Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.
стр. 7771
٥٦٠٣ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ بِلَا حِسَابٍ ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ وَهَكَذَا، فَحَثَا بِكَفَّيْهِ وَجَمَعَهُمَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَهَكَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَلَيْكَ أَنْ يُدْخِلَنَا اللَّهُ كُلَّنَا الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ إِنْ شَاءَ أَنْ يُدْخِلَ خَلْقَهُ الْجَنَّةَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ فَعَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " صَدَقَ عُمَرُ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٥٦٠٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ بِلَا حِسَابٍ) أَيْ: وَلَا كِتَابٍ وَلَا سَابِقَةِ عَذَابٍ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ: زِدْنَا فِي الْإِخْبَارِ عَمَّا وَعَدَكَ رَبُّكَ إِدْخَالَ أُمَّتِكَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِكَ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ
стр. 7772
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: ( «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي» ) . كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ مُسْتَحْسَنٌ جِدًّا، إِلَّا أَنَّ قَيْدَ قَوْلِهِ بِشَفَاعَتِكَ لَا دَلَالَةَ لِلْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ شَفَاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَإِنْ كَانُوا دَاخِلِينَ فِي الشَّفَاعَةِ الْعَامَّةِ، هَذَا وَفِي قَوْلِهِ: زِدْنَا، عَلَى أَنَّ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَدْخَلًا وَمَجَالًا فِي الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَفِي التَّصَرُّفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ، بِحَسَبِ مَا أَوْلَاهُ مَوْلَاهُ مِنَ الرُّتْبَةِ الْجَلِيَّةِ وَالْمَزِيَّةِ الْعَلِيَّةِ. (قَالَ) أَيْ: أَنَسٌ (وَهَكَذَا) أَيْ: وَفَعَلَ هَكَذَا، وَتَفْسِيرُ (فَحَثَا بِكَفَّيْهِ وَجَمَعَهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَهَكَذَا) أَيْ: فَحَثَا بِكَفَّيْهِ وَجَمَعَهُمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا حِكَايَةٌ لِفِعْلِهِ سُبْحَانَهُ ; وَلِذَا قَالَ الشُّرَّاحُ: إِنَّمَا ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْحَثَيَاتِ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُعْطِي الْكَرِيمِ إِذَا اسْتُزِيدَ أَنْ يَحْثِيَ بِكَفَّيْهِ مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ، وَرُبَّمَا نَاوَلَهُ مِلْءَ كَفٍّ، فَالْحَثْيُ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْكَثْرَةِ، وَإِلَّا فَلَا كَفَّ وَلَا حَثْيَ. (فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ) ! أَيِ: اتْرُكْنَا عَلَى مَا بَيَّنَ لَنَا الْحَالَ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ ; لِنَكُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِدَالِ، (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَلَيْكَ) أَيْ: بَأْسٌ وَضَرَرٌ (أَنْ يُدْخِلَنَا اللَّهُ كُلَّنَا) أَيْ: جَمِيعَنَا، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ فِي يُدْخِلَنَا (الْجَنَّةَ؟ قَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ) أَيْ: بَلْ أَقُولُ زِيَادَةً عَلَى مَا تَقُولُ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَقَدُ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ إِنْ شَاءَ أَنْ يُدْخِلَ خَلْقَهُ الْجَنَّةَ) أَيْ: جَمِيعَ مَخْلُوقَاتِهِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، وَمُطِيعِهِمْ وَفَاجِرِهِمْ، (بِكَفٍّ وَاحِدٍ) أَيْ: بِمَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ (فَعَلَ) ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] قِيلَ: أَرَادَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ عَطَاءَهُ وَفَضْلَهُ، أَيْ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ الْخَلْقَ كُلَّهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ فَعَلَ ; فَإِنَّهَا أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ، هَذَا وَالْكَفُّ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ الْيَدُ أَوْ إِلَى الْكُوعِ، وَجَعَلَهَا صَاحِبُ الْمُغْرِبِ مِنَ الْمُؤَنَّثَاتِ السَّمَاعِيَّةِ، وَعَدَّهَا ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا فِي رِسَالَتِهِ مِمَّا يَجِبُ تَأْنِيثُهُ، فَقَوْلُهُ: بِكَفٍّ وَاحِدٍ، مُئَوَّلٌ بِعَطَاءٍ وَاحِدٍ، أَوْ بِمَقْبُوضٍ وَاحِدٍ. (فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ عُمَرُ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: وَإِنَّمَا لَمْ يُجِبْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ بِمِثْلِ كَلَامِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لِأَنَّهُ وَجَدَ لِلْبِشَارَاتِ مَدْخَلًا عَظِيمًا فِي تَوَجُّهِ النُّفُوسِ الْقُدْسِيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُنْجِي خَلْقَهُ مِنْ عَذَابِهِ بِشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ، الْفَوْجَ بَعْدَ الْفَوْجِ، وَالْقَبِيلَ بَعْدَ الْقَبِيلِ، ثُمَّ يُخْلِصُ مَنْ قَصُرَتْ عَنْهُ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ سَلِمَ لَهُمُ الْإِيمَانُ، وَلَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ هُوَ مِنْ بَابِ التَّضَرُّعِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ مِنْ بَابِ التَّفْوِيضِ وَالتَّسْلِيمِ. أَقُولُ: التَّسْلِيمُ أَسْلَمُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ) أَيْ صَاحِبُ (الْمَصَابِيحِ) (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي (مُسْنَدِهِ) عَلَى مَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ.
стр. 7773
٥٦٠٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُصَفُّ أَهْلَ النَّارِ، فَيَمُرُّ بِهِمُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: يَا فُلَانُ أَمَا تَعْرِفُنِي؟ أَنَا الَّذِي سَقَيْتُكَ شَرْبَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَا الَّذِي وَهَبْتُ لَكَ وَضُوءًا، فَيَشْفَعُ لَهُ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٦٠٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُصَفُّ) : بِضَمٍّ وَفَتْحٍ وَتَشْدِيدٍ، أَيْ: يُجْعَلُ صَفًّا، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحٍ فَضَمٍّ أَيْ يَصِيرُ صَفًّا (أَهْلُ النَّارِ) أَيْ: مِنْ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْفُجَّارِ فِي طَرِيقِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَخْيَارِ، وَالصُّلَحَاءِ الْأَبْرَارِ، عَلَى هَيْئَةِ الْمَسَاكِينِ السَّائِلِينَ فِي طَرِيقِ الْأَغْنِيَاءِ فِي هَذِهِ الدَّارِ، (فَيَمُرُّ بِهِمُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ أَهْلِ النَّارِ (يَا فُلَانُ) كِنَايَةً عَنِ اسْمِهِ (أَمَا تَعْرِفُنِي؟ أَنَا الَّذِي سَقَيْتُكَ شَرْبَةً) أَيْ: مِنْ مَاءٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَا الَّذِي وَهَبْتُ لَكَ وَضُوءًا) : بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ: مَاءَ وُضُوءٍ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ مِنْ لُقْمَةٍ وَخِرْقَةٍ، أَوْ نَوْعِ إِعَانَةٍ، أَوْ جِنْسِ عَطِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ أَوْ جُزْئِيَّةٍ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، أَوْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ; فَإِنَّ الْغَرِيقَ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ حَشِيشٍ. (فَيَشْفَعُ لَهُ) أَيْ: ذَلِكَ الصَّالِحُ (فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ) أَيْ: يَصِيرُ سَبَبًا لِدُخُولِهِ إِيَّاهَا، أَوِ الْمَعْنَى: فَيُدْخِلُهُ مَعَهُ الْجَنَّةَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، لَا سِيَّمَا مَعَ الصُّلَحَاءِ وَالْمُجَالَسَةِ مَعَهُمْ وَمَحَبَّتِهِمْ ; فَإِنَّ مَحَبَّتَهُمْ زَيْنٌ فِي الدُّنْيَا وَنُورٌ فِي الْعُقْبَى. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 7774
٥٦٠٥ - «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلَ النَّارَ اشْتَدَّ صِيَاحُهُمَا، فَقَالَ الرَّبُّ تَعَالَى: أَخْرِجُوهُمَا. فَقَالَ لَهُمَا: لِأَيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ صِيَاحُكُمَا؟ قَالَا: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِتَرْحَمَنَا. قَالَ: (فَإِنَّ رَحْمَتِي لَكُمَا أَنْ تَنْطَلِقَا فَتُلْقِيَا أَنْفُسَكُمَا حَيْثُ كُنْتُمَا مِنَ النَّارِ، فَيُلْقِي أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَيَقُومُ الْآخَرُ فَلَا يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُلْقِيَ نَفْسَكَ كَمَا أَلْقَى صَاحِبُكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا بَعْدَ مَا أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا. فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: لَكَ رَجَاؤُكَ. فَيُدْخَلَانِ جَمِيعًا الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٦٠٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلَ النَّارَ اشْتَدَّ صِيَاحُهُمَا) أَيْ: بُكَاؤُهُمَا وَتَضَرُّعُهُمَا وَاسْتِغَاثَتُهُمَا (فَقَالَ الرَّبُّ تَعَالَى) أَيْ: لِلزَّبَانِيَةِ (أَخْرِجُوهُمَا. فَقَالَ لَهُمَا: لِأَيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ صِيَاحُكُمَا) ؟ أَيْ: بَعْدَمَا كُنْتُمَا سَاكِتَيْنِ خَامِدَيْنِ (قَالَا: فَعَلْنَا ذَلِكَ) أَيِ: اشْتِدَادَ الصِّيَاحِ لِتَرْحَمَنَا أَيْ: فَإِنَّكَ تُحِبُّ مَنْ يَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ (قَالَ: فَإِنَّ رَحْمَتِي لَكُمَا أَنْ تَنْطَلِقَا) أَيْ: تَذْهَبَا (فَتُلْقِيَا أَنْفُسَكُمَا حَيْثُ كُنْتُمَا مِنَ النَّارِ) : فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ التَّضَرُّعِ الظَّاهِرِيِّ لَا يُفِيدُ الرَّحْمَةَ بِدُونِ الِانْقِيَادِ الْبَاطِنِيِّ ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: أَنْ تَنْطَلِقَا فَتُلْقِيَا خَبَرَانِ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ الِانْطِلَاقِ إِلَى النَّارِ وَإِلْقَاءُ النَّفْسِ فِيهَا عَلَى الرَّحْمَةِ؟ قُلْتُ: هَذَا مِنْ حَمْلِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُمَا لَمَّا فَرَّطَا فِي جَنْبِ اللَّهِ، وَقَصَّرَا فِي الْعَاجِلَةِ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ، أَمَرَ هُنَالِكَ بِالِامْتِثَالِ فِي إِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمَا فِي النَّارِ ; إِيذَانًا بِأَنَّ الرَّحْمَةَ إِنَّمَا هِيَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ . (فَيُلْقِي أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ) أَيْ: فِي النَّارِ (فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا) أَيْ: كَمَا جَعَلَهَا بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، (وَيَقُومُ الْآخَرُ) أَيْ: يَقِفُ (فَلَا يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُلْقِيَ نَفْسَكَ) أَيْ: مِنْ إِلْقَائِهَا فِي النَّارِ (كَمَا أَلْقَى صَاحِبُكَ) ؟ أَيْ كَإِلْقَائِهِ فِيهَا؟ (فَيَقُولُ: رَبِّ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا بَعْدَمَا أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا) ، فَالْأَوَّلُ امْتَثَلَ بِالْخَوْفِ وَالْعَمَلِ، وَالثَّانِي عَمِلَ بِالْعِلْمِ وَالْأَمَلِ، (فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: لَكَ رَجَاؤُكَ) أَيْ: مُقْتَضَاهُ وَنَتِيجَتُهُ، كَمَا أَنَّ لِصَاحِبِكَ خَوْفُهُ وَعَمَلُهُ بِمُوجِبِهِ، (فَيُدْخَلَانِ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: فَيُدْخِلُهُمَا اللَّهُ (جَمِيعًا الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ) أَيِ: الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْعَمَلِ وَالْمَعْرِفَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7775
٥٦٠٦ - «وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ مِنْهُ بِأَعْمَالِهِمْ، فَأَوَّلُهُمْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ، ثُمَّ كَالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَسِ، ثُمَّ كَالرَّاكِبِ فِي رَحْلِهِ، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٦٠٦ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ) : يَرِدُ عَلَى وَزْنِ يَعِدُ مُضَارِعٌ مِنَ الْوُرُودِ بِمَعْنَى الْحُضُورِ، يُقَالُ: وَرَدْتُ مَاءَ كَذَا أَيْ حَضَرْتُهُ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ وُرُودًا لِأَنَّ الْمَارَّةَ عَلَى الصِّرَاطِ يُشَاهِدُونَ النَّارَ وَيَحْضُرُونَهَا ; وَعَلَى هَذَا يُئَوَّلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ حِينَئِذٍ فِي الْعَطَشِ الشَّدِيدِ، وَإِنَّمَا مَرُّوا عَلَى الصِّرَاطِ لِلْوُصُولِ إِلَى الْحَوْضِ الْمَوْرُودِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: الْوُرُودُ لُغَةً قَصْدُ الْمَاءِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هَاهُنَا الْجَوَازُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ. (ثُمَّ يَصْدُرُونَ مِنْهَا) : بِضَمِّ الدَّالِ أَيْ يَنْصَرِفُونَ عَنْهَا ; فَإِنَّ الصَّدْرَ إِذَا عُدِّيَ بِمِنِ اقْتَضَى الِانْصِرَافَ، وَهَذَا عَلَى الِاتِّسَاعِ وَمَعْنَاهُ النَّجَاةُ ; إِذْ لَيْسَ هُنَاكَ انْصِرَافٌ، وَإِنَّمَا هُوَ الْمُرُورُ عَلَيْهَا، فَوُضِعَ الصَّدْرُ مَوْضِعَ النَّجَاةِ ; لِلْمُنَاسَبَةِ الَّتِي بَيْنَ الصُّدُورِ وَالْوُرُودِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: ثُمَّ فِي ثُمَّ يَصْدُرُونَ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] فِي أَنَّهَا لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ لَا الزَّمَانِ، بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى التَّفَاوُتَ بَيْنَ وُرُودِ النَّاسِ النَّارَ، وَبَيْنَ نَجَاةِ الْمُتَّقِينَ مِنْهَا، فَكَذَلِكَ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّفَاوُتَ بَيْنَ وُرُودِ النَّاسِ النَّارَ، وَبَيْنَ صُدُورِهِمْ مِنْهَا، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصُّدُورِ الِانْصِرَافُ انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَلْقَ بَعْدَ شُرُوعِهِمْ فِي الْوُرُودِ يَتَخَلَّصُونَ مِنْ خَوْفِ النَّارِ، وَمُشَاهَدَةِ رُؤْيَتِهَا، وَمُلَاصَقَةِ لَهَبِهَا وَدُخَانِهَا، وَتَعَلُّقِ شَوْكِهَا، وَأَمْثَالُهَا عَلَى مَرَاتِبَ شَتَّى فِي سُرْعَةِ الْمُجَاوَزَةِ وَإِبْطَائِهَا، (بِأَعْمَالِهِمْ) أَيْ: بِحَسَبِ مَرَاتِبِ
стр. 7776
أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، (فَأَوَّلُهُمْ) أَيْ: أَسْبَقُهُمْ (كَلَمْحِ الْبَرْقِ) أَيِ: الْخَاطِفِ، (ثُمَّ كَالرِّيحِ) أَيِ: الْعَاصِفِ، (ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَسِ) أَيْ: جَرْيِهِ وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْعَدْوُ الشَّدِيدُ، (ثُمَّ كَالرَّاكِبِ فِي رَحْلِهِ) أَيْ: عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَعَدَّاهُ بِفِي لِتَمَكُّنِهِ مِنَ السَّيْرِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَقِيلَ: أَرَادَ الرَّاكِبَ فِي مَنْزِلِهِ وَمَأْوَاهُ ; فَإِنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ السَّيْرُ وَالسُّرْعَةُ أَشَدُّ (ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ) أَيْ: عَدْوِهِ وَجَرْيِهِ، (ثُمَّ كَمَشْيِهِ) أَيْ: كَمَشْيِ الرَّجُلِ عَلَى هِينَتِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 7777
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٦٠٧ - «عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضِي، مَا بَيْنَ جَنْبَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ» . قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: هُمَا قَرْيَتَانِ بِالشَّامِ، بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالِيَ. وَفِي رِوَايَةٍ: ( «فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ وَرَدَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٦٠٧ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ أَمَامَكُمْ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيْ: قُدَّامَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (حَوْضِي) أَيْ: بَعْدَ الصِّرَاطِ (مَا بَيْنَ جَنْبَيْهِ) أَيْ: طَرَفَيْهِ (كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ) : بِفَتْحِ جِيمٍ وَسُكُونِ رَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَمْدُودَةٍ (وَأَذْرُحَ) : بِفَتْحِ هَمْزٍ وَسُكُونِ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَضَمِّ رَاءٍ وَبِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ غَيْرُ مُنْصَرِفَيْنِ. (قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ) أَيْ: رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ (هُمَا قَرْيَتَانِ بِالشَّامِ، بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ) ، قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: الْجَرْبَاءُ قَرْيَةٌ بِجَنْبِ أَذْرُحَ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَإِنَّمَا الْوَهْمُ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مِنْ إِسْقَاطِ زِيَادَةٍ، ذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَهِيَ مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي، كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَجَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ. (وَفِي رِوَايَةٍ: فِيهِ) أَيْ: مَوْضُوعٌ فِي أَطْرَافِهِ أَوْ عَلَى جَوَانِبِهِ (أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ) أَيْ: فِي الْكَثْرَةِ وَصَفَاءِ الضِّيَاءِ (مَنْ وَرَدَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ) أَيْ: شَرْبَةً (لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ تِلْكَ الشَّرْبَةِ أَوْ بَعْدَ الشُّرْبِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (أَبَدًا) أَيْ: دَائِمًا سَرْمَدًا، فَيَكُونُ شُرْبُهُ الْأَشْرِبَةَ فِي الْجَنَّةِ بَعْدَهَا بِنَاءً عَلَى التَّلَذُّذِ وَالتَّفَكُّهِ وَالتَّكَيُّفِ بِهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ بِلَفْظِ: ( «الْكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ، حَافَتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ، وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ» ) .
стр. 7778
٥٦٠٨ - ٥٦٠٩ - «وَعَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَجْمَعُ اللَّهُ ﵎ النَّاسَ، فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ، حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ؟ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ " قَالَ: " فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمَدُوا إِلَى مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ، فَيَقُولُ عِيسَى: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَيَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ ". قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: (أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا. وَقَالَ: " وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ، تَأْخُذُ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمُكَرْدَسٌ فِي النَّارِ ". وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعِينَ خَرِيفًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٦٠٨ - ٥٦٠٩ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا) أَيْ: كِلَاهُمَا (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَجْمَعُ اللَّهُ ﵎ النَّاسَ) : الْمُرَادُ بِهِمُ الْخَلْقُ، وَخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِلتَّشْرِيفِ ; فَإِنَّهُمْ عُمْدَةُ أَرْبَابِ التَّكْلِيفِ (فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ) أَيِ: الْخَوَاصُّ مِنْ عُمُومِ النَّاسِ (حَتَّى تُزْلَفَ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَبِالْفَاءِ أَيْ: تُقَرَّبَ (لَهُمُ الْجَنَّةُ) ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ - عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٣ - ١٤] ، (فَيَأْتُونَ) أَيِ: الْمُؤْمِنُونَ (آدَمَ) ، وَالْمُرَادُ مِنْهُمْ بَعْضُهُمُ الْخَوَاصُّ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ (فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ) أَيِ: اطْلُبْ فَتْحَ بَابِهَا حَتَّى نَدْخُلَهَا، (فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ) ؟ أَيْ: وَصَاحِبُ الْخَطِيئَةِ لَا يَصْلُحُ لِلشَّفَاعَةِ، بَلْ هُوَ مُحْتَاجٌ بِنَفْسِهِ إِلَى الضَّرَاعَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ) أَيْ: ذَلِكَ الْمَقَامِ الَّذِي أَرَدْتُمُوهُ مِنَ الشَّفَاعَةِ
стр. 7779
الْكُبْرَى، وَالْمَرْتَبَةِ الْعَظِيمَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الْمَخْصُوصِ لِصَاحِبِ اللِّوَاءِ الْمَمْدُودِ (اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ) أَيْ: فَإِنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ الرُّسُلِ، وَجَدُّ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، فَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ وَاعْرِضُوا أَمْرَكُمْ عَلَيْهِ (قَالَ: " فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ) أَيِ: الْمَقَامِ الْمَوْعُودِ وَالْمَرَامِ الْمَشْهُودِ (إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ) : بِالْفَتْحِ فِيهِمَا عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَالنُّسَخِ الْمَقْرُوءَةِ الْمُصَحَّحَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْمَشْهُورُ الْفَتْحُ فِيهِمَا بِلَا تَنْوِينٍ، وَيَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِنَاؤُهَا عَلَى الضَّمِّ. قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الصَّوَابُ الضَّمُّ فِيهِمَا ; لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، قَالَ: وَإِنْ صَحَّ الْفَتْحُ قَبْلُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْفَتْحُ أَصَحُّ، وَتَكُونُ الْكَلِمَةُ مُرَكَّبَةً كَشَذَرَ مَذَرَ، وَشَعَرَ بَغَرَ، فَبِنَاؤُهُمَا عَلَى الْفَتْحِ، وَإِنْ وَرَدَ مَنْصُوبًا مُنَوَّنًا جَازَ ذَلِكَ. (اعْمِدُوا) : بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيِ: اقْصِدُوا (إِلَى مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا) أَيْ: بِلَا وَاسِطَةِ كِتَابٍ وَمِنْ غَيْرِ وَرَاءِ حِجَابٍ. قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ: وَهَذَا وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ، أَيْ: لَسْتُ بِصَدَدِ تِلْكَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمَكَارِمَ الَّتِي أُعْطِيتُهَا كَانَتْ بِوَاسِطَةِ سِفَارَةِ جِبْرِيلَ ﵊ وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى ﵊ فَإِنَّهُ حَصَلَ لَهُ الْكَلَامُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. قَالَ: وَإِنَّمَا كُرِّرَ لِأَنَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَصَلَ لَهُ السَّمَاعُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَحَصَلَ لَهُ الرُّؤْيَةُ أَيْضًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا وَرَاءَ مُوسَى الَّذِي هُوَ وَرَاءَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ) : بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا وَنَصْبُهُمَا عَلَى الْمَدْحِ (فَيَقُولُ عِيسَى: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ) ; وَحِينَئِذٍ يَنْحَصِرُ الْأَمْرُ فِي نَبِيِّنَا خَاتَمِ الرُّسُلِ وَمُقَدَّمِ الْكُلِّ، (فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِيهِ وَضْعُ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ، أَوْ عَلَى طَرِيقِ التَّجْرِيدِ، (فَيَقُومُ) أَيْ: عَنْ يَمِينِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، وَيَسْتَأْذِنُ بِالشَّفَاعَةِ فِي نَوْعِ الْإِنْسَانِ ; لِإِزَالَةِ كَرْبِ الْمَوْقِفِ وَعُمُومِ الْأَحْزَانِ (فَيُؤْذَنُ لَهُ) أَيْ: فَيَسْجُدُ، عَلَى مَا سَبَقَ، (وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ) أَيْ: مُصَوَّرَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، (فَتَقُومَانِ) : بِالتَّأْنِيثِ عَلَى تَغْلِيبِ الْأَمَانَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَبِالتَّذْكِيرِ عَلَى تَغْلِيبِ الرَّحِمِ الْمُذَكَّرِ، أَيْ: فَيَقِفَانِ، أَوْ فَيَحْضُرَانِ (جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ) : بِالْفَتَحَاتِ أَيْ: طَرَفَيْهِ (يَمِينًا وَشِمَالًا) : كَالْبَيَانِ لِمَا قَبْلَهُ، وَنَصْبُهُمَا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ أَوِ الظَّرْفِيَّةِ، (فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ) : الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ الْعَامَّةِ إِلَى الْخِطَابِ لِلْخَاصَّةِ (كَالْبَرْقِ) أَيْ: فِي سُرْعَةِ السَّيْرِ.
(قَالَ) أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ (قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ: أَفْدِيكَ بِهِمَا (أَيُّ شَيْءٍ) : اسْتِفْهَامٌ (كَمَرِّ الْبَرْقِ) ؟ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ شَبِيهٌ بِالْبَرْقِ، وَالْمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ تُشَبِّهُهُ بِالْبَرْقِ. (قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ) أَيْ: سَرِيعًا (وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ) ، ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ، أَوْ عَلَى طَرِيقِ التَّتْمِيمِ لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ، فَيَكُونُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ يُشْبِهُهُ فِي سُرْعَةِ السَّيْرِ، كَذَا حَرَّرَهُ الشُّرَّاحُ، وَعِنْدِي أَنَّ التَّشْبِيهَ مُرَكَّبٌ مِنْ سُرْعَةِ الْمُرُورِ، وَمِنْ ضِيَاءِ الظُّهُورِ ; لِيَكُونَ نُورًا عَلَى نُورٍ ; وَلِيَكُونَ إِشَارَةً إِلَى الْبَدَنِ وَالرُّوحِ، وَإِلَى الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَإِلَى الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ، وَأَيْضًا الْمُرُورُ مَذْكُورٌ فِي كَلَامِ السَّائِلِ، وَلَا بُدَّ فِي الْجَوَابِ مِنْ أَمْرٍ زَائِدٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَيِ الْمُرَادُ بِهِمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِمُ الْأَصْفِيَاءُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهُمْ أَرْبَابُ الْجَذَبَاتِ الْإِلَهِيَّةِ. (ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ) أَيْ: جَرْيِهِمْ، وَالرِّجَالُ إِمَّا جَمْعُ رَجُلٍ، أَوْ جَمْعُ رَاجِلٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ أَيْ: مَا الَّذِي يُشْبِهُهُ مِنَ الْمَارِّينَ بِمَرِّ الْبَرْقِ، وَقَوْلُهُ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ، بَيَانٌ لِمَا شَبَّهُوا بِهِ بِالْبَرْقِ، وَهُوَ سُرْعَةُ اللَّمَعَانِ، يَعْنِي سُرْعَةَ مُرُورِهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ كَسُرْعَةِ لَمَعَانِ الْبَرْقِ، كَأَنَّهُ - أَيِ السَّائِلَ - اسْتَبْعَدَ أَنْ يَكُونَ فِي الْإِنْسَانِ مَا يُشْبِهُ الْبَرْقَ فِي السُّرْعَةِ ; فَسَأَلَ عَنْ أَمْرٍ آخَرَ هُوَ الْمُشَبَّهُ، فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، وَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَمْنَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمُ الْحَسَنَةِ، أَلَا
стр. 7780
تَرَى كَيْفَ أَسْنَدَ الْجَرَيَانَ إِلَى الْأَعْمَالِ فِي قَوْلِهِ: (تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ) أَيْ: تَجْرِي وَهِيَ مُلْتَبِسَةٌ بِهِمْ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ: تَجْعَلُهُمْ جَارِينَ (وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ) : مُتَعَلِّقٌ بِتَجْرِي، وَالْجُمْلَةُ قَبْلَهُ مُعْتَرِضَةٌ بَيَانِيَّةٌ أَوْ حَالِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى: تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُهُمْ عَنِ الْجَرَيَانِ بِهِمْ، (حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ) : بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى تَعْجِزَ، وَتَوْضِيحٌ لَهُ (فَلَا يَسْتَطِيعُ) أَيِ: الرَّجُلُ ; لِضَعْفِ عَمَلِهِ ; وَتَقَاعُدِهِ عَنِ السَّبْقِ فِي الدُّنْيَا (السَّيْرَ) أَيِ: الْمُرُورَ عَلَى الصِّرَاطِ (إِلَّا زَحْفًا) أَيْ: حَبْوًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا (وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ) : بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ أَيْ جَانِبَيْهِ (كَلَالِيبُ) : جَمْعُ كُلَّابٍ (مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ، تَأْخُذُ) أَيْ: هِيَ (مَنْ أُمِرَتْ بِهِ) ، وَلَوْ رُوِيَ بِالْبَاءِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْخَاءِ عَلَى الْمَصْدَرِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ، (فَمَخْدُوشٌ) أَيْ: فَمِنْهُمْ مَجْرُوحٌ (نَاجٍ) أَيْ: مِنَ الْوُقُوعِ فِي النَّارِ (وَمُكَرْدَسٌ فِي النَّارِ) : بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَقِيلَ: الْمُعْجَمَةُ، وَهُوَ الَّذِي جُمِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَأُلْقِيَ فِي مَوْضِعٍ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ فِي السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، ثُمَّ قَالَ وَالْمُكَرْدَشُ بِمَعْنَاهُ، وَفِي نُسْخَةٍ مَكْدُوسٌ بِالْمُهْمَلَةِ، أَيْ: مَدْفُوعٌ فِي النَّارِ، ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُرْوَى بِالْمُعْجَمَةِ مِنَ الْكَدْشِ وَهُوَ السَّوْقُ الشَّدِيدُ، وَالْكَدْشُ الطَّرْدُ، وَالْجَرْحُ أَيْضًا. وَفِي الْقَامُوسِ: كَدَسَهُ أَيْ صَرَعَهُ، وَبِالْمُعْجَمَةِ دَفَعَهُ دَفْعًا عَنِيفًا (وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ) ، هَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ مَرْجِعَ ضَمِيرِ قَالَ إِلَيْهِ، ثُمَّ هَذَا الْقَسَمُ إِمَّا مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، أَوْ مَرْفُوعٌ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعِينَ خَرِيفًا) ، قَالَ الدَّمَامِينِيُّ أَيْ أَنَّ مَسَافَةَ السَّيْرِ إِلَيْهِ لَسَبْعِينَ خَرِيفًا، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: وَجْهُهُ أَنَّ الْقَعْرَ مَصْدَرُ قَعَرْتُ الْبِئْرَ إِذَا بَلَغْتُ قَعْرَهَا، وَسَبْعِينَ: ظَرْفُهُ، أَيْ أَنَّ بُلُوغَ قَعْرِهَا يَكُونُ فِي سَبْعِينَ عَامًا، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ: سَبْعُونَ بِالْوَاوِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِيهِ حَذْفٌ، أَيْ: مَسَافَةُ قَعْرِ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ خَرِيفًا. وَفِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ وَالرِّوَايَاتِ سَبْعِينَ بِالْيَاءِ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ، فَحَذْفُ الْمُضَافِ وَتَرْكُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى إِعْرَابِهِ، أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ أَنَّ بُلُوغَ قَعْرِ جَهَنَّمَ لَكَائِنٌ فِي سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَسَبْعِينَ خَرِيفًا ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7781
[بَابُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِهَا]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٦١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(٥) بَابُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِهَا
الْجَنَّةُ: الْبُسْتَانُ مِنَ الشَّجَرِ الْمُتَكَاثِفِ الْمُطِلِّ بِالْتِفَافِ أَغْصَانِهِ، وَالتَّرْكِيبُ دَائِرٌ عَلَى مَعْنَى السَّتْرِ فِي الْجَنَّةِ وَالْجُنَّةِ وَالْجِنَّةِ وَالْجُنُونِ وَنَحْوِهَا، فَكَأَنَّ الْجَنَّةَ لِتَكَاثُفِهَا وَتَظَلُّلِهَا سُمِّيَتْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَرَّةُ مِنْ مَصْدَرِ جَنَّهُ إِذَا سَتَرَهُ، كَأَنَّهَا سُتْرَةٌ وَاحِدَةٌ لِفَرْطِ الْتِفَافِهَا. وَسُمِّيَتْ دَارُ الثَّوَابِ جَنَّةً لِمَا فِيهَا مِنَ الْجِنَانِ، أَوْ لِكَوْنِهَا مَسْتُورَةً عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ؛ لِيَكُونَ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ لَا بِالْعِيَانِ، أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْفَى مِنْ قُرَّةِ الْأَعْيُنِ لِأَهْلِهَا الْأَعْيَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٦١٢ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ) أَيْ: هَيَّأْتُ (لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ) : بِفَتْحِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَيُسَكَّنُ (مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: (مَا) هُنَا إِمَّا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ، وَعَيْنٌ وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَأَفَادَ الِاسْتِغْرَاقَ، وَالْمَعْنَى مَا رَأَتِ الْعُيُونُ كُلُّهُنَّ وَلَا عَيْنٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَالْأُسْلُوبُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] ، فَيُحْتَمَلُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْنِ مَعًا، أَوْ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ فَحَسْبُ، أَيْ: لَا رُؤْيَةٌ وَلَا عَيْنٌ، أَوْ لَا رُؤْيَةٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ الْغَرَضُ مِنْهُ الْعَيْنُ، وَبِهَا ضُمَّتْ إِلَيْهِ الرُّؤْيَةُ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ انْتِفَاءَ الْمَوْصُوفِ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَبَلَغَ فِي تَحَقُّقِهِ إِلَى أَنْ صَارَ كَالشَّاهِدِ عَلَى نَفْيِ الصِّفَةِ وَعَكْسِهِ (وَلَا أُذُنٌ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الذَّالُ (سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ) أَيْ: وَقَعَ (عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] أَيْ: لَا قَلْبٌ وَلَا خُطُورٌ، أَوْ لَا خُطُورًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَهُمْ قَلْبٌ مُخْطِرٌ، فَجَعَلَ انْتِفَاءَ الصِّفَةِ دَلِيلًا عَلَى انْتِفَاءِ الذَّاتِ أَيْ: إِذَا لَمْ يَحْصُلْ ثَمَرَةُ الْقَلْبِ وَهُوَ الْإِخْطَارُ فَلَا قَلْبَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] ".
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ خَصَّ الْبَشَرَ هُنَا دُونَ الْقَرِينَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ؟ قُلْتُ: لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ وَيَهْتَمُّونَ بِشَأْنِهِ وَيَخْطُرُونَ بِبَالِهِمْ، بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْحَدِيثُ كَالتَّفْصِيلِ لِلْآيَةِ، فَإِنَّهَا نَفَتِ الْعِلْمَ، وَالْحَدِيثُ نَفَى طَرِيقَ حُصُولِهِ. (وَاقْرَءُوا) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، وَيُؤَيِّدُهُ الْعَاطِفُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ؛ لِقَوْلِهِ: إِنْ شِئْتُمْ أَيْ: أَرَدْتُمُ الِاسْتِشْهَادَ وَالِاعْتِضَادَ ﴿فَلَا تَعْلَمُ﴾ [السجدة: ١٧] : فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ اقْرَءُوا أَوِ التَّقْدِيرُ آيَةً فَلَا تَعْلَمُ: نَفْسٌ أَيْ: مُقْتَضَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧] : قَرَأَ الْجُمْهُورُ " أُخْفِيَ " بِتَحْرِيكِ الْيَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِسُكُونِهَا عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعٌ مُسْنَدٌ لِلْمُتَكَلِّمِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ " نُخْفِي " بِنُونِ الْعَظَمَةِ، وَقُرِئَ " أَخْفَى " بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَالْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ، الْكَشَّافُ: لَا تَعْلَمُ النُّفُوسُ كُلُّهُنَّ وَلَا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَيَّ نَوْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الثَّوَابِ ادَّخَرَ اللَّهُ لِأُولَئِكَ وَأَخْفَاهُ مِنْ جَمِيعِ خَلَائِقِهِ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ مِمَّا تَقَرُّ بِهِ عُيُونُهُمْ، وَلَا مَزِيدَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ وَلَا مَطَمَحَ وَرَاءَهُمَا. وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ": يُقَالُ: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ، وَمَعْنَاهُ بَرَّدَ اللَّهُ دَمْعَتَهَا؛ لِأَنَّ دَمْعَةَ الْفَرَحِ بَارِدَةٌ، حَكَاهُ الْأَصْمَعِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَاهُ بَلَّغَكَ اللَّهُ أَمْنِيَّتَكَ حَتَّى تَرْضَى بِهِ نَفْسُكَ وَتَقَرَّ عَيْنُكَ وَلَا تَسْتَشْرِفَ إِلَى غَيْرِهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَعَلَى هَذَا الْأَوَّلُ مِنَ الْقُرَّةِ بِمَعْنَى الْبَرْدِ، وَالثَّانِي مِنَ الْقَرَارِ، وَفِي قَوْلِهِ: أَعْدَدْتُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ، وَيُعَضِّدُهُ سُكْنَى آدَمَ وَحَوَّاءَ الْجَنَّةَ، وَلِمَحَبَّتِهَا فِي الْقُرْآنِ عَلَى نَهْجِ الْأَسْمَاءِ الْغَالِبَةِ اللَّاحِقَةِ بِالْأَعْلَامِ، كَالنَّجْمِ وَالثُّرَيَّا وَالْكِتَابِ وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ بُسْتَانٍ مُتَكَاثِفٍ أَغْصَانُ أَشْجَارِهَا، ثُمَّ غَلَبَتْ
стр. 7782
٥٦١١ - «وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُشَفَّعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٦١١ - (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) : بِلَا صَرْفٍ وَيُصْرَفُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ) أَيْ: ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ مِنَ الْأَصْفِيَاءِ (الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْعُلَمَاءُ) أَيِ: الْعَامِلُونَ (ثُمَّ الشُّهَدَاءُ) أَيِ: الْمُخْلِصُونَ، وَفِي الْعَطْفِ بِثُمَّ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى تَفْضِيلِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الشُّهَدَاءِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الشِّيرَازِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْعِلَلِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا: ( «يُوزَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ وَدَمُ الشُّهَدَاءِ، فَيَرْجَحُ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ عَلَى دَمِ الشُّهَدَاءِ» ) ، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى عَلَى الْفُضَلَاءِ، فَإِنَّ مِدَادَهُمْ أَقَلُّ أَمْدَادِهِمْ، وَدَمُ الشُّهَدَاءِ أَفْضَلُ أَسْعَادِهِمْ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: ( «يُشَفَّعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» ) .
стр. 7783
[بَابُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِهَا]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٦١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(٥) بَابُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِهَا
الْجَنَّةُ: الْبُسْتَانُ مِنَ الشَّجَرِ الْمُتَكَاثِفِ الْمُطِلِّ بِالْتِفَافِ أَغْصَانِهِ، وَالتَّرْكِيبُ دَائِرٌ عَلَى مَعْنَى السَّتْرِ فِي الْجَنَّةِ وَالْجُنَّةِ وَالْجِنَّةِ وَالْجُنُونِ وَنَحْوِهَا، فَكَأَنَّ الْجَنَّةَ لِتَكَاثُفِهَا وَتَظَلُّلِهَا سُمِّيَتْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَرَّةُ مِنْ مَصْدَرِ جَنَّهُ إِذَا سَتَرَهُ، كَأَنَّهَا سُتْرَةٌ وَاحِدَةٌ لِفَرْطِ الْتِفَافِهَا. وَسُمِّيَتْ دَارُ الثَّوَابِ جَنَّةً لِمَا فِيهَا مِنَ الْجِنَانِ، أَوْ لِكَوْنِهَا مَسْتُورَةً عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ؛ لِيَكُونَ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ لَا بِالْعِيَانِ، أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْفَى مِنْ قُرَّةِ الْأَعْيُنِ لِأَهْلِهَا الْأَعْيَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٦١٢ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ) أَيْ: هَيَّأْتُ (لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ) : بِفَتْحِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَيُسَكَّنُ (مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: (مَا) هُنَا إِمَّا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ، وَعَيْنٌ وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَأَفَادَ الِاسْتِغْرَاقَ، وَالْمَعْنَى مَا رَأَتِ الْعُيُونُ كُلُّهُنَّ وَلَا عَيْنٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَالْأُسْلُوبُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] ، فَيُحْتَمَلُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْنِ مَعًا، أَوْ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ فَحَسْبُ، أَيْ: لَا رُؤْيَةٌ وَلَا عَيْنٌ، أَوْ لَا رُؤْيَةٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ الْغَرَضُ مِنْهُ الْعَيْنُ، وَبِهَا ضُمَّتْ إِلَيْهِ الرُّؤْيَةُ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ انْتِفَاءَ الْمَوْصُوفِ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَبَلَغَ فِي تَحَقُّقِهِ إِلَى أَنْ صَارَ كَالشَّاهِدِ عَلَى نَفْيِ الصِّفَةِ وَعَكْسِهِ (وَلَا أُذُنٌ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الذَّالُ (سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ) أَيْ: وَقَعَ (عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] أَيْ: لَا قَلْبٌ وَلَا خُطُورٌ، أَوْ لَا خُطُورًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَهُمْ قَلْبٌ مُخْطِرٌ، فَجَعَلَ انْتِفَاءَ الصِّفَةِ دَلِيلًا عَلَى انْتِفَاءِ الذَّاتِ أَيْ: إِذَا لَمْ يَحْصُلْ ثَمَرَةُ الْقَلْبِ وَهُوَ الْإِخْطَارُ فَلَا قَلْبَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] ".
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ خَصَّ الْبَشَرَ هُنَا دُونَ الْقَرِينَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ؟ قُلْتُ: لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ وَيَهْتَمُّونَ بِشَأْنِهِ وَيَخْطُرُونَ بِبَالِهِمْ، بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْحَدِيثُ كَالتَّفْصِيلِ لِلْآيَةِ، فَإِنَّهَا نَفَتِ الْعِلْمَ، وَالْحَدِيثُ نَفَى طَرِيقَ حُصُولِهِ. (وَاقْرَءُوا) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، وَيُؤَيِّدُهُ الْعَاطِفُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ؛ لِقَوْلِهِ: إِنْ شِئْتُمْ أَيْ: أَرَدْتُمُ الِاسْتِشْهَادَ وَالِاعْتِضَادَ ﴿فَلَا تَعْلَمُ﴾ [السجدة: ١٧] : فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ اقْرَءُوا أَوِ التَّقْدِيرُ آيَةً فَلَا تَعْلَمُ: نَفْسٌ أَيْ: مُقْتَضَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧] : قَرَأَ الْجُمْهُورُ " أُخْفِيَ " بِتَحْرِيكِ الْيَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِسُكُونِهَا عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعٌ مُسْنَدٌ لِلْمُتَكَلِّمِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ " نُخْفِي " بِنُونِ الْعَظَمَةِ، وَقُرِئَ " أَخْفَى " بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَالْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ، الْكَشَّافُ: لَا تَعْلَمُ النُّفُوسُ كُلُّهُنَّ وَلَا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَيَّ نَوْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الثَّوَابِ ادَّخَرَ اللَّهُ لِأُولَئِكَ وَأَخْفَاهُ مِنْ جَمِيعِ خَلَائِقِهِ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ مِمَّا تَقَرُّ بِهِ عُيُونُهُمْ، وَلَا مَزِيدَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ وَلَا مَطَمَحَ وَرَاءَهُمَا. وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ": يُقَالُ: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ، وَمَعْنَاهُ بَرَّدَ اللَّهُ دَمْعَتَهَا؛ لِأَنَّ دَمْعَةَ الْفَرَحِ بَارِدَةٌ، حَكَاهُ الْأَصْمَعِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَاهُ بَلَّغَكَ اللَّهُ أَمْنِيَّتَكَ حَتَّى تَرْضَى بِهِ نَفْسُكَ وَتَقَرَّ عَيْنُكَ وَلَا تَسْتَشْرِفَ إِلَى غَيْرِهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَعَلَى هَذَا الْأَوَّلُ مِنَ الْقُرَّةِ بِمَعْنَى الْبَرْدِ، وَالثَّانِي مِنَ الْقَرَارِ، وَفِي قَوْلِهِ: أَعْدَدْتُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ، وَيُعَضِّدُهُ سُكْنَى آدَمَ وَحَوَّاءَ الْجَنَّةَ، وَلِمَحَبَّتِهَا فِي الْقُرْآنِ عَلَى نَهْجِ الْأَسْمَاءِ الْغَالِبَةِ اللَّاحِقَةِ بِالْأَعْلَامِ، كَالنَّجْمِ وَالثُّرَيَّا وَالْكِتَابِ وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ بُسْتَانٍ مُتَكَاثِفٍ أَغْصَانُ أَشْجَارِهَا، ثُمَّ غَلَبَتْ
стр. 7784
عَلَى دَارِ الثَّوَابِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: اللَّاحِقَةُ؛ لِلْإِعْلَامِ لِكَوْنِهَا غَيْرَ لَازِمَةٍ لِلَّامِ، وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ أَنَّهَا مَنْقُولُ شَرْعِيَّةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، وَإِنَّمَا تُغَلَّبَ إِذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً مَعْهُودَةً، وَكَذَلِكَ اسْمُ النَّارِ مَنْقُولَةٌ لِدَارِ الْعِقَابِ عَلَى سَبِيلِ الْغَلَبَةِ، وَإِنِ اشْتَمَلَتْ عَلَى الزَّمْهَرِيرِ وَالْمُهْلِ وَالضَّرِيعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ يُغْنِي عَنْ طَلَبِ الْقُصُورِ وَالْحُورِ وَالْوِلْدَانِ بِالْجَنَّةِ، وَلَا عَنْ طَلَبِ الْوِقَايَةِ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ وَالْمُهْلِ وَالضَّرِيعِ عَنْ مُطْلَقِ النَّارِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ قَوْلِهِ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ. . . إِلَى آخِرِهِ، عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ فَهُوَ يُؤَيِّدُ كَوْنَهُ مَوْقُوفًا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: ( «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ أَحَدٍ» ) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالْبَزَّارُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ: ( «فِي الْجَنَّةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» ) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: ( «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى جَنَّةَ عَدْنٍ خَلَقَ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» ) . ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ، هَذَا وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ﵀: سَبَبُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مُوسَى ﵊ سَأَلَ رَبَّهُ: مَنْ أَعْظَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ فَقَالَ: غَرَزْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَا عَيْنٌ رَأَتْ. . . وَإِلَى آخِرِهِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي " ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧] " لِقَوْمٍ خَاصٍّ. ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] وَالْمُرَادُ الْمُتَهَجِّدُونَ وَالْأَوَّابُونَ، وَلَمَّا أَخْفَوْا أَعْمَالَهُمْ عَنْ أَعْيُنِ الْعِبَادِ جُوزُوا بِإِخْفَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ مَا أَرَادَ لَهُمْ مِنَ الْإِعْدَادِ جَزَاءً وِفَاقًا عَلَى حَسَبِ مَا وُفِّقُوا مِنَ الْإِمْدَادِ وَالْإِسْعَادِ.
стр. 7785
٥٦١٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٦١٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ) : أُرِيدَ بِهِ قَدْرٌ قَلِيلٌ مِنْهَا أَوْ مِقْدَارُ مَوْضِعِهِ فِيهَا (خَيْرٌ) أَيْ: كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) : لِأَنَّ الْجَنَّةَ مَعَ نَعِيمِهَا بَاقِيَةٌ وَالدُّنْيَا مَعَ مَا فِيهَا فَانِيَةٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: سِوَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَجَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ انْتَهَى. وَغَرَابَةُ اسْتِثْنَائِهِ مِمَّا لَا يَخْفَى، ثُمَّ قَالَ: وَمَا هُوَ بَاقٍ لَا يُوَازِنُهُ مَا هُوَ فِي مَعْرِضِ الْفَنَاءِ، قُلْتُ: فَلَفْظُ خَيْرٍ لِمُجَرَّدِ الزِّيَادَةِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: إِنَّمَا خَصَّ السَّوْطَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الرَّاكِبِ إِذَا أَرَادَ النُّزُولَ فِي مَنْزِلٍ أَنْ يُلْقِيَ سَوْطَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ مُعَلِّمًا بِذَلِكَ الْمَكَانَ الَّذِي يُرِيدُهُ؛ لِئَلَّا يَسْبِقَهُ أَحَدٌ إِلَيْهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَحَلُّ تَوَقُّفٍ مِنْ وَجْهَيْنِ. وَفِي الْجَامِعِ: ( «لَقَيْدُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 7786
٥٦١٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٦١٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (غَدْوَةٌ) أَيْ: مَرَّةٌ مِنْ ذَهَابٍ أَوَّلَ النَّهَارِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ) أَيْ: مَرَّةٌ مِنْ رَوَاحِ آخِرِ النَّهَارِ أَوْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَ " أَوْ " لَيْسَ لِلشَّكِّ، بَلْ لِلتَّنْوِيعِ، أَيْ: كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ هِجْرَةٍ أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) ، أَيْ جَزَاءً وَثَوَابًا وَمَآلًا وَمَآبًا (وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ) ، بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ: أَشْرَفَتْ وَطَالَعَتْ (إِلَى الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِتَحْقِيقِ ذِكْرِهَا فِي الْعِبَارَةِ صَرِيحًا، (وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا) أَيْ: طِيبًا (وَلَنَصِيفُهَا) : كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ أَيْ: وَلَخِمَارُهَا (عَلَى رَأْسِهَا) : قَيَّدَ بِهِ تَحْقِيرًا لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خِمَارِ الْبَدَنِ جَمِيعِهِ (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمِمَّا فِيهَا) ، أَيْ: فَكَيْفَ الْجَنَّةُ نَفْسُهَا وَمَا بِهَا مِنْ نَعِيمِهَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ: ( «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ، وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: ( «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ» ) . وَرَوَى
стр. 7787
الطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ: «لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَشْرَفَتْ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتِ الْأَرْضَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَلَأَذْهَبَتْ ضَوْءَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ» . وَرَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: ( «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابَ قَوْسِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَوْضِعُ قِدِّهِ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوِ اطَّلَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ) وَالْقِدُّ: بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ وَتَرُ الْقَوْسِ، وَقِيلَ: السَّوْطُ.
стр. 7788
٥٦١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، وَلَقَابَ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٦١٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ يُقَالُ: إِنَّهَا طُوبَى. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَشَاهِدُ ذَلِكَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ (يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا) أَيْ: فِي نَاحِيَتِهَا، وَإِلَّا فَالظِّلُّ فِي عُرْفِ أَهْلِ الدُّنْيَا مَا يَقِي مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ وَأَذَاهَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣] وَقَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالظِّلِّ هُنَا مَا يُقَابِلُ شُعَاعَ الشَّمْسِ، وَمِنْهُ مَا بَيْنَ ظُهُورِ الصُّبْحِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّجَرَةِ مِنَ النُّورِ الْبَاهِرِ مَا يَكُونُ لِمَا تَحْتَهُ كَالْحِجَابِ السَّاتِرِ. (مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا) أَيْ لَا يَنْتَهِي الرَّاكِبُ إِلَى انْقِطَاعِ ظِلِّهَا (وَلَقَابَ قَوْسِ أَحَدِكُمْ) فِي " الْفَائِقِ ": الْقَابُ وَالْقِيبُ كَالْقَادِ وَالْقِيدِ، بِمَعْنَى الْقَدْرِ، وَأَنَّهُ عَلَامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا الْمَسَافَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَوَّبُوا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ، إِذَا أَثَّرُوا فِيهَا بِمَوْطِئِهِمْ وَمَحَلِّهِمْ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرَّاجِلُ يُبَادِرُ إِلَى تَعْيِينِ الْمَكَانِ بِوَضْعِ قَوْسِهِ، كَمَا أَنَّ الرَّاكِبَ يُبَادِرُ إِلَيْهِ بِرَمْيِ سَوْطِهِ انْتَهَى. وَالْأَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى بِقَدْرِ مَوْضِعِ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ أَوْ لِمِقْدَارِهِ وَقِيمَتِهِ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ قُوِّمَ فِيهَا (خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) أَيْ: شَمْسُ الدُّنْيَا (أَوْ تَغْرُبُ) وَفِي نُسْخَةٍ: أَوْ غَرَبَتْ، وَ " أَوْ " إِمَّا لِلشَّكِّ، وَإِمَّا لِلتَّخَيُّرِ، وَإِمَّا بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: ( «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَالشَّيْخَانِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 7789
٥٦١٦ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُهَا - وَفِي رِوَايَةٍ طُولُهَا - سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٦١٦ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى) أَيِ الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً) أَيْ: عَظِيمَةً (مِنْ لُؤْلُؤَةٍ) : هَمْزَتَيْنِ وَتُبْدَلَانِ، وَقَدْ تُبْدَلُ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ أَيْ: دُرَّةٍ (وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا) فَالطُّولُ أَوْلَى (وَفِي رِوَايَةٍ طُولُهَا) أَيْ: وَعَلَى قِيَاسِهِ عَرْضُهَا وَيَتَحَصَّلُ بِالرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ طُولَهَا وَعَرْضَهَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (سِتُّونَ مِيلًا، وَفِي كُلِّ زَاوِيَةٍ) أَيْ مِنَ الزَّاوِيَا الْأَرْبَعَةِ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ تِلْكَ الْخَيْمَةِ (أَهْلٌ) أَيْ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ زَوْجٍ وَغَيْرِهِ (مَا يَرَوْنَ) أَيْ: ذَلِكَ الْأَهْلُ، وَجُمِعَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ (الْآخَرِينَ) ، أَيِ الْجَمْعَ الْآخَرِينَ مِنَ الْأَهْلِ الْكَائِنِينَ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ) أَيْ يَدُورُ عَلَى جَمِيعِهِمْ (الْمُؤْمِنُونَ) بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَكَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ، وَفِي بَعْضِهَا بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ وَشَرْحِ السُّنَّةِ وَنُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي مُسْلِمٍ وَالْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ (الْمُؤْمِنُ) ، فَعَلَى هَذَا جَمْعٌ لِإِرَادَةِ الْجِنْسِ. انْتَهَى. وَقَالَ شَارِحٌ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: أَنَّ الْمَعْنَى يُجَامِعُ الْمُؤْمِنُ الْأَهْلَ، وَأَنَّ الطَّوَافَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْمُجَامَعَةِ (وَجَنَّتَانِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: وَلِلْمُؤْمِنِ جَنَّتَانِ، وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَطْفٌ عَلَى أَهْلٍ؛ لِكَوْنِهِ بَعِيدًا عَنِ الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا فِي اللَّفْظِ، ثُمَّ قَالَ شَارِحٌ أَيْ: دَرَجَتَانِ أَوْ قَصْرَانِ (مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا) ، أَيْ مِنَ الْقُصُورِ وَالْأَثَاثِ كَالسُّرُرِ.
стр. 7790
وَكَقُضْبَانِ الْأَشْجَارِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، قِيلَ: قَوْلُهُ: مِنْ فِضَّةٍ خَبَرُ " آنِيَتُهُمَا "، وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ جَنَّتَانِ، أَوْ مِنْ فِضَّةٍ صِفَةُ قَوْلِهِ: جَنَّتَانِ، وَخَبَرُ " آنِيَتُهُمَا " مَحْذُوفٌ أَيْ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا كَذَلِكَ، أَوْ آنِيَتُهُمَا فَاعِلُ الظَّرْفِ أَيْ تُفَضَّضُ آنِيَتُهُمَا، وَكَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَبْنَى وَالْمَعْنَى قَوْلُهُ: ( «وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا» ) ثُمَّ ظَاهَرُهُ أَنَّ الْجَنَّتَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ لَا غَيْرَ، وَبِالْعَكْسِ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ: وَصِفَةُ بِنَاءِ الْجَنَّةِ مِنْ أَنَّ لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ - أَنَّ الْأَوَّلَ صِفَةُ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ آنِيَةٍ وَغَيْرِهَا، وَالثَّانِي صِفَةُ حَوَائِطِ الْجَنَّةِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ التَّبْعِيضُ لَا التَّلْمِيعُ، أَوْ يُقَالُ: الْجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْكُمَّلِ مِنْ أَهْلِ مَقَامِ الْخَوْفِ الْمُوجِبِ لِلْقِيَامِ بِالطَّاعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وَالْجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ لِمَنْ يَكُونُ فِي مَرْتَبَةِ النُّقْصَانِ مِنْ مَقَامِ أَرْبَابِ الْكَمَالِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِينَ هُمُ السَّابِقُونَ، وَبِالْآخَرِينَ هُمُ اللَّاحِقُونَ، وَأَمَّا الْجَنَّةُ الْمُلَمَّعَةُ فَأَصْحَابُهَا الْمُخَلِّطُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ ﵀: دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْجِنَانَ أَرْبَعٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وَوَصَفَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] وَوَصَفَهُمَا. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «جَنَّتَانِ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَجَنَّتَانِ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا مِنْ فِضَّةٍ» . قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ مَا فِي رِوَايَةِ: جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلسَّابِقِينَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْجَنَّتَيْنِ نَوْعَيْنِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالْآخَرُ مِنْ فِضَّةٍ، وَقَدْ يَكُونُ لِأَرْبَابِ الْكَمَالِ جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ عَلَى يَمِينِ قُصُورِهِمْ وَشِمَالِهَا، طَلَبًا لِلزِّينَةِ لَا لِفُقْدَانِ الذَّهَبِ أَوْ كَثْرَةِ الْقِيمَةِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ وَطَبَقَاتِهَا ثَمَانِيَةٌ، فَقَدْ قَالَ فِي الْمُنَاجَاةِ: هِيَ ثَمَانٍ: جَنَّةُ عَدْنٍ، وَجَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ، وَجَنَّةُ الْخُلْدِ، وَجَنَّةُ النَّعِيمِ، وَجَنَّةُ الْمَأْوَى، وَدَارُ السَّلَامِ، وَدَارُ الْقَرَارِ، وَدَارُ الْمُقَامَةِ. (وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ) أَيْ: وَلَيْسَ مَانِعٌ مِنَ الْمَوَانِعِ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ (وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ) أَيْ: صِفَةُ الْعَظَمَةِ (عَلَى وَجْهِهِ) أَيْ ثَابِتًا عَلَى ذَاتِهِ، فَهُوَ حَالٌ مِنَ الرِّدَاءِ (فِي جَنَّةِ عَدْنٍ) أَيْ كَائِنٌ فِي جَنَّةِ إِقَامَةٍ وَخُلُودٍ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْجَنَّةِ كَذَا، قِيلَ: وَهُوَ يُوهِمُ الِاخْتِصَاصَ مَعَ أَنَّ وَصْفَ الْإِقَامَةِ وَالْخُلُودِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ جِنْسِ الْجَنَّةِ، فَلَا عِبْرَةَ بِالْمَفْهُومِ الْمَوْهُومِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: عَلَى وَجْهِهِ حَالٌ مِنْ رِدَاءِ الْكِبْرِيَاءِ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى لَيْسَ، وَقَوْلُهُ: فِي الْجَنَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ فِي الظَّرْفِ، فَيُفِيدُ بِالْمَفْهُومِ انْتِفَاءَ هَذَا الْحَصْرِ فِي غَيْرِ الْجَنَّةِ. قُلْتُ: هَذَا مُسَلَّمٌ، لَكِنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀ تَعَالَى: أَيْ مَا بَيْنَ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ إِذَا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ مَعَ ارْتِفَاعِ حُجُبِ الْكُدُورَةِ الْجِسْمِيَّةِ وَاضْمِحْلَالِ الْمَوَانِعِ الْحِسِّيَّةِ هُنَاكَ وَبَيْنَ نَظَرِهِ إِلَى رَبِّهِ - إِلَّا مَا يَصُدُّهُ مِنْ هَيْبَةِ الْجَلَالِ وَسُبُحَاتِ الْجَمَالِ، وَلَا يَرْتَفِعُ ذَلِكَ مِنْهُ إِلَّا بِرَأْفَةٍ وَرَحْمَةٍ مِنْهُ، تَفَضُّلًا عَلَى عِبَادِهِ، وَأُنْشِدَ فِي الْمَعْنَى:
أَشْتَاقُهُ فَإِذَا بَدَا أَطْرَقْتُ مِنْ إِجْلَالِهِ ... لَا خِيفَةً بَلْ هَيْبَةً وَصِيَانَةً لِجَمَالِهِ
وَأَصُدُّ عَنْهُ تَجَلُّدًا وَأَرُومُ طَيْفَ خَيَالِهِ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: ( «إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ ﵀ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵏ بِلَفْظِ: «فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ» ) . وَرَوَى أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: ( «جِنَانُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ: جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ حِلْيَتُهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ حِلْيَتُهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ، وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَشْخَبُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ، ثُمَّ تَصْدُرُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْهَارًا» ) .
стр. 7791
٥٦١٧ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاهَا دَرَجَةً، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الْأَرْبَعَةُ، وَمِنْ فَوْقِهَا يَكُونُ الْعَرْشُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلَمْ أَجِدْهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) وَلَا فِي (كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) .
ــ
٥٦١٧ - (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ» ) ، يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكَثْرَةُ، لِمَا وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَرْفُوعًا: ( «عَدَدُ دَرَجِ الْجَنَّةِ عَدَدُ آيِ الْقُرْآنِ، فَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ دَرَجَةٌ» ) وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا، فَيَكُونُ بَيَانُ أَقَلِّ مَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ السِّعَةِ وَأَصْنَافِ النِّعْمَةِ ( «مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» ) ، وَيُمْكِنُ تَقْيِيدُ وَصْفِ الْمِائَةِ بِمَا ذُكِرَ، وَغَيْرُهَا يَكُونُ عَلَى خِلَافِهَا مِنْ كَوْنِهِ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ( «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ دَرَجٌ لَا يَنَالُهَا إِلَّا أَصْحَابُ الْهُمُومِ» ) . (وَالْفِرْدَوْسُ) أَيِ: الْجَنَّةُ الْمُسَمَّاةُ بِالْفِرْدَوْسِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ - الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١] (أَعْلَاهَا) أَيْ: عَلَى سَائِرِ الْجِنَانِ (دَرَجَةً) ، أَوْ أَعْلَى هَذِهِ الْمِائَةِ بِاعْتِبَارِ كُلِّ فَرْدٍ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْفِرْدَوْسُ - اللُّغَةُ - الْبُسْتَانُ الَّذِي فِيهِ الْكُرُومُ وَالْأَشْجَارُ، وَمِنْهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ، قُلْتُ: لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَصْفٍ زَائِدٍ يَخْتَصُّ بِهِ وَيَمْتَازُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (مِنْهَا) وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ " وَمِنْهَا " أَيْ مِنْ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ (تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تُشَقَّقُ وَتَجْرِي أَنْهَارُ الْجَنَّةِ (الْأَرْبَعَةُ) - بِالرَّفْعِ - صِفَةٌ لِلْأَنْهَارِ، وَهِيَ أَنْهَارُ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَالْخَمْرِ وَالْعَسَلِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] (وَمِنْ فَوْقِهَا يَكُونُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ) فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فَوْقَ جَمِيعِ الْجِنَانِ، وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ وَتَعْظِيمًا لِلْهِمَّةِ: ( «فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ» ) أَيْ فَإِنَّهُ سُرُّ الْجَنَّةِ عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْعُرَّبَاضِ - بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ - أَيْ: وَسَطُهَا وَخَيْرُهَا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا: ( «الْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَاهَا وَأَوْسَطُهَا، وَمِنْهَا تُفَجَّرُ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ» ) . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: ( «أَنَّ أَهْلَ الْفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أَطِيطَ الْعَرْشِ» ) . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (وَلَمْ أَجِدْهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ (فِي الصَّحِيحَيْنِ) أَيْ فِي مَتْنَيْهِمَا (وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) أَيِ الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا، وَلَعَلَّهُ سَكَتَ عَنْ جَامِعِ الْأُصُولِ لِمَانِعٍ عَنْ تَتَبُّعِهِ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ؛ حَيْثُ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ فِي الصِّحَاحِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا فِي الْحِسَانِ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَوَافَقَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ ﵀ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ، وَأَقُولُ: قَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ عُبَادَةَ، وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا - أَيْ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثِ عُبَادَةَ - يَسِيرٌ، فَكَانَ عَلَى صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ وَالشَّيْخِ أَيْضًا أَنْ يَقُولَا: وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، مَعَ تَفَاوُتٍ يَسِيرٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَافِظُ: ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمِشْكَاةِ: وَعَجِيبٌ مِنْ إِدْخَالِ الْبَغَوِيِّ لَهُ فِي أَحَادِيثِ الصَّحِيحَيْنِ، تَمَّ كَلَامُهُ. قِيلَ: وَنَسَبَهُ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ أَيْضًا إِلَى الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْبُخَارِيِّ فِي مَوْضِعَيْنِ: الْأَوَّلُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَالثَّانِي فِي بَابِ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَذَا فِي مُسْلِمٍ فِي بَابِ: فَضْلُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ.
стр. 7792
٥٦١٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، يَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسُنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا. فَيَقُولُونَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٦١٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا» ) أَيْ: مَجْمَعًا فِيهِ الصُّوَرُ الْمُشْتَهَاةُ (يَأْتُونَهَا) أَيْ: يَحْضُرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ تِلْكَ السُّوقَ (كُلَّ جُمُعَةٍ) ، بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: السُّوقُ مَجْمَعٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَجْتَمِعُونَ فِيهَا فِي كُلِّ مِقْدَارِ جُمُعَةٍ أَيْ أُسْبُوعٍ، وَلَيْسَ هُنَاكَ أُسْبُوعٌ حَقِيقَةً؛ لِفَقْدِ الشَّمْسِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا يُعْرَفُ وَقْتُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِإِرْخَاءِ أَسْتَارِ الْأَنْوَارِ وَرَفْعِهَا عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ، فَبِهَذَا يُعْرَفُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَأَيَّامُ الْأَعْيَادِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا مِنَ الزِّيَارَةِ وَالرُّؤْيَةِ وَسَائِرِ الْأَمْدَادِ وَالْإِسْعَادِ، فَفِي الْجَامِعِ: إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَحْتَاجُونِ إِلَى الْعُلَمَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَيَقُولُ لَهُمْ: تَمَنَّوْا عَلَيَّ مَا شِئْتُمْ، فَيَلْتَفِتُونَ إِلَى الْعُلَمَاءِ فَيَقُولُونَ: مَاذَا نَتَمَنَّى؟ فَيَقُولُونَ: تَمَنَّوْا عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا، فَهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِمْ فِي الْجَنَّةِ كَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ، هَذَا وَتَسْمِيَةُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِيَوْمِ الْمَزِيدِ فِي الْجَنَّةِ يَدُلُّ عَلَى تَمْيِيزِهِ عَنْ سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. (فَتَهُبُّ) : بِضَمِّ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ فَتَأْتِي (رِيحُ الشَّمَالِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا مِنْ رِيحِ الْمَطَرِ عِنْدَ الْعَرَبِ (فَتَحْثُو) أَيْ تَنْثُرُ تِلْكَ الرِّيحُ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْمِسْكَ وَأَنْوَاعَ الطِّيبِ (فِي وُجُوهِهِمْ) أَيْ أَبْدَانِهِمْ، وَخُصَّتِ الْوُجُوهُ لِشَرَفِهَا، أَوِ الْمُرَادُ بِهَا ذَوَاتُهَا (وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ) أَيْ فِي ثِيَابِهِمْ (حُسْنًا وَجَمَالًا) جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْكِيدِ، أَوِ الْمُرَادُ بِأَحَدِهِمَا الزِّينَةُ، وَبِالْآخَرِ حُسْنُ الصُّورَةِ، (فَيَرْجِعُونَ) أَيْ: مِنَ السُّوقِ (إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا) ، قِيلَ: يَكُونُ زِيَادَةُ حُسْنِهِمْ بِقَدْرِ حَسَنَاتِهِمْ، (فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ) أَيْ: أَنْتُمْ أَيْضًا، وَفِيهِ تَغْلِيبٌ؛ لِكَوْنِ الْأَهْلِ أَعَمَّ مِنَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ وَالتَّكْرِيمُ، أَوْ رُوعِيَ الْمُشَاكَلَةُ وَالْمُقَابَلَةُ (بَعْدَنَا) أَيْ: بَعْدَ مُفَارَقَتِكُمْ عَنَّا ( «حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا» ) وَهُوَ إِمَّا لِإِصَابَتِهِمْ مِنْ تِلْكَ الرِّيَاحِ، أَوْ بِسَبَبِ انْعِكَاسِ جَمَالِهِمْ، أَوْ لِأَجْلِ تَأْثِيرِ حَالِهِمْ وَتَرَقِّي مَآلِهِمْ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7793
٥٦١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، لَا يَسْقَمُونُ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، آنِيَتُهُمُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَأَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَوَقُودُ مَجَامِرِهِمُ الْأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٦١٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ) بِضَمِّ الزَّايِ أَيْ أَوَّلَ جَمَاعَةٍ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ. كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ الْأَنْبِيَاءُ خَاصَّةً ( «يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» ) ، وَلَعَلَّ دُخُولَهَا عَلَى صُورَةِ الشَّمْسِ مُخْتَصٌّ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أَيْ: يَقْرُبُونَ تِلْكَ الزُّمْرَةَ فِي قُرْبِ الْمَرْتَبَةِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصُّلَحَاءِ. (كَأَشَدِّ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَأَشَدِّ (كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ) : وَهُوَ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَالْيَاءِ أَيْ: شَدِيدُ الْإِنَارَةِ، مَنْسُوبٌ إِلَى الدُّرِّ، وَتَقَدَّمَتْ لُغَاتٌ أُخَرُ مَعَ بَيَانِ مَبَانِيهَا وَمَعَانِيهَا ثُمَّ قَوْلُهُ: (إِضَاءَةً) ، تَمْيِيزٌ يُبَيِّنُ وَجْهَ الشَّبَهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَفْرَدَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ لِيُفِيدَ الِاسْتِغْرَاقَ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْكَوْكَبِ، يَعْنِي: إِذَا تَقَصَّيْتَ كَوْكَبًا كَوْكَبًا رَأَيْتَهُمْ كَأَشَدِّ إِضَاءَةٍ. (قُلُوبُهُمْ) أَيْ: قُلُوبُ أَهْلِ الْجَنَّةِ حِينَئِذٍ، أَوْ قُلُوبُ الزُّمْرَةِ الْأَخِيرَةِ، فَالْأَوْلَى بِالْأُولَى (عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ) ، أَيْ فِي الْإِنْفَاقِ وَالْمَحَبَّةِ، فَقَوْلُهُ: (لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: قُلُوبُهُمْ إِلَخْ. وَهَذَا الْمَعْنَى مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ) أَيْ: عَظِيمَتَانِ (مِنَ الْحُورِ) : بِضَمِّ الْحَاءِ أَيِ النِّسَاءِ الْبَيْضِ الْأَبْدَانِ، مِنَ الْحَوَرِ وَهُوَ الْبَيَاضُ الْخَالِصُ، وَمِنْهُ الْحَوَارِيُّ وَالْحَوَارِيُّونَ. (الْعِينِ) ، بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: حِسَانُ الْأَعْيَانِ (يُرَى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُبْصَرُ (مُخُّ سُوقِهِنَّ) : جَمْعُ السَّاقِ، أَيْ مُخُّ عِظَامِهِنَّ (مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ) الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ أَوِ التَّرْتِيبِ لِلتَّرَقِّي (مِنَ الْحُسْنِ) أَيْ مِنْ أَجْلِ لَطَافَةِ خِلْقَتِهِنَّ.
стр. 7794
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ تَتْمِيمٌ صَوْنًا مِنْ تَوَهُّمِ مَا يُتَصَوَّرُ فِي تِلْكَ الرُّؤْيَةِ مِمَّا يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ، وَالْحُسْنُ هُوَ الصَّفَاءُ وَرِقَّةُ الْبَشْرَةِ وَنُعُومَةُ الْأَعْضَاءِ، هَذَا وَلَعَلَّ الزَّوْجَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لِعُمُومِ أَفْرَادِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْخُصُوصِ فَيُزَادُ لَهُمْ عَلَى حَسَبِ مَقَامَاتِهِمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الظَّاهِرُ أَنَّ التَّثْنِيَةَ لِلتَّكْرِيرِ لَا لِلتَّحْدِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ أَنَّ لِلْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ. (يُسَبِّحُونَ اللَّهَ) أَيْ: أَهْلُ الْجَنَّةِ يُنَزِّهُونَهُ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ النُّقْصَانِ، وَيُثْبِتُونَ لَهُ نُعُوتَ الْكَمَالِ، فَإِنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ مُتَلَازِمَانِ، كَمَا حُقِّقَ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مِنْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لِلتَّوْكِيدِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] (بُكْرَةً وَعَشِيًّا) ، أَيْ دَائِمًا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِمَا لَيْلًا وَنَهَارًا بِإِطْلَاقِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ، مَجَازٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُرَادُ بِهَا الدَّيْمُومَةُ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أَنَا عِنْدَ فُلَانٍ صَبَاحًا وَمَسَاءً، لَا تَقْصِدُ الْوَقْتَيْنِ الْمَعْلُومَيْنِ، بَلِ الدَّيْمُومَةَ (لَا يَسْقَمُونَ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَيُضَمُّ، فَفِي الْقَامُوسِ: سَقِمَ كَفَرِحَ وَكَرُمَ، وَالْمَعْنَى لَا يَمْرَضُونَ وَلَا يَضْعُفُونَ وَلَا يَشِيبُونَ (وَلَا يَبُولُونَ) ، أَيْ مِنْ قُبُلٍ (وَلَا يَتَغَوَّطُونَ) أَيْ مِنْ دُبُرٍ (وَلَا يَتْفُلُونَ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَتُكْسَرُ أَيْ لَا يَبْزُقُونَ (وَلَا يَتَمَخَّطُونَ) ، أَيْ لَيْسَ فِي فَمِهِمْ وَأَنْفِهِمْ مِنَ الْمِيَاهِ الزَّائِدَةِ وَالْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ لِيَحْتَاجُوا إِلَى إِخْرَاجِهَا، وَلِأَنَّ الْجَنَّةَ مَسَاكِنُ طَيِّبَةٌ لِلطَّيِّبِينَ، فَلَا يُلَائِمُهَا الْأَدْنَاسُ وَالْأَنْجَاسُ (آنِيَتُهُمْ) : جَمْعُ إِنَاءٍ أَيْ: ظُرُوفُهُمْ (الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ) ، أَيْ مُلَمَّعَةٌ عَلَى إِرَادَةِ الزِّينَةِ، أَوْ ظُرُوفُ بَعْضِهِمُ الذَّهَبُ، وَظُرُوفُ بَعْضِهِمُ الْفِضَّةُ، فَالْوَاوُ بِمَعْنَى (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ (وَأَمْشَاطُهُمْ) : جَمْعُ مُشْطٍ (الذَّهَبُ، وَوَقُودُ مَجَامِرِهِمْ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: مَا يُوقَدُ بِهِ مَبَاخِرُهُمْ (الْأَلُوَّةُ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيُضَمُّ، وَبِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ، وَقَالَ شَارِحٌ: الْمَجْمَرُ - بِالْفَتْحِ - مَا يُوضَعُ فِيهِ الْجَمْرِ وَيَحْتَرِقُ فِيهِ الْعُودُ، وَبِالْكَسْرِ الْآلَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ أَنَّهُ لَا نَارَ فِي الْجَنَّةِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَفُوحُ بِغَيْرِ نَارٍ. أَقُولُ: وَقَدْ يَكُونُ بِالنُّورِ، وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الظُّهُورِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَجَامِرُ جَمْعُ مِجْمَرٍ بِالْكَسْرِ، وَهِيَ الَّتِي تُوضَعُ فِيهِ النَّارُ لِلْبَخُورِ، وَبِالضَّمِّ هُوَ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ وَأُعِدَّ لَهُ الْجَمْرُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْأَوَّلُ، وَفَائِدَةُ الْإِضَافَةِ أَنَّ الْأَلُوَّةَ هُوَ الْوَقُودُ نَفْسُهُ، بِخِلَافِ الْمُتَعَارَفِ، فَإِنَّ وَقُودَهُمْ غَيْرُ الْأَلُوَّةِ. انْتَهَى.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ اللَّذَّاتِ الْمُتَوَالِيَةِ، وَالشَّهَوَاتِ الْمُتَعَالِيَةِ، وَإِلَّا فَلَا تَلَبُّدَ لِشُعُورِهِمْ، وَلَا وَسَخَ، وَلَا عُفُونَةَ لِأَبْدَانِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، بَلْ رِيحُهُمْ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، فَلَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَى التَّمْشِيطِ وَالتَّبَخُّرِ إِلَّا لِزِيَادَةِ الزِّينَةِ، وَالتَّلَذُّذِ بِأَنْوَاعِ النِّعْمَةِ الْحِسِّيَّةِ كَمَا قَالَ: (وَرَشْحُهُمْ) أَيْ عَرَقُهُمْ رَائِحَةُ (الْمِسْكُ) ، وَالْمَعْنَى رَائِحَةُ عَرَقِهِمْ رَائِحَةُ الْمِسْكِ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ ( «عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ» ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ وَتُسَكَّنُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ كَمَا سَبَقَ، وَبِفَتْحِ الْأَوَّلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ أَتْرَابٌ فِي سَنٍّ وَاحِدٍ، وَهُوَ ثَلَاثُونَ أَوْ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ الْمُلَائِمُ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ: ( «عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ» ) ، أَيْ فِي الْقَامَةِ، وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ) أَيْ طُولًا، فَكَنَّى عَنْهُ بِهِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَقِيلَ: الْعَرْضُ سَبْعَةٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: رُوِيَ بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ، وَبِفَتْحِ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَرَجَّحَ الضَّمَّ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغَضَ، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يُرَجَّحُ الْفَتْحُ بِقَوْلِهِ: لَا يَتَمَخَّطُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ قَوْلُهُ: عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، بَلْ يَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَإِذَا قِيلَ: الْمَوْصُوفُونَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ - حَسُنَ الْإِبْدَالُ، انْتَهَى. وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْمُرَادِ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَإِلَّا فَلَا خِلَافَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ كُلَّهُمْ كَامِلُونَ فِي الْخُلُقِ وَالْخَلْقِ جَمِيعًا بَلِ الْخُلُقُ - بِالضَّمِّ - هُوَ الْخَلِيقُ بِالِاعْتِبَارِ، فَإِنَّهُ مُوجَبٌ بِحُسْنِ الْخَلْقِ - بِالْفَتْحِ - وَلِذَا قِيلَ: الظَّاهِرُ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَا خَلَقَ نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الصُّورَةِ وَحَسَنَ الصَّوْتِ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] بَيَانُ أَنْ يَكُونَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَأْنٌ عَظِيمٌ فِي خَلْقِ تَصْوِيرِهِ الْجَسِيمِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، فَبِمِقْدَارِ صَفَاءِ الْمِرْآةِ وَصِقَالَتِهَا وَتَخْلِيَتِهَا وَتَجْلِيَتِهَا تَنْعَكِسُ وَتَتَجَلَّى فِيهَا صُورَةُ الْمَحْبُوبِ الْمَطْلُوبِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي الْجَامِعِ: ( «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى لَوْنِ أَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يَبْدُو مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَائِهَا» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
стр. 7795
٥٦٢٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتَمَخَّطُونَ " قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: " جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٦٢٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ» ) أَيْ فِيهَا (وَلَا يَتْفُلُونَ) أَيْ لَا يَبْصُقُونَ ( «وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتَمَخَّطُونَ» ) مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ، وَفِيمَا سَبَقَ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ (قَالُوا) أَيْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ (فَمَا بَالُ الطَّعَامِ) ؟ أَيْ مَا شَأْنُ فَضْلَتِهِ قَالَ: (جُشَاءٌ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَهُوَ تَنَفُّسُ الْمَعِدَةِ مِنَ الِامْتِلَاءِ وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ صَوْتٌ مَعَ رِيحٍ يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ عِنْدَ الشِّبَعِ، أَقُولُ: التَّقْدِيرُ هُوَ جُشَاءٌ (وَرَشْحٌ) أَيْ عَرَقٌ (كَرَشْحِ الْمِسْكِ) ، أَيْ يَصِيرُ فَضْلُ الطَّعَامِ جُشَاءً أَيْ نَظِيرَهُ، وَإِلَّا فَجُشَاءُ الْجَنَّةِ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا بِخِلَافِ جُشَاءِ الدُّنْيَا؛ وَلِهَذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَقْصِرْ عَنَّا جُشَاءَكَ) وَيَصِيرُ رَشْحًا، وَهُوَ إِمَّا بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، أَوِ الْأَوْقَاتِ، أَوْ بَعْضُ الطَّعَامِ يَكُونُ جُشَاءً وَبَعْضُهُ يَكُونُ رَشْحًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَكْلَ يَنْقَلِبُ جُشَاءً، وَالشُّرْبَ يَعُودُ رَشْحًا، وَالطَّعَامُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا نَظَرًا إِلَى مَعْنَى الطُّعْمِ، فَفِي الْقَامُوسِ: طَعْمُ الشَّيْءِ: حَلَاوَتُهُ وَمَرَارَتُهُ، وَمَا بَيْنَهُمَا يَكُونُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، أَقُولُ: وَبِهِ يَتِمُّ التَّنْزِيهُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] "، هَذَا وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: «وَلَكِنَّ طَعَامَهُ ذَلِكَ جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ» ، وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيِّ ﵀ أَيْ: يَنْدَفِعُ الطَّعَامُ بِالْجُشَاءِ وَالرَّشْحِ، فَهُوَ حَاصِلُ الْمَعْنَى لِأَجْلِ الْمَبْنَى، كَمَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْضَ أَحْوَالٍ أُخَرَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْنَافِ وَالْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ: (يُلْهَمُونَ) أَيْ: أَهْلُ الْجَنَّةِ (التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ) أَيْ: وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْأَذْكَارِ (كَمَا تُلْهَمُونَ) أَيْ: أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ (النَّفَسَ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ التَّنَفُّسَ، وَالْمَعْنَى لَا يَتْعَبُونَ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ كَمَا لَا تَتْعَبُونَ أَنْتُمْ. وَفِي الْجَامِعِ بِصِيغَةِ الْغَيْبَةِ أَيْ: «كَمَا يُلْهَمُونَ مِنَ النَّفَسِ، وَلَا يَشْغَلُهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ النَّفَسِ، كَالْمَلَائِكَةِ» ، أَوْ يُرِيدُ أَنَّهَا تَصِيرُ صِفَةً لَازِمَةً لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهَا كَالنَّفَسِ اللَّازِمِ لِلْحَيَوَانِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ نَفَسٌ إِلَّا مَقْرُونًا بِذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ سُبْحَانَهُ؛ وَلِذَا قَالَ الْعَارِفُونَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] جَنَّةٌ عَاجِلَةٌ فِي الدُّنْيَا وَجَنَّةٌ آجِلَةٌ فِي الْعُقْبَى، فَالْأُولَى وَسِيلَةٌ لِلْأُخْرَى، وَالْأُخْرَى نَتِيجَةٌ لِلْأُولَى، وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] فَإِنَّهُ لَا نَعِيمَ أَعْلَى مِنْ دَوَامِ ذِكْرِ الْكَرِيمِ: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] فَإِنَّ الْحِجَابَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْإِلْهَامُ إِلْقَاءُ الشَّيْءِ فِي الرَّوْعِ، وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَا كَانَ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ وَجِهَةِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، فَقَوْلُهُ: تُلْهَمُونَ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّنَفُّسُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
стр. 7796
٥٦٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ، وَلَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٦٢١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ» ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ - أَنْ يَتَنَعَّمَ (وَلَا يَبْأَسُ) : بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فَالْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةِ، أَيْ لَا يَفْقُرُ وَلَا يَهْتَمُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: يَنْعَمُ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يُجَاءَ بِالْوَاوِ، وَلَكِنْ أَرَادَ بِهِ التَّقْرِيرَ عَلَى الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] قُلْتُ: وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: لَا يَبْأَسُ بِلَا عَطْفٍ (وَلَا يَبْلَى) : بِفَتْحِ اللَّامِ مَعَ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ أَيْ: لَا يَخْلَقُ ثِيَابُهُ (وَلَا يَفْنَى) أَيْ لَا يَذْهَبُ (شَبَابُهُ) . قَالَ الْقَاضِي ﵀: مَعْنَاهُ أَنَّ الْجَنَّةَ دَارُ الثَّبَاتِ وَالْقَرَارِ، وَأَنَّ التَّغَيُّرَ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا، فَلَا يَشُوبُ نَعِيمَهَا بُؤْسٌ، وَلَا يَعْتَرِيهِ فَسَادٌ وَلَا تَغْيِيرٌ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ الْأَضْدَادِ وَمَحَلَّ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7797
٥٦٢٢ - ٥٦٢٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٦٢٢ - ٥٦٢٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يُنَادِي مُنَادٍ) أَيْ: فِي الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: إِذَا رَأَوْهَا مِنْ بَعِيدٍ (إِنَّ لَكُمْ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ قَائِلًا: إِنَّ لَكُمْ (أَنْ تَصِحُّوا) : بِكَسْرِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ، أَيْ تَكُونُوا صَحِيحِي الْبَدَنِ دَائِمًا (فَلَا تَسْقَمُوا) أَيْ: فَلَا تَمْرَضُوا (أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا) : بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ تَكُونُوا أَحْيَاءً ( «فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا» ) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ تَدُومُوا شَبَابًا (فَلَا تَهْرَمُوا) : بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ لَا تَشِيبُوا (أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذَا النِّدَاءُ، وَالْبِشَارَةُ أَلَذُّ وَأَشْهَى مَا فِيهِ مِنَ السُّرُورِ، وَفِي عَكْسِهِ أَنْشَدَ الْمُتَنَبِّي:
أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ ... تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ ارْتِحَالًا
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7798
٥٦٢٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ، مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: " بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٦٢٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ) أَيْ: يَنْظُرُونَ أَوْ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا (أَهْلَ الْغُرَفِ) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، جَمْعُ غُرْفَةٍ وَهِيَ بَيْتٌ يُبْنَى فَوْقَ الدَّارِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْقُصُورُ الْعَالِيَةُ فِي الْجَنَّةِ (مِنْ فَوْقِهِمْ) وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] يُرَادُ بِهَا الْعُلُوُّ الْحِسِّيُّ أَيْضًا (كَمَا تَتَرَاءَوْنَ) أَيْ أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا (الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ) أَيْ: لِصَفَاءِ لَوْنِهِ وَنُورِهِ وَعُلُوِّ ظُهُورِهِ (الْغَابِرَ) : بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ بِالْمُوَحَّدَةِ مِنَ الْغُبُورِ، أَيِ الْبَاقِيَ (فِي الْأُفُقِ) - بِضَمَّتَيْنِ - جَمْعُ الْآفَاقِ أَيْ فِي أَطْرَافِ السَّمَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْهَمْزَةِ بَدَلَهَا، مِنَ الْغَوْرِ، أَيِ الذَّاهِبَ فِي الْأُفُقِ الْبَعِيدَ الْغَوْرِ فِيهِ، (مِنَ الْمَشْرِقِ) أَيْ مِنْ جَانِبِهِ (أَوِ الْمَغْرِبِ) أَيْ مِنْ طَرَفِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ (أَوْ) لِلتَّخْيِيرِ فِي التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] وَنَحْوِ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] وَلَيْسَتْ لِلشَّكِّ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: قَدِ اخْتُلِفَ فِي الْغَابِرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِالْهَمْزَةِ بَعْدَ الْأَلِفِ مِنَ الْغَوْرِ، يُرِيدُونَ أَنْحِطَاطَهُ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِالْبَاءِ مِنَ الْغُبُورِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْبَاقِي فِي الْأُفُقِ بَعْدَ انْتِشَارِ ضَوْءِ الْفَجْرِ، فَإِنَّمَا يَسْتَبِينُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْكَوْكَبُ الْمُضِيءُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى نَشَأَتْ مِنَ التَّصْحِيفِ، انْتَهَى. وَلَمْ يُذْكَرْ وَجْهُ التَّصْحِيفِ فِيهِ.
وَقَالَ شَارِحٌ: وَرُوِيَ الْغَابِرُ مِنَ الْغَوْرِ وَهُوَ الِانْحِطَاطُ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ: مِنَ الْمَشْرِقِ، إِذْ غَوْرُ الْكَوْكَبِ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ، ثُمَّ قَالَ قَوْلَهُ: مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ أَيْ بِالْوَاوِ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ كَمَا فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَكَذَا (بِأَوْ) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَجَامِعِ الْأُصُولِ وَرِيَاضِ الصَّالِحِينَ قِيلَ: وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ مَعًا دُونَ السَّمَاءِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْبُعْدُ وَالْإِنَارَةُ مَعًا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى الْغَابِرِ الذَّاهِبُ الْمَاضِي أَيِ الَّذِي تَدَلَّى لِلْغُرُوبِ وَبَعُدَ عَنِ الْعُيُونِ. وَرُوِيَ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ الْغَارِبُ بِتَقَدُّمِ الرَّاءِ، وَرُوِيَ الْعَازِبُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ، وَمَعْنَاهُ الْبَعِيدُ فِي الْأُفُقِ، فَكُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ فَإِنْ قُلْتَ: مَا فَائِدَةُ تَقْيِيدِ الْكَوْكَبِ بِالدُّرِّيِّ ثُمَّ بِالْغَابِرِ فِي الْأُفُقِ؟ قُلْتُ: لِلْإِيذَانِ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ الَّذِي وَجْهُهُ مُنْتَزَعٌ مِنْ عِدَّةِ أُمُورٍ مُتَوَهَّمَةٍ فِي الْمُشَبَّهِ، شَبَّهَ رُؤْيَةَ الرَّائِي فِي الْجَنَّةِ صَاحِبَ الْغُرْفَةِ بِرُؤْيَةِ الرَّائِي الْكَوْكَبَ الْمُسْتَضِيءَ الْبَاقِيَ مِنْ بَابِ الشَّرْقِ أَوِ الْغَرْبِ فِي الِاسْتِضَاءَةِ مَعَ الْبُعْدِ، فَلَوْ قِيلَ: " الْغَائِرُ " لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْإِشْرَاقَ يَفُوتُ عِنْدَ الْغُرُوبِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ: الْمُسْتَشْرِفَ عَلَى الْغُرُوبِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أَيْ شَارَفْنَ بُلُوغَ أَجَلِهِنَّ، لَكِنْ لَا يَصِحُّ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، نَعَمْ يَجُوزُ عَلَى التَّقْدِيرِ كَقَوْلِهِمْ: مُتَقَلِّدٌ سَيْفًا وَرُمْحًا، وَعَلَفْتُهُ تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا. أَيْ: طَالِعًا فِي الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ وَغَائِرًا فِي الْمَغْرِبِ (لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ) : عِلَّةٌ لِلتَّرَائِي، وَالْمَعْنَى إِنَّمَا ذَلِكَ لِتَزَايُدِ مَرَاتِبِ مَا بَيْنَ سَائِرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ وَمَا بَيْنَ أَرْبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ. قِيلَ: الْجَنَّةُ طَبَقَاتٌ: أَعْلَاهَا لِلسَّابِقِينَ، وَأَوْسَطُهَا لِلْمُقْتَصِدِينَ، وَأَسَافِلُهَا لِلْمُخَلِّطِينَ.
стр. 7799
( «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: (بَلَى» ) أَيْ: يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، وَيُشَارِكُهَا مَعَهُمْ بَعْضُ الْأَصْفِيَاءِ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ) أَيْ: وَهُمْ رِجَالٌ، أَوْ يَبْلُغُهَا رِجَالٌ، أَيْ كَامِلُونَ فِي الرُّجُولِيَّةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] الْآيَةَ. آمَنُوا بِاللَّهِ أَيْ: حَقَّ الْإِيمَانِ، وَغَايَةَ الْإِيقَانِ، وَنِهَايَةَ الْإِحْسَانِ، (وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ) . فِي إِجَابَةِ مَا أَمَرُوا بِهِ وَنَهَوْا عَنْهُ، وَقَامُوا بِوَصْفِ الصَّابِرِينَ وَالشَّاكِرِينَ، وَتَرَفَّعُوا إِلَى مَقَامِ الرَّاضِينَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] وَالْآيَةَ. وَفِي جَمْعِ الْمُرْسَلِينَ إِشْعَارٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ الْعَلِيَّةَ عَامَّةٌ لِلسَّابِقِينَ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهِمْ فِي الرُّتَبِ السَّنِيَّةِ، وَلَيْسَتْ خَاصَّةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، مَعَ أَنَّ تَصْدِيقَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ إِنَّمَا هُوَ لِهَذِهِ الْجَمَاعَةِ، نَعَمْ قَدْ يُرَادُ بِهِ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ لِلْجَمْعِ، فَالْمُرَادُ رَسُولُهُ خَاصَّةً بِالْأَصَالَةِ، وَسَائِرُ الرُّسُلِ بِالتَّبَعِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِالْوَاحِدِ التَّصْدِيقُ بِالْكُلِّ، وَكَذَا فِي جَانِبِ التَّكْذِيبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَلَفْظُهُ: ( «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ فِي الْجَنَّةِ كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ فِي السَّمَاءِ» ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عُرْوَةَ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِلَفْظِ: ( «إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا» ) . وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ قِيلَ: وَمَا مَعْنَى أَنْعَمَا؟ قَالَ: أَهْلٌ لِذَلِكَ هُمَا. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ( «إِنَّ أَهْلَ عِلِّيِّينَ لَيُشْرِفُ أَحَدُهُمْ عَلَى الْجَنَّةِ فَيُضِيءُ وَجْهُهُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا يُضِيءُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا» ) . وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْأُخْوَانِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ( «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَعُمُدًا مِنْ يَاقُوتٍ عَلَيْهَا غُرَفٌ مِنْ زَبَرْجَدٍ، وَلَهَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، تُضِيءُ كَمَا يُضِيءُ الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ، يَسْكُنُهَا الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ، وَالْمُتَجَالِسُونَ فِي اللَّهِ، وَالْمُتَلَاقُونَ فِي اللَّهِ» ) . وَرَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مَرْفُوعًا: ( «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلَانَ الْكَلَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» ) .
стр. 7800
٥٦٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٦٢٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ) أَيْ: قُلُوبُهُمْ (مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ) أَيْ: فِي الرِّقَّةِ وَاللِّينَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالصَّفَاءِ، وَالْخُلُوِّ عَنِ الْحَسَدِ وَالْحِقْدِ وَالْغِلِّ وَالْبَغْضَاءِ، وَمُجْمَلُهُ: لِكَوْنِهَا خَالِيَةً مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، سَلِيمَةً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ قِيلَ: مِثْلُهَا فِي رِقَّتِهَا، كَمَا وَرَدَ: «أَهْلُ الْيَمَنِ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا» ، وَقِيلَ: فِي الْخَوْفِ وَالْهَيْبَةِ، وَالطَّيْرُ أَكْثَرُ الْحَيَوَانِ خَوْفًا وَفَزَعًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] . وَقِيلَ فِي التَّوَكُّلِ كَمَا «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
стр. 7801
٥٦٢٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٦٢٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا» ) أَيْ: يَا رَبَّنَا (وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ) أَيْ: جِنْسُهُ أَوْ جَمِيعُ أَفْرَادِهِ (فِي يَدَيْكَ) : مُنْحَصِرٌ فِي قَبْضَةِ قُدْرَتِكَ وَإِرَادَتِكَ (فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ) ؟ أَيْ عَنْ رَبِّكُمْ (فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا نَرْضَى) الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ، وَالْمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ مَانِعٌ لَنَا مِنْ أَنْ لَا نَرْضَى عَنْكَ (يَا رَبِّ) : يَا رَبِّي، وَالْقِيَاسُ يَا رَبَّنَا، فَكَأَنَّهُ أُفْرِدَ بِاعْتِبَارِ كُلِّ قَائِلٍ (وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) ؟ أَيْ مِنْ عَطَائِكُمْ هَذَا (فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ) ؟ أَيْ مِنْ عَطَائِكَ هَذَا (يَقُولُ: أُحِلُّ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ أُنْزِلُ (عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُضَمُّ، أَيْ دَوَامَ رِضْوَانِي، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الْعَطَاءِ دَوَامُ الرِّضَا، وَلِذَا قَالَ: (فَلَا أَسْخَطُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ لَا أَغْضَبُ (عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) . ثُمَّ اللِّقَاءُ يَتَرَتَّبُ عَلَى الرِّضَا مِنَ الرَّبِّ الْمُتَفَرِّعِ عَلَى الرِّضَا مِنَ الْعَبْدِ لِلْقَضَاءِ - تَرْتِيبَ الْبَقَاءِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْفَنَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رِضْوَانَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ فَوْقَ إِدْخَالِهِ إِيَّاهُ الْجَنَّةَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْحَدِيثُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] الْكَشَّافُ: إِنَّمَا أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِأَنَّ رِضَاهُ سَبَبُ كُلِّ فَوْزٍ وَسَعَادَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَنَالُونَ بِرِضَاهُ عَنْهُمْ تَعْظِيمَهُ وَكَرَامَتَهُ، وَالْكَرَامَةُ أَكْبَرُ أَضْعَافِ الثَّوَابِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مَوْلَاهُ رَاضٍ عَنْهُ فَهُوَ أَكْبَرُ فِي نَفْسِهِ مِمَّا وَرَاءَهُ مِنَ النِّعَمِ، وَإِنَّمَا يَتَهَيَّأُ لَهُ بِرِضَاهُ، كَمَا يَنْتَقِصُ عَلَيْهِ بِسُخْطٍ وَلَمْ يَجِدْ لَهَا لَذَّةً وَإِنْ عَظُمَتْ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَأَكْبَرُ أَصْنَافِ الْكَرَامَةِ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الرِّضْوَانَ أَكْبَرُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَحْصِيلِ اللِّقَاءِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ النَّعْمَاءِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
стр. 7802
٥٦٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى وَيَتَمَنَّى. فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٦٢٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ) أَيْ: أَقَلَّ مَرْتَبَةِ مُلْكِهِ وَمَسِيرَةِ جِنَانِهِ وَمَسَافَةِ قُصُورِهِ (مِنَ الْجَنَّةِ) أَيْ: فِيهَا (أَنْ يَقُولَ) أَيِ اللَّهُ أَوِ الْمَلَكُ (لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، وَيَتَمَنَّى) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْرِيرِ هُوَ التَّكْثِيرُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: " أَنْ يَقُولَ لَهُ " خَبَرُ " إِنَّ "، وَالْمَعْنَى أَنَّ أَدْنَى مَنْزِلَةِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ أَنْ يَنَالَ أَمَانِيَهُ كُلَّهَا بِحَيْثُ لَا تَبْقَى لَهُ أُمْنِيَةٌ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَمْ يُبْقِ جُودُكَ لِي شَيْئًا أُؤَمِّلُهُ ... تَرَكْتَنِي أَصْحَبُ الدُّنْيَا بِلَا أَمَلِ
(فَيَقُولُ) أَيِ: الرَّبُّ (لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟) أَيْ: جَمِيعَ أَمَانِيكَ (فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ) أَيْ: وَعْدًا وَعَدْلًا (وَمِثْلُهُ مَعَهُ) . أَيْ زِيَادَةً وَفَضْلًا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مَنْ يَكُونُ مُنْتَهَى مَا تَمَنَّاهُ رِضَا مَوْلَاهُ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ لِقَاهُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ لَهُ مَزِيدٌ أَنْ يُعْطَاهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7803
٥٦٢٨ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٦٢٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا نَهْرَانِ بِالشَّامِ، أَوَّلُهُمَا مِنَ السَّيْحِ بِالسِّينِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَهُوَ جَرْيُ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالنُّونُ فِيهِ زَائِدُةٌ، وَثَانِيهِمَا مِنْ حَجَنَ الصَّبِيُّ - بِالْجِيمِ فَالْحَاءِ - إِذَا سَاءَ غَدَاؤُهُ، وَالنُّونُ فِيهِ أَصْلِيَّةٌ (وَالْفُرَاتُ) : نَهْرٌ بِالْكُوفَةِ (وَالنِّيلُ) ، نَهْرُ مِصْرَ، وَأَمَّا سَيْحُونُ فَنَهْرٌ بِالْهِنْدِ، وَجَيْحُونُ نَهْرُ بَلْخٍ، وَيَنْتَهِي إِلَى خُوَارَزْمَ كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ، وَقِيلَ: سَيْحَانُ نَهْرٌ بِالشَّامِ، وَقِيلَ بِالْهِنْدِ، وَجَيْحَانُ نَهْرُ بَلْخٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ غَيْرُ سَيْحْوُنَ وَجَيْحُونَ، وَالْمَذْكُورَانِ فِي الْحَدِيثِ فِي بِلَادِ الْأَرْمَنِ، فَسَيْحَانُ نَهْرُ الْمِصِّيصَةِ، وَجَيْحَانُ نَهْرُ أَذَنَةَ، وَهُمَا نَهْرَانِ عَظِيمَانِ جِدًّا، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَأَمَّا قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ: جَيْحَانُ نَهْرٌ بِالشَّامِ فَغَلَطٌ، وَقَالَ صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ: فَسَيْحَانُ وَجَيْحَانُ نَهْرَانِ بِالْعَوَاصِمِ عِنْدَ الْمِصِّيصَةِ وَطَرَسُوسَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ جَيْحُونَ بِالْوَاوِ نَهْرُ خُرَاسَانَ، وَقِيلَ سَيْحُونُ نَهْرٌ بِالْهِنْدِ. (كُلٌّ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا (مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ) إِنَّمَا جَعَلَ الْأَنْهَارَ الْأَرْبَعَةَ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْعُذُوبَةِ وَالْهَضْمِ، وَلِتَضَمُّنِهَا الْبَرَكَةَ الْإِلَهِيَّةَ وَتَشَرُّفِهَا بِوُرُودِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَيْهَا وَشُرْبِهِمْ مِنْهَا، ذَلِكَ وَمِثْلُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ: (إِنَّهَا مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ) . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَنِ الْأَنْهَارِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ بِتِلْكَ الْأَسَامِي لِيُعْلَمَ أَنَّهَا فِي الْجَنَّةِ بِمَثَابَةِ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ لِأَنَّهَا مُسَمَّيَاتٌ بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ، فَوَقَعَ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا، كَذَا ذَكَرَ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا.
وَقَالَ الْقَاضِي ﵀: جَعَلَ الْأَنْهَارَ الْأَرْبَعَةَ لِعُذُوبَةِ مَائِهَا وَكَثْرَةِ مَنَافِعِهَا، كَأَنَّهَا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي هِيَ أُصُولُ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، وَسَمَّاهَا بِأَسَامِي الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ أَنْهَارِ الدُّنْيَا وَأَشْهَرُهَا، وَأَعْذَبُهَا، وَأَفْيَدُهَا عِنْدَ الْعَرَبِ - عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، لِيُعْلَمَ أَنَّهَا فِي الْجَنَّةِ بِمَثَابَتِهَا، وَأَنَّ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَافِعِ وَالنَّعَائِمِ أُنْمُوذَجَاتٌ لِمَا يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ، وَكَذَا مَا فِيهَا مِنَ الْمَضَارِّ الْمُرْدِيَةِ وَالْمُسْتَكْرَهَاتِ الْمُؤْذِيَةِ.
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: كَوْنُ هَذِهِ الْأَنْهَارِ مِنَ الْجَنَّةِ أَنَّ الْإِيمَانَ لَهُمْ بِبِلَادِهَا، وَأَنَّ الْأَجْسَامَ الْمُتَغَذِّيَةَ بِمَائِهَا صَائِرَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَأَنَّ لَهَا مَادَّةً مِنَ الْجَنَّةِ مَخْلُوقَةً؛ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ: أَنَّ الْفُرَاتَ وَالنِّيلَ يَجْرِيَانِ مِنَ الْجَنَّةِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ أَصْلِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَفِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ هَذِهِ الْأَنْهَارَ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُيُونِ الْجَنَّةِ، مِنْ أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهَا عَلَى جَنَاحَيْ جِبْرِيلَ، اسْتَوْدَعَهَا الْجِبَالَ، وَأَجْرَاهَا فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَ فِيهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: ١٨] فَإِذَا كَانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ يَرْفَعُ مِنَ الْأَرْضِ الْقُرْآنَ، وَالْعِلْمَ، وَالْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَمَقَامَ إِبْرَاهِيمَ، وَتَابُوتَ مُوسَى، وَهَذِهِ الْأَنْهَارَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨] (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7804
٥٦٢٩ - وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ قَالَ: «ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا لَا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا، وَاللَّهِ لَتُمْلَأَنَّ، وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٦٢٩ - (وَعَنْ عُتْبَةَ) : بِضَمِّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ عَلَى مَا فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِلْمُؤَلِّفِ (ابْنِ غَزْوَانَ) : بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ زَايٍ قِيلَ: هُوَ سَابِعُ سَبْعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ (قَالَ: ذُكِرَ لَنَا) : هُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الصَّحَابِيِّ الْكَبِيرِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَرَاسِيلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ بِالِاتَّفَاقِ، الْمَعْنَى بَلَغَنَا فِي (أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى) أَيْ: يُرْمَى (مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِكَسْرٍ وَاحِدَةُ الشِّفَاهِ، أَيْ مِنْ طَرَفِهَا (فَيَهْوِي) أَيْ: فَيَسْقُطُ الْحَجَرُ وَيَنْزِلُ (فِيهَا) أَيْ فِي جَهَنَّمَ (سَبْعِينَ خَرِيفًا) أَيْ: سَنَةً (لَا يُدْرِكُ) أَيِ: الْحَجَرُ (لَهَا) أَيْ: جَهَنَّمَ (قَعْرًا) ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يُقَالَ: لَا يَصِلُ إِلَى قَعْرِهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا مَعَ طُولِهَا وَعَرْضِهَا وَعُمْقِهَا، (وَاللَّهِ لَتُمْلَأَنَّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ جَهَنَّمُ مِنَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ عُتْبَةُ بَعْدَ وَصْفِ جَهَنَّمَ انْتِقَالًا إِلَى نَعْتِ الْجَنَّةِ: ( «وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ» ) أَيْ: مَا بَيْنَ طَرَفَيْ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا (مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ) لَعَلَّ كُلًّا مِنْ ضَمِيرَيْ " عَلَيْهَا "، وَ " هُوَ " يَرْجِعُ إِلَى (مَا) فَالْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ (مَا) عِبَارَةٌ عَنْ أَمَاكِنَ، وَالثَّانِي بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ، فَالْمَعْنَى: وَالْحَالُ أَنَّ مَا بَيْنَهُمَا (كَظِيظٌ) بِالْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ مَمْلُوءٌ، " فَعِيلٌ " بِمَعْنَى " مَفْعُولٍ "، وَقِيلَ: أَيْ مُمْتَلِئٌ (مِنَ الزِّحَامِ) . بِكَسْرِ الزَّايِ أَيِ الْكَثْرَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7805
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٦٣٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ؟ قَالَ: " مِنَ الْمَاءِ ". قُلْنَا: الْجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: " لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ، وَلَا يَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٦٣٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ؟ قَالَ: (مِنَ الْمَاءِ» ) . قِيلَ: أَيْ مِنَ النُّطْفَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ اقْتِبَاسًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] أَيْ وَخَلَقْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ حَيَوَانٍ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ أَعْظَمُ مَوَادِّهِ، أَوْ لِفَرْطِ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ وَانْتِفَاعِهِ بِعَيْنِهِ، وَقُرِئَ " حَيًّا " عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ كُلٍّ، أَوْ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَالظَّرْفُ لَغْوٌ، وَالشَّيْءُ مَخْصُوصٌ بِالْحَيَوَانِ (قُلْنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ: قُلْتُ ( «الْجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا» ) أَيْ: هَلْ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ شَعَرٍ. ( «قَالَ: لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ» ) ، أَيْ بِنَاؤُهَا مُلَمَّعٌ وَمُرَصَّعٌ مِنْهُمَا، أَوْ ذَكَرَ النَّوْعَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْجَنَّتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَمِلَاطُهَا) بِكَسْرِ الْمِيمِ، أَيْ مَا بَيْنَ اللَّبِنَتَيْنِ مَوْضِعُ النُّورَةِ (الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ) ، أَيِ الشَّدِيدُ الرِّيحِ، فِي " النِّهَايَةِ ": الْمِلَاطُ الطِّينُ الذَّكِيُّ يُجْعَلُ بَيْنَ سَاقِ الْبَنَّاءِ يُمَلَّطُ بِهِ الْحَائِطُ أَيْ: يُخْلَطُ (وَحَصْبَاؤُهَا) أَيْ: حَصْبَاؤُهَا الصِّغَارُ الَّتِي فِي الْأَنْهَارِ (اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ) ، أَيْ مِثْلُهُمَا فِي اللَّوْنِ وَالصَّفَاءِ، (وَتُرْبَتُهَا) أَيْ: مَكَانُ تُرَابِهَا (الزَّعْفَرَانُ) ، أَيِ النَّاعِمُ الْأَصْفَرُ الطَّيِّبُ الرِّيحِ، فَجَمَعَ بَيْنَ أَلْوَانِ الزِّينَةِ وَهِيَ الْبَيَاضُ وَالْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ، وَيَتَكَمَّلُ بِالْأَشْجَارِ الْمُلَوَّنَةِ بِالْخُضْرَةِ، وَلَمَّا كَانَ السُّودُ مِمَّا يَغُمُّ الْفُؤَادَ خُصَّ بِأَهْلِ الْعِنَادِ مِنَ الْعِبَادِ ( «مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ» ) : بِفَتْحِ وَسَطِهِمَا.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: قَدْ وَجَدْنَاهُ فِي الْمَصَابِيحِ وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ: يَبْؤُسُ، بِالْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ لِدَلَالَةِ الْوَاوِ عَلَى الضَّمِّ، وَبَأَسَ الْأَمْرُ يَبْؤُسُ إِذَا اشْتَدَّ، وَبَأَسَ يَبْأَسُ إِذَا افْتَقَرَ، وَالْغَلَطُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي رَسْمِ الْخَطِّ، وَالصَّوَابُ لَا يَبْأَسُ انْتَهَى. وَفِي الْقَامُوسِ: الْبَأْسُ الْعَذَابُ وَالشِّدَّةُ فِي الْحَرْبِ، وَمِنْهُ الْبَأْسُ، وَبَؤُسَ كَكَرُمَ وَبَئِسَ كَسَمِعَ: اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ، وَمِنْهُ الْبَأْسَاءُ. (وَيَخْلُدُ) أَيْ: يَدُومُ فِيهَا فَلَا يَتَحَوَّلُ عَنْهَا (وَلَا يَمُوتُ) ، أَيْ لَا يَفْنَى بَلْ دَائِمًا يَبْقَى (وَلَا تَبْلَى) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ لَا تَخْلَقُ وَلَا تَتَقَطَّعُ (ثِيَابُهُمْ) ، وَكَذَا أَثَاثُهُمْ (وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ) أَيْ: لَا يَهْرَمُونَ وَلَا يَخْرُفُونَ، وَلَا يُغَيِّرُهُمْ مُضِيُّ الزَّمَانِ، فَإِنَّهُمْ خُلِقُوا لِنَعِيمِ الْأَبَدِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 7806
٥٦٣١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٦٣١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ» ) ، وَأَمَّا أَغْصَانُهَا مُخْتَلِفَةٌ، فَتَارَةً مِنْ ذَهَبٍ، وَأُخْرَى مِنْ فِضَّةٍ أَوْ يَاقُوتَةٍ أَوْ زُمُرُّدَةٍ أَوْ لُؤْلُؤَةٍ أَوْ مُرَصَّعَةٌ مُلَمَّعَةٌ، مُزَيَّنَةٌ بِأَنْوَاعِ الْأَزْهَارِ وَأَصْنَافِ الْأَنْوَارِ، وَمِنْ فَوْقِهَا أَجْنَاسُ الْأَثْمَارِ وَمِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ﵀.
стр. 7807
٥٦٣٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥٦٣٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ» ) ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ بِالْمِائَةِ هَاهُنَا الْكَثْرَةُ، وَبِالدَّرَجَةِ الْمَرْقَاةُ، أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّرَجَاتِ الْمَرَاتِبُ الْعَالِيَةُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣] أَيْ ذَوُو دَرَجَاتٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ مِنَ الطَّاعَاتِ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ النَّارِ أَصْحَابُ دَرَكَاتٍ مُتَسَافِلَةٍ بِقَدْرِ مَرَاتِبِهِمْ فِي شِدَّةِ الْكُفْرِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: ( «مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ» ) أَيْ مِقْدَارُ مَسَافَةِ مِائَةِ سَنَةٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
стр. 7808
٥٦٣٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، لَوْ أَنَّ الْعَالَمِينَ اجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥٦٣٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، لَوْ أَنَّ الْعَالَمِينَ» ) أَيْ خَلْقَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (اجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ) أَيْ لَكَفَتْهُمْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَصَحَّحَهُ.
стр. 7809
٥٦٣٤ - وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قَالَ: " ارْتِفَاعُهَا لَكَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥٦٣٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قَالَ: (ارْتِفَاعُهَا) أَيِ اعْتِلَاءُ فُرُشِ الْجَنَّةِ، أَوِ ارْتِفَاعُ الدَّرَجَةِ الَّتِي فُرِشَتِ الْفُرُشُ الْمَرْفُوعَةُ فِيهَا (لَكَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) : خَبَرٌ لِارْتِفَاعِهَا، كَقَوْلِهِ: (مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ) أَوِ الثَّانِي بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ، ثُمَّ دُخُولُ اللَّامِ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَمُّ الْحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضَى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ
وَالشَّهْرَبَةُ: الْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ، وَمِثْلُهُ الشَّهِيرَةُ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ، وَالْكَافُ فِي (لَكَمَا) اسْمٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] قَالَتِ النُّحَاةُ الْقُدَمَاءُ: إِنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ مُضْمَرٌ أَيْ: إِنَّهُ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ. قَالُوا: وَأَصْلُ هَذِهِ اللَّامِ أَنْ تَقَعَ فِي الْمُبْتَدَأِ، وَوُقُوعُهَا فِي الْخَبَرِ جَائِزٌ، هَذَا وَفِي الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أَيْ نُضِدَتْ حَتَّى ارْتَفَعَتْ، أَوْ مَرْفُوعَةٌ عَلَى الْأَسِرَّةِ، وَقِيلَ: هِيَ النِّسَاءُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يُكَنَّى عَنْهَا بِالْفِرَاشِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] وَعَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ أُضْمِرَ لَهُنَّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْفُرُشِ وَهِيَ الْمَضَاجِعُ دَلَّ عَلَيْهِنَّ، انْتَهَى. فَهُنَّ مَرْفُوعَةٌ عَلَى الْفُرُشِ أَوِ السُّرُرِ أَوْ بِالْجَمَالِ عَلَى نِسَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا عَلَى مَا قِيلَ، فَإِنَّ كُلَّ فَاضِلٍ رَفِيعٌ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُؤْمِنَاتِ أَحْسَنُ مِنَ الْحُورِ؛ لِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ مِنْهُ ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ الْمَرْفُوعَةِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَمَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِنَ الدَّرَجَاتِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، هَذَا الْقَوْلُ أَوْثَقُ وَأَعْرَفُ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ، وَذَلِكَ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ لِلْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» . انْتَهَى. وَعَارَضَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، فَأَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِهِ وَتَرَكْتُ بَحْثَهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: مَوْقُوفٌ (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 7810
٥٦٣٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَوْءُ وُجُوهِهِمْ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى أَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَائِهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٦٣٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (ضَوْءُ وُجُوهِهِمْ) أَيْ: نُورُهَا (عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) ، وَهُوَ وَقْتُ كَمَالِ إِنَارَتِهِ ( «وَالزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى مِثْلِ أَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ» ) ، وَهُمُ الْأَوْلِيَاءُ وَالصُّلَحَاءُ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الضِّيَاءِ ( «لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً» ) ، بِضَمِّ حَاءٍ وَتَشْدِيدِ لَامٍ، وَلَا تُطْلَقُ غَالِبًا إِلَّا عَلَى ثَوْبَيْنِ (يُرَى) أَيْ: يُبْصَرُ (مُخُّ سَاقِهَا) أَيْ: مُخُّ عِظَامِ سَاقِ كُلِّ زَوْجَةٍ (مِنْ وَرَائِهَا) . أَيْ مِنْ فَوْقِ حُلَلِهَا السَّبْعِينَ، لِكَمَالِ لَطَافَةِ أَعْضَائِهَا وَثِيَابِهَا، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرِ: «أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْ لَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً وَثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ» - بِأَنْ يُقَالَ: يَكُونُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مَوْصُوفَتَانِ بِأَنْ يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَائِهَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَحْصُلَ لِكُلِّ مِنْهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ الْغَيْرِ الْبَالِغَةِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ لِكُلٍّ زَوْجَتَانِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا، وَإِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْ لَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً فِي الْجُمْلَةِ، يَعْنِي: اثْنَتَيْنِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا وَسَبْعِينَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
следующие страницы →