← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

٥٦٥٨ - وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَكُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ مُخْلِيًا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " بَلَى ". قَالَ: قُلْتُ: وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: " يَا أَبَا رَزِينٍ، أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ مُخْلِيًا بِهِ؟ " قَالَ: بَلَى. قَالَ: " فَإِنَّمَا هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٥٦٥٨ - (وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ) مُصَغَّرًا ( «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكُلُّنَا» ) أَيْ أَجَمِيعُنَا مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ (يَرَى رَبَّهُ) أَيْ يُبْصِرُونَهُ، وَالْإِفْرَادُ مَنْ يَرَى بِاعْتِبَارِ لَفْظِ " كُلٍّ " (مُخْلِيًا بِهِ) . بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ فَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ فَلَامٍ مَكْسُورَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُخَفَّفَةٍ أَيْ خَالِيًا بِرَبِّهِ بِحَيْثُ لَا يُزَاحِمُهُ شَيْءٌ فِي الرُّؤْيَةِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ؟ وَقِيلَ: بِفَتْحِ

стр. 7842

مِيمٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ، وَأَصْلُهُ مَخْلُوِيٌّ، كَذَا ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ ﵀ وَاقْتَصَرَ ابْنُ الْمَلَكِ عَلَى الثَّانِي، وَالْمَعْنَى: مُنْفَرِدًا بِهِ، فَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: خَلَوْتُ بِهِ وَمَعَهُ وَإِلَيْهِ اخْتَلَيْتُ بِهِ، إِذَا انْفَرَدْتَ بِهِ، أَيْ كُلُّكُمْ يَرَاهُ مُنْفَرِدًا بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: " «لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» ". (قَالَ: " بَلَى) أَيْ نَعَمْ كُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ (قَالَ) أَيْ أَبُو رَزِينٍ (قُلْتُ) وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ (وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟) أَيْ مَا عَلَامَةُ رُؤْيَةِ كُلِّنَا رَبَّهُ بِحَيْثُ لَا يُزَاحِمُهُ شَيْءٌ، وَالْمَعْنَى مَثِّلْ لَنَا ذَلِكَ (فِي خَلْقِهِ) ؟ أَيْ مَخْلُوقَاتِهِ نَظِيرًا لِذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي الدُّنْيَا أُنْمُوذَجًا لِجَمِيعِ مَا فِي الْعُقْبَى. ( «قَالَ: " يَا أَبَا رَزِينٍ، أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ مُخْلِيًا بِهِ؟ " قَالَ: بَلَى» ) أَيْ قُلْتُ: بَلَى (قَالَ: " فَإِنَّمَا هُوَ) أَيِ الْقَمَرُ ( «خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ» ) أَيْ وَيَرَاهُ كُلُّنَا (وَاللَّهُ أَجَلُّ) أَيْ أَكْمَلُ مَرْتَبَةً (وَأَعْظَمُ) أَيْ أَفْضَلُ مَنْقَبَةً وَأَعْلَى قُدْرَةً؛ لِأَنَّهُ وَاجِدُ الْوُجُودِ، فَهُوَ أَوْلَى فِي نَظَرِ الْعَقْلِ بِالشُّهُودِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَاسَ الْقَائِلُ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا فِي الْمُتَعَارَفِ، فَإِنَّ الْجَمَّ الْغَفِيرَ إِذَا رَأَوْا شَيْئًا يَتَفَاوَتُونَ فِي الرُّؤْيَةِ، لَا سِيَّمَا شَيْئًا لَهُ نَوْعُ خَفَاءٍ، فَيَهِيمُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ بِالِازْدِحَامِ، فَمِنْ رَاءٍ يَرَى رُؤْيَةً كَامِلَةً وَرَاءٍ دُونَهَا، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: مُخْلِيًا إِثْبَاتُ كَمَالِهَا، وَلِذَا طَابَقَ الْجَوَابَ بِالتَّشْبِيهِ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا بِالْهِلَالِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 7843

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٦٥٩ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٦٥٩ - (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟» أَيْ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ (قَالَ: " نُورٌ) أَيْ هُوَ نُورٌ عَظِيمٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ نُورُ الْأَنْوَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] أَيْ مُنَوِّرُهَا وَمُظْهِرُ أَنْوَارِ مَا فِيهِمَا مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ النُّورُ، وَهُوَ الَّذِي ظَاهِرٌ بِنَفْسِهِ، وَمُظْهِرٌ لِغَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ (أَنَّى) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى مَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، أَيْ كَيْفَ (أَرَاهُ) أَيْ أُبْصِرُهُ، فَإِنَّ كَمَالَ النُّورِ يَمْنَعُ الْإِدْرَاكَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ نُورَانِيٌّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ لِلنِّسْبَةِ لِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ لِلْمُبَالَغَةِ كَالرَّبَّانِيِّ، وَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ: أَرَاهُ بِمَعْنَى أَظُنُّهُ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الرَّأْيِ، فَلَوْ قُرِئَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ لَكَانَ أَظْهَرَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى أُبْصِرُهُ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ مَا رَآهُ فِي الدُّنْيَا، وَسَيَرَاهُ فِي الْأُخْرَى، أَوْ مُرَادُهُ أَبْصَرْتُهُ، وَالْعُدُولُ إِلَى الِاسْتِقْبَالِ لِحِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ، فَكَأَنَّهُ يَسْتَحْضِرُهُ وَيَتَلَذَّذُ بِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اخْتُلِفَ فِي رُؤْيَتِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ، فَيَكُونُ اسْتِفْهَامًا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ. وَرُوِيَ بِكَسْرِ النُّونِ، فَيَكُونُ دَلِيلًا لِلْمُثْبِتِينَ، وَيَكُونُ حِكَايَةً عَنِ الْمَاضِي بِالْحَالِ، انْتَهَى. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي قَوْلِهِ: نُورَانِيٌّ أَرَاهُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ. يَعْنِي عَلَى طَرِيقِ الْإِيجَابِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَرَادَ لَيْسَ الِاسْتِفْهَامُ عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ الْمُسْتَفِيدِ لِلنَّفْيِ، بَلْ لِلتَّقْرِيرِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْإِيجَابِ أَيْ نُورٌ حَيْثُ أَرَاهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: " رَأَيْتُ نُورًا أَنَّى " بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ، هَكَذَا رَوَاهُ جَمِيعُ الرُّوَاةِ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ، وَمَعْنَاهُ حِجَابُهُ نُورٌ، فَكَيْفَ أَرَاهُ؟ قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ أَنَّ النُّورَ مَنَعَنِي مِنَ الرُّؤْيَةِ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ، فَإِنَّ كَمَالَ النُّورِ يَمْنَعُ الْإِدْرَاكَ، وَرُوِيَ " نُورَانِيٌّ " مَنْسُوبٌ إِلَى النُّورِ، وَمَا جَاءَ مِنْ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالنُّورِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفاتحة: ٣٥ - ٣٣٦٩١] وَفِي الْأَحَادِيثِ مَعْنَاهُ ذُو نُورٍ أَوْ مُنَوِّرُهُمَا، وَقِيلَ هَادِي أَهْلِهِمَا، وَقِيلَ مُنَوِّرُ قُلُوبَ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7844

٥٦٦٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ « ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١١ - ١٣] قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: «رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قَالَ: وَيْحَكَ! ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ، وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ.» ــ ٥٦٦٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أَيْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١١ - ١٣] قَالَ أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ: ( «رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ» ) . قَالَ صَاحِبُ الْمَدَارِكِ أَيْ مَا كَذَبَ فُؤَادُ مُحَمَّدٍ مَا رَآهُ بِبَصَرِهِ مِنْ صُورَةِ جِبْرِيلَ ﵊، أَيْ مَا قَالَ فُؤَادُهُ لَمَّا رَآهُ لَمْ أَعْرِفْكَ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَكَانَ كَاذِبًا؛ لِأَنَّهُ عَرَفَ، يَعْنِي: أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ وَعَرَفَهَ بِقَلْبِهِ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي أَنَّ مَا رَآهُ حَقٌّ، وَقِيلَ: الْمَرْئِيُّ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَآهُ بِعَيْنِ رَأْسِهِ، وَقِيلَ بِقَلْبِهِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ، وَهَذَا الَّذِي قَالَ هُوَ مَذْهَبُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ ﵊ رَأَى رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ دُونَ عَيْنِهِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيُّ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ ﵏: هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَإِبْرَاهِيمُ التَّمِيمِيُّ: رَآهُ بِقَلْبِهِ، وَعَلَى هَذَا رَأَى بِقَلْبِهِ رَبَّهُ رُؤْيَةً صَحِيحَةً، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بَصَرَهُ فِي فُؤَادِهِ، أَوْ خَلَقَ لِفُؤَادِهِ بَصَرًا حَتَّى رَأَى رَبَّهُ رُؤْيَةً صَحِيحَةً كَمَا يَرَى بِالْعَيْنِ. قُلْتُ: هَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، وَوَجْهٌ مُسْتَحْسَنٌ يُمْكِنُ بِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقَاتِ الْأَقْوَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ. ثُمَّ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَمَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ رَأَى بِعَيْنِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَنَسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: إِنَّ الْفُؤَادَ رَأَى شَيْئًا فَصَدَقَ فِيهِ، وَ " مَا رَأَى " فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ أَيْ: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَرْئِيَّهُ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ هَلْ رَأَى نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ؟ فَأَنْكَرَتْهُ عَائِشَةُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَأَى بِعَيْنِهِ، وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَكَعْبٍ وَالْحَسَنِ، كَانَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَحُكِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَحَكَى أَصْحَابُ الْمَقَالَاتِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، أَنَّهُ رَآهُ، وَوَقَفَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا. وَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ، وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ، وَرُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا جَائِزَةٌ، وَاخْتَلَفُوا أَنَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ كَلَّمَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَمْ لَا؟ فَحُكِيَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَقَوْمٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، أَنَّهُ كَلَّمَهُ وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الدُّنُوَّ وَالتَّدَلِّيَ مُنْقَسِمٌ مَا بَيْنَ جِبْرِيلَ وَالنَّبِيِّ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُ دُنُوٌّ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى رَبِّهِ تَعَالَى، أَوْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ ﵊، وَالدُّنُوُّ وَالتَّدَلِّي عَلَى هَذَا مُتَأَوَّلٌ لَيْسَ عَلَى وَجْهٍ. قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ: الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ لَا حَدَّ لَهُ، وَمِنَ الْعِبَادِ بِالْحُدُودِ، فَدُنُوُّهُ ﵊ مِنْ رَبِّهِ قُرْبُهُ مِنْهُ، وَظُهُورُ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ لَدَيْهِ، وَإِشْرَاقُ أَنْوَارِ مَعْرِفَتِهِ عَلَيْهِ، وَإِطْلَاعُهُ عَلَى أَسْرَارِ مَلَكُوتِهِ وَغَيْبِهِ بِمَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ سِوَاهُ، وَالدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ إِظْهَارُ ذَلِكَ لَهُ وَإِيصَالُ عَظِيمِ بِرِّهِ وَفَضْلِهِ إِلَيْهِ، وَقَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى عَلَى هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ لُطْفِ الْمَحَلِّ وَإِيضَاحِ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِشْرَافِ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنَ اللَّهِ إِجَابَةُ الرَّغْبَةِ وَإِنَابَةُ الرُّتْبَةِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِكَايَةً عَنْ رَبِّهِ: " «مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا» " هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ ﵀. وَقَدْ أَوْرَدْتُ بَعْضَ الْفَوَائِدِ مِنْ هَذِهِ الرِّيَاضِ فِي رِسَالَتَيْنِ الْمِدْرَاجِ لِلْمِعْرَاجِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7845

(وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ: (رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ) أَيْ بِفُؤَادِهِ؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: أَيْ بِعَيْنِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْإِطْلَاقِ الْمُلَائِمِ لِمَا بَعْدَهُ مِنَ السُّؤَالِ، وَإِلَّا فَرُؤْيَةُ الْفُؤَادِ غَيْرُ مُنْكَرَةٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْكَمَالِ، وَلَا يَعْتَرِي عَلَيْهَا اعْتِرَاضٌ نَقْلًا وَلَا عَقْلًا فِي كُلِّ حَالٍ. (قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قَالَ - أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ -: (وَيْحَكَ!) كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الشَّفَقَةِ وَحَالَ خَوْفِ الْمَزْلَقَةِ (ذَاكَ) أَيِ الْإِدْرَاكُ الْكُلِّيُّ (إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ) أَيِ الْخَالِصِ (الَّذِي هُوَ نُورُهُ) أَيِ الذَّاتِيُّ، وَهَذَا الْجَوَابُ بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ أَرَادَ الرُّؤْيَةَ بِالْفُؤَادِ، وَفَهِمَ عِكْرِمَةُ خِلَافَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ رُؤْيَتَهُ بِالْعَيْنِ " هِيَ فِي الْآخِرَةِ بِالتَّجَلِّي الْخَاصِّ الْكَامِلِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، لَكِنْ عَلَى قَدْرِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَعَدَلَا كِلَاهُمَا عَنِ الْمَعْنَى الْمَشْهُورِ فِي الْإِدْرَاكِ، وَهُوَ الْإِحَاطَةُ الْمَنْفِيَّةُ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ يَعْنِي دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُحِيطُ بِهِ وَبِحَقِيقَةِ ذَاتِهِ حَاسَّةُ الْأَبْصَارِ، وَهَذَا إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ وَظَهَرَ بِصِفَةِ الْجَلَالِ، وَأَمَّا إِذَا تَجَلَّى مِمَّا يَسَعُهُ نِطَاقُ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ صِفَاتِ الْجَمَالِ فَلَا اسْتِبْعَادَ إِذَنْ، انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ: فَهِمَ عِكْرِمَةُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ، أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ بِمُسَاعَدَةِ فُؤَادِهِ، فَذَلِكَ تَمَسُّكٌ بِالْآيَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ بِالْفُؤَادِ جَلِيَّةً كَالرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ لَمْ يَتَّجِهِ السُّؤَالُ بِالْآيَةِ، إِلَّا أَنْ تُحْمَلَ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْإِدْرَاكِ الَّذِي يَكُونُ كَالْإِدْرَاكِ الْبَصَرِيِّ فِي الْجَلَاءِ، وَإِنَّمَا خَصَّ ذِكْرَ الْبَصَرِ لِأَنَّ مَحَلَّ الْإِدْرَاكِ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ سُؤَالَ عِكْرِمَةَ كَانَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ - كَمَا هُوَ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ - لَا عَلَى قَوْلِهِ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ، كَمَا هُوَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَحِينَئِذٍ لَا إِشْكَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَمَعْنَى جَوَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، اضْمَحَلَّ الْإِدْرَاكُ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ تَجَلَّى عَلَى قَدْرِ مَا يَفِي بِإِدْرَاكِهِ الْقُوَّةُ الْبَشَرِيَّةُ، فَإِنَّهُ يُدْرَكُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، أَوْ مُرَّةً بِفُؤَادِهِ وَمَرَّةً بِعَيْنِهِ، إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ مَرَّتَيْنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَرِيحُ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ رُؤْيَةُ رَبِّهِ بِعَيْنِ الْبَصَرِ. وَأَمَّا صَاحِبُ التَّحْرِيرِ، فَإِنَّهُ اخْتَارَ إِثْبَاتَ الرُّؤْيَةِ فَقَالَ: الْجَمْعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً، لَكُنَّا لَا نَتَمَسَّكُ إِلَّا بِالْأَقْوَى. مِنْهَا «حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الْخُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ ﵊، وَالْكَلَامُ لِمُوسَى ﵊، وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ » - قُلْتُ: لَيْسَ فِي كَلَامِهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرُّؤْيَةُ الْبَصَرِيَّةُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رُؤْيَةُ الْبَصِيرَةِ مِنْ خَصَائِصِهِ أَيْضًا، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ لَا يَكُونَ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُصِفَتِ الْخُلَّةُ وَنُعِتَ الْكَلَامُ، مَعَ أَنَّهُمَا ثَابِتَانِ لَهُ ﵊ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ الْأَعْلَامُ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَبْرِ الْأُمَّةِ، وَالْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ فِي الْمُعْضِلَاتِ، وَقَدْ رَاجَعَهُ ابْنُ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ رَبَّهُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَآهُ. قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَكَذَا سُؤَالُ عِكْرِمَةَ نَاشِئًا عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] هَلِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى جِبْرِيلَ أَوْ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَآهُ أَيْ بِفُؤَادِهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: وَلَا يَقْدَحُ فِي هَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ لِأَنَّهَا لَمْ تُخْبِرْ أَنَّهَا سَمِعَتْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: أَرَى رَبِّي. قَلْتُ: وَكَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ رَبِّي مُطْلَقًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِعَيْنِ الْبَصَرِ. قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرَتْ مَا ذَكَرَتْ مُتَأَوِّلَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٥١] الْآيَةَ، وَلِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قُلْتُ: هَاتَانِ الْآيَتَانِ سَنَدَانِ لِمَنْعِهِمَا عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَيْضًا مُتَأَوِّلٌ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مُتَأَمِّلٍ. قَالَ: وَإِذَا صَحَّتِ الرِّوَايَاتُ.

стр. 7846

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى إِثْبَاتِهَا، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَيُؤْخَذُ بِالظَّنِّ، وَإِنَّمَا يُتَلَقَّى بِالسَّمَاعِ وَلَا يَسْتَجِيرُ أَحَدٌ أَنْ يَظُنَّ بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالظَّنِّ وَالِاجْتِهَادِ. قُلْتُ: الرُّؤْيَةُ بِبَصَرِ الْعَيْنِ غَيْرُ مُصَرَّحَةٍ عَنْهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْآيَةِ التَّسْلِيمُ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ نَشَأَ مِنْ بَابِ اجْتِهَادِهِ وَأَخْذِهِ مِنْ إِطْلَاقِ الْآيَةِ. قَالَ: وَقَدْ قَالَ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ حِينَ ذَكَرَ اخْتِلَافَ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: عَائِشَةُ مَا عِنْدَنَا بِأَعْلَمَ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قُلْتُ: هَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْمُنَاقَشَةِ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً تَامَّةً، مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُنْفَرِدَةً فِي هَذَا الْبَابِ، بَلْ يُوَافِقُهَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَصْحَابِ، ثُمَّ عَلَى تَقْدِيرِ التَّعَارُضِ وَتَسَاقُطِ التَّنَاقُضِ يَثْبُتُ كَلَامُهَا وَيَتَحَقَّقُ مَرَامُهَا. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَثْبَتَ شَيْئًا نَفَاهُ غَيْرُهُ، وَالْمُثْبَتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. قُلْتُ: هَذَا إِذَا كَانَ الْإِثْبَاتُ مُسْتَنِدًا إِلَى حَسَنٍ، وَإِلَّا فَمِنْ آدَابِ الْبَحْثِ أَنَّ كَلَامَ الْمَانِعِ مُعْتَبَرٌ، لَا سِيَّمَا مَعَ سَنَدِ الْمَنْعِ، حَتَّى يَأْتِيَ الْخَصْمُ بِبُرْهَانٍ جَلِيٍّ، إِذِ الْأَصْلُ هُوَ الْعَدَمُ، فَالْوُجُودُ يَحْتَاجُ إِلَى تَحَقُّقٍ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍ مِنَ النَّقْلِ أَوِ الْعَقْلِ. هَذَا آخِرُ كَلَامِ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ. وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْرِيرِ، فَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: الْحَاصِلُ أَنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَإِثْبَاتُ هَذَا لَيْسَ إِلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَكَّ فِيهِ. قُلْتُ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِهِ أَيْضًا؛ لِعَدَمِ ثُبُوتِ السَّمَاعِ أَصْلًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ لَا يَكُونَ طَرِيقُهُ قَطْعًا وَفَصْلًا، وَإِلَّا لَمَا وَقَعَ فِيهِ خِلَافٌ لِلْأَقَلِّ أَوْ لِلْأَكْثَرِ، فَتَأَمَّلْ وَتَدَبَّرْ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَنْفِ الرُّؤْيَةَ بِحَدِيثٍ، وَلَوْ كَانَ مَعَهَا لَذَكَرَتْهُ. قُلْتُ: وَكَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يُثْبِتِ الرُّؤْيَةَ بِحَدِيثٍ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ لَذَكَرَهُ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ إِطْلَاقِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. لَوْ ثَبَتَ النَّقْلُ صَرِيحًا عَنْهُ مِنْ إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ بِعَيْنِ الْبَصَرِ، وَقَدْ عُلِمَ أَيْضًا مِمَّا سَبَقَ أَنْ عَائِشَةَ مَانِعَةٌ لِلرُّؤْيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَا ذَكَرَتْهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ فَإِنَّمَا هِيَ سَنَدُ مَنْعِهَا لِلتَّقْوِيَةِ وَلَيْسَتْ مُسْتَدِلَّةً حَتَّى يُقَالَ فِي حَقِّهَا مَا قَالَ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَتْ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ مِنَ الْآيَاتِ، أَمَّا احْتِجَاجُهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِدْرَاكَ هُوَ الْإِحَاطَةُ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُحَاطُ بِهِ، فَإِذَا وَرَدَ النَّصُّ بِنَفْيِ الْإِحَاطَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ بِغَيْرِ إِحَاطَةٍ. قُلْتُ: سَبَقَ سُؤَالُ عِكْرِمَةَ مُطَابِقًا لِمَا فَهِمَتْ عَائِشَةُ مِنَ الْآيَةِ. وَكَذَا تَقْرِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الْمَعْنَى، وَجَوَابُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَبْنَى، وَإِنْ كَانَ هَذَا جَوَابًا حَسَنًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَا لَا يَخْفَى. قَالَ: وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٥١] الْآيَةَ. فَجَوَابُهُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الرُّؤْيَةِ وُجُودُ الْكَلَامِ حَالَ الرُّؤْيَةِ، فَيَجُوزُ وُجُودُ الرُّؤْيَةِ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى أُخِذَ مِنْ سِيَاقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى - فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٩ - ١٠] حَيْثُ اسْتَدَلَّ الْخَصْمُ بِهِ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ كَمَالِ الْقُرْبِ وَالْوَحْيِ الْخَاصِّ الْمُرَادِ بِهِ الْكَلَامُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، فَدَفَعْتُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] أَيْ بِالْإِلْقَاءِ بِالْقَلْبِ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَيْ أَوْ تَكْلِيمًا ظَاهِرًا يُدْرِكُهُ سَمْعُ الْقَالَبِ، لَكِنْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَفِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ: اعْلَمْ أَنَّ النُّصُوصَ وَرَدَتْ أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ، وَجَعَلَ بَصَرَهُ فِي فُؤَادِهِ، أَوْ رَآهُ بِبَصَرِهِ وَجَعَلَ فُؤَادَهُ فِي بَصَرِهِ، وَكَيْفَ لَا، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ الرُّؤْيَةُ بِالْإِرَاءَةِ لَا بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ، فَإِذَا حَصَّلَ اللَّهُ تَعَالَى الْعِلْمَ بِالشَّيْءِ مِنْ طَرِيقِ الْبَصَرِ كَانَ رُؤْيَةً بِالْإِرَاءَةِ، وَإِنْ حَصَّلَ مِنْ طَرِيقِ الْقَلْبِ كَانَ مَعْرِفَةً، وَاللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمَ بِخَلْقٍ مُدْرِكٍ لِلْعُلُومِ فِي الْبَصَرِ، كَمَا قَدَّرَ أَنْ يُحَصِّلَهُ بِخَلْقٍ مُدْرِكٍ لِلْعُلُومِ فِي الْقَلْبِ، وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَاخْتِلَافُ الْوُقُوعِ مِمَّا يُنْبِئُ عَنِ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْجَوَازِ. انْتَهَى. وَهُوَ غَايَةُ التَّحْقِيقِ وَنِهَايَةُ التَّدْقِيقِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.

стр. 7847

وَقَالَ صَاحِبُ التَّعَرُّفِ: وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا بِالْإِبْصَارِ، وَلَا بِالْقَلْبِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْإِيقَانِ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ الْإِكْرَامِ وَأَفْضَلُ النِّعَمِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِلَّا فِي أَفْضَلِ الْمَكَانِ، وَأَحْرَى أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَى الْبَاقِيَ فِي الدَّارِ الْفَانِيَةِ، وَلَوْ رَأَوْهُ فِي الدُّنْيَا لَكَانَ الْإِيمَانُ بِهِ ضَرُورَةً، وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهَا تَكُونُ فِي الدُّنْيَا، فَوَجَبَ الِانْتِهَاءُ إِلَى مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ رَأَى رَبَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ: إِنَّهُ لَمْ يَرَهُ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَصَرِهِ، وَاحْتَجُّوا بِخَبَرِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﵊ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، مِنْهُمْ: الْجُنَيْدُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَآهُ وَأَنَّهُ خُصَّ بَيْنَ الْخَلَائِقِ بِالرُّؤْيَةِ، وَاحْتَجُّوا بِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَسْمَاءَ وَأَنَسٍ، مِنْهُمْ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَآهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَرَهُ بِبَصَرِهِ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] هَذَا وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الصُّوفِيَّةِ ادَّعَوُا الرُّؤْيَةَ لِأَنْفُسِهِمْ، فَقَدْ أَطْبَقَ الْمَشَايِخُ عَلَى تَضْلِيلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَصَنَّفُوا فِي ذَلِكَ كُتُبًا مِنْهُمْ: أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ لَهُ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ كِتَابٌ وَرَسَائِلُ، وَكَذَا لِلْجُنَيْدِ فِي تَكْذِيبِ مَنِ ادَّعَاهُ رَسَائِلُ وَكَلَامٌ كَثِيرٌ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ سُبْحَانَهُ.

стр. 7848

٥٦٦١ - وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ كَعْبًا بِعَرَفَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَكَبَّرَ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ فَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى، فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ، وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ قَالَ مَسْرُوقٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ. قَفَّ لَهُ شَعَرِي، قُلْتُ: رُوَيْدًا، ثُمَّ قَرَأْتُ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] فَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ بِكَ؟ إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ. مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ أَوْ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُمِرَ بِهِ أَوْ يَعْلَمُ الْخَمْسَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤] فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ، وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ، لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَمَرَّةً فِي أَجْيَادٍ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَرَوَى الشَّيْخَانِ مَعَ زِيَادَةٍ وَاخْتِلَافٍ، وَفِي رِوَايَتِهِمَا: قَالَ: «قُلْتُ: لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى - فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨ - ٩] قَالَتْ: ذَاكَ جِبْرِيلُ ﵇، كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ الْأُفُقَ.» ــ ٥٦٦١ - (وَعَنِ الشَّعْبِيِّ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ قَالَ: (قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا بِعَرَفَةَ، فَسَأَلَهُ) أَيْ كَعْبًا (عَنْ شَيْءٍ، فَكَبَّرَ) أَيْ كَعْبٌ (حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةً مُرْتَفِعًا بِهَا صَوْتُهُ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ صَدًى، كَأَنَّهُ اسْتَعْظَمَ مَا سَأَلَ عَنْهُ، فَكَبَّرَ لِذَلِكَ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ السُّؤَالَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا سُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَقَفَّ لِذَلِكَ شَعَرُهَا. قُلْتُ: الظَّاهِرُ كَلَامُ كَعْبٍ الْآتِي مِنْ إِثْبَاتِهِ الرُّؤْيَةَ فِي الْجُمْلَةِ يَأْبَى عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَأَنْ يَكُونَ نَحْوَ مَا صَدَرَ مِنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فِي الْمَبْنَى، فَالْوَجْهُ أَنْ يُحْمَلَ التَّكْبِيرُ عَلَى تَعْظِيمِ ذَلِكَ الْمَقَامِ، وَالتَّشَوُّقِ إِلَى ذَلِكَ الْمَرَامِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ جَوَابَ الْكَلَامِ. (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ) أَيْ فَيَجِبُ تَعْظِيمُنَا وَتَكْلِيمُنَا وَتَفْهِيمُنَا (فَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى) . عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ، فَبَعْثٌ لَهُ عَلَى التَّسْكِينِ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْظِ وَالتَّفَكُّرِ فِي الْجَوَابِ، يَعْنِي نَحْنُ أَهْلُ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ، فَلَا نَسْأَلُ عَمَّا يُسْتَبْعَدُ هَذَا الِاسْتِبْعَادَ، وَلِذَلِكَ فَكَّرَ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ. . . إِلَى آخِرِهِ. أَقُولُ: هَذَا لَا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ؛ إِذْ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى ثُبُوتِ غَيْظٍ لَهُ، وَلَا عَلَى تَحَقُّقِ فِكْرٍ فِيهِ، مَعَ أَنَّ تَيَقُّنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا تَتَحَصَّلُ بِفِكْرِ سَاعَةٍ مَعَ اعْتِقَادِ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ عَلَى خِلَافِهَا. (فَكَلَّمَ) أَيِ اللَّهُ تَعَالَى (مُوسَى مَرَّتَيْنِ) ، أَيْ فِي الْمِيقَاتَيْنِ (وَرَآهُ مُحَمَّدٌ) ﵇ أَيْ فِي الْمِعْرَاجِ (مَرَّتَيْنِ) . كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ كَعْبٍ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي رَآهُ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى جِبْرِيلَ، بِخِلَافِ قَوْلِ عَائِشَةَ، لَكِنْ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ بِرُؤْيَةِ الْبَصِيرَةِ أَوِ الْبَصَرِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] يُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ؛ وَلِذَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَالَ مَسْرُوقٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا فِي مَجْلِسِ كَعْبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَسَمِعَ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا. (فَقُلْتُ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ) ؟ أَيْ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالْفُؤَادِ.

стр. 7849

(فَقَالَتْ) اسْتِعْظَامًا لِهَذَا السُّؤَالِ ( «لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ» ) وَفِي نُسْخَةٍ: كَلَّمْتَ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَوْلِ بِزِيَادَةِ الْبَاءِ فِي بِشَيْءٍ (قَفَّ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ قَامَ مِنَ الْفَزَعِ (لَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الشَّيْءِ مِنَ الْكَلَامِ (شَعَرِي) أَيْ شَعَرُ بَدَنِي جَمِيعًا، وَهَذَا لِمَا حَصَلَ عِنْدَهَا مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَهَيْبَتِهِ وَاعْتَقَدَتْهُ مِنْ تَنْزِيهِهِ وَاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ (قُلْتُ: رُوَيْدًا) ، أَيِ ارْفُقِي وَأَمْهِلِي، وَالْمَقْصُودُ تَسْكِينُهَا وَالْمُلَاءَمَةُ فِي تَلْيِينِهَا حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ مَعَهَا. (ثُمَّ قَرَأْتُ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] : ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ لَا يُنَاسِبُ مُدَّعَى مَسْرُوقٍ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهَا الْمُعَيِّنَةُ لِمَا رَأَى فِيمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] ، فَهُوَ نَقِيضُ مَطْلُوبِهِ؛ وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ قَرَأَتُ الْآيَاتِ الَّتِي خَاتِمَتُهَا هَذِهِ الْآيَةُ، كَمَا تَشْهَدُ لَهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى. أَعْنِي قَوْلَهُ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ: ثُمَّ دَنَا. أَقُولُ: مَعَ بُعْدِهِ لَيْسَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَفْظُ رَأَى، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكُبْرَى الْآيَةَ الْعُظْمَى عَلَى عَظَمَةِ شَأْنِهِ تَعَالَى، أَوْ عَلَى تَعْظِيمِ جَنَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَصَدَ بِهَا الرُّؤْيَةَ الْبَصَرِيَّةَ أَوِ الْفُؤَادِيَّةَ. (فَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ بِكَ) ؟ أَيِ الْآيَةُ يَعْنِي فَهْمُهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ أَخْطَأْتَ فِيمَا فَهِمْتَ مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَذَهَبْتَ إِلَيْهِ، فَإِسْنَادُ الْإِذْهَابِ إِلَى الْآيَةِ مَجَازٌ، انْتَهَى. أَوْ أَيْنَ تَذْهَبُ بِكَ الْآيَةُ الْكُبْرَى (إِنَّمَا هُوَ) أَيِ الْآيَةُ الْكُبْرَى (جِبْرِيلُ) . فَذُكِرَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْآيَةُ الْكُبْرَى وَمَا سَيَأْتِي عَنْهَا أَنَّ لَهُ سِتَّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُهَا: ( «مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ» ) وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَنْفِي رُؤْيَتَهُ تَعَالَى مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْفُؤَادِ أَوْ بِالْبَصَرِ، ( «أَوْ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُمِرَ بِهِ» ) أَيْ بِإِظْهَارِهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] وَهُوَ يَعُمُّ الْكِتْمَانَ عَنِ الْجَمِيعِ أَوْ عَنِ الْبَعْضِ، فَيَرُدُّ الِاعْتِقَادَ الْفَاسِدَ لِلشِّيعَةِ فِي اخْتِصَاصِ أَهْلِ الْبَيْتِ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ الشَّنِيعَةِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ لَهُ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِنَوْعٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ لَبَيَّنَهُ وَأَظْهَرُهُ لِلْحَاجَةِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ إِلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] أَوْ يَعْلَمُ الْخَمْسَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤] أَيْ إِلَى آخِرِ (مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ) وَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْآيَةِ الْمُبَالَغَةَ فِي نَفْيِ الرُّؤْيَةِ، وَأَنَّهَا بِمَنْزِلَتِهَا فِي الْفِرْيَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَتْ فِي جَزَاءِ الْكُلِّ مِنَ الشَّرْطِيَّاتِ ( «فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ» ) ، بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيِ الْكَذِبَ الَّذِي هُوَ بِلَا مِرْيَةٍ (وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ) ، أَيْ فِي صُورَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ ( «لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَمَرَّةً فِي أَجْيَادٍ» ) بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَسُكُونِ جِيمٍ، مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ مِنْ شِعَابِهَا ( «لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ، قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . (وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ مَعَ زِيَادَةٍ وَاخْتِلَافٍ) ، أَقُولُ: فَكَانَ الْأَوْلَى إِيرَادُ رِوَايَتِهِمَا، فَهُوَ تَعْرِيضٌ مِنْ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ، (وَفِي رِوَايَتِهِمَا. قَالَ) أَيْ مَسْرُوقٌ، قُلْتُ: لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ:

стр. 7850

( «ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى» ) يَعْنِي فَإِنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادَرَ أَنَّ ضَمِيرَ " دَنَا " إِلَى اللَّهِ وَضَمِيرَ " فَتَدَلَّى " إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بِالْعَكْسِ كَمَا سَبَقَ، وَكَذَا ضَمِيرُ " فَكَانَ " إِلَى أَحَدِهِمَا، وَقَدْ قَالَ بَعْدَهُ: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١٠] وَبِمَا قَرَّرْنَا يَتِمُّ اسْتِشْكَالُ مَسْرُوقٍ. (قَالَتْ: ذَاكَ) أَيْ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ فِي الْكُلِّ (جِبْرِيلُ ﵊ ، أَيْ لَا الرَّبُّ سُبْحَانَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ لِبَيَانِ دَفْعِ مَا عَسَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرَى جِبْرِيلَ ﵊ دَائِمًا، فَمَا وَجْهُ تَخْصِيصِ ذِكْرِ رُؤْيَتِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ؟ فَقَالَتْ: (كَانَ) أَيْ جِبْرِيلُ (يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ) أَيْ مُتَشَكِّلًا بِشَكْلِهِ، وَغَالِبًا بِصُورَةِ دَحْيَةَ (وَإِنَّهُ أَتَاهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ) أَيْ فِي أَجْيَادٍ ( «فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ» ) ، أَيِ الْأَصْلِيَّةِ (فَسَدَّ الْأُفُقَ) ، أَيْ عَلَى نَحْوِ مَا رَآهُ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ فِي صُورَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ، هَذَا وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخَذَ بِقَوْلِ كَعْبٍ، وَاخْتَارَهُ أَنَّهُ رَآهُ مَرَّتَيْنِ عَلَى احْتِمَالِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ بِعَيْنِ الْبَصَرِ أَوِ الْبَصِيرَةِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا بِهَذِهِ وَالْأُخْرَى بِأُخْرَى، مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ مَرَّتَيْنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَأَمَّا نَفْيُ عَائِشَةَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَوْ يُقَيَّدَ بِنَفْيِ الْبَصَرِ وَجَوَازِ رُؤْيَتِهِ بِالْفُؤَادِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَتَدَبَّرْ وَتَأَمَّلْ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: الْجَمْعُ بَيْنَ إِثْبَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَفْيِ عَائِشَةَ بِأَنْ يُحْمَلَ نَفْيُهَا عَلَى رُؤْيَةِ الْبَصَرِ، وَإِثْبَاتُهُ عَلَى رُؤْيَةِ الْقَلْبِ، لَا مُجَرَّدِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عَالِمًا بِهِ تَعَالَى عَلَى الدَّوَامِ، وَأَنَّ الرُّؤْيَةَ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ خُلِقَتْ لَهُ فِي قَلْبِهِ، كَمَا تُخْلَقُ الرُّؤْيَةُ بِالْعَيْنِ لِغَيْرِهِ، وَالرُّؤْيَةُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا شَيْءٌ مَخْصُوصٌ عَقْلًا، وَلَوْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِخَلْقِهَا فِي الْعَيْنِ.

стр. 7851

٥٦٦٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] وَفِي قَوْلِهِ: ﴿رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] قَالَ فِيهَا كُلِّهَا: رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ فِي حُلَّةٍ مِنْ رَفْرَفٍ، قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.» وَلَهُ وَلِلْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] قَالَ: رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ، سَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ. ــ ٥٦٦٢ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: (فَكَانَ) أَيِ الْقُرْبُ الْمَعْنَوِيُّ مِنَ الْعَبْدِ وَالرَّبِّ أَوِ الصُّورِيُّ، أَوْ بَيْنَ جِبْرِيلَ وَالنَّبِيِّ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩] أَيْ قَدْرُهُمَا وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَمَالِ قُرْبِهِمَا أَوْ أَدْنَى أَيْ بَلْ أَقْرَبُ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي مَقَامِ الْمَزِيدِ لِحَالِ الْمُرِيدِ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] أَيْ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَبْنَى، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي مَرْجِعِ ضَمِيرِ " أَوْحَى " فِي الْمَعْنَى. (وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] قَالَ أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ (فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ (كُلِّهَا: رَأَى) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (جِبْرِيلَ ﵊، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ) . يَعْنِي الضَّمَائِرُ كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى جِبْرِيلَ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُطَابِقٌ وَمُوَافِقٌ لِمَا فَهِمَتْ عَائِشَةُ مِنَ الْآيَاتِ كَمَا سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَعْلَمُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7852

(وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ) أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] قَالَ: أَعَادَهُ تَأْكِيدًا (رَأَى النَّبِيُّ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (جِبْرِيلَ فِي حُلَّةٍ مِنْ رَفْرَفٍ) ، فَفِي النِّهَايَةِ: أَيْ بِسَاطٍ، وَقِيلَ: فِرَاشٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الرَّفْرَفَ جَمْعًا وَاحِدُهُ رَفْرَفَةٌ، وَجَمْعُ الرَّفْرَفِ رَفَارِفُ. قُلْتُ: الْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ ثِيَابٌ خُضْرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي، وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] أَوْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ بَسَطَ أَجْنِحَتَهُ فَصَارَتْ شِبْهَ الرَّفْرَفِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: رَفْرَفَ الطَّائِرُ بِجَنَاحَيْهِ بَسَطَهُمَا عِنْدَ السُّقُوطِ عَلَى شَيْءٍ تَحُومُ عَلَيْهِ لِتَقَعَ فَوْقَهُ. وَفِي الْقَامُوسِ: رَفَّ الطَّائِرُ بَسَطَ جَنَاحَيْهِ، كَرَفْرَفَ. وَالثُّلَاثِيُّ مُسْتَعْمَلٌ، وَالرَّفُّ شِبْهُ الطَّاقِ كَالرَّفْرَفِ جَمْعُهُ رُفُوفٌ، وَالثَّوْبُ النَّاعِمُ، وَالرُّفُوفُ ثِيَابٌ يُتَّخَذُ مِنْهَا الْمَجَالِسُ وَتُبْسَطُ، وَالرَّقِيقُ مِنْ ثِيَابِ الدِّيبَاجِ. (قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) . (وَلَهُ) أَيْ لِلتِّرْمِذِيِّ (وَلِلْبُخَارِيِّ) أَيْ أَيْضًا، وَقَدَّمَ التِّرْمِذِيَّ لِتَقَدُّمِ مَرْجِعِهِ (فِي قَوْلِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَالَ الْآتِي: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] (قَالَ) أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ (رَأَى رَفْرَفًا) أَيْ ذَا رَفْرَفٍ (أَخْضَرَ، سَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ) ، وَهُوَ جِبْرِيلُ كَمَا سَبَقَ عَنْهُ أَيْضًا، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِمَا قَرَّرْنَاهُ وَفِي تَحْرِيرِ الْكَلَامِ قَدَّرْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 7853

٥٦٦٣ - وَسُئِلَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ﵁ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] فَقِيلَ: قَوْمٌ يَقُولُونَ: إِلَى ثَوَابِهِ. فَقَالَ مَالِكٌ: كَذَبُوا، فَأَيْنَ هُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قَالَ مَالِكٌ: النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْيُنِهِمْ، وَقَالَ: لَوْ لَمْ يَرَ الْمُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يُعَيِّرِ اللَّهُ الْكَفَّارَ بِالْحِجَابِ فَقَالَ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] . رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) . ــ ٥٦٦٣ - (وَسُئِلَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ (عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] فَقِيلَ: قَوْمٌ) أَيِ الْمُعْتَزِلَةُ وَأَشْبَاهُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ (يَقُولُونَ) أَيْ فِي مَعْنَى الْآيَةِ (إِلَى ثَوَابِهِ) أَيْ نَاظِرَةٌ إِلَى ثَوَابِ رَبِّهَا، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَى مُفْرَدِ الْآلَاءِ بِمَعْنَى النَّعْمَاءِ، وَأُرِيدَ هُنَا الْجِنْسُ أَيْ مُنْتَظِرَةٌ نِعْمَةَ رَبِّهَا. (فَقَالَ مَالِكٌ: كَذَبُوا) أَيْ عَلَى اللَّهِ فِي مَعْنَى كَلَامِهِ، فَأَيْنَ هُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: كَلَّا أَيْ حَقًّا إِنَّهُمْ أَيِ الْكُفَّارُ ﴿عَنْ رَبِّهِمْ﴾ [المطففين: ١٥] : قُدِّمَ عَنْ مُتَعَلِّقَةً لِلِاهْتِمَامِ أَوْ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ لِلِاخْتِصَاصِ أَوْ لِمُرَاعَاةِ الْفَاصِلَةِ يَوْمَئِذٍ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ وَقْتَ الْجَزَاءِ ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] أَيْ لَا يَرَوْنَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، وَالْحِجَابُ أَشَدُّ الْعَذَابِ، كَمَا أَنَّ الرُّؤْيَةَ زِيَادَةٌ عَلَى كُلِّ مَثُوبَةٍ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وَالْمَعْنَى: فَأَيْنَ ذَلِكَ الْقَوْمُ حَيْثُ وَقَعُوا فِي بُعْدٍ وَغَفْلَةٍ عَنْ مَفْهُومِ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ مَحْجُوبِينَ، بَلْ يَكُونُونَ إِلَى مَقَامِ النَّظَرِ مَطْلُوبِينَ، وَيَصِيرُونَ مِنْ كَمَالِهِمْ فِي مَرْتَبَةِ الْحُبِّ مَحْبُوبِينَ. (قَالَ مَالِكٌ: النَّاسُ) أَيِ الْمُؤْمِنُونَ، فَإِنَّ فِي الْحَقِيقَةِ هُمُ النَّاسُ وَسَائِرُ النَّاسِ كَالنِّسْنَاسِ (يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْيُنِهِمْ) ، وَقَدْ سَبَقَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: النَّاسُ كُلُّهُمْ يَرَوْنَ اللَّهَ، ثُمَّ الْكُفَّارُ يَصِيرُونَ مَحْجُوبِينَ لِزِيَادَةِ الْحَسْرَةِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَعَلَى كُلٍّ فَالرُّؤْيَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ حَاصِلَةٌ بِلَا شُبْهَةٍ. (وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ لَمْ يَرَ الْمُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يُعَيِّرِ اللَّهُ الْكَفَّارَ بِالْحِجَابِ، فَقَالَ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] رَوَاهُ أَيِ الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ.

стр. 7854

٥٦٦٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَإِذَا الرَّبُّ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، قَالَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] قَالَ: فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ وَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ٥٦٦٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بَيْنَا) وَفِي نُسْخَةٍ: بَيْنَمَا (أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ) ، أَيْ وَاقِعِينَ فِي لَذَّاتِهِمْ مُشْتَغِلِينَ بِشَهَوَاتِهِمْ (إِذْ سَطَعَ) أَيْ سَنَحَ وَلَمَعَ (لَهُمْ نُورٌ) أَيْ عَظِيمٌ (فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَإِذَا الرَّبُّ قَدْ أَشْرَفَ) أَيْ تَجَلَّى تَجَلِّيَ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْبَهَاءِ وَالْعُلَا (عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) ، أَيْ مُبْتَدِئًا مِنْهُ، أَخْذًا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِمْ (فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ) وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِمْ جَمَاعَةٌ قِيلَ فِي حَقِّهِمْ: إِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ " حَيْثُ قَنَعُوا بِاللَّذَّاتِ عَنْ رُؤْيَةِ الذَّاتِ، وَعِلِّيُّونَ لِأُولِي الْأَلْبَابِ لِاعْتِلَاءِ هِمَّتِهِمْ، وَارْتِفَاعِ نَهَمَتِهِمْ عَنِ النَّظَرِ إِلَى غَيْرِ رَبِّ الْأَرْبَابِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْإِفْرَادِ، وَالدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أَهْلُ شُغْلِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ شُغْلِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَهْلُ شُغْلِ أَنْفُسِهِمْ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ شُغْلِ أَنْفُسِهِمْ فِي الْآخِرَةِ» . وَفِي التَّنْزِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ - هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ - لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ - سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٨] (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﵊: (وَذَلِكَ) أَيْ سَلَامُ الرَّبِّ يَعْنِي: شَاهِدُهُ (قَوْلُهُ تَعَالَى) أَوْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] أَيْ لَهُمْ سَلَامٌ عَظِيمٌ. يُقَالُ: لَهُمْ قَوْلًا كَائِنًا مِنْ جِهَةِ رَبٍّ رَحِيمٍ (قَالَ: فَنَظَرَ) أَيِ الرَّبُّ إِلَيْهِمْ (وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ) أَيْ بِإِيقَاعِ الْحِجَابِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ رَفْعِهِ عَنْهُمْ (وَيَبْقَى نُورُهُ) أَيْ أَثَرُ نُورِهِ، وَثَمَرَةُ ظُهُورِهِ عَلَى ظَاهِرِهِمْ وَبَاطِنِهِمْ، كَمَا يُشَاهِدُهُ أَهْلُ الْمَشْهَدِ فِي حَالِ الْبَقَاءِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْفِنَاءِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 7855

[بَابُ صِفَةِ النَّارِ وَأَهْلِهَا] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٦٦٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً! قَالَ: " فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا ".» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " «نَارُكُمُ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ» ". وَفِيهَا: " عَلَيْهَا "، " وَكُلُّهَا " بَدَلُ: " عَلَيْهِنَّ "، وَ " كُلُّهُنَّ ". ــ [٧] بَابُ صِفَةِ النَّارِ وَأَهْلِهَا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٦٦٥ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " نَارُكُمْ) وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: نَارُكُمْ هَذِهِ (جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ) . زَادَ التِّرْمِذِيُّ: لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا حَرُّهَا (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً!) " إِنْ " هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ، وَاللَّامُ هِيَ الْفَارِقَةُ، أَيْ إِنَّ هَذِهِ النَّارَ الَّتِي نَرَاهَا فِي الدُّنْيَا كَانَتْ كَافِيَةً فِي الْعُقْبَى لِاحْتِرَاقِ الْكُفَّارِ وَعُقُوبَةِ الْفُجَّارِ، فَهَلَّا اكْتُفِيَ بِهَا، وَلِأَيِّ شَيْءٍ زِيدَتْ فِي حَرِّهَا؟ (قَالَ: " فُضِّلَتْ) أَيْ نَارُ جَهَنَّمَ (عَلَيْهِنَّ) ؟ أَيْ عَلَى أَنْيَارِ الدُّنْيَا (بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ) أَيْ حَرَارَةُ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ تِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ (مِثْلُ حَرِّهَا) أَيْ مِثْلُ حَرَارَةِ نَارِكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ مَنْعُ الْكِفَايَةِ، أَيْ لَا بُدَّ مِنَ التَّفَضُّلِ

стр. 7856

لِحِكْمَةِ كَوْنِ عَذَابِ اللَّهِ أَشَدَّ مِنْ عَذَابِ النَّاسِ؛ وَلِذَلِكَ أُوثِرَ ذِكْرُ النَّارِ عَلَى سَائِرِ أَصْنَافِ الْعَذَابِ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ السُّنَّةِ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] ، وَإِنَّمَا أَظْهَرَ اللَّهُ هَذَا الْجُزْءَ مِنَ النَّارِ فِي الدُّنْيَا أُنْمُوذَجًا لِمَا فِي تِلْكَ الدَّارِ. قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ عَلَيْهِ رَحْمَةُ الْبَارِي فِي " الْإِحْيَاءِ ": اعْلَمْ أَنَّكَ أَخْطَأْتَ فِي الْقِيَاسِ، فَإِنَّ نَارَ الدُّنْيَا لَا تُنَاسِبُ نَارَ جَهَنَّمَ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ أَشَدُّ عَذَابٍ فِي الدُّنْيَا عَذَابَ هَذِهِ النَّارِ، عُرِفَ عَذَابُ جَهَنَّمَ بِهَا، وَهَيْهَاتَ لَوْ وَجَدَ أَهْلُ الْجَحِيمِ مِثْلَ هَذِهِ النَّارِ لَخَاضُوهَا هَرَبًا مِمَّا هُمْ فِيهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) أَيْ وَوَافَقَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمَعْنَى. (وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " نَارُكُمُ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ) مِنَ الْإِيقَادِ، وَيَجُوزُ التَّشْدِيدُ مِنَ التَّوْقِيدِ (وَفِيهَا) أَيْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (" عَلَيْهَا " وَ " كُلُّهَا " بَدَلُ: " عَلَيْهِنَّ " وَ " كُلَّهُنَّ ") . بِالنَّصْبِ، أَيْ عِوَضَهُمَا لَفًّا وَنَشْرًا مُرَتَّبًا.

стр. 7857

٥٦٦٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٦٦٦ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ يُؤْتَى بِهَا مِنَ الْمَكَانِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] (يَوْمَئِذٍ) ؟ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقْتَ النَّدَامَةِ وَالْحَسْرَةِ وَالْمَلَامَةِ (لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ) ، بِكَسْرِ الزَّايِ وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ (مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا) . بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَيْ يَسْحَبُونَهَا، أَيْ إِلَى أَنْ تُدَارَ بِأَرْضٍ لَا تَبْقَى لِلْجَنَّةِ طَرِيقٌ إِلَّا الصِّرَاطُ عَلَى ظَهْرِهَا، وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْأَزِمَّةِ الَّتِي يُجَرُّ بِهَا بَعْدَ الْإِشَارَةِ إِلَى عَظَمَتِهَا - مَنْعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ عَلَى الْمَحْشَرِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7858

٥٦٦٧ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، مَا يُرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٦٦٧ - (وَعَنِ النُّعْمَانِ) بِضَمِّ النُّونِ (ابْنِ بَشِيرٍ) صَحَابِيٌّ أَيْضًا ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ) أَيْ أَيْسَرُهُمْ (عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ) أَيْ مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ (وَشِرَاكَانِ) أَيْ مِنْ فَوْقِهَا (مِنْ نَارٍ) ، أَيْ كَائِنَةٌ مِنْهَا (يَغْلِي) أَيْ يَفُورُ (مِنْهُمَا) أَيْ مِنَ النَّوْعَيْنِ وَهُمَا النَّعْلَانِ وَالشِّرَاكَانِ (دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي فِي الْمِرْجَلِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ: قِدْرُ النُّحَاسِ، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَيُقَالُ أَيْضًا: لِكُلِّ إِنَاءٍ يَغْلِي فِيهِ الْمَاءُ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَانَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٥] وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَمْ يُغْمَسْ فِي الْجَحِيمِ، وَلِذَا قَالَ: (مَا يُرَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ مَا يَظُنُّ مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ (أَنَّ أَحَدًا) أَيْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ (أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا) ، أَيْ لِانْفِرَادِهِ وَعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى حَالِ غَيْرِهِ (وَإِنَّهُ) بِالْكَسْرِ أَيْ، وَالْحَالُ أَنَّهُ (لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا) فَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِتَفَاوُتِ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: " «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ يُوضَعُ فِي قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَدْنَى الْعُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا فِي الْمَتْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَدْنَاهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ.

стр. 7859

٥٦٦٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٦٦٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا) أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ (أَبُو طَالِبٍ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ بِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] (وَهُوَ مُنْتَعِلٌ) مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: مِنْ بَابِ الِانْفِعَالِ أَيْ مُتَلَبِّسٌ (بِنَعْلَيْنِ) أَيْ مِنْ نَارٍ (يَغْلِي فِيهِمَا) وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْهُمَا أَيْ مِنْ نَعْلِهِمَا أَوْ مِنْ جِهَةِ نَعْلِهِ، وَأُرِيدَ بِهَا الْجِنْسُ (دِمَاغُهُ) . وَإِنَّمَا خُفِّفَ عَذَابُهُ لِكَوْنِهِ حَامِيًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَشْدِيدِ عَدَاوَةِ الْكُفَّارِ، فَلَمَّا خُفِّفَ خُفِّفَ جَزَاءً وِفَاقًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَأَسْنَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ عَنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 7860

٥٦٦٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ، هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ وَهَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٦٦٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ؟ يَحْضُرُ أَشَدُّهُمْ تَنَعُّمًا وَأَكْثَرُهُمْ ظُلْمًا لِقَوْلِهِ: (مِنْ أَهْلِ النَّارِ) " مِنْ " بَيَانِيَّةٌ فِي مَحَلِّ حَالٍ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، ظَرْفُ " يُؤْتَى " (فَيُصْبَغُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ " يُغْمَسُ (فِي النَّارِ صَبْغَةً) بِفَتْحِ الصَّادِ أَيْ غَمْسَةً، إِطْلَاقًا لِلْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ، فَإِنَّ الصَّبْغَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْغَمْسِ غَالِبًا، وَفِي " النِّهَايَةِ ": أَيْ يُغْمَسُ فِي النَّارِ غَمْسَةً، كَمَا يُغْمَسُ الثَّوْبُ فِي الصَّبْغِ (ثُمَّ يُقَالُ) أَيْ لَهُ (يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا) أَيْ نِعْمَةً (قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ) ؟ أَيْ فِي زَمَانٍ مِنَ الْأَزْمِنَةِ. وَفِي الْكَلَامِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى حَيْثُ أَوْقَعَ الِاسْتِفْهَامَ عَلَى مُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ وَالْمُرُورِ دُونَ الذَّوْقِ وَالتَّمَتُّعِ وَالسُّرُورِ، (فَيَقُولُ: لَا) أَيْ مَا رَأَيْتُ (وَاللَّهِ يَا رَبِّ) نَفْيٌ مُؤَكَّدٌ بِالْقَسَمِ وَالنِّدَاءِ فِي الْجَوَابِ، لَمَّا أَنْسَتْهُ شِدَّةُ الْعَذَابِ مَا مَضَى عَلَيْهِ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا، أَوْ مَا بَعْدَهُ مِنَ النَّعِيمِ نَظَرًا إِلَى مَآلِهِ وَسُوءِ حَالِهِ، فَأَيُّ نَعِيمٍ آخِرُهُ الْجَحِيمُ، وَأَيُّ شِدَّةٍ مَآلُهَا الْجَنَّةُ كَمَا قَالَ: (وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ شِدَّةً وَمَشَقَّةً وَمِحْنَةً لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ فَاقَةٍ وَحَاجَةٍ وَبَلِيَّةٍ (فِي الدُّنْيَا) أَيْ أَوَّلًا (مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) مَآلًا (فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ) ، أَيْ فِي أَنْهَارِهَا أَوِ الْكَوْثَرِ مِنْهَا، ( «فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ وَهَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» ) ، وَكَأَنَّهُ أَطْنَبَ إِلَى الْجَوَابِ تَلَذُّذًا بِالْخِطَابِ وَقَلْبِ الْكَلَامِ لِلْفَرَحِ التَّامِّ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7861

٥٦٧٠ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكَنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٦٧٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَنَسٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ) أَيْ لَوْ فُرِضَ الْآنَ أَنْ تَمْلِكَ (مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ) " مِنْ " زَائِدَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَيْ جَمِيعُ مَا فِيهَا - وَطُلِبَ مِنْكَ أَنْ تَفْتَدِيَ بِهِ وَتُخَلِّصَ نَفْسَكَ مِنَ النَّارِ (أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟) وَهُوَ مِنَ الِافْتِدَاءِ بِمَعْنَى إِعْطَاءِ الدَّرْدَاءِ لِلْإِنْجَاءِ (فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ) أَيِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ (أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا) ، أَيْ طَلَبْتُهُ، فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ الْمُسَبَّبِ؛ وَلِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَخَلَّفُ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ بِقَوْلِهِمْ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَحَاصِلُهُ أَنِّي أَمَرْتُكَ بِأَسْهَلَ مِنْ هَذَا،

стр. 7862

(وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ) أَيْ تَعَلَّقَ بِكَ الْأَمْرُ وَالْحَالُ أَنَّكَ فِي صُلْبِ آدَمَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَضِيَّةِ الْمِيثَاقِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] " أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّوْحِيدُ وَالْعِبَادَةُ عَلَى وَجْهِ التَّفْرِيدِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: ٢٦] وَهُوَ بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: أَهْوَنَ (فَأَبَيْتَ) أَيْ كُلَّ شَيْءٍ (إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي) أَيْ فَلَا جَرَمَ، لَا أَقْبَلُ مِنْكَ، وَلَوِ افْتَدَيْتَ بِجَمِيعِ مَا فِي الْأَرْضِ كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦] قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا أَيْ لَوْ ثَبَتَ؛ لَأَنَّ " لَوْ " يَقْتَضِي الْفِعْلَ الْمَاضِيَ، وَإِذَا وَقَعَتْ " أَنَّ " الْمَفْتُوحَةَ بَعْدَ " لَوْ " كَانَ حَذْفُ الْفِعْلِ وَاجِبًا؛ لَأَنَّ مَا فِي " أَنَّ " مِنْ مَعْنَى التَّحْقِيقِ وَالثَّبَاتِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ. وَقَوْلُهُ: أَرَدْتُ مِنْكَ، ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّ الْمَعْنَى: أَرَدْتُ فِيكَ التَّوْحِيدَ، فَخَالَفْتَ مُرَادِي وَأَتَيْتَ بِالشِّرْكِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: الْإِرَادَةُ هُنَا بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالْإِرَادَةِ أَنَّ مَا يَجْرِي فِي الْعَالَمِ لَا مَحَالَةَ كَائِنٌ بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَأَمَّا الْأَمْرُ فَقَدْ يَكُونُ مُخَالِفًا لِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ. قُلْتُ: وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِعْلَانِ تَوَجَّهَ إِلَى عَامَّةِ الْمُكَلَّفِينَ، وَتَعَلَّقَتْ مَشِيئَةُ الْإِيمَانِ بِبَعْضِهِمْ وَإِرَادَةُ الْكُفْرِ بِبَعْضِهِمْ؛ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ، وَقَالَ: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] ، وَقَالَ: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْأَظْهَرُ أَنْ تُحْمَلَ الْإِرَادَةُ هُنَا عَلَى أَخْذِ الْمِيثَاقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ، فَقَوْلُهُ: أَبَيْتَ إِلَّا أَنَّكَ تُشْرِكُ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٧٣] وَيُحْمَلُ الْآبَاءُ هُنَا عَلَى نَقْضِ الْعَهْدِ. وَقَوْلُهُ: (أَلَّا تُشْرِكْ) اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ، وَإِنَّمَا حُذِفَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ كَلَامٌ مُوجَبٌ لِأَنَّ فِي الْآبَاءِ مَعْنَى الِامْتِنَاعِ، فَيَكُونُ نَفْيًا أَيْ مَا اخْتَرْتَ إِلَّا الشِّرْكَ، انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ إِطْلَاقَ الْإِرَادَةِ وَإِرَادَةَ أَخْذِ الْمِيثَاقِ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ يُدْفَعُ بِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْإِيرَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7863

٥٦٧١ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٦٧١ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) مَرَّ ذِكْرُهُ مِرَارًا (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ (مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى حُجْزَتِهِ) ، بِضَمِّ حَاءٍ وَسُكُونِ جِيمٍ فَزَايٍ أَيْ مَعْقِدِ إِزَارِهِ وَوَسَطِهِ. (وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ قَافِهِ أَيْ إِلَى حَلْقِهِ، فَفِي الصِّحَاحِ لَا يُضُمُّ أَوَّلُهُ. وَفِي " النِّهَايَةِ ": هِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ ثَغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ، وَهُمَا تَرْقُوَتَانِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَوَزْنُهَا " فَعْلُوَةٌ " بِالْفَتْحِ. وَفِي الْحَدِيثِ: بَيَانُ تَفَاوُتِ الْعُقُوبَاتِ فِي الضَّعْفِ وَالشِّدَّةِ، لَا أَنَّ بَعْضًا مِنَ الشَّخْصِ يُعَذَّبُ دُونَ بَعْضٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: وَهُوَ مُتَنَعِّلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِرِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: إِذَا خَلُصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ إِلَى قَوْلِهِ: فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ لَا تَأْكُلُ النَّارُ صُوَرَهُمْ.

стр. 7864

٥٦٧٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ " «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الْكَافِرِ فِي النَّارِ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «ضِرْسُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَذِكْرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا» فِي بَابِ (تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ) . ــ ٥٦٧٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الْكَافِرِ فِي النَّارِ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ» ) . قَالَ الْقَاضِي ﵀: يُزَادُ فِي مِقْدَارِ أَعْضَاءِ الْكَافِرِ زِيَادَةً فِي تَعْذِيبِهِ بِسَبَبِ زِيَادَةِ الْمُمَاسَّةِ لِلنَّارِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ﵀: هَذَا يَكُونُ لِلْكُفَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَكَبِّرِينَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنِ جَهَنَّمَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: وَنَظَرَ فِيهِ الشَّيْخُ الشَّارِحُ - يَعْنِي الْأَكْمَلَ - بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ أَجْسَامِهِمْ فِي النَّارِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمَحْشَرِ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَنْكِبَيْنِ عُصَاةُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ لَيْلًا، ثُمَّ الْحَدِيثُ الْآتِي: " «ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ» " عَلَى أَنَّ الْأَظْهَرَ فِي الْجَمْعِ أَنْ يَكُونُوا أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي مَوْقِفٍ يُدَاسُونَ فِيهِ، ثُمَّ تَعْظُمُ أَجْسَامُهُمْ وَيَدْخُلُونَ النَّارَ وَيَكُونُوا فِيهَا كَذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: قَوْلُهُ فِي النَّارِ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي مُسْلِمٍ، كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ فَالْأَوْجَهُ فِي مَنْعِ قَوْلِ الْقُرْطُبِيِّ أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرَهُ يَدُلُّ عَلَى انْعِدَامِ عَظَمَتِهِمْ فِي الْمَحْشَرِ؛ لِأَنَّ تَشْبِيهَ الْمُتَكَبِّرِينَ بِالذَّرِّ إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقَارَةِ لَا فِي الصُّورَةِ، وَإِلَّا فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ: فِي صُورَةِ الرِّجَالِ، انْتَهَى. وَفِيهِ مَبَاحِثُ لَا تَخْفَى. (وَفِي رِوَايَةٍ: " «ضِرْسُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَغِلَظُ جِلْدِهِ» ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْ عِظَمُهُ (مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ) أَيْ لَيَالٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَكَذَا هُوَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَشَرْحُ السُّنَّةِ، أَنَّثَهُ بِاعْتِبَارِ اللَّيَالِي. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هَذَا كُلُّهُ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ فِي إِيلَامِهِ، وَهُوَ مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعَالَى، يَجِبُ الْإِيمَانُ لِأَخْبَارِ الصَّادِقِ بِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَسْنَدَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى إِلَى الشَّيْخَيْنِ، وَالثَّانِيَةَ إِلَى مُسْلِمٍ أَوِ التِّرْمِذِيِّ، أَوِ اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا: " «ضِرْسُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَجِلْدُهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْجَبَّارِ» ". وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ «الْكَافِرَ لَيَعْظُمُ حَتَّى إِنَّ ضِرْسَهُ لَأَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ، وَفَضِيلَةُ جَسَدِهِ عَلَى ضِرْسِهِ كَفَضِيلَةِ جَسَدِ أَحَدِكُمْ عَلَى ضِرْسِهِ» ". (وَذِكْرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: " «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا» فِي بَابِ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ. يَعْنِي فَهُوَ إِمَّا مُكَرَّرًا سَقَّطَهُ مِنْ هَاهُنَا وَنَبَّهَ عَلَيْهِ، وَإِمَّا اعْتِرَاضٌ فِعْلِيٌ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَحَلَّهُ اللَّائِقَ هُوَ ذَلِكَ الْبَابُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 7865

الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٦٧٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٦٧٣ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " أُوقِدَ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَقَوْلُهُ (عَلَى النَّارِ) نَائِبُ فَاعِلٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٣٥] أَيْ يُوقَدُ الْوَقُودُ فَوْقَ النَّارِ أَيِ النَّارُ ذَاتُ طَبَقَاتٍ تُوقَدُ طَبَقَةٌ فَوْقَ أُخْرَى، وَمُسْتَعْلِيَةٌ عَلَيْهَا (أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ) ، بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الِاحْمِرَارِ (ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ) . زَادَ فِي الْجَامِعِ: كَمَا فِي اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّارَ مَخْلُوقَةٌ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَيُؤَيِّدُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] بِصِيغَةِ الْمَاضِي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.

стр. 7866

٥٦٧٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَفَخِذُهُ مِثْلُ الْبَيْضَاءِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ مَسِيرَةَ ثَلَاثٍ مِثْلُ الرَّبَذَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٧٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَفَخِذُهُ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْفَخِذُ كَكَتِفٍ، مَا بَيْنَ السَّاقِ وَالْوَرِكِ، مُؤَنَّثٌ كَالْفَخِذِ وَبِكَسْرٍ أَيْ فَخِذُ الْكَافِرِ (مِثْلُ الْبَيْضَاءِ) فِي " النِّهَايَةِ ": هُوَ اسْمُ جَبَلٍ، وَقَالَ شَارِحٌ: وَهُوَ مَوْضِعٌ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، وَقِيلَ: هُوَ جَبَلٌ (وَمَقْعَدُهُ) أَيْ مَوْضِعُ قُعُودِهِ (مِنَ النَّارِ) أَيْ فِيهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ (مَسِيرَةَ ثَلَاثٍ مِثْلُ الرَّبَذَةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، قَرْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ قُرْبَ الْمَدِينَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَقِيلَ: بِقُرْبِ مَكَّةَ، وَقِيلَ: قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَقَالَ شَارِحٌ: قَرِيبٌ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، يُرِيدُ مَا بَيْنَ الرَّبَذَةِ وَالْمَدِينَةِ، انْتَهَى. فَقَوْلُهُ: مِثْلُ الرَّبَذَةِ أَيْ مِثْلُ بُعْدِ الرَّبَذَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ، أَوْ مِثْلُ مَسَافَتِهَا إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ هَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ فِي الْمَدِينَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ مَقْعَدَهُ فِي النَّارِ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الرَّبَذَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ بِهَا قَبْرُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، وَقِيلَ: جَبَلٌ بِالشَّامِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَعَرْضُ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَعَضُدُهُ مِثْلُ الْبَيْضَاءِ، وَفَخِذُهُ مِثْلُ وَرْقَانَ، وَمَقْعَدُهُ فِي النَّارِ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الرَّبَذَةِ» ".

стр. 7867

٥٦٧٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ غِلَظَ جِلْدِ الْكَافِرِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ، وَإِنَّ مَجْلِسَهُ مِنْ جَهَنَّمَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٧٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ غِلَظَ جِلْدِ الْكَافِرِ اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا) لَفْظُ الْجَامِعِ: اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْجَبَّارِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الذِّرَاعُ بِالْكَسْرِ مِنْ طَرَفِ الْمِرْفَقِ إِلَى طَرَفِ الْأُصْبُعِ الْوُسْطَى وَالسَّاعِدِ، وَقَدْ يُذْكَرُ فِيهِمَا، وَذَرَعَ الثَّوْبَ: قَاسَهُ بِهَا، (وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ، وَإِنَّ مَجْلِسَهُ) أَيْ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ (مِنْ جَهَنَّمَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا الْحَاكِمُ.

стр. 7868

٥٦٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْكَافِرَ لَيُسْحَبُ لِسَانُهُ الْفَرْسَخَ وَالْفَرْسَخَيْنِ يَتَوَطَّأُهُ النَّاسُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٥٦٧٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْكَافِرَ لَيُسْحَبُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ يُجَرُّ (لِسَانُهُ) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، بَلْ هُوَ الْأَظَهَرُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَكَذَا ضُبِطَ فِي الْجَامِعِ وَلَفْظُهُ: لَيُسْحَبُ لِسَانُهُ وَرَاءَهُ (الْفَرْسَخَ وَالْفَرْسَخَيْنِ يَتَوَطَّأُهُ النَّاسُ) أَيْ يَطَئُونَهُ بِأَقْدَامِهِمْ وَيَمْشُونَ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 7869

٥٦٧٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «الصَّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يُتَصَعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَيُهْوَى بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٧٧ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الصَّعُودُ) بِفَتْحِ الصَّادِ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] أَيْ سَأُغْشِيهِ عَقَبَةً صَعْبَةَ الْمَسْلَكِ (جَبَلٌ) فَفِي الْقَامُوسِ: الصَّعُودُ بِالْفَتْحِ ضِدَّ الْهُبُوطِ، وَجَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ، وَالْعَقَبَةُ الشَّاقَّةُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَبَلٌ عَظِيمٌ (مِنْ نَارٍ يُتَصَعَّدُ فِيهِ) بِصِيَغِةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُكَلَّفُ الْكَافِرُ ارْتِقَاءَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، أَيْ يَطْلُعُ فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ (سَبْعِينَ خَرِيفًا) ، أَيْ مُدَّةَ سَبْعِينَ عَامًا (وَيُهْوَى بِهِ) بِصِيَغِهِ الْمَفْعُولِ أَيْ يُكَلَّفُ ذَلِكَ الْكَافِرُ بِسُقُوطِهِ فِيهِ، وَفِي نُسْخَةٍ - بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ - أَيْ يَنْزِلُ بِذَلِكَ الْكَافِرِ، مِنْ هَوَى كَـ " رَمَى ": سَقَطَ، فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ. (كَذَلِكَ) أَيْ سَبْعِينَ خَرِيفًا (فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ (أَبَدًا) . قَيْدٌ لِلْفِعْلَيْنِ، أَيْ يَكُونُ دَائِمًا فِي الصُّعُودِ وَالْهُبُوطِ، وَمِنْهُ يَتَبَيَّنُ مَعْنًى لَطِيفٌ فِيمَا اشْتُهِرَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ السَّفَرَ قِطْعَةٌ مِنْ سَقَرَ» مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى اللَّطَافَةِ النَّقْطِيَّةِ وَالْمُحَاسَبَةِ الْأَبْجَدِيَّةِ، وَبِهَذَا

стр. 7870

يَنْدَفِعُ مَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَكَذَا لَعَكَسْتُ وَقُلْتُ إِنَّ سَقَرَ قِطْعَةٌ مِنَ السَّفَرِ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَحْسَنِيَّةُ مَا فِي كَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَدَمِ الْمُبَالَغَةِ الزَّائِدَةِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْمُطَابَقَةِ لِلْوَاقِعَةِ الْجَادَّةِ، مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَمَا تَضَمَّنَهُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِفَادَةٍ لِلَّطَافَةِ وَالظَّرَافَةِ، هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ خُلَاصَةِ الطِّيبِيِّ ﵀ ظَنًّا أَنَّ ضَمِيرَ بِهِ رَاجِعٌ إِلَى الْجَبَلِ، وَأَنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى " فِي " أَنَّ تَكْرِيرَهُ عَلَى طَرِيقِةِ قَوْلِكَ: فِيكَ زَيْدٌ رَاغِبٌ فِيكَ، يَعْنِي أَنَّ الْإِعَادَةَ لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا قَرَّرْنَاهُ أَحْسَنُ فِي مَقَامِ الْإِفَادَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَلَفْظُ الْجَامِعِ: ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أَبَدًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، عَنْهُ.

стр. 7871

٥٦٧٨ - وَعَنْهُ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] أَيْ كَعَكَرِ الزَّيْتِ، فَإِذَا قُرِّبَ إِلَى وَجْهِهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٧٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] أَيْ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] (أَيْ كَعَكَرِ الزَّيْتِ) ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْكَافِ أَيْ دُرْدِيِّهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيِ الدَّرَنِ مِنْهُ وَالدَّنَسِ، وَأَغْرَبَ شَارِحٌ وَفَسَّرَ الْمُهْلَ بِالصَّدِيدِ مَعَ ظُهُورِ النَّصِّ السَّدِيدِ (فَإِذَا قُرِّبَ) بِضَمٍّ فَتَشْدِيدِ رَاءٍ أَيِ الْمُهْلُ (إِلَى وَجْهِهِ) أَيْ وَجْهِ الْعَاصِي (سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ) أَيْ جِلْدَتُهُ وَبَشْرَتُهُ (فِيهِ) . أَيْ فِي الْمُهْلِ، وَفِي النِّهَايَةِ: فَرْوَةُ وَجْهِهِ أَيْ جِلْدُهُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ فَرْوَةُ الرَّأْسِ وَهِيَ جِلْدَتُهُ بِمَا عَلَيْهَا مِنَ الشَّعْرِ، فَاسْتَعَارَهَا مِنَ الرَّأْسِ لِلْوَجْهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 7872

٥٦٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ الْحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ الْحَمِيمُ حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى جَوْفِهِ، فَيَسْلُتُ مَا فِي جَوْفِهِ حَتَّى يَمْرُقَ مِنْ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٧٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّ الْحَمِيمَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] الْمُفَسَّرُ بِالْمَاءِ الْبَالِغِ نِهَايَةَ الْحَرِّ (لَيُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ) أَيْ يُكَبُّ فَوْقَهَا (فَيَنْفُذُ الْحَمِيمُ) بِضَمِّ الْفَاءِ مِنَ النُّفُوذِ وَهُوَ التَّأْثِيرُ وَالدُّخُولُ فِي الشَّيْءِ أَيْ يَدْخُلُ أَثَرُ حَرَارَتِهِ مِنْ رَأْسِهِ إِلَى بَاطِنِهِ (حَتَّى يَخْلُصَ) بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ يَصِلَ (إِلَى جَوْفِهِ) ، أَيْ إِلَى جَوْفِ رَأْسِهِ أَوْ إِلَى بَطْنِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ، بَلْ هُوَ الصَّوَابُ؛ لِقَوْلِهِ: (فَيَسْلُتُ) بِضَمِّ اللَّامِ، مِنْ سَلَتَ الْقَصْعَةَ إِذَا مَسَحَهَا مِنَ الطَّعَامِ فَيَذْهَبُ، وَأَصْلُ السَّلْتِ الْقَطْعُ، فَالْمَعْنَى فَيَسْمَحُ وَيُقَطِّعُ الْحَمِيمُ (مَا فِي جَوْفِهِ) أَيْ مِنَ الْأَمْعَاءِ، وَقَالَ الْقَاضِي ﵀ أَيْ يَذْهَبُ وَيَمُرُّ (حَتَّى يَمْرُقَ) بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ يَخْرُجَ (مِنْ قَدَمَيْهِ وَهُوَ الصَّهْرُ) بِفَتْحِ الصَّادِ بِمَعْنَى الْإِذَابَةِ، وَالْمَعْنَى مَا ذَكَرَ مِنَ النُّفُوذِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعْنَى الصَّهْرِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠] وَمَعَ هَذَا لَهُمُ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] (ثُمَّ يُعَادُ) أَيْ مَا فِي جَوْفِهِ (كَمَا كَانَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] أَيْ شِدَّةَ الْعِقَابِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)

стр. 7873

٥٦٨٠ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦] قَالَ: " يُقَرَّبُ إِلَى فِيهِ فَيَكْرَهُهُ، فَإِذَا أُدْنِي مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ، وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ، وَيَقُولُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩] ".» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٨٠ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ) أَيْ تَعَالَى، كَمَا فِي نُسْخَةٍ (يُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) قِيلَ: صَدِيدُ الْجُرْحِ مَاؤُهُ الرَّقِيقُ الْمُخْتَلِطُ بِالدَّمِ السَّائِلِ مِنْهُ (يَتَجَرَّعُهُ) أَيْ يَشْرَبُهُ لَا بِمَرَّةٍ بَلْ جُرْعَةً بَعْدَ جُرْعَةٍ لِمَرَارَتِهِ وَحَرَارَتِهِ ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧]

стр. 7874

(قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (يُقَرَّبُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ يُؤْتَى بِالصَّدِيدِ قَرِيبًا (إِلَى فِيهِ) أَيْ إِلَى فَمِ الْعَاصِي (فَيَكْرَهُهُ) ، أَيْ لِعُفُونَتِهِ وَسُخُونَتِهِ (فَإِذَا " أُدْنِيَ) بِصِيَغِةِ الْمَجْهُولِ أَيْ زِيدَ فِي قُرْبِهِ (مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْمَعَاصِي أَوْ مِنْ فَمِهِ (شَوَى) أَيْ أَحْرَقَ (وَجْهَهُ، وَوَقَعَتْ) أَيْ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ رَأْسِهِ) ، أَيْ جِلْدَتُهُ (فَإِذَا شَرِبَ) أَيْ مَاءَ الصَّدِيدِ الْحَارَّ الشَّدِيدَ (قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ) ، بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ (حَتَّى تَخْرُجَ) أَيْ أَمْعَاؤُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْيَاءِ أَيِ الصَّدِيدُ (مِنْ دُبُرِهِ) ، بِضَمَّتَيْنِ وَهُوَ ضِدُّ الْقُبُلِ (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وَيَقُولُ) أَيِ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ [الكهف: ٢٩] أَيْ يَطْلُبُوا الْغِيَاثَ بِالْمَاءِ عَلَى عَادَتِهِمُ الِاسْتِغَاثَةَ فِي طَلَبِ الْغَيْثِ وَهُوَ الْمَطَرُ ﴿يُغَاثُوا﴾ [الكهف: ٢٩] أَيْ يُجَابُوا وَيُؤْتَوْا ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] أَيْ كَالصَّدِيدِ أَوْ كَعَكَرِ الزَّيْتِ عَلَى مَا صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] أَيِ ابْتِدَاءً ثُمَّ يَسْرِي إِلَى الْبُطُونِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ انْتِهَاءً ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩] أَيِ الْمُهْلُ أَوِ الْمَاءُ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَمُكْرَهٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 7875

٥٦٨١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لِسُرَادِقِ النَّارِ أَرْبَعَةُ جُدُرٍ، كُثُفُ كُلِّ جِدَارٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً» ". " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٨١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لِسُرَادِقِ النَّارِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَضَمِّ السِّينِ وَجَرِّ الْقَافِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ وَالرَّفْعِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: رُوِيَ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ، وَهَذَا أَظْهَرُ. وَفِي النِّهَايَةِ: السُّرَادِقُ كُلُّ مَا أَحَاطَ بِشَيْءٍ مِنْ حَائِطٍ أَوْ مَضْرِبٍ أَوْ خِبَاءٍ. أَقُولُ: وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] وَفِي الْقَامُوسِ: السُّرَادِقُ الَّذِي يُمَدُّ فَوْقَ الْبَيْتِ وَجَمْعُهُ سُرَادِقَاتٌ. وَقَالَ شَارِحٌ: هُوَ الَّذِي يُمَدُّ فَوْقَ صَحْنِ الدَّارِ. أَقُولُ إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ الشَّامِلُ لِلْمُحِيطِ بِجَمِيعِ جِهَاتِهِمْ، وَلَعَلَّ سُرَادِقَهَا مِنْ نَارٍ غَلِيظَةٍ مُرَكَّبَةٍ مِنْ دُخَانٍ وَغَيْرِهِ؛ وَلِذَا قَالَ: لِسُرَادِقِهَا (أَرْبَعَةُ جُدُرٍ) بِضَمَّتَيْنِ، جَمْعُ جِدَارٍ، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنْ يُمَدَّ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَإِنَّهُ صَحَّ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّهُ يُطْبَقُ عَلَيْهِمْ، بَلْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، حَتَّى يَظُنَّ كُلٌّ أَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ فِي النَّارِ غَيْرُهُ، وَهُوَ أَصْعَبُ، فَإِنَّ الْبَلِيَّةَ إِذَا عَمَّتْ طَابَتْ، لَاسِيَّمَا إِذَا رَأَى أَنَّ عَذَابَهُ أَخَفُّ مِنْ بَعْضٍ (كُثُفُ كُلِّ جِدَارٍ) بِضَمِّ الْكَافِ وَالْمُثَلَّثَةِ مَرْفُوعًا فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَكَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَقَالَ صَاحِبُ الْمَفَاتِيحِ وَالْخَلْخَالِيُّ: بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيِ الْغِلَظُ فَالْمَعْنَى كَثَافَةُ كُلِّ جِدَارٍ وَغِلَظُهُ: (مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) وَقَالَ شَارِحٌ: بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ: الْغِلَظُ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْكُثُفُ جَمْعُ كَثِيفٍ، وَهُوَ الثَّخِينُ الْغَلِيظُ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِإِضَافَتِهِ إِلَى كُلِّ جِدَارٍ، نَعَمْ فِي نُسْخَةٍ ضُبِطَ بِضَمَّتَيْنِ مَجْرُورًا عَلَى أَنَّهُ عَلَى صِفَةِ جِدَارٍ، وَ " كُلُّ جِدَارٍ " بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 7876

٥٦٨٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يَهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٨٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، مَا يَسِيلُ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ وَغِسَالَتِهِمْ، وَقِيلَ مَا يَسِيلُ مِنْ دُمُوعِهِمْ، وَقِيلَ: هُوَ الزَّمْهَرِيرُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقِيلَ: هُوَ الصَّدِيدُ الْبَارِدُ الْمُنْتِنُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شُرْبِهِ مِنْ بُرُودَتِهِ، كَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى شُرْبِ الْحَمِيمِ لِحَرَارَتِهِ. قُلْتُ: وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] أَوْ كَذَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا - إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥] عَلَى النَّشْرِ الْمُشَوَّشِ اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ السَّامِعِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَوْ أَنَّ شَيْئًا قَلِيلًا مِنْهُ (يَهَرَاقُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ يُصَبُّ (فِي الدُّنْيَا) أَيْ فِي أَرْضِهَا (لَأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا) أَيْ لَصَارُوا ذِي نَتَنٍ مِنْهُ، فَأَهْلُ مَرْفُوعٌ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَعَلَيْهِ الْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ، وَكَأَنَّهُ وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنَّصْبِ عَلَى تَوَهُّمِ أَنَّ أَنْتَنَ مُتَعَدٍّ بِزِيَادَةِ الْهَمْزَةِ، فَقَالَ شَارِحٌ: أَنْتَنَ الشَّيْءُ أَيْ تَغَيَّرَ وَصَارَ ذَا نَتَنٍ، فَنَصْبُ أَهْلٍ لَيْسَ بِصَوَابٍ، إِنَّمَا الصَّوَابُ رَفْعُهُ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: وَفِي الْقَامُوسِ: النَّتْنُ ضِدَّ الْفَوْحِ نَتُنَ كَكَرُمَ وَضَرَبَ نَتَانَةً وَأَنْتَنَ فَهُوَ مُنْتِنٌ بِكَسْرَتَيْنِ وَبِضَمَّتَيْنِ وَكَقِنْدِيلٍ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَ الْكَسْرَتَيْنِ أَنَّهُ كَسَرَ الْمِيمَ تَبَعًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ بِكَسْرِ الدَّالِ وَضَمِّهَا تِبَاعًا لِمَا بَعْدَهَا، وَعَدَّ الْكَلِمَتَيْنِ كَلِمَةً لِامْتِزَاجِهِمَا وَعَدَمِ انْفِكَاكِهِمَا غَالِبًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.

стр. 7877

٥٦٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَعَايِشَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ» "؟ ! . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ــ ٥٦٨٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: اتَّقُوا اللَّهَ: أَوَّلُهَا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (حَقَّ تُقَاتِهِ) أَيْ حَقَّ تَقْوَاهُ مِنَ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ السَّيِّئَاتِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ: هُوَ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُشْكَرُ فَلَا يُكْفَرُ، وَيُذْكَرُ فَلَا يُنْسَى، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَصَحَّحَهُ الْمُحَدِّثُونَ، فَهُوَ إِمَّا تَفْسِيرٌ لِكَمَالِ التَّقْوَى فَلَا إِشْكَالَ، أَوْ لِأَصْلِهَا فَيَكُونُ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: هُوَ أَنْ يُنَزِّهَ الطَّاعَةَ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا، وَعَنْ تَوَقُّعِ الْمَجَازَاتِ عَلَيْهَا. ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أَيْ مُوَحِّدُونَ مُنْقَادُونَ تَائِبُونَ جَامِعُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، غَالِبُونَ حُسْنَ الظَّنِّ بِالْمَوْلَى جَلَّ وَعَلَا فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ أَمْرٌ بِدَوَامِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ النَّهْيَ فِي هَذَا الْمَقَامِ تَوَجَّهَ إِلَى الْقَيْدِ فِي الْكَلَامِ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ) أَيْ مِنْ مَاءِ شَجَرٍ يَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. قَالَ الشَّارِحُ: الزَّقُّومُ شَجَرَةٌ خَبِيثَةٌ مُرَّةٌ كَرِيهَةُ الطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ، يُكْرَهُ أَهْلُ النَّارِ عَلَى تَنَاوُلِهِ، فَلَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْهُ (قَطَرَتْ) بِالْفَتَحَاتِ أَيْ نَقِطَتْ وَنَزَلَتْ (فِي دَارِ الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ) أَيْ لِمَرَارَتِهَا وَعُفُونَتِهَا وَحَرَارَتِهَا (عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَعَايِشَهُمْ) بِالْيَاءِ، وَقَدْ يُهْمَزُ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ (فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ) أَيِ الزَّقُّومُ (طَعَامَهُ) ؟ فَفِي الصِّحَاحِ: أَنَّ الزَّقُّومَ اسْمُ طَعَامٍ لَهُمْ فِيهِ تَمْرٌ وَزُبْدٌ، وَالزَّقُّومُ أَكْلُهُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الزَّقُّومَ فِي الْعُقْبَى بَدَلُ زَقُّومِهِمْ فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ

стр. 7878

تَعَالَى عَنْهُ: لَمَّا نَزَلَ ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣] قَالَ أَبُو جَهْلٍ: التَّمْرُ بِالزُّبْدِ نَتَزَقَّمُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] الْآيَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: (حَقَّ تُقَاتِهِ) أَيْ وَاجِبَ تَقْوَاهُ وَمَا يَحِقُّ مِنْهَا، وَهُوَ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ، أَيْ بَالِغُوا فِي التَّقْوَى، حَتَّى لَا تَتْرُكُوا مِنَ الْمُسْتَطَاعِ مِنْهَا شَيْئًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تَأْكِيدٌ لِهَذَا الْمَعْنَى أَيْ لَا تَكُونُنَّ عَلَى حَالٍ سِوَى حَالِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَدْرَكَكُمُ الْمَوْتُ، فَمَنْ وَاظَبَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَدَاوَمَ عَلَيْهَا مَاتَ مُسْلِمًا وَسَلِمَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْآفَاتِ وَفِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، وَمَنْ تَقَاعَدَ عَنْهَا وَتَقَاعَسَ وَقَعَ فِي الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَمِنْ ثَمَّ أَتْبَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: " «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ» " الْحَدِيثَ. وَهُوَ فَعُولٌ مِنَ الزَّقْمِ: اللَّقْمُ الشَّدِيدُ وَالشُّرْبُ الْمُفْرِطُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ.

стр. 7879

٥٦٨٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قَالَ: " تَشْوِيهِ النَّارُ فَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ الْعُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسْطَ رَأْسِهِ، وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٨٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٤] أَيِ الْكُفَّارُ فِي النَّارِ كَالِحُونَ أَيْ عَابِسُونَ حِينَ تَحْتَرِقُ وُجُوهُهُمْ مِنَ النَّارِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀. وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ بَادِيَةٌ أَسْنَانُهُمْ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِتَفْسِيرِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا بَيَّنَهُ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ: (قَالَ) وَأَعَادَهُ لِلتَّأْكِيدِ (تَشْوِيهِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ تَحْرِقُ الْكَافِرَ (النَّارُ) أَيْ نَارُ أَهْلِ الْبَوَارِ (فَتَقَلَّصُ) عَلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، أَيْ تَنْقَبِضُ (شَفَتُهُ الْعُلْيَا) بِفَتْحِ الشِّينِ وَتُكْسَرُ (حَتَّى تَبْلُغَ) أَيْ تَصِلَ شَفَتُهُ (وَسْطَ رَأْسِهِ) ، بِسُكُونِ السِّينِ وَتُفْتَحُ (وَتَسْتَرْخِي) بِالتَّذَكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ أَيْ تَسْتَرْسِلُ (شَفَتُهُ السُّفْلَى) تَأْنِيثُ الْأَسْفَلِ، كَالْعُلْيَا تَأْنِيثُ الْأَعْلَى (حَتَّى تَضْرِبَ) أَيْ تَقْرُبُ شَفَتُهُ (سُرَّتُهُ) . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 7880

٥٦٨٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ فَتَسِيلَ الدِّمَاءُ، فَتَقَرَّحَ الْعُيُونُ، فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُزْجِيَتْ فِيهَا لَجَرَتْ» ". رَوَاهُ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) . ــ ٥٦٨٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ابْكُوا) بِكَسْرِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَضَمِّ الْكَافِ أَمْرٌ مَنْ بَكَى يَبْكِي أَيِ ابْكُوا خَوْفًا عَلَى ذُنُوبِكُمْ، أَوْ شَوْقًا إِلَى رَبِّكُمْ، كَمَا) أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ حَالَةِ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وَقَدْ سَجَدَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: هَذِهِ السَّجْدَةُ فَأَيْنَ الْبُكَاءُ؟ (فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا) أَيْ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَى الْبُكَاءِ الْحَقِيقِيِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالْأَمْرِ الِاخْتِيَارِيِّ (فَتَبَاكَوْا) بِفَتْحِ الْكَافِ، أَمْرٌ مِنْ بَابِ التَّفَاعُلِ، وَالْمَعْنَى تَحْمِلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالتَّكَلُّفِ عَلَى الْبُكَاءِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] (فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ) أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْفُجَّارَ - (يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ) ، أَيْ عَلَيْهَا وَالتَّعْبِيرُ بَقِيَ أَبْلَغَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (كَأَنَّهَا) أَيْ دُمُوعُهُمْ (جَدَاوِلُ) جَمْعُ جَدْوَلٍ، وَهُوَ النَّهْرُ الصَّغِيرُ (حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، فَتَسِيلَ الدِّمَاءُ) بِنَصْبِ الْفِعْلِ وَيُرْفَعُ
следующие страницы →