرُورُ عَلَيْهَا، فَوُضِعَ الصَّدْرُ مَوْضِعَ النَّجَاةِ ; لِلْمُنَاسَبَةِ الَّتِي بَيْنَ الصُّدُورِ وَالْوُرُودِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: ثُمَّ فِي ثُمَّ يَصْدُرُونَ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] فِي أَنَّهَا لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ لَا الزَّمَانِ، بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى التَّفَاوُتَ بَيْنَ وُرُودِ النَّاسِ النَّارَ، وَبَيْنَ نَجَاةِ الْمُتَّقِينَ مِنْهَا، فَكَذَلِكَ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّفَاوُتَ بَيْنَ وُرُودِ النَّاسِ النَّارَ، وَبَيْنَ صُدُورِهِمْ مِنْهَا، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصُّدُورِ الِانْصِرَافُ انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَلْقَ بَعْدَ شُرُوعِهِمْ فِي الْوُرُودِ يَتَخَلَّصُونَ مِنْ خَوْفِ النَّارِ، وَمُشَاهَدَةِ رُؤْيَتِهَا، وَمُلَاصَقَةِ لَهَبِهَا وَدُخَانِهَا، وَتَعَلُّقِ شَوْكِهَا، وَأَمْثَالُهَا عَلَى مَرَاتِبَ شَتَّى فِي سُرْعَةِ الْمُجَاوَزَةِ وَإِبْطَائِهَا، (بِأَعْمَالِهِمْ) أَيْ: بِحَسَبِ مَرَاتِبِ
следующие страницы →