← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.

стр. 8191

٥٨٨١ - وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ ﵁، «قَالَ أَنَسٌ ﵁: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا فِي زُقَاقِ بَنِيَ غَنْمٍ مَوْكِبَ جَبْرَئِيلَ ﵇ حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ» . ــ ٥٨٨١ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا) أَيْ: مُرْتَفِعًا (فِي زُقَاقِ بَنَى غَنْمٍ) : بِفَتْحِ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ نُونٍ، قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَالزُّقَاقِ بِضَمِّ الزَّايِ السِّكَّةُ (مَوْكِبَ جِبْرِيلَ ﵇ : بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ عَلَى مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَأَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا بِإِثْبَاتِ مِنْ، وَالْمَوْكِبُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ جَمَاعَةُ رُكَّابٍ يَسِيرُونَ بِرِفْقٍ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ) . الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ الزُّقَاقَ كَانَ مَهْجُورًا مَنْ سَيْرِ النَّاسِ فِيهِ، فَرُؤْيَةُ الْغُبَارِ السَّاطِعِ مِنْهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَثَرِ جُنْدِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ رَئِيسَهُمْ جِبْرِيلُ ﵇ وَهُوَ مَعَهُمْ أَوْ هُوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِضَافَتُهُمْ إِلَيْهِ لِأَنَّهُمْ كَالْأَتْبَاعِ لَهُ.

стр. 8192

٥٨٨٢ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ، قَالُوا: لَيْسَ عَنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ بِهِ وَنَشْرَبُ إِلَّا مَا فِي رِكْوَتِكَ، فَوَضْعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فِي الرِّكْوَةِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ، قَالَ: فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا. قِيلَ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٨٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ) : بِكَسْرِ الطَّاءِ (يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ) : بِالتَّخْفِيفِ أَفْصَحُ (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ) أَيْ: ظَرْفُ مَاءٍ مِنْ مُطَهِّرَةٍ أَوْ سِقَايَةٍ (فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلُ النَّاسُ نَحْوَهُ) ، أَيْ: إِلَى جَانِبِ جَنَابِهِ طَالِبِينَ فَتَحَ الْخَيْرِ مِنْ بَابِهِ (قَالُوا) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءً) : بِالْمَدِّ (نَتَوَضَّأُ بِهِ وَنَشْرَبُ) أَيْ: مِنْهُ (إِلَّا مَا فِي رِكْوَتِكَ) ، أَيْ: مِنَ الْمَاءِ فَمَا مَقْصُورَةٌ مَوْصُولَةٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَحْتَمِلُ الِاتِّصَالَ وَالِانْقِطَاعَ، ثُمَّ فِي الْقَضِيَّةِ جُمْلَةٌ مَطْوِيَّةٌ، وَهِيَ أَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ بِحَسْبِ الْعَادَةِ أَنَّ مَاءَ الرِّكْوَةِ لَمْ يَكْفِ الْجَمَاعَةَ (فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فِي الرِّكْوَةِ) ، أَيْ: فِي جَوْفِهَا أَوْ فِي فَمَهَا (فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ) ، أَيِ: الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ صُخُورِ الْجِبَالِ، أَوْ عُرُوقِ الْأَرْضِ. (قَالَ: فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا) أَيْ: جَمِيعُنَا، فَطُوبَى لَهُمْ مِنْ طَهَارَةِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الْمَاءِ الْمَعِينِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُعِينُ. (قِيلَ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ) ؟ أَيْ: يَوْمَئِذٍ حَتَّى كَفَاكُمْ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا السُّؤَالُ غَيْرَ مُنَاسِبٍ فِي مَقَامِ الْمُعْجِزَةِ (قَالَ) أَيْ: أَوَّلًا فِي الْجَوَابِ (لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ) أَيْ: مَثَلًا (لَكَفَانَا) : ثُمَّ قَالَ تَتْمِيمًا لِفَصْلِ الْخِطَابِ: (كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً) . قَالَ الطِّيبِيُّ: عَدَلَ عَنِ الظَّاهِرِ لِاحْتِمَالِهِ التَّجَوُّزَ فِي الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اجْتَهَدَ فِيهِ وَغَلَبَ ظَنُّهُ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ، وَقَوْلُ الْبَرَاءِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَتْلُو هَذَا الْحَدِيثَ: كُنَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، كَانَ عَنْ تَحْقِيقٍ لِمَا سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ بَابِ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ: أَنَّ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعْمِائَةٍ تَحْقِيقًا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَهْمٌ، وَقَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ: الْجَمْعُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعْمِائَةٍ وَزِيَادَةً لَا تَبْلُغُ الْمِائَةَ، فَالْأَوَّلُ أَلْغَى الْكَسْرَ، وَالثَّانِي جَبَرَهُ، وَمَنْ قَالَ أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ، فَعَلَى حَسَبِ اطِّلَاعِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ وَأَلْفًا وَسَبْعَمِائَةٍ، وَكَأَنَّهُ عَلَى ضَمِّ الْأَتْبَاعِ وَالصِّبْيَانِ، وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَهَذَا تَحْرِيرٌ بَالِغٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8193

٥٨٨٣ - «وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً يَوْمَ حُدَيْبِيَةَ - وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ ـ فَنَزَحْنَاهَا، فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَاهَا، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: (دَعُوهَا سَاعَةً) فَأَرْوَوْا أَنْفُسَهُمْ وَرِكَابَهُمْ حَتَّى ارْتَحَلُوا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٨٨٣ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ) : بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ (فَنَزَحْنَاهَا) أَيْ: نَزَعْنَا مَاءَهَا (فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ) أَيْ: خَبَرُ نَفَادِ مَائِهَا (فَأَتَاهَا، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهِ) ، أَيْ: طَرَفُهَا (ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ) أَيْ: مَجَّهُ فِيهَا. (ثُمَّ قَالَ: دَعُوهَا) أَيِ: اتْرُكُوهَا (سَاعَةً) : لَعَلَّهُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ وَقَعَتْ تَدْرِيجِيَّةً، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا السَّاعَةُ النُّجُومِيَّةُ اللُّغَوِيَّةُ، أَوِ الْمَدَّةُ الْقَلِيلَةُ بِحَسْبِ الْإِطْلَاقَاتِ الْعُرْفِيَّةِ (فَأَرْوَوْا) أَيِ: اسْقُوا سَقْيًا كَامِلًا (أَنْفُسَهُمْ وَرِكَابَهُمْ) أَيْ: إِبِلَهُمْ أَوْ مَرْكُوبَهُمْ، وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ (حَتَّى ارْتَحَلُوا) . أَيْ: سَافَرُوا عَنْهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَضِيَّةَ جَابِرٍ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَأَنَّ الْمُعْجِزَةَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ مُتَكَرِّرَةٌ، وَالْعَجَبُ مِنَ النَّاسِ عُمُومًا وَخُصُوصًا أَنَّهُمْ مَا ضَبَطُوا هَذِهِ الْبِئْرَ، وَلَا جَعَلُوا عَلَيْهِ مِنَ الْبِنَاءِ الْكَبِيرِ رَجَاءً لِلْخَيْرِ الْكَثِيرِ، مَعَ أَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ مَكَّةَ عَلَى طَرَفٍ حِدَّةٍ فِي طَرِيقِ جَدَّةَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8194

٥٨٨٤ - وَعَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، «عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵃، قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَلَ، فَدَعَا فُلَانًا - كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ وَنَسِيَهُ عَوْفٌ - وَدَعَا عَلِيًّا، فَقَالَ: (اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ) . فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ. فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: اسْقُوا، فَاسْتَقَوْا قَالَ: فَشَرِبْنَا عِطَاشًا أَرْبَعِينَ رَجُلًا، حَتَّى رَوِينَا، فَمَلَأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَقْلَعَ عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٨٤ - (وَعَنْ عَوْفٍ) ، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ وَلَعَلَّهُ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ (عَنْ أَبِي رَجَاءٍ) هُوَ عِمْرَانُ بْنُ تَمِيمٍ الْعُطَارِدِيُّ، أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، كَانَ عَالِمًا عَامِلًا مُعَمَّرًا، وَكَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ. (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ الْعَطَشَ، فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا) أَيْ: شَخْصًا مَعْرُوفًا (كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ وَنَسِيَهُ عَوْفٌ) أَيْ: فَعَبَّرَ عَنْهُ بِفُلَانًا (وَدَعَا عَلِيًّا) ، أَيْ: أَيْضًا (فَقَالَ: اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ) أَيْ: فَاطْلُبَاهُ (فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مُزَادَتَيْنِ) : بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ: رَاكِبَةٌ بَيْنَ رَاوِيَتَيْنِ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ لِمَا يُوضَعُ فِيهِ الزَّادُ، (أَوْ سَطِيحَتَيْنِ) : قَالَ الْقَاضِي: وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ الْمَزَادَةِ يَكُونُ مِنْ جِلْدَيْنِ قُوبِلَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَسُطِحَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: هِيَ أَصْغَرُ مِنَ الْمَزَادَةِ ثُمَّ قَوْلُهُ: (مِنْ مَاءٍ) . بَيَانٌ لِمَا فِيهِمَا (فَجَاءَ أَيِ: الصَّحَابِيَّانِ (بِهَا) أَيْ: بِالْمَرْأَةِ وَمَا مَعَهَا (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ الْأَوَّلُ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَرْأَةِ أَيْ: طَلَبُوا مِنْهَا أَنْ تَنْزِلَ عَنِ الْبَعِيرِ، وَقِيلَ: رَاجِعٌ إِلَى الْمَزَادَةِ بِمَعْنَى أَنْزِلُوهَا، وَاسْتَنْزَلَ وَأَنْزَلَ بِمَعْنًى (وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ) أَيْ: طَلَبَهُ (فَفَرَّغَ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: صَبَّ (فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ) ، فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْجِيحِهَا عِنْدَ الرَّاوِي (وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: أَسْقُوا) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ وَقِيلَ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَكْسُورَةٍ أَيِ: اسْقُوا أَنْفُسَكُمْ وَغَيْرَكُمْ، وَالْمَعْنَى خُذُوا الْمَاءَ قَدَرَ حَاجَتِكُمْ (فَاسْتَقَوْا) أَيْ: فَأَخَذُوا الْمَاءَ جَمِيعُهُمْ. (قَالَ) أَيْ: عِمْرَانُ (فَشَرِبْنَا عِطَاشًا) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ عَطْشَانَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ شَرِبْنَا (أَرْبَعِينَ رَجُلًا) : بَيَانٌ لَهُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَقَالَ شَارِحٌ: حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ عِطَاشًا أَوْ شَرِبْنَا (حَتَّى رَوِينَا) ، بِكَسْرِ الْوَاوِ (فَمَلَأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ) : مَعَنَا (وَايْمُ اللَّهِ) أَيْ: وَايْمُنُ اللَّهِ قَسَمِي لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: انْكَفَتِ الْجَمَاعَةُ عَنْ تِلْكَ الْمَزَادَةِ وَرَجَعُوا عَنْهَا (وَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (لَيُخَيَّلُ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْ: لَيُشَبَّهُ (إِلَيْنَا أَنَّهَا) أَيْ: تِلْكَ الْمَزَادَةُ (أَشَدُّ مِلْئَةً) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَيُفْتَحُ وَسُكُونِ اللَّامِ فِعْلَةٌ مِنَ الْمَلْءِ مَصْدَرُ مَلَأْتُ الْإِنَاءَ (مِنْهَا) أَيْ: مِنَ الْمَزَادَةِ (حِينَ ابْتَدَأَ) . أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ الْآخِذُ مِنْهَا. وَفِي نُسْخَةٍ: ابْتُدِئَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: الِاسْتِقَاءُ وَالشُّرْبُ مِنْهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا حِينَئِذٍ كَانَتْ أَكْثَرَ مَاءً تِلْكَ السَّاعَةَ الَّتِي اسْتَقَوْا مِنْهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8195

٥٨٨٥ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، وَإِذَا شَجَرَتَيْنِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ: (انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: (انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) . فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا قَالَ: (الْتَئِمَا عَلَيَّ، بِإِذْنِ اللَّهِ) . فَالْتَأَمَتَا، فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا، وَإِذَا الشَّجَرَتَيْنِ قَدِ افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٨٨٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ) أَيْ: وَاسِعًا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، وَإِذَا شَجَرَتَيْنِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: بِالنَّصْبِ كَذَا فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ، وَأَكْثَرُ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا شَجَرَتَانِ بِالرَّفْعِ، وَهُوَ مُغَيَّرٌ، فَتَقْدِيرُ النَّصْبِ فَوَجَدَ شَجَرَتَيْنِ نَابِتَتَيْنِ (بِشَاطِئِ الْوَادِي) أَيْ: بِطَرَفِهِ. وَقَالَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ، وَرُوِيَ شَجَرَتَيْنِ بِإِضْمَارِ رَأَى، وَفِي نُسْخَةٍ بِشَجَرَتَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، (فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ بِغُصْنَيْنِ مِنْ أَغْصَانِهِ فَقَالَ: انْقَادِي عَلَيَّ) أَيْ: لِلتَّسَتُّرِ عَلَيَّ (بِإِذْنِ اللَّهِ) . وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: لَا تَعْصَيْ عَلَيَّ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] أَيْ: لِمَ

стр. 8196

تَخَافُنَا عَلَيْهِ. (فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ) : وَهُوَ الَّذِي فِي أَنْفِهِ الْخِشَاشِ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ عُوَيْدَةٌ تُجْعَلُ فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ، لِيَكُونَ أَسْرَعَ إِلَى الِانْقِيَادِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ) ، قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ أَيْ: يَنْقَادُ لَهُ وَيُرَافِقُهُ، وَالْأَصْلُ فِي الْمُصَانَعَةِ الرِّشْوَةُ وَهِيَ أَنْ تَصْنَعَ لِصَاحِبِكَ شَيْئًا لِيَصْنَعَ لَكَ شَيْئًا. (حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ) : هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ نِصْفُ الطَّرِيقِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَوْضِعُ الْوَسَطُ مِمَّا بَيْنَهُمَا (قَالَ: الْتَئِمَا) أَيْ: تَقَارَبَا (عَلَيَّ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ حَالٌ أَيِ: اجْتَمِعَا مُظِلَّتَيْنِ عَلَيَّ (بِإِذْنِ اللَّهِ فَالْتَأَمَتَا) أَيْ: حَتَّى قَضَى الْحَاجَةَ بَيْنَهُمَا (قَالَ جَابِرٍ: فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي) أَيْ: بِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ (فَحَانَتْ) أَيْ: فَظَهَرَتْ (مِنِّي لَفْتَةٌ) ، أَيِ: الْتِفَاتَةٌ (فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ حَانَ إِذَا أَتَى وَقْتُ الشَّيْءِ، وَاللَّفْتَةُ فَعْلَةٌ مِنَ الِالْتِفَاتِ، (وَإِذَا الشَّجَرَتَيْنِ) أَيْ: وَجَدْتُهُمَا أَوْ رَأَيْتُهُمَا (قَدِ افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ) . أَيْ: وَقَفَتْ بِانْفِرَادِهَا فِي مَكَانِهَا، فَفِيهِ مُعْجِزَتَانِ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8197

٥٨٨٦ - «وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٌ مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ؟ قَالَ: ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلَمَةُ فَأَتَيْتُ الْنَبِيَّ ﷺ فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ، فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٨٨٦ - (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) : هُوَ شَيْخُ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، رَوَى الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْهُ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْمَكِّيِّ، وَلِلْبُخَارِيِّ ثُلَاثِيَّاتٍ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مَوْلَى سَلَمَةَ، رَوَى عَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ. (قَالَ: رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٌ مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ؟ قَالَ: ضَرْبَةٌ) أَيْ: هِيَ ضَرْبَةٌ (أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ) ، وَفِي نُسْخَةٍ أَصَابَتْنِيهِمَا أَيِ: السَّاقُ، وَفِي نُسْخَةٍ أَصَابَتْهَا، وَفِي نُسْخَةٍ أُصِبْتُهَا بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلَمَةُ) أَيْ: مَاتَ لِشِدَّةِ أَثَرِهَا (فَأَتَيْتُ الْنَبِيَّ ﷺ فَنَفَثَ فِيهِ) أَيْ: فِي مَوْضِعِ الضَّرْبَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ فِيهَا أَيْ: فِي نَفْسِ الضَّرْبَةِ أَوْ فِي السَّاقِ (ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ، فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ) : بِالْجَرِّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: السَّاعَةُ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ بِالْجَرِّ عَلَى خِلَافِ مَا جَعَلَهُ الْكِرْمَانِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَلْزَمُ مِنْ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ الِاشْتِكَاءُ مِنَ الْحِكَايَةِ، وَأَجَابَ: بِأَنَّ السَّاعَةَ مَنْصُوبٌ، وَحَتَّى لِلْعَطْفِ، فَالْمَعْطُوفُ دَاخِلٌ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أَيْ: مَا اشْتَكَيْتُهَا زَمَانًا حَتَّى السَّاعَةَ نَحْوَ: أَكَلْتُ السَّمَكَةَ حَتَّى رَأْسَهَا، قُلْتُ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا وَجَدْتُ أَثَرَ وَجَعٍ إِلَى الْآنَ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا أَدْرِي أَجِدُهُ أَمْ لَا؟ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَهَا خِلَافُ مَا قَبْلَهَا، أَوِ الْمُرَادُ نَفْيُ الشِّكَايَةِ بِآكَدَ، وُجِدَ بِأَنَّ مُرَادَهُ مَا وَجَدْتُ وَجَعًا إِلَى الْآنَ، فَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُوجَدَ وَجَعٌ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمِنَ الْمُحَالِ عَادَةً أَنْ يُوجَدَ وَجَعٌ بَعْدَ مُدَّةٍ مَضَتْ مِنْ بُرْئِهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ.

стр. 8198

٥٨٨٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «نَعَى النَّبِيُّ ﷺ زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ: (أَخْذَ الرَّايَةَ زِيدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ ـ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ ـ حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ - يَعْنِي خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدَ - حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٨٨٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نَعَى النَّبِيُّ ﷺ زَيْدًا» ) أَيْ: زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ (وَجَعْفَرًا) أَيِ: ابْنَ أَبِي طَالِبٍ (وَابْنَ رَوَاحَةَ) أَيْ: أَخْبَرَ بِمَوْتِهِمْ لِلنَّاسِ فِيهِ جَوَازُ النَّعْيِ (قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ) ، أَيْ: فَكَانَ مُعْجِزَةً (وَقَدْ كَانُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا مُؤْتَةُ) : بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ فَهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ قَرْيَةٌ بِالشَّامِ، وَكَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَالرُّومُ مَعَ هِرَقْلَ مِائَةَ أَلْفٍ، (فَقَالَ) : تَفْسِيرٌ وَتَفْصِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ أَيْ: فَقَالَ ﷺ (أَخَذَ الرَّايَةَ) أَيِ: الْعَلَمَ (زَيْدٌ) : إِذِ الْعَادَةُ أَنْ يَأْخُذَهُ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ (فَأُصِيبَ) أَيِ: اسْتُشْهِدَ (ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ) أَيِ: الرَّايَةَ (فَأُصِيبَ) أَيْ: عَلَى تَفْصِيلٍ مَشْهُورٍ (ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ.

стр. 8199

تَسِيلَانِ دَمْعًا لِلثَّلَاثَةِ مِنْ خَبَرِ مَوْتِهِمْ (حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ) أَيْ: شَجِيعٌ مِنْ شُجْعَانِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يُعَدُّ أَلْفًا، وَانْقَطَعَ فِي يَدِهِ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةُ أَسْيَافٍ، وَالْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ (يَعْنِي خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ) : تَفْسِيرٌ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ أَوْ مَنْ بَعْدَهُ، وَالْمَعْنَى يُرِيدُ الْنَبِيَّ ﷺ بِالْوَصْفِ السَّابِقِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ. (حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) أَيْ: فِي يَدِهِ وَزَمَانِ إِمَارَتِهِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ قِتَالٌ فِيهِ هَزِيمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ حَتَّى رَجَعُوا غَانِمِينَ ; أَوِ الْمُرَادُ بِالْفَتْحِ حِيَازَةُ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى رَجَعُوا سَالِمِينَ؟ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8200

٥٨٨٨ - «وَعَنْ عَبَّاسٍ ﵁، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ، وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَيْ عَبَّاسُ! نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ) . فَقَالَ عَبَّاسٌ - وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا - فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا. فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ! يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ! قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ. فَقَالَ: هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ. ثُمَّ أَخَذَ حَصَيَاتٍ، فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: (انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ) فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٨٨٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ) : بِالتَّصْغِيرِ قِيلَ: غَزْوَةُ حُنَيْنٍ، كَانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَحُنَيْنٌ وَادٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَرَاءَ عَرَفَاتٍ، (فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ) ، أَيْ: وَوَقَعَ الْقِتَالُ الشَّدِيدُ فِيمَا بَيْنَهُمْ (وَلَّى الْمُسْلِمُونَ) أَيْ: بَعْضُهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (مُدْبِرِينَ) أَيْ: لَكِنْ مُقْبِلِينَ إِلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ (فَطَفِقَ) أَيْ: شَرَعَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكُضُ) : بِضَمِّ الْكَافِ أَيْ: يُحَرِّكُ بِرِجْلِهِ (بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ: إِلَى جِهَتِهِمْ وَقَابِلَتِهِمْ. قَالَ الْأَكْمَلُ: بَغْلَتُهُ هِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: دُلْدُلُ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ، فَفِيهِ قَبُولُ هَدِيَّةِ الْمُشْرِكِينَ، وَوَرَدَ أَنَّهُ رَدَّ بَعْضَ الْهَدَايَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقِيلَ: قَبُولُ الْهَدِيَّةِ نَاسِخٌ لِلرَّدِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِجَهَالَةِ التَّارِيخِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا نَسْخَ، وَإِنَّمَا قَبِلَ مِمَّنْ طَمِعَ فِي إِسْلَامِهِ، وَيَرْجُو مِنْهُ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَرَدَّ مِمَّنْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. (وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكُفُّ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: أَمْنَعُهَا وَعِلَّةُ مَنْعِهَا (إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ) ، أَيِ: الْبَغْلَةُ إِلَى جَانِبِ الْعَدُوِّ (وَأَبُو سُفْيَانَ) : قِيلَ: اسْمُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ (آخِذٌ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ: مَاسِكٌ (بِرِكَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: تَأَدُّبًا وَمُحَافَظَةً (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيْ: عَبَّاسُ) أَيْ: يَا عَبَّاسُ (نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ) : بِفَتْحٍ فَضَمٍّ، وَهِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي بَايَعُوا تَحْتَهَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ (فَقَالَ عَبَّاسٌ - وَكَانَ) أَيِ: الْعَبَّاسُ (- رَجُلًا صَيِّتًا -) : جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مِنْ كَلَامِ رَاوِي الْعَبَّاسِ بَعْدَهُ، وَالصَّيِّتُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ: قَوِيُّ الصَّوْتِ، وَأَصْلُهُ صَيْوِتٌ وَإِعْلَالُهُ إِعْلَالُ سَيِّدٍ (فَقُلْتُ) أَيْ: فَنَادَيْتُ (بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ) أَيْ: لَا تَنْسَوْا بَيْعَتَكُمُ الْوَاقِعَةَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الثَّمَرَةِ (فَقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ (عَطْفَتَهُمْ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: رَجْعَتَهُمْ، وَفِي نُسْخَةٍ لَكَأَنْ بِالتَّخْفِيفِ وَعَطْفَتُهُمْ بِالرَّفْعِ (حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْأَوَّلِ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الثَّانِي (عَلَى أَوْلَادِهَا) : فِي نُسْخَةٍ أَوْلَادِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ يُؤَنَّثُ وَيُذَكَّرُ (فَقَالُوا) أَيْ: بِأَجْمَعِهِمْ أَوْ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ (يَا لَبَّيْكَ) : الْمُنَادَى مَحْذُوفٌ أَيْ: يَا قَوْمُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَلَا يَا اسْجُدُوا) عَلَى قِرَاءَةِ الْكِسَائِيِّ (يَا لَبَّيْكَ) : التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ أَوِ التَّكْثِيرِ (قَالَ عَبَّاسٌ: فَاقْتَتَلُوا) أَيِ: الْمُسْلِمُونَ (وَالْكُفَّارَ) ، بِالنَّصْبِ أَيْ: مَعَهُمْ (وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ يَقُولُونَ) أَيْ: وَالنِّدَاءُ فِي حَقِّ الْأَنْصَارِ بِخُصُوصِهِمْ بَدَلَ مَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الْمُهَاجِرِينَ بِحَسَبِ تَغْلِيبِهِمْ، (يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ) فَأُطْلِقَ الْفِعْلُ، وَأُرِيدَ الْمَصْدَرُ عَلَى طَرِيقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ [الروم: ٢٤] وَقَوْلِ الشَّاعِرِ: " أَحْضُرَ الْوَغَى " " وَتَسْمَعُ بِالْمُعِيدِيِّ " وَنَحْوِ ذَلِكَ.

стр. 8201

(قَالَ) أَيِ: الْعَبَّاسُ (ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: اقْتَصَرَتْ وَانْحَصَرَتْ (عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ) أَيْ: فَنُودِيَ: يَا بَنِي الْحَارِثِ، وَهُمْ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ (فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ) : الْوَاوُ حَالٌ أَيْ: نَظَرَ ﷺ حَالَ كَوْنِهِ عَلَى بَغْلَتِهِ وَقَوْلُهُ: (كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ، عَلَى بَغْلَتِهِ أَيْ: كَالْقَالِبِ الْقَادِرِ عَلَى سَوْقِهَا، وَقِيلَ: كَالَّذِي يَمُدُّ عُنُقَهُ لِيَنْظُرَ إِلَى مَا هُوَ بَعِيدٌ عَنْهُ. (مَائِلًا إِلَى قِتَالِهِمْ) . وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِنَظَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا يُشْعِرُ أَنَّ نُسْخَتَهُ فِيهَا بَعْضُ اخْتِصَارٍ مُخِلٍّ عَلَى وَفْقِ مَا فِي الْمَصَابِيحِ (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ (هَذَا حِينَ) : بِالْفَتْحِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالضَّمِّ (حَمِيَ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ (الْوَطِيسُ) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا إِشَارَةً إِلَى الْقِتَالِ، وَحِينَ بِالْفَتْحِ ظَرْفٌ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى وَقْتِ الْقِتَالِ، وَحِينُ بِالرَّفْعِ خَبَرُهُ، وَقَالَ الْأَكْمَلُ: يَجُوزُ فِي حِينَ الْفَتْحُ ; لِأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى مَبْنِيٍّ، وَالضَّمُّ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَحِينَ مَبْنِيٌّ ; لِأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ مُتَعَلِّقٍ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ أَيْ: هَذَا الْقِتَالُ حِينَ اشْتَدَّ الْحَرْبُ، وَفِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ وَاسْتِعْظَامِ الْحَرْبِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ مَا قِيلَ أَنَّ هَذَا مُبْتَدَأٌ وَحِينَ خَبَرُهُ، وَبُنِيَ عَلَى الْفَتْحِ لِإِضَافَةٍ إِلَى الْفِعْلِ أَيْ: هَذَا الزَّمَانُ زَمَانٌ اشْتِدَادِ الْحَرْبِ، ثُمَّ الْوَطِيسُ شِدَّةُ التَّنُّورِ، أَوِ التَّنُّورُ نَفْسُهُ يُضْرَبُ مَثَلًا لِشِدَّةِ الْحَرْبِ الَّتِي يُشْبِهُ حَرُّهَا حَرَّهُ، وَفِي النِّهَايَةِ الْوَطِيسُ: شِبْهُ التَّنُّورِ، وَقِيلَ: هُوَ الضِّرَابُ فِي الْحَرْبِ، وَقِيلَ: هُوَ الْوَطْءُ الَّذِي يَطِيسُ النَّاسَ أَيْ: يَدُقُّهُمْ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ حِجَارَةٌ مُدَوَّرَةٌ إِذَا حَمِيَتْ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ يَطَؤُهَا، وَلَمْ يُسْمَعْ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مِنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ، وَعَبَّرَ بِهِ عَنِ اشْتِبَاكِ الْحَرْبِ وَقِيَامِهَا عَلَى سَاقٍ. (ثُمَّ أَخَذَ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ) أَيْ: قَائِلًا: (شَاهَتِ الْوُجُوهُ شَاهَتِ الْوُجُوهُ) . (ثُمَّ قَالَ) . أَيْ: تَفَاؤُلًا أَوْ إِخْبَارًا (انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ) أَيْ: لَيْسَ انْهِزَامُ الْكُفَّارِ (إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ) أَيْ: سِوَى رَمْيِهِمْ (بِحَصَيَاتِهِ) ، أَيْ: وَلَمْ يَكُنْ بِالْقِتَالِ وَالضَّرْبِ بِالسَّيْفِ وَالطِّعَانِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عِبَارَةً عَنِ الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ وَيَكُونَ هُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، (فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ) أَيْ: بَأْسَهُمْ وَحِدَّتَهُمْ وَسُيُوفَهُمْ وَشِدَّتَهُمْ (كَلِيلًا) أَيْ: ضَعِيفًا (وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا) . أَيْ: وَحَالَهُمْ ذَلِيلًا. قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ مُعْجِزَتَانِ ظَاهِرَتَانِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِحْدَاهُمَا فِعْلِيَّةٌ، وَالْأُخْرَى خَبَرِيَّةٌ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَ بِهَزِيمَتِهِمْ وَرَمَاهُمْ بِالْحَصَيَاتِ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا النَّسَائِيُّ.

стр. 8202

٥٨٨٩ - وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ! فَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنْ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُ سِلَاحٍ، فَلَقَوْا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُهُ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ، وَقَالَ: (أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ) ثُمَّ صَفَّهُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ مَعْنَاهُ. ــ ٥٨٨٩ - (وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ، رَأَى عَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُمَا، وَسَمِعَ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، وَزَيْدَ بْنَ الْأَرْقَمِ. رَوَى عَنْهُ الْأَعْمَشُ، وَشُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ كَثِيرُ الرِّوَايَةِ. (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) : جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ مِنْ قَيْسٍ لَكِنْ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ (لِلْبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ) بِضَمٍّ فَتَخْفِيفٍ (فَرَرْتُمْ) أَيْ: أَفَرَرْتُمْ كَمَا فِي الشَّمَائِلِ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَفَرَرْتُمْ كُلُّكُمْ (يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: لَا حَقِيقَةً وَلَا صُورَةً، وَفِي الْعُدُولِ عَنْ تَغْيِيرِ فَرَّ إِلَى وَلَّى حُسْنُ عِبَارَةٍ (وَلَكِنْ خَرَجَ) أَيْ: إِلَى الْعَدُوِّ (شُبَّانُ أَصْحَابِهِ) : بِضَمِّ الشِّينِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّبَابِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُمْ وَقَارٌ وَرَأْيٌ عَلَيْهِ مَدَارٌ، وَلِهَذَا عَبَّرَ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ الشَّمَائِلِ بِقَوْلِهِ: وَلَكِنْ وَلَّى سَرَعَانُ مِنَ النَّاسِ أَيِ: الَّذِينَ يَتَسَارَعُونَ إِلَى الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَمَعْرِفَةٍ كَامِلَةٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (لَيْسَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُ سِلَاحٍ، فَلَقَوْا قَوْمًا رُمَاةً) أَيْ: تَلَقَّتْهُمْ هَوَازِنُ بِالنَّبْلِ عَلَى مَا فِي الشَّمَائِلِ (لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ عَلَى الْأَرْضِ، فَرَشَقُوهُمْ) أَيْ: فَرَمَوْهُمْ رَشْقًا (مَا كَانُوا يُخْطِئُونَ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا

стр. 8203

الْجَوَابُ الَّذِي أَجَابَهُ الْبَرَاءُ مِنْ بَدِيعِ الْأَدَبِ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ فَرَرْتُمْ كُلُّكُمْ، فَيَقْتَضِي أَنَّ الْنَبِيَّ ﷺ وَافَقَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْبَرَاءُ: لَا وَاللَّهِ مَا فَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جَرَى لَهُمْ كَذَا وَكَذَا، (فَأَقْبَلُوا) أَيِ: الشُّبَّانُ (هُنَاكَ) أَيْ: ذَلِكَ الزَّمَانُ أَوِ الْمَكَانُ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: مُتَحَيِّزِينَ إِلَيْهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَعَ هَذَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِمُ الْفِرَارُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦] قَدْ قَالَ ﷺ : (أَنَا فِئَتُكُمْ) . فَإِنْ قُلْتَ: ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَأَقْبَلُوا، فَكَيْفَ الْجَمْعُ؟ قُلْتُ: الْمُرَادُ لَهُ أَنَّ جَمْعًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَعَ لَهُمْ صُورَةُ الْإِدْبَارِ، ثُمَّ بَعْدَ تَوَجُّهِهِ ﷺ إِلَيْهِمْ وَمُنَادَاتِهِمْ بِصِيَاحِ الْعَبَّاسِ حَصَلَ لَهُمْ سَعَادَةُ الْإِقْبَالِ، وَدَوْلَةُ الِاتِّصَالِ وَالِانْتِقَالِ مِنْ صُورَةِ الْفِرَارِ إِلَى سِيرَةِ الْقَرَارِ. (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ) : قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ أَنَّ الْبَغْلَةَ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدُوسٍ أَنَّ الْبَغْلَةَ الَّتِي رَكِبَهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ هِيَ: (دُلْدُلُ) وَكَانَتْ شَهْبَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ، يَعْنِي: صَاحِبَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَأَمَّا الَّتِي أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ يُقَالُ لَهَا: فِضَّةُ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ، وَذَكَرَ عَكْسَهُ، وَالصَّحِيحُ مَا فِي مُسْلِمٍ. (وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُهُ) أَيْ: يَمْشِي قُدَّامَهُ، أَوْ يَقُودُ بَغْلَتَهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَوْ بِتَأْوِيلِ الْمَرْكُوبِ، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يُعَارِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ آخِذًا بِاللِّجَامِ، وَأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ آخِذًا بِالرِّكَابِ، لَكِنْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّنَاوُبِ، أَوْ عَلَى تِلْكَ أَنَّ الْحَالَ لِشِدَّتِهَا احْتَاجَ إِلَى اثْنَيْنِ. (فَنَزَلَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (وَاسْتَنْصَرَ) أَيْ: طَلَبَ النَّصْرَ وَالْفَتْحَ لِأُمَّتِهِ كَمَا يَأْتِي تَتِمَّةُ قِصَّتِهِ (وَقَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ: ( «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» ) : بِسُكُونِ الْبَاءِ فِيهِمَا عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ فِي السَّجْعِ وَالنَّظْمِ، وَإِنَّمَا صَدَرَ هَذَا مِنْ مِشْكَاةِ صَدْرِ النُّبُوَّةِ مُسْتَقِيمًا عَلَى وَزْنِ الشِّعْرِ بِمُقْتَضَى طَبْعِهِ الْمَوْزُونِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ مِنْهُ، فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ شِعْرًا. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَدْ غَفَلَ بَعْضُ النَّاسِ وَقَالَ: الرِّوَايَةُ أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِالْخَفْضِ حِرْصًا عَلَى تَغْيِيرِ الرِّوَايَةِ لِيَسْتَغْنِيَ عَنِ الِاعْتِذَارِ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الرَّجَزِ الَّذِي جَرَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَوْقَاتِهِ، وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَمْ يُعَلَّمِ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ وَإِنِ اسْتَوَى عَلَى وَزْنِ الشِّعْرِ، فَإِنَّهُ إِذًا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الشِّعْرَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ صُدُورُهُ عَنْ نِيَّةٍ لَهُ وَرَوِيَّةٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ اتِّفَاقُ كَلَامٍ أَحْيَانًا فَيَخْرُجُ مِنْهُ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ عَلَى بَعْضِ أَعَارِيضِ الشِّعْرِ، وَقَدْ وُجِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ نَسَبَ نَفْسَهُ إِلَى جَدِّهِ دُونَ أَبِيهِ، وَافْتَخَرَ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ الِافْتِخَارَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ ; فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ ﷺ كَانَتْ شُهْرَتُهُ بِجَدِّهِ أَكْثَرَ، لِأَنَّ أَبَاهُ قَدْ تُوُفِّيَ شَابًّا قَبْلَ اشْتِهَارِهِ، وَكَانَ جَدُّهُ مَشْهُورًا شُهْرَةً ظَاهِرَةً شَائِعَةً، وَكَانَ سَيِّدَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ مُشْتَهِرًا عِنْدَهُمْ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بُشِّرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ سَيَظْهَرُ، وَيَكُونُ شَأْنُهُ عَظِيمًا، وَكَانَ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ، يَعْنِي: وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْكُهَّانِ، وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ رَأَى رُؤْيَا تَدُلُّ عَلَى ظُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِذَلِكَ، وَيُنَبِّهَهُمْ بِأَنَّهُ ﷺ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ظُهُورِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لَهُ لِتَقْوَى نُفُوسُهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ أَيْضًا أَنَّهُ ثَابِتٌ يُلَازِمُ الْحَرْبَ لَمْ يُوَلِّ مَعَ مَنْ وَلَّى، وَعَرَّفَهُمْ مَوْضِعَهُ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ الرَّاجِعُونَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، فَمَعْنَاهُ أَنَا النَّبِيُّ حَقًّا، فَلَا أَفِرُّ، وَلَا أَزُولُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ الْإِنْسَانِ فِي الْحَرْبِ: أَنَا فُلَانٌ، أَوْ أَنَا ابْنُ فُلَانٍ، يَعْنِي: أَنَّهُ يَجْرِي عَلَى مُقْتَضَى الْعَادَةِ إِظْهَارُهُ لِلشَّجَاعَةِ، فَلَا يُعَدُّ مِنْ بَابِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ. (ثُمَّ) أَيْ: بَعْدَمَا اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ، وَرَجَعَ الشُّبَّانُ الْمُسْرِعُونَ (صَفَّهُمْ) أَيْ: جَعَلَهُمْ صَافِّينَ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . (وَلِلْبُخَارِيِّ مَعْنَاهُ) أَيْ: فَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي مُؤَدَّاهُ.

стр. 8204

٥٨٩٠ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا، «قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِيهِ، يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ » -. ــ ٥٨٩٠ - (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ) أَيِ: اشْتَدَّ الْحَرْبُ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَوْتٌ أَحْمَرُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: احْمِرَارُ الْبَأْسِ كِنَايَةٌ عَنِ اشْتِدَادِ الْحَرْبِ، فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِحُمْرَةِ الدِّمَاءِ الْحَاصِلَةِ، أَوْ لِإِسْعَارِ نَارِ الْحَرْبِ وَاشْتِعَالِهَا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: حَمِيَ الْوَطِيسُ (نَتَّقِي بِهِ) ، أَيْ نَلْتَجِئُ إِلَيْهِ، وَنَطْلُبُ الْخَلَاصَ بِسَبَبِهِ (وَإِنَّ الشُّجَاعَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيِ: الْبَلِيغَ فِي الشَّجَاعَةِ (مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِيهِ) ، أَيْ: يُوَازِيهِ وَيُحَاذِي مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَقْدِرْ حِينَئِذٍ عَلَى التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جَبَانًا فَيَفِرَّ عَنْهُ، أَوْ شَجِيعًا فَيَعُوذَ لَهُ وَيَلُوذَ إِلَيْهِ. (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ الْبَرَاءُ بِالضَّمِيرَيْنِ (النَّبِيَّ ﷺ ) . وَفِيهِ بَيَانُ شَجَاعَتِهِ وَعَظِيمُ وُثُوقِهِ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ.

стр. 8205

٥٨٩١ - «وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَوَلَّى صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ: (شَاهَتِ الْوُجُوهُ) ، فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٨٩١ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: غَزَوْنَا) أَيِ: الْكُفَّارَ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا) ، أَيْ: يَوْمَ حُنَيْنٍ (فَوَلَّى صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: بَعْضُهُمْ (فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) : عَلَى زِنَةِ رَضُوا، وَالضَّمِيرُ لِلْكُفَّارِ أَيْ: لَمَّا قَارَبُوا غَشَيَانَهُ (نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ) أَيْ: بِالتُّرَابِ (رَامِيًا وُجُوهَهُمْ. فَقَالَ) أَيْ: دُعَاءً أَوْ خَبَرًا (شَاهَتِ الْوُجُوهُ) ، أَيْ: تَغَيَّرَتْ وَقُبِّحَتْ (فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا) أَيْ: فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ (إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ) ، وَالتَّعْبِيرُ بِمَا خَلَقَ اللَّهُ لِإِفَادَةِ التَّأْكِيدِ وَتَقْرِيرِ الْحَصْرِ عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ بَيَانُ الْمُعْجِزَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِيصَالُ تُرَابِ تِلْكَ الْقَبْضَةِ إِلَى أَعْيُنِهِمْ جَمِيعًا. وَثَانِيهِمَا: أَنَّهَا بِحَيْثُ مَلَأَتْ عَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ تِلْكَ الْقَبْضَةِ الْيَسِيرَةِ وَهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ فِيمَنْ ضَامَّهُمْ مِنْ إِمْدَادِ سَائِرِ الْعَرَبِ. قُلْتُ: وَالثَّالِثُ انْهِزَامُهُمْ بِذَلِكَ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ) : حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ أَوْ مُقَيِّدَةٌ أَيْ: غَيْرَ رَاجِعِينَ (فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ) أَيْ: وَنَصَرَ رَسُولَهُ وَاسْتَجَابَ دُعَاءَهُ وَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ عِزِّ الْجَاهِ وَحُسْنِ الْحَالِ وَغَنِيمَةِ الْمَالِ، وَلِذَا قَالَ: (وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8206

٥٨٩٢ - «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ: (هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ الَّذِي تُحَدِّثُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ فَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ فَقَالَ: (أَمَّا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ. الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، قَدِ انْتَحَرَ فُلَانٌ وَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ) » رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٨٩٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْنَا) أَيْ: حَضَرْنَا (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ) أَيْ: فِي حَقِّهِ وَشَأْنِهِ (مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ) : حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْمُ الرَّجُلِ قَرْمَانُ قَالَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَكَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ. كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) : مَقُولٌ لِلْقَوْلِ (فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ) ، أَيْ: وَقْتُهُ (قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ) ، بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ الْجِرَاحَةِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (فَجَاءَ رَجُلٌ) أَيْ: مُتَعَجِّبًا (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الَّذِي تُحَدِّثُ) أَيْ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَالِ مَنْ أَخْبَرْتَ (عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ فَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ) ؟ أَيْ: وَظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشَدَّ الْقِتَالِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ (فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) أَيِ: الْقَوْلُ مَا قُلْتُ لَكَ، وَإِنْ ظَهَرَ لَكَ خِلَافُهُ، لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِصُورَةِ الْأَعْمَالِ، وَإِنَّمَا الْمَدَارُ عَلَى حُسْنِ الْأَحْوَالِ وَخَاتِمَةِ الْآمَالِ (فَكَادَ) أَيْ: قَرُبَ (بَعْضُ النَّاسِ) أَيْ: بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَهُ ضَعْفٌ فِي الدِّينِ، وَقِلَّةُ مَعْرِفَةٍ بِعِلْمِ الْيَقِينِ (يَرْتَابُ) أَيْ: يَشُكُّ فِي أَمْرِهِ، لِقَوْلِهِ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. (فَبَيْنَمَا هُوَ) أَيِ: الرَّجُلُ (عَلَى ذَلِكَ) : أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ مُبْهَمِ الْحَالِ (إِذْ وَجَدَ

стр. 8207

الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ) أَيْ: قَصَدَ وَمَالَ (إِلَى كِنَانَتِهِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: إِلَى جُعْبَتِهِ وَهِيَ ظَرْفُ سَهْمِهِ (فَانْتَزَعَ سَهْمًا) أَيْ: فَأَخْرَجَهُ (فَانْتَحَرَ) أَيْ: نَحَرَ نَفْسَهُ (بِهَا) . أَيْ: بِالْمِعْبَلَةِ الَّتِي هِيَ مُرَكَّبَةٌ فِي السَّهْمِ وَهِيَ كَمِكْنَسَةِ نَصْلٌ عَرِيضٌ طَوِيلٌ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا لِخُبْثِ بَاطِنِهِ، أَوْ فَاسِقًا بِقَتْلِ نَفْسِهِ، (فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ: عَدْوًا وَأَسْرَعُوا قَاصِدِينَ وَمُتَوَجِّهِينَ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ) ، بِتَشْدِيدِ الدَّالِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ أَيْ: حَقَّقَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَخْفِيفِهَا أَيْ: صَدَقَ اللَّهُ فِي إِخْبَارِكَ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ (قَدِ انْتَحَرَ فُلَانٌ وَقَتَلَ نَفْسَهُ) . عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَبَيَانٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) ، قَالَ شَارِحٌ: هَذَا كَلَامٌ يُقَالُ عِنْدَ الْفَرَحِ فَرِحَ ﵇ حِينَ ظَهَرَ صِدْقُهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مُحْتَمِلٌ تَعَجُّبًا وَفَرَحًا لِوُقُوعِ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ، فَعَظَّمَ اللَّهَ تَعَالَى حَمْدًا وَشُكْرًا لِتَصْدِيقِ قَوْلِهِ: وَأَنْ يَكُونَ كَسْرًا لِلنَّفْسِ وَعَجَبِهَا، حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ وَيَنْصُرُهُ قَوْلُهُ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ (يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ) أَيْ: فَأَعْلِمِ النَّاسَ ( «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ» ) أَيْ: خَالِصٌ احْتِرَازًا عَنِ الْمُنَافِقِينَ، أَوْ مُؤْمِنٌ كَامِلٌ، فَالْمُرَادُ دُخُولُهَا مَعَ الْفَائِزِينَ دُخُولًا أَوَّلِيًّا غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِعَذَابٍ. ( «وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» ) . أَيِ: الْمُنَافِقِ أَوِ الْفَاسِقِ مِمَّنْ يَعْمَلُ رِيَاءً أَوْ يَخْلِطُ بِهِ مَعْصِيَةً، وَرُبَّمَا يَكُونُ عَمَلًا بِهِ سُوءُ الْخَاتِمَةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، وَالْجُمْلَةُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً تَحْتَ التَّأْذِينِ، أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْقَائِلِينَ. وَمِنْ نَظَائِرِهِ مَنْ يُصَنِّفُ أَوْ يُدَرِّسُ أَوْ يُعَلِّمُ أَوْ يَتَعَلَّمُ أَوْ يُؤَذِّنُ أَوْ يَؤُمُّ أَوْ يَأْتَمُّ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، كَمَنْ يَبْنِي مَسْجِدًا أَوْ مَدْرَسَةً أَوْ زَاوِيَةً لِغَرَضٍ فَاسِدٍ وَقَصْدٍ كَاسِدٍ مِمَّا يَكُونُ سَبَبًا لِنِظَامِ الدِّينِ وَقَوَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَصَاحِبُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَحْرُومِينَ، جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُخْلِصِينَ بَلْ مِنَ الْمُخْلَصِينَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا مُسْلِمٌ. وَفِي الْجَامِعِ: ( «إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ» ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، عَنْ أَنَسٍ، وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُؤَيِّدُ الْإِسْلَامَ بِرِجَالٍ مَا هُمْ مِنْ أَهْلِهِ» ".

стр. 8208

٥٨٩٣ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ. حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدِي، دَعَا اللَّهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: (أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ، جَاءَنِي رَجُلَانِ، جَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ. قَالَ: فِي مَاذَا؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ) فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ. فَقَالَ: (هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) فَاسْتَخْرَجَهُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٩٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » - أَيْ: سَحَرَهُ يَهُودِيٌّ (حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: لَيَظُنُّ (أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ) أَيِ: الْفُلَانِيَّ مَثَلًا (وَمَا فَعَلَهُ) ، أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ مَا فَعَلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ النِّسْيَانُ بِحَيْثُ يَتَوَهَّمُ مِنْ حَيْثُ النِّسْيَانِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ وَمَا فَعَلَهُ، أَوْ أَنَّهُ مَا فَعَلَهُ وَقَدْ فَعَلَ، وَذَلِكَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا لَا فِي الدِّينِ، وَنَظِيرُهُ مَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ مُوسَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهَا مَا تَسْعَى، بَلْ أَنَّهُمْ لَطَّخُوهَا بِالزِّئْبَقِ، فَلَمَّا ضَرَبَتْ عَلَيْهَا الشَّمْسُ اضْطَرَبَتْ، فَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهَا تَتَحَرَّكُ ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: ٦٧] قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يَعْنِي فَأَضْمَرَ فِيهَا خَوْفًا مِنْ مُفَاجَأَتِهِ عَلَى مَا هُوَ مُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَقَدْ قُرِئَ: يُخَيِّلُ عَلَى إِسْنَادِهِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ يَحُطُّ مِنْ مَنْزِلِ النُّبُوَّةِ لِذَلِكَ، وَأَنَّ تَجَوُّزَهُ يَمْنَعُ الثِّقَةَ بِالشَّرْعِ، وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْقَطْعِيَّةَ قَدْ قَامَتْ عَلَى صِدْقِهِ وَعِصْمَتِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، وَالْمُعْجِزَةُ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ، وَتَجْوِيزُ مَا قَامَ الدَّلِيلُ بِخِلَافِهِ بَاطِلٌ، فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ أُمُورِ الدُّنْيَا الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ بِهَا، فَهُوَ مِمَّا يَعْرِضُ لِلْبَشَرِ فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يُتَخَيَّلُ إِلَيْهِ مَا يُخَيَّلُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ صِحَّتَهُ، وَكَانَتْ مُعْتَقَدَاتُهُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالسَّدَادِ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَعْتَقِدَ صِحَّةَ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالدِّينِ، ثُمَّ يُنَبَّهُ عَلَيْهِ، وَيُبَيَّنُ لَهُ صَحِيحُ الِاعْتِقَادِ كَمَا قَالَ تَعَالَى لِمُوسَى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨] وَقِيلَ: مَعْنَى لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَيْ يَظْهَرُ لَهُ مِنْ نَشَاطِهِ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِتْيَانِ النِّسَاءِ، فَإِذَا دَنَا مِنْهُ أَخَذَتْهُ أَخْذَةُ السِّحْرِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 8209

قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكُلُّ مَا جَاءَ مِنْ أَنَّهُ يُخَيِّلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ، فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّخَيُّلِ بِالْبَصَرِ لَا بِالْعَقْلِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَطْعَنُ بِالرِّسَالَةِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَأَمَّا مَا زَعَمُوا مِنْ دُخُولِ الضَّرَرِ فِي الشَّرْعِ بِأَنْبِيَائِهِ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ السِّحْرَ إِنَّمَا يَعْمَلُ فِي أَبْدَانِهِمْ، وَهُمْ بَشَرٌ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِلَلِ وَالْأَمْرَاضِ مَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ تَأْثِيرُ السِّحْرِ فِي أَبْدَانِهِمْ بِأَكْثَرَ مِنَ الْقَتْلِ، وَتَأْثِيرُ السُّمِّ وَعَوَارِضِ الْأَسْقَامِ فِيهِمْ، وَقَدْ قُتِلَ زَكَرِيَّا وَابْنُهُ، وَسُمَّ نَبِيُّنَا ﷺ وَأَمَّا أَمْرُ الدِّينِ فَإِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِيمَا بَعَثَهُمُ اللَّهُ وَأَرْصَدَهُمْ لَهُ، وَهُوَ جَلَّ ذِكْرُهُ حَافِظٌ لِدِينِهِ وَحَارِسٌ لِوَحْيِهِ أَنْ يَلْحَقَهُ فَسَادٌ وَتَبْدِيلٌ بِأَنْ لَا يَطُولَ ذَلِكَ، بَلْ يَزُولَ سَرِيعًا، وَكَأَنَّهُ مَا حَلَّ، وَفَائِدَةُ الْحُلُولِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ هَذَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَعَلَى أَنَّ السِّحْرَ تَأْثِيرُهُ حَقٌّ، فَإِنَّهُ إِذَا أَثَّرَ فِي أَكْمَلِ الْإِنْسَانِ فَكَيْفَ غَيْرُهُ؟ (حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ) : بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، لَكِنَّ الرَّفْعَ لَا يُلَائِمُ قَوْلَهَا (عِنْدِي، دَعَا اللَّهُ وَدَعَاهُ) ، كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ أَوِ التَّكْثِيرِ أَيْ: وَأَكْثَرَ الدُّعَاءَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: أَتَى عَقِبَ دُعَائِهِ بِدُعَاءٍ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، ثُمَّ دَعَا ثُمَّ دَعَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ عِنْدَ حُصُولِ الْأُمُورِ الْمَكْرُوهَةِ، وَحُسْنِ الِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. (ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ) أَيْ: أَعَلِمْتِ (يَا عَائِشَةُ! أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي) أَيْ: بَيَّنَ لِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ أَيْ فِيمَا طَلَبْتُ بَيَانَ الْأَمْرِ مِنْهُ، وَكَشْفَهُ عَنْهُ. ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (جَاءَنِي رَجُلَانِ) أَيْ: مَلَكَانِ عَلَى صُورَةِ رَجُلَيْنِ (جَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي) ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّثْنِيَةِ (ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ) ؟ أَيْ مَا سَبَبُ تَعَبِهِ الَّذِي بِمَنْزِلَةِ وَجَعِهِ (قَالَ: مَطْبُوبٌ) . أَيْ هُوَ مَسْحُورٌ، يُقَالُ: طُبَّ الرَّجُلُ إِذَا سُحِرَ، فَكَنَّوْا بِالطَّبِّ عَنِ السِّحْرِ، كَمَا كَنَّوْا بِالسَّلِيمِ عَلَى اللَّدِيغِ. (قَالَ) أَيِ: الْآخَرُ (وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ) . قِيلَ أَيْ: بَنَاتُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] أَيِ النِّسَاءِ أَوِ النُّفُوسِ السَّوَاحِرِ الَّتِي يَعْقِدْنَ عُقَدًا فِي خُيُوطٍ وَيَنْفُثْنَ عَلَيْهَا، وَالنَّفْثُ النَّفْخُ مَعَ رِيقٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَتَخْصِيصُهُ بِالتَّعَوُّذِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ يَهُودِيًّا سَحَرَ الْنَبِيَّ ﷺ فِي إِحْدَى عَشْرَةَ عُقْدَةً فِي وَتَرٍ دَسَّهُ فِي بِئْرٍ، فَمَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ، وَأَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ بِمَوْضِعِ السِّحْرِ، فَأَرْسَلَ عَلِيًّا ﵁، فَجَاءَ بِهِ فَقَرَأَهُمَا عَلَيْهِ، فَكَانَ كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَوَجَدَ بَعْضَ الْخِفَّةِ» ، وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ صِدْقَ الْكَفَرَةِ فِي أَنَّهُ مَسْحُورٌ، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ مَجْنُونٌ بِوَاسِطَةِ السِّحْرِ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ قَضِيَّةٌ أُخْرَى، فَإِنَّهَا مُغَايِرَةٌ لِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوُقُوعِ نَوْعَيْنِ مِنَ السِّحْرِ لَهُ ﷺ لِيَكُونَ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ. وَإِنَّ أَحَدَهُمَا وَهُوَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَعَ مِنْ لَبِيدٍ، وَالْآخَرُ مِنْ بَنَاتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ) أَيِ: الْآخَرُ (فِي مَاذَا) ؟ أَيْ سُحِرَ فِي أَيِّ شَيْءٍ (قَالَ: فِي مُشْطٍ) : بِضَمِّ الْمِيمِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْمُشْطُ مُثَلَّثَةٌ وَكَكَتِفٍ وَعُنُقٍ وَعُتُلٍّ وَمِنْبَرٍ آلَةٌ يُمْتَشَطُ بِهَا (وَمُشَاطَةٍ) : بِضَمِّ الْمِيمِ مَا سَقَطَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ أَوِ اللِّحْيَةِ عِنْدَ تَسْرِيحِهِ بِالْمُشْطِ (وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ) ، بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ، وَهُوَ وِعَاءُ طَلْعِ النَّخْلِ، وَطَلْعَةِ ذَكَرٍ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَأَرَادَ بِالذَّكَرِ فَحْلَ النَّخْلِ، قِيلَ: وَيُرْوَى جُبِّ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: دَاخِلِ طَلْعَةِ ذَكَرٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْجُفُّ، بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْفَاءِ، هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ بِلَادِنَا. وَفِي بَعْضِهَا جُبٌّ بِالْبَاءِ، وَهُمَا بِمَعْنًى، وَهُوَ وِعَاءُ طَلْعِ النَّخْلِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، فَلِهَذَا أَضَافَ فِي الْحَدِيثِ طَلْعَةَ إِلَى ذَكَرٍ إِضَافَةَ بَيَانٍ. (قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِمَّا سُحِرَ بِهِ (قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ) : بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. قَالَ شَارِحٌ: وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ. قِيلَ: هُوَ الصَّوَابُ ; لِأَنَّ أَرْوَانَ بِالْمَدِينَةِ أَشْهَرُ مِنْ ذَرْوَانَ، وَذَرْوَانُ عَلَى مَسِيرَةِ سَاعَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ بُنِيَ مَسْجِدُ الضِّرَارِ، قُلْتُ: فَذَرْوَانُ أَوْفَقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ، وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ، وَفِي مُعْظَمِهَا

стр. 8210

ذَرْوَانُ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ مَشْهُورٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَجْوَدُ، وَهِيَ بِئْرٌ فِي الْمَدِينَةِ فِي بُسْتَانِ أَبِي زُرَيْقٍ (فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُنَاسٍ) أَيْ: مَعَ جَمْعٍ (مِنْ أَصْحَابِهِ) أَيِ: الْمَخْصُوصِينَ (إِلَى الْبِئْرِ: (هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (وَكَأَنَّ) : بِالتَّشْدِيدِ (مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ) ، بِضَمِّ النُّونِ أَيْ: لَوْنُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَاءَهَا مُتَغَيِّرٌ لَوْنُهُ مِثْلُ مَاءٍ نُقِعَ فِيهِ الْحِنَّاءُ وَالنُّقَاعَةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَنْقُوعِ. (وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) . قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ: أَرَادَ بِالنَّخْلِ طَلْعَ النَّخْلِ، وَإِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَى الْبِئْرِ، لِأَنَّهُ كَانَ مَدْفُوعًا فِيهَا، وَأَمَّا تَشْبِيهُهُ ذَلِكَ بِرُءُوسِ الشَّيَاطِينِ، فَلِمَا صَادَفُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الْوَحْشَةِ وَالنَّفْرَةِ وَقُبْحِ الْمَنْظَرِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَعُدُّ صُوَرَ الشَّيَاطِينِ مِنْ أَقْبَحِ الْمَنَاظِرِ ذَهَابًا فِي الصُّورَةِ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى، وَقِيلَ: أُرِيدَ بِالشَّيَاطِينِ الْحَيَّاتُ الْخَبِيثَاتُ الْعُرُمَاتُ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِهَذَا الْمَنْظَرِ فِي الْحَدِيثِ مَسُوقٌ عَلَى نَصِّ الْكِتَابِ فِي التَّمْثِيلِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] (فَاسْتَخْرَجَهُ) ، أَيْ مَا ذُكِرَ مِمَّا سُحِرَ بِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8211

٥٨٩٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اعْدِلْ. قَالَ: (وَيْلَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟) قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ) فَقَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ. قَالَ: دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ، إِلَى رُصَافِهِ إِلَى نَضِيِّهِ وَهُوَ قِدْحُهُ، إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ) . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ، فَأُتِيَ بِهِ، نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَعَتَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «أَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اتَّقِ اللَّهَ. فَقَالَ: (فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ! فَيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي) فَسَأَلَ رَجُلٌ قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: (إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٩٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) : ﵁ (قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ) أَيْ: حَاضِرُونَ (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا) : قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ: الْقَسْمُ مَصْدَرُ قَسَمْتُ الشَّيْءَ فَانْقَسَمَ سُمِّيَ الشَّيْءُ الْمَقْسُومُ، وَهُوَ الْغَنِيمَةُ بِالْمَصْدَرِ، وَالْقِسْمُ بِالْكَسْرِ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ، وَلَا وَجْهَ لِلْمَكْسُورَةِ فِي الْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَا إِذَا تَفَرَّدَ نَصِيبٌ، وَهَذَا الْقَسْمُ كَانَ فِي غَنَائِمِ خَيْبَرَ قَسَمَهَا بِالْجِعْرَانَةِ. (أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ) : تَصْغِيرُ الْخَاصِرَةِ (وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) : قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ شَهِيرَةٌ وَنَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] فَهُوَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَسَيَجِيءُ أَنَّهُ مِنْ أَصْلِهِ يَخْرُجُ الْخَوَارِجُ، وَأَمَّا قَوْلُ شَارِحٍ: هُوَ رَئِيسُ الْخَوَارِجِ فَفِيهِ مُسَامَحَةٌ إِذْ أَوَّلُ ظُهُورِهِمْ فِي زَمَنِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اعْدِلْ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّوْرِيَةَ كَمَا هُوَ عَادَةُ أَهْلِ النِّفَاقِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْعَدْلِ التَّسْوِيَةُ، أَوْ قِسْمَةُ الْحَقِّ اللَّائِقِ بِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْعَدْلِ الَّذِي فِي مُقَابِلِ الظُّلْمِ، لَكِنَّهُ ﷺ عَلِمَ بِنُورِ النُّبُوَّةِ أَوْ ظُهُورِ الْفِرَاسَةِ أَوْ قَرِينَةِ الْحَالِ، فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ فِي إِعْطَائِهِ يَرَى قَدْرَ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَصْلَحَةِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَعْنَى الثَّانِيَ، وَلِأَنَّ التَّسْرِيَةَ فِي مَكَانٍ يَنْبَغِي التَّفَاضُلُ نَوْعٌ مِنَ الظُّلْمِ فَغَضِبَ عَلَيْهِ. (فَقَالَ: وَيْلَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ. قَدْ خِبْتَ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَاءِ الْخِطَابِ أَيْ: حُرِمْتَ الْمَقْصُودَ (وَخَسِرْتَ) : عَلَى الْخِطَابِ أَيْضًا (إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ) : قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ: وَإِنَّمَا رَدَّ الْخَيْبَةَ وَالْخُسْرَانَ إِلَى الْمُخَاطَبِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ عَدْلٍ مِنْهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَبَعَثَهُ لِيَقُومَ بِالْعَدْلِ فِيهِمْ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ فَقَدْ خَانَ الْمُعْتَرَفَ بِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَيْهِمْ، فَخَابَ وَخَسِرَ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ فَضْلًا مِنْ أَنْ يُرْسِلَهُمْ إِلَى عِبَادِهِ انْتَهَى. وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ إِذَا حَكَمَ ذَلِكَ الْقَائِلُ بِأَنَّهُ لَا يَعْدِلُ فَقَدْ خَابَ الْقَائِلُ وَخَسِرَ بِهَذَا الْحُكْمِ. (فَقَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ) . بِالْجَزْمِ وَجُوِّزَ رَفْعُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ (فَقَالَ: دَعْهُ) ، أَيِ اتْرُكْهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: كَيْفَ مَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهِ، مَعَ أَنَّهُ قَالَ: لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ. قِيلَ: إِنَّمَا أَبَاحَ قَتْلَهُمْ إِذَا كَثُرُوا، وَامْتَنَعُوا بِالسِّلَاحِ، وَاسْتَعْرَضُوا النَّاسَ، وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمَعَانِي مَوْجُودَةً حِينَ مَنَعَ مِنْ قَتْلِهِمْ، وَأَوَّلُ مَا نَجَمَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ عَلِيٍّ ﵁، وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمُ انْتَهَى. وَالْأَظْهَرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَكْمَلُ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى حُسْنِ أَخْلَاقِهِ ﷺ وَأَنَّهُ مَا كَانَ يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ قَالَ: (اعْدِلْ) . وَفِي رِوَايَةٍ: اتَّقِ اللَّهَ، وَفِي أُخْرَى: إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْقَتْلَ إِذْ فِيهِ النَّقْصُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِهَذَا لَوْ قَالَهُ أَحَدٌ فِي عَصْرِنَا لَحُكِمَ بِكُفْرِهِ أَوِ ارْتِدَادِهِ انْتَهَى. وَهُوَ لَا يُنَافِي تَعْلِيلَ مَنْعِهِ عَنْ قَتْلِهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا) أَيْ: أَتْبَاعًا سَيُوجَدُونَ

стр. 8212

مِنْ نَعْتِهِمْ (أَنَّهُ يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ) ، أَيْ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (مَعَ صَلَاتِهِمْ) أَيْ: فِي جَنْبِ صَلَاتِهِمُ الْمُزَيَّنَةِ الْمُحَسَّنَةِ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ (وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ) ، أَيْ فِي نَوَافِلِ أَيَّامِهِمْ. قَالَ شَارِحٌ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ وَأَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ هَذَا النَّهْيُ عَلَى إِطْلَاقِهِ (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَيْ: يُدَاوِمُونَ عَلَى تِلَاوَتِهِ، وَيُبَالِغُونَ فِي تَجْوِيدِهِ، وَتَرْتِيلِهِ، وَمُرَاعَاةِ مَخَارِجِ حُرُوفِهِ وَصِفَاتِهِ (لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ) ، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِمْ لَا يَتَجَاوَزُ مَقْرُوءُهُمْ عَنْ حُلُوقِهِمْ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ صُعُودِ عَمَلِهِمْ، وَنَفْيِ قَبُولِ قِرَاءَتِهِمْ. قَالَ شَارِحٌ: وَالتَّرَاقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وَهِيَ الْعِظَامُ بَيْنَ نَقْرَةِ الْحَلْقِ وَالْعَاتِقِ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّصُ عَنْ أَلْسِنَتِهِمْ وَآذَانِهِمْ إِلَى قُلُوبِهِمْ وَأَفْهَامِهِمْ. وَقَالَ الْقَاضِي أَيْ: لَا تَتَجَاوَزُ قِرَاءَتُهُمْ عَنْ أَلْسِنَتِهِمْ إِلَى قُلُوبِهِمْ، فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهَا، أَوْ لَا تَتَصَاعَدُ مِنْ مَخْرَجِ الْحُرُوفِ وَحَيِّزِ الصَّوْتِ إِلَى مَحَلِّ الْقَبُولِ وَالْإِنَابَةِ (يَمْرُقُونَ) : بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ: يَخْرُجُونَ (مِنَ الدِّينِ) أَيْ: مِنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَيَمُرُّونَ عَلَيْهِ سَرِيعًا مِنْ غَيْرِ حَظٍّ وَانْتِفَاعٍ بِهِ، (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) ، بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ وَهِيَ الصَّيْدُ، وَيُقَالُ: مَرَقَ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، أَيْ: خُرُوجُ السَّهْمِ، وَمُرُورُهُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَتَنَزُّهُهُ عَنِ التَّلَوُّثِ بِمَا يَمُرُّ عَلَيْهِ مِنْ فَرْثٍ وَدَمٍ. قَالَ شَارِحٌ: شَبَّهَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالرَّمِيَّةِ لِاسْتِحْيَاشِهِمْ عَمَّا يَرْمُونَ بِهِ مِنَ الْقَوْلِ النَّافِعِ، ثُمَّ وَصَفَ الْمُشَبَّهَ بِهِ فِي سُرْعَةٍ تُخَلِّصُهُ وَتُنَزِّهُهُ عَنِ التَّلَوُّثِ بِمَا يَمُرُّ عَلَيْهِ مِنْ فَرْثٍ وَدَمٍ لِيُبَيِّنَ الْمَعْنَى الْمَضْرُوبَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (إِلَى رُصَافِهِ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَيُكْسَرُ بَدَلٌ وَهُوَ عَصَبٌ يُلْوَى فَوْقَ مَدْخَلِ النَّصْلِ (إِلَى نَضِيِّهِ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ (وَهُوَ قِدْحُهُ) ، بِكَسْرِ الْقَافِ، وَهُوَ مَا جَاوَزَ الرِّيشَ إِلَى النَّصْلِ مِنَ النِّضْوِ، لِأَنَّهُ بُرِيَ حَتَّى صَارَ نِضْوًا، فَهُوَ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، وَهُوَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي تَفْسِيرٌ لِلنِّضِيِّ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (إِلَى قُذَذِهِ) : مِنْ كَلَامِهِ ﷺ وَهُوَ جَمْعُ قُذَّةٍ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ رِيشُ السَّهْمِ. قَالَ الْقَاضِي: أَخْرَجَ مُتَعَلِّقَاتِ الْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْدَادِ لَا التَّنَسُّقِ (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ) أَيْ: فِي السَّهْمِ، أَوْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذْكُورَاتِ (شَيْءٌ) أَيْ: مِنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ، وَالْحَالُ أَنَّ السَّهْمَ أَوْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا (قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ) ، أَيْ مَرَّ عَلَيْهِمَا، وَالْمَعْنَى كَمَا نَفَذَ السَّهْمُ فِي الرَّمِيَّةِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الرَّوْثِ وَالدَّمِ، دُخُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ خُرُوجُهُمْ مِنْهُ سَرِيعًا بِحَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ، هَذَا وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالنَّصْلِ الْقَلْبُ الَّذِي هُوَ الْمُؤَثِّرُ وَالْمُتَأَثِّرُ، فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى قِبَلِهِ، فَلَا تَجِدُ فِيهِ أَثَرًا مِمَّا شُرِعَ فِيهِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَبِالرُّصَافِ الصَّدْرُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الِانْشِرَاحِ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَلَمْ يُشْرَحْ لِذَلِكَ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَثَرُ السَّعَادَةِ، وَبِالنَّضِيِّ الْبَدَنُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْبَدَنَ وَإِنْ تَحَمَّلَ لِتَكَالِيفِ الشَّرْعِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ فَائِدَةٌ وَبِالْقُذَّةِ أَطْرَافُ الْبَدَنِ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْآلَاتِ لِأَهْلِ الصِّنَاعَاتِ أَيْ: لَنْ يَحْصُلَ لَهُ بِهَا مَا يَحْصُلُ لِأَهْلِ السَّعَادَاتِ، (آيَتُهُمْ) أَيْ: عَلَامَةُ أَصْحَابِهِ الْكَائِنَةُ فِيهِمُ الْكَامِنَةُ مِنْهُمْ (رَجُلٌ أَسْوَدُ) أَيْ: ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ قِطْعَةِ اللَّحْمِ وَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ فِي التَّشْبِيهِ أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي (تَدَرْدَرُ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ: تَضْطَرِبُ وَتَجِيءُ وَتَذْهَبُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: تُحَرَّكُ وَتُزَحْزَحُ مَارًّا أَوْ جَائِيًا انْتَهَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ جَعَلَهُ فِعْلًا مَاضِيًا، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْأُصُولُ الْمَضْبُوطَةُ (وَيَخْرُجُونَ) : عَطْفٌ عَلَى يَمْرُقُونَ (عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ) . أَيْ فِي زَمَانِهِمْ (مِنَ النَّاسِ) : يُرِيدُ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ ﵃. وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ بِضَمِّ الْفَاءِ فَعَلَى بِمَعْنَى (فِي) أَيْ: يَظْهَرُونَ فِي حِينِ تَشَتُّتِ أَمْرِ النَّاسِ وَاضْطِرَابِ أَحْوَالِهِمْ وَظُهُورِ الْمُحَارَبَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) أَيِ: الْخُدْرِيُّ رَاوِي الْحَدِيثِ (أَشْهَدُ) أَيْ: أَحْلِفُ (أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ) ، أَيْ: فَهُوَ وَمَنْ مَعَهُ خَيْرُ الْفِرْقَةِ (فَأَمَرَ) أَيْ: عَلِيٌّ (بِذَلِكَ الرَّجُلِ) أَيْ: بِطَلَبِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي آيَتُهُمْ وَعَلَامَتُهُمْ (فَالْتُمِسَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ فَطُلِبَ وَأُخِذَ (فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَعَتَهُ) . أَيْ سَابِقًا.

стр. 8213

(وَفِي رِوَايَةٍ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: بَدَلَ أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ (أَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْغَوْرِ أَيْ: غَارَتْ عَيْنَاهُ وَدَخَلَتَا فِي رَأْسِهِ (نَاتِئُ الْجَبْهَةِ) : بِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ بَعْدَهَا هَمْزٌ أَيْ مُرْتَفِعُهَا (كَثُّ اللِّحْيَةِ) : بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ مُثَلَّثَةً أَيْ كَثِيفُهَا (مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ) أَيْ: عَالِي الْخَدَّيْنِ (مَحْلُوقُ الرَّأْسِ) أَيْ: لِادِّعَاءِ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّظَافَةِ وَالتَّأْكِيدِ فِي قَطْعِ التَّعَلُّقِ، وَهُوَ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ﷺ مِنْ إِبْقَاءِ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَعَدَمِ حَلْقِهِ إِلَّا بَعْدَ فَرَاغِ النُّسُكِ، غَيْرَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحْلِقُ كَثِيرًا لِمَا قَدَّمْنَا سَبَبَهُ وَوَجْهَهُ، (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! اتَّقِ اللَّهَ) أَيْ: فِي قَسْمِكَ (فَقَالَ: فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ) أَيْ: يَتَّقِيهِ مِنْ أُمَّتِي (إِذَا عَصَيْتُهُ) أَيْ: مَعَ عِصْمَتِي وَثُبُوتِ نُبُوَّتِي (فَيَأْمَنُنِي اللَّهُ) أَيْ: يَجْعَلُنِي أَمِينًا (عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِّي) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيُخَفَّفُ، وَالْخِطَابُ عَلَى وَجْهِ الْعِتَابِ لِذِي الْخُوَيْصِرَةِ وَقَوْمِهِ (فَسَأَلَهُ رَجُلٌ) : وَهُوَ عُمَرُ ﵁ كَمَا سَبَقَ (قَتْلَهُ) ، أَيْ تَجْوِيزَهُ (فَمَنَعَهُ) ، أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ (فَلَمَّا وَلَّى) أَيِ: الرَّجُلُ (قَالَ: إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا) : بِكَسْرِ مُعْجَمَتَيْنِ وَهَمْزَتَيْنِ يُبْدَلُ أَوَّلُهُمَا أَيْ: مِنْ أَصْلِهِ وَنَسَبِهِ وَعَقِبِهِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ: مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ يَتَوَلَّدُونَ مِنْهُ، فَقَدْ أَبْعَدَ، إِذْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْخَوَارِجِ قَوْمٌ مِنْ نَسْلِ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ، ثُمَّ إِنَّ الزَّمَانَ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا الْقَوْلَ إِلَى أَنْ نَابَذَ الْمَارِقَةُ عَلِيًّا ﵁ وَحَارَبُوهُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ مِنَ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ فِي النَّسَبِ، أَوْ مِنَ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ. (قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ) أَيْ: مَقْرُوءُهُمْ (حَنَاجِرَهُمْ) أَيْ: ظَوَاهِرَهُمْ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي بَوَاطِنِهِمْ (يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ) أَيْ: مِنْ كَمَالِهِ، أَوْ مِنِ انْقِيَادِ الْإِمَامِ. اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ كَفَّرَ الْخَوَارِجَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ هُنَا طَاعَةُ الْإِمَامِ (مُرُوقَ السَّهْمِ) أَيْ: كَخُرُوجِهِ سَرِيعًا (مِنَ الرَّمِيَّةِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ انْتِفَاعٍ بِهَا (فَيَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ) أَيْ: لِتَكْفِيرِهِمْ إِيَّاهُمْ بِسَبَبِ ارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ (وَيَدَعُونَ) : بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ: يَتْرُكُونَ (أَهْلَ الْأَوْثَانِ) ، أَيْ: أَهْلَ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ (لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) . أَرَادَ بِقَتْلِ عَادٍ اسْتِئْصَالَهُمْ بِالْهَلَاكِ، فَإِنَّ عَادًا لَمْ تُقْتَلْ، وَإِنَّمَا أُهْلِكَتْ بِالرِّيحِ، وَاسْتُؤْصِلَتْ بِالْإِهْلَاكِ. قِيلَ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ الْقَتْلِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمْ وَتَظَاهُرِهِمْ، وَلِذَلِكَ مَنَعَ مِنْ قَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ مَنْعَ قَتْلِهِ لَمْ يَكُنْ لِانْفِرَادِهِ، بَلْ لِسَبَبٍ آخَرَ بَيَانُهُ تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8214

٥٨٩٥ - «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ) . فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٍ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَتْ فَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ خَيْرًا.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٨٩٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ) ، حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، أَوِ الْمُرَادُ بِهَا أَنَّهَا مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى الشِّرْكِ (فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا) أَيْ: إِلَى الْإِسْلَامِ وَمُتَابَعَةِ سَيِّدِ الْأَنَامِ (فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: فِي حَقِّهِ وَشَأْنِهِ (مَا أَكْرَهُ) أَيْ: شَيْئًا أَكْرَهُهُ مِنَ الْكَلَامِ، أَوْ أَكْرَهُ ذِكْرَهُ بَيْنَ الْأَنَامِ، (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبْكِي) أَيْ: مِنَ الْحُزْنِ وَالْغَبْنِ، حَيْثُ لَمْ أَقْدِرْ عَلَى تَأْدِيبِهَا لِكَوْنِهَا أُمِّي. (قُلْتُ) : وَفِي نُسْخَةٍ فَقُلْتُ: ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا» ) أَيْ: مَسْرُورًا مُنْشَرِحًا (بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا صِرْتُ) أَيْ: وَاصِلًا (إِلَى الْبَابِ) أَيْ: بَابِ أُمِّي (فَإِذَا هُوَ) أَيْ: بَابٌ (مُجَافٍ) ، أَيْ مَرْدُودٌ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: (أَجِيفُوا أَبْوَابَكُمْ) . أَيْ رُدُّوهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ) : بِالتَّثْنِيَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِفْرَادِ أَيْ:

стр. 8215

صَوْتَهُمَا، وَقِيلَ: حَرَكَتَهُمَا وَحِسَّهُمَا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَيُحَرَّكُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (فَقَالَتْ: مَكَانَكَ) : بِالنَّصْبِ أَيِ الْزَمْهُ (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ) ، أَيْ تَحْرِيكَهُ، وَقِيلَ: صَوْتُهُ (فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا) بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ قَمِيصَهَا (وَعَجِلَتْ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ (عَنْ خِمَارِهَا) ، أَيْ: تَرَكَتْ خِمَارَهَا مِنَ الْعَجَلَةِ يُقَالُ: عَجِلْتُ عَنْهُ تَرَكْتُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا بَادَرَتْ إِلَى فَتْحِ الْبَابِ بَعْدَ لَبْسِهَا الثِّيَابَ قَبْلَ أَنْ تَلْبَسَ خِمَارَهَا، وَهَذَا مَعْنَى مَا قَالَ الطِّيبِيُّ: عَجَّلَتِ الْفَتْحَ مُتَجَاوِزَةً عَنْ خِمَارِهَا (فَفَتَحَتِ الْبَابَ) ، أَيْ بَعْدَ مَا وَقَعَ عَلَيْهَا النِّقَابُ وَرُفِعَ عَنْهَا الْحِجَابُ ( «ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ خَيْرًا» ) . أَيْ قَوْلًا خَيْرًا، أَوْ كَلَامًا يَتَضَمَّنُ خَيْرًا، أَوِ التَّقْدِيرُ: وَصَلْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ خَيْرًا بِإِسْلَامِ أُمِّكَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8216

٥٨٩٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: «إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفِقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَلْءِ بَطْنِي، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا: (لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا) . فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ ﷺ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٩٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: إِنَّكُمْ) أَيْ: مَعْشَرَ التَّابِعِينَ، وَقِيلَ الْخِطَابُ مَعَ الصَّحَابَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ (تَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ، أَيِ الرِّوَايَةِ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ) أَيْ: مَوْعِدُنَا، فَيَظْهَرُ عِنْدَهُ صِدْقُ الصَّادِقِ وَكَذِبُ الْكَاذِبِ، لِأَنَّ الْأَسْرَارَ تَنْكَشِفُ هُنَالِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لِقَاءُ اللَّهِ الْمَوْعِدُ، وَيَعْنِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهُوَ يُحَاسِبُنِي عَلَى مَا أَزِيدُ وَأَنْقُصُ، لَا سِيَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ: ( «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ) . (وَإِنَّ إِخْوَتِي) أَيْ: إِخْوَانِي وَأَصْحَابِي (مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْغَيْنِ وَأَمَّا الضَّمُّ وَالْكَسْرُ فَلُغَةٌ قَلِيلَةٌ أَوْ رَدِيئَةٌ أَيْ: يَمْنَعُهُمْ (الصَّفِقُ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ: ضَرْبُ الْيَدِ عَلَى الْيَدِ عِنْدَ الْبَيْعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْعُقُودِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ) أَيِ: الْمَوَاضِعُ الَّتِي فِيهَا نَخِيلُهُمْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا أَصْحَابَ تِجَارَاتٍ وَالْأَنْصَارَ أَصْحَابُ زِرَاعَاتٍ. (وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا) أَيْ: عَاجِزًا عَنْ مَالِ التِّجَارَةِ وَأَسْبَابِ الزِّرَاعَةِ (أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: صُحْبَتَهُ وَخِدْمَتَهُ حَامِدًا (عَلَى مَلْءِ بَطْنِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ حَالٌ أَيْ أَلْزَمُهُ ﷺ قَانِعًا بِمَا يَمْلَأُ بَطْنِي، فَعَدَّاهُ بِعَلَى مُبَالَغَةً، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: فَإِنْ مَلَكْتَ كَفَافَ قُوتٍ فَكُنْ بِهِ ... قَنِيعًا فَإِنَّ الْمُتَّقِيَ اللَّهَ قَانِعُ (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا: لَنْ يَبْسُطَ) أَيْ: لَنْ يَفْرِشَ (أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ) أَيْ: أُفْرِغَ (مَقَالَتِي هَذِهِ) : كَأَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى دُعَاءٍ دَعَاهُ حِينَئِذٍ ذَكَرُهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: كَانَتْ مَقَالَتُهُ دُعَاءَهُ لِلصَّحَابَةِ بِالْحِفْظِ وَالْفَهْمِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْكَلَامُ الَّذِي كَانَ شَرَعَ فِيهِ (ثُمَّ يَجْمَعَهُ) : بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ أَيْ: يَضُمُّ ثَوْبَهُ (إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي) أَيْ: مِنْ أَحَادِيثِي (شَيْئًا أَبَدًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ جَوَابُ النَّفْيِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ، فَيَكُونُ عَدَمُ النِّسْيَانِ مُسَبَّبًا عَنِ الْمَذْكُورَاتِ كُلِّهَا، وَأُوثِرَتْ (لَنْ) النَّافِيَةُ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ بَعْدَ ذَلِكَ كَالْمُحَالِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا إِشَارَةٌ إِلَى جِنْسِ الْمَقَالَاتِ كُلِّهَا. (فَبَسَطْتُ نَمِرَةً) : بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: شَمْلَةً مُخَطَّطَةً مَنْ مَآزِرِ الْأَعْرَابِ، وَجَمْعُهَا نِمَارٌ كَأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ لَوْنِ النَّمِرِ لِمَا فِيهَا مِنَ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، (حَتَّى قَضَى ﷺ مَقَالَتَهُ) أَيْ: تِلْكَ (ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ) أَيْ: مِنْ جِنْسِ مَقَالَتِهِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَصْدَرَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، أَوْ ذُكِرَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا، وَهُوَ الْقَوْلُ وَالْكَلَامُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى الْجِنْسِ، الْمَقَالَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ (إِلَى يَوْمِي هَذَا) . وَهُوَ وَقْتُ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8217

٥٨٩٧ - وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟) فَقُلْتُ: بَلَى، وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: (اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا) . قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسِي بَعْدُ، فَانْطَلَقَ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِسًا مِنْ أَحْمَسَ فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٩٧ - (وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: الْبَجَلِيِّ (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا تُرِيحُنِي) : مِنَ الْإِرَاحَةِ وَهِيَ إِعْطَاءُ الرَّاحَةِ أَيْ: أَلَا تُخَلِّصُنِي (مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ) ؟ بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ بَيْتٌ كَانَ لَخَثْعَمَ يُدْعَى كَعْبَةَ الْيَمَامَةِ، وَالْخَلَصَةُ: اسْمُ طَاغِيَتِهِمُ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ النُّفُوسَ الزَّكِيَّةَ الْكَامِلَةَ الْمُكَمَّلَةَ قَدْ يَلْحَقُهَا الْعَنَاءُ مِمَّا هُوَ عَلَى خِلَافِ مَا يَنْبَغِي مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ وَلَا يَنْبَغِي. (فَقُلْتُ: بَلَى، وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ) : بِضَمِّ الْبَاءِ (عَلَى الْخَيْلِ) ، أَيْ: كُنْتُ أَقَعُ عَنْهَا أَحْيَانًا (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أَيْ: عَدَمَ الثُّبُوتِ (لِلنَّبِيِّ ﷺ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ) أَيْ: عَلِمْتُ (أَثَرَ يَدِهِ) أَيْ: تَأْثِيرَهَا لِقُوَّةِ ضَرْبِهَا (فِي صَدْرِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ) أَيْ: ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (وَاجْعَلْهُ هَادِيًا) أَيْ: لِغَيْرِهِ (مَهْدِيًّا) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ: مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ لَا يَزِيغُ عَنْ هَدْيِهِ (قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ) أَيْ: سَقَطْتُ (عَنْ فَرَسِي بَعْدُ) ، أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ الدُّعَاءِ، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (فَانْطَلَقَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ كَلَامِ جَرِيرٍ، فَفِيهِ الْتِفَاتٌ، وَالْمَعْنَى فَذَهَبَ جَرِيرٌ (فِي مِائَةٍ) أَيْ: مَعَ مِائَةٍ (وَخَمْسِينَ فَارِسًا مِنْ أَحْمَسَ) أَيْ: مِنْ قَوْمِ قُرَيْشٍ، وَالْأَحْمَسُ الشُّجَاعُ، فَفِي النِّهَايَةِ: هُمْ قُرَيْشٌ وَمَنْ وَلَدَتْ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَجَدِيلَةُ قَيْسٍ، سُمُّوا حَمْسًا لِأَنَّهُمْ تَحَمَّسُوا فِي دِينِهِمْ أَيْ: تَشَدَّدُوا وَالْحَمَاسَةُ الشَّجَاعَةُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُتَصَلِّبِينَ فِي الدِّينِ وَالْقِتَالِ، فَلَا يَسْتَظِلُّونَ أَيَّامَ مِنًى، وَلَا يَدْخُلُونَ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. (فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: أَحْرَقَ جَرِيرٌ الْخَلَصَةَ (وَكَسَرَهَا) أَيْ: وَأَبْطَلَهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8218

٥٨٩٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَقْبَلُهُ) . فَأَخْبَرَنِي أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهُ أَتَى الْأَرْضَ الَّتِي مَاتَ فِيهَا فَوَجَدَهُ مَنْبُوذًا، فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ فَقَالُوا: دَفَنَّاهُ مِرَارًا فَلَمْ تَقْبَلْهُ الْأَرْضُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٩٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا) : قِيلَ: لَمْ يُعْرَفِ اسْمُهُ وَقِيلَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّرْحِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ غَلَطٌ، فَإِنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا، بَلْ هُوَ رَجُلٌ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ. (كَانَ يَكْتُبُ) أَيِ: الْوَحْيَ (لِلنَّبِيِّ ﷺ فَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ) أَيْ: فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، وَكَانَ يَقُولُ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ. (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَقْبَلُهُ) . فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ وَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا، فَأَلْقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا الْأَرْضَ مَا اسْتَطَاعُوا، فَأَصْبَحَ وَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ. (قَالَ أَنَسٌ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو طَلْحَةَ) : وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ أَنَسٍ (أَنَّهُ) أَيْ: أَبَا طَلْحَةَ (أَتَى الْأَرْضَ الَّتِي مَاتَ فِيهَا فَوَجَدَهُ مَنْبُوذًا) . أَيْ مَطْرُوحًا مُلْقًى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ فَقَالُوا: دَفَنَّاهُ مِرَارًا فَلَمْ تَقْبَلْهُ الْأَرْضُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8219

٥٨٩٩ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁، قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا، فَقَالَ: (يَهُودُ تُعَذَّبَ فِي قُبُورِهَا) » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٩٩ - (وَعَنْ أَبَى أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ) ، أَيْ سَقَطَتْ وَغَرَبَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] (فَسَمِعَ صَوْتًا) ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ أَوْ صَوْتَ يَهُودَ الْمُعَذَّبِينَ، أَوْ صَوْتَ وَقْعِ الْعَذَابِ. وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مَا يُؤَيِّدُ الثَّانِي، وَكَذَا ظَاهِرُ مَا بَيَّنَهُ ﷺ . (فَقَالَ: يَهُودُ) أَيْ: هَذَا يَهُودُ أَيْ: صَوْتُهُ يَعْنِي صَوْتَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْيَهُودِ (تُعَذَّبَ فِي قُبُورِهَا) . فِيهِ إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمُعْجِزَةٌ مِنْ حَيْثُ كَشْفِ أَحْوَالِهِمْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8220

٥٩٠٠ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ) . فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٩٠٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ) : بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَالْخَبَرُ مُتَعَلِّقَةٌ أَيْ: فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ وَاصِلًا بِقُرْبِهَا (هَاجَتْ) ، أَيْ: ثَارَتْ وَظَهَرَتْ (رِيحٌ) ، أَيْ: عَظِيمَةٌ (تَكَادُ تَدْفِنُ الرَّاكِبَ) ، بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ: تَقْرُبُ أَنْ تُوَارِيَهُ مِنْ شِدَّةِ تَوَازُنِهَا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أُرْسِلَتْ (لِمَوْتِ مُنَافِقٍ) . أَيْ فِي وَقْتِ مَوْتِهِ (فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ) . قِيلَ: هُوَ رِفَاعَةُ بْنُ دُرَيْدٍ، وَالسَّفَرُ غَزْوَةُ تَبُوكَ، وَقِيلَ: رَافِعٌ، وَالسَّفَرُ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا الْبُخَارِيُّ.

стр. 8221

٥٩٠١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ، فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِيَ، فَقَالَ النَّاسُ: مَا نَحْنُ هَاهُنَا فِي شَيْءٍ، وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ مَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فِي الْمَدِينَةِ شِعْبٌ وَلَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا) ثُمَّ قَالَ: (ارْتَحِلُوا) فَارْتَحَلْنَا وَأَقْبَلْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ مَا وَضَعْنَا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ وَمَا يُهَيِّجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٩٠١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا) ، أَيْ: مِنْ مَكَّةَ (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ) ، بِضَمِّ أَوَّلِهِ فَفِي الْقَامُوسِ: عُسْفَانُ كَعُثْمَانَ، مَوْضِعٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. وَقَالَ شَارِحٌ، أَيْ: رَجَعْنَا عَنِ السَّفَرِ وَوَصَلْنَا إِلَى عُسْفَانَ، مَوْضِعٌ قَرِيبُ الْمَدِينَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْأَزْهَارِ: وَهُوَ غَلَطٌ، بَلْ هُوَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، ذَكَرَهُ الْمُغْرِبُ وَغَيْرُهُ. (فَأَقَامَ بِهَا) ، أَيْ: بِتِلْكَ الْبُقْعَةِ أَوِ الْقَرْيَةِ (لَيَالِيَ) ، أَيْ: وَأَيَّامًا (فَقَالَ النَّاسُ) ، أَيْ: بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ أَوِ الضُّعَفَاءِ فِي الدِّينِ وَالْيَقِينِ (مَا نَحْنُ هَاهُنَا فِي شَيْءٍ) ، أَيْ: شُغْلٍ وَعَمَلٍ، أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ (وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ) : بِالضَّمِّ أَيْ: لَغَائِبُونَ أَوْ نِسَاءٌ بِلَا رِجَالٍ، يُقَالُ: حَيٌّ خُلُوفٌ إِذَا لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ إِلَّا النِّسَاءُ، وَالْخُلُوفُ أَيْضًا الْحُضُورُ الْمُتَخَلِّفُونَ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَقَوْلُهُ: (مِمَّا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ) ، أَيْ: عَلَى عِيَالِنَا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَلَعَلَّ تَذْكِيرَ الضَّمِيرِ لِلتَّغْلِيبِ، أَوْ تَنْزِيلًا مَنْزِلَةَ الرِّجَالِ فِي الْجَلَادَةِ وَالشَّجَاعَةِ، (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ) أَيْ: فَوَصَلَهُ هَذَا الْكَلَامُ (فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فِي الْمَدِينَةِ شِعْبٌ) : بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ طَرِيقٌ فِي الْجَبَلِ (وَلَا نَقْبٌ) ، أَيْ: طَرِيقٌ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، أَيْ: لَيْسَ فِي الْمَدِينَةِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الشِّعْبُ وَالنَّقْبُ (إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا) : بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ: يَحْفَظَانِهَا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى (حَتَّى تَقْدَمُوا) : بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ: تَرْجِعُوا (إِلَيْهَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشِّعْبِ وَالنَّقْبِ، وَالضَّمِيرُ فِي يَحْرُسَانِهَا رَاجِعٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْمُرَادُ شِعْبُهَا وَنَقْبُهَا. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا جَمِيعًا (ثُمَّ قَالَ: ارْتَحِلُوا، فَارْتَحَلْنَا وَأَقْبَلْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ) ، أَيْ مُتَوَجِّهِينَ إِلَيْهَا (فَوَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ) ، أَيِ: اللَّهُ سُبْحَانَهُ (مَا وَضَعْنَا رِحَالَنَا) أَيْ: مَتَاعَنَا عَنْ ظُهُورِ جِمَالِنَا (حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا) ، أَيْ: مَعْشَرِ الْمَدِينَةِ (بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ فَالْمُهْمَلَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَدِينَةَ حَالَ غَيْبَتِهِمْ عَنْهَا كَانَتْ مَحْرُوسَةً، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِعْجَازًا، وَلَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنَ الْإِغَارَةِ وَالتَّهْيِيجِ عَلَيْهَا إِلَّا حِرَاسَةُ الْمَلَائِكَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَمَا يُهَيِّجُهُمْ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مَا يُثِيرُ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الْإِغَارَةِ (قَبْلَ ذَلِكَ) ، أَيْ: قَبْلَ دُخُولِنَا الْمَدِينَةِ (شَيْءٌ) ، أَيْ: مِنَ الْبَوَاعِثِ. وَقَالَ شَارِحٌ، أَيْ: قَبْلَ الْغَارَةِ وَهُوَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8222

٥٩٠٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَمِنَ الْغَدِ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ - أَوْ غَيْرُهُ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا) . فَمَا يُشِيرُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ، وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) . قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٩٠٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ) ، أَيْ: قَحْطٌ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ فِي زَمَانِهِ (فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةَ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَ الْمَالُ) ، أَيِ الْمَوَاشِي، لِأَنَّهَا أَكْثَرُ أَمْوَالِهِمْ، وَهَلَاكُهَا إِمَّا بِتَغَيُّرِهَا أَوْ بِمَوْتِهَا (وَجَاعَ الْعِيَالُ) ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مَنْ يَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ مِنَ الْأَهْلِ،

стр. 8223

(فَادْعُ اللَّهَ لَنَا) . أَيْ: مُتَضَرِّعًا إِلَيْهِ (فَرَفَعَ يَدَيْهِ) ، أَيْ: بِالسُّؤَالِ لَدَيْهِ (وَمَا نَرَى) ، أَيْ: نَحْنُ (فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً) ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ أَيْ: قِطْعَةً مِنَ السَّحَابِ (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا) ، أَيْ: يَدَهُ، وَأَفْرَدَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ إِرَادَةِ الْجِنْسِ (حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ) ، أَيْ: سَطَعَ وَظَهَرَ جِنْسُ السَّحَابِ ظُهُورًا كَامِلًا (أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ) : فِي النِّهَايَةِ، أَيْ يَنْزِلُ وَيَقْطُرُ، وَهُوَ يَتَفَاعَلُ مِنَ الْحُدُورِ ضِدِّ الصُّعُودِ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى اهـ. وَالْمَعْنَى حَتَّى يَتَسَاقَطَ الْمَطَرُ. (عَلَى لِحْيَتِهِ) : وَقِيلَ: يُرِيدُ أَنَّ السَّقْفَ قَدْ وَكَفَ حَتَّى نَزَلَ الْمَاءُ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ (فَمُطِرْنَا) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: جَاءَنَا الْمَطَرُ (يَوْمَنَا) ، أَيْ: بَقِيَّةَ يَوْمِنَا (ذَلِكَ) ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ (وَمِنَ الْغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ) : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَبْعِيضِيَّةً، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا ابْتِدَائِيَّةٌ لِقَوْلِهِ: (حَتَّى) ، أَيْ: إِلَى (الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ) : حَالٌ أَيْ: وَقَدْ قَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ بِعَيْنِهِ (أَوْ غَيْرُهُ) : مِنَ الْأَعْرَابِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ. قَالَ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى جَاءَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَهَذَا يَقْتَضِي الْجَمْعَ بِكَوْنِهِ وَاحِدًا، فَلَعَلَّ أَنَسًا ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ نَسِيَهُ، أَوْ نَسِيَهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَهُ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي كَوْنِ الْقَائِمِ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ، لَكِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ تَارَةً أَنَّهُ هُوَ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْجَزْمِ، وَتَارَةً أَنَّهُ غَيْرُهُ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنْكِيرِ، وَتَارَةً أَتَى بِصِيغَةِ الشَّكِّ لِاسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ عِنْدَهُ، فَالشَّكُّ مِنْهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (فَقَالَ) ، أَيِ: الْقَائِمُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَهَدَّمَ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، أَيْ: خَرِبَ (الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: صَارَ غَرِيقًا (فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا) ، أَيْ: أَمْطِرْ حَوَالَيْنَا بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ: فِي مَوَاضِعِ الْمَنَافِعِ الْحَاصِلَةِ لَنَا ثُمَّ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ. (وَلَا عَلَيْنَا) ، أَيْ: لَا تُمْطِرْ فِي مَوَاضِعِ الْمَضَرَّةِ الْوَاقِعَةِ عَلَيْنَا. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ، أَيْ: أَنْزِلِ الْغَيْثَ فِي وَضْعِ النَّبَاتِ لَا عَلَى الْأَبْنِيَةِ يُقَالُ: قَعَدَ حَوْلَهُ وَحَوَالَهُ وَحَوْلَيْهِ وَحَوَالَيْهِ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَلَا يُقَالُ حَوَالِيهِ بِكَسْرِ اللَّامِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي قَوْلِهِ: (وَلَا عَلَيْنَا) بَيَانٌ لِلْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: (حَوَالَيْنَا) ثُمَّ فِي إِدْخَالِ الْوَاوِ هَاهُنَا مَعْنًى لَطِيفٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ طَلَبَ الْمَطَرِ عَلَى حَوَالَيْنَا لَيْسَ مَقْصُودًا لِعَيْنِهِ، بَلْ لِيَكُونَ وِقَايَةً عَنْ أَذَى الْمَطَرِ. قُلْتُ: الْوَاوُ خَالِصَةٌ لِلْعَطْفِ لَكِنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِمْ: تَجُوعُ الْحُرَّةُ وَلَا تَأْكُلُ بِثَدْيِهَا، فَإِنَّ الْجُوعَ لَيْسَ مَقْصُودًا بِعَيْنِهِ، لَكِنْ لِكَوْنِهِ مَانِعًا مِنَ الرِّضَاعِ بِأُجْرَةٍ إِذْ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ اهـ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: أُوثِرَ حَوَالَيْنَا لِمُرَاعَاةِ الِازْدِوَاجِ مَعَ قَوْلِهِ: عَلَيْنَا نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] وَقَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: (وَلَا عَلَيْنَا) عُطِفَ عَلَى جُمْلَةِ (حَوَالَيْنَا) وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْوَاوُ لَكَانَ حَالًا أَيْ: أَمْطِرْ عَلَى الْمَزَارِعِ، وَلَا تُمْطِرْ عَلَى الْأَبْنِيَةِ، وَأُدْمِجَ فِي قَوْلِهِ: عَلَيْنَا مَعْنَى الْمَضَرَّةِ كَأَنَّهُ قِيلَ: اجْعَلْ لَنَا لَا عَلَيْنَا. (فَمَا يُشِيرُ) : حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ (إِلَى نَاحِيَةٍ) ، أَيْ: جَانِبٍ مِنَ السَّحَابِ جَمْعِ سَحَابَةٍ (إِلَّا انْفَرَجَتْ) ، أَيِ: انْكَشَفَتْ وَتَفَرَّقَتْ (وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ) ، أَيْ: جَوُّهَا (مِثْلَ الْجَوْبَةِ) ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ الْفُرْجَةُ فِي السَّحَابِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَطَرَ أَوِ الْغَيْمَ انْكَشَفَ عَمَّا يُحَاذِينَا، وَأَحَاطَ بِمَا حَوْلَنَا بِحَيْثُ صَارَ جَوُّ الْمَدِينَةِ مِثْلَ الْجَوْبَةِ خَالِيًا عَنِ السَّحَابِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَهُوَ الْجَوُّ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْحُفْرَةِ الْمُسْتَدِيرَةِ الْوَاسِعَةِ، وَصَارَ الْغَيْمُ مُحِيطًا بِأَطْرَافِ الْمَدِينَةِ مُنْكَشِفًا عَنْهَا. (وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ) : بِالضَّمِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِلْوَادِي، وَهِيَ عَلَمٌ لَهُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، وَفِي أُخْرَى بِتَنْوِينِهَا (شَهْرًا) ، ظَرْفُ سَالَ. قَالَ مِيرَكُ: أَعْرِبْ قَنَاةَ بِالضَّمِّ عَلَى الْبَدَلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَنَاةَ اسْمُ الْوَادِي، وَلَعَلَّهُ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ أَقُولُ: فَالْقَنَاةُ اسْمُ أَرْضٍ بِجَنْبِ.

стр. 8224

الْوَادِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مَحْفُورَةٌ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ نَهْرٌ فِي بَطْنِهَا يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ: كَارِيزْ، وَسُمِّيَ بِهَا لِطُولِهَا الْمُشَبَّهِ بِالْقَنَاةِ، وَهِيَ الرُّمْحُ، وَقِيلَ هُوَ بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ عَلَى التَّشْبِيهِ أَيْ سَالَ مِثْلَ قَنَاةٍ. قِيلَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ حَتَّى سَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا، وَصُحِّحَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اهـ. كَلَامُهُ نَاقِلًا عَنِ الْعَسْقَلَانِيِّ. وَقَالَ شَارِحٌ: قَنَاةُ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ سَالَ أَيْ: سَالَ الْوَادِي سَائِلًا مِثْلَ الْقَنَاةِ، وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِ الْقَنَاةِ الِاسْتِمْرَارُ عَلَى الْجَرْيِ حَسُنَ أَنْ يُجْعَلَ حَالًا مِنَ الْوَادِي، وَيَجُوزَ فِيهِ الْمَصْدَرُ أَيْ سَيَلَانُ الْقَنَاةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: نُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَوِ الْمَصْدَرِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ أَيْ: مِثْلَ الْقَنَاةِ، أَوْ سَيَلَانِ الْقَنَاةِ فِي الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ وَالْقُوَّةِ وَالْمِقْدَارِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: قَنَاةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالنُّونِ الْمُخَفَّفَةِ عَلَمٌ عَلَى أَرْضٍ ذَاتِ مَزَارِعَ نَاحِيَةَ أُحُدٍ، وَوَادِيهَا أَحَدُ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ الْمَشْهُورَةِ قَالَهُ الْحَازِمِيُّ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَمَّاهُ وَادِي قَنَاةَ تُبَّعٌ الْيَمَانِيُّ، لَمَّا قَدِمَ يَثْرِبَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ الْفُقَهَاءُ يَقُولُونَهُ بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ يَتَوَهَّمُونَهُ قَنَاةً مِنَ الْقَنَوَاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَقَالَ: الْمَعْنَى عَلَى التَّشْبِيهِ أَيْ: سَالَ مِثْلُ الْقَنَاةِ، وَعِبَارَةُ الْبُخَارِيِّ: حَتَّى سَالَ الْوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَنَاةُ عَلَمُ مَوْضِعٍ. قِيلَ: إِنَّهُ الْوَادِي الَّذِي عِنْدَهُ قَبْرُ حَمْزَةَ ﵁ وَهُوَ يَأْتِي مِنَ الطَّائِفِ. وَقِيلَ: نُصِبَ قَنَاةُ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَيْ: مِقْدَارَ قَنَاةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ قَنَاةٍ بِالرُّمْحِ أَوْلَى مِنْهُ بِحُفْرَةٍ فِي الْأَرْضِ ; لِأَنَّهُ قَلَّمَا بَلَغَ الْقَنَاةُ فِي كَثْرَةِ مِيَاهِهَا مَبْلَغَ السُّيُولِ، وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي النُّهَى. (وَلِمَ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَتِهِ) ، أَيْ: مِنْ جَوَانِبِ الْمَدِينَةِ (إِلَّا حَدَّثَ) ، أَيْ: أَخْبَرَ (بِالْجَوْدِ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ أَيِ الْمَطَرِ الْكَثِيرِ. (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ) : بِالْمَدِّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ الْأَكَمَةِ، وَهِيَ التَّلُّ وَالرَّابِيَةُ، وَقِيلَ الْأَكَمَةُ يُجْمَعُ عَلَى أَكَمٍ، وَيُجْمَعُ الْأَكَمُ عَلَى آكَامٍ كَجَبَلٍ وَجِبَالٍ، وَيُجْمَعُ الْآكَامُ عَلَى أُكُمٍ مِثْلُ كِتَابٍ وَكُتُبٍ، وَيُجْمَعُ الْأُكُمُ عَلَى آكَامٍ كَعُنُقٍ وَأَعْنَاقٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَمْدُودَةً وَكَسْرِهَا مَقْصُورَةً جَمْعُ أَكَمَةٍ مُحَرَّكَةً، وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ. (وَالظِّرَابِ) : بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ: الْجِبَالِ الصِّغَارِ (وَبُطُونِ الْأَدْوِيَةِ) ، أَيِ: الْخَالِيَةِ عَنِ الْأَبْنِيَةِ (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) ، أَيِ: الْمُنْتِجِ لِلثَّمَرِ (قَالَ) ، أَيْ: أَنَسٌ (فَأَقْلَعَتْ) ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: كَفَّتِ السَّحَابُ عَنِ الْمَطَرِ، وَقِيلَ: انْكَشَفَتْ، وَالتَّأْنِيثُ لِأَنَّهُ جَمْعُ سَحَابَةٍ يُقَالُ: أَقْلَعَ الْمَطَرُ انْقَطَعَ، وَفِي الْقَامُوسِ. أَقْلَعَتْ عَنْهُ الْحُمَّى تَرَكَتْهُ، وَالْإِقْلَاعُ عَنِ الْأَمْرِ الْكَفُّ، وَفِي الْمَشَارِقِ: أَقْلَعَ الْمَطَرُ كَفَّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤] اهـ. وَتَبَيَّنَ أَنَّ صِيغَةَ الْمَفْعُولِ مِنْ رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ) . قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ طَلَبِ انْقِطَاعِ الْمَطَرِ عَنِ الْمَنَازِلِ، وَالْمَرَافِقِ إِذَا كَثُرَ وَتَضَرَّرُوا بِهِ، وَلَكِنْ لَا يُشْرَعُ لَهُ صَلَاةٌ وَلَا اجْتِمَاعٌ فِي الصَّحْرَاءِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8225

٥٩٠٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ اسْتَنَدَ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ، صَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قَالَ (بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ) » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٩٠٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ اسْتَنَدَ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: أَصْلِهَا وَسَاقِهَا (مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ) ، جَمْعُ سَارِيَةٍ بِمَعْنَى الْأُسْطُوَانَةِ (فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (فَاسْتَوَى عَلَيْهِ) ، أَيْ: قَامَ (صَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عَلَيْهَا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ) ، أَيْ نِصْفَيْنِ أَوْ قِطَعًا (فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ: وَمَشَى إِلَيْهَا (حَتَّى أَخَذَهَا) ، أَيْ: بِيَدِهِ (فَضَمَّهَا إِلَيْهِ) ، أَيْ: إِلَى نَفْسِهِ ﷺ وَعَانَقَهَا تَسْلِيَةً لَهَا (فَجَعَلَتْ) ، أَيْ: طَفِقَتْ.

стр. 8226

الْأُسْطُوَانَةُ، أَوْ جِذْعُ النَّخْلَةِ وَاكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ (تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ) : بِتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ: مِثْلَ أَنِينِهِ (حَتَّى اسْتَقَرَّتْ) ، أَيْ: سَكَتَتْ وَسَكَنَتْ. (قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ فِي سَبَبِ بُكَائِهَا: (بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ) ، أَيْ: عَلَى فَوْتِهِ وَفَوْتِ قُرْبِ الذَّاكِرِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8227

٥٩٠٤ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَمَالِهِ فَقَالَ: (كُلْ بِيَمِينِكَ) قَالَ لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: (لَا اسْتَطَعْتَ) . مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٩٠٤ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَنَّ رَجُلًا) : قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ يُقَالُ لَهُ: بِشْرُ بْنُ رَاعِي الْعَيْرِ، وَقِيلَ بُسْرٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مِنْ أَشْجَعَ، وَضُبِطَ فِي الْأَذْكَارِ الْعَيْرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَقَالَ: هُوَ صَحَابِيٌّ أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَمَالِهِ فَقَالَ: (كُلْ بِيَمِينِكَ) . قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ (لَا اسْتَطَعْتَ) . دُعَاءٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَذَبَ فِي اعْتِذَارِهِ (مَا مَنَعَهُ) ، أَيْ: مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ. وَقَالَ شَارِحٌ، أَيْ: مِنَ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ (إِلَّا الْكِبْرُ) ، أَيْ لَا الْعَجْزُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ قَوْلُ الرَّاوِي وَرَدَ اسْتِئْنَافًا لِبَيَانِ مُوجَبِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: لِمَ دَعَا عَلَيْهِ بِلَا اسْتَطَعْتَ وَهُوَ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ؟ فَأُجِيبَ: بِأَنَّ مَا مَنَعَهُ مِنَ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ الْعَجْزُ، بَلْ مَنَعَهُ الْكِبْرُ. (قَالَ) ، أَيْ: سَلَمَةُ (فَمَا رَفَعَهَا) ، أَيِ: الرَّجُلُ يَمِينَهُ (إِلَى فِيهِ) . أَيْ فَمِهِ (بَعْدَ ذَلِكَ) . لِدُعَائِهِ ﷺ . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8228

٥٩٠٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ بَطِيئًا وَكَانَ يَقْطِفُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: (وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْرًا) . فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى. وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَا سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٩٠٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا) : بِكَسْرِ الزَّايِ، أَيْ: خَافُوا مِنْ مَأْتَى الْعَدُوِّ مَرَّةً (فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا) ، أَيْ: عُرْيَانًا (لِأَبِي طَلْحَةَ بَطِيئًا) ، أَيْ: فِي الْجَرْيِ وَالْمَشْيِ (وَكَانَ) ، أَيِ: الْفَرَسُ (يَقْطِفُ) ، بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ يَمْشِي مَشْيًا ضَيِّقًا ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: يَتَقَارَبُ خُطَاهُ (فَلَمَّا رَجَعَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ (قَالَ: وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْرًا) . أَيْ جَلْدًا سُمِّيَ بَحْرًا لِأَنَّ جَرْيَهُ لَا يَنْفَدُ. كَمَا لَا يَنْفَدُ مَاءُ الْبَحْرِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِوَجَدْنَا، وَشُبِّهَ الْفَرَسُ بِالْبَحْرِ فِي سَعَةِ خَطْوِهِ وَسُرْعَةِ جَرْيِهِ (فَكَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَكَانَ (بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى) . بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: لَا يُقَاوَمُ فِي الْجَرْيِ وَلَا يُسْبَقُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُحَاذَى بِهِ فَرَسٌ يَجْرِي مَعَهُ. (وَفِي رِوَايَةٍ فَمَا سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا مُسْلِمٌ.

стр. 8229

٥٩٠٦ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: تُوُفِّيَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَرَضْتُ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا التَّمْرَ بِمَا عَلَيْهِ، فَأَبَوْا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ، فَقَالَ لِيَ: (اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (ادْعُ لِي أَصْحَابَكَ) . فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ عَنْ وَالِدِي أَمَانَتَهُ، وَأَنَا أَرْضَى أَنْ يُؤَدِيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ، فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا، وَحَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٩٠٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: تُوُفِّيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: قُبِضَ وَمَاتَ (أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَرَضْتُ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا التَّمْرَ) ، أَيْ: جَمِيعَ ثَمَرِنَا (بِمَا عَلَيْهِ) ، أَيْ: فِي مُقَابَلَةِ مَا عَلَى أَبِي (فَأَبَوْا) ، أَيِ: امْتَنَعُوا لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَعْيُنِهِمْ قَلِيلًا وَهُمْ يَهُودُ (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ) ، أَيْ: أَنْتَ (أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا وَإِنِّي) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ) ، أَيْ: عِنْدِي لَعَلَّهُمْ يُرَاعُونِي (فَقَالَ لِيَ: اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرَةٍ عَلَى نَاحِيَةٍ) ، أَيِ: اجْمَعْ كُلَّ نَوْعٍ صُبْرَةً عَلَى حِدَةٍ، أَمْرٌ مِنْ بَيْدَرَ الطَّعَامَ إِذَا دَاسَ فِي الْبَيْدَرِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُدَاسُ فِيهِ الطَّعَامُ، وَالْمُرَادُ هُنَا اجْعَلْ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ تَمْرِكَ بَيْدَرًا أَيْ: صُبْرَةً وَاحِدَةً، وَقِيلَ: فَرِّقْ كُلَّ نَوْعٍ فِي مَوْضِعِهِ، (فَفَعَلْتُ) .

стр. 8230

أَيْ صُبَرًا وَبَيَادِرَ (ثُمَّ دَعَوْتُهُ) ، أَيْ طَلَبْتُهُ ﷺ (فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أُغْرُوا بِي) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: لَجُّوا فِي مُطَالَبَتِي، وَأَلَحُّوا كَأَنَّ دَوَاعِيَهُمْ حَمَلَتْهُمْ عَلَى الْإِغْرَاءِ بِي مِنْ أَغْرَيْتُ الْكَلْبَ أَيْ: هَيَّجْتُهُ، وَالْمَعْنَى أَغْلَظُوا عَلَيَّ، فَكَأَنَّهُمْ هُيِّجُوا بِي، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ غَرَّى بِالشَّيْءِ إِذَا وَلِعَ بِهِ، وَالِاسْمُ الْغَرَّاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ، فَمَعْنَى أُغْرُوا بِي أَلْصَقُوا بِي (تِلْكَ السَّاعَةَ) ، أَيْ: ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ ﷺ يَأْمُرُهُمْ بِالْمُسَامَحَةِ أَوْ بِحَطِّ بَعْضِ الدَّيْنِ أَوْ بِالصَّبْرِ، فَأَظْهَرُوا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ) ، أَيْ: دَارَ (حَوْلَ أَعْظَمِ) ، أَيْ: أَكْبَرِ تِلْكَ الْبَيَادِرِ (بَيْدَرًا) : التَّمْيِيزُ لِلتَّأْكِيدِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) . ظَرْفُ طَافَ (ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى أَعْظَمِهَا (ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي أَصْحَابَكَ) ، أَيْ أَصْحَابَ دَيْنِكَ (فَحَضَرُوا فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ عَنْ وَالِدِي) ، أَيْ: قَضَى عَنْهُ (أَمَانَتَهُ) ، أَيْ دَيْنَهُ، وَسُمِّيَ أَمَانَةً لِأَنَّهُ ائْتُمِنَ عَلَى أَدَائِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] أَيْ مَا ائْتَمَنْتُكُمْ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْتُورِبِشْتِيُّ. (وَأَنَا أَرْضَى) ، أَيْ: كُنْتُ أَرْضَى حِينَئِذٍ (أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي) : وَلَا أَرْجِعَ - بِالنَّصْبِ. وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةً أَيْ: وَلَا أَنْقَلِبُ (إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ، فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا) . أَيْ جَعَلَهَا سَالِمَةً عَنِ النُّقْصَانِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، أَوْ خَلَّصَهَا عَنْ أَيْدِي الْغُرَمَاءِ بِبَرَكَتِهِ ﷺ (وَحَتَّى أَنِّي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَجُوِّزَ كَسْرُهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى هِيَ الدَّاخِلُ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا، وَهِيَ عَاطِفَةٌ عَلَى مُقَدَّرٍ جُمِعَ أَوَّلًا فِي قَوْلِهِ: فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا ثُمَّ فَصَّلَهَا بِقَوْلِهِ: حَتَّى كَذَا وَحَتَّى كَذَا اهـ. وَمُجْمَلُهُ: أَنَّهَا عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا حَتَّى لَمْ يَنْقُصْ مِنْ تِلْكَ الْبَيَادِرِ الَّتِي لَمْ يَكِلْهَا شَيْءٌ أَصْلًا. وَحَتَّى أَنِّي (أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ: جَالِسًا (كَأَنَّهَا) ، أَيِ: الْقِصَّةُ أَوِ الْبَيْدَرُ وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الصُّبْرَةِ (لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةٌ) : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ النَّقْصَ لَازِمٌ أَيْ: لَمْ يَنْتَقِصْ تَمْرَةٌ مِنْهَا. وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا تَمْيِيزٌ أَوْ مَفْعُولٌ، وَالْإِسْنَادُ إِلَى الصُّبْرَةِ مَجَازِيٌّ، وَقَوْلُهُ: (وَاحِدَةٌ) : لِلتَّأْكِيدِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا النَّسَائِيُّ.
следующие страницы →