← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

٦٠٩٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا يَوْمَ الطَّائِفِ فَانْتَجَاهُ، فَقَالَ النَّاسُ: لَقَدْ طَالَ نَجْوَاهُ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا انْتَجَيْتُهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ انْتَجَاهُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦٠٩٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا يَوْمَ الطَّائِفِ) : قَالَ شَارِحٌ، أَيْ: يَوْمَ أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا إِلَى الطَّائِفِ (فَانْتَجَاهُ) ، مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ مِنَ النَّجْوَى أَيْ فَسَارَّهُ وَقَالَ لَهُ نَجْوَى. (فَقَالَ النَّاسُ) أَيِ الْمُنَافِقُونَ، أَوْ عَوَامُّ الصَّحَابَةِ بِالنَّجْوَى أَنَا (" لَقَدْ طَالَ نَجْوَاهُ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا انْتَجَيْتُهُ ") ، أَيْ مَا خَصَصْتُهُ بِالنَّجْوَى أَنَا (" «وَلَكِنَّ اللَّهَ انْتَجَاهُ» ") : بِتَشْدِيدِ لَكِنَّ وَيُخَفَّفُ، وَالْمَعْنَى أَنِّي بَلَّغْتُهُ عَنِ اللَّهِ مَا أَمَرَنِي أَنْ أُبَلِّغَهُ إِيَّاهُ عَلَى سَبِيلِ النَّجْوَى فَحِينَئِذٍ انْتَجَاهُ اللَّهُ لَا انْتَجَيْتُهُ فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كَانَ ذَلِكَ أَسْرَارًا إِلَهِيَّةً وَأُمُورًا غَيْبِيَّةً جَعَلَهُ مِنْ خُزَّانِهَا اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُتَنَاجَى بِهِ مِنَ الْأَسْرَارِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَخْبَارِ الدِّينِيَّةِ مِنْ أَمْرِ الْغَزْوِ وَنَحْوِهِ، إِذْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي خَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فَهْمًا يُعْطَاهُ رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ. قِيلَ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ فَقَالَ: الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، ثُمَّ هَذَا التَّنَاجِي يُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ أَمْرَهُ لِلنَّدْبِ أَوْ لِلْوُجُوبِ، لَكِنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: أَأَشْفَقْتُمْ وَهُوَ وَإِنِ اتَّصَلَ بِهِ تِلَاوَةً لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ نُزُولًا حَتَّى يُمْكِنَ الْعَمَلُ بِهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: إِنَّ فِي الْكِتَابِ آيَةً مَا عَمِلَ بِهَا أَحَدٌ غَيْرِي كَانَ لِي دِينَارٌ فَصَرَفْتُهُ، فَكُنْتُ إِذَا نَاجَيْتُهُ تَصَدَّقْتُ بِدِرْهَمٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 8507

٦٠٩٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: " يَا عَلِيُّ، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُجْنِبُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرَكَ» "، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ: فَقُلْتُ لِضِرَارِ بْنِ صُرَدٍ: مَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ؟ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرَكَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٦٠٩٨ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: " «يَا عَلِيُّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُجْنِبُ» ") : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ نُونِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: ظَاهِرُهُ " أَنْ يُجْنِبَ " يَكُونُ فَاعِلًا لِقَوْلِهِ: لَا يَحِلُّ، وَقَوْلُهُ: (فِي هَذَا الْمَسْجِدِ) : ظَرْفٌ لِيُجْنِبَ وَفِيهِ إِشْكَالٌ، وَلِذَلِكَ أَوَّلَهُ ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ صِفَةً لِأَحَدٍ (" غَيْرِي وَغَيْرَكَ ") ، بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ بِالرَّفْعِ، وَلَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هُوَ غَيْرِي وَغَيْرُكَ (قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ كُوفِيٌّ عُرِفَ بِالطَّرِيقِيِّ، رَوَى عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ. وَعَنْهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ - وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ مِنْهُ مَعَ أَبِي وَهُوَ ثِقَةٌ صَدُوقٌ.

стр. 8508

وَقَالَ النَّسَائِيُّ: شِيعِيٌّ مَحْضٌ ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ (فَقُلْتُ لِضِرَارِ) : بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (بْنِ صُرَدٍ) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَتَنْوِينٍ يُكَنَّى أَبَا نُعَيْمٍ الْكُوفِيَّ الطَّحَّانَ، سَمِعَ الْمُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ وَغَيْرَهُ، وَرَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ (مَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ؟ قَالَ «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرَكَ» ) . قُضِيَ: ذُكِرَ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرَكَ، وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا جُعِلَ يُجْنِبُ صِفَةً لِأَحَدٍ وَمُتَعَلِّقُ الْجَارِّ مَحْذُوفًا، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ يَمُرُّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرَكَ، وَكَانَ مَمَرُّ دَارِهِمَا خَاصَّةً فِي الْمَسْجِدِ أَقُولُ: وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: فِي الْمَسْجِدِ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّهُ لَهُ اخْتِصَاصًا بِهَذَا الْحُكْمِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ بَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُفْتَحُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَكَذَا بَابُ عَلِيٍّ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ: ( «أَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) . وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمُ اهـ. وَسَيَأْتِي بَحْثٌ وَارِدٌ هُنَا فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (" «أَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ» ")

стр. 8509

٦٠٩٩ - «وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشًا فِيهِمْ عَلِيٌّ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ لَا تُمِتْنِي حَتَّى تُرِيَنِي عَلِيًّا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦٠٩٩ - (وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ نُسَيْبَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بِنْتُ كَعْبٍ وَقِيلَ بِنْتُ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيَّةُ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَتُمَرِّضُ الْمَرْضَى وَتُدَاوِي الْجَرْحَى (قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشًا فِيهِمْ عَلِيٌّ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَقُولُ) أَيْ: حِينَ إِرْسَالِهِ أَوْ عِنْدَ تَوَقُّعِ إِقْبَالِهِ (" اللَّهُمَّ لَا تُمِتْنِي ") : بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ لَا تَقْبِضْ رُوحِي (" حَتَّى تُرِيَنِي ") : بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: تُبَصِّرَنِي (" عَلِيًّا ") ، أَيْ: رُجُوعَهُ بِالسَّلَامَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . «وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ حِينَ قُتِلَ عَلِيٌّ: لَقَدْ فَارَقَكُمْ رَجُلٌ مَا سَبَقَهُ الْأَوَّلُونَ بِعِلْمِهِ وَلَا أَدْرَكَهُ الْآخِرُونَ. كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُهُ بِالسَّرِيَّةِ وَجِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ شِمَالِهِ، وَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُفْتَحَ عَلَيْهِ» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.

стр. 8510

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦١٠٠ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يُحِبُّ عَلِيًّا مُنَافِقٌ وَلَا يُبْغِضُهُ مُؤْمِنٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، غَرِيبٌ إِسْنَادًا. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦١٠٠ - (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يُحِبُّ عَلِيًّا مُنَافِقٌ وَلَا يُبْغِضُهُ مُؤْمِنٌ» ") . أَيْ: كَامِلٌ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا) وَقَدْ سَبَقَ مَا يُؤَيِّدُهُ.

стр. 8511

٦١٠١ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ سَبَّ عَلِيًّا فَقَدْ سَبَّنِي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٦١٠١ - (وَعَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" مَنْ سَبَّ عَلِيًّا ") ، أَيْ: مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ (" فَقَدْ سَبَّنِي ") أَوْ مَنْ شَتَمَ عَلِيًّا فَكَأَنَّهُ شَتَمَنِي، فَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ سَبُّ عَلِيٍّ كُفْرًا، أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . وَكَذَا الْحَاكِمُ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ: مَنْ سَبَّ الْأَنْبِيَاءَ قُتِلَ، وَمَنْ سَبَّ أَصْحَابِي جُلِدَ، وَفِي الرِّيَاضِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ، وَكَانَ مِنْ

стр. 8512

أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ فَجَافَانِي فِي سَفَرِي، فَوَجَدْتُ فِي نَفْسِي عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَظَهَرَتْ شِكَايَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَآنِي أَمَدَّ بِي عَيْنَيْهِ يَقُولُ: حَدَّدَ إِلَيَّ النَّظَرَ حَتَّى إِذَا جَلَسْتُ قَالَ: يَا عَمْرُو، وَاللَّهِ لَقَدْ آذَيْتَنِي. قُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أُؤْذِيَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: " «بَلَى مَنْ آذَى عَلِيًّا فَقَدَ آذَانِي» " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ: " «أَنْتَ سَيِّدٌ فِي الدُّنْيَا سَيِّدٌ فِي الْآخِرَةِ مَنْ أَحَبَّكَ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَحَبِيبُكَ حَبِيبِي وَحَبِيبِي حَبِيبُ اللَّهِ، وَعَدُوُّكَ عَدُوِّي وَعَدُوِّي عَدُوُّ اللَّهِ، الْوَيْلُ لِمَنْ أَبْغَضَكَ» ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ سَبَّ عَلِيًّا فَقَدْ سَبَّنِي وَمَنْ سَبَّنِي فَقَدْ سَبَّ اللَّهَ، وَمَنْ سَبَّ اللَّهَ أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى مِنْخَرِهِ» ". أَخْرَجَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَلَالِيُّ. وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَبَّ عَلِيًّا فَقَدْ سَبَّنِي» " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِمَحْضَرٍ مِنْ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتَعْرِفُ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ؟ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا تَذْكُرْ عَلِيًّا إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّكَ إِنْ تَنْقُصْهُ آذَيْتَ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ ﷺ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «اشْتَكَى النَّاسُ عَلِيًّا يَوْمًا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِينَا خَطِيبًا فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَشْكُوا عَلِيًّا فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَحْسَنُ فِي ذَاتِ اللَّهِ " أَوْ قَالَ: " فِي سَبِيلِ اللَّهِ» " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.

стр. 8513

٦١٠٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «فِيكَ مَثَلٌ مِنْ عِيسَى، أَبْغَضَتْهُ الْيَهُودُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهُ ". ثُمَّ قَالَ: يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلَانِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يُقَرِّظُنِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ، وَمُبْغِضٌ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي عَلَى أَنْ يَبْهَتَنِي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٦١٠٢ - (وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي) ، أَيْ: مَخْصُوصًا بِهِ (النَّبِيُّ ﷺ : " فِيكَ مَثَلٌ ") ، أَيْ: فِي حَقِّكَ شَبَهٌ (" مِنْ عِيسَى ") ، أَيْ: مِنْ وِجْهَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ لِقَوْمَيْنِ مُتَخَالِفَيْنِ (" أَبْغَضَتْهُ الْيَهُودُ ") ، أَيْ: بُغْضًا مُفْرِطًا (" حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ ") : مِنْ بَهَتَهُ كَمَنَعَهُ قَالَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْعَلْ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلَيْهَا بِأَنْ نَسَبُوهَا إِلَى الزِّنَا. (" وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى ") ، أَيْ: حُبًّا بَلِيغًا (" «حَتَّى أَنْزَلُوهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهُ» ") أَيْ: مَعَ اخْتِلَافٍ لَهُمْ فِي تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ (ثُمَّ قَالَ) ، أَيْ: عَلِيٌّ مَوْقُوفًا (يَهْلِكُ فِيَّ) ، أَيْ: يَضِلُّ فِي حَقِّي (رَجُلَانِ) ، أَيْ: أَحَدُهُمَا رَافِضِيٌّ، وَالْآخَرُ خَارِجِيٌّ (مُحِبٌّ مُفْرِطٌ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: مُبَالِغٌ عَنِ الْحَدِّ (يُقَرِّظُنِي) : بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: يَمْدَحُنِي (بِمَا لَيْسَ فِيَّ) ، أَيْ: بِتَفْضِيلِي عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ أَوْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ أَوْ بِإِثْبَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ كَطَائِفَةِ النُّصَيْرِيَّةِ. (وَمُبْغِضٌ) : وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ هُنَا مُفْرِطٌ لِأَنَّ الْبُغْضَ بِأَصْلِهِ مَمْنُوعٌ بِخِلَافِ أَصْلِ الْحُبِّ فَإِنَّهُ مَمْدُوحٌ (يَحْمِلُهُ) ، أَيْ: يَبْعَثُهُ وَيُكْسِبُهُ (شَنَآنِي) : بِفَتْحَتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي، وَحُكِيَ تَرْكُ الْهَمْزِ أَيْ: عَدَاوَتِي (عَلَى أَنْ يَبْهَتَنِي) . أَيْ: يَتَكَلَّمَ عَلَيَّ بِالْبُهْتَانِ وَيَنْسُبَ إِلَيَّ الزُّورَ وَالْعِصْيَانَ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . أَيْ: فِي الْمُسْنَدِ وَعَنْهُ قَالَ: لَيُحِبُّنِي أَقْوَامٌ حَتَّى يَدْخُلُوا النَّارَ فِي حُبِّي، وَيُبْغِضُنِي أَقْوَامٌ حَتَّى يَدْخُلُوا النَّارَ فِي بُغْضِي، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ وَعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: اللَّهُمَّ الْعَنْ كُلَّ مُبْغِضٍ لَنَا وَكُلَّ مُحِبٍّ لَنَا غَالٍ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ.

стр. 8514

٦١٠٣ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ بِغَدِيرِ خُمٍّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقَالَ: " أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ قَالُوا بَلَى، قَالَ: " أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟ " قَالُوا: بَلَى. قَالَ: " اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ " فَلَقِيَهُ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: هَنِيئًا يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٦١٠٣ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ) ، أَيْ: فِي مَرْجِعِهِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي حَالِ كَمَالِ أَصْحَابِهِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ (بِغَدِيرِ خُمٍّ) : بِضَمِّ خَاءٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ اسْمٌ لِغَيْضَةٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْجُحْفَةِ عِنْدَهَا غَدِيرٌ مَشْهُورٌ يُضَافُ إِلَى الْغَيْضَةِ (أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ ﵁ فَقَالَ: (" «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ» ") ، أَيْ: بِجِنْسِهِمْ (" مِنْ أَنْفُسِهِمْ ") ؟ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]

стр. 8515

( «قَالُوا: بَلَى. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ» ") ، أَيْ: بِخُصُوصِهِ (" مِنْ نَفْسِهِ ") ، أَيْ: فَضْلًا عَنْ بَقِيَّةِ أَهْلِهِ. ( «قَالُوا: بَلَى قَالَ: " اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» ") : وَفِي رِوَايَةٍ: " «وَأَحِبَّ مَنْ أَحَبَّهُ، وَأَبْغِضْ مَنْ أَبْغَضَهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، وَأَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ» ". (فَلَقِيَهُ عُمَرُ ﵁ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ هَنِيئًا) ، أَيْ: طُوبَى لَكَ أَوْ عِشْ هَنِيئًا (يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ) ، أَيْ: صِرْتَ فِي كُلِّ وَقْتٍ (مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ) تَمَسَّكَتِ الشِّيعَةُ أَنَّهُ مِنَ النَّصِّ الْمُصَرِّحِ بِخِلَافَةِ عَلِيٍّ ﵁ حَيْثُ قَالُوا: مَعْنَى الْمَوْلَى: الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ، وَإِلَّا لَمَا احْتَاجَ إِلَى جَمْعِهِمْ كَذَلِكَ، هَذَا مِنْ أَقْوَى شُبَهِهِمْ، وَدَفَعَهَا عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ بِأَنَّ الْمَوْلَى بِمَعْنَى الْمَحْبُوبِ وَهُوَ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - سَيِّدُنَا وَحَبِيبُنَا، وَلَهُ مَعَانٍ أُخَرُ تَقَدَّمَتْ، وَمِنْهُ النَّاصِرُ وَأَمْثَالُهُ، فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ نَصًّا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَالُ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْإِمَامَ مَعَ وُجُودِهِ ﵇ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ حِينَ يُوجَدُ عَقْدُ الْبَيْعَةِ لَهُ، فَلَا يُنَافِيهِ تَقْدِيمُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ عَلَيْهِ لِانْعِقَادِ إِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ حَتَّى مِنْ عَلِيٍّ ثُمَّ سُكُوتِهِ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ إِلَى أَيَّامِ خِلَافَتِهِ قَاضٍ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ بِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ عَلَى خِلَافَتِهِ عَقِبَ وَفَاتِهِ ﵇ مَعَ أَنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - صَرَّحَ نَفْسُهُ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ كَوْنِهِ آحَادًا مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهِ، فَكَيْفَ سَاغَ لِلشِّيعَةِ أَنْ يَخَالُوا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنِ اشْتِرَاطِ التَّوَاتُرِ فِي أَحَادِيثِ الْإِمَامَةِ؟ مَا هَذَا إِلَّا تَنَاقُضٌ صَرِيحٌ وَتَعَارُضٌ قَبِيحٌ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) ، أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ، وَأَقَلُّ مَرْتَبَتِهِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا فَلَا الْتِفَاتَ لِمَنْ قَدَحَ فِي ثُبُوتِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَبْعَدَ مَنْ رَدَّهُ بِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ بِالْيَمَنِ لِثُبُوتِ رُجُوعِهِ مِنْهَا وَإِدْرَاكِهِ الْحَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَعَلَّ سَبَبَ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ أَنَّهُ وَهِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ عِنْدَ وُصُولِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ، ثُمَّ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّ زِيَادَةَ: اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ مَوْضُوعَةٌ مَرْدُودَةٌ، فَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ صَحَّحَ الذَّهَبِيُّ كَثِيرًا مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الرِّيَاضِ عَنْ رَبَاحِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: جَاءَ رَهْطٌ إِلَى عَلِيٍّ بِالرَّحْبَةِ فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَوْلَانَا، فَقَالَ كَيْفَ أَكُونُ مَوْلَاكُمْ وَأَنْتُمْ عَرَبٌ؟ قَالُوا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: " «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» " قَالَ رَبَاحُ بْنُ الْحَارِثِ: فَلَمَّا مَضَوْا تَبِعْتُهُمْ فَسَأَلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: نَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ؟ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. «وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ الْيَمَنَ، فَرَأَيْتُ مِنْهُ جَفْوَةً، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرْتُ عَلِيًّا فَتَنَقَّصْتُهُ، فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَغَيَّرُ فَقَالَ: " يَا بُرَيْدَةُ، أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ " قُلْتُ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.

стр. 8516

٦١٠٤ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: «خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَاطِمَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّهَا صَغِيرَةٌ " ثُمَّ خَطَبَهَا عَلِيٌّ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. ــ ٦١٠٤ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: «خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَاطِمَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهَا صَغِيرَةٌ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ فَسَكَتَ وَلَعَلَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَرَّةٍ أُخْرَى ( «ثُمَّ خَطَبَهَا عَلِيٌّ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ» ) . يُوهِمُ أَنَّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، أَوْ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ صَغِيرَةً عِنْدَ خِطْبَتِهَا، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ حِينَ كَبِرَتْ وَدَخَلَتْ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ خَطَبَهَا عَلِيٌّ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهَا صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا لِكِبَرِ سِنِّهِمَا وَزَوَّجَهَا مِنْ عَلِيٍّ لِمُنَاسَبَةِ سِنِّهِ لَهَا، أَوْ لِوَحْيٍ نَزَلَ بِتَزْوِيجِهَا لَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الرِّيَاضِ أَنَّهُ «قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ خَطَبَهَا: لَمْ يَنْزِلِ الْقَضَاءُ بَعْدُ» ، فَأُرْفِعَ الْإِشْكَالُ وَانْدَفَعَ الِاسْتِدْلَالُ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو الْخَيْرِ الْقَزْوِينِيُّ الْحَاكِمِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ

стр. 8517

مَالِكٍ قَالَ: «خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ فَقَالَ ﷺ : " يَا أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَنْزِلِ الْقَضَاءُ " ثُمَّ خَطَبَهَا عُمَرُ مَعَ عِدَّةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كُلُّهُمْ يَقُولُ لَهُ مِثْلَ قَوْلِهِ لِأَبِي بَكْرٍ، فَقِيلَ لِعَلِيٍّ: لَوْ خَطَبْتَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاطِمَةَ عَسَى أَنْ يُزَوِّجَكَهَا. قَالَ: وَكَيْفَ وَخَطَبَهَا أَشْرَافُ قُرَيْشٍ فَلَمْ يُزَوِّجْهَا؟ فَخَطَبَهَا فَقَالَ ﷺ : " فَقَدْ أَمَرَنِي رَبِّي بِذَلِكَ ". قَالَ أَنَسٌ: ثُمَّ دَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَيَّامٍ فَقَالَ لِي: يَا أَنَسُ اخْرُجْ وَادْعُ لِي أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، وَبِعِدَّةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ. قَالَ: فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ ﷺ وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ، وَكَانَ عَلِيٌّ غَائِبًا فِي حَاجَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَحْمُودِ بِنِعْمَتِهِ، الْمَعْبُودِ بِقُدْرَتِهِ، الْمُطَاعِ بِسُلْطَانِهِ، الْمَرْهُوبِ مِنْ عَذَابِهِ وَسَطْوَتِهِ، النَّافِذِ أَمْرِهِ فِي سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ وَمَيَّزَهُمْ بِأَحْكَامِهِ وَأَعَزَّهُمْ بِدِينِهِ وَأَكْرَمَهُمْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِنَّ اللَّهَ ﵎ اسْمُهُ وَعَظْمَتُهُ جَعَلَ الْمُصَاهَرَةَ سَبَبًا لَاحِقًا وَأَمْرًا مُفْتَرَضًا، أَوَشَجَ بِهِ الْأَرْحَامَ وَأَلْزَمَهُ لِلْأَنَامِ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] فَأَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى يَجْرِي إِلَى قَضَائِهِ وَقَضَاؤُهُ يَجْرِي إِلَى قَدَرِهِ، وَلِكُلِّ قَضَاءٍ قَدَرٌ، وَلِكُلِّ قَدَرٍ أَجَلٌ، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ خَدِيجَةَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَاشْهَدُوا أَنِّي قَدْ زَوَّجْتُهُ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالِ فِضَّةٍ إِنْ رَضِيَ بِذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ " ثُمَّ دَعَا بِطَبَقٍ مِنْ بُسْرٍ فَوَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِينَا ثُمَّ قَالَ " انْهَبُوا " فَنَهَبْنَا فَبَيْنَا نَحْنُ نَنْهَبُ إِذْ دَخَلَ عَلِيٌّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَكَ فَاطِمَةَ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالِ فِضَّةٍ إِنْ رَضِيتَ بِذَلِكَ " فَقَالَ: قَدْ رَضِيتُ بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنَسٌ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَكُمَا وَأَسْعَدَ جَدَّكُمَا وَبَارَكَ عَلَيْكُمَا وَأَخْرَجَ مِنْكُمَا كَثِيرًا طَيِّبًا قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَخْرَجَ مِنْهُمَا كَثِيرًا طَيِّبًا» .

стр. 8518

٦١٠٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٦١٠٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ) ، أَيِ: الْمَفْتُوحَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ) . وَلِذَا قَالَ: " «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُجْنِبُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرَكَ» ". قِيلَ: وَلَا يُشْكِلُ هَذَا الْحَدِيثُ بِمَا مَرَّ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَمْرِهِ بِسَدِّ الْخَوْخِ جَمِيعِهَا إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّ ذَاكَ فِيهِ التَّصْرِيحُ أَنَّ أَمْرَهُمْ بِالسَّدِّ كَانَ حَالَ مَرَضِ مَوْتِهِ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَأَشْهَرُ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . أَيْ مَتْنًا أَوْ إِسْنَادًا أَوْ مَعَانٍ، لَكِنْ قَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالضِّيَاءُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّمَا أُمِرْتُ بِسَدِّ هَذِهِ الْأَبْوَابِ غَيْرَ بَابِ عَلِيٍّ» " فَفِي الرِّيَاضِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «كَانَ لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبْوَابٌ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: فَقَالَ يَوْمًا: " سُدُّوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ " قَالَ: فَتَكَلَّمَ فِيهِ نَاسٌ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُمِرْتُ بِسَدِّ هَذِهِ الْأَبْوَابِ غَيْرَ بَابِ عَلِيٍّ؛ فَقَالَ فِيهِ قَائِلُكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا سَدَدْتُ شَيْئًا وَلَا فَتَحْتُهُ، وَلَكِنْ أُمِرْتُ بِشَيْءٍ فَاتَّبَعْتُهُ» " وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَقَدْ أُوتِيَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ ثَلَاثَ خِصَالٍ لِأَنْ يَكُونَ فِيَّ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: زَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَتَهُ وَوَلَدَتْ لَهُ وَسَدَّ الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَرِيكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ الْكِنَانِيِّ قَالَ: «خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ زَمَنَ الْجَمَلِ، فَلَقِينَا سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَتَرَكَ بَابَ عَلِيٍّ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ قَالَ السَّعْدِيُّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَرِيكٍ كَذَّابٌ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ غَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَلَا يَصِحُّ، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مَا أُخْرِجَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا يَبْقَى بَابٌ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ» " وَإِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فِي عَلِيٍّ أَيْضًا حُمِلَ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى حَالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 8519

٦١٠٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ كَانَتْ لِي مَنْزِلَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلَائِقِ، آتِيهِ بِأَعْلَى سَحَرٍ فَأَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَإِنْ تَنَحْنَحَ انْصَرَفْتُ إِلَى أَهْلِي، وَإِلَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. ــ ٦١٠٦ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَتْ لِي مَنْزِلَةٌ) ، أَيْ: مَرْتَبَةُ قُرْبٍ (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلَائِقِ) ، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ الصَّحَابَةِ بِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ الَّتِي لَا تُحْصَى (آتِيهِ) : بِالْمَدِّ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ أَيْ: أَجِيئُهُ (بِأَعْلَى سَحَرٍ) ، أَيْ: بِأَوَّلِ أَوْقَاتِهِ وَهُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْكَشَّافُ (فَأَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ: سَلَامُ اسْتِئْذَانٍ (فَإِنْ تَنَحْنَحَ) ، أَيْ: مَعَ جَوَابِ السَّلَامِ أَوْ بِدُونِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ سَلَامَ الِاسْتِئْذَانِ هَلْ لَهُ جَوَابٌ وَاجِبٌ أَوْ لَا. (انْصَرَفْتُ إِلَى أَهْلِي) ، أَيْ: رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِي عِلْمًا بِأَنَّ هُنَاكَ مَانِعًا شَرْعِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَتَنَحْنَحْ (دَخَلْتُ عَلَيْهِ أَيْ: وَتَشَرَّفْتُ بِالْحُضُورِ لَدَيْهِ وَمُطَالَعَةِ النَّظَرِ إِلَيْهِ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .

стр. 8520

٦١٠٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: «كُنْتُ شَاكِيًا، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَجَلِي قَدْ حَضَرَ فَأَرِحْنِي، وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فَارْفَغْنِي، وَإِنْ كَانَ بَلَاءً فَصَبِّرْنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَيْفَ قُلْتَ؟ " فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَا قَالَ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ عَافِهِ - أَوِ اشْفِهِ - " شَكَّ الرَّاوِي قَالَ: فَمَا اشْتَكَيْتُ وَجَعِي بَعْدُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ــ ٦١٠٧ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ (قَالَ: كُنْتُ شَاكِيًا) ، أَيْ: مَرِيضًا (فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: ذَاهِبًا أَوْ عَائِدًا (وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَجَلِي) ، أَيْ: انْتِهَاءُ عُمْرِي (قَدْ حَضَرَ) ، أَيْ: وَقْتُهُ (فَأَرِحْنِي) ، أَيْ: بِالْمَوْتِ مِنَ الْإِرَاحَةِ وَهِيَ إِعْطَاءُ الرَّاحَةِ بِنَوْعِ إِزَاحَةٍ لِلْبَلِيَّةِ (وَإِنْ كَانَ) ، أَيْ: (أَجَلِي مُتَأَخِّرًا فَارْفَغْنِي) : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: وَسِّعْ لِي فِي الْمَعِيشَةِ بِإِعْطَاءِ الصِّحَّةِ فَإِنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ: أَرْفَغَ لَكُمُ الْمَعَاشَ أَيْ: أَوْسَعَ وَعَيْشٌ رَافِغٌ أَيْ: وَاسِعٌ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ ارْفَغْنِي مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الرَّفْغُ السَّعَةُ وَالْخِصْبُ، وَزَادَ فِي الصِّحَاحِ يُقَالُ: رَفَغَ عَيْشُهُ رَفَاغَةً أَيِ: اتَّسَعَ فَهُوَ عَيْشٌ رَافِغٌ وَرَفِيغٌ أَيْ: وَاسِعٌ طَيِّبٌ، وَتَرَفَّغَ الرَّجُلُ تَوَسَّعَ فِي رَفَاغَتِهِ مِنَ الْعَيْشِ. قَالَ مَيْرَكُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَفَغَ لَازِمٌ فَقَوْلُ الطِّيبِيُّ فِي الْحَدِيثِ أَيْ: وَسِّعْ لِي عَيْشِي لَا يَخْلُو عَنْ تَأْوِيلٍ. قُلْتُ يَعْنِي بِهِ الْحَذْفَ وَالْإِيصَالَ ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي صُحِّحَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا: فَارْفَعْنِي بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الرَّفْعِ، وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِالْمَقَامِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ. قُلْتُ: إِذَا وَقَعَ حَقُّ التَّأَمُّلِ فِي الْمَقَامِ يَظْهَرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِلْمَرَامِ، لِأَنَّ الرَّفْعَ الْمُتَعَدِّي بِمَعْنَى الْقَبْضِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] نَعَمْ إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فَيُقَالُ التَّقْدِيرُ فَارْفَعْ أَيِ: الْمَرَضَ عَنِّي (وَإِنْ كَانَ) : عَطْفٌ عَلَى إِنْ كَانَ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ، وَالْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ (بَلَاءً) ، أَيْ: مِمَّا قَدَّرْتَ لَهُ قَضَاءً (فَصَبِّرْنِي) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: أَعْطِنِي الصَّبْرَ عَلَيْهِ وَلَا تَجْعَلْنِي مِنْ أَهْلِ الْجَزَعِ لَدَيْهِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ قُلْتَ فَأَعَادَ) ، أَيْ: عَلِيٌّ (عَلَيْهِ مَا قَالَ) ، أَيْ: أَوَّلًا (فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ) ، أَيْ: لِيَتَنَبَّهَ عَنْ غَفْلَةِ أَمْرِهِ، وَيَنْتَهِيَ عَنْ شِكَايَةِ حَالِهِ وَتَتَّصِلَ إِلَيْهِ بَرَكَةُ قَدَمِهِ وَلِيَحْصُلَ لَهُ كَمَالُ مُتَابَعَتِهِ فِي أَثَرِهِ (وَقَالَ: " اللَّهُمَّ عَافِهِ ": بَهَاءِ الضَّمِيرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِهَاءِ السَّكْتِ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: (أَوِ اشْفِهِ) . (شَكَّ الرَّاوِي) : هَذَا كَلَامُ أَحَدِ الرُّوَاةِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا وَنَحْوَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي مَرَضِهِ: اللَّهُمَّ عَافِنِي أَوِ اشْفِنِي مِنْ غَيْرِ تَرْدِيدٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ. (قَالَ) ، أَيْ: عَلِيٌّ (فَمَا اشْتَكَيْتُ وَجَعِي) ، أَيْ: هَذَاكَ (بَعْدُ) . أَيْ: بَعْدَ دُعَائِهِ ﷺ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .

стр. 8521

قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْقُرَشِيُّ، يُكَنَّى أَبَا الْحَسَنِ وَأَبَا تُرَابٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الذُّكُورِ فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سِنِّهِ يَوْمَئِذٍ فَقِيلَ: كَانَ لَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَمَانِي سِنِينَ، وَقِيلَ عَشْرُ سِنِينَ، شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا غَيْرَ تَبُوكَ، فَإِنَّهُ خَلَّفَهُ فِي أَهْلِهِ وَفِيهَا قَالَ لَهُ: " «أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» ". كَانَ آدَمَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ عَظِيمَ الْعَيْنَيْنِ أَقْرَبَ إِلَى الْقِصَرِ مِنَ الطُّولِ ذَا بَطْنٍ، كَثِيرَ الشَّعْرِ عَرِيضَ اللِّحْيَةِ أَصْلَعَ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، اسْتُخْلِفَ يَوْمَ قَتْلِ عُثْمَانَ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَضَرَبَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ الْمُرَادِيُّ بِالْكُوفَةِ صَبِيحَةَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ مِنْ ضَرْبَتِهِ، وَغَسَّلَهُ ابْنَاهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَسَنُ وَدُفِنَ سَحَرًا، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقِيلَ خَمْسٌ وَسِتُّونَ، وَقِيلَ سَبْعُونَ وَقِيلَ ثَمَانٍ وَخَمْسُونَ. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، رَوَى عَنْهُ بَنُوهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَمُحَمَّدٌ وَخَلَائِقُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ كَانَ مُقْتَضَى مَا سَبَقَ مِنْ تَرْتِيبِ الْأَبْوَابِ أَنْ يَذْكُرَ هُنَا بَابًا فِي مَنَاقِبِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَعَلَّهُ اكْتَفَى بِمَا يَذْكُرُونَ فِي ضِمْنِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي حَقِّ الْأَرْبَعَةِ بِخُصُوصِهِمْ فِي أَوَاخِرِ الْفَصْلِ الثَّانِي.

стр. 8522

[بَابُ مَنَاقِبِ الْعَشَرَةِ ﵃] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦١٠٨ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: مَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَسَمَّى عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَسَعْدًا، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ [٩] بَابُ مَنَاقِبِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ ﵃ أَرَادَ بِذِكْرِهِمْ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، أَوْ مُتَفَرِّقِينَ فِي أَحَادِيثَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ بَقِيَّةُ الْعَشَرَةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ السُّيُوطِيُّ فِي النِّقَابَةِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦١٠٨ - (عَنْ عُمَرَ ﵁) ، أَيْ: مَوْقُوفًا (قَالَ) ، أَيْ: قُرْبَ مَوْتِهِ يَوْمَ الشُّورَى (مَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ) ، أَيْ: أَمْرِ الْخِلَافَةِ (مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ) : وَهُوَ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ (الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ) . أَيْ: فِي كَمَالِ الرِّضَا بِحَيْثُ إِنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا لِكُلِّ أَحَدٍ بِلَا شُبْهَةٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِالرِّضَا الرِّضَا الْمَخْصُوصُ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الْخِلَافَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: عَلَّلَ الْأَحَقِّيَّةَ بِقَوْلِهِ: وَرَسُولُ اللَّهِ عَنْهُمْ رَاضٍ، وَالْحَالُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ رَاضِيًا عَنِ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ، فَيُحْمَلُ رِضَاهُ عَنْهُمْ عَلَى الزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِمْ مِنَ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ، وَكُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَئِمَّةُ مِنْهُمْ. (فَسَمَّى عَلِيًّا) ، أَيْ: فَعَدَّهُ (وَعُثْمَانَ، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَسَعْدًا، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ) . أَيْ: فَهُمْ أَفْضَلُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَسَيَأْتِي تَرْجَمَةُ الْأَرْبَعَةِ عِنْدَ ذِكْرِ كُلٍّ مِنْهُمْ مُنْفَرِدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ اقْتِصَارَ عُمَرَ عَلَى السِّتَّةِ مِنَ الْعَشَرَةِ لَا إِشْكَالَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَقَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَهُوَ ابْنُ عَمِّ عُمَرَ، فَلَمْ يُسَمِّهِ عُمَرُ فِيهِمْ مُبَالَغَةً فِي التَّبْرِيءِ، وَقَدْ صَرَّحَ مِنْ رِوَايَةِ الْمَدَائِنِيِّ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ عُمَرَ عَدَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ فِيمَنْ مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ إِلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَفِي الرِّيَاضِ: عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّهُمْ قَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَمَّا طَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ: أَوْصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاسْتَخْلِفْ. قَالَ: مَا أَرَى أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَسَمَّى عَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَ: وَيَشْهَدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ لَهُ، فَإِنْ أَصَابَ الْأَمْرُ سَعْدًا فَهُوَ ذَاكَ، وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ مَا أُمِّرَ، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَفُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ وَرَجَعُوا اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَلِيٍّ، وَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى

стр. 8523

عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ طَلْحَةُ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عُثْمَانَ، فَخَلَا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِلْآخَرَيْنِ: أَيُّكُمَا يَتَبَرَّأُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَنَجْعَلُهُ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ لَيَنْظُرَنَّ إِلَى أَفْضَلِهِمْ فِي نَفْسِهِ، وَلَيَحْرِصَنَّ عَلَى صَلَاحِ الْأُمَّةِ. قَالَ: فَأُسْكِتَ الشَّيْخَانِ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَفَتَجْعَلُونَهُ إِلَيَّ، وَاللَّهُ عَلَيَّ أَلَّا آلُوَ عَلَى أَفْضَلِكُمْ. قَالَا: نَعَمْ، فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقَالَ: إِنَّ لَكَ مِنَ الْقَدَمِ وَالْإِسْلَامِ وَالْقَرَابَةِ مَا قَدْ عَلِمْتَ فَاللَّهُ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ، وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عَلَيْكَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ، ثُمَّ خَلَا بِعُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ قَالَ لِعُثْمَانَ: ارْفَعْ يَدَكَ فَبَايَعَهُ ثُمَّ بَايَعَهُ عَلِيٌّ، ثُمَّ وَلَجَ أَهْلُ الدَّارِ فَبَايَعُوهُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ مَنَاهِجِ أَهْلِ الْإِصَابَةِ فِي مَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَمَّا قَالَ لِعَلِيٍّ وَعُثْمَانَ: أَفَتَجْعَلُونَهُ إِلَيَّ؟ قَالَا: نَعَمْ. قَالَ لِعَلِيٍّ: أُبَايِعُكَ عَلَى سِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاجْتِهَادِ رَأْيِي، فَخَافَ أَنْ يَتَرَخَّصَ مِنَ الْمُبَاحِ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ مَنْ أَلِفَ ذَلِكَ التَّشَدُّدَ مِنْ سِيرَةِ الشَّيْخَيْنِ، فَقَالَ لِعُثْمَانَ: أُبَايِعُكَ عَلَى سِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَقَالَ: نَعَمْ، فَبَايَعَهُ فَسَارَ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُدَّةً، ثُمَّ تَرَخَّصَ فِي مُبَاحَاتٍ، وَلَمْ يَتَحَمَّلُوهَا حَتَّى أَنْكَرُوا عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَ أَبُو الْخَيْرِ الْقَزْوِينِيُّ الْحَاكِمِيُّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كُلَّمَا دَعَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الشُّورَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَذَكَرَ مَنَاقِبَهُ، وَقَالَ: إِنَّكَ لَهَا أَهْلٌ فَإِنْ أَخْطَأْتُكَ فَمَنْ؟ يَقُولُ: إِنْ أَخْطَأْتَنِي فَعُثْمَانُ اهـ. وَالْحِكْمَةُ فِي تَرْتِيبِ الْأَرْبَعَةِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعَارِفِينَ مِنْ أَنَّهُ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَشَرَّفَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِمَنْصِبِ الْخِلَافَةِ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا، وَقَدْ أَجَابَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ لَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْعَبَّاسَ مَعَ جَلَالَتِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْزِلَتِهِ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي الشُّورَى؟ فَقَالَ: إِنَّهَا لَمَّا جَعَلَهَا فِي أَهْلِ السَّبْقِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْبَدْرِيِّينَ، وَالْعَبَّاسُ لَمْ يَكُنْ مُهَاجِرًا وَلَا سَابِقًا وَلَا بَدْرِيًّا، وَسَيَأْتِي أَنَّ عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ وَسَعِيدًا فِي حُكْمِ أَهْلِ بَدْرٍ حَيْثُ أُعْطِيَ لَهُمْ مِنْ سَهْمِهَا وَأَجْرِهَا، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَةَ تَثْبُتُ إِمَّا بِعَقْدِهَا مِنْ أَهْلِ الْعَقْدِ وَالْحَلِّ لِمَنْ عُقِدَتْ لَهُ مِنْ أَهْلِهَا كَأَبِي بَكْرٍ وَإِمَّا بِنَصٍّ مِنَ الْإِمَامِ عَلَى اسْتِخْلَافِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا كَعُمَرَ، وَيَجُوزُ نَصْبُ الْمَفْضُولِ مِنْ قُرَيْشٍ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَى إِمَامَةِ بَعْضٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَعَ وُجُودِ أَفْضَلَ مِنْهُ مِنْهُمْ، وَلِأَنَّ عُمَرَ جَعَلَ الْخِلَافَةَ بَيْنَ سِتَّةٍ مِنْهُمْ: عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَهُمَا أَفْضَلُ زَمَانِهِمَا بَعْدَ عُمَرَ، فَلَوْ تَعَيَّنَ الْأَفْضَلُ لَعَيَّنَ عُمَرُ عُثْمَانَ أَوْ عَلِيًّا، فَدَلَّ عَدَمُ تَعْيِينِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ نَصْبُ غَيْرِهِمَا مَعَ وُجُودِهِمَا، إِذًا غَيْرُ الْأَفْضَلِ قَدْ يَكُونُ أَقْدَرَ مِنْهُ عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الدِّينِ، وَأَعْرَفَ بِتَدْبِيرِ الْمُلْكِ، وَأَوْفَقَ لِانْتِظَامِ حَالِ الرَّعِيَّةِ، وَأَوْثَقَ فِي انْدِفَاعِ الْفِتْنَةِ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْعِصْمَةِ فِي الْإِمَامِ وَكَوْنُهُ هَاشِمِيًّا وَظُهُورُ مُعْجِزَةٍ عَلَى يَدَيْهِ يُعْلَمُ بِهَا صِدْقُهُ فَمِنْ خُرَافَاتِ الشِّيعَةِ وَجَهَالَاتِهِمْ، وَتَوْطِئَةٌ وَتَمْهِيدٌ لَهُمْ عَلَى ضَلَالَاتِهِمْ مِنْ بُطْلَانِ خِلَافَةِ غَيْرِ عَلَيٍّ مَعَ انْتِفَاءِ ذَلِكَ فِي عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ.

стр. 8524

٦١٠٩ - وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ وَقَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦١٠٩ - (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: بَجَلِيٌّ، أَدْرَكَ زَمَنَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمَ وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُبَايِعَهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ تُوُفِّيَ، يُعَدُّ فِي تَابِعِي الْكُوفَةِ، رَوَى عَنِ الْعَشَرَةِ إِلَّا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ سِوَاهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَيْسَ فِي التَّابِعِينَ مَنْ رَوَى عَنْ تِسْعَةٍ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَّا هُوَ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، شَهِدَ النَّهْرَوَانَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَطَالَ عُمْرُهُ حَتَّى جَاوَزَ الْمِائَةَ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ. (قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ فَعْلَاءُ مِنَ الشَّلَلِ وَهُوَ نَقْصٌ فِي الْكَفِّ وَبُطْلَانُ الْعَمَلِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْقَطْعُ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ (وَقَى) : اسْتِئْنَافُ بَيَانِ عِلَّةٍ (بِهَا) ، أَيْ: حَفِظَ بِهَا (النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ) . أَيْ: جَعَلَ يَدَهُ وِقَايَةً لَهُ يَوْمَئِذٍ فَحَصَلَ لَهَا مَا حَصَلَ بِسَبَبِهِ مِنْ طَعْنَةٍ وَقَعَتْ عَلَيْهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيَّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا غَيْرَ بَدْرٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بَعَثَهُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ يَتَعَرَّفَانِ خَبَرَ الْعِيرِ الَّتِي كَانَتْ لِقُرَيْشٍ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَعَادَا يَوْمَ اللِّقَاءِ بِبَدْرٍ، وَجُرِحَ يَوْمَ أُحُدٍ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ جِرَاحَةً قِيلَ: كَانَتْ فِيهِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ، وَكَانَ آدَمَ كَثِيرَ الشَّعْرِ حَسَنَ الْوَجْهِ، قُتِلَ فِي وَقْعَةِ يَوْمِ الْجَمَلِ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَدُفِنَ بِالْبَصْرَةِ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً.

стр. 8525

٦١١٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ " يَوْمَ الْأَحْزَابِ. قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦١١٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) : وَفِي نُسْخَةٍ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ يَأْتِينِي ") : عَلَى أَنَّ مَنْ شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الْجَوَابِ، وَالْمَعْنَى مَنْ يَجِيئُنِي (بِخَبَرِ الْقَوْمِ) ؟ أَيْ: قَوْمِ الْكُفَّارِ (يَوْمَ الْأَحْزَابِ) : وَهُوَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ (قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا ") ، بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا أَيْ: نَاصِرًا مُخْلِصًا (" وَحَوَارِيَّ ") : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا وَفِي نُسْخَةٍ وَحَوَارِيِّي (" الزُّبَيْرُ ") . وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ضَبَطَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَضَبَطَ أَكْثَرُهُمْ بِكَسْرِهَا اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَخِيرَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ يَاءُ الْإِضَافَةِ مَفْتُوحَةً عَلَى وَفْقِ الْقِرَاءَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يَاءُ الْإِضَافَةِ سَاكِنَةً تُحْذَفُ وَصْلًا وَتَثْبُتُ وَقْفًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ فَقَطْ كَمَا رُوِيَ عَنِ السُّوسِيِّ فِي " أَنَّ وَلِيِّ اللَّهُ " بِكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ، أَوِ الْمَكْسُورَةِ بِلَا يَاءِ الْإِضَافَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَرْسُومًا بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ كَمَا وَجَدْنَاهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَمِنْهَا نُسْخَةُ الْجَزَرِيِّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ نَقْلِ النَّوَوِيِّ، وَالْمُوَافِقُ لِلرَّسْمِ الْقُرْآنِيِّ، ثُمَّ تَوْجِيهُهُ الْمُشَدَّدَةَ بِلَا يَاءٍ بَعْدَهَا هُوَ أَنَّهُ جَاءَ الْحَوَارِيُ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ. وَقَدْ قُرِئَ: " قَالَ الْحَوَارِيُونَ " بِالتَّخْفِيفِ شَاذًّا، فَالثَّانِيَةُ يَاءُ إِضَافَةٍ وَهِيَ قَدْ تَكُونُ مَفْتُوحَةً، وَقَدْ تَكُونُ سَاكِنَةً وَتُكْسَرُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، هَذَا وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْمُرَادُ مِنْهُ النَّاصِرُ وَحَوَارِيُّ عِيسَى ﵇ أَنْصَارُهُ، سُمُّوا بِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَغْسِلُونَ الثِّيَابَ فَيُحَوِّرُونَهَا أَيْ: يُبَيِّضُونَهَا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ، وَأُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، فَعَذَّبَهُ عَمُّهُ بِالدُّخَانِ لِيَتْرُكَ الْإِسْلَامَ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَلَّ السَّيْفَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، كَانَ أَبْيَضَ طَوِيلًا يَمِيلُ إِلَى الْخِفَّةِ فِي اللَّحْمِ، قَتَلَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ بِسَفَوَانَ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْفَاءِ مِنْ أَرْضِ الْبَصْرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِوَادِي السِّبَاعِ، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ بِهَا، وَرَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ وَغَيْرُهُمَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيَّ وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ. وَفِي الرِّيَاضِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ بِزِيَادَةٍ، وَلَفْظُهُ: «نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ثُمَّ نَدَبَهُمُ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِزِيَادَةٍ وَلَفْظُهُ «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ حَوَارِيَّ وَابْنُ عَمَّتِي» .

стр. 8526

٦١١١ - وَعَنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَالَ؟ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ يَأْتِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ؟ فَانْطَلَقْتُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ فَقَالَ: " فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦١١١ - (وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ يَأْتِي بَنِي قُرَيْظَةَ ") ، أَيْ: مَنْ يَذْهَبُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ سُكَّانِ حَوَالِي الْمَدِينَةِ (" فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ "؟ فَانْطَلَقْتُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ) ، أَيْ: فِي الْفِدَاءِ (فَقَالَ: " فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ") بِفَتْحِ الْفَاءِ وَقَدْ يُكْسَرُ، وَفِي هَذِهِ التَّفْدِيَةِ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِهِ وَاعْتِدَادٌ بِعَمَلِهِ وَاعْتِبَارٌ بِأَمْرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُفَدِّي إِلَّا مَنْ يُعَظِّمُهُ فَيَبْذُلُ نَفْسَهُ أَوْ أَعَزَّ أَهْلِهِ لَهُ. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: فِي الْحَدِيثِ فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا؛ إِطْلَاقُ هَذَا اللَّفْظِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى مَحْمُولٌ عَلَى الْمَجَازِ وَالِاسْتِعَارَةِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُفْدَى مِنَ الْمَكَارِهِ مَنْ يَلْحَقُهُ، فَيَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفِدَاءِ التَّعْظِيمَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ لِمَنْ يَنْقُلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ لِغَيْرِهِ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْهُ قَالَ: جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَالْمَشْهُورُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّهُ كَانَ لِسَعْدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَهُمَا لَهُمَا، وَاشْتُهِرَ فِي سَعْدٍ لِكَثْرَةِ تَرْدِيدِ الْقَوْلِ لَهُ بِذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي أُحُدٍ وَفِي قُرَيْظَةَ. وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: أَوْصَى الزُّبَيْرُ إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ صَبِيحَةَ الْجَمَلِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَا مِنْ عُضْوٍ إِلَّا وَقَدْ جُرِحَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى الْوَجْهِ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ؟ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَمْ أُفَارِقْهُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

стр. 8527

٦١١٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: " يَا سَعْدُ، ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦١١٢ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ أَبَوَيْهِ) ، أَيْ: فِي الْفِدَاءِ (لِأَحَدٍ) ، أَيْ: مِنَ الصَّحَابَةِ (إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: " يَا سَعْدُ، ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ") : قِيلَ. الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ أَرَادَ بِذَلِكَ تَقْيِيدَهُ بِيَوْمِ أُحُدٍ اهـ. وَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ الْمُقَيَّدُ بِنَفْيِ السَّمَاعِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى تَفْدِيَةِ الزُّبَيْرِ بِوَاسِطَةِ الْغَيْرِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يُكَنَّى أَبَا إِسْحَاقَ، وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكُ بْنُ وُهَيْبٍ الزُّهْرِيُّ الْقُرَشِيُّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَالَ: كُنْتُ ثَالِثَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ مَشْهُورًا بِذَلِكَ تُخَافُ دَعْوَتُهُ وَتُرْجَى لِاشْتِهَارِ إِجَابَتِهَا عِنْدَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ: «اللَّهُمَّ سَدِّدْ سَهْمَهُ وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ» " وَجَمَعَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلِلزُّبَيْرِ أَبَوَيْهِ فَقَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: " فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي " وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمَا، وَكَانَ آدَمَ أَشْعَرَ الْجَسَدِ مَاتَ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ عَلَى رِقَابِ الرِّجَالِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ وَالِي الْمَدِينَةِ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ، وَلَهُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَهُوَ آخِرُ الْعَشَرَةِ مَوْتًا، وَوَلَّاهُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ الْكُوفَةَ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8528

٦١١٣ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: إِنِّي لَأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦١١٣ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: إِنِّي لَأَوَّلُ الْعَرَبِ) : التَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْجِنْسِ وَقَوْلُهُ: (رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) صِفَةٌ لَهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ " رَمَى " صِفَةُ " أَوَّلُ " أَيْ: أَوَّلُ عَرَبِيٍّ رَمَى، وَاللَّامُ فِي الْعَرَبِ لِلْجِنْسِ الْمَحْمُولِ عَلَى الْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَتَمَامُهُ، عَلَى مَا فِي الرِّيَاضِ: «وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ، وَهَذَا السَّمُرُ حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ خِلْطٌ» أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ. وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «بَيْنَا سَعْدٌ فِي إِبِلِهِ فَجَاءَ ابْنُهُ عُمَرُ، فَلَمَّا رَآهُ سَعْدٌ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الرَّاكِبِ، فَقَالَ لَهُ: نَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَتَرَكْتَ بَنِيكَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ، فَضَرَبَ سَعْدٌ صَدْرَهُ وَقَالَ: اسْكُتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْجَفِيَّ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ؟ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَانَ آخِرُ الْعَشَرَةِ مَوْتًا، وَقَالَ الْفَضَائِلِيُّ: بَلْ كَانَ آخِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَفَاةً.

стр. 8529

٦١١٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقْدِمَهُ الْمَدِينَةَ لَيْلَةً فَقَالَ: " لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا يَحْرُسُنِي " إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ سِلَاحٍ فَقَالَ: " مَنْ هَذَا؟ " قَالَ: أَنَا سَعْدٌ قَالَ: " مَا جَاءَ بِكَ؟ " قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجِئْتُ أَحْرُسُهُ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَامَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦١١٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَهِرَ) كَفَرِحَ أَيْ: لَمْ يَنَمْ وَفِي رِوَايَةٍ أَرِقَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقْدِمَهُ) ، أَيْ: وَقْتَ قُدُومِهِ (الْمَدِينَةَ لَيْلَةً) : وَفِي رِوَايَةٍ: ذَاتَ لَيْلَةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: مَقْدِمَهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لَيْسَ بِظَرْفٍ لِعَمَلِهِ فِي الْمَدِينَةِ، وَنَصْبُهُ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ وَهُوَ الْوَقْتُ أَوِ الزَّمَانُ وَلَيْلَةً بَدَلُ الْبَعْضِ مِنَ الْمُقَدَّرِ أَيْ: سَهِرَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي وَقْتَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ مِنْ بَعْضِ الْغَزَوَاتِ. (فَقَالَ لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا) : وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ أَصْحَابِي (" يَحْرُسُنِي ") . بِضَمِّ الرَّاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ اللَّيْلَةَ أَيْ: يَحْفَظُنِي بَقِيَّةَ اللَّيْلَةِ لِأَنَامَ مُسْتَرِيحَ الْخَاطِرِ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ (إِذْ سَمِعْنَا) : وَفِي رِوَايَةٍ: فَسَمِعْنَا (صَوْتَ سِلَاحٍ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفِي رِوَايَةٍ خَشْخَشَةَ السِّلَاحِ (فَقَالَ: " مَنْ هَذَا " قَالَ: أَنَا سَعْدٌ. قَالَ: " مَا جَاءَ بِكَ " قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجِئْتُ أَحْرُسُهُ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَحْرُسُكَ (فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَامَ) . وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى سَمِعْنَا غَطِيطَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الرِّيَاضِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.

стр. 8530

٦١١٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦١١٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لِكُلِّ أُمَّةٍ ") : وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ (أَمِينٌ) ، أَيْ: ثِقَةٌ وَمُعْتَمَدٌ وَمَرَضِيٌّ (" وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ") : وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنَّ أَمِينَ هَذِهِ الْأُمَّةِ (" أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ") . بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالْأَمَانَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرِكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ لِغَلَبَتِهَا فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، وَقِيلَ لِكَوْنِهَا غَالِبَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِرِ صِفَاتِهِ، وَأَخْرَجَ أَبُو حُذَيْفَةَ فِي فُتُوحِ الشَّامِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا تُوُفِّيَ وَخَالِدٌ عَلَى الشَّامِ وَالِيًا، وَاسْتُخْلِفَ عُمَرُ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بِالْوِلَايَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَعَزَلَ خَالِدًا، فَكَتَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْكِتَابَ مِنْ خَالِدٍ وَغَيْرِهِ حَتَّى انْقَضَتِ الْحَرْبُ، وَكَتَبَ خَالِدٌ الْأَمَانَ لِأَهْلِ دِمَشْقَ وَأَبُو عُبَيْدَةَ الْأَمِيرُ، وَهُمْ لَا يَدْرُونَ. ثُمَّ لَمَّا عَلِمَ خَالِدٌ بِذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً دَخَلَ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ جَاءَكَ كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوِلَايَةِ فَلَمْ تُعْلِمْنِي وَتُصَلِّي خَلْفِي وَالسُّلْطَانُ سُلْطَانُكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَيَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ مَا كُنْتُ لِأُعْلِمَكَ حَتَّى تَعْلَمَهُ مِنْ غَيْرِي، وَمَا كُنْتُ لِأَكْسِرَ عَلَيْكَ حَرْبَكَ حَتَّى يَنْقَضِيَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَقَدْ كُنْتُ أُعْلِمُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا سُلْطَانُ الدُّنْيَا أُرِيدُ، وَلَا لِلدُّنْيَا أَعْمَلُ، وَإِنَّ مَا تَرَى سَيَصِيرُ إِلَى زَوَالٍ وَانْقِطَاعٍ، وَإِنَّمَا نَحْنُ أَخَوَانِ وَقُوَّامٌ بِأَمْرِ اللَّهِ وَمَا يَضُرُّ الرَّجُلَ أَنْ يَلِيَ عَلَيْهِ أَخُوهُ فِي دِينِهِ وَلَا دُنْيَاهُ، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ الْوَالِيَ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ أَدْنَاهُمَا إِلَى الْفِتْنَةِ وَأَوْقَعَهُمَا فِي الْحِطَّةِ لِمَا تَعَرَّضَ مِنَ الْهَلَكَةِ إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، فَدَفَعَ أَبُو عُبَيْدَةَ عِنْدَ ذَلِكَ الْكِتَابَ إِلَى خَالِدٍ، وَتُوُفِّيَ ﵁ بِالْأُرْدُنِّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ كُورَةٌ بِأَعْلَى الشَّامِ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَمِينًا وَأَمِينِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» وَعَنْ حُذَيْفَةَ: «جَاءَ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْعَثْ مَعَنَا أَمِينَكَ، فَقَالَ: " سَأَبْعَثُ مَعَكُمْ أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ " فَتَشَرَّفَتْ لَهَا النَّاسُ فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ» . أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ. وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: «لَمَّا جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ أَرَادَا أَنْ يُلَاعِنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تُلَاعِنْهُ فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا وَلَاعَنَّاهُ لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا أَبَدًا. قَالَ: فَأَتَيَاهُ فَقَالَا: لَا نُلَاعِنُكَ، وَلَكِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَ؛ فَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سَأَبْعَثُ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ " قَالَ: فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ " فَلَمَّا قَفَّى قَالَ: " هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ، مَكَانَ قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ، وَمِنْ كَلَامِهِ: بَادِرُوا السَّيِّئَاتِ الْقَدِيمَاتِ بِالْحَسَنَاتِ الْحَادِثَاتِ، وَإِلَّا رُبَّ مُبَيِّضٍ لِثِيَابِهِ مُدَنِّسٍ لِدِينِهِ، وَإِلَّا رُبَّ مُكْرِمٍ لِنَفْسِهِ وَهُوَ لَهَا مُهِينٌ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ الْفِهْرِيُّ الْقُرَشِيُّ، أَسْلَمَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَنَزَعَ الْحَلْقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ دَخَلَتَا فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ حَبْقِ الْمِغْفَرِ فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ، كَانَ طُوَالًا مَعْرُوقَ الْوَجْهِ خَفِيفَ اللِّحْيَةِ، مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ بِالْأُرْدُنِّ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، وَدُفِنَ بِبَنْيَانَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، يَلْتَقِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.

стр. 8531

٦١١٦ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَسُئِلَتْ: مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ. فَقَالَ: ثُمَّ مَنْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: عُمَرُ. قِيلَ: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦١١٦ - (وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَاسْمُ أَبِي مُلَيْكَةَ زُهَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ الْقُرَشِيُّ الْأَحْوَلُ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَعُلَمَائِهِمْ، وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ وَعَائِشَةَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ سِوَاهُ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ.

стр. 8532

(قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَسُئِلَتْ) ، أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهَا سُئِلَتْ: (مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْلِفًا) ، أَيْ: جَاعِلًا خَلِيفَةً لَهُ (لَوِ اسْتَخْلَفَهُ) ؟ أَيْ: صَرِيحًا عَلَى الْفَرْضِ (قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ. فَقِيلَ: ثُمَّ مَنْ) ؟ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيِ الَّذِي (بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: عُمَرُ. قِيلَ: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قَالَتْ أَبُو عُبَيْدَةَ) . فَفِيهِ أَنَّ اعْتِقَادَ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ كَانَ أَوْلَى بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ بَقِيَّةِ أَصْحَابِ الشُّورَى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8533

٦١١٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» . وَزَادَ بَعْضُهُمْ: وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَلِيًّا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦١١٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ مُنْصَرِفًا وَقَدْ لَا يَنْصَرِفُ (هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ النَّبِيُّ ﷺ : " اهْدَأْ ") : بِفَتْحِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ أَيِ: اسْكُنْ (" فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ ") : يُرِيدُ بِهِ الْجِنْسَ ; لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ بَعْدَ الصِّدِّيقِ كُلُّهُمْ شُهَدَاءُ، ثُمَّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِي الْحَدِيثِ مُعْجِزَاتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ إِخْبَارُهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ شُهَدَاءُ، فَقَتْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ مَشْهُورٌ، وَقُتِلَ الزُّبَيْرُ بِوَادِي السِّبَاعِ بِقُرْبِ الْبَصْرَةِ مُنْصَرِفًا تَارِكًا لِلْقِتَالِ، وَكَذَلِكَ طَلْحَةُ اعْتَزَلَ النَّاسَ تَارِكًا لِلْقِتَالِ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مَنْ قُتِلَ ظُلْمًا فَهُوَ شَهِيدٌ، وَفِيهِ بَيَانُ فَضِيلَةِ هَؤُلَاءِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ التَّمْيِيزِ فِي الْحِجَارَةِ وَجَوَازُ التَّزْكِيَةِ اهـ. وَأَغْرَبَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ حَيْثُ قَالَ فِي كَوْنِ مَنْ صَابَهُ سَهْمٌ مَقْتُولًا ظُلْمًا تَأَمَّلْ. (وَزَادَ بَعْضُهُمْ) ، أَيْ: فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: (وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْبَعْضُ (عَلِيًّا) فَقَوْلُهُ: زَادَ فِيهِ مُسَامَحَةٌ إِذْ فِيهِ مُعَاوَضَةٌ وَمُبَادَلَةٌ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَنَّ سَعْدًا مَاتَ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ، فَتَوَجُّهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَكُونَ بِالتَّغْلِيبِ، أَوْ كَمَا قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: كَانَ مَوْتُهُ بِمَرَضٍ مِنَ الْأَمْرَاضِ الَّتِي تُورِثُ حُكْمَ الشَّهَادَةِ اهـ. وَمَعَ هَذَا فِيهِ نَوْعُ تَغْلِيبٍ كَمَا لَا يَخْفَى (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى حِرَاءٍ فَتَحَرَّكَ فَقَالَ: " اثْبُتْ حِرَاءُ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ " قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ " قَالَ: قِيلَ: فَمَنِ الْعَاشِرُ؟ قَالَ: " أَنَا» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي الرِّيَاضِ: أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى فِرَاشِهِ فَتُوَجَّهُ شَهَادَتُهُ أَنَّهُ شَهِيدٌ حُكْمِيٌّ كَسَعْدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ حَيْثُ مَاتَا عَلَى فِرَاشِهِمَا أَيْضًا، وَأُدْخِلُوا فِي صِفَةِ الصِّدِّيقِيَّةِ وَلَا بُعْدَ فِيهِ، فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] .

стр. 8534

الْفَصْلُ الثَّانِي ٦١١٨ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٦١١٨ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيَّ الْقُرَشِيَّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَثَبَتَ يَوْمَ أُحُدٍ وَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ خَلْفَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَأَتَمَّ مَا فَاتَهُ، كَانَ طَوِيلًا رَقِيقَ الْبَشَرَةِ أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِالْحُمْرَةِ ضَخْمَ الْكَفَّيْنِ أَقْنَى، أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ بِعِشْرِينَ جِرَاحَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَأَصَابَهُ بَعْضُهَا فِي رِجْلِهِ فَعَرَجَ، وُلِدَ بَعْدَ الْفِيلِ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَلَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَفِي الرِّيَاضِ: كَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِيلَ عَبْدُ الْكَعْبَةِ، فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ الصَّادِقُ الْبَارُّ؛ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ» ) . الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ هُوَ الْمَذْكُورُ عَلَى لِسَانِهِ ﷺ كَمَا يُشْعِرُ إِلَيْهِ ذِكْرُ اسْمِ الرَّاوِي بَيْنَ الْأَسْمَاءِ، وَإِلَّا كَانَ مُقْتَضَى التَّوَاضُعِ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي آخِرِهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي تَرْتِيبِ الْبَقِيَّةِ مِنَ الْعَشَرَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . أَيْ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

стр. 8535

٦١١٩ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. ــ ٦١١٩ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ -) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالضِّيَاءُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ أَبَا الْأَعْوَرِ الْعَدَوِيَّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ مَعَ طَلْحَةَ يَطْلُبَانِ خَبَرَ عِيرِ قُرَيْشٍ، وَضَرَبَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَهْمٍ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ أُخْتُ عُمَرَ تَحْتَهُ، وَبِسَبَبِهَا كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ، كَانَ آدَمَ طُوَالًا أَشْعُرَ، مَاتَ بِالْعَقِيقِ، فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَلَهُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ حَدِيثًا يَدُلُّ عَلَى مَنَاقِبِهِ مُنْفَرِدًا اكْتِفَاءً بِمَا سَبَقَ عَنْهُ فِي بَابِ الْكَرَامَاتِ، وَفِي الرِّيَاضِ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ابْنِ عَمِّ أَبِيهِ، كَانَ أَبُوهُ زَيْدٌ يَطْلُبُ دِينَ الْحَنِيفِيَّةِ دِينَ إِبْرَاهِيمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ، وَكَانَ لَا يَذْبَحُ لِلْأَنْصَابِ وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَلَا الدَّمَ، وَخَرَجَ يَطْلُبُ الدِّينَ هُوَ وَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَتَنَصَّرَ وَرَقَةُ وَأَبَى هُوَ التَّنَصُّرَ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: إِنَّكَ تَطْلُبُ دِينًا مَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَيُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَةِ وَكَانَ زَيْدٌ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: خَرَجَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَزَيْدُ بْنُ عَمْرٍو يَطْلُبَانِ الدِّينَ حَتَّى مَرَّا بِالشَّامِ، فَأَمَّا وَرَقَةُ فَتَنَصَّرَ، وَأَمَّا زَيْدٌ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الدِّينَ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى الْمَوْصِلَ، فَإِذَا هُوَ بِرَاهِبٍ. قَالَ: مَا تَطْلُبُ؟ قَالَ: الدِّينَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا. فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ سَيَظْهَرُ لِأَرْضِكَ فَأَقْبَلَ وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا، مَهْمَا يُجَشِّمُنِي - أَيْ يُحَمِّلُنِي وَيُكَلِّفُنِي - فَإِنِّي جَاشِمٌ عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ. قَالَ: وَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَأْكُلَانِ مِنْ سُفْرَةٍ لَهُمَا، فَدَعَوَاهُ إِلَى الْغَدَاءِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ. قَالَ: فَمَا رُؤِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ يَأْكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ حَتَّى بُعِثَ. قَالَ: فَأَتَاهُ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ: إِنَّ زَيْدًا كَانَ كَمَا قَدْ رَأَيْتَ وَبَلَغَكَ؛ اسْتَغْفِرْ لَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ فَاسْتَغْفَرَ لَهُ وَقَالَ: إِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَاحِدَةً» أَخْرَجَهُ ابْنُ عُمَرَ. وَعَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي، وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ وَيَقُولُ لِلرَّجُلِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لَا تَقْتُلْهَا وَأَنَا أَكْفِيكَ مُؤْنَتَهَا، فَيَأْخُذَهَا فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مُؤْنَتَهَا. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] نَزَلَتْ فِي ثَلَاثَةِ فَهُمْ كَانُوا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ : زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَسَلْمَانَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ بِغَيْرِ كِتَابٍ وَلَا نَبِيٍّ. أَخْرَجَهُ الْوَاحِدِيُّ وَأَبُو الْفَرَجِ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ.

стр. 8536

٦١٢٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، مُرْسَلًا وَفِيهِ: " وَأَقْضَاهُمْ عَلِيٌّ ". ــ ٦١٢٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " أَرْحَمُ أُمَّتِي ") ، أَيْ: أَكْثَرُهُمْ رَحْمَةً (" بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشُدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ) ، أَيْ: أَقْوَاهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (" عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَفْرَضُهُمْ ") ، أَيْ: أَكْثَرُهُمْ عِلْمًا بِالْفَرَائِضِ (زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) ، أَيِ: الْأَنْصَارِيُّ كَاتِبُ النَّبِيِّ، وَكَانَ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ أَحَدَ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ الْأَجِلَّةِ الْقَائِمَ بِالْفَرَائِضِ، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَكَتَبَهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَنَقَلَهُ مِنَ الْمُصْحَفِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَلَهُ سِتٌّ وَخَمْسُونَ سَنَةً. (" وَأَقْرَؤُهُمْ ") ، أَيْ: أَعْلَمُهُمْ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (" أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ") ، أَيِ: الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيَ، وَهُوَ أَحَدُ السِّتَّةِ الَّذِينَ حَفِظُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَنَّاهُ أَبَا الْمُنْذِرِ، وَعُمَرُ أَبَا الطُّفَيْلِ، وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ سَيِّدَ الْأَنْصَارِ، وَعُمَرُ سَيِّدَ الْمُؤْمِنِينَ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. (" وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ") : وَفِي نُسْخَةٍ بِالْحَرَامِ وَالْحَلَالِ (" مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ") ، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ، وَهُوَ أَحَدُ السَّبْعِينَ الَّذِينَ شَهِدُوا الْعَقَبَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَبَعَثَهُ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا وَمُعَلِّمًا، رَوَى عَنْهُ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ، وَأَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَاسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى الشَّامِ بَعْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، فَمَاتَ فِي عَامِهِ ذَاكَ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسٍ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، وَلَهُ ثَمَانٍ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. (" وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ ") ، أَيْ: مُبَالِغٌ فِي الْأَمَانَةِ (" وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ") . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ زُهْدِهِ مَا ذَكَرَهُ فِي الرِّيَاضِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنَ الشَّامِ تَلَقَّاهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ وَعُظَمَاءُ الْأَرْضِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَيْنَ أَخِي؟ قَالُوا: مَنْ؟ قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالُوا: يَأْتِيكَ الْآنَ، فَلَمَّا أَتَاهُ نَزَلَ فَاعْتَنَقَهُ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَلَمْ يَرَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا سَيْفَهُ وَتُرْسَهُ وَرَحْلَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا اتَّخَذْتَ مَا اتَّخَذَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا يُبَلِّغُنِي الْمَقِيلَ. أَخْرَجَهُ صَاحِبُ الصَّفْوَةِ وَالْفَضَائِلِيُّ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَيَأْتِيكَ الْآنَ: فَجَاءَ عَلَى نَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ بِحَبْلٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى مَنْزِلِكَ. قَالَ: فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا قَالَ: أَيْنَ مَتَاعُكَ مَا أَرَى إِلَّا لِبْدًا وَصَحْفَةً وَسَيْفًا وَأَنْتَ أَمِيرٌ؟ أَعِنْدَكَ طَعَامٌ؟ فَقَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى جَوْبَةٍ فَأَخَذَ مِنْهَا كِسْرَاتٍ، فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: غَرَّتْنَا الدُّنْيَا كُلَّنَا غَيْرَكَ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) . (وَرُوِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: الْحَدِيثُ (عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا) ، أَيْ: بِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ (وَفِيهِ) ، أَيْ: فِي هَذَا الْمَرْوِيِّ (" وَأَقْضَاهُمْ عَلِيٌّ ") . أَيْ: أَعْلَمُهُمْ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ قَالَهُ شَارِحٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الْخُصُومَةِ الْمُحْتَاجَةِ إِلَى الْقَضَاءِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ قَوْلُهُ: أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ، لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَقْضَى مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُمَا مِنَ الْمُخَاطَبِينَ، وَإِنْ ثَبَتَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ وَاحِدٍ أَقْضَى مِنْ جَمَاعَةٍ كَوْنُهُ أَقْضَى مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ، يَعْنِي لِاحْتِمَالِ التَّسَاوِي مَعَ بَعْضِهِمْ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ وَاحِدٍ أَقْضَى أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ أَعْلَمَ كَوْنُهُ أَفْضَلَ يَعْنِي لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ أَكْثَرَ فَضِيلَةً كَوْنُهُ أَكْثَرَ مَثُوبَةً، كَذَا فِي الْأَزْهَارِ، وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْمَدَارَ عِنْدَنَا عَلَى الظَّاهِرِ، إِذْ لَا نَطَّلِعُ نَحْنُ عَلَى السَّرَائِرِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» وَأَمَّا حَدِيثُ: «مَا فَضَلَكُمْ أَبُو بَكْرٍ بِفَضْلِ صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَكِنْ بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي قَلْبِهِ» فَقَدْ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ بِلَفْظِ: «مَا فَضَلَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ بِكَثْرَةِ صَلَاةٍ وَلَا بِكَثْرَةِ صَوْمٍ» ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ مَرْفُوعًا، وَهُوَ عِنْدَ الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ قَوْلِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، نَعَمْ لَوْ لُوحِظَ اعْتِبَارُ الْأَسْبَقِيَّةِ فِي أَكْثَرِيَّةِ الثَّوَابِ الْأُخْرَوِيَّةِ مَعَ الْمُشَارَكَةِ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ إِلَى صَوْبِ الصَّوَابِ، فَقَدْ قَالُوا: الْمُعْتَبَرُ فِي السَّبْقِ هُوَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنْ شَارَكَهُ عَلِيٌّ وَخَدِيجَةُ وَزَيْدٌ، إِذْ إِيمَانُ الصَّغِيرِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَوْلَى لَا سِيَّمَا وَهُمْ مِنَ الْأَتْبَاعِ لَيْسَ لَهُ شَأْنٌ عِنْدَ الْأَعْدَاءِ، وَلِهَذَا قَوِيَ الْإِيمَانُ بِحَمْزَةَ وَعَزَّ بِإِسْلَامِ عُمَرَ، كَمَا قَالَ : ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ

стр. 8537

مُتَعَارِضَةٌ وَالْأَدِلَّةَ مُتَنَاقِضَةٌ، فَالْعِبْرَةُ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ، وَبِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَمَعَ هَذَا فَالْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةٌ لَا يَقِينِيَّةٌ خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَ، وَقَدْ صَرَّحَ شَيْخُ الشُّيُوخِ شِهَابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي عَلَمِ الْهُدَى: فَإِنْ قَبِلْتَ النُّصْحَ فَأَمْسِكْ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْرِهِمْ، وَاجْعَلْ مَحَبَّتَكَ لِلْكُلِّ عَلَى السَّوَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُرَجِّحَ مَحَبَّةَ أَحَدِهِمْ عَلَى الْآخَرِ، وَأَمْسِكْ عَنِ التَّفْضِيلِ وَالْغُلُوِّ، وَإِنْ خَامَرَ بَاطِنَكَ فَضْلُ أَحَدِهِمْ عَلَى الْآخَرِ فَاجْعَلْ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْرَارِكَ، فَلَا يَلْزَمُكَ إِظْهَارُهُ، وَلَا يَلْزَمُكَ أَنْ تُحِبَّ أَحَدَهُمْ أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ، أَوْ تَعْتَقِدَ فَضْلَهُ أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ، بَلْ يَلْزَمُكَ مَحَبَّةُ الْجَمِيعِ وَالِاعْتِرَافُ بِفَضْلِ الْجَمِيعِ، وَيَكْفِيكَ فِي الْعَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ أَنْ تَعْتَقِدَ صِحَّةَ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، ثُمَّ تَعْلَمَ أَنَّ عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ كَانَا عَلَى الْقِتَالِ وَالْخِصَامِ، وَكَانَ الطَّائِفَتَانِ يَسُبُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَمَا حَكَمَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِكُفْرِ الْآخَرِينَ، إِنَّمَا كَانَتْ ذُنُوبًا لَهُمْ فَلَا تُكَفِّرْ أَحَدًا بِمَا تَرَى مِنْهُ مِنَ الْجَهْلِ وَالسَّبِّ، وَاعْتَقِدْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا اجْتَهَدَ فِي الْخِلَافَةِ وَأَصَابَ فِي الِاجْتِهَادِ، وَكَانَ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْخِلَافَةِ إِذْ ذَاكَ، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ اجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ وَأَخْطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لَهَا مَعَ عَلِيٍّ ﵁ وَاللَّهُ تَعَالَى يَنْفَعُنَا بِمَحَبَّتِهِمْ وَيَحْشُرُنَا فِي زُمْرَتِهِمْ.

стр. 8538

٦١٢١ - وَعَنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَالَ: «كَانَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَانِ، فَنَهَضَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَعَدَ طَلْحَةُ تَحْتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الصَّخْرَةِ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَوْجَبَ طَلْحَةُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦١٢١ - (وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دِرْعَانِ يَوْمَ أُحُدٍ) ، أَيْ: مُبَالَغَةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] فَإِنَّهَا تَشْمَلُ الدِّرْعَ، وَإِنْ فَسَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِأَقْوَى أَفْرَادِهَا حَيْثُ قَالَ: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (فَنَهَضَ) ، أَيْ: فَقَامَ مُنْتَبِهًا أَوْ مُتَوَجِّهًا (إِلَى الصَّخْرَةِ) ، أَيِ: الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ لِيَسْتَوِيَ عَلَيْهَا، وَيَنْظُرَ إِلَى الْكُفَّارِ وَيُشْرِفَ عَلَى الْأَبْرَارِ وَيَظْهَرَ لِلْفُرَّارِ وَالْكُرَّارِ، وَفِي رِوَايَةٍ فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ عَلَى صَخْرَةٍ (فَلَمْ يَسْتَطِعْ) أَيْ لِثِقَلِ دِرْعَيْهِ (فَقَعَدَ طَلْحَةُ تَحْتَهُ) ، أَيْ: وَجَعَلَ نَفْسَهُ تَحْتَهُ، وَبِهَذَا رَفَعَ قَدْرَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ فَبَرَكَ طَلْحَةُ تَحْتَهُ (حَتَّى اسْتَوَى) . أَيِ النَّبِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ فَصَعِدَ (عَلَى الصَّخْرَةِ فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَوْجَبَ طَلْحَةُ ") . أَيِ الْجَنَّةَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَثْبَتَهَا لِنَفْسِهِ بِعَمَلِهِ هَذَا أَوْ بِمَا فَعَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَإِنَّهُ خَاطَرَ بِنَفْسِهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَفَدَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَهَا وِقَايَةً لَهُ حَتَّى طُعِنَ بِبَدَنِهِ، وَجُرِحَ جَمِيعُ جَسَدِهِ حَتَّى شُلَّتْ يَدُهُ وَجُرِحَ بِبِضْعٍ وَثَمَانِينَ جِرَاحَةً (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رَمَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَكَسَرَ رُبَاعِيَّتَهُ الْيُمْنَى، وَجَرَحَ شَفَتَهُ السُّفْلَى، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ شَجَّهُ فِي جَبْهَتِهِ، وَأَنَّ ابْنَ قَمِيئَةَ جَرَحَ وَجْنَتَهُ، فَدَخَلَ حَلْقَتَانِ مَنْ حِلَقِ الدِّرْعِ فِي وَجْنَتِهِ، وَوَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُفْرَةٍ مِنَ الْحُفَرِ الَّتِي عَمِلَ عَامِرٌ لِيَقَعَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، فَأَخَذَ عَلِيٌّ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَفَعَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَتَّى اسْتَوَى قَائِمًا، وَمَصَّ مَالِكُ بْنُ سِنَانٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ الدَّمَ مِنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " مَنْ مَسَّ دَمُهُ دَمِي لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ» أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ.

стр. 8539

٦١٢٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَقَدْ قَضَى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا ". وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦١٢٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ) : اسْتِئْنَافٌ أَوْ حَالٌ ( «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَقَدْ قَضَى نَحْبَهُ» ) ، أَيْ: نَذْرَهُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَوْتُ أَيْ مَاتَ وَإِنْ كَانَ حَيًّا (فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: النَّحْبُ النَّذْرُ كَأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ أَنْ يَصْدُقَ أَعْدَاءَ اللَّهِ فِي الْحَرْبِ فَوَفَّى بِهِ، وَقِيلَ الْمَوْتُ كَأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ أَنْ تُقَاتِلَ حَتَّى تَمُوتَ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: النَّذْرُ وَالنَّحْبُ الْمُدَّةُ وَالْوَقْتُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: قَضَى فُلَانٌ نَحْبَهُ إِذَا مَاتَ، وَعَلَى الْمَعْنَيَيْنِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَعَلَى النَّذْرِ أَيْ نَذْرَهُ فِيمَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الصِّدْقِ فِي مَوَاطِنِ الْقِتَالِ، وَالنُّصْرَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى الْمَوْتِ أَيْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَاهَدُوا اللَّهَ أَنْ يَبْذُلُوا نُفُوسَهُمْ فِي سَبِيلِهِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ طَلْحَةَ مِمَّنْ وَفَّى بِنَفْسِهِ أَوْ مِمَّنْ ذَاقَ الْمَوْتَ فِي سَبِيلِهِ، إِنْ كَانَ حَيًّا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ

стр. 8540

(وَفِي رِوَايَةٍ: " مَنْ سَرَّهُ لَا) ، أَيْ: أَحَبَّهُ وَأَعْجَبَهُ وَأَفْرَحَهُ (" أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) : وَكَانَ طَلْحَةُ قَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وِقَايَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ يَقُولُ: عُقِرْتُ يَوْمَئِذٍ فِي سَائِرِ جَسَدِي حَتَّى عُقِرْتُ فِي ذَكَرِي، وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ ﵃ إِذَا ذَكَرُوا يَوْمَ أُحُدٍ قَالُوا ذَاكَ يَوْمٌ كَانَ كُلُّهُ لِطَلْحَةَ. وَأَقُولُ: الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ إِيمَاءً إِلَى حُصُولِ الشَّهَادَةِ فِي مَآلِهِ الدَّالَّةِ عَلَى حُسْنِ خَاتِمَتِهِ وَكَمَالِهِ، وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ: قَالَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو حَفْصٍ السُّهْرَوَرْدِيُّ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ مُغْنِيًا بِهِ التَّعْبِيرُ بِالْحَالِ عَنِ الْمَآلِ، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي مَعْنَاهُ جَلِيٌّ مِنْ حَيْثُ فَحْوَاهُ، إِذِ الْمَوْتُ عِبَارَةٌ عَنِ الْغَيْبُوبَةِ عَنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ وَقَدْ كَانَ هَذَا حَالَهُ مِنَ الِانْجِذَابِ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَى عَالَمِ الْمَلَكُوتِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ إِحْكَامِ الْمُقَدِّمَاتِ مِنْ كَمَالِ التَّقْوَى وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْخُرُوجِ مِنَ الِارْتِهَانِ بِنَظَرِ الْخَلْقِ، وَامْتِطَاءِ صَهْوَةِ الْإِخْلَاصِ، وَكَمَالِ الشُّغْلِ بِاللَّهِ بِتَنَاوُبِ أَعْمَالِ الْقَلْبِ وَالْقَالَبِ وَصِدْقِ الْعَزِيمَةِ فِي الْعُزْلَةِ، وَاغْتِنَامِ الْوِحْدَةِ وَالْفِرَارِ عَنْ مُسَاكَنَةِ الْأُنْسِ بِالْجُلَسَاءِ وَالْإِخْوَانِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَوَافَقَهُ الْحَاكِمُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِلَفْظِ: مَنْ أَحَبَّ بَدَلَ مَنْ سَرَّهُ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ: «طَلْحَةُ شَهِيدٌ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ» ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَائِشَةَ: طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ. وَفِي الرِّيَاضِ، «عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: أَلَا أُبَشِّرُكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: " طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ. «وَعَنْ طَلْحَةَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ قَالُوا لِأَعْرَابِيٍّ جَاهِلٍ: سَلْهُ عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ مَنْ هُوَ، وَكَانُوا لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَى مُسَاءَلَتِهِ يُوَقِّرُونَهُ وَيَهَابُونَهُ، فَسَأَلَهُ الْأَعْرَابِيُّ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ إِنِّي اطَّلَعْتُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ وَعَلَيَّ ثِيَابٌ خُضْرٌ، فَلَمَّا رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: " أَيْنَ السَّائِلُ عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ؟ " قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ أَخْرَجَهُ» التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَفِي الرِّيَاضِ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَلَدَهُ، وَهُوَ السَّجَّادُ سُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ عِبَادَتِهِ، وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمَّوْهُ مُحَمَّدًا وَكَنَّوْهُ أَبَا الْقَاسِمِ، فَقِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ سَمَّاهُ مُحَمَّدًا وَكَنَّاهُ أَبَا سُلَيْمَانَ وَقَالَ: (لَا أَجْمَعُ بَيْنَ اسْمِي وَكُنْيَتِي) أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا مَرَّ بِهِ قَتِيلًا فَقَالَ: هَذَا السَّجَّادُ قَتَلَهُ بِرُّهُ بِأَبِيهِ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

стр. 8541

٦١٢٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «سَمِعَتْ أُذُنِي مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُ: " طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٦١٢٣ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنِي) : بِضَمِّ الذَّالِ وَيُسَكَّنُ (مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: مِنْ فَمِهِ، وَقَوْلُهُ أُذُنِي لِلْمُبَالَغَةِ عَلَى طَرِيقِ رَأَيْتُ بِعَيْنِي (يَقُولُ) : وَفِي رِوَايَةٍ وَهُوَ يَقُولُ ( «طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الْجَنَّةِ» ) وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَمَالِ قُرْبِهِمَا لَهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . وَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ.

стр. 8542

٦١٢٤ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ، يَعْنِي: يَوْمَ أُحُدٍ: " اللَّهُمَّ اشْدُدْ رَمْيَتَهُ وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". ــ ٦١٢٤ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ) : هَذَا تَفْسِيرُ مَنْ رَوَى بَعْدَ سَعْدٍ (" اللَّهُمَّ اشْدُدْ ") : بِضَمِّ الدَّالِ الْأُولَى أَيْ قَوِّ (" رَمْيَتَهُ ") بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ رَمْيَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ سَدِّدْ سَهْمَهُ (" وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ ". رَوَاهُ) ، أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) .

стр. 8543

٦١٢٥ - وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِسَعْدٍ إِذَا دَعَاكَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦١٢٥ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ سَعْدٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ) أَيِ الدُّعَاءَ (" لِسَعْدٍ ") ، أَيِ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ التِّرْمِذِيِّ (إِذَا دَعَاكَ) أَيْ كُلَّمَا دَعَاكَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْحَدِيثَ.

стр. 8544

٦١٢٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ «مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَاهُ وَأُمَّهُ إِلَّا لِسَعْدٍ، قَالَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ " ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي " وَقَالَ لَهُ: " ارْمِ أَيُّهَا الْغُلَامُ الْحَزَوَّرُ ".» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦١٢٦ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَاهُ وَأُمَّهُ) ، أَيْ: فِي التَّفْدِيَةِ وَفِي رِوَايَةٍ: أَبَوَيْهِ (لِأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدٍ) ، أَيْ: يَوْمَ أُحُدٍ أَوْ بِنَاءً عَلَى سَمَاعِهِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ (قَالَ لَهُ) ، أَيْ: لَا لِغَيْرِهِ (يَوْمَ أُحُدٍ: " ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ") : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَقَدْ يُكْسَرُ (وَقَالَ لَهُ) ، أَيْ: أَيْضًا (" ارْمِ أَيُّهَا الْغُلَامُ ") ، أَيِ: الشَّابُّ الْقَوِيُّ (" الْحَزَوَّرُ ") . بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَالْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِ الزَّايِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، وَلَدُ الْأَسَدِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ الَّذِي قَارَبَ الْبُلُوغَ وَالْجَمْعُ الْحَزَاوِرَةُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: هَذَا أَصْلُ مَعْنَاهُ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا الشَّابُّ؛ لِأَنَّ سَعْدًا جَاوَزَ الْبُلُوغَ يَوْمَئِذٍ اهـ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَارَبَ بُلُوغَ كَمَالِ الرُّجُولِيَّةِ فِي الشَّجَاعَةِ. فَفِي الْقَامُوسِ: الْحَزَوَّرُ كَعَمَلَّسٍ الْغُلَامُ الْقَوِيُّ وَالرَّجُلُ الْقَوِيُّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَفِي رِوَايَةٍ: غَيْرَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ: ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَلَفْظُهُ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُفَدِّي أَحَدًا بِأَبَوَيْهِ، الْحَدِيثَ. وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَلَفْظُهُ: «مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْدَى رَجُلًا غَيْرَ سَعْدٍ، فَإِنَّهُ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ " ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» أَخْرَجَهُ الْمُلَّا فِي سِيرَتِهِ، وَعَنْهُ قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي قَالَ: فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمٍ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ، فَأَصَبْتُ جَبِينَهُ فَسَقَطَ وَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ» . أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْهُ: جَمَعَ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: «نَثَلَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِنَانَتَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَالَ: " ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» . أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ. وَفِي الرِّيَاضِ: إِنَّ سَعْدًا كَانَ مِمَّنْ لَزِمَ بَيْتَهُ فِي الْفِتْنَةِ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ لَا يُخْبِرُوهُ مِنْ أَخْبَارِ النَّاسِ بِشَيْءٍ حَتَّى تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى الْإِمَامِ. «وَعَنْ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَهُ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمَكَّةَ مِنْ مَرَضٍ أَشْفَى فِيهِ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خِفْتُ أَنْ أَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا، فَقَالَ ﷺ : " اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا» ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْوَصِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، وَفِيهِ: «أَنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَأَنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ، وَأَنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكِ صَدَقَةٌ» . أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.

стр. 8545

٦١٢٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «أَقْبَلَ سَعْدٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " هَذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: كَانَ سَعْدٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَتْ أُمُّ النَّبِيِّ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " هَذَا خَالِي ". وَفِي " الْمَصَابِيحِ ": " فَلْيُكْرِمَنَّ " بَدَلَ " فَلْيُرِنِي ". ــ ٦١٢٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَقْبَلَ سَعْدٌ) ، أَيْ: إِلَى الْمَجْلِسِ الْأَسْعَدِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا خَالِي ") ، أَيْ: مِنْ قَوْمِ أُمِّي (فَلْيُرِنِي) : بِضَمِّ يَاءٍ وَكَسْرِ رَاءٍ أَيْ فَلْيُبَصِّرْنِي (" امْرُؤٌ ") ، أَيْ: كُلُّ امْرِئٍ بِمَعْنَى شَخْصٍ (" خَالَهُ ") . أَيْ لِيُظْهِرَ، أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ خَالٌ مِثْلُ خَالِي (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَقَالَ؟ غَرِيبٌ (وَقَالَ) ، أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (وَكَانَ سَعْدٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ) بِضَمِّ الزَّايِ حَيٌّ مِنْ قُرَيْشٍ (وَكَانَتْ أُمُّ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ زُهْرَةَ) وَزُهْرَةُ اسْمُ امْرَأَةِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ (فَلِذَلِكَ) ، أَيْ: لِمَا ذُكِرَ مِنَ الْكَوْنَيْنِ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا خَالِي، وَفِي الْمَصَابِيحِ " فَلْيُكْرِمَنَّ ") : أَمْرٌ غَائِبٌ مِنَ الْإِكْرَامِ مُؤَكَّدٌ (بَدَلَ " فَلْيُرِنِي ") : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ تَصْحِيفٌ. قُلْتُ: بَلْ هُوَ تَحْرِيفٌ، فَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِيهِ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ فِي الْكَلَامِ، فَإِنَّ الْإِشَارَةَ بِهَذَا لِمَزِيدِ التَّمْيِيزِ وَكَمَالِ التَّعْيِينِ، فَهُوَ كَالْإِكْرَامِ لَهُ أَيْ أَنَا أُكْرِمُ خَالِي هَذَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلْيَتَّبِعْ كُلٌّ سُنَّتِي، فَلْيُكْرِمَنَّ كُلُّ أَحَدٍ خَالَهُ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْكِتَابِ كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَالْجَامِعِ تَقْدِيرُهُ: أَنَا أُمَيِّزُ خَالِي كَمَالَ تَمْيِيزٍ وَتَعْيِينٍ لِأُبَاهِيَ بِهِ النَّاسَ، فَلْيُرِنِي كُلُّ امْرِئٍ خَالَهُ مِثْلَ خَالِي وَنَحْوُهُ فِي التَّمْيِيزِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ... إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ الْمَجَامِعُ
следующие страницы →