← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.

стр. 7806

٥٦٣١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٣١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ» ) ، وَأَمَّا أَغْصَانُهَا مُخْتَلِفَةٌ، فَتَارَةً مِنْ ذَهَبٍ، وَأُخْرَى مِنْ فِضَّةٍ أَوْ يَاقُوتَةٍ أَوْ زُمُرُّدَةٍ أَوْ لُؤْلُؤَةٍ أَوْ مُرَصَّعَةٌ مُلَمَّعَةٌ، مُزَيَّنَةٌ بِأَنْوَاعِ الْأَزْهَارِ وَأَصْنَافِ الْأَنْوَارِ، وَمِنْ فَوْقِهَا أَجْنَاسُ الْأَثْمَارِ وَمِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ﵀.

стр. 7807

٥٦٣٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٥٦٣٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ» ) ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ بِالْمِائَةِ هَاهُنَا الْكَثْرَةُ، وَبِالدَّرَجَةِ الْمَرْقَاةُ، أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّرَجَاتِ الْمَرَاتِبُ الْعَالِيَةُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣] أَيْ ذَوُو دَرَجَاتٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ مِنَ الطَّاعَاتِ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ النَّارِ أَصْحَابُ دَرَكَاتٍ مُتَسَافِلَةٍ بِقَدْرِ مَرَاتِبِهِمْ فِي شِدَّةِ الْكُفْرِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: ( «مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ» ) أَيْ مِقْدَارُ مَسَافَةِ مِائَةِ سَنَةٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .

стр. 7808

٥٦٣٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، لَوْ أَنَّ الْعَالَمِينَ اجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٥٦٣٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، لَوْ أَنَّ الْعَالَمِينَ» ) أَيْ خَلْقَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (اجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ) أَيْ لَكَفَتْهُمْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَصَحَّحَهُ.

стр. 7809

٥٦٣٤ - وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قَالَ: " ارْتِفَاعُهَا لَكَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٥٦٣٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قَالَ: (ارْتِفَاعُهَا) أَيِ اعْتِلَاءُ فُرُشِ الْجَنَّةِ، أَوِ ارْتِفَاعُ الدَّرَجَةِ الَّتِي فُرِشَتِ الْفُرُشُ الْمَرْفُوعَةُ فِيهَا (لَكَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) : خَبَرٌ لِارْتِفَاعِهَا، كَقَوْلِهِ: (مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ) أَوِ الثَّانِي بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ، ثُمَّ دُخُولُ اللَّامِ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: أَمُّ الْحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضَى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ وَالشَّهْرَبَةُ: الْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ، وَمِثْلُهُ الشَّهِيرَةُ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ، وَالْكَافُ فِي (لَكَمَا) اسْمٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] قَالَتِ النُّحَاةُ الْقُدَمَاءُ: إِنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ مُضْمَرٌ أَيْ: إِنَّهُ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ. قَالُوا: وَأَصْلُ هَذِهِ اللَّامِ أَنْ تَقَعَ فِي الْمُبْتَدَأِ، وَوُقُوعُهَا فِي الْخَبَرِ جَائِزٌ، هَذَا وَفِي الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أَيْ نُضِدَتْ حَتَّى ارْتَفَعَتْ، أَوْ مَرْفُوعَةٌ عَلَى الْأَسِرَّةِ، وَقِيلَ: هِيَ النِّسَاءُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يُكَنَّى عَنْهَا بِالْفِرَاشِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] وَعَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ أُضْمِرَ لَهُنَّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْفُرُشِ وَهِيَ الْمَضَاجِعُ دَلَّ عَلَيْهِنَّ، انْتَهَى. فَهُنَّ مَرْفُوعَةٌ عَلَى الْفُرُشِ أَوِ السُّرُرِ أَوْ بِالْجَمَالِ عَلَى نِسَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا عَلَى مَا قِيلَ، فَإِنَّ كُلَّ فَاضِلٍ رَفِيعٌ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُؤْمِنَاتِ أَحْسَنُ مِنَ الْحُورِ؛ لِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ مِنْهُ ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ الْمَرْفُوعَةِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَمَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِنَ الدَّرَجَاتِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، هَذَا الْقَوْلُ أَوْثَقُ وَأَعْرَفُ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ، وَذَلِكَ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ لِلْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» . انْتَهَى. وَعَارَضَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، فَأَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِهِ وَتَرَكْتُ بَحْثَهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: مَوْقُوفٌ (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 7810

٥٦٣٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَوْءُ وُجُوهِهِمْ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى أَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَائِهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٣٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (ضَوْءُ وُجُوهِهِمْ) أَيْ: نُورُهَا (عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) ، وَهُوَ وَقْتُ كَمَالِ إِنَارَتِهِ ( «وَالزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى مِثْلِ أَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ» ) ، وَهُمُ الْأَوْلِيَاءُ وَالصُّلَحَاءُ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الضِّيَاءِ ( «لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً» ) ، بِضَمِّ حَاءٍ وَتَشْدِيدِ لَامٍ، وَلَا تُطْلَقُ غَالِبًا إِلَّا عَلَى ثَوْبَيْنِ (يُرَى) أَيْ: يُبْصَرُ (مُخُّ سَاقِهَا) أَيْ: مُخُّ عِظَامِ سَاقِ كُلِّ زَوْجَةٍ (مِنْ وَرَائِهَا) . أَيْ مِنْ فَوْقِ حُلَلِهَا السَّبْعِينَ، لِكَمَالِ لَطَافَةِ أَعْضَائِهَا وَثِيَابِهَا، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرِ: «أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْ لَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً وَثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ» - بِأَنْ يُقَالَ: يَكُونُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مَوْصُوفَتَانِ بِأَنْ يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَائِهَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَحْصُلَ لِكُلِّ مِنْهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ الْغَيْرِ الْبَالِغَةِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ لِكُلٍّ زَوْجَتَانِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا، وَإِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْ لَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً فِي الْجُمْلَةِ، يَعْنِي: اثْنَتَيْنِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا وَسَبْعِينَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

стр. 7811

٥٦٣٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْجِمَاعِ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: " يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٣٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ( «يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْجِمَاعِ» ) وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ جِمَاعِ عِدَّةٍ مِنَ النِّسَاءِ كَالْعَشَرَةِ مَثَلًا (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَيُطِيقُ ذَلِكَ) ؟ بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: أَيُعْطَى تِلْكَ الْقُوَّةَ وَيَسْتَطِيعُ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: كَذَا وَكَذَا مِنَ الْجِمَاعِ. (قَالَ: (يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ) أَيْ مِائَةِ رَجُلٍ، كَذَا قِيلَ، أَوْ مِائَةِ مَرَّةٍ مِنَ الْجِمَاعِ، وَالْمَعْنَى: فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ يُطِيقُ ذَلِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَفِي الْجَامِعِ: «يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ مِائَةٍ فِي النِّسَاءِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَنَسٍ. وَفِي الْجَامِعِ: ( «إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ، حَاجَةُ أَحَدِهِمْ عَرَقٌ يَفِيضُ مِنْ جِلْدِهِ، فَإِذَا بَطْنُهُ قَدْ ضَمُرَ» ) . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.

стр. 7812

٥٦٣٧ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَوْ أَنَّ مَا يُقِلُّ ظُفُرٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ بَدَا لَتَزَخْرَفَتْ لَهُ مَا بَيْنَ خَوَافِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَ فَبَدَا أَسَاوِرُهُ لَطَمَسَ ضَوْؤُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ كَمَا تَطْمِسُ الشَّمْسُ ضَوْءَ النُّجُومِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٥٦٣٧ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) ﵁ ( «عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: (لَوْ أَنَّ مَا يُقِلُّ» ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: يَحْمِلُهُ (ظُفُرٌ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: (مَا) مَوْصُولَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ: مَا يُقِلُّهُ. وَقَالَ الْقَاضِي ﵀: أَيْ قَدْرُ مَا مُسْتَقِلٌّ بِحَمْلِهِ ظُفُرٌ وَيُحْمَلُ عَلَيْهَا (مِمَّا فِي الْجَنَّةِ) أَيْ: مِنْ نَعِيمِهَا (بَدَا) أَيْ: ظَهَرَ فِي الدُّنْيَا لِلنَّاظِرِينَ (لَتَزَخْرَفَتْ) أَيْ: تَزَيَّنَتْ (لَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الْمِقْدَارِ وَسَبَبِهِ مِنَ الِاعْتِبَارِ وَظُهُورِ الْأَنْوَارِ (مَا بَيْنَ خَوَافِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، أَيْ أَطْرَافِهَا. وَقِيلَ مُنْتَهَاهَا. وَقِيلَ الْخَافِقَانِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَقَالَ الْقَاضِي ﵀: الْخَوَافِقُ جَمْعُ خَافِقَةٍ، وَهِيَ الْجَانِبُ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْجَانِبُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهَا الرِّيَاحُ مِنَ الْخَفَقَانِ، وَيُقَالُ الْخَافِقَانِ لِلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَتَأْنِيثُ الْفِعْلِ لِأَنَّ " مَا بَيْنَ " بِمَعْنَى الْأَمَاكِنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] فِي وَجْهٍ. (وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَ) بِتَشْدِيدِ

стр. 7813

الطَّاءِ أَيْ: أَشْرَفَ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا (فَبَدَا) أَيْ: ظَهَرَ (أَسَاوِرُهُ) : جَمْعُ إِسْوَرَةٍ جَمْعُ سِوَارٍ، وَالْمُرَادُ بَعْضُ أَسَاوِرِهِ، فَفِي تَيْسِيرِ الْوُصُولِ: فَبَدَا سِوَارُهُ (لَطَمَسَ ضَوْؤُهُ) أَيْ: مَحَا نُورُهُ (ضَوْءَ الشَّمْسِ كَمَا تَطْمِسُ الشَّمْسُ) : وَفِي نُسْخَةٍ كَمَا يَطْمِسُ ضَوْءُ الشَّمْسِ (ضَوْءَ النُّجُومِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَقَدْ سَبَقَ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَحَادِيثَ، بَعْضُهَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَبَعْضُهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي الْجَامِعِ: ( «إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ عِلِّيِّينَ لَيُشْرِفُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فَتُضِيءُ الْجَنَّةُ لِوَجْهِهِ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵏.

стр. 7814

٥٦٣٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ كَحْلَى، لَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ، وَلَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٥٦٣٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدٌ) : بِضَمِّ جِيمٍ وَسُكُونِ رَاءٍ جَمْعُ أَجْرَدَ، وَهُوَ الَّذِي لَا شَعَرَ عَلَى جَسَدِهِ وَضِدُّهُ الْأَشْعَرُ (مُرْدٌ) : جَمْعُ أَمَرَدَ وَهُوَ غُلَامٌ لَا شَعَرَ عَلَى ذَقْنِهِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْحُسْنُ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ (كَحْلَى) بِفَتْحِ الْكَافِ فَعْلَى بِمَعْنَى فَعِيلٍ، أَيْ: مَكْحُولٌ، وَهُوَ عَيْنٌ فِي أَجْفَانِهَا سَوَادٌ خِلْقَةً، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْكَحَلُ - بِفَتْحَتَيْنِ - سَوَادٌ فِي أَجْفَانِ الْعَيْنِ خِلْقَةً، وَالرَّجُلُ كَحْلٌ وَكَحِيلٌ وَكَحْلَى، جَمِيعُ كَحِيلٍ. (لَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ، وَلَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 7815

٥٦٣٩ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ - أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٣٩ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ» أَيْ: خِلْقَةً وَكَمُكَحَّلِينَ (أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ) أَيْ: أَتْرَابًا (أَوْ ثَلَاثٍ) أَيْ: أَوْ أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ (وَثَلَاثِينَ سَنَةً) : وَ " أَوْ " لِشَكِّ الرَّاوِي (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . قِيلَ: وَحَسَّنَهُ.

стр. 7816

٥٦٤٠ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَذُكِرَ لَهُ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى قَالَ: يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّ الْفَنَنِ مِنْهَا مِائَةَ سَنَةٍ، أَوْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا مِائَةُ رَاكِبٍ - شَكَّ الرَّاوِي - فِيهَا فَرَاشُ الذَّهَبِ، كَأَنَّ " ثَمَرَهَا الْقِلَالُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٥٦٤٠ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذُكِرَ لَهُ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى) قِيلَ: هِيَ شَجَرَةُ نَبْقٍ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ ثَمَرُهَا كَقِلَالِ هَجَرَ، وَالْمُنْتَهَى بِمَعْنَى مَوْضِعِ الِانْتِهَاءِ أَوِ الِانْتِهَاءِ، كَأَنَّهَا فِي مُنْتَهَى الْجَنَّةِ وَآخِرِهَا، وَقِيلَ: لَمْ يُجَاوِزْهَا حَدٌّ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي عِلْمُ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا وَرَاءَهَا (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَسِيرُ الرَّاكِبُ) أَيِ الْمُجِدُّ (فِي ظِلِّ الْفَنَنِ) مُحَرَّكَةٌ، أَيِ الْغُصْنُ وَجَمْعُهُ الْأَفْنَانُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] وَيُقَالُ ذَلِكَ لِلنَّوْعِ، وَجَمْعُهُ فُنُونٌ، كَذَا حَقَّقَهُ الرَّاغِبُ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ السِّدْرَةِ (مِائَةَ سَنَةٍ، أَوْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا مِائَةُ رَاكِبٍ) وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمُبَالَغَةُ فِي طُولِهَا وَعَرْضِهَا، فَـ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ بِاخْتِلَافِ بَعْضِ الْأَمَاكِنِ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَظَرِ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: (شَكَّ الرَّاوِي) يَأْبَى عَنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ كَلَامِ مَنْ، وَالشَّكُّ وَقَعَ مِمَّنْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (فِيهَا) أَيْ: فِي سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَالْمَعْنَى فِيهَا بَيْنَ أَغْصَانِهَا أَوْ عَلَيْهَا بِمَعْنَى فَوْقَهَا مِمَّا يَغْشَاهَا (فَرَاشُ الذَّهَبِ) ، بِفَتْحِ الْفَاءِ جَمْعُ فَرَاشَةٍ، وَهِيَ الَّتِي تَطِيرُ وَتَتَهَافَتُ فِي السِّرَاجِ، قِيلَ: هَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] وَمِنْهُ أَخَذَ ابْنُ مَسْعُودٍ حَيْثُ فَسَّرَ مَا يَغْشَى بِقَوْلِهِ: يَغْشَاهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحَ الْعِجْلِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْمَلَائِكَةَ تَتَلَأْلَأُ أَجْنِحَتُهَا تَلَأْلُؤَ أَجْنِحَةِ الْفَرَاشِ كَأَنَّهَا مُذَهَّبَةٌ. (كَأَنَّ ثَمَرَهَا الْقِلَالُ) بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ الْقُلَّةِ أَيْ قِلَالُ هَجَرَ فِي الْكِبَرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 7817

٥٦٤١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا الْكَوْثَرُ؟ قَالَ: " ذَاكَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ - يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ - أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ " قَالَ عُمَرُ: إِنَّ هَذِهِ لَنَاعِمَةٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٤١ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا الْكَوْثَرُ؟ قَالَ: (ذَاكَ نَهَرٌ» ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتُسَكَّنُ، أَيْ جَدْوَلُ مَاءٍ، وَفِي طَرَفَيْهِ حَوْضَانِ أَحَدُهُمَا فِي الْجَنَّةِ وَالْآخَرُ فِي الْمَوْقِفِ (أَعْطَانِيهِ اللَّهُ) وَإِنَّمَا قَالَ الْقَائِلُ (يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ) ؛ لِكَوْنِ أَكْثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ، أَوْ مَآلَ تَمَامِهِ إِلَيْهَا ( «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ» ) وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مَاءَهُ جَامِعٌ بَيْنَ سَوْغِ اللَّبَنِ وَلَذَّةِ الْعَسَلِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] (فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ النَّهْرِ أَوْ فِي أَطْرَافِهِ (طَيْرٌ) أَيْ: جِنْسٌ مِنَ الطُّيُورِ طَوِيلِ الْعُنُقِ وَكَبِيرِهِ (أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَالزَّايِ جَمْعُ جَزُورٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أُعِدَّ لِلنَّحْرِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ أَصْحَابُ شُرْبِ ذَلِكَ النَّهْرِ، فَإِنَّهُ يَتِمُّ عَيْشُ الدَّهْرِ. (قَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ هَذِهِ) أَيِ الطَّيْرُ فَإِنَّهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (لَنَاعِمَةٌ) أَيْ: لِمُتَنَعِّمَةٌ أَوْ لَنِعْمَةٌ طَيِّبَةٌ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَكَلَتُهَا) بِفَتَحَاتٍ، جَمْعُ آكِلٍ، اسْمُ فَاعِلٍ كَطَلَبَةٍ جَمْعُ طَالِبٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي أَصْلِ الْجَزَرِيِّ وَسَائِرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَالْمَعْنَى مَنْ يَأْكُلُهَا (أَنْعَمُ مِنْهَا) . وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ وَهِيَ أَصْلُ السَّيِّدِ: آكِلَتُهَا، بِالْمَدِّ وَبِكَسْرِ الْكَافِ عَلَى أَنَّ صِيغَةَ الْوَاحِدِ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْجَمَاعَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ آكِلُهَا بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ الْمُذَكَّرِ، وَفِي أُخْرَى آكِلُوهَا بِصِيغَةِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: ( «الْكَوْثَرُ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ، تُرَابُهُ مِسْكٌ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، تَرِدُهُ طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا مِثْلُ أَعْنَاقِ الْجُزُرِ، أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا» ) .

стр. 7818

٥٦٤٢ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ خَيْلٍ؟ قَالَ: " إِنِ اللَّهُ أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ فِيهَا عَلَى فَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطِيرُ بِكَ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ إِلَّا فَعَلْتَ " وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ إِبِلٍ؟ فَإِنِّي أُحِبُّ الْإِبِلَ. قَالَ: فَلَمْ يَقُلْ لَهُ مَا قَالَ لِصَاحِبِهِ، فَقَالَ: " إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ يَكُنْ لَكَ فِيهَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٤٢ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ ( «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ خَيْلٍ؟» قَالَ: (إِنِ اللَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ عَلَى أَنَّ إِنْ شَرْطِيَّةٌ، ثُمَّ كُسِرَ لِلِالْتِقَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ (أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ) : وَلَا يَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ؛ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ حَرْفِ الشَّرْطِ، وَقَوْلُهُ: (فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ فِيهَا) جَوَابٌ لِلشَّرْطِ أَيْ: فَلَا تَشَاءُ الْحَمْلَ فِي الْجَنَّةِ ( «عَلَى فَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطِيرُ» ) بِالتَّذْكِيرِ وَيُؤَنَّثُ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْفَرَسُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، أَيْ: يُسْرِعُ (بِكَ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ إِلَّا فَعَلْتَ) . بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبِ الْمُذَكَّرِ الْمَعْلُومِ، وَالْمَعْنَى إِنْ تَشَاءُ تَفْعَلُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: حُمِلْتَ عَلَيْهَا وَرَكِبْتَ، وَفِي أُخْرَى بِتَاءِ التَّأْنِيثِ السَّاكِنَةِ، فَالضَّمِيرُ لِلْفَرَسِ، أَيْ حَمَلْتُكَ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: إِنْ أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى فَرَسٍ كَذَلِكَ إِلَّا حُمِلْتَ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ إِلَّا وَتَجِدُهُ فِي الْجَنَّةِ كَيْفَ شَاءَتْ، حَتَّى لَوِ اشْتَهَتْ أَنْ تَرْكَبَ فَرَسًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَوَجَدْتَهُ وَتَمَكَّنْتَ مِنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: إِنْ أَدْخَلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَلَا تَشَاءُ أَنْ يَكُونَ لَكَ مَرْكَبٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطِيرُ بِكَ حَيْثُ شِئْتَ، وَلَا تَرْضَى بِهِ فَتَطْلُبُ فَرَسًا مِنْ جِنْسِ مَا تَجِدُهُ فِي الدُّنْيَا حَقِيقَةً وَصِفَةً، وَالْمَعْنَى فَيَكُونُ لَكَ مِنَ الْمَرَاكِبِ مَا يُغْنِيكَ عَنِ الْفَرَسِ الْمَعْهُودِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهُوَ إِنْ أُدْخِلْتَ الْجَنَّةَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَرَاكِبِ الْجَنَّةِ وَمَرَاكِبِ الدُّنْيَا وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ عَلَى التَّصْوِيرِ وَالتَّمْثِيلِ - مَثَّلَ فَرَسَ الْجَنَّةِ فِي جَوْهَرِهِ بِمَا هُوَ عِنْدَنَا أَثْبَتُ الْجَوَاهِرِ وَأَدْوَمُهَا وُجُودًا، وَأَنْصَعُهَا لَوْنًا، وَأَصْفَاهَا جَوْهَرًا. وَفِي شِدَّةِ حَرَكَتِهِ وَسُرْعَةِ انْتِقَالِهِ بِالطَّيْرِ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِقَوْلِهِ: جَنَاحَانِ، وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ مَا وَرَدَ فِي صِفَةِ أَبْنِيَةِ الْجَنَّةِ وَرِيَاضِهَا وَأَنْهَارِهَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْعِلْمُ بِحَقَائِقِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 7819

قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ: " إِلَّا حُمِلْتَ " يَقْتَضِي أَنْ يُرْوَى قَوْلُهُ: إِلَّا فَعَلْتَ، عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ أَيْ: لَا تَكُونُ بِمَطْلُوبِكَ إِلَّا مُسْعَفًا، وَإِذَا تُرِكَ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ كَانَ التَّقْدِيرُ، فَلَا تَكُونُ بِمَطْلُوبِكَ إِلَّا فَائِزًا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ قَرِيبٌ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ سَأَلَ عَنِ الْفَرَسِ الْمُتَعَارَفِ فِي الدُّنْيَا، فَأَجَابَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا فِي الْجَنَّةِ، أَيِ: اتْرُكْ مَا طَلَبْتَهُ؛ فَإِنَّكَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ بِهَذَا الْمَرْكَبِ الْمُوصَفِ. ( «وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ إِبِلٍ؟ فَإِنِّي أُحِبُّ الْإِبِلَ. قَالَ» ) أَيْ: بُرَيْدَةُ (فَلَمْ يَقُلْ لَهُ مَا قَالَ لِصَاحِبِهِ) أَيْ مِثْلَ مَقُولِهِ لِصَاحِبِهِ كَمَا سَبَقَ، بَلْ أَجَابَهُ مُخْتَصَرًا (فَقَالَ: ( «إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ يَكُنْ لَكَ فِيهَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ» ) أَيْ: وَجَدَتْ عَيْنُكَ لَذِيذًا، مِنْ لَذِذْتُ بِالْكَسْرِ لِذَاذًا أَيْ: وَجَدْتُهُ لَذِيذًا، قَالَهُ شَارِحٌ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 7820

٥٦٤٣ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الْخَيْلَ، أَفِي الْجَنَّةِ خَيْلٌ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنْ أُدْخِلْتَ الْجَنَّةَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ، فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طَارَ بِكَ حَيْثُ شِئْتَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَأَبُو سَوْرَةَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: أَبُو سَوْرَةَ هَذَا مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، يَرْوِي مَنَاكِيرَ. ــ ٥٦٤٣ - (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ أَيْ جَاءَ (أَعْرَابِيٌّ) أَيْ: بَدَوِيٌّ ( «فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنِّي أُحِبُّ الْخَيْلَ» ) أَيْ فِي الدُّنْيَا ( «أَفِي الْجَنَّةِ خَيْلٌ» ) ؟ يَعْنِي أَوَلَيْسَ فِيهَا، أَوَلَا تُشْتَهَى، لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنْ أُدْخِلْتَ الْجَنَّةَ أُتِيتَ) أَيْ جِئْتَ (بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ) قِيلَ: أَرَادَ الْجِنْسَ الْمَعْهُودَ مَخْلُوقًا مِنْ أَنْفَسِ الْجَوَاهِرِ، وَقِيلَ: إِنَّ هُنَاكَ مَرْكَبًا مِنْ جِنْسٍ آخَرَ يُغْنِيكَ مِنَ الْمَعْهُودِ كَمَا مَرَّ، وَالْأَخِيرُ هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِمَا سَيَأْتِي وَلِقَوْلِهِ: (لَهُ جَنَاحَانِ فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ رَكِبْتَ (ثُمَّ طَارَ بِكَ حَيْثُ شِئْتَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَأَبُو سَوْرَةَ) : بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ (الرَّاوِي) أَيْ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ (يُضَعَّفُ) أَيْ: يُنْسَبُ إِلَى الضَّعْفِ بِأَحَدِ أَسْبَابِهِ (فِي الْحَدِيثِ) ، أَيْ فِي عَمَلِهِ، أَوْ فِي إِسْنَادِهِ (وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ) أَيِ الْبُخَارِيُّ (يَقُولُ: أَبُو سَوْرَةَ هَذَا مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، يَرْوِي مَنَاكِيرَ) وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا: ( «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ عَلَى النَّجَائِبِ، بِيضٌ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ، وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ مِنَ الْبَهَائِمِ إِلَّا الْإِبِلُ وَالطَّيْرُ» ) .

стр. 7821

٥٦٤٤ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) ــ ٥٦٤٤ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ» ) أَيْ قَدْرُهَا أَوْ صُوِّرُوا صُفُوفًا (ثَمَانُونَ) أَيْ: صَفًّا (مِنْهَا) أَيْ مِنْ جُمْلَةِ الْعَدَدِ كَائِنُونَ (مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ) أَيْ: صَفًّا (مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ) . وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ تَكْثِيرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنَّهُمْ ثُلُثَانِ فِي الْقِسْمَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ) فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ ﷺ : ( «أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ) . فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ ﷺ : ( «أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ) ، قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَانُونَ صَفًّا مُسَاوِيًا فِي الْعَدَدِ لِلْأَرْبَعِينَ صَفًّا، وَأَنْ يَكُونُوا كَمَا زَادَ عَلَى الرُّبُعِ وَالثُّلُثِ يَزِيدُ عَلَى النِّصْفِ كَرَامَةً لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، عَلَى أَنَّ النِّصْفَ قَدْ يُطْلَقُ وَلَمْ يُرَدْ بِهِ التَّسَاوِيَ فِي الْعَدَدِ وَالصَّفِّ؛ وَلِذَا يُوصَفُ بِالْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ عَنْهُ. وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى.

стр. 7822

٥٦٤٥ - وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بَابُ أُمَّتِي الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ الْجَنَّةَ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ الرَّاكِبِ الْمُجَوِّدِ ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَيُضْغَطُونَ عَلَيْهِ، حَتَّى تَكَادُ مَنَاكِبُهُمْ تَزُولُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَقَالَ: يَخْلُدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ. ــ ٥٦٤٥ - (وَعَنْ سَالِمٍ) ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (عَنْ أَبِي) أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بَابُ أُمَّتِي الَّذِينَ) كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، فَيَكُونُ صِفَةً لِلْأُمَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ الْبَابِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ إِذِ الْمَعْنَى: بَابُ أُمَّتِي الَّذِي ( «يَدْخُلُونَ مِنْهُ الْجَنَّةَ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ الرَّاكِبِ الْمُجَوِّدِ» ) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ التَّجْوِيدِ وَهُوَ التَّحْسِينُ. قَالَ شَارِحٌ أَيِ الرَّاكِبُ الَّذِي يُجَوِّدُ رَكْضَ الْفَرَسِ، مِنْ جَوَّدْتُهُ أَيْ جَعَلْتُهُ جَيِّدًا، وَفِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ يُجَوِّدُ فِي صَنْعَتِهِ يَفُوقُ فِيهَا، وَأَجَادَ الشَّيْءَ وَجَوَّدَهُ: أَحْسَنَ فِيمَا فَعَلَ، وَجَوَّدَ فِي عَدْوِهِ، عَدَا عَدْوًا جَوَادًا، وَفَرَسٌ جَوَادٌ مِنْ خَيْلٍ جِيَادٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْمُجَوِّدُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ الرَّاكِبِ، وَالْمَعْنَى: الرَّاكِبُ الَّذِي يُجَوِّدُ رَكْضَ الْفَرَسِ، وَأَنْ يَكُونَ مُضَافًا إِلَيْهِ، وَالْإِضَافَةُ لَفْظِيَّةٌ أَيِ الْفَرَسُ الَّذِي يُجَوِّدُ فِي عَدْوِهِ (ثَلَاثًا) ، ظَرْفُ مَسِيرَةٍ، وَالْمَعْنَى؛ ثَلَاثَ لَيَالٍ، أَوْ سِنِينَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْمُبَالِغَةَ أَكْثَرَ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أُوحِيَ إِلَيْهِ أَوَّلًا بِالْقَلِيلِ ثُمَّ أُعْلِمَ بِالْكَثِيرِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَبْوَابِ بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (ثُمَّ إِنَّهُمْ) أَيْ: أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أُمَّتِي عِنْدَ دُخُولِهِمْ مِنْ أَبْوَابِهَا، فَالْمُرَادُ بِالْبَابِ جِنْسُهُ (لَيُضْغَطُونَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: لَيُعْصَرُونَ وَيُضَيَّقُونَ (عَلَيْهِ) ، أَيْ عَلَى الْبَابِ (حَتَّى تَكَادَ) أَيْ: تَقْرُبُ (مَنَاكِبُهُمْ تَزُولُ) . أَيْ تَنْقَطِعُ مِنْ شِدَّةِ الزِّحَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ) . وَفِي الْمَصَابِيحِ: ضَعِيفٌ مُنْكَرٌ. قَالَ شَارِحٌ لَهُ أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ مُنْكَرٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا مَرَّ. (وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ) أَيِ: الْبُخَارِيُّ ﵀ (عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ) ، أَيْ أَصْلِ الْحَدِيثِ، وَالْعَالِمُ بِالْحَدِيثِ الْمُحِيطُ بِطُرُقِ الْأَحَادِيثِ إِذَا قَالَ: لَمْ أَعْرِفْهُ - دَلَّ عَلَى ضَعْفِهِ (وَقَالَ) أَيِ: الْبُخَارِيُّ (يَخْلُدُ) بِضَمِّ اللَّامِ (بْنُ أَبِي بَكْرٍ) وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ (يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ) يَعْنِي: فَيَكُونُ حَدِيثًا ضَعِيفًا وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ حَدِيثَهُ هَذَا مُنْكَرٌ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ قَوْلُهُ: يَخْلُدُ سَهْوٌ مِنْ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ، وَصَوَابُهُ خَالِدٌ؛ إِذْ فِي التِّرْمِذِيِّ خَالِدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ﵀ وَكَذَا فِي كُتُبِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ.

стр. 7823

٥٦٤٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا مَا فِيهَا شِرًى وَلَا بَيْعٌ إِلَّا الصُّوَرَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ صُورَةً دَخَلَ فِيهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٥٦٤٦ - (وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا» ) أَيْ: مُجْتَمَعًا، وَالسُّوقُ مُؤَنَّثٌ سَمَاعِيٌّ؛ وَلِذَا قَالَ: (مَا فِيهَا) أَيْ لَيْسَ فِي تِلْكَ السُّوقِ (شِرًى) بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ أَيِ اشْتِرَاءٌ (وَلَا بَيْعٌ) : وَالْمَعْنَى لَيْسَ فِيهَا تِجَارَةٌ (إِلَّا الصُّوَرَ) : بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ، أَيِ التَّمَاثِيلَ الْمُخْتَلِفَةَ (مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ صُورَةً دَخَلَ فِيهَا) . وَكَذَا إِذَا اشْتَهَتِ النِّسَاءُ صُورَةً دَخَلْنَ فِيهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَدْ سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّوقِ الْمَجْمَعُ وَهَذَا يُؤَيِّدُهُ، يَعْنِي حَيْثُ قَالَ: مَا فِيهَا شِرًى وَلَا بَيْعٌ. قَالَ: فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِأَنْ يُجْعَلَ تَبْدِيلُ الْهَيْئَاتِ مِنْ جِنْسِ الْبَيْعِ وَالشِّرَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] يَعْنِي عَلَى وَجْهٍ، وَإِلَّا فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ اسْتِثْنَاءَهُ مُنْقَطِعٌ، ثُمَّ قِيلَ: يَحْتَمِلُ الْحَدِيثُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ عَرْضَ الصُّوَرِ الْمُسْتَحْسَنَةِ عَلَيْهِ، فَإِذَا اشْتَهَى وَتَمَنَّى تِلْكَ الصُّورَةَ الْمَعْرُوضَةَ عَلَيْهِ صَوَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِشَكْلِ تِلْكَ الصُّورَةِ بِقُدْرَتِهِ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الصُّورَةِ الزِّينَةُ الَّتِي يَتَزَيَّنُ الشَّخْصُ بِهَا فِي تِلْكَ السُّوقِ، وَيَتَلَبَّسُ بِهَا، وَيَخْتَارُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ وَالتَّاجِ. يُقَالُ: لِفُلَانٍ صُورَةٌ حَسَنَةٌ، أَيْ هَيْئَةٌ مَلِيحَةٌ، يَعْنِي فَإِذَا رَغِبَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أُعْطِيَهُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهَا التَّزَيُّنَ بِهَا، وَعَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ التَّغَيُّرُ فِي الصِّفَةِ لَا فِي الذَّاتِ.

стр. 7824

قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا لِيُوَافِقَ حَدِيثَ أَنَسٍ، «فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا» . . . الْحَدِيثَ. قُلْتُ: وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] وَلَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِالْمَكَانِ وَهُوَ السُّوقُ وَالزَّمَانُ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَبِخُصُوصِ الصُّوَرِ - لِكَوْنِهِ يَوْمَ الْمَزِيدِ وَيَوْمَ اللِّقَاءِ وَيَوْمَ الْجَمْعِ، وَمُشَاهَدَةِ أَهْلِ الْبَقَاءِ، وَزِيَادَةِ أَهْلِ الصَّفَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.

стр. 7825

٥٦٤٧ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ﵁ أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ. فَقَالَ سَعِيدٌ: أَفِيهَا سُوقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ، وَيَبْرُزُ لَهُمْ عَرْشُهُ، وَيَتَبَدَّى لَهُمْ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، تُوضَعُ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ يَاقُوتٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ، وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُمْ - وَمَا فِيهِمْ دَنِيءٌ - عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ، مَا يَرَوْنَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ بِأَفْضَلَ مِنْهُمْ مَجْلِسًا ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، هَلْ تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: " كَذَلِكَ لَا تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، وَلَا يَبْقَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ رَجُلٌ إِلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ مُحَاضَرَةً حَتَّى يَقُولَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، أَتَذْكُرُ يَوْمَ قَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ يُذَكِّرُهُ بَعْضَ غَدَرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِي؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَبِسِعَةِ مَغْفِرَتِي بَلَغْتَ مَنْزِلَتَكَ هَذِهِ. فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ غَشِيتْهُمْ سَحَابَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِيبًا لَمْ يَجِدُوا مِثْلَ رِيحِهِ شَيْئًا قَطُّ، وَيَقُولُ رَبُّنَا: قُومُوا إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لَكُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ فَخُذُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ، فَنَأْتِي سُوقًا قَدْ حَفَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ، فِيهَا مَا لَمْ تَنْظُرِ الْعُيُونُ إِلَى مِثْلِهِ، وَلَمْ تَسْمَعِ الْآذَانُ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى الْقُلُوبِ، فَيُحْمَلُ لَنَا مَا اشْتَهَيْنَا، لَيْسَ يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى، وَفِي ذَلِكَ السُّوقِ يَلْقَى أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ". قَالَ: " فَيُقْبِلُ الرَّجُلُ ذُو الْمَنْزِلَةِ الْمُرْتَفِعَةِ، فَيَلْقَى مَنْ هُوَ دُونَهُ - وَمَا فِيهِمْ دَنِيءٌ - فَيَرُوعُهُ مَا يَرَى عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ، فَمَا يَنْقَضِي آخِرُ حَدِيثِهِ حَتَّى يَتَخَيَّلَ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَحْسَنُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْزَنَ فِيهَا، ثُمَّ نَنْصَرِفُ إِلَى مَنَازِلِنَا، فَيَتَلَقَّانَا أَزْوَاجُنَا، فَيَقُلْنَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، لَقَدْ جِئْتَ وَإِنَّ بِكَ مِنَ الْجَمَالِ أَفْضَلَ مِمَّا فَارَقْتَنَا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: إِنَّا جَالَسْنَا الْيَوْمَ رَبَّنَا الْجَبَّارَ، وَيَحِقُّنَا أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٥٦٤٧ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ) أَيْ فِي السُّوقِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ ( «فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ» ) أَيْ كَمَا بَيْنَنَا فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ (فَقَالَ سَعِيدٌ: أَفِيهَا) أَيْ: أَفِي الْجَنَّةِ (سُوقٌ؟) يَعْنِي وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلْحَاجَةِ إِلَى التِّجَارَةِ (قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّ) : بِالْفَتْحِ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَغَيْرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ عَلَى الْحِكَايَةِ أَيِ الْخَبَرُ هُوَ قَوْلُهُ إِنَّ، أَوِ التَّقْدِيرُ قَائِلًا إِنَّ (أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا) أَيِ الْجَنَّةَ (نَزَلُوا فِيهَا) أَيْ فِي مَنَازِلِهَا وَدَرَجَاتِهَا (بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ) أَيْ: بِقَدْرِ زِيَادَةِ طَاعَاتِهِمْ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً ( «ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» ) أَيْ: قَدْرُ إِتْيَانِهِ، وَالْمُرَادُ فِي مِقْدَارِ الْأُسْبُوعِ (مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ) ، أَيْ فِيهِ (وَيَبْرُزُ) : مِنَ الْإِبْرَازِ أَيْ: وَيُظْهِرُ رَبُّهُمْ إِلَيْهِمْ عَرْشَهُ) ، أَيْ نِهَايَةَ لُطْفِهِ وَغَايَةَ رَحْمَتِهِ، كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَإِلَّا فَقَدَ سَبَقَ أَنَّ الْعَرْشَ سَقْفُ الْجَنَّةِ، وَلِيُلَائِمَ عَلَى وَجْهِ التَّنْزِيهِ مِنَ الْجِهَةِ. قَوْلُهُ: (وَيَتَبَدَّى) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: يَظْهَرُ وَيَتَجَلَّى رَبُّهُمْ (لَهُمْ فِي رَوْضَةٍ) أَيْ عَظِيمَةٍ (مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَتُوضَعُ لَهُمْ مَنَابِرُ) أَيْ: كَرَاسِيُّ مُرْتَفِعَةٌ ( «مِنْ نُورٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ يَاقُوتٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ» ) : بِفَتْحِ زَايٍ وَمُوَحَّدَةٍ فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ فَجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ: جَوْهَرٌ مَعْرُوفٌ ( «وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ» ) ، أَيْ بِحَسَبِ مَقَادِيرِ أَعْمَالِهِمْ وَمَرَاتِبِ أَحْوَالِهِمْ، (وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُمْ) أَيْ: دُونَهُمْ مَنْزِلَةً (وَمَا فِيهِمْ دَنِيءٌ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ دُونٌ وَخَسِيسٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ تَتْمِيمٌ صَوْنًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ: أَدْنَاهُمُ الدَّنَاءَةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَدْنَى فِي الْمَرْتَبَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجْلِسُ أَقَلُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ اعْتِبَارًا (عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، جَمْعُ كَثِيبٍ أَيْ: تَلٌّ مِنَ الرَّمْلِ الْمُسْتَطِيلِ مِنْ كَثَبْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَمَعْتُهُ (وَالْكَافُورِ) ، بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الْمِسْكِ، فَفِي الْقَامُوسِ: هُوَ نَبْتٌ طَيِّبٌ نَوْرُهُ كَنَوْرِ الْأُقْحُوَانِ أَوِ الطَّلْعِ أَوْ وِعَائِهِ، طِيبٌ مَعْرُوفٌ يَكُونُ مِنْ شَجَرٍ بِجِبَالِ بَحْرِ الْهِنْدِ وَالصِّينِ، يُظِلُّ خَلْقًا كَثِيرًا، وَتَأْلَفُهُ النَّمُورَةُ، وَخَشَبُهُ أَبْيَضُ هَشٌّ، وَيُوجَدُ فِي أَجْوَافِهِ الْكَافُورُ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ، وَلَوْنُهَا أَحْمَرُ، وَإِنَّمَا بُيِّضَ بِالتَّصْعِيدِ مَعَ الْكَرْمِ وَعَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ (مَا يَرَوْنَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِرَاءَةِ، وَالضَّمِيرُ إِلَى الْجَالِسِينَ عَلَى الْكُثْبَانِ أَيْ: لَا يَظُنُّونَ وَلَا يَتَوَهَّمُونَ (أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ) أَيْ: أَرْبَابَ الْمَنَابِرِ (بِأَفْضَلَ مِنْهُمْ مَجْلِسًا) حَتَّى يَحْزَنُوا بِذَلِكَ، لِقَوْلِهِمْ عَلَى مَا فِي التَّنْزِيلِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] بَلْ إِنَّهُمْ وَاقِفُونَ فِي مَقَامِ الرِّضَا، وَمُتَلَذِّذُونَ بِحَالِ التَّسْلِيمِ بِمَا جَرَى الْقَضَاءُ.

стр. 7826

( «قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ نَرَى رَبَّنَا» ) ؟ أَيْ: يَتَجَلَّى الذَّاتُ؟ (قَالَ: نَعَمْ، هَلْ تَتَمَارَوْنَ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّائَيْنِ أَيْ: هَلْ تَشُكُّونَ (فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ) أَيْ: فِي رُؤْيَتِكُمُ الشَّمْسَ (وَالْقَمَرِ) أَيْ: وَفِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ (لَيْلَةَ الْبَدْرِ) ؟ وَاحْتُرِزَ عَنِ الْهِلَالِ وَعَنِ الْقَمَرِ فِي غَيْرِ لَيَالِي الْبُدُورِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ فِي نِهَايَةِ النُّورِ (قُلْنَا: لَا) أَيْ: لَا نَشُكُّ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (قَالَ: ( «كَذَلِكَ لَا تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ» ) : وَالتَّشْبِيهُ إِنَّمَا هُوَ فِي كَمَالِ الظُّهُورِ لَا فِي غَيْرِهِ مِنْ خَطِرَاتٍ تَخْتَلِجُ فِي الصُّدُورِ ( «وَلَا يَبْقَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ رَجُلٌ إِلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ مُحَاضَرَةً» ) : بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْحُضُورِ وَقَدْ صُحِّفَ بِالْمُهْمَلَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: الْكَلِمَتَانِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ كَشْفُ الْحِجَابِ وَالْمُقَاوَلَةُ مَعَ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ وَلَا تُرْجُمَانٍ، وَيُبَيِّنُهُ الْحَدِيثُ: ( «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ» ) الْحَدِيثَ. وَالْمَعْنَى خَاطَبَهُ اللَّهُ مُخَاطَبَةً وَحَاوَرَهُ مُحَاوَرَةً. (حَتَّى يَقُولَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ: يَا فُلَانَ) : بِالْفَتْحِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالضَّمِّ (ابْنَ فُلَانٍ) بِنَصْبِ ابْنٍ وَصَرْفِ فُلَانٍ، وَهُمَا كِنَايَتَانِ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: ( «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ» ) . ( «أَتَذْكُرُ يَوْمَ قَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟» ) أَيْ: مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ، فَكَأَنَّهُ تَوَقَّفَ الرَّجُلُ فِيهِ وَيَتَأَمَّلُ فِيمَا ارْتَكَبَهُ مِنْ مَعَاصِيهِ (فَيُذَكِّرُهُ) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَيْ: فَيُعْلِمُهُ اللَّهُ (بِبَعْضِ غَدَرَاتِهِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، جَمْعُ غَدْرَةٍ - بِالسُّكُونِ - بِمَعْنَى الْغَدْرِ، وَهُوَ تَرْكُ الْوَفَاءِ، وَالْمُرَادُ مَعَاصِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِتَرْكِهَا الَّذِي عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِي) ؟ أَيْ: أَدْخَلْتَنِي الْجَنَّةَ فَلَمْ تَغْفِرْ لِي مَا صَدَرَ لِي مِنَ الْمَعْصِيَةِ. (فَيَقُولُ: بَلَى) ، أَيْ: غَفَرْتُ لَكَ (فَبِسَعَةِ مَغْفِرَتِي) بِفَتْحِ السِّينِ وَيُكْسَرُ (بَلَغْتَ) أَيْ: وَصَلْتَ (مَنْزِلَتَكَ هَذِهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: عُطِفَ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ: غَفَرْتُ لَكَ فَبَلَغْتَ بِسَعَةِ رَحْمَتِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ، وَالتَّقْدِيمُ دَلَّ عَلَى التَّخْصِيصِ، أَيْ: بُلُوغُكَ تِلْكَ الْمَنْزِلَةَ كَائِنٌ بِسَعَةِ رَحْمَتِي لَا بِعَمَلِكَ. (فَبَيْنَا) وَفِي نُسْخَةٍ " فَبَيْنَمَا " (هُمْ) أَيْ: أَهْلُ الْجَنَّةِ (عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْمُحَاضَرَةِ وَالْمُحَاوَرَةِ (غَشِيَتْهُمْ) أَيْ: غَطَّتْهُمْ (سَحَابَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِيبًا) أَيْ: عَظِيمًا ( «وَلَمْ يَجِدُوا مِثْلَ رِيحِهِ شَيْئًا قَطُّ، وَيَقُولُ رَبُّنَا: قُومُوا إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لَكُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ، فَخُذُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ، فَنَأْتِي سُوقًا قَدْ حَفَّتْ» ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: أَحَاطَتْ (بِهِ الْمَلَائِكَةُ، فِي) كَذَا فِي بَعْضِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مَوْجُودَةٌ، وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ أَيْ: فِي تِلْكَ السُّوقِ (مَا لَمْ تَنْظُرِ الْعُيُونُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَيُكْسَرُ جَمْعُ الْعَيْنِ (إِلَى مِثْلِهِ) : وَهُوَ فِي نُسَخِ أَكْثَرِ الشُّرَّاحِ مَفْقُودٌ، فَقَالَ الْمُظْهِرُ: " مَا " مَوْصُولَةٌ وَالْمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ الْمُقَدَّرِ الْعَائِدِ إِلَى مَا فِي قَوْلِهِ: مَا أَعْدَدْتُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيِ: الْمُعَدُّ لَكُمْ، وَقَالَ شَارِحٌ: أَوْ هُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: فِيهَا أَقُولُ، وَهُوَ أَحَقُّ وَأَوْفَقُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ " مَا " مَوْصُوفَةً بَدَلًا مِنْ سُوقًا. (وَلَمْ تَسْمَعِ الْآذَانُ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَجَمْعِ الْآذَانِ أَيْ: وَمَا لَمْ تَسْمَعْهُ بِمِثْلِهِ (وَلَمْ يَخْطُرْ) : بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْ: وَمَا لَمْ يَمُرَّ مِثْلُهُ (عَلَى الْقُلُوبِ) وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ الْمَشْهُورِ ( «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» ) عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ.

стр. 7827

(فَيُحْمَلُ لَنَا) أَيْ: إِلَى قُصُورِنَا (مَا اشْتَهَيْنَا) أَيْ: فِي تِلْكَ السُّوقِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَرْزُوقِ (لَيْسَ يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى) الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ " مَا " فِي " مَا اشْتَهَيْنَا "، وَهُوَ الْمَحْمُولُ، وَالضَّمِيرُ فِي يُبَاعُ عَائِدٌ إِلَيْهِ (وَفِي ذَلِكَ السُّوقِ) : هُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَأَنَّثَهُ تَارَةً وَذَكَّرَهُ أُخْرَى، وَالتَّأْنِيثُ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ وَأَكْثَرُ أَيْ: وَفِي تِلْكَ السُّوقِ (يَلْقَى) أَيْ: يَرَى (أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا حَقِيقَةً أَوْ مَوْقُوفًا فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ (فَيُقْبِلُ) مِنَ الْإِقْبَالِ أَيْ: فَيَجِيءُ وَيَتَوَجَّهُ ( «الرَّجُلُ ذُو الْمَنْزِلَةِ الْمُرْتَفِعَةِ، فَيَلْقَى مَنْ هُوَ دُونَهُ» ) أَيْ: فِي الرُّتْبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ (- وَمَا فِيهِمْ مِنْ دَنِيءٍ -) زِيدَ " مِنْ " لِلْمُبَالَغَةِ فِي نَفْيِ الِاسْتِغْرَاقِ، وَهُوَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِدُونٍ " مِنْ " كَمَا فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ (فَيَرُوعُهُ) بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ: يُعْجِبُ الرَّجُلَ (مَا يَرَى) أَيْ يُبْصِرُهُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى مَنْ دُونَهُ (مِنَ النَّاسِ) : بَيَانُ " مَا "، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَالظَّاهِرُ عَكْسُ مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى " مَنْ "، فَيَكُونُ الرَّوْعُ مَجَازًا عَنِ الْكَرَاهَةِ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ، وَأَنْ يَرْجِعَ إِلَى الرَّجُلِ ذِي الْمَنْزِلَةِ، فَالرَّوْعُ بِمَعْنَى الْإِعْجَابِ أَيْ: يُعْجِبُهُ حُسْنُهُ فَيَدْخُلُ فِي رَوْعِهِ مَا يَتَمَنَّى مِثْلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَمَا يَنْقَضِي آخِرُ حَدِيثِهِ) أَيْ: مَا أُلْقِيَ فِي رُوعِهِ مِنَ الْحَدِيثِ، وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى " مِنْ ". قَالَ شَارِحٌ أَيْ: حَدِيثُ مَنْ هُوَ دُونَهُ مَعَ الرَّجُلِ الرَّفِيعِ الْمَنْزِلَةِ. قُلْتُ: وَيَجُوزُ قَلْبُ الْكَلَامِ أَيْضًا (حَتَّى يَتَخَيَّلَ عَلَيْهِ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: حَتَّى يُتَصَوَّرَ لَهُ أَنَّ عَلَيْهِ (مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ) وَالْمَعْنَى: يَظْهَرُ عَلَيْهِ أَنَّ لِبَاسَهُ أَحْسَنُ مِنْ لِبَاسِ صَاحِبِهِ (وَذَلِكَ) أَيْ سَبَبُ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّخَيُّلِ (لِأَنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْزَنَ) بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ: يَغْتَمَّ (فِيهَا) أَيْ: فِي الْجَنَّةِ، فَحَزِنَ هُنَا لَازِمٌ مِنْ حَزِنَ بِالْكَسْرِ لَا مِنْ بَابِ نَصَرَ، فَإِنَّهُ مُتَعَدٍّ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِلْمَقَامِ (ثُمَّ نَنْصَرِفُ) أَيْ: نَرْجِعُ وَنَعُودُ (إِلَى مَنَازِلِنَا، فَيَتَلَقَّانَا) مِنَ التَّلَقِّي أَيْ: يَسْتَقْبِلُنَا وَفِي نُسْخَةٍ فَيَلْقَانَا مِنَ اللُّقِيِّ أَيْ: فَيَرَانَا (أَزْوَاجُنَا) أَيْ: مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا وَمِنَ الْحُورِ الْعِينِ ( «فَيَقُلْنَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، لَقَدْ جِئْتَ وَإِنَّ بِكَ مِنَ الْجَمَالِ أَفْضَلَ مِمَّا فَارَقْتَنَا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: إِنَّا جَالَسْنَا الْيَوْمَ رَبَّنَا الْجَبَّارَ، وَيَحِقُّنَا» ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْحَاءِ، فَفِي الْمِصْبَاحِ: حَقَّ الشَّيْءُ كَضَرَبَ وَنَصَرَ - إِذَا ثَبَتَ، وَفِي الْقَامُوسِ: حَقَّ الشَّيْءُ: وَجَبَ وَوَقَعَ بِلَا شَكٍّ، وَحَقَّهُ أَوْجَبَهُ، لَازَمٌ وَمُتَعَدٍّ، فَالْمَعْنَى: يُوجِبُنَا وَيَلْزَمُنَا. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ أَيْ: يَحِقُّ لَنَا وَيَلِيقُ بِنَا (أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا) أَيْ: مِنَ الِانْقِلَابِ، وَهُوَ الِانْصِرَافُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ لِأَثَرِ مُجَالَسَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ، وَمُشَاهَدَتِهِ الْمُنَزَّهَةِ عَنِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وَالِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 7828

٥٦٤٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً، وَتُنْصَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ كَمَا بَيْنَ الْجَابِيَةِ إِلَى صَنْعَاءَ» ". وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: " «وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ يُرَدُّونَ بَنِي ثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ» ". وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: " «إِنَّ عَلَيْهِمُ التِّيجَانَ، أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» ". وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: " «الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يُشْتَهَى» " وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «إِذَا اشْتَهَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ الْوَلَدَ كَانَ فِي سَاعَةٍ، وَلَكِنْ لَا يُشْتَهَى» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الرَّابِعَةَ، وَالدَّارِمِيُّ الْأَخِيرَةَ. ــ ٥٦٤٨ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيْ: أَقَلُّهُمْ خَدَمًا وَنِسَاءً ( «الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ وَاثْنَتَانِ» ) أَيْ: مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا (وَسَبْعُونَ زَوْجَةً) أَيْ

стр. 7829

مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَفِي نُسْخَةٍ اثْنَانِ بِالتَّذْكِيرِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ ذُكِّرَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الزَّوْجَةِ مِنْ لَفْظِ الْحُورِ أَوِ الزَّوْجِ (وَتُنْصَبُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: وَيُضْرَبُ وَيُرْفَعُ لَهُ (قُبَّةٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ) قَالَ الْقَاضِي ﵀: يُرِيدُ أَنَّ الْقُبَّةَ مَعْمُولَةٌ مِنْهَا أَوْ مُكَلَّلَةٌ بِهَا (كَمَا بَيْنَ الْجَابِيَةِ) وَهِيَ مَدِينَةٌ بِالشَّامِ (إِلَى صَنْعَاءَ) وَهِيَ بَلْدَةٌ بِالْيَمَنِ. قَالَ شَارِحٌ: هِيَ قَصَبَةٌ بِالْيَمَنِ، وَقِيلَ: هِيَ أَوَّلُ بَلْدَةٍ بُنِيَتْ بَعْدَ الطُّوفَانِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ فُسْحَةَ الْقُبَّةِ وَسِعَتَهَا طُولًا وَعَرْضًا وَبُعْدَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ - كَمَا بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالضِّيَاءُ، عَنْهُ. (وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ) أَيْ: بِإِسْنَادِ الْوَاصِلِ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا قَالَ أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا. وَفِي الْمَصَابِيحِ، وَبِهِ قَالَ أَيْ: بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ( «قَالَ: أَوْ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ يُرَدُّونَ» ) أَيْ: يَعُودُونَ، وَفِيهِ تَغْلِيبٌ؛ لِأَنَّهُ لَا رَدَّ فِي الصَّغِيرِ، أَوِ الْمَعْنَى يَصِيرُونَ (بَنِي ثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يُرَدُّونَ (لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا) أَيْ: زِيَادَةً مُؤَثِّرَةً فِي تَغَيُّرِ أَبْدَانِهِمْ وَأَعْضَائِهِمْ وَشُعُورِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ، وَإِلَّا فَزَمَانُهُمْ فِي الْجَنَّةِ يَتَزَايَدُ أَبَدَ الْآبِدِينَ (وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ) أَيْ: فِي الْعُمُرِ وَعَدَمِ الزِّيَادَةِ، وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ أَزْمِنَةِ الْأَعْمَالِ لِلْأَبْرَارِ وَالْكُفَّارِ؛ لِيَكُونَ التَّنْعِيمُ وَالْعَذَابُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فِي كُلٍّ مِنْ دَارِ الْبَوَارِ وَدَارِ الْقَرَارِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ فَإِنْ قُلْتَ: مَا التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَابِ الْبُكَاءِ: " صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ " أَيْ: دَاخِلُونَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ مَوْضِعٍ كَمَا فِي الدُّنْيَا؟ قُلْتُ: فِي الْجَنَّةِ ظَرْفٌ لَيُرَدُّونَ، وَهُوَ لَا يُشْعِرُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا دَعَامِيصَ قَبْلَ الرَّدِّ. (وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: " إِنَّ عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى رُءُوسِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (التِّيجَانُ) بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ جَمْعُ تَاجٍ (أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ لَتُضِيءُ) بِالتَّأْنِيثِ فِي النُّسَخِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْمُضَافَ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَالْمَعْنَى لَتُنَوِّرُ (مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) فَأَضَاءَ مُتَعَدٍّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا، وَالتَّقْدِيرُ: لَيُضِيءُ بِهِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْأَمَاكِنِ لَوْ ظَهَرَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا. (وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: " «الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ» ) أَيْ: فَرْضًا وَتَقْدِيرًا (كَانَ حَمْلُهُ) أَيْ: حَمْلُ الْوَلَدِ (وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ) أَيْ: كَمَالُ سِنِّهِ وَهُوَ الثَّلَاثُونَ سَنَةً (فِي سَاعَةٍ) ؛ لِأَنَّ الِانْتِظَارَ أَشَدُّ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَا مَوْتَ فِي الْجَنَّةِ وَلَا حَزَنَ (كَمَا يُشْتَهَى) : مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَنَحْوَ ذَلِكَ. (وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ﵀ أَيِ ابْنُ حَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ: رَوَى عَنْ مَعْمَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ. (فِي هَذَا الْحَدِيثِ) أَيْ: ذُكِرَ فِي بَيَانِ هَذَا الْحَدِيثِ (إِذَا اشْتَهَى) أَوْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَهَى (الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ الْوَلَدَ كَانَ فِي سَاعَةٍ) أَيْ حَصَلَ الْوَلَدُ فِي سَاعَةٍ (لَكِنْ لَا يُشْتَهَى) فَقَوْلُهُ: " وَلَكِنْ " هُوَ الْمَقُولُ حَقِيقَةً (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الرَّابِعَةَ) أَيِ الْفِقْرَةَ الرَّابِعَةَ مِنْ فِقْرَاتِ الْحَدِيثِ (وَالدَّارِمِيُّ الْأَخِيرَةَ) وَهِيَ مَا أَوْرَدَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي تَيْسِيرِ الْوُصُولِ إِلَى جَامِعِ الْأُصُولِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَكُونُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَلَدٌ ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ عَنِ الْخُدْرِيِّ: «إِنِ اشْتَهَى الْوَلَدَ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ» " قَالَ بَعْضُهُمْ: لَكِنْ لَا يُشْتَهَى.

стр. 7830

٥٦٤٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ بِأَصْوَاتٍ لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ مِثْلَهَا، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ» ". (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . ــ ٥٦٤٩ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا» ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ أَيْ: مَوْضِعًا لِلِاجْتِمَاعِ أَوِ اجْتِمَاعًا (لِلْحُورِ الْعِينِ) قَالَ الرَّاغِبُ: الْحُورُ جَمْعُ أَحْوَرَ وَحَوْرَاءَ، وَالْحَوَرُ قِيلَ: ظُهُورُ قَلِيلٍ مِنَ الْبَيَاضِ فِي الْعَيْنِ مِنْ بَيْنِ السَّوَادِ، وَذَلِكَ نِهَايَةُ الْحُسْنِ مِنَ الْعَيْنِ، وَيُقَالُ لِلْبَقْرِ الْوَحْشِيِّ أَعْيَنُ وَعَيْنَاءُ؛ لِحُسْنِ عَيْنِهَا، وَجَمْعِهَا عِينٌ، وَبِهَا شُبِّهَ النِّسَاءُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ - كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٣] وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْحُورُ الْعِينِ خُلِقْنَ مِنْ تَسْبِيحِ الْمَلَائِكَةِ» ". وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْخَطِيبُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " «الْحُورُ الْعِينُ خُلِقْنَ مِنَ الزَّعْفَرَانِ» ". قُلْتُ: وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ؛ لِأَنَّ " مِنْ " تَعْلِيلِيَّةٌ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ. (يَرْفَعْنَ بِأَصْوَاتٍ) الْبَاءُ الزَّائِدَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْدِيَةِ، أَوْ أَرَادَ بِالْأَصْوَاتِ النَّغَمَاتِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيْ: يَرْفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ بِأَنْغَامٍ ( «لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ مِثْلَهَا، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ» ) أَيِ الدَّائِمَاتُ فِي الْغِنَى وَالْمَغْنَى (فَلَا نَبِيدُ) مِنْ بَادَ هَلَكَ وَفَنِيَ، أَيْ: فَلَا نَفْنَى (وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ) أَيِ الْمُتَنَعِّمَاتُ (فَلَا نَبْأَسُ) أَيْ: فَلَا نَصِيرُ فَقِيرَاتٍ وَمُحْتَاجَاتٍ إِلَى غَيْرِ الْمَوْلَى، (وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ) أَيْ: عَنْ رَبِّنَا أَوْ عَنْ أَصْحَابِنَا (فَلَا نَسْخَطُ) : فِي حَالٍ مِنَ الْحَالَاتِ (طُوبَى) أَيِ الْحَالَةُ الطَّيِّبَةُ (لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ) أَيْ: فِي الْجَنَّاتِ الْعَالِيَاتِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 7831

٥٦٥٠ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَحْرُ الْمَاءِ، وَبَحْرُ الْعَسَلِ، وَبَحْرُ اللَّبَنِ، وَبَحْرُ الْخَمْرِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ الْأَنْهَارُ بَعْدُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٥٠ - (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ) أَيِ النُّمَيْرِيِّ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي صُحْبَتِهِ نَظَرٌ، وَرَوَى عَنِ ابْنِ أَخِيهِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَكِيمٍ، وَقَتَادَةَ ﵃ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَحْرُ الْمَاءِ، وَبَحْرُ الْعَسَلِ، وَبَحْرُ اللَّبَنِ، وَبَحْرُ الْخَمْرِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ الْأَنْهَارُ بَعْدُ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُرِيدُ بِالْبَحْرِ مِثْلَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَنَحْوَهُمَا، وَبِالنَّهْرِ مِثْلَ نَهْرِ مَعْقِلٍ حَيْثُ تَشَقَّقَ مِنْ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ مِنْهُ تَشَقَّقُ جَدَاوِلُ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبِحَارِ الْمَذْكُورَةِ هِيَ أُصُولُ الْأَنْهَارِ الْمَسْطُورَةِ فِي الْقُرْآنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] وَقَوْلُهُ: ثُمَّ تَشَقَّقُ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ: تَفْتَرِقُ الْأَنْهَارُ إِلَى الْجَدَاوِلِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْأَنْهَارِ إِلَى بَسَاتِينِ الْأَبْرَارِ وَتَحْتَ قُصُورِ الْأَخْيَارِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالْبِحَارِ هِيَ الْأَنْهَارُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ أَنْهَارًا لِجَرَيَانِهَا بِخِلَافِ بِحَارِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْهَا أَنَّهَا فِي مَحَلِّ الْقَرَارِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ.

стр. 7832

٥٦٥١ - وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ. ــ ٥٦٥١ - (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ أَبَا حَكِيمٍ لَمْ يُعْرَفْ كَوْنُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ السُّيُوطِيَّ ﵀ قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ.

стр. 7833

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٦٥٢ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَنَّةِ لَيَتَّكِئُ فِي الْجَنَّةِ سَبْعِينَ مَسْنَدًا قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ، ثُمَّ تَأْتِيهِ امْرَأَةٌ فَتَضْرِبُ عَلَى مَنْكِبِهِ، فَيَنْظُرُ وَجْهَهُ فِي خَدِّهَا أَصْفَى مِنَ الْمِرْآةِ، وَإِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْهَا تُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيَرُدُّ السَّلَامَ وَيَسْأَلُهَا: مَنْ أَنْتِ؟ تَقُولُ: أَنَا مِنَ الْمَزِيدِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ ثَوْبًا، فَيَنْفُذُهَا بَصَرُهُ حَتَّى يَرَى مُخَّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، وَإِنَّ عَلَيْهَا مِنَ التِّيجَانِ أَنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ مِنْهَا لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٦٥٢ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَنَّةِ) أَيْ: فِي دَارِ الْجَزَاءِ (لَيَتَّكِئُ) أَيْ: لَيَعْتَمِدُ وَيَسْتَنِدُ (فِي الْجَنَّةِ) أَيْ: فِي جَنَّتِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ (سَبْعِينَ مَسْنَدًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُضَمُّ، وَالنُّونُ مَفْتُوحَةٌ لَا غَيْرَ، وَهُوَ مُمَيِّزٌ لِسَبْعِينَ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: عَلَى سَبْعِينَ مَسْنَدًا أَوْ مُتَّكَئًا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، كُلٌّ بِلَوْنٍ وَصِنْفٍ مِنْ أَنْوَاعِ الزِّينَةِ (قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ) أَيْ: مِنْ شِقٍّ إِلَى آخَرَ، وَهُوَ ظَرْفٌ لِيَتَّكِئُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ: " سَبْعِينَ مَسْنَدًا " هَذَا يُرِيدُ قَوْلَ مَنْ فَسَّرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] بِأَنَّهَا مَنْضُودَةٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَقَوْلُهُ: " قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ " ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: " يَأْتِيهِ "، وَلَا يَخْفَى غَرَابَةُ الْأَوَّلِ فِي الْمَعْنَى، وَغَرَابَةُ الثَّانِي فِي الْمَبْنَى، (ثُمَّ تَأْتِيهِ امْرَأَةٌ فَتَضْرِبُ عَلَى مَنْكِبِهِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ مَنْكِبَيْهِ أَيْ: ضَرْبُ الْغَنْجِ وَالدَّلَالِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى مُطَالَعَةِ الْجَمَالِ (فَيَنْظُرُ) أَيْ: فَيُطَالِعُ الرَّجُلُ فَيَرَى (وَجْهَهُ) أَيْ: عَكْسَهُ (فِي خَدِّهَا) أَيْ: مِنْ كَمَالِ صَفَائِهَا وَضِيَائِهَا حَالَ كَوْنِ خَدِّهَا (أَصْفَى مِنَ الْمِرْآةِ) أَيْ: أَنْوَرُ مِنْ جِنْسِ الْمِرْآةِ الْمَعْهُودَةِ فِي الدُّنْيَا، (وَإِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ عَلَى) أَيْ عَلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ (تُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) أَيْ: لَوْ كَانَ فِي الدُّنْيَا (فَتُسَلِّمُ) أَيِ الْمَرْأَةُ (عَلَيْهِ، فَيَرُدُّ السَّلَامَ) أَيْ: عَلَيْهَا ( «وَيَسْأَلُهَا: مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا مِنَ الْمَزِيدِ» ) : يُرَادُ بِهِ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] وَمِنَ الْمَزِيدِ أَفْضَلُهَا مَا قَالَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أَيِ: الْجَنَّةُ وَرُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ زِيَادَةً لِأَنَّ الْحُسْنَى هِيَ الْجَنَّةُ، وَهِيَ مَا وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ جَزَاءً لِأَعْمَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَالزِّيَادَةُ فَضْلٌ عَلَى فَضْلٍ. (وَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (لَيَكُونُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْمَرْأَةِ (سَبْعُونَ ثَوْبًا) ، أَيْ: بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَصْنَافٍ مُؤْتَلِفَةٍ (فَيَنْفُذُهَا) : بِضَمِّ الْفَاءِ أَيْ: يُدْرِكُ لَطَافَةَ بَدَنِ الْمَرْأَةِ (بَصَرُهُ) أَيْ: نَظَرُ الرَّجُلِ (حَتَّى يَرَى مُخَّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ) ، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ أَنْوَاعِ الثِّيَابِ، وَلَمْ يَمْنَعْ بَصَرَ شَيْءٍ مِنَ الْحِجَابِ، (وَإِنَّ عَلَيْهَا مِنَ التِّيجَانِ) أَيِ الْمُرَصَّعَةِ مَا يُقَالُ فِي حَقِّهَا ( «أَنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ فِيهَا تُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» ) وَقِيلَ: " إِنَّ " بِالْكَسْرِ مَزِيدَةٌ، وَاللَّامُ دَاخِلٌ فِي خَبَرِ إِنَّ الْأُولَى نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣] انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مَزِيدَةً تَكُونُ اللَّامُ دَاخِلَةً فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرَ " إِنَّ " الْأُولَى، ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ الثَّانِيَةَ فِي الْآيَةِ غَيْرُ مَزِيدَةٍ، بَلْ لِزِيَادَةِ تَأْكِيدٍ وَمُبَالَغَةٍ فِي النِّسْبَةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 7834

٥٦٥٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَحَدَّثُ - وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ -: «إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ. فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَبَذَرَ، فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ ". فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ! وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٦٥٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَحَدَّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: إِنَّ رَجُلًا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْحِكَايَةِ، فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِفَتْحِهَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ يَتَحَدَّثُ، وَالْجُمْلَةُ بَيْنَهُمَا حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَفْعُولُ يَتَحَدَّثُ عَلَى حِكَايَةِ مَا يَلْفِظُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ رَجُلًا (مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ) أَيْ: بِنَاءً عَلَى مَا تَعَوَّدَهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ لِتَنَزُّهِهِ بِهِ فِي الْعُقْبَى (فَقَالَ) أَيْ رَبُّهُ، وَفِي نُسْخَةٍ فَيُقَالُ لَهُ: ( «أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟» ) أَيْ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ التَّنَعُّمِ (قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَبَذَرَ) الْفَاءُ فَصِيحَةٌ أَيْ: فَأُذِنَ لَهُ فِيهِ فَبَذَرَ أَيْ رَمَى الْبَذْرَ فِي أَرْضِ الْجَنَّةِ (فَبَادَرَ الطَّرْفَ) - بِسُكُونِ الرَّاءِ - تَحْرِيكُ الْجُفُونِ فِي النَّظَرِ أَيْ فَسَابَقَهُ (نَبَاتُهُ) وَالْمَعْنَى: فَحَصَلَ نَبَاتُهُ فِي الْحَالِ، وَكَذَا قَوْلُهُ (وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ مُؤْنَةٍ لِلْحَصَادِ مِنْ جَانِبِ الْعِبَادِ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ (فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ حِينَئِذٍ (دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ) أَيْ خُذْ مَا تَمَنَّيْتَهُ قَالَهُ، فِي سَبِيلِ التَّوْبِيخِ تَهْجِينًا لِمَا الْتَمَسَهُ، وَمِنْ ثَمَّ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ) أَيْ كَثِيرٌ حَتَّى فِي الْجَنَّةِ، وَقَدْ يُوجَدُ فِي تَعَارُفِ النَّاسِ مِثْلُ هَذَا التَّوْبِيخِ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ كُلَّ إِنَاءٍ يَرْشَحُ بِمَا فِيهِ، وَأَنَّ النَّاسَ يَمُوتُونَ كَمَا يَعِيشُونَ، وَيُحْشُرُونَ كَمَا يَمُوتُونَ، أَظْهَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْمَعْنَى فِي لِبَاسِ هَذَا الْمَبْنَى. ( «فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لَا نَجِدُهُ» ) أَيْ هَذَا الرَّجُلُ (إِلَّا قُرَشِيًّا) أَيْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ (أَوْ أَنْصَارِيًّا) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَـ " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ (فَإِنَّهُمْ) أَيْ مَجْمُوعُ الْقَبِيلَتَيْنِ (أَصْحَابُ زَرْعٍ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَنْصَارُ أَكْثَرَ زَرْعًا (فَأَمَّا) بِالْفَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَأَمَّا (نَحْنُ) أَيْ مَعَاشِرَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ (فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ الزَّرْعِ) أَيْ فَلَا نَشْتَهِي مِثْلَ ذَلِكَ (فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ مِنْ فَطَانَةِ الْبَدَوِيِّ، أَوْ مِنْ مَسْأَلَةِ الْخَبْتِيِّ وَجَوَابِهِ الْبَدِيعِيِّ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 7835

٥٦٥٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: " النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَلَا يَمُوتُ أَهْلُ الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) . ــ ٥٦٥٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَلَا يَمُوتُ أَهْلُ الْجَنَّةِ» ) أَيْ فَلَا يَنَامُونَ، وَهَذَا جَوَابٌ بِالدَّلِيلِ الْبُرْهَانِيِّ، وَهُوَ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ، وَأَظْهَرُ فِي اطْمِئْنَانِ الْإِيمَانِ مِنَ الْجَوَابِ الْإِجْمَالِيِّ بِأَنْ قَالَ: لَا. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 7836

[بَابُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى]

стр. 7837

بَابُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٦٥٥ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا» ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا " ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [٦]- بَابُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٦٥٥ - (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ الْبَجَلِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّكُمْ) أَيْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ (سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ) أَيْ سَتُبْصِرُونَهُ فَقَوْلُهُ: (عِيَانًا) بِالْكَسْرِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أَوْ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ إِمَّا مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ، أَيْ مُعَايِنِينَ - بِكَسْرِ الْيَاءِ، أَوْ مُعَايَنًا - بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَالْمُعَايَنَةُ رَفْعُ الْحِجَابِ بَيْنَ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ، فَفِي الْقَامُوسِ: لَقِيَهُ عِيَانًا أَيْ مُعَايَنَةٌ لَمْ يَشُكَّ فِي رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: عِيَانًا أَيْ جَهَارًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَيْنِ الْمَحْسُوسَةِ بِالْعَيْنِ الظَّاهِرَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى مُمْكِنَةٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ عَقْلًا، وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى وُقُوعِهَا فِي الْآخِرَةِ أَيْ نَقْلًا وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى دُونَ الْكَافِرِينَ، وَزَعَمَتْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ وَبَعْضِ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَنَّ رُؤْيَتَهُ مُسْتَحِيلَةٌ عَقْلًا، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَرَوَاهَا نَحْوُ عِشْرِينَ صَحَابِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآيَاتُ الْقُرْآنِ فِيهَا مَشْهُورَةٌ، وَاعْتِرَاضَاتُ الْمُبْتَدِعَةِ عَلَيْهَا لَهَا أَجْوِبَةٌ مَسْطُورَةٌ فِي كُتُبِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَأَمَّا رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَنَّهَا تَقَعُ فِي الدُّنْيَا. وَحَكَى الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ ﵀ تَعَالَى فِي رِسَالَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ، عَنِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ فَوْرَكٍ أَنَّهُ حَكَى فِيهَا قَوْلَيْنِ لِلْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ ﵀ أَحَدُهُمَا: وُقُوعُهَا، وَالثَّانِي: لَا تَقَعُ، ثُمَّ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الرُّؤْيَةَ قُوَّةٌ يَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْأَشِعَّةُ وَلَا مُقَابَلَةُ الْمَرْئِيِّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ جَرَتِ الْعَادَةُ فِي رُؤْيَةِ بَعْضِنَا بَعْضًا بِوُجُودِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاتِّفَاقِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ، وَقَدْ قَرَّرَ أَئِمَّتُنَا الْمُتَكَلِّمُونَ ذَلِكَ بِالدَّلَائِلِ الْجَلِيَّةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِثْبَاتُ جِهَةٍ لَهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، بَلْ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ لَا فِي جِهَةٍ كَمَا يَعْلَمُونَهُ لَا فِي جِهَةٍ. قُلْتُ: كَمَا يَرَانَا هُوَ لَا فِي جِهَةٍ وَلَا مُقَابَلَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُقَاسُ الْغَائِبُ بِالشَّاهِدِ، لَا سِيَّمَا الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ؛ وَلِذَا قِيلَ: لَا يُقَاسُ الْمُلُوكُ بِالْحَدَّادِينَ. (وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ عَنْ جَرِيرٍ (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا) أَيْ جَالِسِينَ ( «عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» ) قَالَ الْأَكْمَلُ: أَيِ الْبَدْرِ الْكَامِلِ، وَسُمِّيَ لَيْلَةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَدْرًا لِمُبَادَرَتِهِ الشَّمْسَ بِالطُّلُوعِ، ( «فَقَالَ: " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ» ) أَيِ: الْمَحْسُوسَ الْمُشَاهَدَ الْمَرْئِيَّ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ وَقَالَ أَوْ ذَكَرَ عَلَى سَبِيلِ بَيَانِ الْحَالِ (لَا تُضَامُونَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، مِنَ الضَّيْمِ وَهُوَ الظُّلْمُ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ الْأَكْثَرُ أَيْ لَا يُظْلَمُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالتَّكْذِيبِ وَالْإِنْكَارِ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، مِنَ التَّضَامُنِ بِمَعْنَى التَّزَاحُمِ، وَفِي أُخْرَى بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ مِنَ الْمُضَامَّةِ، وَهِيَ الْمُزَاحَمَةُ، وَهُوَ حِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، وَحَاصِلُ مَعْنَى الْكُلِّ: لَا تَشُكُّونَ (فِي رُؤْيَتِهِ) أَيْ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ. قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: قَدْ يُخَيَّلُ إِلَى بَعْضِ السَّامِعِينَ أَنَّ الْكَافَ فِي قَوْلِهِ: " كَمَا تَرَوْنَ " كَافُ التَّشْبِيهِ لِلْمَرْئِيِّ، وَإِنَّمَا هُوَ كَافُ التَّشْبِيهِ لِلرُّؤْيَةِ، وَهُوَ فِعْلُ الرَّائِي، وَمَعْنَاهُ: تَرَوْنَ رَبَّكُمْ رُؤْيَةً يَنْزَاحُ مَعَهَا الشَّكُّ، كَرُؤْيَتِكُمُ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تَرْتَابُونَ فِيهِ وَلَا تَمْتَرُونَ. قَالَ: وَلَا تُضَامُونَ، رُوِيَ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنَ الضَّيْمِ: الظُّلْمُ، الْمَعْنَى أَنَّكُمْ تَرَوْنَهُ جَمِيعُكُمْ لَا

стр. 7838

يَظْلِمُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي رُؤْيَتِهِ، فَيَرَاهُ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ، وَبِتَشْدِيدِ الْمِيمِ مِنَ الِانْضِمَامِ بِمَعْنَى الِازْدِحَامِ أَيْ لَا يَزْدَحِمُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي رُؤْيَتِهِ، وَلَا يُضَمُّ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنْ ضِيقٍ، كَمَا يَجْرِي عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ مَثَلًا دُونَ رُؤْيَةِ الْقَمَرِ، فَإِنَّهُ يَرَاهُ كُلٌّ مِنْكُمْ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ مُنْفَرِدًا بِهِ، ( «فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا» ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا تَصِيرُوا مَغْلُوبِينَ ( «عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ أَوْ عَدَمِ الْمَغْلُوبِيَّةِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: تَرْتِيبُ قَوْلِهِ: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ عَلَى قَوْلِهِ: سَتَرَوْنَ بِالْفَاءِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُوَاظِبَ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ وَالْمُحَافِظَ عَلَيْهَا خَلِيقٌ بِأَنْ يَرَى رَبَّهُ، وَقَوْلُهُ: لَا تُغْلَبُوا مَعْنَاهُ لَا تَصِيرُوا مَغْلُوبِينَ بِالِاشْتِغَالِ عَنْ صَلَاتَيِ الصُّبُحِ وَالْعَصْرِ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالْحَثِّ لِمَا فِي الصُّبُحِ مِنْ مَيْلِ النَّفْسِ إِلَى الِاسْتِرَاحَةِ وَالنَّوْمِ، وَفِي الْعَصْرِ مِنْ قِيَامِ الْأَسْوَاقِ وَاشْتِغَالِ النَّاسِ بِالْمُعَامَلَاتِ، فَمَنْ يَلْحَقُهُ فَتْرَةٌ فِي الصَّلَاتَيْنِ مَعَ مَا لَهُمَا مِنْ قُوَّةِ الْمَانِعِ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ لَا تَلْحَقَهُ فِي غَيْرِهِمَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِشْهَادًا أَوْ جَرِيرٌ اعْتِقَادًا وَسَبِّحْ، بِالْعَطْفِ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] أَيْ وَصَلِّ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، وَعَبَّرَ عَنِ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ، وَهُوَ التَّسْبِيحُ الْمُرَادُ بِهِ الثَّنَاءُ فِي الِافْتِتَاحِ الْمَقْرُونِ بِحَمْدِ الرَّبِّ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [طه: ١٣٠] أَيْ سَاعَاتِهِ وَهُوَ الْعِشَاءَانِ فَسَبِّحْ ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] أَيْ طَرَفَيْهِ وَهُوَ وَسَطُهُ يَعْنِي الظُّهْرَ ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠] بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ أَيْ عَلَى رَجَاءِ أَنْ تَكُونَ رَاضِيًا أَوْ مَرْضِيًّا أَوْ جَمْعًا مُثْبَتًا، أَوِ الْمُرَادُ بِالتَّسْبِيحِ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنِ الشَّرِيكِ وَنَحْوِهِ مِنْ صِفَاتِ النُّقْصَانِ وَالزَّوَالِ وَالْحُدُوثِ وَالِانْتِقَالِ، وَالْمُرَادُ بِحَمْدِهِ ثَنَاءُ الْكَمَالِ بِنَعْتِ الْجَمَالِ وَوَصْفِ الْجَلَالِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَةُ عَنْهُ، لَكِنْ بِغَيْرِ قِرَاءَةِ الْآيَةِ.

стр. 7839

٥٦٥٦ - (وَعَنْ صُهَيْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: " فَيُرْفَعُ الْحِجَابُ، فَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ " ثُمَّ تَلَا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] » رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٦٥٦ - (وَعَنْ صُهَيْبٍ) مُصَغَّرًا (عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: تُرِيدُونَ» ) أَيْ أَتُرِيدُونَ (شَيْئًا أَزِيدُكُمْ) أَيْ عَلَى عَطَايَاكُمْ، ( «فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدَخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا» ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَيُخَفَّفُ، أَيْ وَأَلَمْ تَخَلِّصْنَا (مِنَ النَّارِ؟) أَيْ مِنْ دُخُولِهَا وَخُلُودِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: تَقْرِيرٌ وَتَعْجِيبٌ مِنْ أَنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ سَعَةِ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ؟ وَقَوْلُهُ: (فَيُرْفَعُ الْحِجَابُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَرَفْعُ الْحِجَابِ رَفْعٌ لِلتَّعَجُّبِ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: هَذَا هُوَ الْمَزِيدُ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحِجَابِ، فَإِنَّهُ مَحْبُوبٌ غَيْرُ مَحْجُوبٍ، إِذِ الْمَحْجُوبُ مَغْلُوبٌ، فَالْمَعْنَى: فَيُرْفَعُ الْحِجَابُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ( «فَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ» ) ، أَيْ ذَاتِهِ الْمُنَزَّهَةِ عَنِ الصُّورَةِ وَالْجِهَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، ( «فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ، ثُمَّ تَلَا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ [يونس: ٢٦] » ) أَيِ الْعَمَلَ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ أَجَادُوهُ مَقْرُونًا بِالْإِخْلَاصِ (الْحُسْنَى) أَيِ الْمَثُوبَةُ الْحُسْنَى، وَهِيَ الْجَنَّةُ (وَزِيَادَةٌ) . أَيِ النَّظَرُ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَتَنْكِيرُهَا لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ زِيَادَةٌ عَظِيمَةٌ لَا يُعْرَفُ قَدْرُهَا، وَلَا يُكْتَنَهُ كُنْهُهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَإِذَا كَانَ مُفَسِّرُ التَّنْزِيلِ مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ، فَمَنْ تَعَدَّاهُ فَقَدْ تَعَدَّى طَوْرَهُ. أَقُولُ: أَرَادَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيَّ فِي عُدُولِهِ عَنْهُ إِلَى التَّأْوِيلِ، وَكَذَا مَنْ تَبِعَهُ كَالْبَيْضَاوِيِّ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْقِيلِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ الْجَمِيلِ الثَّابِتِ مِمَّنْ نَزَلَ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7840

الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٦٥٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى جِنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً " ثُمَّ قَرَأَ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] » . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٦٥٧ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً» ) أَيْ أَقَلُّهُمْ مَرْتَبَةً ( «لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى جِنَانِهِ» ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ بَسَاتِينِهِ (وَأَزْوَاجِهِ) أَيْ نِسَائِهِ وَحُورِهِ (وَنَعِيمِهِ) أَيْ مَا يَتَنَعَّمُ بِهِ (وَخَدَمِهِ) أَيْ مِنَ الْوِلْدَانِ (وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ) أَيْ حَالَ كَوْنِ جِنَانِهِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا كَائِنَةً فِي مَسَافَةِ أَلْفِ سَنَةٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مُلْكَهُ مِقْدَارُ تِلْكَ الْمَسَافَةِ. قِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِ النَّاظِرِ يَمْلِكُ فِي الْجَنَّةِ مَا يَكُونُ مِقْدَارُهُ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ الْمِلْكِيَّةَ فِي الْجَنَّةِ خِلَافَ مَا فِي الدُّنْيَا. وَفِي التَّرْكِيبِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ؛ إِذْ جُعِلَ الِاسْمُ وَهُوَ قَوْلُهُ: " لَمَنْ يَنْظُرُ " خَبَرًا، أَوِ الْخَبَرُ وَهُوَ " أَدْنَى مَنْزِلَةً " اسْمًا؛ اعْتِنَاءً بِشَأْنِ الْمُقَدَّمِ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ بَيَانُ ثَوَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَسَعَتِهَا، وَأَنَّ أَدْنَاهُمْ مَنْزِلَةً مَنْ يَكُونُ مُلْكُهُ كَذَا، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] خَبَرًا (وَأَكْرَمَهُمْ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى أَدْنَى، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى مَجْمُوعِ اسْمِ إِنَّ وَخَبَرِهَا، أَيْ وَأَكْثَرَهُمْ كَرَامَةً (عَلَى اللَّهِ) وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً وَأَقْرَبُهُمْ رُتْبَةً عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ (مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ) أَيْ ذَاتِهِ (غُدْوَةً) بِضَمِّ الْغَيْنِ (وَعَشِيَّةً) أَيْ صَبَاحًا وَمَسَاءً؛ وَلِهَذَا وَصَّى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى صَلَاتَيْ طَرَفَيِ النَّهَارِ كَمَا مَرَّ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِمَا أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ دَوَامًا عَلَى أَنَّ الْغُدْوَةَ عِبَارَةٌ عَنِ النَّهَارِ وَالْعَشِيَّةُ عِبَارَةٌ عَنِ اللَّيْلِ مَجَازًا بِذِكْرِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ، أَوْ بِذِكْرِ أَوَّلِ الشَّيْءِ وَإِرَادَةِ تَمَامِهِ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّظَرُ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ لَمَا انْتَفَعُوا بِسَائِرِ النَّعِيمِ وَقَدْ خُلِقَتْ لَهُمْ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَدْخُلُونَ عَلَى الْجَبَّارِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، فَيَقْرَأُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَقَدْ جَلَسَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ الَّذِي هُوَ مَجْلِسُهُ عَلَى مَنَابِرِ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ - بِالْأَعْمَالِ - فَلَا تَقَرُّ أَعْيُنُهُمْ قَطُّ كَمَا تَقَرُّ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَسْمَعُوا شَيْئًا أَعْظَمَ مِنْهُ وَلَا أَحْسَنَ مِنْهُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ إِلَى رِجَالِهِمْ وَقُرَّةِ أَعْيُنِهِمْ نَاعِمِينَ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْغَدِ» ". (ثُمَّ قَرَأَ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] أَيْ نَاعِمَةٌ غَضَّةٌ حَسَنَةٌ، وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوهِ الذَّوَاتُ، أَوْ خُصَّتْ لِشَرَفِهَا وَلِظُهُورِ أَثَرِ النِّعْمَةِ عَلَيْهَا ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَدَّمَ صِلَةَ " نَاظِرَةٍ " إِمَّا لِرِعَايَةِ الْفَاصِلَةِ وَهِيَ نَاضِرَةٌ بَاسِرَةٌ فَاقِرَةٌ، وَإِمَّا لِأَنَّ النَّاظِرَ يَسْتَغْرِقُ عِنْدَ رَفْعِ الْحِجَابِ بِحَيْثُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَا سِوَاهُ، وَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ هَذَا وَالْعَارِفُونَ فِي الدُّنْيَا رُبَّمَا اسْتَغْرَقُوا فِي بِحَارِ الْحُبِّ بِحَيْثُ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى الْكَوْنِ؟ وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ، «فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ» . (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ، وَرَوَى هَنَّادٌ فِي الزُّهْدِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلًا: «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا لَرَجُلٌ لَهُ دَارٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا غُرَفُهَا وَأَبْوَابُهَا.»

стр. 7841

٥٦٥٨ - وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَكُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ مُخْلِيًا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " بَلَى ". قَالَ: قُلْتُ: وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: " يَا أَبَا رَزِينٍ، أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ مُخْلِيًا بِهِ؟ " قَالَ: بَلَى. قَالَ: " فَإِنَّمَا هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٥٦٥٨ - (وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ) مُصَغَّرًا ( «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكُلُّنَا» ) أَيْ أَجَمِيعُنَا مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ (يَرَى رَبَّهُ) أَيْ يُبْصِرُونَهُ، وَالْإِفْرَادُ مَنْ يَرَى بِاعْتِبَارِ لَفْظِ " كُلٍّ " (مُخْلِيًا بِهِ) . بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ فَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ فَلَامٍ مَكْسُورَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُخَفَّفَةٍ أَيْ خَالِيًا بِرَبِّهِ بِحَيْثُ لَا يُزَاحِمُهُ شَيْءٌ فِي الرُّؤْيَةِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ؟ وَقِيلَ: بِفَتْحِ

стр. 7842

مِيمٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ، وَأَصْلُهُ مَخْلُوِيٌّ، كَذَا ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ ﵀ وَاقْتَصَرَ ابْنُ الْمَلَكِ عَلَى الثَّانِي، وَالْمَعْنَى: مُنْفَرِدًا بِهِ، فَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: خَلَوْتُ بِهِ وَمَعَهُ وَإِلَيْهِ اخْتَلَيْتُ بِهِ، إِذَا انْفَرَدْتَ بِهِ، أَيْ كُلُّكُمْ يَرَاهُ مُنْفَرِدًا بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: " «لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» ". (قَالَ: " بَلَى) أَيْ نَعَمْ كُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ (قَالَ) أَيْ أَبُو رَزِينٍ (قُلْتُ) وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ (وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟) أَيْ مَا عَلَامَةُ رُؤْيَةِ كُلِّنَا رَبَّهُ بِحَيْثُ لَا يُزَاحِمُهُ شَيْءٌ، وَالْمَعْنَى مَثِّلْ لَنَا ذَلِكَ (فِي خَلْقِهِ) ؟ أَيْ مَخْلُوقَاتِهِ نَظِيرًا لِذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي الدُّنْيَا أُنْمُوذَجًا لِجَمِيعِ مَا فِي الْعُقْبَى. ( «قَالَ: " يَا أَبَا رَزِينٍ، أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ مُخْلِيًا بِهِ؟ " قَالَ: بَلَى» ) أَيْ قُلْتُ: بَلَى (قَالَ: " فَإِنَّمَا هُوَ) أَيِ الْقَمَرُ ( «خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ» ) أَيْ وَيَرَاهُ كُلُّنَا (وَاللَّهُ أَجَلُّ) أَيْ أَكْمَلُ مَرْتَبَةً (وَأَعْظَمُ) أَيْ أَفْضَلُ مَنْقَبَةً وَأَعْلَى قُدْرَةً؛ لِأَنَّهُ وَاجِدُ الْوُجُودِ، فَهُوَ أَوْلَى فِي نَظَرِ الْعَقْلِ بِالشُّهُودِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَاسَ الْقَائِلُ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا فِي الْمُتَعَارَفِ، فَإِنَّ الْجَمَّ الْغَفِيرَ إِذَا رَأَوْا شَيْئًا يَتَفَاوَتُونَ فِي الرُّؤْيَةِ، لَا سِيَّمَا شَيْئًا لَهُ نَوْعُ خَفَاءٍ، فَيَهِيمُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ بِالِازْدِحَامِ، فَمِنْ رَاءٍ يَرَى رُؤْيَةً كَامِلَةً وَرَاءٍ دُونَهَا، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: مُخْلِيًا إِثْبَاتُ كَمَالِهَا، وَلِذَا طَابَقَ الْجَوَابَ بِالتَّشْبِيهِ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا بِالْهِلَالِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 7843

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٦٥٩ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٦٥٩ - (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟» أَيْ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ (قَالَ: " نُورٌ) أَيْ هُوَ نُورٌ عَظِيمٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ نُورُ الْأَنْوَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] أَيْ مُنَوِّرُهَا وَمُظْهِرُ أَنْوَارِ مَا فِيهِمَا مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ النُّورُ، وَهُوَ الَّذِي ظَاهِرٌ بِنَفْسِهِ، وَمُظْهِرٌ لِغَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ (أَنَّى) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى مَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، أَيْ كَيْفَ (أَرَاهُ) أَيْ أُبْصِرُهُ، فَإِنَّ كَمَالَ النُّورِ يَمْنَعُ الْإِدْرَاكَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ نُورَانِيٌّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ لِلنِّسْبَةِ لِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ لِلْمُبَالَغَةِ كَالرَّبَّانِيِّ، وَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ: أَرَاهُ بِمَعْنَى أَظُنُّهُ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الرَّأْيِ، فَلَوْ قُرِئَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ لَكَانَ أَظْهَرَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى أُبْصِرُهُ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ مَا رَآهُ فِي الدُّنْيَا، وَسَيَرَاهُ فِي الْأُخْرَى، أَوْ مُرَادُهُ أَبْصَرْتُهُ، وَالْعُدُولُ إِلَى الِاسْتِقْبَالِ لِحِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ، فَكَأَنَّهُ يَسْتَحْضِرُهُ وَيَتَلَذَّذُ بِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اخْتُلِفَ فِي رُؤْيَتِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ، فَيَكُونُ اسْتِفْهَامًا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ. وَرُوِيَ بِكَسْرِ النُّونِ، فَيَكُونُ دَلِيلًا لِلْمُثْبِتِينَ، وَيَكُونُ حِكَايَةً عَنِ الْمَاضِي بِالْحَالِ، انْتَهَى. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي قَوْلِهِ: نُورَانِيٌّ أَرَاهُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ. يَعْنِي عَلَى طَرِيقِ الْإِيجَابِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَرَادَ لَيْسَ الِاسْتِفْهَامُ عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ الْمُسْتَفِيدِ لِلنَّفْيِ، بَلْ لِلتَّقْرِيرِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْإِيجَابِ أَيْ نُورٌ حَيْثُ أَرَاهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: " رَأَيْتُ نُورًا أَنَّى " بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ، هَكَذَا رَوَاهُ جَمِيعُ الرُّوَاةِ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ، وَمَعْنَاهُ حِجَابُهُ نُورٌ، فَكَيْفَ أَرَاهُ؟ قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ أَنَّ النُّورَ مَنَعَنِي مِنَ الرُّؤْيَةِ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ، فَإِنَّ كَمَالَ النُّورِ يَمْنَعُ الْإِدْرَاكَ، وَرُوِيَ " نُورَانِيٌّ " مَنْسُوبٌ إِلَى النُّورِ، وَمَا جَاءَ مِنْ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالنُّورِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفاتحة: ٣٥ - ٣٣٦٩١] وَفِي الْأَحَادِيثِ مَعْنَاهُ ذُو نُورٍ أَوْ مُنَوِّرُهُمَا، وَقِيلَ هَادِي أَهْلِهِمَا، وَقِيلَ مُنَوِّرُ قُلُوبَ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7844

٥٦٦٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ « ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١١ - ١٣] قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: «رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قَالَ: وَيْحَكَ! ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ، وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ.» ــ ٥٦٦٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أَيْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١١ - ١٣] قَالَ أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ: ( «رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ» ) . قَالَ صَاحِبُ الْمَدَارِكِ أَيْ مَا كَذَبَ فُؤَادُ مُحَمَّدٍ مَا رَآهُ بِبَصَرِهِ مِنْ صُورَةِ جِبْرِيلَ ﵊، أَيْ مَا قَالَ فُؤَادُهُ لَمَّا رَآهُ لَمْ أَعْرِفْكَ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَكَانَ كَاذِبًا؛ لِأَنَّهُ عَرَفَ، يَعْنِي: أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ وَعَرَفَهَ بِقَلْبِهِ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي أَنَّ مَا رَآهُ حَقٌّ، وَقِيلَ: الْمَرْئِيُّ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَآهُ بِعَيْنِ رَأْسِهِ، وَقِيلَ بِقَلْبِهِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ، وَهَذَا الَّذِي قَالَ هُوَ مَذْهَبُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ ﵊ رَأَى رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ دُونَ عَيْنِهِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيُّ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ ﵏: هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَإِبْرَاهِيمُ التَّمِيمِيُّ: رَآهُ بِقَلْبِهِ، وَعَلَى هَذَا رَأَى بِقَلْبِهِ رَبَّهُ رُؤْيَةً صَحِيحَةً، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بَصَرَهُ فِي فُؤَادِهِ، أَوْ خَلَقَ لِفُؤَادِهِ بَصَرًا حَتَّى رَأَى رَبَّهُ رُؤْيَةً صَحِيحَةً كَمَا يَرَى بِالْعَيْنِ. قُلْتُ: هَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، وَوَجْهٌ مُسْتَحْسَنٌ يُمْكِنُ بِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقَاتِ الْأَقْوَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ. ثُمَّ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَمَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ رَأَى بِعَيْنِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَنَسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: إِنَّ الْفُؤَادَ رَأَى شَيْئًا فَصَدَقَ فِيهِ، وَ " مَا رَأَى " فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ أَيْ: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَرْئِيَّهُ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ هَلْ رَأَى نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ؟ فَأَنْكَرَتْهُ عَائِشَةُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَأَى بِعَيْنِهِ، وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَكَعْبٍ وَالْحَسَنِ، كَانَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَحُكِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَحَكَى أَصْحَابُ الْمَقَالَاتِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، أَنَّهُ رَآهُ، وَوَقَفَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا. وَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ، وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ، وَرُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا جَائِزَةٌ، وَاخْتَلَفُوا أَنَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ كَلَّمَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَمْ لَا؟ فَحُكِيَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَقَوْمٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، أَنَّهُ كَلَّمَهُ وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الدُّنُوَّ وَالتَّدَلِّيَ مُنْقَسِمٌ مَا بَيْنَ جِبْرِيلَ وَالنَّبِيِّ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُ دُنُوٌّ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى رَبِّهِ تَعَالَى، أَوْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ ﵊، وَالدُّنُوُّ وَالتَّدَلِّي عَلَى هَذَا مُتَأَوَّلٌ لَيْسَ عَلَى وَجْهٍ. قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ: الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ لَا حَدَّ لَهُ، وَمِنَ الْعِبَادِ بِالْحُدُودِ، فَدُنُوُّهُ ﵊ مِنْ رَبِّهِ قُرْبُهُ مِنْهُ، وَظُهُورُ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ لَدَيْهِ، وَإِشْرَاقُ أَنْوَارِ مَعْرِفَتِهِ عَلَيْهِ، وَإِطْلَاعُهُ عَلَى أَسْرَارِ مَلَكُوتِهِ وَغَيْبِهِ بِمَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ سِوَاهُ، وَالدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ إِظْهَارُ ذَلِكَ لَهُ وَإِيصَالُ عَظِيمِ بِرِّهِ وَفَضْلِهِ إِلَيْهِ، وَقَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى عَلَى هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ لُطْفِ الْمَحَلِّ وَإِيضَاحِ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِشْرَافِ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنَ اللَّهِ إِجَابَةُ الرَّغْبَةِ وَإِنَابَةُ الرُّتْبَةِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِكَايَةً عَنْ رَبِّهِ: " «مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا» " هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ ﵀. وَقَدْ أَوْرَدْتُ بَعْضَ الْفَوَائِدِ مِنْ هَذِهِ الرِّيَاضِ فِي رِسَالَتَيْنِ الْمِدْرَاجِ لِلْمِعْرَاجِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7845

(وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ: (رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ) أَيْ بِفُؤَادِهِ؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: أَيْ بِعَيْنِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْإِطْلَاقِ الْمُلَائِمِ لِمَا بَعْدَهُ مِنَ السُّؤَالِ، وَإِلَّا فَرُؤْيَةُ الْفُؤَادِ غَيْرُ مُنْكَرَةٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْكَمَالِ، وَلَا يَعْتَرِي عَلَيْهَا اعْتِرَاضٌ نَقْلًا وَلَا عَقْلًا فِي كُلِّ حَالٍ. (قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قَالَ - أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ -: (وَيْحَكَ!) كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الشَّفَقَةِ وَحَالَ خَوْفِ الْمَزْلَقَةِ (ذَاكَ) أَيِ الْإِدْرَاكُ الْكُلِّيُّ (إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ) أَيِ الْخَالِصِ (الَّذِي هُوَ نُورُهُ) أَيِ الذَّاتِيُّ، وَهَذَا الْجَوَابُ بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ أَرَادَ الرُّؤْيَةَ بِالْفُؤَادِ، وَفَهِمَ عِكْرِمَةُ خِلَافَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ رُؤْيَتَهُ بِالْعَيْنِ " هِيَ فِي الْآخِرَةِ بِالتَّجَلِّي الْخَاصِّ الْكَامِلِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، لَكِنْ عَلَى قَدْرِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَعَدَلَا كِلَاهُمَا عَنِ الْمَعْنَى الْمَشْهُورِ فِي الْإِدْرَاكِ، وَهُوَ الْإِحَاطَةُ الْمَنْفِيَّةُ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ يَعْنِي دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُحِيطُ بِهِ وَبِحَقِيقَةِ ذَاتِهِ حَاسَّةُ الْأَبْصَارِ، وَهَذَا إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ وَظَهَرَ بِصِفَةِ الْجَلَالِ، وَأَمَّا إِذَا تَجَلَّى مِمَّا يَسَعُهُ نِطَاقُ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ صِفَاتِ الْجَمَالِ فَلَا اسْتِبْعَادَ إِذَنْ، انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ: فَهِمَ عِكْرِمَةُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ، أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ بِمُسَاعَدَةِ فُؤَادِهِ، فَذَلِكَ تَمَسُّكٌ بِالْآيَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ بِالْفُؤَادِ جَلِيَّةً كَالرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ لَمْ يَتَّجِهِ السُّؤَالُ بِالْآيَةِ، إِلَّا أَنْ تُحْمَلَ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْإِدْرَاكِ الَّذِي يَكُونُ كَالْإِدْرَاكِ الْبَصَرِيِّ فِي الْجَلَاءِ، وَإِنَّمَا خَصَّ ذِكْرَ الْبَصَرِ لِأَنَّ مَحَلَّ الْإِدْرَاكِ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ سُؤَالَ عِكْرِمَةَ كَانَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ - كَمَا هُوَ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ - لَا عَلَى قَوْلِهِ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ، كَمَا هُوَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَحِينَئِذٍ لَا إِشْكَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَمَعْنَى جَوَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، اضْمَحَلَّ الْإِدْرَاكُ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ تَجَلَّى عَلَى قَدْرِ مَا يَفِي بِإِدْرَاكِهِ الْقُوَّةُ الْبَشَرِيَّةُ، فَإِنَّهُ يُدْرَكُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، أَوْ مُرَّةً بِفُؤَادِهِ وَمَرَّةً بِعَيْنِهِ، إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ مَرَّتَيْنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَرِيحُ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ رُؤْيَةُ رَبِّهِ بِعَيْنِ الْبَصَرِ. وَأَمَّا صَاحِبُ التَّحْرِيرِ، فَإِنَّهُ اخْتَارَ إِثْبَاتَ الرُّؤْيَةِ فَقَالَ: الْجَمْعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً، لَكُنَّا لَا نَتَمَسَّكُ إِلَّا بِالْأَقْوَى. مِنْهَا «حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الْخُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ ﵊، وَالْكَلَامُ لِمُوسَى ﵊، وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ » - قُلْتُ: لَيْسَ فِي كَلَامِهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرُّؤْيَةُ الْبَصَرِيَّةُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رُؤْيَةُ الْبَصِيرَةِ مِنْ خَصَائِصِهِ أَيْضًا، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ لَا يَكُونَ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُصِفَتِ الْخُلَّةُ وَنُعِتَ الْكَلَامُ، مَعَ أَنَّهُمَا ثَابِتَانِ لَهُ ﵊ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ الْأَعْلَامُ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَبْرِ الْأُمَّةِ، وَالْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ فِي الْمُعْضِلَاتِ، وَقَدْ رَاجَعَهُ ابْنُ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ رَبَّهُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَآهُ. قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَكَذَا سُؤَالُ عِكْرِمَةَ نَاشِئًا عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] هَلِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى جِبْرِيلَ أَوْ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَآهُ أَيْ بِفُؤَادِهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: وَلَا يَقْدَحُ فِي هَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ لِأَنَّهَا لَمْ تُخْبِرْ أَنَّهَا سَمِعَتْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: أَرَى رَبِّي. قَلْتُ: وَكَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ رَبِّي مُطْلَقًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِعَيْنِ الْبَصَرِ. قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرَتْ مَا ذَكَرَتْ مُتَأَوِّلَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٥١] الْآيَةَ، وَلِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قُلْتُ: هَاتَانِ الْآيَتَانِ سَنَدَانِ لِمَنْعِهِمَا عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَيْضًا مُتَأَوِّلٌ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مُتَأَمِّلٍ. قَالَ: وَإِذَا صَحَّتِ الرِّوَايَاتُ.
следующие страницы →