← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

٥٦٨٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يَهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٨٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، مَا يَسِيلُ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ وَغِسَالَتِهِمْ، وَقِيلَ مَا يَسِيلُ مِنْ دُمُوعِهِمْ، وَقِيلَ: هُوَ الزَّمْهَرِيرُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقِيلَ: هُوَ الصَّدِيدُ الْبَارِدُ الْمُنْتِنُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شُرْبِهِ مِنْ بُرُودَتِهِ، كَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى شُرْبِ الْحَمِيمِ لِحَرَارَتِهِ. قُلْتُ: وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] أَوْ كَذَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا - إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥] عَلَى النَّشْرِ الْمُشَوَّشِ اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ السَّامِعِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَوْ أَنَّ شَيْئًا قَلِيلًا مِنْهُ (يَهَرَاقُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ يُصَبُّ (فِي الدُّنْيَا) أَيْ فِي أَرْضِهَا (لَأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا) أَيْ لَصَارُوا ذِي نَتَنٍ مِنْهُ، فَأَهْلُ مَرْفُوعٌ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَعَلَيْهِ الْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ، وَكَأَنَّهُ وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنَّصْبِ عَلَى تَوَهُّمِ أَنَّ أَنْتَنَ مُتَعَدٍّ بِزِيَادَةِ الْهَمْزَةِ، فَقَالَ شَارِحٌ: أَنْتَنَ الشَّيْءُ أَيْ تَغَيَّرَ وَصَارَ ذَا نَتَنٍ، فَنَصْبُ أَهْلٍ لَيْسَ بِصَوَابٍ، إِنَّمَا الصَّوَابُ رَفْعُهُ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: وَفِي الْقَامُوسِ: النَّتْنُ ضِدَّ الْفَوْحِ نَتُنَ كَكَرُمَ وَضَرَبَ نَتَانَةً وَأَنْتَنَ فَهُوَ مُنْتِنٌ بِكَسْرَتَيْنِ وَبِضَمَّتَيْنِ وَكَقِنْدِيلٍ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَ الْكَسْرَتَيْنِ أَنَّهُ كَسَرَ الْمِيمَ تَبَعًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ بِكَسْرِ الدَّالِ وَضَمِّهَا تِبَاعًا لِمَا بَعْدَهَا، وَعَدَّ الْكَلِمَتَيْنِ كَلِمَةً لِامْتِزَاجِهِمَا وَعَدَمِ انْفِكَاكِهِمَا غَالِبًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.

стр. 7877

٥٦٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَعَايِشَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ» "؟ ! . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ــ ٥٦٨٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: اتَّقُوا اللَّهَ: أَوَّلُهَا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (حَقَّ تُقَاتِهِ) أَيْ حَقَّ تَقْوَاهُ مِنَ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ السَّيِّئَاتِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ: هُوَ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُشْكَرُ فَلَا يُكْفَرُ، وَيُذْكَرُ فَلَا يُنْسَى، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَصَحَّحَهُ الْمُحَدِّثُونَ، فَهُوَ إِمَّا تَفْسِيرٌ لِكَمَالِ التَّقْوَى فَلَا إِشْكَالَ، أَوْ لِأَصْلِهَا فَيَكُونُ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: هُوَ أَنْ يُنَزِّهَ الطَّاعَةَ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا، وَعَنْ تَوَقُّعِ الْمَجَازَاتِ عَلَيْهَا. ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أَيْ مُوَحِّدُونَ مُنْقَادُونَ تَائِبُونَ جَامِعُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، غَالِبُونَ حُسْنَ الظَّنِّ بِالْمَوْلَى جَلَّ وَعَلَا فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ أَمْرٌ بِدَوَامِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ النَّهْيَ فِي هَذَا الْمَقَامِ تَوَجَّهَ إِلَى الْقَيْدِ فِي الْكَلَامِ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ) أَيْ مِنْ مَاءِ شَجَرٍ يَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. قَالَ الشَّارِحُ: الزَّقُّومُ شَجَرَةٌ خَبِيثَةٌ مُرَّةٌ كَرِيهَةُ الطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ، يُكْرَهُ أَهْلُ النَّارِ عَلَى تَنَاوُلِهِ، فَلَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْهُ (قَطَرَتْ) بِالْفَتَحَاتِ أَيْ نَقِطَتْ وَنَزَلَتْ (فِي دَارِ الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ) أَيْ لِمَرَارَتِهَا وَعُفُونَتِهَا وَحَرَارَتِهَا (عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَعَايِشَهُمْ) بِالْيَاءِ، وَقَدْ يُهْمَزُ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ (فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ) أَيِ الزَّقُّومُ (طَعَامَهُ) ؟ فَفِي الصِّحَاحِ: أَنَّ الزَّقُّومَ اسْمُ طَعَامٍ لَهُمْ فِيهِ تَمْرٌ وَزُبْدٌ، وَالزَّقُّومُ أَكْلُهُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الزَّقُّومَ فِي الْعُقْبَى بَدَلُ زَقُّومِهِمْ فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ

стр. 7878

تَعَالَى عَنْهُ: لَمَّا نَزَلَ ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣] قَالَ أَبُو جَهْلٍ: التَّمْرُ بِالزُّبْدِ نَتَزَقَّمُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] الْآيَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: (حَقَّ تُقَاتِهِ) أَيْ وَاجِبَ تَقْوَاهُ وَمَا يَحِقُّ مِنْهَا، وَهُوَ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ، أَيْ بَالِغُوا فِي التَّقْوَى، حَتَّى لَا تَتْرُكُوا مِنَ الْمُسْتَطَاعِ مِنْهَا شَيْئًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تَأْكِيدٌ لِهَذَا الْمَعْنَى أَيْ لَا تَكُونُنَّ عَلَى حَالٍ سِوَى حَالِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَدْرَكَكُمُ الْمَوْتُ، فَمَنْ وَاظَبَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَدَاوَمَ عَلَيْهَا مَاتَ مُسْلِمًا وَسَلِمَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْآفَاتِ وَفِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، وَمَنْ تَقَاعَدَ عَنْهَا وَتَقَاعَسَ وَقَعَ فِي الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَمِنْ ثَمَّ أَتْبَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: " «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ» " الْحَدِيثَ. وَهُوَ فَعُولٌ مِنَ الزَّقْمِ: اللَّقْمُ الشَّدِيدُ وَالشُّرْبُ الْمُفْرِطُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ.

стр. 7879

٥٦٨٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قَالَ: " تَشْوِيهِ النَّارُ فَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ الْعُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسْطَ رَأْسِهِ، وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٨٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٤] أَيِ الْكُفَّارُ فِي النَّارِ كَالِحُونَ أَيْ عَابِسُونَ حِينَ تَحْتَرِقُ وُجُوهُهُمْ مِنَ النَّارِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀. وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ بَادِيَةٌ أَسْنَانُهُمْ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِتَفْسِيرِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا بَيَّنَهُ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ: (قَالَ) وَأَعَادَهُ لِلتَّأْكِيدِ (تَشْوِيهِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ تَحْرِقُ الْكَافِرَ (النَّارُ) أَيْ نَارُ أَهْلِ الْبَوَارِ (فَتَقَلَّصُ) عَلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، أَيْ تَنْقَبِضُ (شَفَتُهُ الْعُلْيَا) بِفَتْحِ الشِّينِ وَتُكْسَرُ (حَتَّى تَبْلُغَ) أَيْ تَصِلَ شَفَتُهُ (وَسْطَ رَأْسِهِ) ، بِسُكُونِ السِّينِ وَتُفْتَحُ (وَتَسْتَرْخِي) بِالتَّذَكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ أَيْ تَسْتَرْسِلُ (شَفَتُهُ السُّفْلَى) تَأْنِيثُ الْأَسْفَلِ، كَالْعُلْيَا تَأْنِيثُ الْأَعْلَى (حَتَّى تَضْرِبَ) أَيْ تَقْرُبُ شَفَتُهُ (سُرَّتُهُ) . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 7880

٥٦٨٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ فَتَسِيلَ الدِّمَاءُ، فَتَقَرَّحَ الْعُيُونُ، فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُزْجِيَتْ فِيهَا لَجَرَتْ» ". رَوَاهُ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) . ــ ٥٦٨٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ابْكُوا) بِكَسْرِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَضَمِّ الْكَافِ أَمْرٌ مَنْ بَكَى يَبْكِي أَيِ ابْكُوا خَوْفًا عَلَى ذُنُوبِكُمْ، أَوْ شَوْقًا إِلَى رَبِّكُمْ، كَمَا) أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ حَالَةِ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وَقَدْ سَجَدَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: هَذِهِ السَّجْدَةُ فَأَيْنَ الْبُكَاءُ؟ (فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا) أَيْ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَى الْبُكَاءِ الْحَقِيقِيِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالْأَمْرِ الِاخْتِيَارِيِّ (فَتَبَاكَوْا) بِفَتْحِ الْكَافِ، أَمْرٌ مِنْ بَابِ التَّفَاعُلِ، وَالْمَعْنَى تَحْمِلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالتَّكَلُّفِ عَلَى الْبُكَاءِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] (فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ) أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْفُجَّارَ - (يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ) ، أَيْ عَلَيْهَا وَالتَّعْبِيرُ بَقِيَ أَبْلَغَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (كَأَنَّهَا) أَيْ دُمُوعُهُمْ (جَدَاوِلُ) جَمْعُ جَدْوَلٍ، وَهُوَ النَّهْرُ الصَّغِيرُ (حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، فَتَسِيلَ الدِّمَاءُ) بِنَصْبِ الْفِعْلِ وَيُرْفَعُ

стр. 7881

وَكَذَا الْوَجْهَانِ فِي قَوْلِهِ: (فَتَقَرَّحَ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعٌ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ، حُذِفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ مِنْهُ أَيْ فَتَخْرُجَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ سَيَلَانِ الدِّمَاءِ (الْعُيُونُ) ، بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتُكْسَرُ، جَمْعُ الْعَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ: تَقْرَحُ بِسُكُونِ الْقَافِ وَفَتَحَ الرَّاءَ، فَالْعُيُونُ مَنْصُوبٌ لِأَنَّ قَرَحَ - كَمَنَعَ -: جَرَحَ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، فَالْمَعْنَى فَتُخْرِجُ دُمُوعُهُمْ أَوْ دِمَاؤُهُمْ عُيُونَهُمْ فَتَزِيدُ فِي سَيَلَانِهَا (فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا) بِضَمِّ السِّينِ وَالْفَاءِ جَمْعُ سَفِينَةٍ (أُزْجِيَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِزْجَاءِ بِالزَّايِ وَالْجِيمِ أَيْ أُرْسِلَتْ (فِيهَا) أَيْ فِي الدُّمُوعِ أَوِ الدِّمَاءِ (لَجَرَتْ) أَيِ السُّفُنُ بِهَا (رَوَاهُ) أَيِ الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ.

стр. 7882

٥٦٨٦ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُلْقَى عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْجُوعُ، فَيَعْدِلُ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، فَيَسْتَغِيثُونَ، فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ: (مِنْ ضَرِيعٍ، لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالطَّعَامِ، فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ ذِي غُصَّةٍ، فَيَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ الْغُصَصَ فِي الدُّنْيَا بِالشَّرَابِ، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالشَّرَابِ فَيُرْفَعُ إِلَيْهِمُ الْحَمِيمُ بِكَلَالِيبِ الْحَدِيدِ، فَإِذَا دَنَتْ مِنْ وُجُوهِهِمْ شَوَتْ وُجُوهَهُمْ، فَإِذَا دَخَلَتْ بُطُونَهُمْ قَطَّعَتْ مَا فِي بُطُونِهِمْ، يَقُولُونَ: ادْعُوا خَزَنَةَ جَهَنَّمَ، فَيَقُولُونَ: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠] قَالَ: فَيَقُولُونَ: ادْعُوا مَالِكًا، فَيَقُولُونَ: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قَالَ: " فَيُجِيبُهُمْ ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قَالَ الْأَعْمَشُ: نُبِّئْتُ أَنَّ بَيْنَ دُعَائِهِمْ وَإِجَابَةِ مَالِكٍ إِيَّاهُمْ أَلْفَ عَامٍ قَالَ: فَيَقُولُونَ: ادْعُوا رَبَّكُمْ، فَلَا أَحَدَ خَيْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ، فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ - رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٧] " قَالَ: " فَيُجِيبُهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قَالَ: " فَعِنْدَ ذَلِكَ يَئِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَأْخُذُونَ فِي الزَّفِيرِ وَالْحَسْرَةِ وَالْوَيْلِ» ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَالنَّاسُ لَا يَرْفَعُونَ هَذَا الْحَدِيثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٨٦ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُلْقَى) أَيْ يُسْقَطُ (عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْجُوعُ) ، أَيِ الشَّدِيدُ (فَيَعْدِلُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ أَيْ فَيُسَاوِي الْجُوعُ (مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ) ، الْمَعْنَى أَنَّ أَلَمَ جُوعِهِمْ مِثْلُ أَلَمِ سَائِرِ عَذَابِهِمْ (فَيَسْتَغِيثُونَ) ، أَيْ بِالطَّعَامِ (فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ: ﴿مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] وَهُوَ نَبْتٌ بِالْحِجَازِ لَهُ شَوْكٌ لَا تَقْرَبُهُ دَابَّةٌ لِخُبْثِهِ، وَلَوْ أَكَلَتْ مَاتَتْ. وَالْمُرَادُ هُنَا شَوْكٌ مِنْ نَارٍ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ، وَأَحَرُّ مِنَ النَّارِ ﴿لَا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية: ٧] أَيْ لَا يُشْبِعُ الْجَائِعَ وَلَا يَنْفَعُهُ وَلَوْ أَكَلَ مِنْهُ كَثِيرًا ﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] ، أَيْ وَلَا يَدْفَعُ وَلَوْ بِالتَّسْكِينِ شَيْئًا مِنْ أَلَمِ الْجُوعِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] إِلَى آخِرِهِ. (فَيَسْتَغِيثُوا بِالطَّعَامِ) ، أَيْ ثَانِيًا لِعَدَمِ نَفْعِ مَا أُغِيثُوا أَوَّلًا (فَيُغَاثُوا بِطَعَامٍ ذِي غُصَّةٍ) ، أَيْ مِمَّا يَنْشُبُ فِي الْحَلْقِ وَلَا يَسُوغُ فِيهِ مِنْ عَظْمٍ وَغَيْرِهِ، لَا يَرْتَقِي وَلَا يَنْزِلُ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ بِطَعَامٍ ذِي غُصَّةٍ، فَيَتَنَاوَلُونَهُ فَيَغَصُّونَ بِهِ، (فَيَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ) مِنَ الْإِجَازَةِ بِالزَّايِ أَيْ يُسِيغُونَ (الْغُصَصَ) جَمْعُ الْغُصَّةِ بِالضَّمِّ، وَهِيَ مَا اعْتَرَضَ فِي الْحَلْقِ فَأَشْرَقَ، عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَالِجُونَهَا (فِي الدُّنْيَا بِالشَّرَابِ، فَيَسْتَغِيثُونَ) أَيْ عَلَى مُقْتَضَى طِبَاعِهِمْ (بِالشَّرَابِ) أَيْ لِدَفْعِ مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ (فَيُرْفَعُ إِلَيْهِمُ الْحَمِيمُ) بِالرَّفْعِ أَيْ يُرْفَعُ أَطْرَافُ إِنَاءٍ فِيهِ الْحَمِيمُ، وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ الشَّدِيدُ (بِكَلَالِيبِ الْحَدِيدِ) أَيْ عَلَى أَيْدِي الْمَلَائِكَةِ أَوْ بِيَدِ الْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ الْوَاسِطَةِ (فَإِذَا دَنَتْ) أَيْ قَرُبَتْ أَوَانِي الْحَمِيمِ (مِنْ وُجُوهِهِمْ شَوَتْ وُجُوهَهُمْ) ، أَيْ أَحْرَقَتْهَا (فَإِذَا دَخَلَتْ) أَيْ أَنْوَاعٌ مَا فِيهَا مِنَ الصَّدِيدِ وَالْغَسَّاقِ وَغَيْرِهِمَا (بُطُونَهُمْ قَطَّعَتْ مَا فِي بُطُونِهِمْ) أَيْ مِنَ الْأَمْعَاءِ قِطْعَةً قِطْعَةً (فَيَقُولُونَ: ادْعُوا خَزَنَةَ جَهَنَّمَ) نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ ادْعُوا، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ: يَقُولُ الْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْعُوا خَزَنَةَ جَهَنَّمَ فَيَدْعُونَهُمْ وَيَقُولُونَ لَهُمْ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] (فَيَقُولُونَ) أَيِ الْخَزَنَةُ ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا﴾ [غافر: ٥٠] أَيِ الْخَزَنَةُ تَهَكُّمًا بِهِمْ ﴿فَادْعُوا﴾ [غافر: ٥٠] أَيْ أَنْتُمْ مَا شِئْتُمْ فَإِنَّا لَا نَشْفَعُ لِلْكَافِرِ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠] أَيْ فِي ضَيَاعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمْ حِينَئِذٍ دُعَاءٌ لَا مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَهَذَا (يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَقَدِ اسْتُجِيبَ دُعَاءُ الشَّيْطَانِ فِي الْإِمْهَالِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الظَّاهِرُ أَنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ لَيْسَ بِمَفْعُولِ ادْعُوا، بَلْ هُوَ مُنَادَى لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمَ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ [غافر: ٥٠] إِلْزَامٌ.

стр. 7883

لِلْحُجَّةِ وَتَوْبِيخٍ، وَأَنَّهُمْ خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ أَوْقَاتَ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَعَطَّلُوا الْأَسْبَابَ الَّتِي يَسْتَجِيبُ لَهَا الدَّعَوَاتِ. قَالُوا: فَادْعُوا أَنْتُمْ فَإِنَّا لَا نَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ قَوْلُهُمْ: فَادْعُوا لِرَجَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَلَكِنْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْخَيْبَةِ، فَإِنَّ الْمَلَكَ الْمُقَرَّبَ إِذَا لَمْ يُسْمَعْ دُعَاؤُهُ، فَكَيْفَ يُسْمَعُ دُعَاءُ الْكَافِرِينَ. (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَقُولُونَ) أَيِ الْكُفَّارُ (ادْعُوا مَالِكًا) ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمَّا أَيِسُوا مِنْ دُعَاءِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَجْلِهِمْ وَشَفَاعَتِهِمْ لَهُمْ أَيْقَنُوا أَنْ لَا خَلَاصَ لَهُمْ وَلَا مَنَاصَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، (فَيَقُولُونَ: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ﴾ [الزخرف: ٧٧] أَيْ سَلْ رَبَّكَ دَاعِيًا لِيَحْكُمْ بِالْمَوْتِ ﴿عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] : لِنَسْتَرِيحَ، أَوْ مِنْ قَضَى عَلَيْهِ إِذَا أَمَاتَهُ، فَالْمَعْنَى لِيُمِيتُنَا رَبُّكَ فَنَسْتَرِيحَ. (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَيُجِيبُهُمْ) أَيْ مَالِكٌ جَوَابًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] أَيْ مُكْثًا مُخَلَّدًا. (قَالَ الْأَعْمَشُ) وَهُوَ أَحَدُ الرُّوَاةِ مِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ (نُبِّئْتُ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ أُخْبِرْتُ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مَوْقُوفًا أَوْ مَرْفُوعًا (أَنَّ بَيْنَ دُعَائِهِمْ وَإِجَابَةِ مَالِكٍ إِيَّاهُمْ) أَيْ هَذَا الْجَوَابُ (أَلْفَ عَامٍ قَالَ: فَيَقُولُونَ) أَيْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ (ادْعُوا رَبَّكُمْ، فَلَا أَحَدَ) أَيْ فَلَيْسَ أَحَدٌ (خَيْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ) أَيْ فِي الْمَرْحَمَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَغْفِرَةِ (فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وَفِي قِرَاءَةٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَأَلِفٍ بَعْدَهُمَا، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنَى ضِدِّ السَّعَادَةِ، وَالْمَعْنَى سَبَقَتْ عَلَيْنَا هَلَكَتُنَا الْمُقَدَّرَةُ بِسُوءِ خَاتِمَتِنَا ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] أَيْ عَنْ طَرِيقِ التَّوْحِيدِ ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] وَهَذَا كَذِبٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] قَالَ: " لِيُجِيبَهُمْ) أَيِ اللَّهُ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا إِجَابَةَ إِعْرَاضٍ ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أَيْ ذِلُّوا وَانْزَجِرُوا كَمَا يَنْزَجِرُ الْكِلَابُ إِذَا زُجِرَتْ، وَالْمَعْنَى: ابْعِدُوا أَذِلَّاءَ فِي النَّارِ ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أَيْ لَا تُكَلِّمُونِي فِي رَفْعِ الْعَذَابِ، فَإِنَّهُ لَا يُرْفَعُ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْكُمْ قَالَ: " فَعِنْدَ ذَلِكَ يَئِسُوا " أَيْ قَنَطُوا (مِنْ كُلِّ خَيْرٍ) ، أَيْ مِمَّا يُنْجِيهِمْ مِنَ الْعَذَابِ أَوْ يُخَفِّفُهُ عَنْهُمْ (أَوْ عِنْدَ ذَلِكَ) . أَيْ أَيْضًا (يَأْخُذُونَ فِي الزَّفِيرِ) أَيْ فِي احْتِرَاقِ النَّفَسِ لِلشِّدَّةِ وَقِيلَ: الزَّفِيرُ أَوَّلُ صَوْتِ الْحِمَارِ، كَمَا أَنَّ الشَّهِيقَ آخِرُ صَوْتِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] (وَالْحَسْرَةِ) أَيْ وَفِي النَّدَامَةِ (وَالْوَيْلِ) أَيْ وَفِي شِدَّةِ الْهَلَاكِ وَالْعُقُوبَةِ، وَقِيلَ: هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَحَدُ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ أَصْحَابِ التَّخْرِيجِ (وَالنَّاسُ لَا يَرْفَعُونَ هَذَا الْحَدِيثَ) . أَيْ بَلْ يَجْعَلُونَهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، فَإِنَّ أَمْثَالَ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ مَرْفُوعًا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ صَدْرِ الْحَدِيثِ.

стр. 7884

٥٦٨٧ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ، أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ» " فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى لَوْ كَانَ فِي مَقَامِي هَذَا سَمِعَهُ أَهْلُ السُّوقِ، وَحَتَّى سَقَطَتْ خَمِيصَةٌ كَانَتْ عَلَيْهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٥٦٨٧ - (وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " أَنْذَرْتُكُمُ " النَّارَ) أَيْ أَخْبَرْتُكُمْ بِوُجُودِهَا، وَأَخْبَرْتُكُمْ بِشِدَّتِهَا، وَخَوَّفْتُكُمْ بِأَنْوَاعِ عُقُوبَتِهَا (أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ) أَيْ أَعْلَمْتُكُمْ بِمَا يُتَّقَى بِهِ عَنْهَا حَتَّى قَلْتُ لَكُمْ: " «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» " ثُمَّ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ كَمَا الْإِنْذَارُ فِي زَمَانِ الْحَالِ، وَعَبَّرَ بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِهِ فِي السَّابِقِ اللَّاحِقِ لِلِاسْتِقْبَالِ، أَوِ الْأَوَّلُ إِخْبَارٌ وَالثَّانِي إِنْشَاءٌ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْكِيدِ فِي أَحَدِ الْمَعَانِي، وَفِي نُسْخَةٍ: كَرَّرَ ثَلَاثًا. (فَمَا زَالَ يَقُولُهَا) أَيْ يُكَرِّرُ الْكَلِمَةَ الْمَذْكُورَةَ وَيَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ (حَتَّى لَوْ كَانَ) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِي مَقَامِي هَذَا) أَيِ الْمَقَامِ الَّذِي كَانَ الرَّاوِي فِيهِ عِنْدَ رِوَايَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ (سَمِعَهُ) أَيْ سَمِعَ صَوْتَهُ (أَهْلُ السُّوقِ) لِأَنَّهُ بَالَغَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ عَمَلًا بِقَوْلِ نُوحٍ ﵊: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا - ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: ٨ - ٩] (وَحَتَّى سَقَطَتْ خَمِيصَةٌ) وَهِيَ نَوْعُ ثَوْبٍ (كَانَتْ عَلَيْهِ) أَيْ فَوْقَ كَتِفِهِ بِمَنْزِلَةِ رِدَائِهِ (عِنْدَ رِجْلَيْهِ) أَيْ مِنْ جَذْبَتِهِ الْإِلَهِيَّةِ وَعَدَمِ شُعُورِهِ مِنَ الْهَيْبَةِ الْحِسِّيَّةِ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

стр. 7885

٥٦٨٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ الْجُمْجُمَةِ - أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا أَوْ قَعْرَهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٨٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بِحَذْفِ الْيَاءِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْيَاءِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَمَّا ابْنُ الْعَاصِ فَأَكْثَرُ مَا يَجِيءُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَنَحْوِهِمَا بِحَذْفِ الْيَاءِ، وَهِيَ لُغَةٌ، وَالْفَصِيحُ الصَّحِيحُ " الْعَاصِي " بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَكَذَلِكَ شَدَّادُ بْنُ الْهَادِي، وَابْنُ أَبِي الْمَوَالِي، بِالصَّحِيحِ الْفَصِيحِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَمَا أَشْبَهَهُ إِثْبَاتُ الْيَاءِ، وَلَا اعْتِدَادَ بِوُجُودِهِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ إِذْ أَكْثَرُهَا بِحَذْفِهَا. أَقُولُ: تَعْبِيرُهُ بِالصَّحِيحِ الْفَصِيحِ غَيْرُ صَحِيحٍ، إِذْ جَاءَ إِثْبَاتُ الْيَاءِ وَحَذْفُهَا فِي الْكَلَامِ الْأَفْصَحِ كِتَابَةً وَقِرَاءَةً، نَعَمْ حَذْفُهَا رَسْمًا أَكْثَرُ مِنْ إِثْبَاتِهَا قِرَاءَةً، وَإِثْبَاتُهَا قِرَاءَةً أَشْهَرُ مِنْ حَذْفِهَا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: الْمُهْتَدِ وَالْمُتَعَالِ وَبَاقٍ وَوَاقٍ، ثُمَّ عَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِكُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُطَابِقِ لِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ الْمَنْسُوبِ إِلَى كِتَابَةِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ مُسْتَبْعَدًا جِدًّا خُصُوصًا مِنَ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ ﵀ الَّذِي هُوَ مِنْ أَتْبَاعِ الْمُحَدِّثِينَ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الْمُتَوَرِّعِينَ، هَذَا وَالصَّحِيحُ فِي الْعَاصِ أَنَّهُ مُعْتَلُّ الْعَيْنِ لَا مُعْتَلُّ اللَّامِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ قَوْلَهُ: الْأَعْيَاصُ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْلَادُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْأَكْبَرِ، وَهُمُ الْعَاصُ، وَأَبُو الْعَاصِ، وَالْعِيصُ، وَأَبُو الْعِيصِ، فَالْعَاصُ عَلَى هَذَا يَخْرُجُ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ الْيَاءِ فِيهِ بِالْمَرَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالصَّادَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ قِطْعَةٌ مِنَ الرَّصَاصِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الرَّصَاصُ كَسَحَابٍ مَعْرُوفٌ، وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ: رَصَاصَةٌ بِرَاءٍ وَاحِدَةٍ وَمُعْجَمَتَيْنِ، وَهِيَ الْحَصَا الصِّغَارُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: رَضْرَاضَةً بِرَاءَيْنِ وَمُعْجَمَتَيْنِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمَدْقُوقَةُ عَلَى مَا قَالَهُ شَارِحٌ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنَ الْكُتَّابِ، أَوْ مِنْ صَاحِبِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: فِي سَائِرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ رَضْرَاضَةٌ مَكَانَ رَصَاصَةٍ، وَهُوَ غَلَطٌ لَمْ يُوجَدْ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَلَعَلَّ الْغَلَطَ وَقَعَ مِنْ غَيْرِهِ. (مِثْلَ هَذِهِ) إِشَارَةٌ إِلَى مَحْسُوسَةٍ مُعَيَّنَةٍ هُنَاكَ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ: (وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ الْجُمْجُمَةِ) بِضَمِّ الْجِيمَيْنِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ لِلْمِشْكَاةِ، وَهِيَ قَدَحٌ صَغِيرٌ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: بِالْخَاءَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهِيَ حَبَّةٌ صَغِيرَةٌ صَفْرَاءُ وَقِيلَ: هِيَ بِالْجِيمَيْنِ وَهِيَ عَظِيمُ الرَّأْسِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الدِّمَاغِ، وَقِيلَ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ، انْتَهَى. وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ.

стр. 7886

لِبَيَانِ الْحَجْمِ وَالتَّدْوِيرِ الْمُعَيَّنِ عَلَى سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: بَيَّنَ مَدَى قَعْرِ جَهَنَّمَ بِأَبْلَغِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْبَيَانِ، فَإِنَّ الرَّصَاصَ مِنَ الْجَوَاهِرِ الرَّزِينَةِ، وَالْجَوْهَرُ كُلَّمَا كَانَ أَتَمَّ رَزَانَةً كَانَ أَسْرَعَ هُبُوطًا إِلَى مُسْتَقَرِّهِ، لَا سِيَّمَا إِذَا انْضَمَّ إِلَى رَزَانَتِهِ كِبَرُ جِرْمِهِ ثُمَّ قَدَّرَهُ عَلَى الشَّكْلِ الدَّوْرِيِّ، فَإِنَّهُ أَقْوَى انْحِدَارًا وَأَبْلَغَ مُرُورًا فِي الْجَوَاهِرِ. فَالْمُخْتَارُ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُمْجُمَةِ الرَّأْسُ عَلَى أَنَّ اللَّامَ لِلْعَهْدِ أَوْ بَدَلٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْمَعْنَى الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنَ الْجُمْجُمَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (أُرْسِلَتْ) صِفَةٌ لِاسْمٍ " أَنَّ "، وَمَا بَيْنَهُمَا مُعْتَرِضَةٌ، أَيْ أُدْلِيَتْ (مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ) أَيْ مَسَافَةُ مَا بَيْنَهُمَا (مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ) أَيِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَالْمُرَادُ مِنَ السَّبْعِينَ الْكَثْرَةُ، أَوِ الْمُرَادُ بِذِرَاعِهَا ذِرَاعُ الْجَبَّارِ. وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ رَأْسُ سِلْسِلَةِ الصِّرَاطِ وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ. (لَسَارَتْ) أَيْ لَنَزَلَتْ وَصَارَتْ مُدَّةَ مَا سَارَتْ (أَرْبَعِينَ خَرِيفًا) أَيْ سَنَةً (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) أَيْ مِنْهُمَا جَمِيعًا لَا يَخْتَصُّ سَيْرُهَا بِأَحَدِهِمَا (قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا) أَيْ أَصْلُ السِّلْسِلَةِ (أَوْ قَعْرَهَا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمُرَادُ بِقَعْرِهَا نِهَايَتُهَا، وَهِيَ مَعْنَى أَصْلِهَا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، فَالتَّرْدِيدُ إِنَّمَا هُوَ فِي اللَّفْظِ الْمَسْمُوعِ، وَأَبْعَدَ الطِّيبِيُّ ﵀ حَيْثُ قَالَ: يُرَادُ بِهِ قَعْرُ جَهَنَّمَ؛ لِأَنَّ السِّلْسِلَةَ لَا قَعْرَ لَهَا. قُلْتُ: وَجَهَنَّمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَا ذِكْرَ لَهَا مَعَ لُزُومِ تَفْكِيكِ الضَّمِيرِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ قَعْرُهَا عَمِيقًا عَلَى مَا رَوَاهُ هُنَا. وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «لَوْ أَنَّ حَجَرًا مِثْلَ سَبْعِ خِلْفَاتٍ أُلْقِيَ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ هَوَى فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا لَا يَبْلُغُ قَعْرَهَا» ". وَالْمُرَادُ بِالْخِلْفَاتِ النُّوقُ الْحَوَامِلُ، فَاخْتِيَارُ كِبَرِ جِرْمِ الْمُرْسَلِ هُنَا مُنَاسِبٌ لِمَا قَدَّمَهُ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 7887

٥٦٨٩ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ فِي جَهَنَّمَ لَوَادِيًا يُقَالُ لَهُ: هَبْهَبُ، يَسْكُنُهُ كُلُّ جَبَّارٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٦٨٩ - (وَعَنْ أَبِي بُرْدَةٍ) بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ (عَنْ أَبِيهِ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، أَحَدُ التَّابِعِينَ الْمَشْهُورِينَ الْمُكْثِرِينَ، سَمِعَ أَبَاهُ وَعَلِيًّا وَغَيْرَهُمَا، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ بَعْدَ شُرَيْحٍ، فَعَزَلَهُ الْحَجَّاجُ. (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّ فِي جَهَنَّمَ لَوَادِيًا) فِي الْقَامُوسِ: هُوَ مَفْرَجٌ بَيْنَ جِبَالٍ أَوْ تِلَالٍ أَوْ آكَامٍ (يُقَالُ لَهُ: هَبْهَبُ) بِضَمِّ الْبَاءِ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ، وَفِي نُسْخَةِ الْجَزَرِيِّ وَكَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ. وَلَعَلَّ عَدَمَ انْصِرَافِهِ بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ مَعَ الْعَلَمِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ بِسُكُونِ الْبَاءَيْنِ وَلَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَكْرَارُ " هَبْ " أَمْرٌ مِنَ الْهِبَةِ، فَكَانَ الْوَادِي أَوْ مَنْ حَضَرَهُ يَقُولُ بِلِسَانِ الْحَالِ أَوِ الْمَقَالِ: هَبْ هَبْ مُخَاطَبًا خِطَابَ الْعَامِّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْهَبْهَبُ السَّرِيعُ، وَهَبْهَبَ السَّرَابُ إِذَا بَرَقَ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: سُمِّيَ بِذَلِكَ إِمَّا لِسُرْعَةِ وُقُوعِهِ فِي الْمُجْرِمِينَ، أَوْ لِشِدَّةِ أَجِيجِ النَّارِ فِيهِ، أَوْ لِلَمَعَانِهِ عِنْدَ الِاضْطِرَامِ وَالِالْتِهَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (يَسْكُنُهُ) فِيهِ حَذْفٌ وَإِيصَالٌ أَيْ يَسْكُنُ فِيهِ (كُلُّ جَبَّارٍ) أَيُّ مُتَكَبِّرٍ عَنِيدٍ عِنْدَ الْحَقِّ بَعِيدٌ وَعَلَى الْخَلْقِ شَدِيدٌ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو: الْفَلَقُ سِجْنٌ فِي جَهَنَّمَ يُحْبَسُ فِيهِ الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَتَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطًّى.

стр. 7888

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٦٩٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَعْظُمُ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ حَتَّى إِنَّ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ، وَإِنَّ غِلَظَ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ» ". ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٦٩٠ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " يَعْظُمُ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ) أَيْ تَكْبُرُ جُثَثُهُمْ (حَتَّى إِنَّ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَيُفْتَحُ (بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ) أَيْ لِيَزِيدَ عَذَابُهُ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (وَإِنَّ غِلَظَ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا) عُطِفَ عَلَى مَدْخُولِ " حَتَّى " أَوْ عَلَى الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ) .

стр. 7889

٥٦٩١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ فِي النَّارِ حَيَّاتٍ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ فَيَجِدُ حَمْوَتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَإِنَّ فِي النَّارِ عَقَارِبَ كَأَمْثَالِ الْبِغَالِ الْمُؤْكَفَةِ، تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ فَيَجِدُ حَمْوَتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٥٦٩١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ فَهَمْزٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ ﵀: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَزْءٍ أَبُو الْحَارِثِ السَّهْمِيُّ، سَكَنَ مِصْرَ، وَشَهِدَ بَدْرًا، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ بِمِصْرَ، انْتَهَى. وَفِيهِ إِشْكَالٌ لَا يَخْفَى. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ فِي النَّارِ حَيَّاتٍ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ) بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ فَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ وَمُفْرَدُهُ بُخْتَى. فِي الْقَامُوسِ: بِالضَّمِّ الْإِبِلُ الْخُرَاسَانِيَّةُ (تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ) أَيِ اللَّدْغَةَ (فَيَجِدُ) أَيْ مَلْسُوعُهَا (حَمْوَتَهَا) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أَيْ أَثَرَ سُمِّهَا وَسَوْرَةُ أَلَمِهَا (أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَإِنَّ فِي النَّارِ عَقَارِبَ كَأَمْثَالِ الْبِغَالِ الْمُؤْكَفَةِ) بِالْهَمْزِ أَوِ الْوَاوِ وَالْكَافُ مَفْتُوحَةٌ، مِنْ أَكَفْتُ الْحِمَارَ وَأُوكِفُهُ شَدَدْتُ عَلَيْهَا الْأَكَافَ (تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ فَيَجِدُ حَمْوَتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا. رَوَاهُمَا) أَيِ الْحَدِيثَيْنِ (أَحْمَدُ) .

стр. 7890

٥٦٩٢ - وَعَنِ الْحَسَنِ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ مُكَوَّرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". فَقَالَ الْحَسَنُ: وَمَا ذَنْبُهُمَا؟ فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! فَسَكَتَ الْحَسَنُ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) . ــ ٥٦٩٢ - (وَعَنِ الْحَسَنِ) أَيِ الْبَصْرِيِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ كَثَوْرَيْنِ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ كَقَوْلِهِمْ: زِيدٌ أَسَدٌ (مُكَوَّرَانِ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ مُلْقَيَانِ، مِنْ طَعَنَهُ فَكَوَّرَهُ أَيْ أَلْقَاهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُلْقَى وَيُطْرَحُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ فَلَكِهِمَا (فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ؛ لِزِيَادَةِ عَذَابِ أَهْلِهَا بِحَرِّهِمَا، لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَا رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مَرْفُوعًا: " «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وُجُوهُهُمَا إِلَى الْعَرْشِ وَأَقْفَاؤُهُمَا إِلَى الدُّنْيَا» ". فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ وُجُوهَهُمَا لَوْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، لَمَا أَطَاقَ حَرَّهُمَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ يَلُفَّانِ وَيُجْمَعَانِ وَيُلْقَيَانِ فِيهَا، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَكْوِيرِ الْعِمَامَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥] قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فَجَاءَ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ثَوْرَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ فِي النَّارِ، وَالرِّوَايَةُ ثَوْرَانِ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ كَأَنَّهُمَا يُمْسَخَانِ. وَقَدْ رُوِيَ بِالنُّونِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، انْتَهَى. وَمِنَ الْغَرِيبِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَتَيِ الشَّيْخِ الْجَزَرِيِّ وَالسَّيِّدِ، بِالنُّونِ أَصْلًا وَبِالْمُثَلَّثَةِ فِي الْهَامِشِ نُسْخَةً، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ بِالثَّاءِ مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي الْبُدُورِ، عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَيْضًا: ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ. (فَقَالَ الْحَسَنُ: وَمَا ذَنْبُهُمَا؟ فَقَالَ) أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ (أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀:

стр. 7891

أَيْ تُقَابِلُ النَّصَّ الْجَلِيَّ بِالْقِيَاسِ، وَيَجْعَلُ مُوجِبَ دُخُولِ النَّارِ الْعَمَلَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ مِنْ سُؤَالِهِ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِي إِدْخَالِهِمَا النَّارَ مَعَ انْقِيَادِهِمَا وَطَاعَتِهِمَا لِلْمَلِكِ الْجَبَّارِ، وَالنَّارُ إِنَّمَا هِيَ دَارُ الْبَوَارِ لِلْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ، فَمَعْنَى قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا سَمِعْتُهُ، وَلَيْسَ لِي مَزِيدُ عِلْمٍ عَلَى ذَلِكَ. (فَسَكَتَ الْحَسَنُ) فَثَبَتَ أَنَّ سُؤَالَهُ حَسَنٌ، وَكَذَا جَوَابُهُ مُسْتَحْسَنٌ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِدْخَالِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُمَا كَخَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا جُعِلَا فِي النَّارِ لِأَنَّهُمَا قَدْ عُبِدَا مِنْ دُونِ اللَّهِ تَبْكِيتًا لِلْكَافِرِينَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ﵀: قَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَكْذِيبُ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي قَوْلِهِ هَذَا، حَيْثُ قَالَ لَهُ: هَذِهِ يَهُودِيَّةٌ يُرِيدُ إِدْخَالَهَا فِي الْإِسْلَامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُمَا وَهُمَا دَائِبَانِ فِي طَاعَتِهِ، ثُمَّ حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمَا يَعُودَانِ إِلَى مَا خُلِقَا مِنْهُ، وَهُوَ نُورُ الْعَرْشِ، فَيَخْتَلِطَانِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمَا يَصِيرَانِ نُورَيْنِ وَالنُّورُ لَا يُعَذَّبُ بِالنَّارِ؛ وَلِذَا تَقُولُ النَّارُ لِلْمُؤْمِنِ: جُزْ يَا مُؤْمِنُ فَإِنَّ نُورَكَ أَطْفَأَ لَهِيبِي، فَيَرْجِعُ الْكَلَامُ إِلَى أَنَّ فَائِدَةَ إِدْخَالِهِمَا تَعْيِيرُ عَبَدَتِهِمَا، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِ كَعْبٍ وَبَيْنَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ التَّأَمُّلِ الشَّافِي، وَاللَّهُ تَعَالَى الْكَافِي، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ غَيْرُ ثَابِتٍ. قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي الْبُدُورِ: هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِصْمَةَ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ مُقَاتِلٍ، وَابْنِ حِبَّانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو عِصْمَةَ كَذَّابٌ وَضَّاعٌ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فِي النَّارِ، إِنْ شَاءَ أَخْرَجَهُمَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمَا» " قِيلَ: قَوْلُهُ: عَقِيرَانِ، أَيْ زَمِنَانِ، يَعْنِي لَا يَجْرِيَانِ.

стр. 7892

٥٦٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا شَقِيٌّ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنِ الشَّقِيُّ؟ قَالَ: " مَنْ لَمْ يَعْمَلْ لِلَّهِ بِطَاعَةٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ بِمَعْصِيَةٍ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ٥٦٩٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا شَقِيٌّ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنِ الشَّقِيُّ؟ قَالَ: " مَنْ لَمْ يَعْمَلْ لِلَّهِ) أَيْ لِأَجْلِ رِضَاهُ أَوْ لِأَمْرِهِ (بِطَاعَةٍ) أَيْ بِوَاجِبَةٍ (وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ) أَيْ لِلَّهِ (بِمَعْصِيَةٍ) وَهُوَ شَامِلٌ لِلْكَافِرِ وَالْفَاجِرِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٥ - ١٦] مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلْيِ عَلَى وَجْهِ الْخُلُودِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْبَاءُ زَائِدَةٌ فِيهِمَا، وَبِنَاءُ الْمَرَّةِ فِيهِمَا مَعَ التَّنْكِيرِ لِلتَّقْلِيلِ، وَزِيَادَةُ الْبَاءِ لِلتَّأْكِيدِ يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الرَّحْمَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ عَمِلَ لَهُ طَاعَةً مَا، أَوْ تَرَكَ لِأَجْلِهِ وَلِخَوْفِهِ مَعْصِيَةً مَا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 7893

[بَابُ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٦٩٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَغِرَّتُهُمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ رِجْلَهُ. تَقُولُ قَطْ قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [٨]- بَابُ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَيْ فِي كَوْنِهِمَا مَخْلُوقَتَيْنِ عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَفِي بَيَانِ أَنَّهُمَا لِمَنْ خُلِقَتَا، وَذِكْرِ بَعْضِ أَوْصَافِهِمَا مِنْ خِلْقَتِهُمَا. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٦٩٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " تَحَاجَّتْ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيْ تَخَاصَمَتْ وَتَجَادَلَتْ وَتَعَارَضَتْ (الْجَنَّةُ وَالنَّارُ) أَيْ بِلِسَانِ الْقَالِ أَوْ بِبَيَانِ الْحَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذِهِ.

стр. 7894

الْمُحَاجَّةُ جَارِيَةٌ عَلَى التَّحْقِيقِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مُمَيِّزَةً مُخَاطِبَةً، أَوْ عَلَى التَّمْثِيلِ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى مَا فِي الْمَعَالِمِ أَنَّ لِلَّهِ عِلْمًا فِي الْجَمَادَاتِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ سِوَى الْعُقَلَاءِ، لَا يَقِفُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ، فَلَهَا صَلَاةٌ وَتَسْبِيحٌ وَخَشْيَةٌ، فَيَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ الْإِيمَانُ بِهِ، وَيَكِلُ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، انْتَهَى. وَأَدِلَّتُهُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَحَلُّ ذِكْرِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِيثَارِ أَيِ اخْتِرْتُ (بِالْمُتَكَبِّرِينَ) أَيْ عَنِ الْحَقِّ (وَالْمُتَجَبِّرِينَ) أَيْ عَلَى الْخَلْقِ بِالتَّسَلُّطِ وَالْقَهْرِ، فَقِيلَ هُنَا بِمَعْنًى، جُمِعَ بَيْنَهِمَا لِلتَّأْكِيدِ، وَقِيلَ: الْمُتَكَبِّرُ الْمُتَعَظِّمُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، وَالْمُتَجَبِّرُ الَّذِي لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: الَّذِي لَا يَكْتَرِثُ وَلَا يُبَالِي بِأَمْرِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. (وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي) أَيْ فَأَيُّ شَيْءٍ وَقَعَ لِي (لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ) أَيْ فِي الْبَدَنِ وَالْمَالِ (وَسَقَطُهُمْ) بِفَتْحَتَيْنِ، أَيْ أَرْدَؤُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ خُمُولًا، وَأَقَلُّهُمُ اعْتِبَارًا، الْمُحَقَّرُونَ فِيمَا بَيْنَهُمُ، السَّاقِطُونَ عَنْ أَعْيُنِهِمْ، وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ لِأَنَّهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] وَفِي مَوْضِعٍ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١] وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ عُظَمَاءُ، وَكَذَا عِنْدَ مَنْ عَرَفَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ، فَوَصَفَهُمْ بِالسَّقْطِ وَالضَّعْفِ لِهَذَا الْمَعْنَى، أَوِ الْمُرَادُ بِالْحَصْرِ الْأَغْلَبُ. (وَغِرَّتُهُمْ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهِيَ عَدَمُ التَّجْرِبَةِ، أَوْ وُجُودُ الْغَفْلَةِ بِمَعْنَى الَّذِينَ لَا تَجْرِبَةَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَا اهْتِمَامَ لَهُمْ بِهَا، أَوِ الَّذِينَ هُمْ غَافِلُونَ عَنْ أُمُورِ الدُّنْيَا شَاغِلُونَ بِمُهِمِّ الْعُقْبَى عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ، أَيْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا بِخِلَافِ الْكُفَّارِ، فَإِنَّهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] . هَذَا وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: رَوَاهُ الْأَكْثَرُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ فِرَاءٍ فَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ، أَيْ أَهْلُ الْحَاجَةِ مِنَ الْغَوْثِ وَهُوَ الْجُوعُ، وَرُوِيَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَبِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ، أَيِ الْبُلْهُ الْغَافِلُونَ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ آخَرُونَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فَجِيمٍ فَزَايٍ مَفْتُوحَاتٍ وَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ، جَمْعُ عَاجِزٍ، وَرُوِيَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالْجِيمِ، جَمْعُ عَاجِزٍ أَيْضًا. (قَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ) ابْتَدَأَ بِهَا لِلْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ (سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي) وَجَبْرًا لَهَا حَيْثُ انْكَسَرَ بَالُهَا بِمَا لَهَا مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَغُلِبَتْ فِي السُّؤَالِ وَضَعُفَتْ فِي الْجَوَابِ (إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي) أَيْ مَظْهَرُهَا. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: سَمَّى الْجَنَّةَ رَحْمَتَهُ لِأَنَّ بِهَا يَظْهَرُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ: (أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي) وَإِلَّا فَرَحْمَةُ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ بِهَا مَوْصُوفًا لَيْسَتْ لِلَّهِ صِفَةٌ حَادِثَةٌ، وَلَا اسْمٌ حَادِثٌ فَهُوَ قَدِيمٌ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ ﷻ ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، وَفِي الْمَعَالِمِ: الرَّحْمَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ الْخَيْرَ لِأَهْلِهِ، وَقِيلَ: تَرْكُ عُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَإِسْدَاءُ الْخَيْرِ إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، فَهُوَ عَلَى الْأَوَّلِ صِفَةُ ذَاتٍ، وَعَلَى الثَّانِي صِفَةُ فِعْلٍ. (وَقَالَ) أَيِ اللَّهُ (لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي) أَيْ سَبَبُ عُقُوبَتِي وَمَنْشَأُ سَخَطِي وَغَضَبِي. (أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارَ مَظَاهِرُ لِلْجَمَالِ وَالْجَلَالِ عَلَى وَصْفِ الْكَمَالِ، وَلَا يَظْهَرُ لِأَحَدٍ وَجْهُ تَخْصِيصِ كَلٍّ بِكُلٍّ فِي مَقَامِ الْفَصْلِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا مِنْ بَابِ الْعَدْلِ، وَالْآخَرَ مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا) لِأَنَّ كَمَالَهُمَا فِي مَلْءِ مَآلِهِمَا (فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ) قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] أَيْ فَتَطْلُبُ الزِّيَادَةِ وَلَا تَمْتَلِئُ مِنْ أَهْلِهَا الْمُعَدِّ لَهَا. (حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ) أَيْ فِيهَا أَوْ عَلَيْهَا (رِجْلَهُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ: قَدَمَهُ، فَمَذْهَبُ السَّلَفِ التَّسْلِيمُ وَ

стр. 7895

التَّفْوِيضُ مَعَ التَّنْزِيهِ، وَأَرْبَابُ التَّأْوِيلِ مِنَ الْخَلَفِ يَقُولُونَ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ، أَوْ قَوْمٌ قَدَّمَهُمُ اللَّهُ لِلنَّارِ مِنْ أَهْلِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي سَابِقِ حُكْمِهِ أَنَّهُمْ لَاحِقُوهَا، فَتَمْتَلِئُ مِنْهُمْ جَهَنَّمُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَهُوَ قَدَمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] أَيْ مَا قَدَّمُوهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ فِي تَصْدِيقِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالرِّجْلِ الْجَمَاعَةُ مِنَ الْجَرَادِ، وَهُوَ إِنْ كَانَ مَوْضُوعًا لِجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْجَرَادِ، لَكِنَّ اسْتِعَارَتَهُ لِجَمَاعَةِ النَّاسِ غَيْرُ بَعِيدٍ، وَأَخْطَأَ الرَّاوِي فِي نَقْلِهِ الْحَدِيثَ بِالْمَعْنَى، وَظَنَّ أَنَّ الرِّجْلَ سَدَّ مَسَدَّ الْقَدَمِ، هَذَا وَقَدْ قِيلَ: وَضْعُ الْقَدَمِ عَلَى الشَّيْءِ مَثَلٌ لِلرَّوْعِ وَالْقَمْعِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَأْتِيهَا أَمْرُ اللَّهِ فَيَكْفِيهَا مِنْ طَلَبِ الْمَزِيدِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ: " فَيَضَعُ الرَّبُّ قَدَمَهُ عَلَيْهَا " وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا، كَذَا قَالَهُ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْآتِيَةَ بِلَفْظِ: " فِيهَا " فِي الْمِشْكَاةِ، نَعَمْ " فِي " قَدْ تَأَتِي بِمَعْنَى " عَلَى " عَلَى مَا فِي التَّنْزِيلِ ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] ، وَقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ تَسْكِينُ فَوْرَتِهَا، كَمَا يُقَالُ لِلْأَمْرِ يُرَادُ إِبْطَالُهُ: وَضَعْتُهُ تَحْتَ قَدَمِي، ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْقَدَمُ وَالرِّجْلُ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الْمُنَزَّهَةِ عَنِ التَّكْيِيفِ وَالتَّشْبِيهِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، كَالْيَدِ وَالْأُصْبُعِ وَالْعَيْنِ، وَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالنُّزُولِ، فَالْإِيمَانُ بِهَا فَرْضٌ، وَالِامْتِنَاعُ عَنِ الْخَوْضِ فِيهَا وَاجِبٌ، فَالْمُهْتَدِي مَنْ سَلَكَ فِيهَا طَرِيقَ التَّسْلِيمِ، وَالْخَائِضُ فِيهَا زَائِغٌ وَالْمُنْكِرُ مُعَطِّلٌ، وَالْمُكَيِّفُ مُشَبِّهٌ. تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] انْتَهَى. وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ وَلِطَرِيقِ إِمَامِنَا الْأَعْظَمِ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ، فَالتَّسْلِيمُ أَسْلَمُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (تَقُولُ) أَيِ النَّارُ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ حَالٍ، وَإِلَّا فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: فَتَقُولُ (قَطْ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا مُنَوَّنَةً، وَفِي أُخْرَى مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ (قَطْ قَطْ) ذُكِرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِ شَارِحٍ أَنَّهُ مَرَّتَيْنِ حَيْثُ قَالَ بِسُكُونِ الطَّاءِ أَيْ: كَفَى كَفَى، وَيُحْتَمَلُ بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ حَسْبِي حَسْبِي. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ بِإِسْكَانِ الطَّاءِ فِيهِمَا وَبِكَسْرِهَا مُنَوَّنَةً وَغَيْرَ مُنَوَّنَةٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: إِذَا كَانَ قَطْ بِمَعْنَى حَسْبٍ فَقَطْ كَمَنْ وَقَطٍ مُنَوَّنًا مَجْرُورًا، فَاقْتِصَارُهُ عَلَيْهِمَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْكَسْرَ مَعَ غَيْرِ التَّنْوِينِ ضَعِيفٌ. (فَهُنَالِكَ) أَيْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ (تَمْتَلِئُ) أَيِ النَّارُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى (وَيُزْوَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُضَمُّ وَيُجْمَعُ (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) أَيْ مِنْ غَايَةِ الِامْتِلَاءِ (فَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ) أَيْ أَبَدًا (مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا) أَيْ لَا يُنْشِئُ اللَّهُ خَلْقًا لِلنَّارِ، فَإِنَّهُ ظُلْمٌ بِحَسَبِ الصُّورَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا حَقِيقَةً فَإِنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مُلْكِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ مَا فِي صُورَةِ الظُّلْمِ. (وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْشِئُ لَهَا) أَيْ مِنْ عِنْدِهِ (خَلْقًا) أَيْ جَمْعًا لَمْ يَعْمَلُوا عَمَلًا، وَهَذَا فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَوْ أَنْشَأَ لِلنَّارِ خَلْقًا عَلَى مَا قِيلَ لَكَانَ عَدْلًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7896

٥٦٩٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمَ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ. فَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنُهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ: " «حَفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ» " فِي (كِتَابِ الرِّقَاقِ) . ــ ٥٦٩٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى) أَيْ يُطْرَحُ (فِيهَا) أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ (وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟) أَيْ مِنْ زِيَادَةٍ (حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ) أَيْ صَاحِبُ الْغَلَبَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ (فِيهَا قَدَمَهُ) وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (فَيُزْوَى) أَيْ يَنْضَمُّ وَيَجْتَمِعُ (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ) أَيْ مَرَّتَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْكَثْرَةُ أَوِ انْحِصَارُ الْعَدَدِ (بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ) أَيْ

стр. 7897

زِيَادَةُ عَطَائِكَ (وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ) أَيْ زِيَادَةُ مَسَاكِنَ خَالِيَةٍ عَنِ السُّكَّانِ (حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ) مِنَ الْإِسْكَانِ (فَضْلَ الْجَنَّةِ) أَيْ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ مِنْهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا. هَذَا دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُخْلَقُونَ حِينَئِذٍ وَيُعْطَوْنَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَلِلْمُعْتَزِلَةِ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ عَمَّنْ لَمْ يُذْنِبْ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنْ عَذَّبَهُمْ كَانَ ظُلْمًا وَهُوَ عَيْنُ مَذْهَبِنَا، وَالْجَوَابُ: أَنَّا وَإِنْ قُلْنَا: وَإِنْ عَذَّبَهُمْ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي مُلْكِ غَيْرِهِ، لَكِنَّهُ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِكَرَمِهِ وَلُطْفِهِ مُبَالَغَةً، فَنَفْيُ الظُّلْمِ إِثْبَاتٌ لِلْكَرَمِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . (وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ: " «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ» ) تَمَامُهُ: «وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» (فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ) أَيْ لِأَنَّ الْحَدِيثَ أَنْسَبُ بِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 7898

الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٦٩٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا، ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرَئِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَدْخُلَهَا أَحَدٌ. قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرَئِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، قَالَ فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا، فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرَئِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، قَالَ: فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٦٩٦ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا» ) أَيْ نَظَرَ اعْتِبَارٍ (فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا) أَيْ مَاعَدَا مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. (ثُمَّ جَاءَ) أَيْ رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ أَوْ إِلَى حَيْثُ مَا أُمِرَ بِهِ، أَوْ إِلَى تَحْتِ الْعَرْشِ (فَقَالَ: أَيْ رَبِّ) أَيْ يَا رَبِّ (وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ) أَيْ وَيُحِبُّ دُخُولَهَا. فَالْأُذُنُ تَعْشَقُ قَبْلَ الْعَيْنِ أَحْيَانًا (إِلَّا دَخَلَهَا) أَيْ طَمِعَ فِي دُخُولِهَا، وَجَاهَدَ فِي حُصُولِهَا، وَلَا يَهْتَمُّ إِلَّا بِشَأْنِهَا لِحُسْنِهَا وَبَهْجَتِهَا، (حَفَّهَا) أَيْ أَحَاطَهَا اللَّهُ (بِالْمَكَارِهِ) جَمْعُ كُرْهٍ وَهِيَ الْمَشَقَّةُ وَالشِّدَّةُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَكْرُوهَةٌ عَلَى النُّفُوسِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعَانِيَ لَهَا صُوَرٌ حِسِّيَّةٌ فِي تِلْكَ الْمَبَانِي (ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا) أَيْ ثَانِيًا لِمَا تَجَدَّدَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ حَوَالَيْهَا (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ بِدُونِ: قَالَ -: (فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا) أَيْ وَرَأَى مَا عَلَيْهَا ( «ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ» ) أَيْ لَمَّا رَأَى حَوْلَهَا مِنَ الْمَوَانِعِ الَّتِي هِيَ الْعَلَائِقُ وَالْعَوَائِقُ لِلْخَلَائِقِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ لِوُجُودِ الْمَكَارِهِ مِنَ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، وَمُخَالَفَةِ النَّفْسِ وَكَسْرِ الشَّهَوَاتِ. ( «قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا " قَالَ: " فَذَهَبَ " فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ قَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا» ) أَيْ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا فَزِعَ مِنْهَا وَاحْتَرَزَ فَلَا يَدْخُلُهَا، ( «فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا " قَالَ: " فَذَهَبَ» ) وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ ( «فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا» ) أَيْ لِمَيَلَانِ النَّفْسِ إِلَى الشَّهَوَاتِ وَحُبِّ اللَّذَّاتِ، وَكَسَلِهَا عَنِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، فَهَذَا الْحَدِيثُ تَفْسِيرٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّابِقِ: " «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» ". وَفِي مَعْنَاهُ مَا فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ: إِنَّ اللَّهَ بَنَى مَكَّةَ عَلَى الْمَكْرُوهَاتِ وَالدَّرَجَاتِ، وَنِعْمَ مَا قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْحَالِ: لَوْلَا الْمَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمُ ... الْجُودُ يُفْقِدُ وَالْإِقْدَامُ قَتَّالُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 7899

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٦٩٧ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلَاةَ، ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: " قَدْ أُرِيتُ الْآنَ مُذْ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قِبَلِ هَذَا الْجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٦٩٧ - (عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى) أَيْ إِمَامًا أَوْ جَمَاعَةً (لَنَا يَوْمًا الصَّلَاةَ) اللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ الَّذِي هُوَ فِي الْمَعْنَى كَالنَّكِرَةِ (ثُمَّ رَقِيَ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ صَعِدَ (الْمِنْبَرَ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ فِي قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ إِلَى جَانِبِهَا وَجِهَتِهَا (فَقَالَ: " قَدْ أُرِيتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِرَاءَةِ أَيْ أُبْصِرْتُ (الْآنَ) أَيْ فِي هَذَا الزَّمَنِ الْقَرِيبِ مِنَ الْمَاضِي وَالِاسْتِقْبَالِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْحَالِ مَعَ مُرَاعَاةِ التَّوْسِعَةِ بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ؛ وَلِذَا قَالَ: (مُذْ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ) أَيْ حِينَ صَلَّيْتُ، أَوْ مِنِ ابْتِدَاءِ زَمَنِ مَا صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ إِلَى أَنْ رَقِيتُ الْمِنْبَرَ (الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ) بِتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ مُصَوَّرَتَيْنِ صُورَةً إِجْمَالِيَّةً أَوْ تَفْصِيلِيَّةً (فِي قِبَلِ هَذَا الْجِدَارِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهِمَا. أَيْ فِي مُقَابَلَتِهِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْقُبُلُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ نَقِيضُ الدُّبُرِ، وَرَأَيْتُهُ قُبُلًا مُحَرَّكَةً وَبِضَمَّتَيْنِ وَكَصُرَدٍ وَكَعِنَبٍ أَيْ عِيَانًا وَمُقَابَلَةً. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: " الْآنَ " لِلْحَالِ وَ " أُرِيتُ " الْمَاضِي، فَكَيْفَ يَجْتَمِعَانِ؟ قُلْتُ: قَدْ تُقِرُّ بِهِ لِلْحَالِ. فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي " صَلَّيْتُ " فَإِنَّهُ لِلْمُضِيِّ الْبَتَّةَ؟ قُلْتُ: كُلُّ مُخْبِرٍ أَوْ مُنْشِئٍ يَقْصِدُ الزَّمَانَ الْحَاضِرَ لَا اللَّحْظَةَ الْحَاضِرَةَ الْغَيْرَ الْمُنْقَسِمَةِ الْمُسَمَّاةَ بِالْحَالِ، انْتَهَى. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَالَ فِي كُلِّ مَقَامٍ بِحَسَبِ مَا يُنَاسِبُهُ الْمَقَامُ فِي تَحْصِيلِ الْمَرَامِ. (فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ) أَيْ لَمْ أَرَ مَرْئِيًّا كَمَرْئِيِّ الْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ، وَلَا مَرْئِيًّا كَمَرْئِيِّ الْيَوْمِ فِي الشَّرِّ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ جَامِعَةٌ لِلْخَيْرَاتِ مِنَ الْحُورِ وَالْقُصُورِ، وَالنَّارَ جَائِزَةٌ لِأَنْوَاعِ الشُّرُورِ مِنَ الْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، فَلَا نَظِيرَ لَهُمَا فِي جَمْعِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْكَافُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَذُو الْحَالِ هُوَ الْمَفْعُولُ، وَهُوَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ لِشَهَادَةِ السَّابِقِ، وَالْمَعْنَى لَمْ أَرَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ مِثْلَ مَا رَأَيْتُ الْيَوْمَ، أَيْ رَأَيْتُهُمَا رُؤْيَةً جَلِيَّةً ظَاهِرَةً مُثِّلَتَا فِي قِبَلِ هَذَا الْجِدَارِ ظَاهِرًا خَيْرُهَا وَشَرُّهَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: " «عُرِضَ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» .

стр. 7900

[بَابُ بَدْءِ الْخَلْقِ وَذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٦٩٨ - «عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ، فَقَالَ: " اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ! " قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: " اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ! ". قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ مَا كَانَ؟ قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ قَالَ: يَا عِمْرَانُ! أَدْرِكْ نَاقَتَكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ [٩]- بَابُ بَدْءِ الْخَلْقِ وَذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْبَدْءُ: بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ فَتَسْكِينِ الدَّالِ فَالْهَمْزَةِ. بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْتَبَ بِالْوَاوِ حَتَّى لَا يَشْتَبِهَ، ضَبْطُهُ بِضَمَّتَيْنِ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ فَهَمْزٍ أَوْ بِوَاوٍ مُشَدَّدَةٍ بِلَا هَمْزٍ، فَإِنَّ مَعْنَاهَا الظُّهُورُ عَلَى مَا حَقَّقْتُهُ فِي رِسَالَتِي الَّتِي عَلَّقْتُهَا عَلَى أَوَّلِ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِبَابِ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْتَهِيًا إِلَى: وَقَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَظَّمَ مِنْ إِتْيَانِ الْإِعْرَابِ عَلَى وَجْهِ الْخُلُوِّ عَنِ الْإِغْرَابِ، نَعَمْ لَوْ رُسِمَ بِالْيَاءِ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٦٩٨ - (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ) أَيْ وَقْتَ مَجِيئِهِمْ (مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ مَشْهُورَةٌ (فَقَالَ: " اقْبَلُوا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ تَقْبَلُوا مِنِّي

стр. 7901

(الْبُشْرَى) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيِ الْبِشَارَةُ الْمُطْلَقَةُ أَوِ الْمَعْهُودَةُ (يَا بَنِي تَمِيمٍ) أَوْ هُوَ لَمَّا لَمْ يَفْهَمُوا الْإِشَارَةَ بِالْبِشَارَةِ وَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقَ اسْتِقْبَالِهَا بِالْقَبُولِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ حُصُولُ كُلِّ وُصُولٍ. (قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا) فَحَمَلُوا الْبِشَارَةَ عَلَى الْإِحْسَانِ الْعُرْفِيِّ، فَطَلَبُوا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَطَاءِ الْحَسَنِ، وَهَذَا بِمُقْتَضَى مَا غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ حَبِّ الدُّنْيَا الْعَاجِلَةِ، وَغَفْلَتِهِمْ عَنِ الْمَرَاتِبِ الْآجِلَةِ، فَكُلُّ إِنَاءٍ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ، وَيَبِينُ عَنْ ذَلِكَ الْبِنَاءِ مُعَايَنَةً، وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَكُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ مَنْهَجَهُمْ وَمَذْهَبَهُمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيِ اقْبَلُوا مِنِّي مَا يَقْتَضِي أَنْ تُبَشَّرُوا بِالْجَنَّةِ مِنَ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ جُلُّ اهْتِمَامِهِمْ إِلَّا بِشَأْنِ الدُّنْيَا وَالِاسْتِعْطَاءِ دُونَ دِينِهِمْ قَالُوا: بَشَّرْتَنَا لِلتَّفَقُّهِ، وَإِنَّمَا جِئْنَا لِلِاسْتِعْطَاءِ فَأَعْطِنَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ ". وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: بَشَّرْتَنَا هُوَ دَالٌّ عَلَى إِسْلَامِهِمْ، وَإِنَّمَا رَامُوا الْعَاجِلَ، وَغَفَلُوا عَنِ الْآجِلِ، وَسَبَبُ غَضَبِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَفْيِهِ قَبُولَهُمُ الْبُشْرَى إِشْعَارُهُ بِقِلَّةٍ عِلْمِهِمْ وَضَعْفِ قَابِلِيَّتِهِمْ؛ لِكَوْنِهِمْ عَلَّقُوا آمَالَهُمْ بِعَاجِلِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، وَقَدَّمُوا ذَلِكَ عَلَى التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ الْمُوَصِّلِ إِلَى ثَوَابِ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ، وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمِ اهْتِمَامَهُمْ بِالسُّؤَالِ عَنْ حَقَائِقِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، وَالِاعْتِنَاءِ بِضَبْطِهَا، وَالسُّؤَالِ عَنْ وَاجِبَاتِهَا وَالْمُوَصِّلَاتِ إِلَيْهَا. ( «فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: " اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ. قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ» ) أَيْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وَلَمَّا كَانَ نِيَّتُهُمُ الصَّالِحَةُ خَالِصَةً لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ لَا لِلطَّمَعِ فِي الدُّنْيَا حَصَلَ لَهُمُ الْبِشَارَةُ وَالْقَبُولُ وَالْعِلْمُ وَالْعَمَلُ وَالْوُصُولُ، وَحُرِمَ الْأَوَّلُونَ عَنِ الْبِشَارَةِ، بَلْ وَعَنِ الْعَطَاءِ فِي الْحَقَارَةِ، وَوَقَعُوا فِي حَضِيضِ النِّذَارَةِ، فَالْهِمَّةُ الْعَالِيَةُ هِيَ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْمَرْتَبَةِ الْغَالِيَةِ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْحِكَايَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُرْسِيِّ: أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُطَهَّرَةِ عَلَى قَصْدِ زِيَارَةِ تُرْبَةِ الْأَمِينِ حَمْزَةَ الْمُنَوَّرَةِ، وَتَبِعَهُ رَجُلٌ، فَفُتِحَ لَهُمَا بَابُ الْمَقْبَرَةِ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ، وَدَخَلَ الشَّيْخُ فِي مَحَلِّ الزِّيَارَةِ، فَرَأَى جَمَاعَةً مِنْ رِجَالِ الْغَيْبِ بَرِيئَةً مِنَ النُّقْصَانِ وَالْعَيْبِ، فَعَرَفَ أَنَّهُ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي تَبِعَهُ مُلْتَفِتًا إِلَيْهِ رَحْمَةً وَشَفَقَةً عَلَيْهِ: يَا أَخِي اطْلُبْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَا تُرِيدُ، فَإِنَّ الْآنَ وَقْتَ الْإِجَابَةِ وَالْمَزِيدِ، فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى دِينَارًا وَلَمْ يَذْكُرْ جَنَّةً وَلَا نَارًا، فَرَجَعَا وَلَمَّا وَصَلَا بَابَ الْمَدِينَةِ أَعْطَى الرَّجُلَ دِينَارًا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّكِينَةِ، فَدَخَلَا كِلَاهُمَا عَلَى الْقُطْبِ الْوَلِيِّ السَّيِّدِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ، وَقَدْ كُشِفَ لَهُ الْقَضِيَّةُ فَقَالَ لِلرَّجُلِ: أَيَا دَنِيَّ الْهِمَّةِ تُدْرِكُ وَقْتَ الْإِجَابَةِ، وَتَطْلُبُ قِطْعَةَ دِينَارٍ دَنِيَّةٍ، فَهَلَّا طَلَبْتَ كَأَبِي الْعَبَّاسِ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ لِيَكُونَا لِأَمْرِ دِينِكَ وَدُنْيَاكَ كَافِيَةٌ وَوَافِيَةٌ؟ ثُمَّ مَا أَحْسَنَ طَرِيقَ سُؤَالِهِمْ مِنَ الِابْتِدَاءِ فِي أَوَّلِ حَالِهِمُ الدَّالِّ عَلَى كَمَالِ مَآلِهِمْ حَيْثُ قَالُوا: (وَلِنَسْأَلَكَ) أَيْ وَجِئْنَاكَ لِنَسْأَلَكَ (عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ) أَيْ أَمْرِ الْخَلْقِ وَمَبْدَأِ الْعَالَمِ (مَا كَانَ؟) أَيْ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ أَوَّلَ هَذَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " مَا " فِي " مَا كَانَ " اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ أَوَّلَ الْأَمْرِ، وَكُرِّرَ السُّؤَالُ لِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ بِالْأَمْرِ (قَالَ: " كَانَ اللَّهُ) أَيْ فِي أَزَلِ الْآزَالِ كَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَبَدِ الْآبَادِ، بِلَا وَصْفِ التَّغَيُّرِ وَالْحُدُوثِ عَلَى مَا هُوَ نَعْتُ الْعِبَادِ، فَإِنَّ مَا ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ. (وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ) أَيْ لِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَمُوجِدُهُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ مَوْجُودٍ مُمْكِنٍ قَبْلَ الْمُوجِدِ الْوَاجِبِ الْوُجُودَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَعَالَى الْأَوَّلُ الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ، مُكَرِّرٌ الْجَوَابَ عَلَى طَرِيقِ السُّؤَالِ مُطَابَقَةً فِي الِاهْتِمَامِ بِالْحَالِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ أَوَّلُ قَدِيمٍ بِلَا ابْتِدَاءٍ، كَمَا أَنَّهُ كُرَّرَ آخِرُ كَرِيمٍ بِلَا انْتِهَاءٍ.

стр. 7902

قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ حَالٌ، وَعَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّ خَبَرٌ، وَالْمَعْنَى: يُسَاعِدُهُ؛ إِذِ التَّقْدِيرُ: كَانَ اللَّهُ فِي الْأَزَلِ مُنْفَرِدًا مُوَحَّدًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَخْفَشِ، فَإِنَّهُ جَوَّزَ دُخُولَ الْوَاوِ فِي خَبَرِ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا نَحْوَ كَانَ زَيْدٌ وَأَبُوهُ قَائِمٌ عَلَى جَعْلِ الْجُمْلَةِ خَبَرًا مَعَ الْوَاوِ تَشْبِيهًا لِلْخَبَرِ بِالْحَالِ. أَقُولُ: وَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَبَيَّنَ لَهُمُ الْأَوَّلِيَّةَ الْأَزَلِيَّةَ وَنَفَى لِغَيْرِهِ الْقَبْلِيَّةَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَعْنَى الْمَعِيَّةِ؛ وَلِهَذَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ قَالُوا: وَالْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ، لِأَنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ الْمُمْكِنِ فِي جَنْبِ وُجُودِ الْوَاجِبِ كَلَا شَيْءٍ؛ وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ فِي الدَّارِ غَيْرُهُ دَيَّارٌ. وَقَالَ آخَرُ: سِوَى اللَّهِ وَاللَّهِ مَا فِي الْوُجُودِ، أَوْ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ إِنَّمَا هِيَ مَظَاهِرُ صِفَاتِهِ وَمَرَامِي ذَاتِهِ، فَقَدْ رُوِيَ: كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ، فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لِأُعْرَفَ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ عَلَى تَفْسِيرِ حَبْرِ الْأُمَّةِ أَيْ لِيَعْرِفُونِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: هَذَا فَصْلٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لَا امْتِزَاجَ لَهُ بِالْفَصْلِ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُهُ: ( «وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» ) لِمَا بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ مِنَ الْمُنَافَاةِ، فَإِنَّكَ إِذَا جَعَلْتَ " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " مِنْ تَمَامِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَدْ نَاقَضْتَ الْأَوَّلَ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّ الْقَدِيمَ مَنْ لَمْ يَسْبِقْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يُعَارِضْهُ فِي الْأَوَّلِيَّةِ، وَقَدْ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " «وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» " إِلَى أَنَّهُمَا كَانَا مَبْدَأَ التَّكْوِينِ، وَأَنَّهُمَا كَانَا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَمْ يَكُنْ تَحْتَ الْعَرْشِ قَبْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا الْمَاءُ، وَكَيْفَمَا كَانَ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ ذَلِكَ كُلِّهِ وَمُمْسِكُهُ بِقُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَرَادَ الشَّيْخُ بِمَا قَالَهُ أَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَلَوْ جُعِلَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ لَزِمَ الْمَحْذُورُ، فَإِذَا جُعِلَ مُسْتَقِلًّا وَعُطِفَ الثَّانِيَةَ عَلَى الْأُولَى فَلَا، فَإِذَنْ لَفْظَةُ " كَانَ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِحَسَبِ حَالِ مَدْخُولِهِمَا، فَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ الْأَزَلِيَّةُ وَالْقِدَمُ، وَبِالثَّانِي الْحُدُوثُ بَعْدَ الْعَدَمِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ عَطْفٌ عَلَى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ» ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ عَنْ حُصُولِ الْجُمْلَتَيْنِ فِي الْوُجُودِ وَتَفْوِيضِ التَّرْتِيبِ إِلَى الذِّهْنِ، قَالُوا: (وَ) . بِمَنْزِلَةِ (ثُمَّ) قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَاءِ مَاءُ الْبَحْرِ، بَلْ هُوَ مَا تَحْتَ الْعَرْشِ كَمَا شَاءَ اللَّهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَالْمَاءُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ، وَالرِّيحُ قَائِمَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: خُلِقَ الْعَرْشُ وَالْمَاءُ قَبْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ خَلَقَهُمَا مِنَ الْمَاءِ بِأَنْ تَجَلَّى عَلَى الْمَاءِ فَتَمَوَّجَ وَاضْطَرَبَ وَحَصَلَ لَهُ زَبَدٌ، فَاجْتَمَعَ فِي مَحَلِّ الْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ، وَلِذَا سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى، ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا، ثُمَّ أَلْقَى الْجِبَالَ عَلَيْهَا لِئَلَّا تَمِيدَ، وَأَوَّلُ الْجِبَالِ أَبُو قُبَيْسٍ عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ، وَطَلَعَ دُخَانٌ مِنْ تَمَوُّجِ الْمَاءِ إِلَى جَانِبِ السَّمَاءِ، فَخُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ مِنْهَا، وَمُجْمَلَةٌ فِي سُورَةِ حم فُصِّلَتْ أَوْ تَفْصِيلُهُ فِي كُتُبِ الْمُفَسِّرِينَ وَسِيَرِ الْمُؤَرِّخِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. (وَكَتَبَ) أَيْ أَثْبَتَ جَمِيعَ مَا هُوَ كَائِنٌ (فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ) أَيْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. قَالَ الرَّاوِي: ( «ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ» ) أَيِ الْحَقْهَا (فَقَدْ ذَهَبَتْ) أَيْ مُنْفَلِتَةٌ (فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُ) حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ (وَايْمُ اللَّهِ) بِفَتْحِ هَمْزِ وَصْلٍ أَوْ قَطْعٍ وَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَمِيمٍ مَضْمُومَةٍ مُضَافَةٍ إِلَى الْجَلَالَةِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ بِنَفْسِهَا وَلَيْسَتْ جَمْعًا. قَالَ شَارِحٌ: ايْمُ اللَّهِ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِلْقَسَمِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَهَمْزَتُهُ لِلْوَصْلِ، وَلَمْ يَجِئْ فِي الْأَسْمَاءِ أَلِفُ الْوَصْلِ مَفْتُوحَةً غَيْرُهَا، وَتَقْدِيرُهُ ايْمُ اللَّهِ قَسَمِي، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ هُوَ مَحْذُوفُ " أَيْمُنٍ " جَمْعُ يَمِينٍ وَهَمْزَتُهُ لِلْقَطْعِ (لَوَدِدْتُ) أَيْ لَتَمَنَّيْتُ (أَنَّهَا) أَيِ النَّاقَةُ (قَدْ ذَهَبَتْ) أَيْ فُقِدَتْ (وَلَمْ أَقُمْ) أَيْ فِي طَلَبِهَا الْمَانِعِ مِنْ سَمَاعِ بَقِيَّةِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَهْلِ الْيَمَنِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 7903

٥٦٩٩ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٦٩٩ - (وَعَنْ عُمَرَ) ﵁ (قَالَ: قَامَ فِينَا) أَيْ خَطِيبًا (رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَامًا) أَيْ قِيَامًا عَظِيمًا (فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ) أَيْ فَبَيَّنَ الْمَبْدَأَ وَالْمَعَادَ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ أَحْوَالَ الْأُمَمِ كُلِّهِمْ إِلَى وَقْتِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَعَيَّنَ أَحْوَالَ أُمَّتِهِ مِمَّا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْهُمُ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ. (حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: حَتَّى غَايَةُ أَخْبَرَنَا أَيْ أَخْبَرَنَا مُبْتَدِئًا مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى دُخُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَوَضَعَ الْمَاضِيَ مَوْضِعَ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَةً لِلتَّحْقِيقِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِ الصَّادِقِ الْأَمِينِ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَيْ أَخْبَرَنَا عَنِ الْمَبْدَأِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إِلَى أَنِ انْتَهَى الْإِخْبَارُ عَنْ حَالِ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ بِجَمِيعِ أَحْوَالِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ، وَتَيْسِيرُ إِيرَادِ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَةِ أَمْرٌ عَظِيمٌ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 7904

٥٧٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي ; فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧٠٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ) أَيْ أَثْبَتَ أَوْ أَمَرَ أَنْ يَكْتُبَ الْمَلَائِكَةُ (كِتَابًا) أَيْ مَكْتُوبًا وَهُوَ اللَّوْحُ، أَوْ كَتَبَ كِتَابَةً مُسْتَقِلَّةً (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا (سَبَقَتْ غَضَبِي) أَيْ غَلَبَتْ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَالْمَعْنَى غَلَبَتِ الرَّحْمَةُ بِالْكَثْرَةِ فِي مُتَعَلِّقِهَا عَلَى الْغَضَبِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ إِرَادَةَ الْخَيْرِ وَالنِّعْمَةِ وَالْمَثُوبَةِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ أَكْثَرُ مِنْ إِرَادَةِ الشَّرِّ وَالنِّقْمَةِ وَالْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ عَامَّةٌ، وَالْغَضَبَ خَاصٌّ، كَمَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَيْثُ قِيلَ: رَحْمَةُ الرَّحْمَنِ عَامَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، بَلْ لِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ؛ وَلِذَا لَا يُطْلَقُ الرَّحْمَنُ عَلَى غَيْرِهِ سُبْحَانَهُ، فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَالْكَسْرُ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَيَكُونُ لَفْظَةُ " إِنَّ " مِنْ جُمْلَةِ الْمَكْتُوبِ، وَالْفَتْحُ عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ كِتَابًا، وَعَلَى كُلٍّ فَالْمَكْتُوبُ إِنَّمَا هُوَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَكْتُوبٌ عَنْ سَائِرِ الْخَلَائِقِ مَرْفُوعٌ عَنْ حَيِّزِ الْإِدْرَاكِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُثْبَتٌ فِي عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ، وَأَمَّا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ فَقَدْ يَطَّلِعُ عَلَى بَعْضِ مَعْلُومَاتِهِ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ مِنْ مَلَائِكَتِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَخُلَّصِ أَوْلِيَائِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْكُشُوفِ، لَا سِيَّمَا إِسْرَافِيلَ ﵇، فَإِنَّهُ مُوَكَّلٌ عَلَيْهِ وَيَأْخُذُ الْأُمُورَ مِنْهُ، فَيَأْمُرُ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَعَزْرَائِيلَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُلًّا بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْكِتَابَ هُنَا بِاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوِ الْقَضَاءِ الْإِجْمَالِيِّ وَالتَّفْصِيلِيِّ، فَيَتَعَيَّنُ الْكَسْرُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنَّ تَجْعَلَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ زُبْدَةً فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَعُمْدَةَ مَا فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْحُظُوظِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ، فَعِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مِنْهُ الْقَضَاءُ الَّذِي قَضَاهُ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: فَهُوَ عِنْدُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ تَنْبِيهٌ عَلَى كَيْنُونَتِهِ مَكْنُونًا عَنْ سَائِرِ الْخَلَائِقِ، مَرْفُوعًا عَنْ حَيِّزِ الْإِدْرَاكِ، وَلَا تَعَلُّقَ لِهَذَا الْقَوْلِ بِمَا يَقَعُ فِي النُّفُوسِ مِنَ التَّصَوُّرَاتِ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّهُ هُوَ الْمُبَايِنُ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ الْمُتَسَلِّطُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِقَهْرِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَفِي سَبْقِ الرَّحْمَةِ بَيَانُ أَنَّ قِسْطَ الْخَلْقِ هَاهُنَا أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِمْ مِنَ الْغَضَبِ، وَأَنَّهَا تَنَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَأَنَّ الْغَضَبَ لَا يَنَالُهُمْ إِلَّا بِاسْتِحْقَاقٍ، أَلَا يُرَى أَنَّهَا تَشْمَلُ الْإِنْسَانَ جَنِينًا وَرَضِيعًا وَفَطِيمًا وَنَاشِئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ طَاعَةٌ اسْتَوْجَبَ بِهَا ذَلِكَ، وَلَا يَلْحَقُهُ الْغَضَبُ إِلَّا بِمَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨] ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا سَاقَ إِلَيْنَا مِنَ النِّعَمِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا.

стр. 7905

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى وَرِضَاهُ يَرْجِعَانِ إِلَى الْمُطِيعِ إِثَابَةً وَعِقَابِ الْعَاصِي، وَالْمُرَادُ بِالسَّبْقِ هُنَا وَالْغَلَبَةِ فِي أُخْرَى كَثْرَةُ الرَّحْمَةِ وَشُمُولِهَا، كَمَا يُقَالُ: غَلَبَ عَلَى فُلَانٍ الْكَرَمُ وَالشَّجَاعَةُ، إِذَا كَثُرَ مِنْهُ. أَقُولُ: وَلَوْ أُبْقِيَا عَلَى حَقِيقَتِهِمَا مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ الْمَجَازِ جَازَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ رَحْمَتَهُ تَعَالَى سَابِقَةٌ عَلَى غَضَبِهِ بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، فَإِنَّ أَوَّلَ الرَّحْمَةِ نِعْمَةُ الْإِيجَادِ، ثُمَّ نِعْمَةُ الْإِمْدَادِ، فَلَا يَخْلُو عَنِ النِّعْمَتَيْنِ أَحَدٌ مِنَ الْعِبَادِ، وَكَذَا مِنَحُهُ سُبْحَانَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مِحَنِهِ غَالِبَةٌ كَثِيرَةٌ شَامِلَةٌ لِعُمُومِ الْخَلَائِقِ، سَوَاءٌ مَنْ أَطَاعَهُ أَوْ عَصَاهُ فِي الْبِلَادِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَنَّ مَفْتُوحَةً بَدَلًا مِنْ كِتَابًا، وَمَكْسُورَةً حِكَايَةً لِمَضْمُونِ الْكِتَابِ، وَهُوَ عَلَى وَزْنِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] أَيْ أَوْجَبَ وَعْدًا أَنْ يَرْحَمَهُمْ قَطْعًا بِخِلَافِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُقْتَضَى الْغَضَبِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَفُورٌ كَرِيمٌ يَتَجَاوَزُ عَنْهُ بِفَضْلِهِ، وَأَنْشَدَ: وَإِنِّي إِذَا أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي فَالْمُرَادُ بِالسَّبْقِ هُنَا الْقَطْعُ لِوُقُوعِهَا. قُلْتُ: لَا بُدَّ وَأَنْ يُخَصَّ بِالْمُؤْمِنِينَ مِمَّنْ تُعَلَّقُ الْمَشِيئَةُ بِمَغْفِرَتِهِمْ وَسَبْقُ الْإِرَادَةِ بِرَحْمَتِهِمْ، وَإِلَّا فَعَذَابُ الْكَافِرِ مَقْطُوعُ الْوُقُوعِ، بَلْ وَاجِبُ الْحُصُولِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وَالتَّخَلُّفُ فِي خَبَرِهِ غَيْرُ جَائِزٍ قَطْعًا، وَقَدْ حَرَّرْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي خُصُوصِ رِسَالَةٍ سَمَّيْتُهَا بِـ " الْقَوْلُ السَّدِيدِ فِي خَلْقِ الْوَعِيدِ ". (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)

стр. 7906

٥٧٠١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٧٠١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ» ) أَيْ جِنْسُهُمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْجَانُّ: الْجِنُّ، وَقَالَ شَارِحٌ: يَعْنِي أَبَا الْجِنِّ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمُقَابَلَتِهِ بِآدَمَ، ثُمَّ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ إِبْلِيسُ (مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) أَيْ لَهَبٍ مُخْتَلِطٍ بِسَوَادِ دُخَانِ النَّارِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ، وَقَالَ: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] (وَخُلِقَ آدَمُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ كَمَا قَبْلَهُ (مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْ مِمَّا بَيَّنَهُ اللَّهُ لَكُمْ فِي قَوْلِهِ: خَلَقُهُ مِنْ تُرَابٍ، وَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١] . وَلَعَلَّ كَثْرَةَ مَا وَرَدَ فِي حَقِّهِ مَعَ اشْتِهَارِهَا مَا أَوْجَبَتِ الْإِبْهَامَ فِي قَوْلِهِ: مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ. وَرَوَى الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي (الْكَامِلِ) بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ( «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابِ الْجَابِيَةِ وَعَجَنَهُ بِمَاءِ الْجَنَّةِ» ) . وَالْجَابِيَةُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ: قَرْيَةٌ بِدِمَشْقَ، وَبَابُ الْجَابِيَةِ مِنْ أَبْوَابِهَا. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا ( «خُلِقَتِ النَّخْلَةُ وَالرُّمَّانُ وَالْعِنَبُ مِنْ فَضْلِ طِينَةِ آدَمَ» ) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا ( «خَلَقَ الْحُورَ الْعِينَ مِنَ الزَّعْفَرَانِ» ) . وَرَوَى الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي (مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ) وَأَبُو الشَّيْخِ فِي (الْعَظَمَةِ) وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ: ( «خَلَقَ اللَّهُ الْجِنَّ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ وَخِشَاشُ الْأَرْضِ، وَصِنْفٌ كَالرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ، وَخَلَقَ اللَّهُ الْإِنْسَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ كَالْبَهَائِمِ، وَصِنْفٌ أَجْسَادُهُمْ أَجْسَادُ بَنِي آدَمَ وَأَرْوَاحُهُمْ أَرْوَاحُ الشَّيَاطِينِ، وَصِنْفٌ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» ) . وَفِي قَوْلِهِ: وَصِنْفٌ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ إِيمَاءً إِلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَوَقُّفِهِ فِي حَقِّ الْجِنِّ بِالثَّوَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 7907

٥٧٠٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٧٠٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ» ) أَيْ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: أَرَى هَذَا الْحَدِيثَ مُشْكِلًا جِدًّا، فَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ آدَمَ خُلِقَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ بَشَرٌ حَيٌّ، وَيُؤَيِّدُهُ الْمَفْهُومُ مِنْ نَصِّ الْكِتَابِ: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] قَالَ شَارِحٌ، قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَتَانِ أَعْنِي فِي الْجَنَّةِ سَهْوًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ أَخْطَأَ سَمْعُهُ فِيهِمَا. قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْأَخْبَارُ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ قُبِضَ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَخُمِّرَ حَتَّى صَارَ طِينًا، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى صَارَ صَلْصَالًا، وَكَانَ مُلْقًى بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ بِبَطْنِ نُعْمَانَ، وَهُوَ مِنْ أَوْدِيَةِ عَرَفَاتَ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي تَصْوِيرَهُ فِي الْجَنَّةِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ طِينَتُهُ لَمَّا خُمِّرَتْ فِي الْأَرْضِ وَتُرِكَتْ فِيهَا حَتَّى مَضَتْ عَلَيْهَا الْأَطْوَارُ، وَاسْتَعَدَّتْ لِقَبُولِ الصُّورَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ حُمِلَتْ إِلَى الْجَنَّةِ وَصُوِّرَتْ، وَنُفِخَ فِيهَا الرُّوحُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] لَا دَلَالَةَ لَهُ أَصْلًا عَلَى أَنَّهُ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَعْدَ مَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، إِنَّ الْمُرَادَ بِالسُّكُونِ الِاسْتِقْرَارُ وَالتَّمَكُّنُ، وَالْأَمْرُ بِهِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْحُصُولِ فِي الْجَنَّةِ، كَيْفَ وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ أَحَدُ الْمَأْمُورَيْنِ، وَلَعَلَّ آدَمَ ﵊ لَمَّا كَانَتْ مَادَّتُهُ الَّتِي هِيَ الْبَدَنُ مِنَ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، وَصُورَتُهُ الَّتِي بِهَا يَتَمَيَّزُ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَيُضَاهِي بِهَا الْمَلَائِكَةَ مِنَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ أَضَافَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكَوُّنَ مَادَّتَهُ إِلَى الْأَرْضِ، لِأَنَّهَا نَشَأَتْ مِنْهَا، وَأَضَافَ حُصُولَ صُورَتِهِ إِلَى الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِيهَا. (فَجَعَلَ إِبْلِيسُ) أَيْ فَشَرَعَ مِنْ كَمَالِ تَلْبِيسِهِ (يُطِيفُ بِهِ) يُضَمُّ حَرْفُ الْمُضَارَعَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ تَعَالَى: طَافَ بِالشَّيْءِ يَطُوفُ طَوْفًا وَطَوَافًا، وَأَطَافَ بِهِ يُطِيفُ إِذَا اسْتَدَارَ حَوْلَهُ (يَنْظُرُ مَا هُوَ) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ حَالٌ، أَيْ يَتَفَكَّرُ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ، وَيَتَأَمَّلُ مَاذَا يَظْهَرُ مِنْهُ، (فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ) وَهُوَ مَنْ لَهُ جَوْفٌ (عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ) أَيْ لَا يَتَقَوَّى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَلَا قُوَّةَ وَلَا ثَبَاتَ، بَلْ يَكُونُ مُتَزَلْزِلَ الْأَمْرِ، مُتَغَيِّرَ الْحَالِ، مُتَعَرِّضًا لِلْآفَاتِ. وَالتَّمَالُكُ: التَّمَاسُكُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَقْدِرُ عَلَى ضَبْطِ نَفْسِهِ مِنَ الْمَنْعِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ دَفْعَ الْوَسْوَاسِ عَنْهُ. وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْأَجْوَفُ فِي صِفَةِ الْإِنْسَانِ مُقَابِلٌ لِلصَّمَدِ فِي صِفَةِ الْبَارِي، قِيلَ: السَّيِّدُ سُمِّيَ بِالصَّمَدِ؛ لِأَنَّهُ يُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ وَيُقْصَدُ إِلَيْهِ فِي الرَّكَائِبِ، مِنْ صَمَدْتُ الْأَمْرَ إِذَا قَصَدْتَهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ الْمُنَزَّهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ بِصَدَدِ الْحَاجَةِ أَوْ فِي مَعْرِضِ الْآفَةِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّمَدِ بِمَعْنَى الْمُصَمَّدِ، وَهُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ، فَالْإِنْسَانُ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْغَيْرِ بِقَضَاءِ حَوَائِجِهِ، وَإِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لِيَمْلَأَ جَوْفَهُ، فَإِذَنْ لَا تَمَاسُكَ لَهُ فِي شَيْءٍ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. أَقُولُ: وَلَعَلَّ جِنْسَ الْجِنِّ لَيْسُوا عَلَى صِفَةِ الْأَجْوَفِيَّةِ لِيَتِمَّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7908

٥٧٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧٠٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ -: " اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ) أَيْ نَفْسُهُ ﵊ بِأَمْرِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] (وَهُوَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ (ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً " وَفِي الْمُوَطَّأِ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. قِيلَ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْأَكْمَلُ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ (بِالْقَدُومِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الدَّالِ الْمُخَفَّفَةِ. وَفِي نُسْخَةٍ تَشْدِيدُهَا. قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: الْقَدُومُ آلَةٌ لِلنَّحْرِ، وَمَوْضِعٌ اخْتَتَنَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ ﵊ وَقَدْ تُشَدَّدُ دَالُهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْقَدُومُ بِالتَّخْفِيفِ آلَةُ النَّجَّارِ، مَعْرُوفَةٌ، وَبِالتَّشْدِيدِ اسْمُ مَوْضِعٍ، وَقِيلَ: هُوَ بِالتَّخْفِيفِ أَيْضًا، هَكَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ. قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀: قَالَ أَبُو الزِّنَادِ، وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بِالْقَدُومِ» مُخَفَّفَةً. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: وَمِنَ الْمُحَدِّثِينَ مَنْ يُشَدِّدُ وَهُوَ خَطَأٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْقَدُومُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الْخِلَافُ فِي التَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَيُقَالُ لِآلَةِ النَّجَّارِ قَدُومٌ بِالتَّخْفِيفِ لَا غَيْرَ، وَأَمَّا الْقَدُومُ مَكَانٌ بِالشَّامِ فِيهِ التَّشْدِيدُ وَالتَّخْفِيفُ، فَمَنْ رَوَاهُ بِالتَّشْدِيدِ أَرَادَ الْقَرْيَةَ، وَرِوَايَةُ التَّخْفِيفِ يَحْتَمِلُ الْقَرْيَةَ وَالْآلَةَ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى التَّخْفِيفِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ.

стр. 7909

٥٧٠٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وَقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] ، وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَاهُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي: فَأَتَى سَارَةَ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبُنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي لِأَنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَأُتِيَ بِهَا، قَامَ إِبْرَاهِيمُ يُصَلِّي، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ. فَأُخِذَ - وَيُرْوَى فَغُطَّ - حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ، فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدُّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَمْ تَأْتِينِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَوْمَأَ يَدَهُ مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧٠٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ» ") : بِفَتْحِ الذَّالِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا. قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ: هُوَ اسْمٌ لَا صِفَةٌ لِأَنَّكَ تَقُولُ كَذَبَ كَذْبَةً، كَمَا تَقُولُ رَكَعَ رَكْعَةً، وَلَوْ كَانَ صِفَةً لَسُكِّنَ فِي الْجَمْعِ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الْجَيِّدُ أَنْ يُقَالَ بِفَتْحِ الذَّالِ فِي الْجَمْعِ، أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْمَصْدَرَ جَاءَ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ الْقَامُوسِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْفَتْحُ مَخْصُوصًا بِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ بِخِلَافِ الْكَسْرِ، فَإِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْمَصْدَرِ كَانَ الْفَتْحُ أَجْوَدُ، هَذَا وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى الْحَصْرِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ ذِكْرِ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْكَوْكَبِ هَذَا رَبِّي وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ فِي حَالَةِ الطُّفُولِيَّةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ زَمَانَ التَّكْلِيفِ، أَوِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّوْبِيخِ وَالِاحْتِجَاجِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: أَمَّا الْكَذِبُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا هُوَ طَرِيقُ الْبَلَاغِ عَنِ اللَّهِ ، فَالْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ مِنْهُ، سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فَإِنَّ تَجْوِيزَهُ مِنْهُمْ يَرْفَعُ الْوُثُوقَ بِأَقْوَالِهِمْ لِأَنَّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ يَرْتَفِعُ عَنْهُ، وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَلَاغِ، وَيُعَدُّ مِنَ الصَّغَائِرِ كَالْكِذْبَةِ الْوَاحِدَةِ فِي حَقِيرٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، فَفِي إِمْكَانِ وُقُوعِهِ مِنْهُمْ، وَعِصْمَتِهِمْ مِنْهُ الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ لِلسَّلَفِ وَالْخَلْفِ. قَالَ عِيَاضٌ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْكَذِبَ لَا يَقَعُ مِنْهُمْ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْكَذَبَاتُ الْمَذْكُورَاتُ، فَإِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَهْمِ السَّامِعِ لِكَوْنِهَا فِي صُورَةِ الْكَذِبِ، وَأَمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَيْسَتْ كَذَبَاتٌ. قُلْتُ: وَوَافَقَهُ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا حَيْثُ قَالَ: إِنَّمَا سَمَّاهَا كَذَبَاتٌ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَارِيضِ لِعُلُوِّ شَأْنِهِمْ عَنِ الْكِنَايَةِ بِالْحَقِّ، فَيَقَعُ ذَلِكَ مَوْقِعَ الْكَذِبِ عَنْ غَيْرِهِمْ، أَوْ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ صُورَتُهَا صُورَةَ الْكَذِبِ سُمِّيَتْ كَذَبَاتٍ، وَقَالَ الْأَكْمَلُ فِي (شَرْحِ الْمَشَارِقِ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا حَقِيقَةَ الْكَذِبِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، فَيَحْتَاجُ إِلَى الْعُذْرِ بِأَنَّ الْكَذِبَ لِلْإِصْلَاحِ جَائِزٌ، فَمَا ظَنُّكَ فِي دَفْعِ ظُلْمِ الظَّالِمِينَ؟ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: كَيْفَ يُحْتَمَلُ ذَلِكَ، مَعَ كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵊ قَرِينَةٌ حَالِيَّةٌ وَمَقَالِيَّةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ فِيهِ، وَلَمْ يُرِدْ ظَاهِرَهُ أَلَا يَرَى أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ كَذَبَاتِهِ قَوْلَهُ لِسَارَةَ: إِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ، فَقَوْلُهُ فِي الْإِسْلَامِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْأُخْتَ فِي النَّسَبِ، وَقَوْلُهُ: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) فَإِنَّ اسْتِحَالَةَ صُدُورِ الْفِعْلِ مِنَ الْجِدِّ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ أَوْ مُجَوَّزٌ فِيهِ، فَلَا يَكُونُ كَذِبًا. قُلْتُ: وَلَا سِيَّمَا فِيهِ قَوْلٌ بِالْمُوقَفِ عَلَى بَلْ فَعَلَهُ وَالِابْتِدَاءُ بِقَوْلِهِ: كَبِيرُهُمْ هَذَا. (ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ) : بَدَلٌ مِنْ " ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ " (فِي ذَاتِ اللَّهِ) أَيْ: لِأَجْلِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، أَوْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَنْزِيهِ ذَاتِهِ عَنِ الشِّرْكِ، أَوْ يُرَادُ بِهِ الْقُرْآنُ أَيْ: فِي كَلَامِهِ، وَعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ لِمَا لَمْ يَنْفَكْ عَنِ الْمُتَكَلِّمِ، كَمَا هُوَ رَأْيُ الْأَشْعَرِيِّ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَ شَارِحٌ أَيْ: فِي أَمْرِ اللَّهِ وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ إِبْرَاهِيمُ نَفْسُهُ فِيهِ أَرَبٌ، لِأَنَّهُ قَصَدَ بِالْأُولَى أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنِ الْقَوْمِ بِهَذَا الْعُذْرِ فَيَعْمَلَ بِالْأَصْنَامِ مَا فَعَلَ، وَبِالثَّانِيَةِ إِلْزَامَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ ضُلَّالٌ سُفَهَاءُ فِي عِبَادَةِ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ حَذْفُ الْمُضَافِ أَيْ: فِي كَلَامِ ذَاتِ اللَّهِ يَعْنِي أَنَّ اثْنَتَيْنِ مَذْكُورَتَانِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ لِسَارَةَ: هِيَ أُخْتِي. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذِهِ أَيْضًا فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا سَبَبُ دَفْعِ كَافِرٍ ظَالِمٍ عَنْ مُوَاقَعَةِ فَاحِشَةٍ عَظِيمَةٍ لَا يَرْضَى بِهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا خَصَّ الِاثْنَتَيْنِ بِأَنَّهُمَا فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لِكَوْنِ الثَّالِثَةِ تَضَمَّنَتْ نَفْعًا لَهُ وَدَفْعًا لِحَرَمِهِ، هَذَا وُفِي " الْمُغْرِبِ ": ذُو بِمَعْنَى الصَّاحِبِ يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ مَوْصُوفًا وَمُضَافًا إِلَيْهِ، وَتَقُولُ لِلْمُؤَنَّثِ: امْرَأَةٌ ذَاتُ مَالٍ، ثُمَّ اقْتَطَعُوهَا عَنْ مُقْتَضَاهَا، وَأَجْرَوْهَا مَجْرَى الْأَسْمَاءِ التَّامَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ بِأَنْفُسِهَا غَيْرِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَا سِوَاهَا. فَقَالُوا: ذَاتٌ قَدِيمَةٌ أَوْ مُحْدَثَةٌ، وَنَسَبُوا إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرِ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ، فَقَالُوا: الصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةُ وَاسْتَعْمَلُوهَا اسْتِعْمَالَ النَّفْسِ وَالشَّيْءِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: كُلُّ شَيْءٍ ذَاتٌ وَكُلُّ ذَاتٍ شَيْءٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: فِي ذَاتِ اللَّهِ أَيْ: فِي الدَّفْعِ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مَا فِيهَا كَذِبَةٌ إِلَّا مَا حَلَّ عَنْ دِينِ اللَّهِ أَيْ: خَاصَمَ وَجَادَلَ وَذَبَّ عَنْ دِينِ اللَّهِ، وَهُوَ بِمَعْنَى التَّعْرِيضِ لِأَنَّهُ

стр. 7910

نَوْعٌ مِنَ الْكِنَايَةِ، وَنَوْعٌ مِنَ التَّعْرِيضِ يُسَمَّى الِاسْتِدْرَاجُ، وَهُوَ إِرْخَاءُ الْعِنَانِ مَعَ الْخَصْمِ فِي الْمُجَارَاةِ لِيَعْثُرَ حَيْثُ يُرِيدُ تَبْكِيتَهُ، فَسَلَكَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ مَعَ الْقَوْمِ هَذَا الْمَنْهَجَ فَحِينَئِذٍ. (" قَوْلُهُ ") : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] : وَذَلِكَ عِنْدَمَا طَلَبُوا مِنْهُ ﵊ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمْ إِلَى عِيدِهِمْ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ لِلْأَمْرِ الَّذِي هَمَّ بِهِ فَنَظَرَ نَظْرَةً إِلَى النُّجُومِ فَقَالَ: إِنِّي سَقِيمٌ، وَفِيهِ إِتْمَامٌ مِنْهُ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأَمَارَةِ عِلْمِ النُّجُومِ عَلَى أَنَّهُ سَقِيمٌ لِيَتْرُكُوهُ، فَيَفْعَلَ بِالْأَصْنَامِ مَا أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ، أَوْ سَقِيمُ الْقَلْبِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَيْظِ بِاتِّخَاذِكُمُ النُّجُومَ آلِهَةً، أَوْ بِعِبَادَتِكُمُ الْأَصْنَامَ. (وَقَوْلُهُ) : بِالْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ حِينَ كَسَّرَ ﵊ أَصْنَامَهُمْ إِلَّا كَبِيرَهَا، وَعَلَّقَ الْفَاسَ فِي عُنُقِهِ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] أَيْ: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] يَعْنِي: إِنْ كَانَ لَهُمْ نُطْقٌ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْمَضَرَّةِ عَنْ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يُرْجَى مِنْهُ دَفَعُ الضَّرَرَ عَنْ غَيْرِهِ؟ وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ النُّطْقِ لَا يَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ، فَإِنَّ الْإِلَهَ مَنْ هُوَ مَنْعُوتٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مِنْ أَسْمَاءِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ. (وَقَالَ) أَيْ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيَانِ الثَّالِثَةِ (بَيْنَا هُوَ) أَيْ: (إِبْرَاهِيمُ ﵊ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الشَّامِ (ذَاتَ يَوْمٍ) أَيْ: بَعْدَ هَلَاكِ نُمْرُودَ (وَسَارَةُ) : عَطْفٌ عَلَى هُوَ، وَهِيَ بِنْتُ عَمِّهِ (إِذْ أَتَى) أَيْ: مَرَّ إِبْرَاهِيمُ (عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ) أَيْ: ظَالِمٌ مُسَلَّطٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَتَى جَوَابُ بَيْنَا أَيْ: بَيْنَا هُمَا يَسِيرَانِ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ أَتَيَا عَلَى بَلَدِ جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ فَوُشِيَ بِهِمَا، (فَقِيلَ لَهُ) أَيْ: لِلْجَبَّارِ (إِنَّ هَاهُنَا) أَيْ: فِي بَلَدِنَا هَذَا (رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ) أَيْ: صُورَةً (فَأَرْسَلَ) أَيْ: رَسُولًا (إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَطْلُبُهُ فَذَهَبَ إِلَيْهِ، (قَالَ عَنْهَا) أَيْ: عَنْ جِهَتِهَا (مَنْ هَذِهِ) ؟ أَيْ: مَنْ تَكُونُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي مَعَكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مَنْ هَذِهِ بَيَانٌ لِلسُّؤَالِ أَيْ: سَأَلَ الْجَبَّارُ بِهَذَا اللَّفْظِ (قَالَ: أُخْتِي) : فِي الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: كَانَ كَاذِبًا وَكَانَ جَائِزًا بَلْ وَاجِبًا فِي دَفْعِ الظَّالِمِ عَلَى مَا شَرَحَ مُسْلِمٌ، لَكِنَّ حَمْلَهُ عَلَى التَّعْرِيضِ أَوْلَى، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةٍ عَنِ الْكَذِبِ» ، مَعَ أَنَّ نَفْسَ قَوْلِهِ: أُخْتِي لَا يَخْلُو عَنْ تَعْرِيضٍ مَا حَيْثُ لَمْ يَقُلْ هَذِهِ أُخْتِي أَوْ هِيَ أُخْتِي. (فَأَتَى) أَيْ: إِبْرَاهِيمُ (سَارَةَ فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ) : إِنْ شَرْطِيَّةٌ أَيْ: إِنْ عَلِمَ (أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبُنِي عَلَيْكِ) أَيْ: فِي أَخْذِكِ بِالظُّلْمِ عَنِّي (فَإِنْ سَأَلَكِ) أَيْ: عَنْ نَسَبِكِ وَنِسْبَتِكِ عَلَى تَقْدِيرِ إِرْسَالِهِ إِلَيْكِ وَوُصُولِكِ عِنْدَهُ (فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي) أَيْ: عَلَى طَرِيقِ التَّعَلُّقِ كَمَا فَعَلْتُهُ (فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ) أَيْ: حَقِيقَةً بِلَا مُشَارَكَةٍ لِأَحَدٍ غَيْرِنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (لَيْسَ) أَيْ: مَوْجُودٌ (عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] . بِمَعْنَى أَنَّ الْإِعْلَانَ قَدْ عَقَدَ بَيْنَ أَهْلِهِ السَّبَبِ الْقَرِيبِ وَالنَّسَبِ اللَّاحِقِ مَا يَفْضُلُ الْأُخُوَّةَ فِي النَّسَبِ السَّابِقِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الْحَقِّ الْعَقْدِ مِنِّي وَمِنْكِ الْآنَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ انْتَهَى. وَاسْتُشْكِلَ بِكَوْنِ لُوطٍ ﵊ يُشَارِكُهَا فِي الْإِيمَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْأَرْضِ هِيَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا مَا وَقَعَ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ لُوطٌ إِذْ ذَاكَ. ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ ﵀ ثُمَّ قِيلَ: كَانَ مِنْ أَمْرِ ذَلِكَ الْجَبَّارِ الَّذِي يُتَدَيَّنُ

стр. 7911

بِهِ فِي الْأَحْكَامِ السِّيَاسِيَّةِ أَنْ لَا يُتَعَرَّضَ إِلَّا لِذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ، وَيَرَى أَنَّهَا إِذَا اخْتَارَتِ الزَّوْجَ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنَ السُّلْطَانِ، بَلْ يَكُونُ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ زَوْجِهَا، فَأَمَّا اللَّاتِي لَا أَزَوَاجَ لَهُنَّ، فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِنَّ إِلَّا إِذَا رَضِينَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ ذَلِكَ أَلْزَمَنِي بِالطَّلَاقِ، أَوْ قَصَدَ قَتْلِي حِرْصًا عَلَيْكِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ دِينَ الْمَلِكِ أَنْ لَا يَحِلَّ لَهُ التَّزَوُّجَ وَالتَّمَتُّعَ بِقَرَابَاتِ الْأَنْبِيَاءِ. (فَأَرْسَلَ) أَيِ: الْجَبَّارُ (إِلَيْهَا) أَيْ: إِلَى سَارَةَ يَطْلُبُهَا (فَأُتِيَ بِهَا) أَيْ: جِيءَ بِهَا إِلَى الْجَبَّارِ (قَامَ إِبْرَاهِيمُ: اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: فَمَاذَا فَعَلَ بَعْدُ؟ فَأُجِيبَ: قَامَ إِبْرَاهِيمُ (يُصَلِّي) : حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ أَيْ: لِيُصَلِّيَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] كَمَا «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى» عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ حُذَيْفَةَ: (فَلَمَّا دَخَلَتْ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ وَفِي نُسْخَةٍ: أُدْخِلَتْ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْجَبَّارِ (ذَهَبَ) أَيْ: طَفِقَ (يَتَنَاوَلُ) أَيْ: يَأْخُذُهَا وَيَمَسُّهَا (بِيَدِهِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ وَجَوَابٍ، أَوْ بَعْدَ سُؤَالِهَا وَسَمَاعِ جَوَابِهَا، لَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْمَيْلُ إِلَيْهَا لِكَمَالِ حُسْنِهَا وَجَمَالِهَا. (فَأُخِذَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُخَفَّفًا أَيْ: حُبِسَ نَفَسُهُ وَضُغِطَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْخَنْقُ هَاهُنَا. أَيْ: أُخِذَ بِمَجَارِي نَفْسِهِ حَتَّى سُمِعَ لَهُ غَطِيطٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَأُخِذَ بِبِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: حُبِسَ عَنْ إِمْسَاكِهَا، أَوْ عُوقِبَ بِذَنْبِهِ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ الْخَاءِ. قَالَ شَارِحٌ: وَيُرْوَى أُخِذَ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّأْخِيذِ، وَهُوَ اسْتِجْلَابُ قَلْبِ شَخْصٍ بِرُقْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، كَالسِّحْرِ بِحَيْثُ يَصِلُ لَهُ خَرَفٌ أَوْ هَيَمَانٌ أَوْ جُنُونٌ عَلَى مَا قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَيُؤَيِّدُ رِوَايَةَ التَّخْفِيفِ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ: (وَيُرْوَى) أَيْ: بَدَلَ يَأْخُذُ أَوْ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ (فَغُطَّ) : بِضَمِّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ: خُنِقَ (حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ) أَيْ: ضَرَبَ بِرِجْلَيْهِ الْأَرْضَ مِنْ شِدَّةِ الْغَيْظِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: حُصِرَ حَصْرًا شَدِيدًا. وَقِيلَ: الْغَطُّ هُنَا بِمَعْنَى الْخَنْقِ. أَيْ: أُخِذَ بِمَجَامِعِ مَجَارِي نَفَسِهِ حَتَّى يُسْمَعُ لَهُ غَطِيطُ نَخِيرٍ وَهُوَ صَوْتٌ بِالْأَنْفِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ أَيِ: اخْتَنَقَ حَتَّى صَارَ كَالْمَصْرُوعِ، (فَقَالَ: ادْعِي) أَيْ: سَلِي (اللَّهَ لِي) أَيْ: لِأَجْلِيَ الْخَلَاصَ (وَلَا أَضُرُّكِ) أَيْ: بِالتَّعَرُّضِ لَكِ (فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ) أَيْ: مِنَ الْأَخْذِ (ثُمَّ تَنَاوَلَ) أَيْ: أَرَادَ تَنَاوُلَهَا (الثَّانِيَةَ) أَيِ: الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ (فَأُخِذَ مِثْلَهَا) أَيْ: مِثْلَ الْأَخْذَةِ الْأُولَى (أَوْ أَشَدَّ) أَيْ: بَلْ أَشَدَّ مِنْهَا (فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ، فَأُطْلِقَ فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ) : بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ حَاجِبٍ كَطَلَبَةٍ جَمْعُ طَالِبٍ (فَقَالَ: إِنَّكَ لَمْ تَأْتِينِي بِإِنْسَانٍ) أَيْ: حَتَّى أَقْدِرَ عَلَيْهَا (إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ) أَيْ: حَيْثُ لَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهَا، بَلْ تَصْرَعُنِي، وَتُرِيدُ أَنْ تُهْلِكَنِي. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَرَادَ بِهِ الْمُتَمَرِّدَ مِنَ الْجِنِّيِّ، وَكَانُوا يَهَابُونَ الْجِنَّ وَيُعَظِّمُونَ أَمْرَهُمْ، (فَأَخْدَمْهَا هَاجَرَ) أَيْ: جَعَلَ الْجَبَّارُ هَاجَرَ خَادِمَةً لِسَارَةَ لَمَّا رَأَى كَرَامَتَهَا وَقُرْبَهَا عِنْدَ اللَّهِ، أَوْ جَبْرًا لِمَا وَقَعَ مِنْ كَسْرِ خَاطِرِهَا حَيْثُ تَعَرَّضَ لَهَا، (فَأَتَتْهُ) أَيْ: إِبْرَاهِيمَ (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي) : وَهُوَ إِمَّا لِعَدَمِ إِطْلَاعِهِ عَلَى خَلَاصِهَا اسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ، أَوِ انْكَشَفَ لَهُ الْأَمْرُ، وَزَادَ فِي الْعِبَادَةِ لِيَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا بَعْدَمَا كَانَ عَبْدًا صَبُورًا، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: (فَأَوْمَأَ) : بِهَمْزَتَيْنِ أَيْ: أَشَارَ إِبْرَاهِيمُ (بِيَدِهِ) أَيْ: إِلَى سَارَةَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ (مَهْيَمْ) ؟ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ مَرَّتَيْنِ أَيْ: مَا شَأْنُكِ وَمَا حَالُكِ؟ وَهِيَ كَلِمَةٌ يَمَانِيَةٌ يُسْتَفْهَمُ بِمَا، وَهَاهُنَا مُفَسِّرَةٌ لِلْإِيمَاءِ أَيْ: أَوْمَأَ بِيَدِهِ بِمَا يُفْهَمُ مِنْهَا مَعْنَاهُ، وَلَيْسَتْ بِتَرْجَمَةٍ لِقَوْلِهِ: وَإِلَّا لَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ: فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَهْيَمْ؟ (قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ فِي نَحْرِهِ) أَيْ: عَلَى صَدْرِهِ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وَمِنْ قَبِيلِ الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: «اللَّهُمَّ

стр. 7912

إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ» . (وَأَخْدَمَ هَاجَرَ) أَيْ: أُمَّ إِسْمَاعِيلَ ﵊ قِيلَ: سُمِّيَتْ هَاجَرُ لِأَنَّهَا هَاجَرَتْ مِنَ الشَّامِ إِلَى مَكَّةَ. وَقِيلَ: كَانَ لَا يُولَدُ لَهُ مِنْ سَارَةَ، فَوَهَبَتْ هَاجَرَ لَهُ وَقَالَتْ: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكَ مِنْهَا وَلَدًا، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ يَوْمَئِذٍ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ، نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تِلْكَ) أَيْ: هَاجَرُ (أُمُّكُمْ) أَيْ: جَدَّتُكُمْ (يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ) قَالَ الْقَاضِي ﵀: قِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ الْعَرَبَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ الْمَطَرَ، وَيَتَمَتَّعُونَ بِهِ، وَالْعَرَبُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا بِأَجْمَعِهِمْ مِنْ بَطْنِ هَاجَرَ، لَكِنْ غَلَبَ أَوْلَادُ إِسْمَاعِيلَ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ الْأَنْصَارَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ عَامِرِ بْنِ حَارِثَةَ الْأَزْدِيِّ، جَدِّ نُعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ كَانَ مُلَقَّبًا بِمَاءِ السَّمَاءِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُسْتَمْطَرُ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِمْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَسَمَّاهُمْ بِذَلِكَ لِطَهَارَةِ نَسَبِهِمْ وَشَرَفِ أُصُولِهِمْ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَقِيلَ: أَشَارَ بِهِمْ لِكَوْنِهِمْ مِنْ وَلَدِ هَاجَرَ، لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ أَنْبَعَ اللَّهُ ﵎ لَهُ زَمْزَمَ وَهِيَ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ فَإِنْ قُلْتَ: فَإِذَا شَهِدَ لَهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ بِالْبَرَاءَةِ عَنْ سَاحَةٍ، فَمَا بَالُهُ يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِهَا مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ فَذَكَرَهَا، ثُمَّ قَالَ: نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي عَلَى أَنَّ تَسْمِيَتَهَا وَإِنَّهَا مَعَارِيضُ بِالْكَذَبَاتِ إِخْبَارُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ؟ قُلْتُ: نَحْنُ وَإِنْ أَخْرَجْنَاهَا عَنْ مَفْهُومِ الْكَذَبَاتِ بِاعْتِبَارِ التَّوْرِيَةِ، وَسَمَّيْنَاهَا مَعَارِيضَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ صُورَتَهَا صُورَةُ التَّعْوِيجِ عَنِ الْمُسْتَقِيمِ، فَالْحَبِيبُ قَصَدَ إِلَى بَرَاءَةِ سَاحَةِ الْخَلِيلِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، فَسَمَّاهَا مَعَارِيضَ، وَالْخَلِيلُ لَمَّحَ إِلَى مَرْتَبَةِ الشَّفَاعَةِ هُنَالِكَ، وَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْحَبِيبِ، فَتَجَوَّزَ بِالْكَذَبَاتِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7913

٥٧٠٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧٠٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] » : تَمَامُهُ: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مَا صَدَرَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﵊ لَمْ يَكُنْ شَكًّا، بَلْ كَانَ طَلَبًا لِمَزِيدِ الْعِلْمِ، وَأَنَا أَحَقُّ بِهِ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وَأُطْلِقَ الشَّكُّ بِطَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْمِزِّيُّ: مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ الشَّكُّ مُتَطَرِّقًا إِلَيْهِ، لَكُنْتُ أَحَقُّ بِهِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَمْ أَشُكَّ، فَاعْلَمُوا أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا رَجَّحَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى نَفْسِهِ تَوَاضُعًا، أَوْ لِصُدُورِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ خَيْرُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَمَّا سُؤَالُ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَلِلتَّرَقِّي مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَجَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ رَبَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ طَلَبَ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ دَلِيلُهُ عِيَانًا، وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَذْهَبُ هَذَا الْحَدِيثِ التَّوَاضُعُ وَالْهَضْمُ مِنَ النَّفْسِ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ هَذَا اعْتِرَافٌ بِالشَّكِّ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، لَكِنَّ فِيهِ نَفْيُ الشَّكِّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: إِذَا لَمْ أَشُكَّ أَنَا وَلَمْ أَرْتَبْ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَإِبْرَاهِيمُ أَوْلَى بِأَنْ لَا يَشُكَّ فِيهِ وَلَا يَرْتَابَ بِهِ، وَفِيهِ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ قِبَلِ إِبْرَاهِيمَ لَمْ تُعْرَضُ مِنْ جِهَةِ الشَّكِّ، لَكِنْ مِنْ قِبَلِ طَلَبِ زِيَادَةِ الْعِلْمِ، وَاسْتِفَادَةِ مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ الْإِحْيَاءِ، وَالنَّفْسُ تَجِدُ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ بِعِلْمِ الْكَيْفِيَّةِ مَا لَمْ تَجِدْهُ بِعِلْمِ الْأُمْنِيَّةِ، وَالْعِلْمُ فِي الْوَجْهَيْنِ حَاصِلٌ وَالثَّالِثُ مَرْفُوعٌ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا طَلَبَ الْإِيمَانَ حِسًّا وَعِيَانًا، لِأَنَّهُ فَوْقَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ وَالْمُسْتَدِلُ لَا تَزُولُ عَنْهُ الْوَسَاوِسُ وَالْخَوَاطِرُ، فَقَدْ قَالَ ﵊: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» " انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ عَدَمَ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَابِ الِاسْتِدْلَالِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ عِلْمُهُمْ مِنْ بَابِ الْكَشْفِ وَالْمَعْرِفَةِ التَّامَّةِ، وَالْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ الَّذِي لَهُمْ فِي السَّرَائِرِ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَرَدُّدُ الْخَوَاطِرِ، وَتَوَسْوُسُ الضَّمَائِرِ، نَعَمْ مَرْتَبَةُ عَيْنِ الْيَقِينِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ عِلْمِ الْيَقِينِ، وَأَنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُعِينُ.

стр. 7914

وَفِي بَعْضِ (نُسَخِ الْمَصَابِيحِ) : «نَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» بِدُونِ قَوْلِهِ بِالشَّكِّ، فَفَالَ شَارِحٌ لَهُ أَيْ: نَحْنُ أَحَقُّ مِنْهُ بِالسُّؤَالِ الَّذِي سَأَلَهُ يُرِيدُ بِهِ تَعْظِيمَ أَمْرِهِ، وَأَنَّ سُؤَالَهُ هَذَا لَمْ يَكُنْ لِنُقْصَانٍ فِي عَقِيدَتِهِ، بَلْ لِكَمَالِ فِكْرَتِهِ، وَعُلُوِّ هِمَّتِهِ الطَّالِبَةِ لِحُصُولِ الِاطْمِئْنَانِ بِالْوُصُولِ إِلَى دَرَجَةِ الْعِيَانِ. قَالَ: وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﵊» ، وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْ: لَمْ يَكُنْ صُدُورُ هَذَا السُّؤَالِ مِنْهُ شَكًّا مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَاخْتَلَجَ فِي صَدْرِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ الشَّكُّ يَعْتَرِيهِ لَنَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْهُ، وَلَكِنَّا لَا نَشُكُّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَشُكَّ هُوَ فِيهِ؟ أَقُولُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: نَحْنُ لَيْسَ صِيغَةُ التَّعْظِيمِ، لِيَحْتَاجَ إِلَى الِاعْتِذَارِ بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا لِإِبْرَاهِيمَ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ مَعَ أُمَّتِي لَا تَشُكُّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، بَلْ نَحْنُ مُعَاشِرَ الْخَلْقِ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ غَالِبًا نَعْتَقِدُ قُدْرَتَهُ عَلَى الْإِحْيَاءِ، وَإِبْرَاهِيمُ ﵊ مِنْ أَكْمَلِ الْأَنْبِيَاءِ فِي مَرْتَبَةِ التَّوْحِيدِ، وَمَقَامِ التَّفْرِيدِ حَتَّى أَمَرَنَا بِمُتَابَعَتِهِ عَلَى طَرِيقِهِ الْقَوِيمِ وَسَبِيلِهِ الْمُسْتَقِيمِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الشَّكُّ؟ إِذْ لَوْ جَازَ عَلَيْهِ الشَّكُّ، وَهُوَ مِنَ الْمَعْصُومِينَ الْمَتْبُوعِينَ لَجَازَ لَنَا بِالْأَوْلَى، وَنَحْنُ مِنَ اللَّاحِقِينَ التَّابِعِينَ. وَالْحَالُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالدَّلِيلِ الْبُرْهَانِيِّ نَفْيَ الشَّكِّ عَنِ الْخَلِيلِ الرَّحْمَانِيِّ، وَإِيصَالِهِ إِيَّاهُ إِلَى الْمَقَامِ الِاطْمِئْنَانِيِّ، وَالْحَالِ الْعَيَانِيِّ. (وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا) : قِيلَ: تَصْدِيرُ الْكَلَامِ هَذَا الدُّعَاءَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اعْتِرَاءُ نَقْصٍ عَلَيْهِ فِيمَا سَيَأْتِي مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] حَيْثُ كَأَنَّهُ تَمْهِيدٌ وَمُقَدِّمَةٌ لِلْخِطَابِ الْمُزْعِجِ. (لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) ، أَيْ عَشِيرَةٍ قَوِيَّةٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى وُقُوعِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ. وَقَالَ شَارِحٌ تَبَعًا لِلْقَاضِي: وَكَأَنَّهُ اسْتَغْرَبَ مِنْهُ وَعَدَّهُ بَادِرَةً، إِذْ لَا رُكْنَ أَشَدَّ مِنَ الرُّكْنِ الَّذِي كَانَ يَأْوِي إِلَيْهِ، وَهُوَ عِصْمَةُ اللَّهِ وَحِفْظُهُ، وَعِنْدِي أَنَّ أَخْذَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذَا الْمَبْنَى لَيْسَ مِنْ طَرِيقِ الْأَدَبِ فِي الْإِنْبَاءِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَانَ يَنْهَى عَنْ غِيبَةِ أَفْرَادِ الْعَامَّةِ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَذْكُرَ فِي حَقِّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ مَا يَكُونُ مُوهِمًا لِنَقْصِ مَرْتَبَتِهِ، أَوْ تَنَزُّلًا عَنْ عُلُوِّ هِمَّتِهِ؟ فَالْمَعْنَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ بِمُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ الْبَشَرِيَّةِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ يَمِيلُ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالْعَشِيرَةِ الْقَوِيَّةِ، فَيَجُوزُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ الْمِحَالِ، فَإِنَّا مَأْمُورُونَ بِمُتَابَعَةِ أَرْبَابِ الْكَمَالِ فِي التَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ مَعَ الِاعْتِمَادِ عَلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي (الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) مَا يُقَوِّي الْمَذْكُورَ مِنَ التَّقْرِيرِ وَالتَّحْرِيرِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «رَحِمَ اللَّهُ لُوطًا كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَمَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ» ". قُلْتُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ ﵊: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] وَكَذَلِكَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُعَظَّمًا وَمَحْمِيًّا وَمُكَرَّمًا لِقُرْبِهِ مِنْ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ، وَإِلَيْهِ الْإِيمَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦] وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ أَيْ: مِقْدَارَ طُولِ زَمَنِ لُبْثِهِ وَجَاءَنِي دَاعٍ بِالطَّلَبِ أَوْ سَاعٍ إِلَى الْخُرُوجِ (لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ) . أَيْ وَلَبَادَرْتُ الْخُرُوجَ عَمَلًا بِالْجَوَازِ. لَكِنَّ يُوسُفَ ﵊ صَبَرَ لِحُكْمِ تَقَضِّيهِ ذَلِكَ، كَمَا عَبَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ﴾ [يوسف: ٥٠] إِلَى آخِرِهِ وَرُبَّمَا وَجَّبَتُهُ عَلَيْهِ فِي مَرَامِ ذَلِكَ الْمَقَامِ مِمَّنْ قَصْدُهُ الْبَرَاءَةُ مِمَّا اشْتُهِرَ فِي حَقِّهِ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامِّ، لِيُقَابِلَ صَاحِبَ الْأَمْرِ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ، أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَلِّمُ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَرِيقٍ، فَمَرَّ عَلَيْهِ صَحَابِيٌّ فَقَالَ لَهُ ﵊: " إِنَّ هَذِهِ فُلَانَةُ مِنَ الْأَزْوَاجِ الطَّاهِرَاتِ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُظَنُّ فِيكَ ظَنُّ السُّوءِ؟ فَقَالَ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» ". قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى إِحْمَادِهِ صَبْرَ يُوسُفَ ﵇، وَتَرْكَهُ الِاسْتِعْجَالَ بِالْخُرُوجِ عَنِ السِّجْنِ مَعَ امْتِدَادِ مُدَّةِ الْحَبْسِ عَلَيْهِ، قَالَ: إِنَّ فِي ضِمْنِ هَذَا الْحَدِيثِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ،

стр. 7915

وَإِنْ كَانُوا مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ لَا يُنَازِلُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ، فَإِنَّهُمْ بَشَرٌ يَطْرَأُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَحْوَالِ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْبَشَرِ، فَلَا تَعُدُّوا ذَلِكَ مَنْقَصَةً، وَلَا تَحْسَبُوهُ سَيِّئَةً. قُلْتُ: هَذَا مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَضِيَّةِ سَيِّدِنَا لُوطٍ ﵊. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ إِخْبَارًا عَنْ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَضَجُّرِهِ وَقِلَّةِ صَبْرِهِ، بَلْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَدْحِ يُوسُفَ ﵇، وَتَرْكِهِ الِاسْتِعْجَالَ بِالْخُرُوجِ لِيَزُولَ عَنْ قَلْبِ الْمَلِكِ مَا اتُّهِمَ بِهِ مِنَ الْفَاحِشَةِ، وَلَا يَنْظُرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ مَشْكُوكٍ. انْتَهَى. وَهُوَ بِعَيْنِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَقِيلَ: بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْصِيرِ يُوسُفَ ﵇، وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ الْوَسَائِطَ، وَلَمْ يُفَوِّضْ كُلَّ مَا آتَاهُ إِلَيْهِ تَعَالَى. قُلْتُ: سَبَقَ أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْأَسْبَابِ لَا تُنَافِي تَفْوِيضَ الْأَمْرِ إِلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إِنَّ مَرْتَبَةَ جَمْعِ الْجَمْعِ هِيَ مُبَاشَرَةُ السَّبَبِ مَعَ مُلَاحَقَةِ عَمَلِ الرَّبِّ، وَقِيلَ: بَلْ فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَقْصِيرِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ رَسُولًا، وَلِذَا دَعَا أَهْلَ السِّجْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ [يوسف: ٣٩] إِلَخْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى عَوْدَةِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَدَّمَ بَرَاءَةَ نَفْسِهِ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ، وَهُوَ دَعْوَةُ الْمَلِكِ. قُلْتُ: وَهَذَا ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ إِذْ تَقْدِيرُ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ رَسُولًا عَامًّا أَوْ خَاصًّا، فَتَقَدَّمَ مَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِرْسَالِ مِنَ الْبَرَاءَةِ عَلَيْهِ مِمَّا يَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إِلَيْهِ، لِئَلَّا يَدُورَ طَعْنُ الطَّاعِنِ حَوَالَيْهِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قَرَّرْنَاهُ، وَعَلَى حَقِيقَةِ مَا حَرَّرْنَاهُ، مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ( «رَحِمَ اللَّهُ يُوسُفَ ﵇ إِنْ كَانَ لَذَا أَنَاةٍ حَلِيمًا، لَوْ كُنْتُ أَنَا الْمَحْبُوسُ ثُمَّ أُرْسِلَ إِلَيَّ لَخَرَجْتُ سَرِيعًا» ) . وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فِي (الزُّهْدِ) ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا: ( «رَحِمَ اللَّهُ أَخِي يُوسُفَ لَوْ أَنَا أَتَانِيَ الرَّسُولُ بَعْدَ طُولِ الْحَبْسِ لَأَسْرَعْتُ الْإِجَابَةَ حِينَ قَالَ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ [يوسف: ٥٠] » كَذَا فِي (الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
следующие страницы →