← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

٦١٢٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «سَمِعَتْ أُذُنِي مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُ: " طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٦١٢٣ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنِي) : بِضَمِّ الذَّالِ وَيُسَكَّنُ (مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: مِنْ فَمِهِ، وَقَوْلُهُ أُذُنِي لِلْمُبَالَغَةِ عَلَى طَرِيقِ رَأَيْتُ بِعَيْنِي (يَقُولُ) : وَفِي رِوَايَةٍ وَهُوَ يَقُولُ ( «طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الْجَنَّةِ» ) وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَمَالِ قُرْبِهِمَا لَهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . وَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ.

стр. 8542

٦١٢٤ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ، يَعْنِي: يَوْمَ أُحُدٍ: " اللَّهُمَّ اشْدُدْ رَمْيَتَهُ وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". ــ ٦١٢٤ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ) : هَذَا تَفْسِيرُ مَنْ رَوَى بَعْدَ سَعْدٍ (" اللَّهُمَّ اشْدُدْ ") : بِضَمِّ الدَّالِ الْأُولَى أَيْ قَوِّ (" رَمْيَتَهُ ") بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ رَمْيَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ سَدِّدْ سَهْمَهُ (" وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ ". رَوَاهُ) ، أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) .

стр. 8543

٦١٢٥ - وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِسَعْدٍ إِذَا دَعَاكَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦١٢٥ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ سَعْدٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ) أَيِ الدُّعَاءَ (" لِسَعْدٍ ") ، أَيِ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ التِّرْمِذِيِّ (إِذَا دَعَاكَ) أَيْ كُلَّمَا دَعَاكَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْحَدِيثَ.

стр. 8544

٦١٢٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ «مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَاهُ وَأُمَّهُ إِلَّا لِسَعْدٍ، قَالَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ " ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي " وَقَالَ لَهُ: " ارْمِ أَيُّهَا الْغُلَامُ الْحَزَوَّرُ ".» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦١٢٦ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَاهُ وَأُمَّهُ) ، أَيْ: فِي التَّفْدِيَةِ وَفِي رِوَايَةٍ: أَبَوَيْهِ (لِأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدٍ) ، أَيْ: يَوْمَ أُحُدٍ أَوْ بِنَاءً عَلَى سَمَاعِهِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ (قَالَ لَهُ) ، أَيْ: لَا لِغَيْرِهِ (يَوْمَ أُحُدٍ: " ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ") : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَقَدْ يُكْسَرُ (وَقَالَ لَهُ) ، أَيْ: أَيْضًا (" ارْمِ أَيُّهَا الْغُلَامُ ") ، أَيِ: الشَّابُّ الْقَوِيُّ (" الْحَزَوَّرُ ") . بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَالْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِ الزَّايِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، وَلَدُ الْأَسَدِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ الَّذِي قَارَبَ الْبُلُوغَ وَالْجَمْعُ الْحَزَاوِرَةُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: هَذَا أَصْلُ مَعْنَاهُ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا الشَّابُّ؛ لِأَنَّ سَعْدًا جَاوَزَ الْبُلُوغَ يَوْمَئِذٍ اهـ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَارَبَ بُلُوغَ كَمَالِ الرُّجُولِيَّةِ فِي الشَّجَاعَةِ. فَفِي الْقَامُوسِ: الْحَزَوَّرُ كَعَمَلَّسٍ الْغُلَامُ الْقَوِيُّ وَالرَّجُلُ الْقَوِيُّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَفِي رِوَايَةٍ: غَيْرَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ: ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَلَفْظُهُ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُفَدِّي أَحَدًا بِأَبَوَيْهِ، الْحَدِيثَ. وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَلَفْظُهُ: «مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْدَى رَجُلًا غَيْرَ سَعْدٍ، فَإِنَّهُ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ " ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» أَخْرَجَهُ الْمُلَّا فِي سِيرَتِهِ، وَعَنْهُ قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي قَالَ: فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمٍ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ، فَأَصَبْتُ جَبِينَهُ فَسَقَطَ وَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ» . أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْهُ: جَمَعَ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: «نَثَلَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِنَانَتَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَالَ: " ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» . أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ. وَفِي الرِّيَاضِ: إِنَّ سَعْدًا كَانَ مِمَّنْ لَزِمَ بَيْتَهُ فِي الْفِتْنَةِ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ لَا يُخْبِرُوهُ مِنْ أَخْبَارِ النَّاسِ بِشَيْءٍ حَتَّى تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى الْإِمَامِ. «وَعَنْ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَهُ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمَكَّةَ مِنْ مَرَضٍ أَشْفَى فِيهِ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خِفْتُ أَنْ أَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا، فَقَالَ ﷺ : " اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا» ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْوَصِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، وَفِيهِ: «أَنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَأَنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ، وَأَنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكِ صَدَقَةٌ» . أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.

стр. 8545

٦١٢٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «أَقْبَلَ سَعْدٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " هَذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: كَانَ سَعْدٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَتْ أُمُّ النَّبِيِّ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " هَذَا خَالِي ". وَفِي " الْمَصَابِيحِ ": " فَلْيُكْرِمَنَّ " بَدَلَ " فَلْيُرِنِي ". ــ ٦١٢٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَقْبَلَ سَعْدٌ) ، أَيْ: إِلَى الْمَجْلِسِ الْأَسْعَدِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا خَالِي ") ، أَيْ: مِنْ قَوْمِ أُمِّي (فَلْيُرِنِي) : بِضَمِّ يَاءٍ وَكَسْرِ رَاءٍ أَيْ فَلْيُبَصِّرْنِي (" امْرُؤٌ ") ، أَيْ: كُلُّ امْرِئٍ بِمَعْنَى شَخْصٍ (" خَالَهُ ") . أَيْ لِيُظْهِرَ، أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ خَالٌ مِثْلُ خَالِي (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَقَالَ؟ غَرِيبٌ (وَقَالَ) ، أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (وَكَانَ سَعْدٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ) بِضَمِّ الزَّايِ حَيٌّ مِنْ قُرَيْشٍ (وَكَانَتْ أُمُّ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ زُهْرَةَ) وَزُهْرَةُ اسْمُ امْرَأَةِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ (فَلِذَلِكَ) ، أَيْ: لِمَا ذُكِرَ مِنَ الْكَوْنَيْنِ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا خَالِي، وَفِي الْمَصَابِيحِ " فَلْيُكْرِمَنَّ ") : أَمْرٌ غَائِبٌ مِنَ الْإِكْرَامِ مُؤَكَّدٌ (بَدَلَ " فَلْيُرِنِي ") : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ تَصْحِيفٌ. قُلْتُ: بَلْ هُوَ تَحْرِيفٌ، فَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِيهِ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ فِي الْكَلَامِ، فَإِنَّ الْإِشَارَةَ بِهَذَا لِمَزِيدِ التَّمْيِيزِ وَكَمَالِ التَّعْيِينِ، فَهُوَ كَالْإِكْرَامِ لَهُ أَيْ أَنَا أُكْرِمُ خَالِي هَذَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلْيَتَّبِعْ كُلٌّ سُنَّتِي، فَلْيُكْرِمَنَّ كُلُّ أَحَدٍ خَالَهُ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْكِتَابِ كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَالْجَامِعِ تَقْدِيرُهُ: أَنَا أُمَيِّزُ خَالِي كَمَالَ تَمْيِيزٍ وَتَعْيِينٍ لِأُبَاهِيَ بِهِ النَّاسَ، فَلْيُرِنِي كُلُّ امْرِئٍ خَالَهُ مِثْلَ خَالِي وَنَحْوُهُ فِي التَّمْيِيزِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ... إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ الْمَجَامِعُ

стр. 8546

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦١٢٨ - عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: «سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ يَقُولُ: إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا الْحُبْلَةَ وَوَرَقَ السَّمُرِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ خِلْطٌ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الْإِسْلَامِ، لَقَدْ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي، وَكَانُوا وَشَوْا بِهِ إِلَى عُمَرَ، وَقَالُوا: لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦١٢٨ - (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، سَبَقَ مَعْنَاهُ مَعَ تَحْقِيقِ مَبْنَاهُ وَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ (وَرَأَيْتُنَا) ، أَيْ: جَمْعًا مِنَ الصَّحَابَةِ (نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا الْحُبْلَةَ) : بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ثَمَرُ السَّمُرِ يُشْبِهُ اللُّوبِيَا - قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ - وَقِيلَ ثَمَرُ الْعِضَاهِ (وَوَرَقُ السَّمُرِ) ، بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ، شَجَرٌ مَعْرُوفٌ وَاحِدَتُهَا سَمُرَةٌ، وَبِهَا سُمُّوا كَذَا فِي الْقَامُوسِ. (وَإِنْ) : مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ (كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ) : وَاللَّامُ لَامُ الْفَارِقَةِ، وَالْمَعْنَى يَخْرُجُ مِنْهُ (كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ) ، أَيْ: مِنَ الْبَعْرِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ نَجْوَاهُمْ يَخْرُجُ بَعْرًا لِيُبْسِهِ وَعَدَمِ الْغِذَاءِ الْمَأْلُوفِ (مَا لَهُ خِلْطٌ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: لَا يَخْتَلِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لِجَفَافِهِ وَيُبْسِهِ (ثُمَّ أَصْبَحَتْ) ، أَيْ: صَارَتْ (بَنُو أَسَدٍ) ، أَيْ: قَبِيلَتُهُمْ (تُعَزِّرُنِي) : بِتَشْدِيدِ الزَّايِ أَيْ تُوَبِّخُنِي (عَلَى الْإِسْلَامِ) أَيْ عَلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا عِمَادُ الْإِسْلَامِ، أَوْ عَلَى عُمْدَةِ شَرَائِعِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَدِّبُونِي وَيُعَلِّمُونِي الصَّلَاةَ وَيُعَيِّرُونِي بِأَنِّي لَا أُحْسِنُهَا (لَقَدْ خِبْتُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ خَسِرْتُ (إِذًا) : بِالتَّنْوِينِ أَيْ إِذَا لَمْ أُحْسِنِ الصَّلَاةَ، وَأَفْتَقِرُ إِلَى تَعْلِيمِ بَنِي أَسَدٍ إِيَّايَ (وَضَلَّ عَمَلِي) أَيْ جَمِيعُ طَاعَاتِي وَمُجَاهَدَاتِي وَمُسَابَقَتِي فِي الْإِسْلَامِ وَصِدْقُ قَدَمِي فِي الدِّينِ (وَكَانُوا) ، أَيْ: بَنُو أَسَدٍ حِينَ وَلَّاهُ عُمَرُ الْعِرَاقَ (وَشَوْا) : بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ نَمَوْا وَسَعَوْا (بِهِ) ، أَيْ: بِعَيْبِهِ عَلَى زَعْمِهِمْ (إِلَى عُمَرَ ﵁) أَيْ بِالرِّسَالَةِ أَوِ الْكِتَابَةِ (وَقَالُوا: لَا يُحْسِنُ) ، أَيْ: سَعْدٌ (الصَّلَاةَ) ، أَيْ: أَرْكَانَهَا أَوْ شَرَائِطَهَا أَوْ سُنَنَهَا وَمُرَاعَاةَ أَحْوَالِهَا، هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ التَّعْزِيرُ الْإِعَانَةُ وَالتَّوْقِيرُ وَالنُّصْرَةُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قُلْتُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] قَالَ: وَأَصْلُ التَّعْزِيرِ الْمَنْعُ وَالرَّدُّ وَكَانَ مِنْ نُصْرَتِهِ قَدْ رَدَدْتُ عَنْهُ أَعْدَاءَهُ وَمَنَعْتُهُمْ مِنْ أَذَاهُ، وَلِهَذَا قِيلَ لِلتَّأْدِيبِ، الَّذِي هُوَ دُونَ الْحَدِّ تَعْزِيرٌ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْجَانِيَ أَنْ يُعَاوِدَ الذَّنْبَ، فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ سَعْدٍ: أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الْإِسْلَامِ أَيْ تُوقِفُنِي عَلَيْهِ وَقِيلَ تُوَبِّخُنِي عَلَى التَّقْصِيرِ فِيهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: عَبَّرَ عَنِ الصَّلَاةِ بِالْإِسْلَامِ كَمَا عُبِّرَ عَنْهَا بِالْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] إِيذَانًا بِأَنَّهَا عِمَادُ الدِّينِ وَرَأْسُ الْإِسْلَامِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ إِلَى عُمَرَ فَقَالُوا: لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ. قَالَ سَعْدٌ: أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمُدُّ فِي الْأُولَيَيْنِ وَأُخَفِّفُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، فَقَالَ عُمَرُ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ أَبَا إِسْحَاقَ، قَالَ: فَبَعَثَ رِجَالًا يَسْأَلُونَ عَنْهُ فِي مَسَاجِدِ الْكُوفَةِ، قَالَ: فَلَا يَأْتُونَ مَسْجِدًا مِنْ مَسَاجِدِ الْكُوفَةِ إِلَّا أَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا وَقَالُوا مَعْرُوفًا، حَتَّى أَتَوْا مَسْجِدًا مِنْ مَسَاجِدِ بَنِي عَبْسٍ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو سَعْدَةَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ. قَالَ، فَقَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَطِلْ عُمْرَهُ وَأَطِلْ فَقْرَهُ وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ إِذَا سُئِلَ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ. قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطَّرِيقِ فَيَغْمِزُهُنَّ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الْأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَلَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ، ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ، أَوْ ظَنِّي بِكَ أَبَا إِسْحَاقَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْبَرْقَانِيُّ عَلَى شَرْطِهِ بِنَحْوِهِمَا. وَقَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ الرَّاوِي عَنْ جَابِرٍ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ يَتَعَرَّضُ لِلْإِمَاءِ فِي السِّكَكِ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَنْتَ يَا أَبَا سَعْدَةَ؟ قَالَ: كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ، وَعِنْدَهُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَعْمِ بَصَرَهُ، وَأَطِلْ عُمْرَهُ ثُمَّ ذَكَرَ مَا بَعْدَهُ.

стр. 8547

٦١٢٩ - وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُنِي وَأَنَا ثَالِثُ الْإِسْلَامِ، وَمَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلَّا فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ، وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لَثَالِثُ الْإِسْلَامِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦١٢٩ - (وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: رَأَيْتُنِي وَأَنَا ثَالِثُ الْإِسْلَامِ) وَالْآخَرَانِ أَبُو بَكْرٍ وَخَدِيجَةُ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِيمَانَ عَلِيٍّ مُتَأَخِّرٌ وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْبُلَغَاءِ أَوْ فِي الْأَجَانِبِ (وَمَا أَسْلَمَ أَحَدٌ) ، أَيْ: مِمَّنْ أَسْلَمَ قَبْلِي (إِلَّا فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ، وَلَقَدْ مَكَثْتُ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا أَيْ لَبِثْتُ (سَبْعَةَ أَيَّامٍ) ، أَيْ: عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ أَسْلَمِ، وَالْمَعْنَى مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: (وَإِنِّي لَثُلُثُ الْإِسْلَامِ) . بِضَمِّ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَعْنَى ثُلُثِ الْإِسْلَامِ يَعْنِي أَنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ حِينَ أَسْلَمَ. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرِ عَمَّارٍ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا مَعَهُ إِلَّا خَمْسَةُ أَعْبُدٍ وَامْرَأَتَانِ وَأَبُو بَكْرٍ» ، بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ سَعْدٍ عَلَى الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ لِيَخْرُجَ الْأَعْبُدُ الْمَذْكُورُونَ وَعَلَيٌّ، أَوْ لَمْ يَكُنِ اطَّلَعَ عَلَى أُولَئِكَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَأَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِهِ، وَقَالَ: مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ قَبْلِي وَقَالَ سِتَّةَ أَيَّامٍ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا ثُلُثُ الْإِسْلَامِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْفَضَائِلِيِّ: إِنَّ الِاثْنَيْنِ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ.

стр. 8548

٦١٣٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ لِنِسَائِهِ: " إِنَّ أَمْرَكُنَّ مِمَّا يَهُمُّنِي مِنْ بَعْدِي، وَلَنْ يَصْبِرَ عَلَيْكُنَّ إِلَّا الصَّابِرُونَ الصِّدِّيقُونَ " قَالَتْ عَائِشَةُ: يَعْنِي الْمُتَصَدِّقِينَ، ثُمَّ قَالَتْ لِأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَقَى اللَّهُ أَبَاكَ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ، وَكَانَ ابْنُ عَوْفٍ تَصَدَّقَ عَلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِحَدِيقَةٍ بِيعَتْ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦١٣٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ) : وَفِي الرِّيَاضِ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ لِنِسَائِهِ: " إِنَّ أَمْرَكُنَّ ") ، أَيْ: شَأْنَكُنَّ (" مِمَّا يَهُمُّنِي ") . بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ مِمَّا يُوقِعُنِي فِي الْهَمِّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا يَهُمُّنِي (" مِنْ بَعْدِي ") ، أَيْ: مِنْ بَعْدِ وَفَاتِي حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْ لَهُنَّ مِيرَاثًا وَهُنَّ قَدْ آثَرْنَ الْحَيَاةَ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا حِينَ خُيِّرْنَ (وَلَنْ يَصْبِرَ عَلَيْكُنَّ) ، أَيْ: عَلَى بَلَاءِ مُؤْنَتِكُنَّ (إِلَّا الصَّابِرُونَ) ، أَيْ: عَلَى مُخَالَفَةِ النَّفْسِ مِنِ اخْتِيَارِ الْقِلَّةِ وَإِعْطَاءِ الزِّيَادَةِ (" وَالصِّدِّيقُونَ ") ، أَيْ: كَثِيرُوُ الصِّدْقِ فِي الْبَذْلِ وَالسَّخَاوَةِ (قَالَتْ عَائِشَةُ يَعْنِي) ، أَيْ: يُرِيدُ بِهِمُ (الْمُتَصَدِّقِينَ، ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ لِأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ، أَيِ: ابْنِ عَوْفٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَبُو سَلَمَةَ رَوَى عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ الْقُرَشِيِّ، أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الْمَشْهُورِينَ بِالْفِقْهِ فِي الْمَدِينَةِ فِي قَوْلٍ، وَمِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَأَعْلَامِهِمْ، وَيُقَالُ: إِنَّ اسْمَهُ كُنْيَتُهُ، وَهُوَ كَثِيرُ الْحَدِيثِ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَابْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُمْ، رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُمْ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَلَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِأَصْلِ الْحَدِيثِ (سَقَى اللَّهُ أَبَاكَ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ) . وَهِيَ عَيْنٌ فِي الْجَنَّةِ سُمِّيَتْ لِسَلَاسَةِ انْحِدَارِهَا فِي الْحَلْقِ، وَسُهُولَةِ مَسَاغِهَا الْبَاطِنِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا - عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٧ - ١٨] يُقَالُ: شَرَابٌ سَلْسَلٌ وَسَلْسَالٌ وَسَلْسَبِيلٌ، وَقَدْ زِيدَتِ الْبَاءُ فِي التَّرْكِيبِ حَتَّى صَارَتِ الْكَلِمَةُ خُمَاسِيَّةً، وَدَلَّتْ عَلَى غَايَةِ السَّلَاسَةِ، وَقِيلَ الْمَعْنَى سَلَّ سَبِيلًا إِلَيْهَا، (وَكَانَ ابْنُ عَوْفٍ) : مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي حَالٌ مِنْ عَائِشَةَ وَالْعَامِلُ قَالَتْ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ بَيَانًا لِتَصْدِيقِهِ وَتِبْيَانًا لِقَوْلِهَا يَعْنِي الْمُتَصَدِّقِينَ (قَدْ تَصَدَّقَ عَلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِحَدِيقَةٍ بِيعَتْ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا) ، أَيْ: مِنْ دِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَفِي رِوَايَةٍ: وَقَدْ رَصَدَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَالٍ بِيعَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَوْصَى بِحَدِيقَةٍ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِيعَتْ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: تَصَدَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَطْرِ مَالِهِ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى خَمْسِمِائَةِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ رَاحِلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَانَ عَامَّةُ مَالِهِ مِنَ التِّجَارَةِ، أَخْرَجَهُ فِي الصَّفْوَةِ. وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: أَوْصَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أَخْرَجَهُ الْفَضَائِلِيُّ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَرِضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فَصَحَّ فَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ بِيَدِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ لَهُ عَلَيَّ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ، فَقَامَ عُثْمَانُ وَذَهَبَ مَعَ النَّاسِ فَقِيلَ لَهُ:

стр. 8549

يَا أَبَا عَمْرٍو لَسْتَ غَنِيًّا؟ ! قَالَ: هَذِهِ وَصْلَةٌ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِنْ مَالٍ حَلَالٍ، فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِائَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ، وَكَتَبَ جَرِيدَةً بِتَفْرِيقِ جَمِيعِ الْمَالِ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ حَتَّى كَتَبَ أَنَّ قَمِيصَهُ الَّذِي عَلَى بَدَنِهِ لِفُلَانٍ وَعِمَامَتَهُ لِفُلَانٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ إِلَّا كَتَبَهُ لِلْفُقَرَاءِ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَبَطَ جِبْرِيلُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَقْرِئْ مِنِّي عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَامَ وَاقْبَلْ مِنْهُ الْجَرِيدَةَ ثُمَّ رُدَّهَا عَلَيْهِ وَقُلْ لَهُ قَدْ قَبِلَ اللَّهُ صَدَقَتَكَ وَهُوَ وَكِيلُ اللَّهِ وَوَكِيلُ رَسُولِهِ، فَلْيَصْنَعْ فِي مَالِهِ مَا شَاءَ وَلِيَتَصَرَّفَ فِيهِ كَمَا كَانَ يَتَصَرَّفُ قَبْلَ يَوْمٍ، وَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» . أَخْرَجَهُ الْمُلَّا فِي سِيرَتِهِ. وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَعْتَقَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا أَخْرَجَهُ صَاحِبُ الصَّفْوَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ تُوُفِّيَ وَكَانَ فِيمَا خَلَّفَهُ ذَهَبٌ قُطِّعَ بِالْفُئُوسِ حَتَّى مَجَلَتْ أَيْدِيِ الرِّجَالِ مِنْهُ، وَتَرَكَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ، فَأَصَابَ كُلَّ امْرَأَةٍ ثَمَانُونَ أَلْفًا أَخْرَجَهُ فِي الصَّفْوَةِ. وَعَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: صَالَحْنَا امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ مِنْ ثُلُثِ الثُّمُنِ بِثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ رُبْعِ الثُّمُنِ أَخْرَجَهُ أَبُو عَمْرٍو. قَالَ الطَّائِيُّ: قُسِّمَ مِيرَاثُهُ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا، مَبْلَغُ نَصِيبِ كَلِّ امْرَأَةٍ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ.

стр. 8550

٦١٣١ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأَزْوَاجِهِ: " إِنَّ الَّذِي يَحْثُو عَلَيْكُنَّ بَعْدِي هُوَ الصَّادِقُ الْبَارُّ، اللَّهُمَّ اسْقِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٦١٣١ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) : وَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأَزْوَاجِهِ " إِنَّ الَّذِي يَحْثُو) ، أَيْ: يَجُودُ وَيَنْثُرُ (" عَلَيْكُنَّ ") ، أَيْ: مَا تُنْفِقْنَ (" بَعْدِي ") ، أَيْ: بَعْدَ مَوْتِي (" هُوَ الصَّادِقُ) ، أَيِ: الصَّادِقُ الْإِيمَانِ (" الْبَارُّ ") بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ صَاحِبُ الْإِحْسَانِ (" اللَّهُمَّ اسْقِ) : بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَقَطْعِهَا (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ) . وَهَذَا دُعَاءٌ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ مَا صَدَرَ مِنَ الْحَثْيِ كَأَنَّهُ صَنَعَ الصَّنِيعَةَ فَشَكَرَهُ وَدَعَا لَهُ، وَمِنْ هُنَا دَعَتِ الصِّدِّيقَةُ لَهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ حِينَ تَصَدَّقَ عَلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحَدِيقَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَا ذَكَرَ الطِّيبِيُّ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ هُنَا أَيْضًا مِنْ كَلَامِهَا ﵂.

стр. 8551

٦١٣٢ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا، فَقَالَ: " لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ " فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ، قَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ ابْنَ الْجَرَّاحِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦١٣٢ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ) ، أَيِ: ابْنِ الْيَمَانِ صَاحِبِ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ (قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ) : بِفَتْحِ نُونٍ فَسُكُونِ جِيمٍ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ، فُتِحَ سَنَةَ عَشْرٍ سُمِّي بِنَجْرَانَ بْنِ زَيْدَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَمَوْضِعٌ بِحَوْرَانَ قُرْبَ دِمَشْقَ، وَمَوْضِعُهُ بَيْنَ الْكُوفَةِ. وَوَاسِطَةُ الْكُلُّ مِنَ الْقَامُوسِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَوَّلُ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ. (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ) ، أَيْ: أَرْسِلْ (إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا) ، أَيْ: لِيَكُونَ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا أَوْ مُعَلِّمًا لَنَا (فَقَالَ: " لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ ") . بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نَحْوُ قَوْلِهِمْ: قَدِمْتُ خَيْرَ مَقْدَمٍ أَيْ: أَمِينًا صَادِقَ الْأَمْنِ وَثَابِتَهُ وَمُسْتَحِقًّا أَنْ يُقَالَ لَهُ الْأَمِينُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ تَوْكِيدٌ، وَلِذَا أَضَافَهُ نَحْوُ: إِنَّ زَيْدًا لَعَالِمٌ حَقُّ عَالِمٍ وَجِدُّ عَالِمٍ أَيْ عَالِمٌ حَقًّا وَجِدًّا، يَعْنِي عَالِمٌ يُبَالِغُ فِي الْعِلْمِ جِدًّا وَلَا يَتْرُكُ مِنَ الْجِدِّ الْمُسْتَطَاعِ مِنْهُ شَيْئًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] أَيْ جِهَادٌ فِيهِ حَقًّا خَالِصًا لِوَجْهِهِ، فَعُكِسَ وَأُضِيفَ الْحَقُّ إِلَى الْجِهَادِ مُبَالَغَةً. (فَاسْتَشْرَفَ) ، أَيْ: طَمِعَ (لَهَا) ، أَيْ: لِلْإِمَارَةِ وَتَوَقَّعَهَا (النَّاسُ) أَيْ حِرْصًا بِهِمْ عَلَى تَحْصِيلِ صِفَةِ الْأَمَانَةِ لَا عَلَى الْوِلَايَةِ مَنْ حَيْثُ هِيَ (قَالَ) ، أَيْ: حُذَيْفَةُ (فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاجِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8552

٦١٣٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ نُؤَمِّرُ بَعْدَكَ؟ قَالَ: إِنْ تُؤَمِّرُوا أَبَا بَكْرٍ تَجِدُوهُ أَمِينًا زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ تُؤَمِّرُوا عُمَرَ تَجِدُوهُ قَوِيًّا أَمِينًا لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَإِنْ تُؤَمِّرُوا عَلِيًّا - وَلَا أَرَاكُمْ فَاعِلِينَ - تَجِدُوهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا يَأْخُذُ بِكُمُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٦١٣٣ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَنْ نُؤَمِّرُ) : بِضَمِّ نُونٍ وَفَتَحِ هَمْزَةٍ وَكَسْرِ مِيمٍ مُشَدَّدَةٍ فَرَاءٍ أَيْ مَنْ نَجْعَلُهُ أَمِيرًا عَلَيْنَا (بَعْدَكَ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِكَ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ بَدَلَ النُّونِ أَيْ مَنْ تَجْعَلُهُ أَمِيرًا عَلَيْنَا بَعْدَكَ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: (قَالَ: " إِنْ تُؤَمِّرُوا أَبَا بَكْرٍ تَجِدُوهُ أَمِينًا ") ، أَيْ: دِينًا لَا يَحْكُمُ إِلَّا بِالْأَمَانَةِ وَعَلَى وَجْهِ الْعَدَالَةِ (" زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الْآخِرَةِ ") ، فِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِيَتِمَّ الْإِخْلَاصُ.

стр. 8553

الْمُوجِبُ لِلْخَلَاصِ، وَفِي رِوَايَةٍ تَجِدُوهُ مُسْلِمًا أَمِينًا. وَفِي رِوَايَةٍ: تَجِدُوهُ قَوِيًّا فِي أَمْرِ اللَّهِ ضَعِيفًا فِي نَفْسِهِ، (" وَإِنْ تُؤَمِّرُوا عُمَرَ تَجِدُوهُ قَوِيًّا ") ، أَيْ: قَادِرًا عَلَى حَمْلِ ثِقَلِ أَعْبَاءِ الْإِمَارَةِ (" أَمِينًا ") ، أَيْ: لَا تَجِيءُ مِنْهُ الْخِيَانَةُ (" لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ") ، أَيْ لَا يُرَاعِي أَحَدًا فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ صُلْبٌ فِي الدِّينِ إِذَا شَرَعَ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِهِ لَا يَخَافُ إِنْكَارَ مُنْكِرٍ، وَمَضَى فِيهِ كَالْمِسْمَارِ الْمُحْمَى لَا يَزَعُهُ قَوْلُ قَائِلٍ، وَلَا اعْتِرَاضُ مُعْتَرِضٍ، وَلَا لَوْمَةُ لَائِمٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ جِدُّهُ، وَاللَّوْمَةُ الْمَرَّةُ مِنَ اللَّوْمِ، وَفِيهَا وَفِي التَّنْكِيرِ مُبَالَغَتَانِ كَأَنَّهُ قِيلَ: لَا يَخَافُ شَيْئًا قَطُّ مِنْ قَوْمٍ مِنْ لَوْمِ أَحَدٍ مِنَ اللُّوَّامِ، وَفِي رِوَايَةٍ تَجِدُوهُ قَوِيًّا فِي أَمْرِ اللَّهِ قَوِيًّا فِي نَفْسِهِ. (" وَإِنْ تُؤَمِّرُوا عَلِيًّا وَلَا أُرَاكُمْ ") : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ وَالْحَالُ أَنِّي لَا أَظُنُّكُمْ (" فَاعِلِينَ ") ، أَيِ: التَّأْمِيرَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ حَالَ خِلَافَتِهِ (" تَجِدُوهُ هَادِيًا ") ، أَيْ: مُرْشِدًا مُكَمِّلًا (" مَهْدِيًّا ") ، بِفَتْحِ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ أَيْ مُهْتَدِيًا كَامِلًا (" لَأَخَذَ بِكُمُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ ") . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَعْنِي: الْأَمْرُ مُفَوَّضٌ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الْأُمَّةُ لِأَنَّكُمْ أُمَنَاءُ مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ فِي الِاجْتِهَادِ، وَلَا تَجْتَمِعُونَ إِلَّا عَلَى الْحَقِّ الصِّرْفِ، وَهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ كَالْحَلْقَةِ الْمُفَرَّغَةِ لَا يَدْرِي أَيُّهُمْ أَفْضَلُ فِيمَا يُدْلَى إِلَيْهِ مِمَّا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْإِمَارَةَ. قِيلَ: وَفِي تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ إِيمَاءٌ إِلَى تَقَدُّمِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانَ صَرِيحًا لَكِنَّ فِي قَوْلِهِ: (وَلَا أُرَاكُمْ) إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى عَلَيٍّ ثُمَّ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ قَوْلُهُ: وَلَا أُرَاكُمْ فَاعِلِينَ مُتَعَلِّقٌ بِإِمَارَةِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى لَا أُرَاكُمْ فَاعِلِينَ تَأْمِيرَ عَلِيٍّ مُقَدَّمًا عَلَى كُلِّهِمْ لِمَا عُلِمَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ أَنَّ عُمْرَ عَلِيٍّ أَطْوَلُ مِنْ أَعْمَارِهِمْ، فَلَوْ قُدِّمَ لَفَاتَهُمُ الْخِلَافَةَ مَعَ أَنَّهُ كَتَبَ لَهُمُ الْخِلَافَةَ أَيْضًا، فَيَتَعَيَّنُ أَنَّكُمْ غَيْرُ فَاعِلِينَ، فَالظَّنُّ بِمَعْنَى الْيَقِينِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ الْمُوَفِّقُ وَالْمُعِينُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَخْلِفُ؟ قَالَ: " لَا، إِنِّي إِنِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ فَعَصَيْتُمْ خَلِيفَتِي نَزَلَ الْعَذَابُ ". قَالُوا: أَلَا نَسْتَخْلِفُ أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: " إِنْ تَسْتَخْلِفُوهُ تَجِدُوهُ قَوِيًّا فِي أَمْرِ اللَّهِ ضَعِيفًا فِي نَفْسِهِ " قَالُوا: أَلَا نَسْتَخْلِفُ عُمَرَ؟ قَالَ: " إِنْ تَسْتَخْلِفُوهُ تَجِدُوهُ قَوِيًّا فِي أَمْرِ اللَّهِ قَوِيًّا فِي بَدَنِهِ ". قَالُوا: أَلَا تَسْتَخْلِفُ عَلِيًّا؟ قَالَ: " إِنْ تَسْتَخْلِفُوهُ تَجِدُوهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا يَسْلُكُ بِكُمُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ» خَرَّجَهُ ابْنُ السَّمَّانِ.

стр. 8554

٦١٣٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ، وَحَمَلَنِي إِلَى دَارِ الْهِجْرَةِ، وَصَحِبَنِي فِي الْغَارِ، وَأَعْتَقَ بِلَالًا مِنْ مَالِهِ، رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ يَقُولُ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، تَرَكَهُ الْحَقُّ وَمَا لَهُ مِنْ صَدِيقٍ. رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ تَسْتَحْيِيهِ الْمَلَائِكَةُ، رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا، اللَّهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٦١٣٤ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ ") ، فِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ لِلْأَحْيَاءِ (" زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ ") بِهَمْزَةِ وَصْلٍ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ، وَهَذَا تَوَاضُعٌ مِنْهُ ﷺ وَإِلَّا فَلَهُ صَنِيعٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ تَزَوُّجِهَا (" وَحَمَلَنِي إِلَى دَارِ الْهِجْرَةِ ") ، أَيْ: عَلَى بَعِيرِهِ وَلَوْ عَلَى قَبُولِ ثَمَنِهِ (" وَصَحِبَنِي فِي الْغَارِ ") ، أَيْ حِينِ هَجَرَنِي الْأَغْيَارُ (" وَأَعْتَقَ بِلَالًا مِنْ مَالِي ") أَيْ وَجَعَلَهُ خَادِمًا لِي فِي مَآلِهِ (" رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ يَقُولُ الْحَقَّ ") ، أَيِ: الصِّرْفَ أَوِ الْقَوْلَ الْحَقَّ (" وَإِنْ كَانَ ") ، أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْحَقُّ الصِّرْفُ أَوِ الْقَوْلُ الْحَقُّ (" مُرًّا ") أَيْ صَعْبًا عَلَى الْخَلْقِ (" تَرَكَهُ الْحَقُّ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (" وَمَا لَهُ مِنْ صَدِيقٍ ") : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ صَيَّرَهُ قَوْلُ الْحَقِّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَوْ خَلَّاهُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ، وَهِيَ أَنَّهُ لَا صَدِيقَ لَهُ اكْتِفَاءً بِرِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْمَعْنَى مِنْ صَدِيقٍ تَكُونُ صَدَاقَتُهُ لِلْمُرَاعَاةِ وَالْمُدَارَاةِ لَا مُطْلَقًا، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ الصِّدِّيقَ كَانَ صَدِيقًا لَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: تَرَكَهُ إِلَخْ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِقَوْلِهِ يَقُولُ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، لِأَنَّ تَمْثِيلَ الْحَقِّ بِالْمَرَارَةِ يُؤْذِنُ بِاسْتِبْشَاعِ النَّاسِ مِنْ سَمَاعِ الْحَقِّ اسْتِبْشَاعَ مَنْ يَذُوقُ الْعَلْقَمَ، فَيَقِلُّ لِذَلِكَ صَدِيقُهُ. وَقَوْلُهُ: (وَمَا لَهُ مِنْ صَدِيقٍ) حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ إِذَا جُعِلَ (تَرَكَ) بِمَعْنَى خَلَّى، وَإِذَا ضُمِّنَ مَعْنَى صَيَّرَ كَانَ هَذَا مَفْعُولًا ثَانِيًا، وَالْوَاوُ فِيهِ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي كَمَا فِي بَعْضِ الْأَشْعَارِ. (رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا اللَّهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ ") : أَمْرٌ مِنَ الْإِدَارَةِ أَيِ اجْعَلِ الْحَقَّ دَائِرًا وَسَائِرًا (مَعَهُ حَيْثُ دَارَ) ، أَيْ: عَلِيٌّ أَوِ الْحَقُّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 8555

[بَابُ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ﵃]

стр. 8556

بَابُ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ﵃ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦١٣٥ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: " اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ بَابُ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ زِيَادَةُ: وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦١٣٥ - (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) ، أَيِ: الْمُسَمَّاةُ بِآيَةِ الْمُبَاهَلَةِ ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] : أَوَّلُهَا: نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ (دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا) : فَنَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ نَفْسِهِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْقَرَابَةِ وَالْأُخُوَّةِ (وَفَاطِمَةَ) ، أَيْ: لِأَنَّهَا أَخَصُّ النِّسَاءِ مِنْ أَقَارِبِهِ (وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا) : فَنَزَّلَهُمَا مَنْزِلَةَ ابْنَيْهِ ﷺ (فَقَالَ: " «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي» ") . أَيْ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8557

٦١٣٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلَيٌّ فَأَدْخَلَهُ ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الفاتحة: ٣٣ - ٣١٣٤٥] » رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦١٣٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً) ، أَيْ: صَبَاحًا وَفِي رِوَايَةٍ: ذَاتَ غَدَاةٍ (وَعَلَيْهِ مِرْطٌ) : بِكَسْرِ مِيمٍ وَسُكُونِ رَاءٍ، كِسَاءٌ يَكُونُ مِنْ خَزٍّ وَصُوفٍ فِيهِ عَلَمٌ (مُرَحَّلٌ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ، ضَرْبٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ تَصَاوِيرِ الرَّحْلِ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَرُوِيَ بِجِيمٍ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ صُورَةُ الْمَرَاجِلِ بِمَعْنَى الْقُدُورِ (مِنْ شَعْرٍ) : بِفَتْحِ عَيْنٍ وَيُسَكَّنُ (أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ) ، أَيْ تَحْتَ الْمِرْطِ بِالْأَمْرِ أَوِ الْفِعْلِ، وَفِي رِوَايَةٍ فَأَدْخَلَهُ فِيهِ (ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ) ، أَيْ بِإِدْخَالٍ أَوْ بِغَيْرِهِ لِصِغَرِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ فَأَدْخَلَهُ فِيهِ (ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا) أَيْ فِيهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (ثُمَّ جَاءَ عَلَيٌّ فَأَدْخَلَهُ) ، أَيْ: فِيهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (ثُمَّ قَالَ) ، أَيْ: قَرَأَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الفاتحة: ٣٣ - ٣١٣٢٣] أَيِ الْإِثْمَ وَكُلَّ مَا يُسْتَقْذَرُ مُرُوءَةً (أَهْلَ الْبَيْتِ) نُصِبَ عَلَى النِّدَاءِ أَوِ الْمَدْحِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] وَمَلْحُوقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فَضَمِيرُ الْجَمِيعِ إِمَّا لِلتَّعْظِيمِ أَوْ لِتَغْلِيبِ ذُكُورِ أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ. ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] مِنَ التَّلَوُّثِ بِالْأَرْجَاسِ وَالْأَدْنَاسِ الْمُبْتَلِي بِهَا أَكْثَرَ النَّاسِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتَعَارَ لِلذَّنْبِ الرِّجْسَ، وَلِلتَّقْوَى الطُّهْرَ، لِأَنَّ غَرَضَ الْمُقْتَرِفِ لِلْمُقَبَّحَاتِ أَنْ يَتَلَوَّثَ بِهَا وَيَتَدَنَّسَ كَمَا يَتَلَوَّثُ بَدَنُهُ بِالْأَرْجَاسِ، وَأَمَّا الْمُحَسِّنَاتُ فَالْغَرَضُ مِنْهَا نَقِيٌّ مَصُونٌ كَالثَّوْبِ الطَّاهِرِ، وَفِي هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ مَا يُنْفِّرُ أُولِي الْأَلْبَابِ عَمَّا كَرِهَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْهُ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيمَا رَضِيَهُ لَهُمْ وَأَمَرَهُ بِهِ، وَسَيَأْتِي تَرَاجِمُ الْحَسَنَيْنِ وَأُمِّهِمَا فِي مِحَالِّهَا الْمُخْتَصَّةِ بِهِمْ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ وَاثِلَةَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَأَهْلُ بَيْتِي أَحَقُّ. وَفِي الرِّيَاضِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ سَعْدًا أَنْ يَسُبَّ أَبَا تُرَابٍ فَقَالَ: أَمَا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَنْ أَسُبَّهُ لِأَنْ يَكُونَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ، وَخَلَفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَقَالَ عَلِيٌّ: تُخَلِّفُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» " وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: " لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ " وَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] " دَعَا رَسُولُ اللَّهِ " عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَقَالَ: " «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي» " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ عَلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ كِسَاءً.

стр. 8558

وَقَالَ: " «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَحَامَتِي أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " «أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ» ". وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «بَيَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ يَوْمًا إِذْ قَالَتِ الْخَادِمُ: إِنَّ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ بِالسَّدِّ أَيِ الْبَابِ قَالَتْ فَقَالَ لِي: " قُوْمِي فَتَنَحَّيْ لِي عَنْ أَهْلِ بَيْتِي " قَالَتْ: فَقُمْتُ فَتَنَحَّيْتُ فِي الْبَيْتِ قَرِيبًا فَدَخَلَ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَمَعَهُمَا الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، وَهُمَا صَبِيَّانِ صَغِيرَانِ، فَأَخَذَ الصَّبِيَّيْنِ فَوَضَعَهُمَا فِي حِجْرِهِ فَقَبَّلَهُمَا وَاعْتَنَقَ عَلِيًّا بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَفَاطِمَةَ بِالْأُخْرَى وَقَبَّلَ فَاطِمَةَ وَقَبَّلَ عَلِيًّا، وَأَغْدَفَ أَيْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ خَمِيصَةً سَوْدَاءَ ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِلَيْكَ لَا إِلَى النَّارِ أَنَا وَأَهْلُ بَيْتِي " قَالَتْ قُلْتُ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ -؟ قَالَ: " وَأَنْتِ» " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ تَكَرَّرَ مِنْهُ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَالْمَنْعُ وَقَعَ مِنْ دُخُولِهَا مَعَهُمْ فِيمَا جَلَّلَهُمْ بِهِ، وَعَلَيْهَا يُحْمَلُ قَوْلُهَا فِي الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَأَنَا مَعَهُمْ أَيْ: أَدْخُلُ مَعَهُمْ لَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، بَلْ هِيَ مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَتْ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: وَأَنَا وَلَمْ تَقُلْ مَعَهُمْ أَيْ أَنَا أَيْضًا إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى النَّارِ. قَالَ: " وَأَنْتِ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى النَّارِ " وَكَذَا لَمَّا قَالَتْ: وَأَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ فِي رِوَايَةٍ قَالَ: " وَأَنْتِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ " وَأَثْبَتُّكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ أَذِنَ لَهَا فِي الدُّخُولِ مَعَهُمْ فِي الْكِسَاءِ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] قَالَ: نَزَلَتْ فِي خَمْسَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمُرُّ بِبَابِ فَاطِمَةَ إِذَا خَرَجَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ يَقُولُ: " الصَّلَاةَ يَا أَهْلِ الْبَيْتِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهَ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] » . رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَعَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ: (أَنَا وَإِيَّاكِ وَهَذَيْنِ يَعْنِي حَسَنًا وَحُسَيْنًا وَهَذَا الرَّاقِدُ يَعْنِي عَلِيًّا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) » . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قَرَابَتُكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَجَبَتْ عَلَيْنَا مَوَدَّتُهُمْ؟ قَالَ: " عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَابْنَاهُمَا» ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ.

стр. 8559

٦١٣٧ - وَعَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: «لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦١٣٧ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ) ، أَيِ: ابْنُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ سِرِّيَّتِهِ وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمَاتَ وَلَهُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقِيلَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَمُّهُ الرَّضَاعِيُّ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الضَّادِ أَيْ مَنْ يُكْمِلُ رَضَاعَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِفَتْحِهِمَا أَيْ: مَوْضِعَ رَضَاعٍ كَامِلٍ (فِي الْجَنَّةِ) . فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ أَنَّ أَرْبَابَ الْكَمَالِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي الْحَالِ عُقَيْبَ الِانْتِقَالِ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ الْمَوْعُودَةَ مَخْلُوقَةٌ مَوْجُودَةٌ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ؟ هَذَا يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: مَرْضَعًا بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ رَضَاعًا، وَالْآخِرُ مَضْمُومَةُ الْمِيمِ أَيْ مِنْ يُتِمُّ رَضَاعَهُ. يُقَالُ: امْرَأَةٌ مُرْضِعٌ بِلَا هَاءٍ، وَأَرْضَعَتِ الْمُرْضِعَةُ، فَهِيَ مُرْضِعَةٌ إِذَا نِيبَ الِاسْمُ مِنَ الْفِعْلِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَصْوَبُ الرِّوَايَتَيْنِ الْفَتْحُ ; لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَرَادُوا الْفِعْلَ أَلْحَقُوا بِهِ هَاءَ التَّأْنِيثِ، وَإِذَا أَرَادُوا أَنَّهَا ذَاتَ رَضِيعٍ أَسْقَطُوا الْهَاءَ فَقَالُوا: امْرَأَةٌ مُرْضِعٌ بِلَا هَاءٍ، وَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ اللَّهَ يُقِيمُ لَهُ مِنْ لَذَّاتِ الْجَنَّةِ وَرَوْحِهَا مَا يَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعَ الرَّضَاعِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ رَضِيعًا لَمْ يَسْتَكْمِلْ مُدَّةَ الرَّضَاعِ كَانَ الْمَصْدَرُ فِيهِ أَقْوَمَ وَأَصْوَبَ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنَ الرِّوَايَةِ لَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُلْحِقَ بِهِ هَاءَ التَّأْنِيثِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا إِذَا أُرِيدَ تَصْوِيرُ حَالَةِ الْإِرْضَاعِ وَإِلْقَامِ الْمُرْضِعَةِ الثَّدْيَ فِي فِي الصَّبِيِّ فِي مُشَاهَدَةِ السَّامِعِ، كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا. الْكَشَّافِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قِيلَ مُرْضِعَةٌ دُونَ مُرْضِعٍ؟ قُلْتُ: الْمُرْضِعَةُ الَّتِي فِي حَالِ الْإِرْضَاعِ مُلْقِمَةً ثَدْيَهَا الصَّبِيَّ، وَالْمُرْضِعُ الَّتِي شَأْنُهَا أَنْ تُرْضِعَ وَإِنْ لَمْ تُبَاشِرِ الْإِرْضَاعَ فِي حَالِ وَصْفِهَا بِهِ، فَقِيلَ: مُرْضِعَةٌ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْهَوْلَ إِذَا فُوجِئَتْ بِهِ هَذِهِ وَقَدْ أَلْقَمَتِ الرَّضِيعَ ثَدْيَهَا نَزْعَتَهُ مِنْ فِيهِ لِمَا يَلْحَقُهَا مِنَ الدَّهْشَةِ عَمَّا أَرْضَعَتْ أَيْ: عَنْ إِرْضَاعِهَا، أَوْ عَنِ الَّذِي أَرْضَعَتْهُ، وَهُوَ الطِّفْلُ، وَوَجَّهَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُجِيبًا عَنْهُ بِقَوْلِهِ: أَوْ أَنَّ لَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْمُرْضِعَةِ فِي الْمُحَافَظَةِ وَالْأُنْسِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ ارْتِكَابَ الْمَجَازِ غَيْرُ جَائِزٍ مَعَ إِمْكَانِ الْحَقِيقَةِ، بَلْ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَحَقُّقِ الْإِرْضَاعِ، عَبَّرَ عَنِ الْمُرْضِعِ بِالْمُرْضِعَةِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ حَالَةَ إِرْضَاعِهِ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ لَهُ ﷺ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8560

٦١٣٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنَّا - أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهُ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ: " مَرْحَبًا بِابْنَتِي " ثُمَّ أَجْلَسَهَا، ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَإِذَا هِيَ تَضْحَكُ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُهَا عَمَّا سَارَّكِ؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ سِرَّهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي مِنَ الْحَقِّ لِمَا أَخْبَرْتِنِي. قَالَتْ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ؟ أَمَّا حِينَ سَارَّ بِي فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي " إِنَّ جِبْرَئِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ ". فَبَكَيْتُ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِيَ الثَّانِيَةَ قَالَ: " يَا فَاطِمَةُ " أَلَا تَرْضِينَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ؟ ". وَفِي رِوَايَةٍ: فَسَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ أَتْبَعُهُ، فَضَحِكْتُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦١٣٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ ) : نَصْبُهُ عَلَى النِّدَاءِ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَاصِ، أَوْ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ الْمُبْهَمِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي وَخَبَرُ كَانَ قَوْلُهَا (عِنْدَهُ) ، أَيْ: جَالِسِينَ أَوْ مُجْتَمِعِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَمْ تُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ (فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ) : رُوِيَ إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّ اللَّهَ فَطَمَهَا وَذُرِّيَّتَهَا وَمُحِبِّيهَا عَنِ النَّارِ، وَفِي رِوَايَةٍ فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي (مَا تُخْفِي) ، أَيْ: مَا تَمْتَازُ، وَفِي رِوَايَةٍ مَا تُخْطِئُ (مِشْيَتُهَا) : بِكَسْرِ الْمِيمِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ هَيْئَتُهَا (مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ مِشْيَةِ النَّبِيِّ ( ﷺ ) ، أَيْ شَيْئًا كَمَا فِي رِوَايَةٍ، فَمَا لِلنَّفْيِ، وَالْمَعْنَى مِشْيَتُهَا كَمِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ هَذَا قُرْبَ مَرَضِ مَوْتِهِ. (فَلَمَّا رَآهَا قَالَ: " مَرْحَبًا؟ بِابْنَتِي " ثُمَّ أَجْلَسَهَا ") ، أَيْ أَمَرَهَا بِالْجُلُوسِ (عِنْدَهُ) ، أَيْ: قَرِيبًا مِنْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ (ثُمَّ سَارَّهَا) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَفِي رِوَايَةٍ فَسَارَّهَا أَيْ كَلَّمَهَا سِرًّا (فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ شِدَّةَ حُزْنِهَا وَكَثْرَةَ بُكَائِهَا وَفِي رِوَايَةٍ جَزَعَهَا (سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَإِذَا هِيَ) ، أَيْ: فَاطِمَةُ (تَضْحَكُ) ، أَيْ: تَتَبَسَّمُ وَتَنْبَسِطُ وَتَنْشَرِحُ، وَفِي رِوَايَةٍ فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ (فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: لِطَهَارَةٍ أَوْ صَلَاةٍ (سَأَلْتُهَا عَمَّا سَارَّكِ) ؟ الظَّاهِرُ عَمَّا سَارَّهَا عَلَى أَنَّ مَا مَوْصُولَةٌ، لَكِنَّ التَّقْدِيرَ سَأَلْتُهَا قَائِلَةً عَمَّ سَارَّكِ؟ فَمَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَفِي رِوَايَةٍ سَأَلْتُهَا مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (قَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ) : مِنَ الْإِفْشَاءِ أَيْ أُذِيعُ وَأُظْهِرُ (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِرَّهُ) : بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ مَا أَخْفَاهُ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ إِفْشَاءَهُ لَمَا أَسَرَّهُ (فَلَمَّا تُوُفِّيَ قُلْتُ: عَزَمْتُ) ، أَيْ: أَقْسَمْتُ (عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ) ، أَيْ: مِنْ نِسْبَةِ الْأُمُومِيَّةِ الثَّانِيَةِ أَوِ الْأُخُوَّةِ أَوِ الْمَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ وَالْمَوَدَّةِ السَّابِقَةِ، فَمَا مَوْصُولَةٌ (لَمَّا) : بِفَتْحِ لَامٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ أَيْ أَلَا (أَخْبَرْتِنِي) : وَفِي نُسْخَةٍ بِإِشْبَاعِ التَّاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَمَّا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي مَا أَطْلُبُ مِنْكِ إِلَّا إِخْبَارَكِ إِيَّايَ بِمَا سَارَّكِ وَنَحْوَهُ: أُنْشِدُكِ بِاللَّهِ أَلَّا فَعَلْتِ. (قَالَتْ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ) ؟ أَيْ أُخْبِرُكِ وَتَفْصِيلُهُ هَذَا (أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ) ، أَيِ: الْمُوجِبِ لِلْحُزْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى (" فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي: " أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي ") : وَفِي رِوَايَةٍ يُعَارِضُهُ (" الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً ") ، أَيْ يُدَارِسُنِي جَمِيعَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ مِنَ الْمُعَارَضَةِ الْمُقَابِلَةِ، وَمِنْهُ عَارَضْتُ الْكِتَابَ بِالْكِتَابِ أَيْ قَابَلْتُهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَلَعَلَّ سَبَبَ الْمُقَابَلَةِ إِبْقَاءُ الْمُحَافَظَةِ وَلِيَظْهَرَ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ مِنَ الْمُقَابَلَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِحْبَابِ الْمُدَارَسَةِ (وَإِنَّهُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ (" عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ ") ، أَيْ: هَذِهِ السَّنَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ عَارَضَهُ الْآنَ (" مَرَّتَيْنِ ") ، فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بَعْدَ رَمَضَانَ الْآخِرِ مِنْ عُمْرِهِ (" وَلَا أُرَى ") : بِضَمِّ الْهَمْزِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: وَلَا أَظُنُّ، وَفِي رِوَايَةٍ وَإِنِّي لَا أَرَى (" الْأَجَلَ ") ، أَيِ: انْتِهَاءَهُ (" إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللَّهَ ") ، أَيْ: دُومِي عَلَى التَّقْوَى أَوْ زِيدِي فِيهَا مَا اسْتَطَعْتِ (" وَاصْبِرِي) أَيْ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَفِي الْبَلِيَّةِ لَا سِيَّمَا عَلَى مُفَارَقَتِي (" فَإِنِّي ") : وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنَّهُ (" نِعْمَ السَّلَفُ ") ، أَيِ: الْفَرْطُ (" أَنَا لَكِ ") ، أَيْ: عَلَى الْخُصُوصِ، وَالْجُمْلَةُ بِتَأْوِيلِ مَقُولٍ فِي حَقِّي خَبَرٌ لِأَنَّ فِي أَنِّي. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَنَا مَخْصُوصٌ بِالْمَدْحِ، وَلَكِ بَيَانٌ كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا قِيلَ لِمَنْ قِيلَ لَكِ (فَبَكَيْتُ) ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ لِلَّذِي رَأَيْتُ (فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي) ، أَيْ: قِلَّةَ صَبْرِي (سَارَّنِيَ الثَّانِيَةَ. قَالَ) : وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ (" يَا فَاطِمَةُ أَلَا تَرْضِينَ ") : وَفِي رِوَايَةٍ: أَمَا تَرْضِينَ (" أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ") ، أَيْ: جَمِيعِهَا أَوْ مَخْصُوصَةً بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ (" أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ") ؟ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي. وَالْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ النِّسَاءِ مُطْلَقًا حَتَّى مِنْ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ وَمَرْيَمَ وَآسِيَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 8561

(وَفِي رِوَايَةٍ: فَسَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ) ، أَيْ: يَمُوتُ (فِي وَجَعِهِ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ أَتْبَعُهُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ أَلْحَقُهُ (فَضَحِكْتُ) . وَتَوْضِيحُهُ مَا فِي الذَّخَائِرِ أَنَّهُ قَالَ، وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ قَوْلِ عَائِشَةَ: حَتَّى إِذَا قُبِضَ سَأَلْتُهَا فَقَالَتْ إِنَّهُ حَدَّثَنِي أَنَّهُ كَانَ جِبْرِيلُ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً وَأَنَّهُ عَارَضَنِي بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ، هَذَا وَلَا أُرَى إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجْلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ، ثُمَّ سَارَّنِي وَذَكَرَ مِثْلَ الْأَوَّلِ. أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلًّا وَهَدْيًا وَحَدِيثًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَتْ: وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ لَهُ فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا، «فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَتْ فَاطِمَةُ فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ فَقَبَّلَتْهُ، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا فَبَكَتْ ثُمَّ أَكَبَّتْ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ مِنْ أَعْقَلِ نِسَائِنَا، فَإِذَا هِيَ مِنَ النِّسَاءِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ لَهَا: رَأَيْتُ حِينَ أَكْبَبْتِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَرَفَعْتِ رَأْسَكِ فَبَكَيْتِ، ثُمَّ أَكْبَبْتِ عَلَيْهِ فَرَفَعْتِ رَأْسَكِ فَضَحِكْتِ مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: إِنِّي إِذًا لَبَذِرَةٌ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ وَجَعِهِ هَذَا فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي أَسْرَعُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ، فَذَلِكَ حِينَ ضَحِكْتُ.» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِي الذَّخَائِرِ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ آخِرُ عَهْدِهِ إِتْيَانُ فَاطِمَةَ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِذَا قَدِمَ فَاطِمَةُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى فَاطِمَةَ ثُمَّ أَتَى أَزْوَاجَهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو عَمْرٍو، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ فَاطِمَةُ الْكُبْرَى بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُمُّهَا خَدِيجَةُ وَهِيَ أَصْغَرُ بَنَاتِهِ فِي قَوْلٍ، وَهِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، تَزَوَّجَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَبَنَى عَلَيْهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَوَلَدَتْ لَهُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَالْمُحْسِنَ وَزَيْنَبَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ وَرُقَيَّةَ، وَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَلَهَا ثَمَانٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَغَسَّلَهَا عَلَيٌّ وَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ لَيْلًا، رَوَى عَنْهَا عَلَيٌّ وَابْنَاهَا الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَجَمَاعَةٌ سِوَاهُمْ. قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَصْدَقَ مِنْ فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ.»

стр. 8562

٦١٣٩ - وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا أَذَاهَا ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦١٣٩ - (وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) . سَبَقَ ذِكْرُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " فَاطِمَةُ) وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ فَاطِمَةَ (" بَضْعَةٌ ") : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ قِطْعَةُ لَحْمٍ (" مِنِّي ") : وَقَدْ تُكْسَرُ الْيَاءُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْبَضْعَةُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَحُكِيَ ضَمُّهَا وَكَسْرُهَا وَسُكُونُ الْمُعْجَمَةِ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّحْمِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا جُزْءٌ مِنِّي كَمَا أَنَّ الْقِطْعَةَ جُزْءٌ مِنَ اللَّحْمِ، وَنِعْمَ مَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: وَلَا أُفَضِّلُ أَحَدًا عَلَى بَضْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (" فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي ") ، أَيْ: فَكَأَنَّهُ أَغْضَبَنِي، فَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، فَانْدَفَعَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ السُّهَيْلِيُّ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّهَا يَكْفُرُ، إِذْ لَا يَخْفَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي مَقَامِ الْمَرَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ عَلِيٍّ: " مَنْ آذَى مُسْلِمًا فَقَدْ آذَانِي، مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ ". وَمِنْهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَابْنِ حَبَّانَ، عَنِ الْبَرَاءِ: " «مَنْ أَحَبَّ الْأَنْصَارَ فَقَدْ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَ الْأَنْصَارَ أَبْغَضَهُ اللَّهُ» ". وَمِنْهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «حُبُّ قُرَيْشٍ إِيمَانٌ وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ، وَحُبُّ الْعَرَبِ إِيمَانٌ وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ، فَمَنْ أَحَبَّ الْعَرَبَ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَ الْعَرَبَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي» . (وَفِي رِوَايَةٍ) ، أَيْ: بَعْدَ قَوْلِهِ: فَقَدْ أَغْضَبَنِي أَوْ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ (" يُرِيبُنِي ") : مِنَ الْإِرَابَةِ بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْ: يُقْلِقُنِي فِي الظَّاهِرِ (" مَا أَرَابَهَا، وَيُؤْذِينِي ") ، أَيْ فِي الْبَاطِنِ (" مَا آذَاهَا ") . فِي شَرْحِ السُّنَّةِ رَابَنِي الشَّيْءُ وَأَرَابَنِي بِمَعْنَى شَكَّكَنِي وَأَدْهَمَنِي مَا اسْتَيْقَنَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: بِغَيْرِ أَلْفٍ مَعْنَاهُ يَسُوءُنِي مَا يَسُوءُهَا وَيُزْعِجُنِي مَا أَزْعَجَهَا. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لُغَتَانِ، وَالْمَزِيدُ لَهُ مَزِيَّةٌ وَمُنَاسِبَةٌ لِقَوْلِهِ مَا أَرَابَهَا، وَيُؤَيِّدُهُ اتِّفَاقُ النُّسَخِ عَلَى الضَّمِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ أَوَّلُ الْحَدِيثِ قَالَ مِسْوَرٌ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي فِي أَنْ يَنْكِحُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَلَا آذَنُ ثُمَّ

стр. 8563

لَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي» يُرِيبُنِي. الْحَدِيثَ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالُوا فِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ إِيذَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِكُلِّ حَالٍ وَعَلَى كُلِّ وَجْهٍ وَإِنْ تَوَلَّدَ الْإِيذَاءُ مِمَّا كَانَ أَصْلُهُ مُبَاحًا وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - وَهُوَ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أَذَى فَاطِمَةَ فَيَتَأَذَّى حِينَئِذٍ النَّبِيُّ ﷺ فَيَهْلِكُ عَلَيٌّ ﵁ مِنْ أَذَاهِ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ لِمَكَانِ شَفَقَتِهِ عَلَى عَلِيٍّ. وَثَانِيهُمَا: أَنَّهُ خَافَ الْفِتْنَةَ عَلَيْهَا بِسَبَبِ الْغَيْرَةِ، وَقِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا آذَنُ النَّهْيُ عَنْ جَمْعِهِمَا، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ. كَمَا قَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: وَاللَّهِ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي لَفْظِ الذَّخَائِرِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: " إِنْ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي فِي أَنْ يَنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَلَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطْلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا. أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَعَنِ الْمِسْوَرِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهِلٍ، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ «أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكِ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحٌ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ. قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي وَإِنَّمَا أَكْرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا وَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا. قَالَ: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ» . وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ قَامَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ فَقَالَ: " «إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا» ". ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ فَأَحْسَنَ، قَالَ: " «حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَأَوْفَى لِي وَإِنَّمَا لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا» . وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ قَالَ: ذَاكَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دَاوُدَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : " «لَا آذَنُ إِلَّا أَنْ يُحِبَّ عَلِيٌّ أَنْ يُطْلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ» " قَالَ ابْنُ دَاوُدَ: حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى عَلِيٍّ أَنْ يَنْكِحَ عَلَى فَاطِمَةَ حَيَاتَهَا لِقَوْلِهِ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا آذَنُ " لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لِعَلِيٍّ أَنْ يَنْكِحَ عَلَى فَاطِمَةَ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَسَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ دَاوُدَ يَقُولُ: لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا» " حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى عَلِيٍّ أَنْ يَنْكِحَ عَلَى فَاطِمَةَ وَيُؤْذِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أَخْرَجَهُمَا الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ. وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهِ حَسَنَ بْنَ الْحَسَنِ يَخْطُبُ ابْنَتَهُ فَقَالَ لَهُ: فَلْيَأْتِنِي فِي الْعَتَمَةِ، فَلَقِيَهُ فَحَمِدَ الْمِسْوَرُ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَمَا مِنْ نَسَبٍ وَلَا سَبَبٍ وَلَا صِهْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَسَبِكُمْ وَصِهْرِكُمْ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَقْبِضُنِي مَا يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُنِي مَا يَبْسُطُهَا وَإِنَّ الْأَنْسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَنْقَطِعُ إِلَّا نَسَبِي وَسَبَبِي وَصِهْرِي» ". وَعِنْدَكَ ابْنَتُهُ وَلَوْ زَوَّجْتُكَ لِقَبَضَهَا ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ عَاذِرًا. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يُرَاعَى مِنْهُ مَا يُرَاعَى فِي الْحَيِّ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ، أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّزْوِيجُ عَلَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، وَيَكُونُ هَذَا دَلِيلُهُ. وَفِي الْجَامِعِ: " «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَقْبِضُنِي مَا يَقْبِضُهَا، يَبْسُطُنِي مَا يَبْسُطُهَا وَإِنَّ الْأَنْسَابَ تَنْقَطِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَيْرَ نَسَبِي وَسَبَبِي وَصِهْرِي» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ. وَعَنِ الْمِسْوَرِ: " «فَاطِمَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ وَأَنْتَ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْهَا» " قَالَهُ لِعَلِيٍّ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَفِي الصَّوَاعِقِ: رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: يَا أَهْلَ الْجَمْعِ نَكِّسُوا رُءُوسَكُمْ وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ حَتَّى تَمُرَّ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ عَلَى الصِّرَاطِ " فَتَمُرُّ مَعَ سَبْعِينَ أَلْفَ جَارِيَةٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ كَمَرِّ الْبَرْقِ» .

стр. 8564

٦١٤٠ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى: خُمًّا، بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ. أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ " فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «كِتَابُ اللَّهِ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى الضَّلَالَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦١٤٠ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ) ، أَيْ: بِمَوْضِعٍ فِيهِ مَاءٌ (يُدْعَى) ، أَيْ: يُسَمَّى ذَلِكَ الْمَاءُ أَوْ ذَلِكَ الْمَكَانُ (خُمًّا) بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالْجُحْفَةِ (بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ حِينَ رُجُوعِهِ مِنْ مَكَّةَ، وَتَوَجُّهُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ (فَحَمِدَ اللَّهَ) ، أَيْ: شَكَرَهُ (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) أَيْ بِعَلِيِّ ذَاتِهِ وَجَلِيِّ صِفَاتِهِ (وَوَعَظَ) ، أَيْ: نَصَحَهُمْ بِمَا نَفَعَهُمْ (وَذَكَّرَ) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَيْ: نَبَّهَهُمْ مِنْ نَوْمِ غَفْلَتِهِمْ (ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ ") :

стр. 8565

أَيْ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ (" أَلَا ") : بِتَخْفِيفِ اللَّامِ لِلتَّنْبِيهِ زِيَادَةً فِي الِاهْتِمَامِ عَلَى التَّوْجِيهِ (" أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ") ، أَيْ: مِثْلُكُمْ لَكِنَّ امْتِيَازِي عَنْكُمْ بِأَنَّهُ يُوحَى إِلَيَّ (" يُوشِكُ ") ، أَيْ: يَقْرُبُ (أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي ") ، أَيْ: جِبْرِيلُ وَمَعَهُ عِزْرَائِيلُ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ مَلَكُ الْمَوْتِ (" فَأُجِيبَهُ ") : بِالنَّصْبِ (" وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ") : بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ: الْأَمْرَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ، سَمَّى كِتَابَ اللَّهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ بِهِمَا لِعِظَمِ قَدْرِهِمَا، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا ثَقِيلٌ عَلَى تَابِعِهِمَا. قَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ: الثَّقَلُ الْمَتَاعُ الْمَحْمُولُ عَلَى الدَّابَّةِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ: الثَّقَلَانِ لِأَنَّهُمَا ثَقَالُ الْأَرْضِ فَكَأَنَّهُمَا ثَقَلَاهَا، وَقَدْ شَبَّهَ بِهِمَا الْكِتَابَ وَالْعِتْرَةَ فِي أَنَّ الدِّينَ يُسْتَصْلَحُ بِهِمَا وَيَعْمُرُ كَمَا عَمُرَتِ الدُّنْيَا بِالثَّقَلَيْنِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: سَمَّاهُمَا ثَقَلَيْنِ لِأَنَّ الْأَخْذَ وَالْعَمَلَ بِهِمَا ثَقِيلٌ، وَقِيلَ: فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] أَيْ أَوَامِرَ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤَدَّى إِلَّا بِتَكَلُّفِ مَا يَثْقُلُ، وَقِيلَ: قَوْلًا ثَقِيلًا أَيْ لَهُ وَزْنٌ، وَسُمِّيَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ثَقَلَيْنِ لِأَنَّهُمَا فُضِّلَا بِالتَّمْيِيزِ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانِ وَكُلِّ شَيْءٍ لَهُ وَزْنٌ وَقَدْرٌ مُتَنَافَسٌ فِيهِ فَهُوَ ثَقِيلٌ. (" أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى ") ، أَيِ: الْهِدَايَةُ عَنِ الضَّلَالَةِ (" وَالنُّورُ ") ، أَيْ: نُورُ الْقَلْبِ لِلِاسْتِقَامَةِ أَوْ سَبَبُ ظُهُورِ النُّورِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (" فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ ") ، أَيِ: اسْتِنْبَاطًا وَحِفْظًا وَعِلْمًا (" وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ ") . أَيْ وَتَمَسَّكُوا بِهِ اعْتِقَادًا وَعَمَلًا، وَمِنْ جُمْلَةِ كِتَابِ اللَّهِ الْعَمَلُ بِأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وَ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وَفِي رِوَايَةٍ: فَتَمَسَّكُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَخُذُوا بِهِ (فَحَثَّ) : بِتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ فَحَرَّضَ أَصْحَابَهُ (عَلَى كِتَابِ اللَّهِ) ، أَيْ: عَلَى مُحَافَظَةِ وَمُرَاعَاةِ مَبَانِيهِ وَمَعَانِيهِ وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ (وَرَغَّبَ فِيهِ) بِتَشْدِيدِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: ذَكَرَ الْمُرَغِّبَاتِ مِنْ حُصُولِ الدَّرَجَاتِ فِي حَقِّهِ، ثُمَّ يُمْكِنُ أَنَّهُ رَهَّبَ وَخَوَّفَ بِالْعُقُوبَاتِ لِمَنْ تَرَكَ مُتَابَعَةَ الْآيَاتِ، فَيَكُونُ حَذْفُهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْبِشَارَةِ إِيمَاءً إِلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ رَحْمَتَهُ لِلْعَالَمِينَ، وَأُمَّتُهُ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ. (ثُمَّ قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ (" وَأَهْلُ بَيْتِي ") ، أَيْ: وَثَانِيهُمَا أَهْلُ بَيْتِي (" أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ ") : بِكَسْرِ الْكَافِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ أُحَذِّرُكُمُوهُ (" فِي أَهْلِ بَيْتِي ") : وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمْ وَإِشْعَارًا بِالْعِلَّةِ، وَالْمَعْنَى أُنَبِّهُكُمْ حَقَّ اللَّهِ فِي مُحَافَظَتِهِمْ وَمُرَاعَاتِهِمْ وَاحْتِرَامِهِمْ وَإِكْرَامِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: أُحَذِّرُكُمُ اللَّهَ فِي شَأْنِ أَهْلِ بَيْتِي وَأَقُولُ لَكُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُؤْذُوهُمْ وَاحْفَظُوهُمْ، فَالتَّذْكِيرُ بِمَعْنَى الْوَعْظِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَعَظَ وَذَكَّرَ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّغَايُرُ بَيْنَهُمَا وَالْحَمْلُ عَلَى التَّأْسِيسِ أَوْلَى (" أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ") كَرَّرَ الْجُمْلَةَ لِإِفَادَةِ الْمُبَالِغَةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا آلَهُ وَبِالْأُخْرَى أَزْوَاجَهُ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. (وَفِي رِوَايَةٍ) ، أَيْ: بَدَلَ أَوَّلِهِمَا كِتَابُ اللَّهِ إِلَخْ (" كِتَابُ اللَّهِ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ ") ، أَيْ مَا يُوَصِّلُ الْعَبْدَ إِلَى رَبِّهِ وَيُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى قُرْبِهِ وَالتَّرَقِّي مِنْ حَضِيضِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَى أَوْجِ رِفْعَةِ الْمَلَكِيَّةِ بِالْحُضُورِ فِي الْحَضْرَةِ الْإِلَهَةِ وَالْغَيْبَةِ عَنْ شُعُورِ أُمُورِ الْكَوْنِيَّةِ، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (" مَنِ اتَّبَعَهُ ") ، أَيْ: إِيمَانًا وَحِفْظًا وَعِلْمًا وَعَمَلًا وَإِخْلَاصًا (كَانَ عَلَى الْهُدَى ") أَيْ عَلَى الْهِدَايَةِ الْكَامِلَةِ (" وَمَنْ تَرَكَهُ ") ، أَيْ: بِجِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ (" كَانَ عَلَى الضَّلَالَةِ ") . أَيِ الْغَوَايَةِ الشَّامِلَةِ، فَالْقُرْآنُ كَالْحَبْلِ ذُو وَجْهَيْنِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَسِيلَةً لِلتَّرَقِّي، وَأَنْ يَكُونَ ذَرِيعَةً لِلتَّنَزُّلِ وَالتَّدَلِّي كَالنَّيْلِ مَاءٌ لِلْمَحْبُوبِينَ وَدِمَاءٌ لِلْمَحْجُوبِينَ يَضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) ، نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ وَرَفَعَنَا بِسَبَبِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي الذَّخَائِرِ فَقِيلَ لِزَيْدٍ: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ، أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: بَلَى إِنَّ نِسَاءَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ مَنْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَخْرَجَ مَعْنَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «إِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابُ اللَّهِ وَعِتْرَتِي كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ أَخْبَرَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَانْظُرُوا بِمَا تَخْلُفُونِي فِيهِمَا.»

стр. 8566

٦١٤١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى ابْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦١٤١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) ، أَيْ: مَوْقُوفًا (أَنَّهُ كَانَ) ، أَيِ: ابْنُ عُمَرَ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ (إِذَا سَلَّمَ عَلَى ابْنِ جَعْفَرٍ) ، أَيِ: ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ جَعْفَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ. قَالَ الْقَاضِي: لَمَّا رَأَى جَعْفَرًا فِي الْجَنَّةِ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ لَقَّبَهُ بِذِي الْجَنَاحَيْنِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ طَيَّارًا أَيْضًا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَسْلَمَ قَدِيمًا بَعْدَ أَحَدٍ وَثَلَاثِينَ إِنْسَانًا، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنْ أَخِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَكَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ خُلُقًا وَخَلْقًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، قُتِلَ شَهِيدًا يَوْمَ مُؤْتَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَلَهُ إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، فَوُجِدَ فِيمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ وَضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8567

٦١٤٢ - وَعَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦١٤٢ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) : بِالرَّفْعِ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (عَلَى عَاتِقِهِ) : بِكَسْرِ التَّاءِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْعُنُقِ (يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ ") ، أَيْ: حُبًّا بَلِيغًا (" فَأَحِبَّهُ ") . وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَحَبَّهُ اللَّهُ فَيُحِبُّ التَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِ اللَّهِ وَالتَّعَلُّقَ بِشَمَائِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى آلِهِ فِي جَمِيعِ أَحْيَانِهِ وَأَحْوَالِهِ -. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ سِبَطُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَيْحَانَتُهُ وَسَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وُلِدَ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي وِلَادَتِهِ، وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَلَمَّا قُتِلَ أَبُوهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِالْكُوفَةِ بَايَعَهُ النَّاسُ عَلَى الْمَوْتِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَسَلَّمَ الْأَمْرَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فِي النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وُلِدَ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ شَعْبَانَ لِسَنَةِ أَرْبَعٍ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ عُلِّقَتْ بِهِ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتِ الْحَسَنَ بِخَمْسِينَ لَيْلَةً، وَقُتِلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ بِكَرْبَلَاءَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ فِيمَا بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْحِلَّةِ، وَقَتَلَهُ سِنَانُ بْنُ أَنَسٍ النَّخَعِيُّ، وَيُقَالُ أَيْضًا سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ، وَقِيلَ: قَتَلَهُ شِمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ. وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ خَوْلِيٌّ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ ابْنُ يَزِيدَ الْأَصْبَحِيُّ مِنْ حِمْيَرَ، جَزَّ رَأَسَهُ وَأَتَى بِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ وَقَالَ: أَوْ قَرَّرَ كَأَبِي فِضَّةً وَذَهَبًا ... إِنِّي قَتَلْتُ الْمَلِكَ الْمُحَجَّبَا قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ أُمًّا وَأَبًا ... وَخَيْرَهُمْ إِذْ يُنْسَبُونَ نَسَبًا وَقِيلَ: إِنَّهُ قُتِلَ مَعَ الْحُسَيْنِ مِنْ وَلَدِهِ وَإِخْوَاتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، رَوَى عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُهُ عَلِيٌّ زَيْنُ الْعَابِدِينَ وَفَاطِمَةُ وَسُكَيْنَةُ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَالنُّونِ ابْنَتَاهُ، وَكَانَ لِلْحُسَيْنِ يَوْمَ قَتْلِهِ ثَمَانٍ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَقَضَى اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ يَوْمَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ قَتَلَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيُّ فِي الْحَرْبِ، وَبَعَثَ رَأْسَهُ إِلَى الْمُخْتَارِ، وَبَعَثَهُ الْمُخْتَارُ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَبَعَثَهُ بِهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8568

٦١٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنَ النَّهَارِ حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ فَقَالَ: " أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟ " يَعْنِي حَسَنًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى، حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦١٤٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنَ النَّهَارِ) ، أَيْ: قِطْعَةٍ مِنْهُ (حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِمُوَحَّدَةٍ بَعْدَهَا أَلْفٌ فَهَمْزٌ أَيْ بَيْتَهَا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنَ الْمَجَازِ عَلَى نَحْوِ اسْتِعْمَالِ الْمِشْفَرِ عَلَى الشَّفَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ مَخْبَأَ وَهُوَ الْمَخْدَعُ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ خَبَابَ فَاطِمَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُغَيَّرٌ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ إِذْ قَالَ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ الْخَبَابُ بِالْفَتْحِ مُقَدَّمُ الْبَابِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِهِ حُجْرَتَهَا وَقِيلَ: حَوْلَ دَارِهَا وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: جَنَابٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالنُّونِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ فَنَاءُ الدَّارِ. (فَقَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ : (" أَثَمَّ ") : بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ أَهُنَاكَ (" لُكَعُ ") بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْكَافِ مِنْ غَيْرِ انْصِرَافٍ كَعُمَرَ وَزُفَرَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصَرْفِهِ. قَالَ شَارِحٌ: اللُّكَعُ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ مَعْدُولٌ مِنَ اللُّكِعِ بِكَسْرِ الْكَافِ يُقَالُ: لَكَعَ الرَّجُلُ لَكْعًا فَهُوَ لُكَعُ إِذَا خَسَّ أَيْ صَارَ خَسِيسًا، وَهُوَ غَالِبُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الصَّغِيرِ الذَّكَرِ، وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى لَكَاعِ مَبْنِيَّةٌ، وَقِيلَ: هُوَ لَيْسَ بِمَعْدُولٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِثْلُ نُغَرَ وَصُرَدَ، فَحَقُّهُ أَنْ.

стр. 8569

يُنَوَّنُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْدُولٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لُكَعُ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْكَافِ؛ الصَّغِيرُ قَدْرًا أَوْ جُثَّةً، وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ هُنَا. وَقَالَ غَيْرُهُ يُقَالُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ: لُكَعٌ مَصْرُوفًا ذَهَابًا إِلَى صِغَرِ جُثَّتِهِ، وَيُطْلَبُ عَلَى الْعَبْدِ وَاللَّئِيمِ وَالْأَحْمَقِ لِصِغَرِ قِدْرِهِمْ، وَفِي الْقَامُوسِ: اللُّكَعُ كَصُرَدِ اللَّئِيمِ وَالْعَبْدُ وَالْأَحْمَقُ، وَمَنْ لَا يَتَّجِهُ لِمَنْطِقٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَيُقَالُ فِي النِّدَاءِ: يَا لُكَعُ، وَلَا يُصْرَفُ فِي الْمَعْرِفَةِ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ مِنْ لُكَعَ. وَفِي النِّهَايَةِ: اللُّكَعُ عِنْدَ الْعَرَبِ الْعَبْدُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْحُمْقِ وَالذَّمِّ، وَقِيلَ: يُطْلَقُ عَلَى الصَّغِيرِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ ﷺ جَاءَ لِطَلَبِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: أَثَمَّ لُكَعُ؟ فَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى الْكَبِيرِ أُرِيدَ بِهِ الضَّعِيفُ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ. قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِهَذَا الِاسْتِصْغَارِ الرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ كَالتَّصْغِيرِ فِي يَا حُمَيْرَاءُ (" أَثَمَّ لُكَعُ ") كَرَّرَهُ لِلِاهْتِمَامِ فِي تَحْصِيلِهِ (يَعْنِي حَسَنًا) تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي (فَلَمْ يَلْبَثْ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ لَمْ يَمْكُثْ مَجِيئُهُ (أَنْ جَاءَ يَسْعَى) ، أَيْ: سَاعِيًا (حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ) أَيْ طَالِبَ صُحْبَتِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ جَوَازُ الْمُعَانَقَةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ مُلَاطَفَةِ الصَّبِيِّ فِي مُعَانَقَتِهِ وَمُدَاعَبَتِهِ رَحْمَةً وَلُطْفًا وَاسْتِحْبَابُ التَّوَاضُعِ مَعَ الْأَطْفَالِ وَغَيْرِهِمْ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ» ") . اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ مُحِبِّيهِ وَمَوَالِيهِ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ مُبْغَضِيهِ وَمُعَادِيهِ، فَإِنَّ مَحْبُوبَ الْمَحْبُوبِ مَحْبُوبٌ، وَفِي قَلْبِ الْمُحِبِّ الْمَغْلُوبِ مَطْلُوبٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8570

٦١٤٤ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ مَرَّةً، وَيَقُولُ: " إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦١٤٤ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) ، أَيِ: الثَّقَفِيِّ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) : بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ (إِلَى جَنْبِهِ) : يُحْتَمَلُ الْأَيْمَنُ وَالْأَيْسَرُ (وَهُوَ) ، أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: وَعَلَى الْحَسَنِ (أُخْرَى) : وَفِي رِوَايَةِ الذَّخَائِرِ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ مَرَّةً (وَيَقُولُ: " إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ") : أَصْلُهُ سَيْوِدٌ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ. قِيلَ: وَهُوَ مَنْ لَا يَغْلِبُهُ غَضَبُهُ، وَقِيلَ: الَّذِي يَفُوقُ فِي الْخَيْرِ، وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِمَا بَعْدَهُ الْآتِي، وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى مَنْ جَمَعَ السِّيَادَةَ نَسَبًا وَحَسَبًا وَعِلْمًا وَعَمَلًا (" وَلَعَلَّ اللَّهَ ") : أَتَى بِصِيغَةِ الرَّجَاءِ إِيمَاءً إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ شَيْءٍ عَلَى الْمَوْلَى، فَالْمَعْنَى أَرْجُو مِنْهُ سُبْحَانَهُ (" أَنْ يُصْلِحَ بِهِ ") ، أَيْ: بِسَبَبِهِ (" بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ") . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَفَى بِهِ شَرَفًا وَفَضْلًا فَلَا أَسْوَدَ مِمَّنْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ سَيِّدًا، لِأَنَّمَا وَصْفُ الْفِئَتَيْنِ بِالْعَظِيمَتَيْنِ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَوْمَئِذٍ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ مَعَهُ وَفِرْقَةٌ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ الْحَسَنُ ﵁ يَوْمَئِذٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ فَدَعَاهُ وَرَعُهُ وَشَفَقَتُهُ عَلَى أُمَّةِ جَدِّهِ إِلَى تَرْكِ الْمُلْكِ وَالدُّنْيَا رَغْبَةً فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِقِلَّةٍ وَلَا ذِلَّةٍ، فَقَدْ بَايَعَهُ عَلَى الْمَوْتِ أَرْبَعُونَ أَلْفًا وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَحْبَبْتُ مُنْذُ عَلِمْتُ مَا يَنْفَعُنِي وَيَضُرُّنِي أَنَّ لِي أَمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى أَنْ يُهْرَاقَ فِي ذَلِكَ مِحْجَمَةُ دَمٍ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ شِيعَتِهِ حَتَّى حَمْلَتْهُ الْعَصَبِيَّةُ عَلَى أَنْ قَالَ عِنْدَ الدُّخُولِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا عَارَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: الْعَارُ خَيْرٌ مِنَ النَّارِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لَمْ يَخْرُجْ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ جَعَلَهُمْ كُلَّهُمْ مُسْلِمِينَ مَعَ كَوْنِ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مُصِيبَةً وَالْأُخْرَى مُخْطِئَةً، وَهَكَذَا سَبِيلُ كُلِّ مُتَأَوِّلٍ فِيمَا يَتَعَاطَاهُ مِنْ رَأْيٍ وَمَذْهَبٍ إِذَا كَانَ لَهُ فِيمَا تَنَاوَلَهُ شُبْهَةٌ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ، وَمِنْ هَذَا اتَّفَقُوا عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَنُفُوذِ قَضَاءِ قَاضِيهِمْ، وَاخْتَارَ السَّلَفُ تَرْكَ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ الْأُولَى، وَقَالُوا: تِلْكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللَّهُ عَنْهَا أَيْدِيَنَا فَلَا نُلَوِّثُ بِهِ أَلْسِنَتَنَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، وَكَانَ الْحَسَنُ يَجِيءُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَكَانَ كُلَّمَا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبَ عَلَى رَقَبَتِهِ وَظَهْرِهِ، فَيَرْفَعُ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ رَفْعًا رَفِيقًا حَتَّى يَضَعَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَصْنَعُ بِهَذَا الْغُلَامِ شَيْئًا مَا رَأَيْنَاكَ تَصْنَعُهُ بِأَحَدٍ. قَالَ: " أَنَّهُ رَيْحَانَتِي مِنَ الدُّنْيَا إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ". أَخْرَجَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِمَعْنَاهُ، وَلَمْ يَقُلْ رَيْحَانَتِي مِنَ الدُّنْيَا. وَزَادَ قَالَ؟ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ: وَاللَّهِ بَعْدَ أَنْ وَلِيَ لَمْ يُهْرِقْ فِي

стр. 8571

خِلَافَتِهِ مِلْءَ مِحْجَمَةِ دَمٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ، فَإِذَا سَجَدَ وَثَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ أَخْذَهُمَا بِيَدِهِ مِنْ خَلْفِهِ أَخْذًا رَفِيقًا، فَيُضَمَّا عَلَى الْأَرْضِ، فَإِذَا عَادَ عَادَا حَتَّى قَضَى صِلَاتَهُ فَأَقْعَدَهُمَا عَلَى فَخِذَيْهِ قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرُدُّهُمَا فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ فَقَالَ: الْحَقَا بِأُمِّكُمَا. قَالَ: فَمَكَثَ ضَوْءُهَا حَتَّى دَخَلَا» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمُصُّ لِسَانَ الْحَسَنِ أَوْ شَفَتَهُ» ، وَإِنَّهُ لَنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ لِسَانًا أَوْ شَفَةً مَصَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَفِي الذَّخَائِرِ قَالَ أَبُو عَمْرٍو: لَمَّا قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَايَعَ الْحَسَنَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا كُلُّهُمْ قَدْ بَايَعَ أَبَاهُ قَبْلَهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَكَانُوا أَطْوَعَ لِلْحَسَنِ وَأَحَبَّ فِيهِ مِنْهُمْ فِي أَبِيهِ، فَبَقِيَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ خَلِيفَةً بِالْعِرَاقِ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ مِنْ خُرَاسَانَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَسَارَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ يَسْكُنُ بِنَاحِيَةِ الْأَنْبَارِ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ عَلِمَ أَنَّهُ لَنْ تُغْلَبَ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ حَتَّى يَذْهَبَ أَكْثَرُ الْأُخْرَى، فَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ يَصِيرُ الْأَمْرُ إِلَيْهِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطْلُبَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ فِي أَيَّامِ أَبِيهِ، فَأَجَابَهُ مُعَاوِيَةُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: عَشَرَةُ أَنْفُسٍ فَلَا أُؤَمِّنُهُمْ، فَرَاجَعَهُ الْحَسَنُ فِيهِمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ: إِنِّي قَدْ آلَيْتُ إِنَّنِي مَتَى ظَفِرْتُ بِقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَنْ أَقْطَعَ لِسَانَهُ وَيَدَهُ، فَرَاجَعَهُ الْحَسَنُ إِنِّي لَا أُبَايِعُكَ أَبَدًا وَأَنْتَ تَطْلُبُ قَيْسًا أَوْ غَيْرَهُ بِتَبِعَةٍ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ حِينَئِذٍ بَرِقٍّ أَبْيَضَ وَقَالَ: اكْتُبْ مَا شِئْتَ فِيهِ، فَأَنَا أَلْتَزِمُهُ فَاصْطَلَحَا عَلَى ذَلِكَ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْحَسَنُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَالْتَزَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ مُعَاوِيَةُ، وَاصْطَلَحَا عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ سَيُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ، وَكَانَ ﵁ يَقُولُ: مَا أَحْبَبْتُ مُنْذُ عَلِمْتُ مَا يَنْفَعُنِي وَيَضُرُّنِي أَنَّ لِي أَمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى أَنْ يُهْرَاقَ فِي ذَلِكَ مِحْجَمَةُ دَمٍ. وَعَنْ أَبِي الْعَرِّيفِ قَالَ: كُنَّا فِي مُقَدِّمَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مُسْتَمِيتِينَ حِرْصًا عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا جَاءَنَا صُلْحُ الْحَسَنِ كَأَنَّمَا كُسِرَتْ ظُهُورُنَا مِنَ الْغَيْظِ وَالْحُزْنِ، فَلَمَّا جَاءَ الْحَسَنُ الْكُوفَةَ أَتَاهُ شَيْخٌ مِنَّا يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو سُفْيَانُ بْنُ أَبِي لَيْلَى فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذِلَّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: لَا تَقُلْ يَا أَبَا عَمْرٍو، فَإِنِّي لَمْ أُذِلَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ أَقْتُلَهُمْ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، أَنَّ الْحَسَنَ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَأُجِيزَنَّكَ بِجَائِزَةٍ لَمْ أُجْزِ بِهَا أَحَدًا قَبْلَكَ وَلَا أُجِيزُ بِهَا أَحَدًا بَعْدَكَ، فَأَجَازَهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ فَقَبِلَهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا جَرَى الصُّلْحُ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَالْحَسَنِ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: قُمْ فَاخْطُبِ النَّاسَ وَاذْكُرْ مَا كُنْتَ فِيهِ، فَقَامَ الْحَسَنُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا وَحَقَنَ بِنَا دِمَاءَكُمْ أَلَا إِنَّ أَكْيَسَ الْكَيْسِ الْتَقِيُّ، وَإِنَّ أَعْجَزَ الْعَجْزِ الْفَجُورُ، وَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي اخْتَلَفْتُ فِيهِ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِهِ مِنِّي أَوْ أَنْ يَكُونَ حَقِّي وَتَرَكْتُهُ لِلَّهِ وَلِصَلَاحِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ، ثُمَّ الْتَفْتَ وَقَالَ: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) ، ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ: مَا أَرَدْتُ إِلَّا هَذَا. وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ الْحَسَنَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: يَا مُعَاوِيَةُ إِنَّ الْخَلِيفَةَ مَنْ سَارَ سِيرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ، وَلَيْسَ الْخَلِيفَةُ مَنْ دَانَ بِالْجَوْرِ وَعَطَّلَ السُّنَنَ وَاتَّخَذَ الدُّنْيَا أُمًّا وَأَبًا.

стр. 8572

٦١٤٥ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، قَالَ: «سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْمُحْرِمِ، قَالَ شُعْبَةُ أَحْسَبُهُ، يَقْتُلُ الذُّبَابَ؟ قَالَ: أَهْلُ الْعِرَاقِ يَسْأَلُونِي عَنِ الذُّبَابِ. وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هُمَا رَيْحَانَّيَّ مِنَ الدُّنْيَا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦١٤٥ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِيِ نُعْمٍ) : بِضَمِّ نُونٍ وَسُكُونِ عَيْنٍ كَذَا فِي الْمُغْنِي، وَكَذَا فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ وَسَائِرِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ بَلْ ذَكَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي غَنْمٍ وَقَالَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ. (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَسَأَلَنِي رَجُلٌ عَنِ الْمُحْرِمِ) ، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (قَالَ شُعْبَةُ) ، أَيْ: أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (أَحْسَبُهُ) ، بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا أَيْ أَظُنُّهُ أَيِ السَّائِلَ سَأَلَهُ عَنِ الْمُحْرِمِ، وَفِي الذَّخَائِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْمُحْرِمِ (يَقْتُلُ الذُّبَابَ) : يَعْنِي أَيَجُوزُ قَتْلُهُ أَمْ لَا؟ وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ (قَالَ) : وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ، أَيِ: ابْنُ عُمَرَ فِي جَوَابِهِ مُتَعَجِّبًا. (أَهْلُ الْعِرَاقِ) ، أَيِ: الْكُوفَةِ فَإِنَّهَا «وَالْبَصْرَةُ» تُسَمَّيَانِ عِرَاقَ الْعَرَبَ (يَسْأَلُونِّي) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيُخَفَّفُ (عَنِ الذُّبَابِ) ، أَيْ: عَنْ قَتْلِ الذُّبَابِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ كَمَالَ رِعَايَةِ التَّقْوَى فِي نُسُكِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: (قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ) حَالٌ مِنْ سَمِعْتُ وَقَدْ مُقَدَّرَةٌ، وَالْأَصْلُ سَمِعْتُ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْمُحْرِمِ أَيْضًا حَالٌ، وَقَوْلُهُ قَالَ شُعْبَةُ أَحْسَبُهُ يَقْتُلُ الذُّبَابَ قَوْلُ بَعْضِ الرُّوَاةِ تَفْسِيرُ سُؤَالِ الرَّجُلِ وَاسْتِفْتَاؤُهُ، أَيْ: مَا تَقُولُ فِي

стр. 8573

شَأْنِ الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ الذُّبَابَ اهـ. (وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي يَسْأَلُونِي (وَقَالَ) : وَفِي رِوَايَةٍ وَقَدْ قَالَ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ قَالَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: فِي حَقِّ ابْنِ بِنْتِهِ (" هُمَا " يَعْنِي الْحَسَنَيْنِ - " رَيْحَانَيَّ ") ؟ ضُبِطَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَفِي الذَّخَائِرِ هُمَا رَيْحَانَتَايَ (" مِنَ الدُّنْيَا ") . أَيْ: مِنْ رِزْقِ اللَّهِ الَّذِي رَزَقَنِيهِ مِنَ الدُّنْيَا يُقَالُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَرَيْحَانَهُ أَيْ أُسَبِّحُ اللَّهَ وَأَسْتَرْزِقُهُ وَهُوَ مُخَفَّفٌ مِنْ رَيْحَانٍ مُشَدَّدًا فَيْعَلَانِ مِنَ الرُّوحِ، لِأَنَّ انْتِعَاشَهُ بِالرِّزْقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّيْحَانِ الْمَشْمُومِ لِأَنَّ الشَّمَّامَاتِ تُسَمَّى رَيْحَانًا، وَيُقَالُ حَبَاهُ بِطَاقَةَ نَرْجِسٍ وَبِطَاقَةَ رَيْحَانٍ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُمَا مِمَّا أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهِ وَحَبَانِي، أَوْ لِأَنَّ الْأَوْلَادَ يَشُمُّونَ وَيَقْبَلُونَ، فَكَأَنَّهُمَا مِنْ جُمَلَةِ الرَّيَاحِينَ الَّتِي أَنْبَتَهَا اللَّهُ، وَفِي النِّهَايَةِ: الرَّيْحَانُ الرَّحْمَةُ وَالرَّاحَةُ وَالرِّزْقُ، وَبِهِ سُمِّيَ الْوَلَدُ رَيْحَانًا، وَكُلُّ نَبْتٍ طَيِّبِ الرِّيحِ مِنْ أَنْوَاعِ الشُّمُومِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَوْقِعٌ مِنَ الدُّنْيَا هَا هُنَا كَمَوْقِعِهَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ» ". أَيْ نَصِيبِي مِنْهَا، وَنَصَبَ رَيْحَانَيَّ عَلَى الْمَدْحِ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْفَائِقِ أَنَّهُ جَعَلَ رَيْحَانَيَّ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَمِنَ الدُّنْيَا بِمَعْنَى فِي الدُّنْيَا، لَكِنْ يُشْكَلُ عَلَى رِوَايَةِ الْكِتَابِ بِغَيْرِ رَفْعٍ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا رَوَى رَيْحَانَتَايَ أَوْ رَيْحَانَايَ أَوْ رَيْحَانِي بِكَسْرِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَالْإِفْرَادُ بِاعْتِبَارِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالتَّقْدِيرُ كَانَا رَيْحَانِي، ثُمَّ رَأَيْتُ الْقَاضِيَ عِيَاضًا قَالَ فِي الْمَشَارِقِ قَوْلُهُ: وَهُمَا رَيْحَانَاتِي مِنَ الدُّنْيَا. الْوَلَدُ يُسَمَّى الرَّيْحَانَ، وَمِنْ هُنَا بِمَعْنَى فِي أَيْ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: رَيْحَانَايَ مِنَ الْجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ: الْوَلَدُ الصَّالِحُ رَيْحَانَةٌ مِنْ رَيَاحِينِ الْجَنَّةِ، وَقَدْ قِيلَ: يُوجَدُ مِنْهُمَا رِيحُ الْجَنَّةِ، وَالرَّيْحَانُ مَا يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ أَيْضًا، وَقِيلَ: سَمَّاهُمَا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُشَمُّ كَمَا يُشَمُّ الرَّيْحَانُ اهـ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: " سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّيْحَانَيْنِ، فَعَنْ قَلِيلٍ يَذْهَبُ رُكْنَاكَ وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكَ» " فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا أَحَدُ الرُّكْنَيْنِ، فَلَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ قَالَ هَذَا الرُّكْنَ الْآخَرُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ: أَنَّ رَجُلًا مَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا يَسْأَلُ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ، وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا» ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

стр. 8574

٦١٤٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَقَالَ فِي الْحُسَيْنِ أَيْضًا: كَانَ أَشْبَهَهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦١٤٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَقَالَ) أَيْ أَنَسٌ (فِي الْحُسَيْنِ أَيْضًا: كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي تَفْصِيلُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ.

стр. 8575

٦١٤٧ - «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ضَمَّنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى صَدْرِهِ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " عَلِّمْهُ الْكِتَابَ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦١٤٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ أَخَذَنِي (النَّبِيُّ ﷺ إِلَى صَدْرِهِ) : إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ مَنْبَعُ الْعِلْمِ وَمَعْدَنُ الْحِكَمِ (فَقَالَ: " اللَّهُمَّ عِلِّمْهُ الْحِكْمَةَ ") ، أَيْ: إِتْقَانَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا حِكْمَةُ الْفَلَاسِفَةِ، فَفِي النِّهَايَةِ: الْحِكْمَةُ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الْفُضَلَاءِ الْأَشْيَاءَ بِأَفْضَلِ الْعُلُومِ، وَالْحَكِيمُ الَّذِي يَحْكُمُ الْأَشْيَاءَ وَيُتْقِنُهَا، وَفِي فَتْحِ الْبَارِي: وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْحِكْمَةِ هَا هُنَا فَقِيلَ: الْإِصَابَةُ فِي الْقَوْلِ، وَقِيلَ: الْفَهْمُ عَنِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَا يَشْهَدُ الْعَقْلُ بِصِحَّتِهِ، وَقِيلَ: نُورٌ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِلْهَامِ وَالْوِسْوَاسِ، وَقِيلَ: سُرْعَةُ الْجَوَابِ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. قُلْتُ: لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ شِعْرُ: عِبَارَتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ كُلٌّ إِلَى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشِيرُ.

стр. 8576

(وَفِي رِوَايَةٍ: عَلِّمْهُ الْكِتَابَ) ، أَيْ: عَلِّمْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: جَمِيعُ الْعِلْمِ فِي الْقُرْآنِ لَكِنْ ... تَقَاصَرَ عَنْهُ أَفْهَامُ الرِّجَالِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ فَسَّرَ الْحِكْمَةَ بِعِلْمِ الْكِتَابِ، وَلِذَا يُقَالُ لِابْنِ عَبَّاسٍ تَرْجُمَانُ الْكِتَابِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ بِالْحِكْمَةِ السُّنَّةَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ بِالْكِتَابِ لَفْظُهُ وَقِرَاءَتُهُ، وَبِالْحِكْمَةِ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِهِ وَتَبْيِينُ آيَاتِهِ، فَإِنَّهُ ﵁ كَانَ مَشْهُورًا بِالْعِلْمَيْنِ، أَعْنِي الْقِرَاءَةَ وَالتَّفْسِيرَ عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ الْحِكْمَةِ بِالسُّنَّةِ فِي الْآيَةِ لِوُقُوعِهَا عَطْفًا عَلَى الْكِتَابِ، وَالْأَصْلُ التَّغَايُرُ فِي الْعَطْفِ، لَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّهُ دَعَا لَهُ بِالْفِقْهِ أَيْضًا، وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أُصُولًا وَفُرُوعًا، فَهُوَ جَامِعُ الْعُلُومِ ﵁. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: عَشْرٌ، كَانَ حَبْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَعَالِمَهَا، دَعَا لَهُ ﷺ بِالْحِكْمَةِ وَالْفِقْهِ وَالتَّأْوِيلِ، وَرَأَى جِبْرِيلَ ﵇ مَرَّتَيْنِ، وَكُفَّ بَصَرُهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَمَاتَ بِالطَّائِفِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8577

٦١٤٨ - «وَعَنْهُ، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: " مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ فَأُخْبِرَ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦١٤٨ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلَاءَ) : بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ أَيْ مَكَانَ الْبُرَازِ (فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا) : بِفَتْحِ الْوَاوِ مَاءُ الْوُضُوءِ (فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: " مَنْ وَضَعَ هَذَا ") ؟ أَيْ ظَرْفَ الْمَاءِ (فَأُخْبِرَ) ، بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ أَيْ فَأَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ وَغَيْرَهُ (فَقَالَ: " اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ) : بِكَسْرِ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ أَيِ اجْعَلْهُ فَقِيهًا عَالِمًا (" فِي الدِّينِ ") . أَيْ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْفِقْهَ الْمُتَعَارَفَ الْمُخْتَصَّ بِفُرُوعِ الْمُعَامَلَاتِ وَالْخُصُومَاتِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَضِيلَةُ الْفِقْهِ وَاسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ وَاسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ لِمَنْ عَمِلَ خَيْرًا، وَقَدْ أَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ فِي حَقِّهِ، فَكَانَ مِنَ الْفِقْهِ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8578

٦١٤٩ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ، فَيَقُولُ: " «اللَّهُمَّ أَحِبَّهُمَا فَإِنِّي أُحِبُّهَا» ". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦١٤٩ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) أَيِ ابْنِ حَارِثَةَ الْقُضَاعِيِّ، وَأُمُّهُ أُمُّ أَيْمَنَ وَاسْمُهَا بَرَكَةُ وَهِيَ حَاضِنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ مَوْلَاةً لِأَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأُسَامَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَابْنُ مَوْلَاهُ وَحِبُّهُ وَابْنُ حِبِّهِ، قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَنَزَلَ وَادِي الْقُرَى، وَتُوُفِّيَ بِهِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَهُوَ عِنْدِي أَصَحُّ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُهُ) ، أَيْ: يَأْخُذُ أُسَامَةَ (وَالْحَسَنَ فَيَقُولُ: " اللَّهُمَّ أَحِبَّهُمَا فَإِنِّي أُحِبُّهُمَا ") . فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَحَبَّتَهُ لِلَّهِ وَلِذَا رَتَّبَ مَحَبَّةَ اللَّهِ عَلَى مَحَبَّتِهِ، وَفِي ذَلِكَ أَعْظَمُ مَنْقَبَةٍ لَهُمَا وَلَفْظُ الذَّخَائِرِ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا أَوْ كَمَا قَالَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ) ، أَيْ: أُسَامَةُ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ يُجْلِسُنِي (عَلَى فَخِذِهِ) أَيِ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى (وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا) كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ يَضُمَّنَا عَلَى تَغْلِيبِ الْمُتَكَلِّمِ كَمَا أَنَّ فِي يَضُمُّهُمَا تَغْلِيبُ الْغَالِبِ، فَفِي تَسْمِيَتِهِ الْتِفَاتًا نَوْعُ مُسَامَحَةٍ (ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا ") ، أَيْ: رَحْمَةً شَامِلَةً كَامِلَةً تُغْنِهِمَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاكَ (فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا) . أَيْ رَحْمَةً خَاصَّةً وَإِلَّا فَرَحْمَتُهُ عَامَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بَلْ شَامِلَةٌ لِلْعَالَمِينَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8579

٦١٥٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَأَيْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ وَفِي آخِرِهِ: " «أُوصِيكُمْ بِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِيكُمْ» ". ــ ٦١٥٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا) ، أَيْ: أَرْسَلَ جَيْشًا (وَأَمَّرَ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ جَعَلَ أَمِيرًا (عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ طَعَنَ كَمَنَعَ فِي الْعِرْضِ وَالنَّسَبِ، وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَبِالرُّمْحِ وَالْيَدِ، وَيُقَالُ: هُمَا لُغَتَانِ، وَالْمَعْنَى فَتَكَلَّمَ (بَعْضُ النَّاسِ) ، أَيِ: الْمُنَافِقُونَ أَوْ أَحْلَافُ الْعَرَبِ (فِي إِمَارَتِهِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ وِلَايَتِهِ لِكَوْنِهِ مَوْلًى (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : (" إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ ") : يُشِيرُ إِلَى إِمَارَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ (" مِنْ قَبْلُ ") أَيْ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ مِنْ قَبْلِ إِمَارَةِ ابْنِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: فَقَدْ كُنْتُمْ طَعَنْتُمْ هَذَا الْجَزَاءُ إِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الشَّرْطِ بِتَأْوِيلِ التَّنْبِيهِ وَالتَّوْبِيخِ، أَيْ: طَعَنُكُمُ الْآنَ فِيهِ سَبَبٌ، لِأَنْ أُخْبِرَكُمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهَجِيرَاهُمْ وَمِنْ ذَلِكَ طَعَنُكُمْ فِي أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] (" وَأَيْمُ اللَّهِ ") : بِهَمْزِ وَصْلٍ، وَقِيلَ: قَطْعٍ أَيْ: وَاللَّهِ (" إِنْ ") : مُخَفَّفَةٌ أَيِ الشَّأْنُ (" كَانَ ") ، أَيْ: أَبُوهُ (" لَخَلِيقًا ") ، أَيْ: لَجَدِيرًا وَحَقِيقًا (" لِلْإِمَارَةِ ") أَيْ لِفَضْلِهِ وَسَبْقِهِ وَقُرْبِهِ مِنِّي، وَفِي أَصْلِ الْمَالِكِيِّ: وَأَيْمُ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ، وَفِي نُسْخَةٍ عِنْدَهُ إِنْ كَانَ خَلِيقًا فَقَدِ اسْتَعْمَلَ أَنَّ الْمُخَفَّفَةَ الْمَتْرُوكَةَ الْعَمَلَ عَارِيًا مَا بَعْدَهَا مِنَ اللَّامِ الْفَارِقَةِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا طَعَنَ مَنْ طَعَنَ فِي إِمَارَتِهِمَا لِأَنَّهُمَا كَانَا مِنَ الْمَوَالِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ لَا تَرَى تَأْمِيرَ الْمَوَالِي وَتَسْتَنْكِفُ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ كُلَّ الِاسْتِنْكَافِ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَرَفَعَ قَدْرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَهُمْ قَدْرٌ بِالسَّابِقَةِ وَالْهِجْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالتُّقَى وَعَرَّفَ حَقَّهُمُ الْمَحْفُوظُونَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ، فَأَمَّا الْمُرْتَهَنُونَ بِالْعَادَةِ وَالْمُمْتَحَنُونَ بِحُبِّ الرِّيَاسَةِ مِنَ الْأَعْرَابِ وَرُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ، فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلِجُ فِي صُدُورِهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لَاسِيَّمَا أَهْلُ النِّفَاقِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ إِلَى الطَّعْنِ وَشِدَّةِ النَّكِيرِ عَلَيْهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ﵁ أَمِيرًا عَلَى عِدَّةِ سَرَايَا، وَأَعْظَمُهَا جَيْشُ مُؤْتَةَ وَسَارَ تَحْتَ رَايَتِهِ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ خِيَارُ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ: جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَكَانَ خَلِيقًا بِذَلِكَ لِسَوَابِقِهِ وَفَضْلِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ كَانَ يَبْعَثُ أُسَامَةَ، وَقَدْ أَمَّرَهُ فِي مَرَضِهِ عَلَى جَيْشٍ فِيهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ " مَشْيَخَةِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ، وَكَأَنَّهُ رَأَى فِي ذَلِكَ سِوَى مَا تَوَسَّمَ فِيهِ مِنَ النَّجَابَةِ أَنْ يُمَهِّدَ الْأَمْرَ وَيُوَطِّئَهُ لِمَنْ يَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ، لِئَلَّا يَنْزِعَ أَحَدٌ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، وَلِيَعْلَمَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّ الْعَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةَ قَدْ عَمِيَتْ مَسَالِكُهَا وَخَفِيَتْ مَعَالِمُهَا. (" وَإِنْ كَانَ ") ، أَيْ: أَبُوهُ (" لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا ") ، أَيْ: أُسَامَةَ (" لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ أَبِيهِ زَيْدٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي جَيْشٍ قَطُّ إِلَّا أَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ» . قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: فِيهِ جَوَازُ إِمَارَةِ الْمَوْلَى، وَتَوْلِيةِ الصِّغَارِ عَلَى الْكِبَارِ، وَالْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ: قُلْتُ: وَلَعَلَّ تَأْمِيرَهُ مَعَ تَأْمِيرِ ابْنِهِ وَقَعَ جَبْرًا لِمَا اخْتَارَهُ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ ﷺ خَيَّرَهُ، فَقَدْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أُمُّهُ سُعَدَى بِنْتُ ثَعْلَبَةَ مِنْ بَنِي مَعْنٍ خَرَجَتْ بِهِ تَزُورُ قَوْمَهَا، فَأَغَارَتْ خَيْلٌ لِبَنِي الْقَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَى أَبْيَاتٍ مِنْ بَنِي مَعْنٍ رَهْطِ أُمِّ زَيْدٍ، فَاحْتَمَلُوا زَيْدًا وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ، يُقَالُ: لَهُ ثَمَانِ سِنِينَ، فَوَافَوْا بِهِ سُوقَ عُكَاظَ، فَعُرِضَ لِلْبَيْعِ فَاشْتَرَاهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهَبَتْهُ لَهُ، فَقَبَضَهُ ثُمَّ إِنَّ خَبَرَهُ اتَّصَلَ بِأَهْلِهِ، فَحَضَرَ أَبُوهُ حَارِثَةُ وَعَمُّهُ كَعْبٌ فِي فِدَائِهِ، فَخَيَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ نَفْسِهِ وَالْمَقَامِ عِنْدَهُ، وَبَيْنَ أَهْلِهِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِمْ، فَاخْتَارَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَا يَرَى مِنْ بِرِّهِ لِإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ خَرَجَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْحِجْرِ فَقَالَ: يَا مَنْ حَضَرَ اشْهَدُوا إِنَّ زِيدًا ابْنِي يَرِثُنِي وَأَرِثُهُ فَصَارَ يُدْعَى زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى أَنْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَنَزَلَ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] فَقِيلَ لَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الذُّكُورِ فِي قَوْلٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْبَرَ مِنْهُ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَقِيلَ: بِعِشْرِينَ سَنَةً. وَزَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْلَاتَهُ أُمَّ أَيْمَنَ، فَوَلَدَتْ لَهُ أُسَامَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ بِنْتَ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ طَلَّقَهَا لِتَكَبُّرِهَا عَلَيْهِ، فَتَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٧] .

стр. 8580

رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ أُسَامَةُ وَغَيْرُهُ، وَقُتِلَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْجَيْشِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ) ، أَيْ: نَحْوُ الْحَدِيثِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ سَابِقًا (وَفِي آخِرِهَا) ، أَيْ: رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (" أُوصِيكُمْ بِهِ ") أَيْ: بِأُسَامَةَ (فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِيكُمْ) . أَيْ: مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاحُ فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَإِلَّا فَكَلُّ الصَّحَابَةِ صَالِحُونَ، وَالْخِطَابُ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْحَاضِرِينَ أَوِ الْمَبْعُوثِينَ مَعَهُ.
следующие страницы →