Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.
стр. 8576
(وَفِي رِوَايَةٍ: عَلِّمْهُ الْكِتَابَ) ، أَيْ: عَلِّمْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ:
جَمِيعُ الْعِلْمِ فِي الْقُرْآنِ لَكِنْ ... تَقَاصَرَ عَنْهُ أَفْهَامُ الرِّجَالِ
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ فَسَّرَ الْحِكْمَةَ بِعِلْمِ الْكِتَابِ، وَلِذَا يُقَالُ لِابْنِ عَبَّاسٍ تَرْجُمَانُ الْكِتَابِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ بِالْحِكْمَةِ السُّنَّةَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ بِالْكِتَابِ لَفْظُهُ وَقِرَاءَتُهُ، وَبِالْحِكْمَةِ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِهِ وَتَبْيِينُ آيَاتِهِ، فَإِنَّهُ ﵁ كَانَ مَشْهُورًا بِالْعِلْمَيْنِ، أَعْنِي الْقِرَاءَةَ وَالتَّفْسِيرَ عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ الْحِكْمَةِ بِالسُّنَّةِ فِي الْآيَةِ لِوُقُوعِهَا عَطْفًا عَلَى الْكِتَابِ، وَالْأَصْلُ التَّغَايُرُ فِي الْعَطْفِ، لَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّهُ دَعَا لَهُ بِالْفِقْهِ أَيْضًا، وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أُصُولًا وَفُرُوعًا، فَهُوَ جَامِعُ الْعُلُومِ ﵁. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: عَشْرٌ، كَانَ حَبْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَعَالِمَهَا، دَعَا لَهُ ﷺ بِالْحِكْمَةِ وَالْفِقْهِ وَالتَّأْوِيلِ، وَرَأَى جِبْرِيلَ ﵇ مَرَّتَيْنِ، وَكُفَّ بَصَرُهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَمَاتَ بِالطَّائِفِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 8577
٦١٤٨ - «وَعَنْهُ، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: " مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ فَأُخْبِرَ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦١٤٨ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلَاءَ) : بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ أَيْ مَكَانَ الْبُرَازِ (فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا) : بِفَتْحِ الْوَاوِ مَاءُ الْوُضُوءِ (فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: " مَنْ وَضَعَ هَذَا ") ؟ أَيْ ظَرْفَ الْمَاءِ (فَأُخْبِرَ) ، بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ أَيْ فَأَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ وَغَيْرَهُ (فَقَالَ: " اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ) : بِكَسْرِ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ أَيِ اجْعَلْهُ فَقِيهًا عَالِمًا (" فِي الدِّينِ ") . أَيْ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْفِقْهَ الْمُتَعَارَفَ الْمُخْتَصَّ بِفُرُوعِ الْمُعَامَلَاتِ وَالْخُصُومَاتِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَضِيلَةُ الْفِقْهِ وَاسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ وَاسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ لِمَنْ عَمِلَ خَيْرًا، وَقَدْ أَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ فِي حَقِّهِ، فَكَانَ مِنَ الْفِقْهِ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8578
٦١٤٩ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ، فَيَقُولُ: " «اللَّهُمَّ أَحِبَّهُمَا فَإِنِّي أُحِبُّهَا» ".
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٦١٤٩ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) أَيِ ابْنِ حَارِثَةَ الْقُضَاعِيِّ، وَأُمُّهُ أُمُّ أَيْمَنَ وَاسْمُهَا بَرَكَةُ وَهِيَ حَاضِنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ مَوْلَاةً لِأَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأُسَامَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَابْنُ مَوْلَاهُ وَحِبُّهُ وَابْنُ حِبِّهِ، قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَنَزَلَ وَادِي الْقُرَى، وَتُوُفِّيَ بِهِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَهُوَ عِنْدِي أَصَحُّ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُهُ) ، أَيْ: يَأْخُذُ أُسَامَةَ (وَالْحَسَنَ فَيَقُولُ: " اللَّهُمَّ أَحِبَّهُمَا فَإِنِّي أُحِبُّهُمَا ") . فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَحَبَّتَهُ لِلَّهِ وَلِذَا رَتَّبَ مَحَبَّةَ اللَّهِ عَلَى مَحَبَّتِهِ، وَفِي ذَلِكَ أَعْظَمُ مَنْقَبَةٍ لَهُمَا وَلَفْظُ الذَّخَائِرِ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا أَوْ كَمَا قَالَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ) ، أَيْ: أُسَامَةُ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ يُجْلِسُنِي (عَلَى فَخِذِهِ) أَيِ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى (وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا) كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ يَضُمَّنَا عَلَى تَغْلِيبِ الْمُتَكَلِّمِ كَمَا أَنَّ فِي يَضُمُّهُمَا تَغْلِيبُ الْغَالِبِ، فَفِي تَسْمِيَتِهِ الْتِفَاتًا نَوْعُ مُسَامَحَةٍ (ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا ") ، أَيْ: رَحْمَةً شَامِلَةً كَامِلَةً تُغْنِهِمَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاكَ (فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا) . أَيْ رَحْمَةً خَاصَّةً وَإِلَّا فَرَحْمَتُهُ عَامَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بَلْ شَامِلَةٌ لِلْعَالَمِينَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 8579
٦١٥٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَأَيْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ وَفِي آخِرِهِ: " «أُوصِيكُمْ بِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِيكُمْ» ".
ــ
٦١٥٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا) ، أَيْ: أَرْسَلَ جَيْشًا (وَأَمَّرَ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ جَعَلَ أَمِيرًا (عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ طَعَنَ كَمَنَعَ فِي الْعِرْضِ وَالنَّسَبِ، وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَبِالرُّمْحِ وَالْيَدِ، وَيُقَالُ: هُمَا لُغَتَانِ، وَالْمَعْنَى فَتَكَلَّمَ (بَعْضُ النَّاسِ) ، أَيِ: الْمُنَافِقُونَ أَوْ أَحْلَافُ الْعَرَبِ (فِي إِمَارَتِهِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ وِلَايَتِهِ لِكَوْنِهِ مَوْلًى (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : (" إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ ") : يُشِيرُ إِلَى إِمَارَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ (" مِنْ قَبْلُ ") أَيْ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ مِنْ قَبْلِ إِمَارَةِ ابْنِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: فَقَدْ كُنْتُمْ طَعَنْتُمْ هَذَا الْجَزَاءُ إِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الشَّرْطِ بِتَأْوِيلِ التَّنْبِيهِ وَالتَّوْبِيخِ، أَيْ: طَعَنُكُمُ الْآنَ فِيهِ سَبَبٌ، لِأَنْ أُخْبِرَكُمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهَجِيرَاهُمْ وَمِنْ ذَلِكَ طَعَنُكُمْ فِي أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] (" وَأَيْمُ اللَّهِ ") : بِهَمْزِ وَصْلٍ، وَقِيلَ: قَطْعٍ أَيْ: وَاللَّهِ (" إِنْ ") : مُخَفَّفَةٌ أَيِ الشَّأْنُ (" كَانَ ") ، أَيْ: أَبُوهُ (" لَخَلِيقًا ") ، أَيْ: لَجَدِيرًا وَحَقِيقًا (" لِلْإِمَارَةِ ") أَيْ لِفَضْلِهِ وَسَبْقِهِ وَقُرْبِهِ مِنِّي، وَفِي أَصْلِ الْمَالِكِيِّ: وَأَيْمُ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ، وَفِي نُسْخَةٍ عِنْدَهُ إِنْ كَانَ خَلِيقًا فَقَدِ اسْتَعْمَلَ أَنَّ الْمُخَفَّفَةَ الْمَتْرُوكَةَ الْعَمَلَ عَارِيًا مَا بَعْدَهَا مِنَ اللَّامِ الْفَارِقَةِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا طَعَنَ مَنْ طَعَنَ فِي إِمَارَتِهِمَا لِأَنَّهُمَا كَانَا مِنَ الْمَوَالِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ لَا تَرَى تَأْمِيرَ الْمَوَالِي وَتَسْتَنْكِفُ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ كُلَّ الِاسْتِنْكَافِ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَرَفَعَ قَدْرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَهُمْ قَدْرٌ بِالسَّابِقَةِ وَالْهِجْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالتُّقَى وَعَرَّفَ حَقَّهُمُ الْمَحْفُوظُونَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ، فَأَمَّا الْمُرْتَهَنُونَ بِالْعَادَةِ وَالْمُمْتَحَنُونَ بِحُبِّ الرِّيَاسَةِ مِنَ الْأَعْرَابِ وَرُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ، فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلِجُ فِي صُدُورِهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لَاسِيَّمَا أَهْلُ النِّفَاقِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ إِلَى الطَّعْنِ وَشِدَّةِ النَّكِيرِ عَلَيْهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ﵁ أَمِيرًا عَلَى عِدَّةِ سَرَايَا، وَأَعْظَمُهَا جَيْشُ مُؤْتَةَ وَسَارَ تَحْتَ رَايَتِهِ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ خِيَارُ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ: جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَكَانَ خَلِيقًا بِذَلِكَ لِسَوَابِقِهِ وَفَضْلِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ كَانَ يَبْعَثُ أُسَامَةَ، وَقَدْ أَمَّرَهُ فِي مَرَضِهِ عَلَى جَيْشٍ فِيهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ " مَشْيَخَةِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ، وَكَأَنَّهُ رَأَى فِي ذَلِكَ سِوَى مَا تَوَسَّمَ فِيهِ مِنَ النَّجَابَةِ أَنْ يُمَهِّدَ الْأَمْرَ وَيُوَطِّئَهُ لِمَنْ يَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ، لِئَلَّا يَنْزِعَ أَحَدٌ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، وَلِيَعْلَمَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّ الْعَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةَ قَدْ عَمِيَتْ مَسَالِكُهَا وَخَفِيَتْ مَعَالِمُهَا. (" وَإِنْ كَانَ ") ، أَيْ: أَبُوهُ (" لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا ") ، أَيْ: أُسَامَةَ (" لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ أَبِيهِ زَيْدٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي جَيْشٍ قَطُّ إِلَّا أَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ» . قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: فِيهِ جَوَازُ إِمَارَةِ الْمَوْلَى، وَتَوْلِيةِ الصِّغَارِ عَلَى الْكِبَارِ، وَالْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ: قُلْتُ: وَلَعَلَّ تَأْمِيرَهُ مَعَ تَأْمِيرِ ابْنِهِ وَقَعَ جَبْرًا لِمَا اخْتَارَهُ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ ﷺ خَيَّرَهُ، فَقَدْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أُمُّهُ سُعَدَى بِنْتُ ثَعْلَبَةَ مِنْ بَنِي مَعْنٍ خَرَجَتْ بِهِ تَزُورُ قَوْمَهَا، فَأَغَارَتْ خَيْلٌ لِبَنِي الْقَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَى أَبْيَاتٍ مِنْ بَنِي مَعْنٍ رَهْطِ أُمِّ زَيْدٍ، فَاحْتَمَلُوا زَيْدًا وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ، يُقَالُ: لَهُ ثَمَانِ سِنِينَ، فَوَافَوْا بِهِ سُوقَ عُكَاظَ، فَعُرِضَ لِلْبَيْعِ فَاشْتَرَاهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهَبَتْهُ لَهُ، فَقَبَضَهُ ثُمَّ إِنَّ خَبَرَهُ اتَّصَلَ بِأَهْلِهِ، فَحَضَرَ أَبُوهُ حَارِثَةُ وَعَمُّهُ كَعْبٌ فِي فِدَائِهِ، فَخَيَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ نَفْسِهِ وَالْمَقَامِ عِنْدَهُ، وَبَيْنَ أَهْلِهِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِمْ، فَاخْتَارَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَا يَرَى مِنْ بِرِّهِ لِإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ خَرَجَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْحِجْرِ فَقَالَ: يَا مَنْ حَضَرَ اشْهَدُوا إِنَّ زِيدًا ابْنِي يَرِثُنِي وَأَرِثُهُ فَصَارَ يُدْعَى زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى أَنْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَنَزَلَ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] فَقِيلَ لَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الذُّكُورِ فِي قَوْلٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْبَرَ مِنْهُ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَقِيلَ: بِعِشْرِينَ سَنَةً. وَزَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْلَاتَهُ أُمَّ أَيْمَنَ، فَوَلَدَتْ لَهُ أُسَامَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ بِنْتَ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ طَلَّقَهَا لِتَكَبُّرِهَا عَلَيْهِ، فَتَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٧] .
стр. 8580
رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ أُسَامَةُ وَغَيْرُهُ، وَقُتِلَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْجَيْشِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ) ، أَيْ: نَحْوُ الْحَدِيثِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ سَابِقًا (وَفِي آخِرِهَا) ، أَيْ: رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (" أُوصِيكُمْ بِهِ ") أَيْ: بِأُسَامَةَ (فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِيكُمْ) . أَيْ: مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاحُ فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَإِلَّا فَكَلُّ الصَّحَابَةِ صَالِحُونَ، وَالْخِطَابُ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْحَاضِرِينَ أَوِ الْمَبْعُوثِينَ مَعَهُ.
стр. 8581
٦١٥١ - وَعَنْهُ، قَالَ: «إِنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَذُكِرَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ قَالَ لِعَلِيٍّ: " أَنْتَ مِنِّي " فِي " بَابِ بُلُوغِ الصَّغِيرِ وَحَضَانَتِهِ ".
ــ
٦١٥١ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (قَالَ) ، أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (إِنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ، إِيرَادُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ مَوْلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ (مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ: كَانَ ﷺ تَبَنَّى زَيْدًا وَدَعَاهُ ابْنَهُ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَتَبَنَّى مَوَالِيَهُمْ وَغَيْرَهُمْ فَيَصِيرُ ابْنًا لَهُ يُوَارِثُهُ وَيُنْسَبُ إِلَيْهِ (حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ) ، أَيِ: الْآيَةُ مِنْهُ ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] قَبْلَهُ ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] ادْعُوهُمْ، أَيِ: انْسُبُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ، أَيْ: أَعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] الْآيَةَ. فَرَجَعَ كُلُّ إِنْسَانٍ إِلَى نَسَبِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَذُكِرَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ قَالَ لِعَلِيٍّ: " أَنْتَ مِنِّي " فِي بَابِ بُلُوغِ الصَّغِيرِ وَحَضَانَتِهِ) . بِكَسْرِ الْحَاءِ وَيُفْتَحُ أَيْ تَرْبِيَتِهِ.
стр. 8582
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦١٥٢ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حِجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ " إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦١٥٢ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حِجَّتِهِ. أَيْ حِجَّةِ الْوَدَاعِ (يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ) : بِفَتْحِ الْقَافِ مَمْدُودًا وَيُقْصَرُ، قِيلَ: سُمِّيَتْ قَصْوَاءُ لَا لِأَنَّهَا مَجْدُوعَةُ الْأُذُنُ، بَلْ لِأَنَّ الْقَصْوَاءَ لَقَبٌ لَهَا (يَخْطُبُ) : حَالٌ (فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا ") : مَوْصُولَةٌ صِلَتُهَا (" إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ ") ، أَيْ: تَمَسَّكْتُمْ بِهِ عِلْمًا وَعَمَلًا (" لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ") ، أَيْ: بَعْدَ أَخْذِ ذَلِكَ الشَّيْءِ (" كِتَابَ اللَّهِ ") بِالنَّصْبِ، بَيَانُ مَا فِي (مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ، أَوْ بَدَلٌ أَوْ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ؛ أَيْ هُوَ كِتَابُ اللَّهِ (" وَعِتْرَتِي ") : فِي مَحَلِّ نَصْبٍ أَوْ رَفْعٍ، وَقَوْلُهُ: (" أَهْلَ بَيْتِي ") . مُعْرَبٌ مِنْ وَجْهَيْنِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: عِتْرَةُ الرَّجُلِ أَهْلُ بَيْتِهِ وَرَهْطُهُ الْأَدْنَوْنَ، وَلِاسْتِعْمَالِهِمُ الْعِتْرَةَ عَلَى أَنْحَاءٍ كَثِيرَةٍ بَيَّنَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: أَهْلَ بَيْتِي، لِيُعْلَمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ نَسْلَهُ وَعِصَابَتَهُ الْأَدْنَيْنَ وَأَزْوَاجَهُ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِالْأَخْذِ بِهِمُ التَّمَسُّكُ بِمَحَبَّتِهِمْ وَمُحَافَظَةُ حُرْمَتِهِمْ وَالْعَمَلُ بِرِوَايَتِهِمْ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَقَالَتِهِمْ، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَخْذَ السُّنَّةِ مِنْ غَيْرِهِمْ لِقَوْلِهِ ﷺ : " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ " وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: التَّمَسُّكُ بِالْكِتَابِ الْعَمَلُ بِمَا فِيهِ وَهُوَ الِائْتِمَارُ بِأَوَامِرِ اللَّهِ وَالِانْتِهَاءُ بِنَوَاهِيهِ، وَمَعْنَى التَّمَسُّكِ بِالْعِتْرَةِ مَحَبَّتُهُمْ وَالِاهْتِدَاءُ بِهَدْيِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ. زَادَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلدِّينِ. قُلْتُ: بِإِطْلَاقِهِ ﷺ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْ يَكُونُ مِنْ عِتْرَتِهِ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَكُونُ هَدْيُهُ سِيرَتُهُ إِلَّا مُطَابِقًا لِلشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8583
٦١٥٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٥٣ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي ") أَيْ بَعْدَ فَوْتِي وَفِي نُسْخَةٍ بَعْدَ مَوْتِي (" أَحَدُهُمَا ") وَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ (" أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ ") : وَهُوَ الْعِتْرَةُ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (كِتَابَ اللَّهِ) : بِالنَّصْبِ وَبِالرَّفْعِ وَهُوَ أَظْهَرُ هُنَا لِقَوْلِهِ: (حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) أَيْ قَابِلٌ لِلتَّرَقِّي وَالتَّنَزُّلِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَسَبَقَ بُرْهَانُهُ (وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: " إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ التَّوْأَمَيْنِ الْخَلَفَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّهُ يُوصِي الْأُمَّةَ بِحُسْنِ الْمُخَالَفَةِ مَعَهُمَا وَإِيثَارِ حَقِّهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَمَا يُوصِي الْأَبُ الْمُشْفِقُ النَّاسَ فِي حَقِّ أَوْلَادِهِ، وَيُعَضِّدُهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ: " أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي " كَمَا يَقُولُ الْأَبُ الْمُشْفِقُ: اللَّهَ اللَّهَ فِي حَقِّ أَوْلَادِي، وَأَقُولُ: الْأَظْهَرُ هُوَ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ غَالِبًا يَكُونُونَ أَعْرَفَ بِصَاحِبِ الْبَيْتِ وَأَحْوَالِهِ، فَالْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُمُ الْمُطَّلِعُونَ عَلَى سِيرَتِهِ، الْوَاقِفُونَ عَلَى طَرِيقَتِهِ، الْعَارِفُونَ بِحُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَلِهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونُوا مُقَابِلًا لِكِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذُكِرَ عِنْدَهُ قَضَاءٌ قَضَى بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَأَعْجَبَهُ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِينَا الْحِكْمَةَ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْيَقِينِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مِسْعَرٍ الْيَرْبُوعِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ لِلْحَسَنِ: كَمْ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ؟ قَالَ: أَرْبَعُ أَصَابِعَ. قَالَ: بَيِّنْ. قَالَ: الْيَقِينُ مَا رَأَتْهُ عَيْنُكَ، وَالْإِيمَانُ مَا سَمِعَتْهُ أُذُنُكَ وَصَدَّقَتْ بِهِ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ مِمَّنْ أَنْتَ مِنْهُ ذَرِّيَةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَقَارَفَ الزُّهْرِيُّ فَهَامَ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ لَهُ زَيْنُ الْعَابِدِينَ: قُنُوطُكَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَعْظَمُ عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبِكَ. فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ فَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَحَالِهِ. (" وَلَنْ يَتَفَرَّقَا ") أَيْ كِتَابُ اللَّهِ وَعِتْرَتِي فِي مَوَاقِفِ الْقِيَامَةِ (" حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ") ، أَيِ الْكَوْثَرَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي تَفْصِيلٍ مُجْمَلٍ لِحَدِيثِ " مَا " مَوْصُولَةٌ، وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ صِلَتُهَا، وَإِمْسَاكُ الشَّيْءِ التَّعَلُّقُ بِهِ وَحِفْظُهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] وَتَمَسَّكَ بِالشَّيْءِ إِذَا تَحَرَّى الْإِمْسَاكَ بِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ التَّمَسُّكَ عَقَبَهً بِالْمُتَمَسِّكِ بِهِ صَرِيحًا وَهُوَ الْحَبْلُ فِي قَوْلِهِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فِيهِ تَلْوِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] كَأَنَّ النَّاسَ وَاقِعُونَ فِي مَهْوَاةِ طَبِيعَتِهِمْ مُشْتَغِلُونَ بِشَهْوَتِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ بِلُطْفِهِ رَفَعَهُمْ فَأَدْنَى حَبْلَ الْقُرْآنِ إِلَيْهِمْ لِيُخَلِّصَهُمْ. مِنْ تِلْكَ الْوَرْطَةِ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ نَجَا، وَمَنْ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ هَلَكَ، وَمَعْنَى كَوْنِ أَحَدِهِمَا أَعْظَمَ مِنَ الْآخَرِ أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ أُسْوَةٌ لِلْعِتْرَةِ وَعَلَيْهِمُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي هَذِهِ التَّوْصِيَةِ وَاقْتِرَانِ الْعِتْرَةِ بِالْقُرْآنِ أَنَّ إِيجَابَ مَحَبَّتِهِمْ لَائِحٌ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فَإِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ شُكْرَ إِنْعَامِهِ وَإِحْسَانِهِ بِالْقُرْآنِ مَنُوطًا بِمَحَبَّتِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ، فَكَأَنَّهُ ﷺ يُوصِي الْأُمَّةَ بِقِيَامِ الشُّكْرِ، وَقَيَّدَ تِلْكَ النِّعْمَةَ بِهِ، وَيُحَذِّرُهُمْ عَنِ الْكُفْرَانِ، فَمَنْ أَقَامَ بِالْوَصِيَّةِ. وَشَكَرَ تِلْكَ الصَّنِيعَةَ بِحُسْنِ الْخِلَافَةِ فِيهِمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، فَلَا يُفَارِقَانِهِ فِي مَوَاطِنِ الْقِيَامَةِ وَمَشَاهِدِهَا حَتَّى يَرِدَ الْحَوْضَ، فَشَكَرَ صَنِيعَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحِينَئِذٍ هُوَ بِنَفْسِهِ يُكَافِئُهُ وَاللَّهُ تَعَالَى يُجَازِيهِ بِالْجَزَاءِ الْأَوْفَى، وَمَنْ أَضَاعَ الْوَصِيَّةَ وَكَفَرَ النِّعْمَةَ فَحُكْمُهُ عَلَى الْعَكْسِ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَسُنَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: (" فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ") وَالنَّظَرُ بِمَعْنَى التَّأَمُّلِ وَالتَّفَكُّرِ أَيْ: تَأَمَّلُوا وَاسْتَعْمِلُوا الرَّوِيَّةَ فِي اسْتِخْلَافِي إِيَّاكُمْ هَلْ تَكُونُونَ خَلَفَ صِدْقٍ أَوْ خَلَفَ سُوءٍ. اهـ. وَتَجَوُّلُهُ: تَخْلُفُونِّي بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَتُخَفُّفُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَلَفْظُهُ: " «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ".
стр. 8584
٦١٥٤ - وَعَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ: " «أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَهُمْ، وَسِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَهُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٥٤ - (وَعَنْهُ) : - أَيْ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ) ، أَيْ: لِأَجْلِهِمْ وَفِي حَقِّهِمْ (" أَنَا حَرْبٌ ") ، أَيْ: مُحَارِبٌ، وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ وَأَبَاهُمَا وَأَمَّهُمَا كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ (" لِمَنْ حَارَبَهُمْ ") جَعَلَ ﷺ نَفْسَهُ نَفْسَ الْحَرْبِ مُبَالَغَةً كَرَجُلٍ عَدْلٍ (" وَسِلْمٌ ") : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَيُفْتَحُ أَيْ مُسَالِمٌ وَمُصَالِحٌ (" لِمَنْ سَالَمَهُمْ ") . وَالْمَعْنَى: مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَنِي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8585
٦١٥٥ - وَعَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: «دَخَلْتُ مَعَ عَمَّتِي عَلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلْتُ: أَيُّ النَّاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: فَاطِمَةُ. فَقِيلَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَتْ: زَوْجُهَا إِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.»
ــ
٦١٥٥ - (وَعَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ: تَيْمِيٌّ مِنَ الْكُوفَةِ، قَالَ السَّخَاوِيُّ: سَمِعَ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، رَوَى عَنْهُ الْعَلَاءُ بَنُ صَالِحٍ، وَصَدَقَةُ بْنُ الْمُثَنَّى (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَمَّتِي عَلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلْتُ) ، أَيْ: أَنَا، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ أَيْ عَمَّتِي (أَيُّ النَّاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ) ، أَيْ: عَائِشَةُ (فَاطِمَةُ) أَيْ هِيَ كَانَتْ أَحَبَّ (فَقِيلَ: مِنَ الرِّجَالِ) ؟ أَيْ هَذَا جَوَابُكِ مِنَ النِّسَاءِ فَمَنْ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الرِّجَالِ؟ (قَالَتْ: زَوْجُهَا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَفِي الرِّيَاضِ «عَنْ عَائِشَةَ، سُئِلَتْ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: فَاطِمَةُ فَقِيلَ مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَتْ: زَوْجُهَا؛ إِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا،» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَفِي الْأَزْهَارِ رَوَاهُ السُّدِّيُّ وَقَالَ الْحَاكِمُ: السُّدِّيُّ شِيعِيٌّ يَسُبُّ الشَّيْخَيْنِ. اهـ.
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ السُّدِّيَّ شَخْصَانِ: كَبِيرٌ وَهُوَ سُنِّيٌّ، وَصَغِيرٌ وَهُوَ رَافِضِيٌّ. قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ: مِنْ إِمَارَاتِ كَوْنِ الْحَدِيثِ مَوْضُوعًا أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي رَافِضِيًّا، وَالْحَدِيثُ فِي فَضَائِلِ أَهْلِ الْبَيْتِ. قَالَ الشَّيْخُ الْحَافِظُ عَلِيُّ بْنُ عِرَاقٍ فِي كِتَابِ: تَنْزِيهِ الشَّرِيعَةِ الْمَرْفُوعَةِ عَنِ الْأَخْبَارِ الشَّنِيعَةِ الْمَوْضُوعَةِ، أَوْ فِي ذَمِّ مَنْ حَارَبَهُمْ، وَذَكَرَ بَعْضُ شُيُوخِي أَنَّهُ رَوَى عَنْ شَيْخِهِ الْحَافِظِ الْمُحَدِّثِ الْبُرْهَانِ النَّاجِي بِالنُّونِ أَنَّ مِنْ أَمَارَاتِ الْمَوْضُوعِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ، وَأُعْطَى ثَوَابُ نَبِيٍّ أَوِ النَّبِيِّينَ وَنَحْوِهِمَا. قُلْتُ: كَلَامُ السُّيُوطِيِّ وَابْنِ عِرَاقٍ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِمَا إِذَا وُجِدَ فِيهِ مُبَالَغَةٌ زَائِدَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ فِي مَدْحِ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ ذَمِّ أَعْدَائِهِمْ، وَإِلَّا فَفَضْلُ أَهْلِ الْبَيْتِ وَذَمُّ مَنْ حَارَبَهُمْ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَأَكَابِرِ أَئِمَّةِ الْأُمَّةِ، ثُمَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَكْثَرِيَّةِ الْمَحَبَّةِ تَحَقُّقُ الْأَفْضَلِيَّةِ إِذْ مَحَبَّةُ الْأَوْلَادِ، وَبَعْضِ الْأَقَارِبِ أَمْرٌ جِبِلِيٌّ مَعَ الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ بِأَنَّ غَيْرَهُمْ قَدْ يُوجَدُ أَفْضَلَ مِنْهُمْ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَجَانِبِ فَالْأَفْضَلِيَّةُ تُوجِبُ زِيَادَةَ الْمَحَبَّةِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَحْوَالِ.
стр. 8586
٦١٥٦ - وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ، «أَنَّ الْعَبَّاسَ ﵁ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُغْضَبًا وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: " مَا أَغْضَبَكَ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَنَا وَلِقُرَيْشٍ إِذَا تَلَاقَوْا بَيْنَهُمْ تَلَاقَوْا بِوُجُوهٍ مُبْشَرَةٍ. وَإِذَا لَقُونَا لَقُونَا بِغَيْرِ ذَلِكَ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ " ثُمَّ قَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي، فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي " الْمَصَابِيحِ " عَنِ الْمُطَّلِبِ.
ــ
٦١٥٦ - (وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ) أَيِ ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ الْهَاشِمِيِّ سَكَنَ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ عَنْهَا إِلَى دِمَشْقَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ. رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ. (أَنَّ الْعَبَّاسَ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُغْضَبًا) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: " مَا أَغْضَبَكَ ") ؟ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَكَ غَضْبَانَ؟ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَنَا) ، أَيْ: مَعْشَرَ بَنِي هَاشِمٍ (وَلِقُرَيْشٍ) ، أَيْ: بَقِيَّتِهِمْ (إِذَا تَلَاقَوْا بَيْنَهُمْ تَلَاقَوْا بِوُجُوهٍ مُبْشَرَةٍ) عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ مِنَ الْإِبْشَارِ. وَرُوِيَ مِنَ التَّبْشِيرِ، وَعَلَيْهِ بَعْضُ النُّسَخِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ مُسْفِرَةٍ يَعْنِي عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْإِسْفَارِ بِمَعْنَى مُضِيئَةٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ
стр. 8587
الْبَاءِ وَفَتْحِ الشِّينِ يُرِيدُ بِوُجُوهٍ عَلَيْهَا الْبِشْرُ مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ مُؤْدَمٌ مُبْشَرٌ إِذَا كَانَتْ لَهُ أَدَمَةٌ وَبَشَرَةٌ مَحْمُودَتَيْنِ. اهـ. وَالْمَعْنَى تَلَاقَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِوُجُوهٍ ذَاتِ بِشْرٍ وَبَسْطٍ. (وَإِذَا لَقُونَا) : بِضَمِّ الْقَافِ (لَقُونَا بِغَيْرِ ذَلِكَ) ؟ أَيْ بِوُجُوهٍ ذَاتِ قَبْضٍ وَعُبُوسٍ، وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّهُمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. (فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: مِنْ إِظْهَارِ ذَلِكَ أَوْ مِنْ أَصْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ الذَّمِيمَةِ. (حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ) أَيِ اشْتَدَّ حُمْرَتُهُ مِنْ كَثْرَةِ غَضَبِهِ (ثُمَّ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ ") ، أَيْ: مُطْلَقًا وَأُرِيدَ بِهِ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ، أَوِ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ، فَالْمُرَادُ بِهِ تَحْصِيلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكِيدِ (" حَتَّى يُحِبَّكُمْ ") ، أَيْ: أَهْلَ الْبَيْتِ (" لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ") . أَيْ مِنْ حَيْثُ أَظْهَرَ رَسُولَهُ فِيكُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ، وَقَدْ كَانَ يَتَفَوَّهُ أَبُو جَهْلٍ حَيْثُ يَقُولُ: إِذَا كَانَ بَنُو هَاشِمٍ أَخَذُوا الرَّايَةَ وَالسِّقَايَةَ وَالنُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ فَمَا بَقِيَ لِبَقِيَّةِ قُرَيْشٍ (" ثُمَّ قَالَ: "؟ أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ آذَى عَمِّي ") ، أَيْ: خُصُوصًا (" فَقَدْ آذَانِي ") أَيْ فَكَأَنَّهُ آذَانِي (" فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ ") . بِكَسْرِ الصَّادِ وَسُكُونِ نُونٍ أَيْ مِثْلُهُ، وَأَصْلُهُ أَنْ يَطَلَعَ نَخْلَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ مِنْ أَصْلِ عِرْقٍ وَاحِدٍ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُنَّ صِنْوٌ يَعْنِي مَا عَمُّ الرَّجُلِ وَأَبَوْهُ إِلَّا كَصِنْوَيْنِ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، فَهُوَ مِثْلُ أَبِي أَوْ مِثْلِي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . أَيْ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (وَفِي الْمَصَابِيحِ، عَنِ الْمُطَّلِبِ) . قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الْمُطَّلِبُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ الْقُرَشِيُّ، كَانَ عَامِلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ. وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، قَدِمَ مِصْرَ لِغَزْوِ إِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَمْ يَقَعْ إِلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ عَنْهُ رِوَايَةٌ. اهـ. فَمَا وَقَعَ فِي الْمَصَابِيحِ سَهْوٌ سَبَبُهُ وَهْمٌ.
وَفِي الْجَامِعِ: رَوَى التِّرْمِذِيُّ! عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ وَأَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ، وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «الْعَبَّاسُ عَمِّي وَصِنْوُ أَبِي فَمَنْ شَاءَ فَلْيُبَاهِ بِعَمِّهِ» ". وَفِي ذَخَائِرِ الْعَقَبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَخْرُجُ فَنَرَى قُرَيْشًا تَتَحَدَّثُ، فَإِذَا رَأَوْنَا سَكَتُوا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدَرَّ عِرْقُ الْغَضَبِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ امْرِئٍ إِيمَانٌ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِي» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ: " نَبِيُّنَا خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ أَبُوكِ، وَشَهِيدُنَا خَيْرُ الشُّهَدَاءِ وَهُوَ عَمُّ أَبِيكِ حَمْزَةُ، وَمِنَّا مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِيكِ، وَمِنَّا سِبْطُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَهُمَا ابْنَاكِ وَمِنَّا الْمَهْدِيُّ» ". أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ.
стр. 8588
٦١٥٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْعَبَّاسُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٥٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْعَبَّاسُ مِنِّي ") ، أَيْ: مِنْ أَقَارِبِي أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي أَوْ مُتَّصِلٌ بِي (" وَأَنَا مِنْهُ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا الْحَاكِمُ. وَرَوَى الْخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " «الْعَبَّاسُ وَصِيِّي وَوَارِثِي» " وَكَانَ الْعَبَّاسُ أَكْبَرَ مِنْهُ ﷺ بِسَنَتَيْنِ، وَمِنْ لَطَائِفِ طَبْعِهِ وَحُسْنِ أَدَبِهِ أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَكْبَرُ أَمِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: هُوَ أَكْبَرُ وَأَنَا أَسَنُّ. قَلَّلَ الْمُؤَلِّفُ: وَأَمُّهُ امْرَأَةٌ مِنَ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ وَهِيَ أَوَّلُ عَرَبِيَّةٍ كَسَتِ الْكَعْبَةَ الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ وَأَصْنَافَ الْكِسْوَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبَّاسَ ضَلَّ وَهُوَ صَبِيٌّ، فَنَذَرَتْ إِنْ وَجَدَتْهُ أَنْ تَكْسُوَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ فَوَجَدَتْهُ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ رَئِيسًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِلَيْهِ كَانَتْ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالسِّقَايَةُ، أَمَّا السِّقَايَةُ: فَهِيَ مَعْرُوفَةٌ، وَأَمَّا الْعِمَارَةُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ قُرَيْشًا عَلَى عِمَارَتِهِ وَتَرْكِ السِّبَابِ فِيهِ وَقَوْلَةِ الْهَجْرِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: أَعْتَقَ الْعَبَّاسُ عِنْدَ مَوْتِهِ سَبْعِينَ مَمْلُوكًا، وُلِدَ قَبْلَ سَنَةِ الْفِيلِ، وَمَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَكَانَ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَكَتَمَ إِسْلَامَهُ، وَخَرَجَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مُكْرَهًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «مَنْ لَقِيَ الْعَبَّاسَ فَلَا يَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ خَرَجَ مُكْرَهًا» " فَأَسَرَهُ أَبُو الْيَسَرِ كَعْبُ بْنُ عُمَرَ، فَفَادَى نَفْسَهُ وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ.
стр. 8589
٦١٥٨ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ: " إِذَا كَانَ غَدَاةَ الِاثْنَيْنِ فَأْتِنِي أَنْتَ وَوَلَدُكَ حَتَّى أَدْعُوَ لَهُمْ بِدَعْوَةٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا وَوَلَدَكَ " فَغَدَا وَغَدَوْنَا مَعَهُ، وَأَلْبَسَنَا كِسَاءَهُ ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْعَبَّاسِ وَوَلَدِهِ مَغْفِرَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً لَا تُغَادِرُ ذَنْبًا، اللَّهُمَّ احْفَظْهُ فِي وَلَدِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَزَادَ رَزِينٌ: " وَاجْعَلِ الْخِلَافَةَ بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ " وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦١٥٨ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ: " إِذَا كَانَ غَدَاةَ الِاثْنَيْنِ ") : بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَقَدْ عَدُّوا قَوْلَ الشَّاعِرِ:
وَكُلُّ سِرٍّ جَاوَزَ الإِثْنَيْنِ شَاعْ
لَحْنًا لِعَدَمِ اتِّزَانِهِ إِلَّا بِهَمْزِ الْقَطْعِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ. (" فَائْتِنِي أَنْتَ وَوَلَدَيْكَ ") : بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمٍّ وَسُكُونٍ أَيْ: أَوْلَادَكَ (حَتَّى أَدْعُوَ لَهُمْ) ، أَيْ: لِلْأَوْلَادِ مَعَكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ كَذَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ لَكُمْ. اهـ. وَالْمَعْنَى حَتَّى أَدْعُوَ لَكُمْ جَمِيعًا (بِدَعْوَةٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ وَوَلَدَكَ) ، أَيْ وَيَنْفَعُ بِهَا أَوْلَادَكَ. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَغَدَا) ، أَيِ: الْعَبَّاسُ (وَغَدَوْنَا) ، أَيْ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَوْلَادِ (مَعَهُ) وَالْمَعْنَى فَذَهَبْنَا جَمِيعَنَا إِلَيْهِ ﷺ وَأَبْعَدَ شَارِحٌ فِي قَوْلِهِ أَيْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَأَلْبَسَنَا) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ جَمِيعًا أَوْ نَحْنُ الْأَوْلَادَ مَعَ الْعَبَّاسِ (كِسَاءَهُ) ، أَيْ: لِبَاسَهُ الْخَاصَّ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَاصِ وَإِرَادَةِ الْإِخْلَاصِ (ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْعَبَّاسِ وَوَلَدِهِ ") ، أَيْ: أَوْلَادِهِ (" مَغْفِرَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ") ، أَيْ: مَا ظَهَرَ مِنَ الذُّنُوبِ وَمَا بَطَنَ مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا إِلَّا عَلَّامُ الْغُيُوبِ (" لَا تُغَادِرُ ") ، أَيْ: لَا تَتْرُكُ تِلْكَ الْمَغْفِرَةُ (" ذَنْبًا ") ، أَيْ: غَيْرَ مَغْفُورٍ (" اللَّهُمَّ احْفَظْهُ فِي وَلَدِهِ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ رَزِينٌ: " وَاجْعَلِ الْخِلَافَةَ بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ". (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُمْ خَاصَّتُهُ وَأَنْعَمَ بِمَثَابَةِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي يَشْمَلُهَا كِسَاءٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَبْسُطَ عَلَيْهِمْ رَحْمَتَهُ بَسْطَ الْكِسَاءِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ يَجْعَلُهُمْ فِي الْآخِرَةِ تَحْتَ لِوَائِهِ، وَفِي هَذِهِ الدَّارِ تَحْتَ رَايَتِهِ. لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَنُصْرَةِ دَعْوَةِ رَسُولِهِ، اللَّهُمَّ احْفَظْهُ فِي وَلَدِهِ أَيْ: أَكْرِمْهُ وَرَاعِ أَمْرَهُ كَيْلَا يَضِيعَ فِي شَأْنِ وَلَدِهِ، وَهَذَا مَعْنَى رِوَايَةِ رَزِينٍ وَاجْعَلِ الْخِلَافَةَ بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ.
стр. 8590
٦١٥٩ - «وَعَنْهُ أَنَّهُ رَأَى جِبْرَئِيلَ مَرَّتَيْنِ، وَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٥٩ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّهُ) ، أَيِ: ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَارِحٌ (رَأَى جِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ) : رَوَى ابْنُ النَّجَّارِ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ قُلْتُ لِأَبِي: أَمَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَحْسَنَ وَجْهًا مِنْهُ. فَقَالَ لِي: أَهْوَ كَانَ أَحْسَنَ وَجْهًا أَمِ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قُلْتُ: هُوَ، قَالَ: فَارْجِعْ بِنَا فَرَجَعْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ مَعَكَ؟ زَعَمَ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ أَحْسَنَ وَجْهًا مِنْكَ. قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، أَمَا إِنَّهُ حِينَ دَخَلْتُمَا قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ مَنْ هَذَا الْغُلَامُ؟ قُلْتُ: ابْنُ عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ: إِنَّهُ لَمَحَلٌّ لِلْخَيْرِ، قُلْتُ: يَا رُوحَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ مِنْهُ كَثِيرًا طَيِّبًا» اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ (أَحْسَنَ) يَحْتَاجُ إِلَى تَوْجِيهٍ حَسَنٍ وَتَأْوِيلٍ مُسْتَحْسَنٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا رَآهُ أَوَّلَ نَظْرَةٍ اسْتَحْسَنَهُ بِحَيْثُ إِنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْسَنُ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي الْمَرْئِيَّاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ أَوَّلًا، أَوْ لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِ مُنْبَسِطًا عَلَيْهِ، أَوْ لِعَدَمِ تَمْيِيزِ ابْنِ عَبَّاسٍ حِينَئِذٍ مَعَ الْمُنَاسَبَةِ الطُّفُولِيَّةِ الْمُشَابِهَةِ بِالصِّفَةِ الْمِلْكِيَّةِ الَّتِي كَأَنَّهَا عِلَّةُ الضَّمِّ مِنَ الْجِنْسِيَّةِ، وَإِلَّا فَجِبْرِيلُ ﵇ كَانَ يَظْهَرُ عَلَى صُورَةِ دِحْيَةَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ كَانَ أَحْسَنَ صُورَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَدَعَا لَهُ) ، أَيْ: لِابْنِ عَبَّاسٍ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ) . أَيْ مَرَّةً بِإِعْطَاءِ الْحِكْمَةِ أَوْ عِلْمِ الْكِتَابِ حِينَ ضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَمَرَّةً بِتَعْلِيمِ الْفِقْهِ حِينَ خَدَمَهُ بِوَضْعِ مَاءِ وُضُوئِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8591
٦١٦٠ - «وَعَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: دَعَا لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُؤْتِيَنِي اللَّهُ الْحِكْمَةَ مَرَّتَيْنِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٦٠ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّهُ قَالَ: دَعَا لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُؤْتِيَنِي اللَّهُ الْحِكْمَةَ) ، أَيِ: الْعِلْمَ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَفُرُوعِهَا (مَرَّتَيْنِ) أَيْ مَرَّةً بِلَفْظِ الْحِكْمَةِ، وَمَرَّةً بِعِبَارَةِ الْفِقْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا فِي مَجْلِسَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8592
٦١٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ جَعْفَرٌ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَنِّيهِ بِأَبِي الْمَسَاكِينِ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٦١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ جَعْفَرٌ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ) ، أَيْ: مَحَبَّةً زَائِدَةً (وَيَجْلِسُ إِلَيْهِمْ) أَيْ وَيَتَوَاضَعُ لَدَيْهِمْ (وَيُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ) أَيْ بِالْمُؤَانَسَةِ (فَكَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَكَانَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكُنِّيهِ) ، أَيْ: لِكَثْرَةِ مَا ذُكِرَ (بِأَبِي الْمَسَاكِينِ) . أَيْ: مُلَازِمُهُمْ وَمُدَاوِمُهُمْ، كَمَا كَنَّى عَلِيًّا بِأَبِي تُرَابٍ لِمُبَاشَرَتِهِ وَمُعَاشَرَتِهِ بِقُعُودِهِ وَرُقُودِهِ عَلَيْهِ، وَكَمَا يُقَالُ لِلصُّوفِيِّ: أَبُو الْوَقْتِ وَابْنُ الْوَقْفِ، وَلِلْمُسَافِرِ ابْنُ السَّبِيلِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8593
٦١٦٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رَأَيْتُ جَعْفَرًا يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦١٦٢ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ جَعْفَرًا يَطِيرُ) ، أَيْ: بِأَجْنِحَةٍ رُوحَانِيَّةٍ أَوْ جُسْمَانِيَّةٍ (" فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ ") . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَانَ جَعْفَرٌ قَدْ أُصِيبَ بِمَؤْتَةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَهُوَ أَمِيرٌ بِيَدِهِ رَايَةُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَقَاتَلَ فِي اللَّهِ حَتَّى قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، فَأُرِي نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِيمَا كُوشِفَ؟ أَنَّ لَهُ جَنَاحَيْنِ مُلَطَّخَيْنِ بِالدَّمِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 8594
٦١٦٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٦٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ") . قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي هُمَا أَفْضَلُ مَنْ مَاتَ شَابًّا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ سِنَّ الشَّبَابِ، لِأَنَّهُمَا مَاتَا وَقَدْ كَهِلًا، بَلْ مَا يَفْعَلُهُ الشَّبَابُ مِنَ الْمُرُوَّةِ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ فَتًى وَإِنْ كَانَ شَيْخًا يُشِيرُ إِلَى مُرُوَّتِهِ وَفُتُوَّتِهِ، أَوْ أَنَّهُمَا سَيِّدَا أَهْلِ الْجَنَّةِ سِوَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ كُلَّهُمْ فِي سِنٍّ وَاحِدٍ وَهُوَ الشَّبَابُ، وَلَيْسَ فِيهِمْ شَيْخٌ وَلَا كَهْلٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ هُمَا الْآنَ سَيِّدَا شَبَابِ مَنْ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ شَبَابِ هَذَا الزَّمَانِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَكَذَا أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُمَرَ وَعَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ جَابِرٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَعَنِ الْبَرَاءِ، وَابْنِ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ - وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَفْظُهُ: " «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا» ". وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ قُرَّةَ وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: " «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا ابْنَيِ الْخَالَةِ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، وَفَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ» ".
стр. 8595
٦١٦٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ هُمَا رَيْحَانَيَّ مِنَ الدُّنْيَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.
ــ
٦١٦٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ هُمَا رَيْحَانَيَّ ") : بِفَتْحِ نُونٍ وَتَشْدِيدِ يَاءٍ كَمَا سَبَقَ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مَا رَيْحَانَايَ، وَفِي نُسْخَةٍ رَيْحَانِي بِكَسْرِ النُّونِ (" مِنَ الدُّنْيَا " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ سَبَقَ) ، أَيْ: هَذَا الْحَدِيثُ (فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ) قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ، قُلْتُ: وَيُدْفَعُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ وَقَعَتْ فِي مَحَلِّهِ، وَهَذَا رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ جَاءَ فِي مَوْضِعِهِ فَلَا تَكْرَارَ مَعَ أَنَّ اللَّفْظَيْنِ مُتَغَايِرَانِ فِي الْجُمْلَةِ.
стр. 8596
٦١٦٥ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: «طَرَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي بَعْضِ الْحَاجَةِ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى شَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَاجَتِي قُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَنْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ؟ فَكَشَفَهُ، فَإِذَا الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى وَرِكَيْهِ. فَقَالَ: " هَذَانِ ابْنَايَ وَابْنَا ابْنَتِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٦٥ - (وَعَنْ أَسَامِةَ بْنِ زَيْدٍ) ، أَيِ: ابْنِ حَارِثَةَ (قَالَ: طَرَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ ) أَيْ: طَلَبْتُ الطَّرِيقَ إِلَيْهِ فَفِي الْقَامُوسِ الطَّرْقُ الْإِتْيَانُ بِاللَّيْلِ كَالطُّرُوقِ، فَفِي الْكَلَامِ تَجْرِيدٌ أَوْ تَأْكِيدٌ، وَالْمَعْنَى أَتَيْتُهُ (ذَاتَ لَيْلَةٍ) ، أَيْ: لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، وَذَاتَ: مُقْحَمَةٌ لِتَأْكِيدِ الْإِبْهَامِ (فِي بَعْضِ الْحَاجَةِ) أَيْ: لِأَجْلِ غَرَضِ حَاجَةٍ مِنَ الْحَاجَاتِ الْحَادِثَةِ فِي الْأَوْقَاتِ (فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ) ، أَيْ: مُحْتَجِبٌ (عَلَى شَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَاجَتِي قُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَنْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ؟ فَكَشَفَهُ) أَيْ: أَزَالَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحِجَابِ، أَوِ الْمَعْنَى فَكَشَفَ الْحِجَابَ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ (فَإِذَا الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى وَرِكَيْهِ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَفِي الْقَامُوسِ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَكَكَتِفٍ مَا فَوْقَ الْفَخِذِ. (فَقَالَ: " هَذَانِ ابْنَايَ ") ، أَيْ: حُكْمًا (" وَابْنَا ابْنَتِي ") أَيْ: حَقِيقَةً (" «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» ") . وَلَعَلَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إِظْهَارِ هَذَا الدُّعَاءِ حَمْلُ أُسَامَةَ زِيَادَةً عَلَى مَحَبَّتِهِمَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8597
٦١٦٦ - وَعَنْ سَلْمَى، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵄ وَهِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَعْنِي فِي الْمَنَامِ - وَعَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ التُّرَابُ فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " شَهِدْتُ قَتْلَ الْحُسَيْنِ آنِفًا " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦١٦٦ - (وَعَنْ سَلْمَى) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ؛ زَوْجَةُ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ قَابِلَةُ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ رَوَى عَنْهَا ابْنُهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ (قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ) : وَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (وَهِيَ تَبْكِي) : أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُنْذِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَقُولُ: مَنْ دَمِعَتْ عَيْنَاهُ فِينَا دَمْعَةً أَوْ قَطَرَتْ عَيْنَاهُ فِينَا قَطْرَةً آتَاهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. (فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ كَافَيْهِ (قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - تَعْنِي فِي الْمَنَامِ -) : هَذَا مِنْ كَلَامِ سَلْمَى، أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهَا أَيْ: تُرِيدُ أُمُّ سَلَمَةَ بِالرُّؤْيَةِ الرُّؤْيَةَ فِي الْمَنَامِ (وَعَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ التُّرَابُ) ، أَيْ: أَثَرُهُ مِنَ الْغُبَارِ (فَقُلْتُ: مَا لَكَ) ، أَيْ: مِنَ الْحَالِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " شَهِدْتُ ") ، أَيْ: حَضَرْتُ (" قَتْلَ الْحُسَيْنِ آنِفًا ") : بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ قَصْرُهَا أَيْ: هَذِهِ السَّاعَةَ الْقَرِيبَةَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفِي سَنَدِهِ حَسَنُ بْنُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَضْعُفُ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَلَمْ يَصِحَّ خَبَرُهُ. قُلْتُ: لِكَنْ يُقَوِّيَهُ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ.
стр. 8598
٦١٦٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: " الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ " وَكَانَ يَقُولُ لِفَاطِمَةَ: " ادْعِي لِي ابْنَيَّ " فَيَشُمُّهُمَا وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦١٦٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: " الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ " وَكَانَ يَقُولُ لِفَاطِمَةَ: " ادْعِي لِي ") : بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا أَيِ: اطْلُبِي لِأَجْلِيَ (" ابْنَيَّ ") : بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ (فَيَشُمُّهُمَا) : بِضَمِّ الشِّينِ وَقَدْ يُفْتَحُ فَفِي الْقَامُوسِ الشَّمُّ حَسُّ الْأَنْفِ شَمِمْتُهُ بِالْكَسْرِ أَشَمُّهُ بِالْفَتْحِ وَشَمَمْتُهُ أَشُمُّهُ بِالضَّمِّ قَالَ غَيْرُهُ: شَمِمْتُ الشَّيْءَ مِنْ بَابِ (فَرِحَ) وَجَاءَ مِنْ بَابِ نَصَرَ لُغَةً فِيهِ، وَالْمَعْنَى فَيَحْضُرَانِ فَيَشُمُّهُمَا لِأَنَّهُمَا رَيْحَانَاهُ (وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ) . أَيْ: بِالِاعْتِنَاقِ وَالِاحْتِضَانِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . وَفِي الذَّخَائِرِ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ قَالَ: جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَسْتَبِقَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، فَجَعَلَ يَدَهُ فِي عُنُقِهِ فَضَمَّهُ إِلَى بَطْنِهِ ﷺ ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَجَعَلَ يَدَهُ الْأُخْرَى فِي رَقَبَتِهِ ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَى بَطْنِهِ ﷺ وَقَبَّلَ هَذَا ثُمَّ قَبَّلَ هَذَا، ثُمَّ قَالَ: " «إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبُّوهُمَا أَيُّهَا النَّاسُ الْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَةٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
стр. 8599
٦١٦٨ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُنَا، إِذْ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " صَدَقَ اللَّهُ (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٦١٦٨ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُنَا إِذْ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا: وَفِي نُسْخَةٍ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ الْحَالِيَّةِ (قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ) ، أَيْ: فِيهِمَا خُطُوطٌ حُمْرٌ (يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ) ، بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَيَجُوزُ تَثْلِيثُهَا فَفِي الْقَامُوسِ: عَثَرَ كَضَرَبَ وَنَصَرَ وَعَلِمَ وَكَرَمَ كَبَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ عَلَى الْأَرْضِ لِصِغَرِهِمَا وَقِلَّةِ قُوَّتِهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ الْكَشَّافِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ (فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا) ، أَيْ: عَلَى كَتِفَيْهِ (وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " صَدَقَ اللَّهُ ") ، أَيْ: فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ﴾ [التغابن: ١٥] أَيْ: بِالْخِطَابِ الْعَامِّ فِتْنَةٌ أَيْ: مِحْنَةٌ (" فَنَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ ") ، أَيْ: عَنْهُمَا لِتَأْثِيرِ الرَّحْمَةِ وَالرِّقَّةِ فِي قَلْبِي (حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي) ، أَيْ: كَلَامِي! فِي الْخُطْبَةِ (" وَرَفَعْتُهُمَا ") ، أَيْ: عِنْدِي لِيَحْصُلَ لَهُمَا الرِّفْعَةُ عِنْدَ اللَّهِ وَعَنْدَ خَلْقِهِ (ثُمَّ أَخَذَ فِي خُطْبَتِهِ) . عَلَى مَا فِي الْكَشَّافِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
стр. 8600
٦١٦٩ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا، حُسَيْنٌ سِبَطٌ مِنَ الْأَسْبَاطِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٦٩ - (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ) : بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ ثَقَفِيٌّ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَخَيْبَرَ وَالْفَتْحَ وَحُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَعِدَادُهُ فِي الْكُوفِيِّينَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ» ") قَالَ الْقَاضِي: كَأَنَّهُ ﷺ عَلِمَ بِنُورِ الْوَحْيِ مَا سَيَحْدُثُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ فَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ وَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي وُجُوبِ الْمَحَبَّةِ وَحُرْمَةِ التَّعَرُّضِ وَالْمُحَارَبَةِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (" «أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا» ") ، فَإِنَّ مَحَبَّتَهُ مَحَبَّةُ الرَّسُولِ، وَمَحَبَّةُ الرَّسُولِ مَحَبَّةُ اللَّهِ (" حُسَيْنٌ سِبَطٌ ") : بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: وَلَدُ ابْنَتِي (" مِنَ الْأَسْبَاطِ ") ، وَمَأْخَذُهُ مِنَ السَّبْطِ بِالْفَتْحِ وَهِيَ شَجَرَةٌ لَهَا أَغْصَانٌ كَثِيرَةٌ، وَأَصْلُهَا وَاحِدٌ. كَانَ الْوَالِدُ. بِمَنْزِلَةِ الشَّجَرَةِ، وَالْأَوْلَادُ بِمَنْزِلَةِ أَغْصَانِهَا. وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ فِي الْخَيْرِ. قَالَ الْقَاضِي: السِّبَطُ وَلَدُ الْوَلَدِ أَيْ: هُوَ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِي أَكَّدَ بِهِ الْبَعْضِيَّةَ وَقَرَّرَهَا. وَيُقَالُ لِلْقَبِيلَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] أَيْ: قَبَائِلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هَا هُنَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَتَشَعَّبُ مِنْهُ قَبِيلَةٌ، وَيَكُونُ مِنْ نَسْلِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، يَكُونُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ نَسْلَهُ يَكُونُ أَكْثَرَ وَأَبْقَى، وَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: وَفَدَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ وَعَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْمِقْدَامِ: أَعَلِمْتَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ تُوُفِّيَ، فَرَجَعَ الْمِقْدَامُ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَتَرَاهَا مُصِيبَةً، وَقَدْ وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ. وَقَالَ: «هَذَا مِنِّي وَحُسَيْنٌ مِنْ عَلِيٍّ» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ مَرْفُوعًا: " «الْحَسَنُ مِنِّي وَالْحُسَيْنُ مِنْ عَلِيٍّ» " لِأَنَّهُ أَرَادَ قِسْمَةَ الْوَالِدَيْنِ لِلْأَبَوَيْنِ، فَالْكَبِيرُ لِلْجَدِّ وَالصَّغِيرُ لِلْأَبِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْعُرْفِ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ أَحَبُّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا» . «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سِبْطَانِ مِنَ الْأَسْبَاطِ» . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ.
стр. 8601
٦١٧٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: الْحَسَنُ أَشْبَهَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ، وَالْحُسَيْنُ أَشْبَهَ النَّبِيَّ ﷺ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٧٠ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: الْحَسَنُ أَشْبَهَ) : فِعْلٌ مَاضٍ أَيْ: شَابَهَ فِي الصُّورَةِ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: بَدَلٌ مِنَ الْفَاعِلِ الْمُضْمَرِ فِي أَشْبَهَ أَوْ مِنَ الْمَفْعُولِ بَدَلُ الْبَعْضِ، وَكَذَا قَوْلُهُ الْآتِي مَا كَانَ أَسْفَلَ (وَالْحُسَيْنُ أَشْبَهَ النَّبِيَّ ﷺ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ) . أَيْ: كَالسَّاقِ وَالْقَدَمِ، فَكَانَ الْأَكْبَرُ أَخَذَ الشَّبَهَ الْأَقْدَمَ لِكَوْنِهِ أَسْبَقَ وَالْبَاقِي لِلْأَصْغَرِ قَدْ تَحَقَّقَ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَأْخُذَا شَبَهًا كَبِيرًا مِنْ وَالِدَيْهِمَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
стр. 8602
٦١٧١ - «وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِأُمِّي: دَعِينِي آتِي النَّبِيَّ ﷺ فَأُصَلِّي مَعَهُ الْمَغْرِبَ وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي وَلَكِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْمَغْرِبَ، فَصَلَّى حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ انْفَتَلَ فَتَبِعْتُهُ، فَسَمِعَ صَوْتِي، فَقَالَ: " مَنْ هَذَا؟ حُذَيْفَةُ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " مَا حَاجَتُكَ؟ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَلِأُمِّكِ، إِنَّ هَذَا مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلِ الْأَرْضَ قَطُّ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَيُبَشِّرَنِي بِأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦١٧١ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأُمِّي: دَعِينِي) ، أَيِ: اتْرُكِينِي وَخَلِّي سَبِيلِي (آتِي) : بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فَهُوَ اسْتِئْنَافٌ أَيْ: أَنَا آتِي (النَّبِيَّ ﷺ فَأُصَلِّي مَعَهُ الْمَغْرِبَ) : وَلَعَلَّهَا كَانَتْ تَمْنَعُهُ لِبُعْدِ مَحَلِّهِ خَوْفًا عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا (وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي وَلَكِ) ، أَيْ: فَأَذِنَتْ لِي (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْمَغْرِبَ، فَصَلَّى) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ النَّوَافِلَ (حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ انْفَتَلَ) ، أَيِ: انْصَرَفَ وَرَجَعَ (فَتَبِعْتُهُ، فَسَمِعَ صَوْتِي) ، أَيْ: صَوْتَ حَرَكَةِ رِجْلِي (فَقَالَ: " مَنْ هَذَا؟ حُذَيْفَةُ ") ؟ أَيْ: فَقَالَ قَبْلَ جَوَابِي! حُذَيْفَةُ لِمَا عَلِمَ مِنْ نُورِ النُّبُوَّةِ أَوْ طَرِيقِ الْفَرَاسَةِ، وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: أَهَذَا أَوْ هُوَ أَوْ أَنْتَ حُذَيْفَةُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " مَا حَاجَتُكَ؟ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَلِأُمِّكِ) ، وَهَذَا إِبْهَامٌ وَتَبْيِينٌ لِلْحَاجَةِ السَّابِقَةِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ وَقَالَ: (" إِنَّ هَذَا ") ، أَيِ: الْمَحْسُوسَ عِنْدَهُ ﷺ الْمَلْحُوظَ حُكْمًا عِنْدَ حُذَيْفَةَ (" مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلِ الْأَرْضَ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ ") ، فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَعْظِيمِ الْأَمْرِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ (" اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَيُبَشِّرَنِي بِأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . وَفِي الذَّخَائِرِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
стр. 8603
٦١٧٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَامِلًا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ، قَالَ رَجُلٌ: نِعْمَ الْمَرْكَبُ رَكِبْتَ يَا غُلَامُ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " وَنِعْمَ الرَّاكِبُ هُوَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٧٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَامِلًا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ) : وَفِي رِوَايَةٍ حَامِلًا لِلْحَسَنِ (عَلَى عَاتِقِهِ) : بِكَسْرِ التَّاءِ أَيْ: مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ وَعُنُقِهِ (فَقَالَ رَجُلٌ: نِعْمَ الْمَرْكَبُ) ، أَيْ: هُوَ (رَكِبْتَ) ، أَيْ: رَكِبْتَهُ (يَا غُلَامُ، فَقَالَ ﷺ : " وَنِعْمَ الرَّاكِبُ هُوَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . أَيْ: وَقَالَ غَرِيبٌ.
стр. 8604
٦١٧٣ - «وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ فَرَضَ لِأُسَامَةَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَفَرَضَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِأَبِيهِ: لِمَ فَضَّلْتَ أُسَامَةَ عَلَيَّ؟ فَوَاللَّهِ مَا سَبَقَنِي إِلَى مَشْهَدٍ. قَالَ: لِأَنَّ زَيْدًا كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَبِيكَ، وَكَانَ أُسَامَةُ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ ﷺ مِنْكَ فَآثَرْتُ حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى حِبِّي» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٧٣ - (وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ فَرَضَ) ، أَيْ: قَدَّرَ فِي إِمَارَتِهِ (وَظِيفَةً لِأُسَامَةَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَخَمْسِمِائَةٍ) ، أَيْ: مِنْ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ رِزْقًا لَهُ (وَفَرَضَ) ، أَيْ: عُمَرُ (لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَيْ: وَلَدِهِ بَلْ أَعَزُّ أَوْلَادِهِ (فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ) ، أَيْ: بِنَقْصِ خَمْسِمِائَةٍ مِنْ وَظِيفَةِ أُسَامَةَ (فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِأَبِيهِ: لِمَ فَضَّلْتَ أُسَامَةَ عَلَيَّ) ؟ أَيْ: فِي الْوَظِيفَةِ الْمُشْعِرَةِ بِزِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ (فَوَاللَّهِ مَا سَبَقَنِي إِلَى مَشْهَدٍ) . أَيْ: مَحْضَرٍ مِنَ الْخَيْرِ عِلْمًا وَعَمَلًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ بِالْمَشْهَدِ مَشْهَدَ الْقِتَالِ وَمَعْرَكَةَ الْكُفَّارِ (قَالَ: لِأَنَّ زَيْدًا) ، أَيْ: أَبَا أُسَامَةَ (كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَبِيكَ) ، فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ أَحَدٌ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ (وَكَانَ أُسَامَةُ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكَ) ، وَسَبَبُهُ أَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ فَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ (فَآثَرْتُ) : بِهَمْزٍ مَمْدُودٍ أَيِ: اخْتَرْتُ (حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ وَقَدْ يُضَمُّ أَيْ: مَحْبُوبَهُ (عَلَى حُبِّي) . أَيْ: مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْفَضِيلَةِ، بَلْ رِعَايَةً لِجَانِبِ الْمَحَبَّةِ وَإِيثَارًا لِلْمَوَدَّةِ وَمُخَالَفَةً لِمَا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ مِنْ مَزِيَّةِ الزِّيَادَةِ الظَّاهِرَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8605
٦١٧٤ - «وَعَنْ جَبَلَةَ بْنِ حَارِثَةَ ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ابْعَثْ مَعِي أَخِي زَيْدًا. قَالَ: " هُوَ ذَا فَإِنِ انْطَلَقَ مَعَكَ لَمْ أَمْنَعْهُ " قَالَ زَيْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَا أَخْتَارُ عَلَيْكَ أَحَدًا. قَالَ: فَرَأَيْتُ رَأْيَ أَخِي أَفْضَلَ مِنْ رَأْيِي» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٧٤ - (وَعَنْ جَبَلَةَ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ (ابْنِ حَارِثَةَ) ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: هُوَ أَكْبَرُ مِنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ وَغَيْرُهُ (قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ مَعِي أَخِي زَيْدًا) . بَيَانٌ أَوْ بَدَلٌ (قَالَ: " هُوَ ذَا ") ، هُوَ عَائِدٌ إِلَى زَيْدٍ، وَذَا إِشَارَةٌ إِلَيْهِ أَيْ: هُوَ حَاضِرٌ مُخَيَّرٌ (" فَإِنِ انْطَلَقَ مَعَكَ لَمْ أَمْنَعْهُ ") . أَيْ: فَإِنِّي أُعْتِقُتُهُ (قَالَ زَيْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَا أَخْتَارُ عَلَيْكَ) ، أَيْ: عَلَى مُلَازِمَتِكَ (أَحَدًا) . أَيْ: لَا أَخًا وَلَا أَبًا وَلَا أُمًّا أَبَدًا (قَالَ) ، أَيْ: جَبَلَةُ (فَرَأَيْتُ) ، أَيْ: فَعَلِمْتُ بَعْدَ ذَلِكَ (رَأْيَ أَخِي) ، أَيْ: زَيْدٍ (أَفْضَلَ مِنْ رَأْيِي) : حَيْثُ اخْتَارَ الْمُلَازَمَةَ لِحَضْرَةِ الْمُتَفَرِّغِ عَلَيْهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8606
٦١٧٥ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَبَطْتُ وَهَبَطَ النَّاسُ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أُصْمِتَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيَّ وَيَرْفَعُهُمَا، فَأَعْرِفُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦١٧٥ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ) : بِضَمِّ الْقَافِ أَيْ: ضَعُفَ مِنْ مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَبَطْتُ) ، أَيْ: نَزَلْتُ مِنْ سَكَنِي الَّتِي كَانَتْ فِي عَوَالِيِ الْمَدِينَةِ (وَهَبَطَ النَّاسُ) ، أَيِ: الصَّحَابَةُ جَمِيعُهُمْ مِنْ مَنَازِلِهِمُ (الْمَدِينَةَ) أَيْ: إِلَيْهَا عَلَى طَرِيقِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] أَيْ: مِنْهُمْ، قَالَ الشُّرَّاحُ إِنَّمَا قَالَ هَبَطْتُ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْكُنُ الْعَوَالِي، وَالْمَدِينَةُ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهْتَ إِلَيْهَا صَحَّ فِيهَا الْهُبُوطُ، لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ فِي غَائِطٍ مِنَ الْأَرْضِ يَنْحَدِرُ إِلَيْهَا السَّيْلُ وَأَطْرَافُهَا وَنَوَاحِيهَا مِنَ الْجَوَانِبِ كُلُّهَا مُسْتَعْلِيَةٌ عَلَيْهَا. (فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أُصْمِتَ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ يُقَالُ: أَصَمَتَ الْعَلِيلُ إِذَا اعْتُقِلَ لِسَانُهُ (فَلَمْ يَتَكَلَّمْ) ، أَيْ: أَصْلًا (فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيَّ) ، أَيْ: عَلَى بَدَنِي (وَيَرْفَعُهُمَا) ، أَيْ عَنِّي (فَأَعْرِفُ) أَيْ: بِنُورِ الْوِلَايَةِ وَظُهُورِ الْفَرَاسَةِ (أَنَّهُ يَدْعُو لِي) أَيْ: لِمَحَبَّتِهِ وَرِعَايَةِ خِدْمَتِهِ حَتَّى حِينَ غَيْبَةِ حَضْرَتِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 8607
٦١٧٦ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُنَحِّي مُخَاطَ أُسَامَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: دَعْنِي حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَفْعَلُ. قَالَ: " يَا عَائِشَةُ أَحِبِّيهِ فَإِنِّي أُحِبُّهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٧٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُنَحِّيَ) : بِتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: يُزِيلَ (مُخَاطَ أُسَامَةَ) . بِضَمِّ الْمِيمِ وَهُوَ مَا يَسِيلُ مِنَ الْأَنْفِ (قَالَتْ عَائِشَةُ: دَعْنِي) ، أَيِ: اتْرُكْنِي (حَتَّى أَنَا الَّذِي أَفْعَلُ) أَيْ: خِدْمَتَهُ (قَالَ: " يَا عَائِشَةُ أَحِبِّيهِ فَإِنِّي أُحِبُّهُ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8608
٦١٧٧ - «وَعَنْ أُسَامَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا، إِذْ جَاءَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ يَسْتَأْذِنَانِ، فَقَالَا لِأُسَامَةَ: اسْتَأْذِنْ لَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ يَسْتَأْذِنَانِ. فَقَالَ: " أَتَدْرِي مَا جَاءَ. بِهِمَا؟ " قُلْتُ: لَا "، قَالَ: " لَكِنِّي أَدْرِي، ائْذَنْ لَهُمَا " فَدَخَلَا، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ أَيُّ أَهْلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: " فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ " قَالَا: مَا جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ أَهْلِكَ قَالَ: " أَحَبُّ أَهْلِي إِلَيَّ مَنْ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْهِ: أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ " قَالَا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَا: ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ " فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! جَعَلْتَ عَمَّكَ آخِرَهُمْ؟ قَالَ: " إِنَّ عَلِيًّا سَبَقَكَ بِالْهِجْرَةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَذَكَرَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
ــ
٦١٧٧ - (وَعَنْ أُسَامَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا) ، أَيْ: عِنْدَ بَابِهِ ﵊ (إِذْ جَاءَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ يَسْتَأْذِنَانِ) ، أَيْ: يُرِيدَانِ طَلَبَ الْإِذْنِ فِي دُخُولِهِمَا (فَقَالَا لِأُسَامَةَ: اسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ، لَعَلَّهُ كَانَ صَغِيرًا إِذْ ذَاكَ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ يَسْتَأْذِنَانِ) . أَيْ: عَلَى الْبَابِ (فَقَالَ: " أَتَدْرِي مَا جَاءَ
стр. 8609
بِهِمَا ") ؟ أَيْ: مَا سَبَبُ مَجِيئِهِمَا (قُلْتُ: لَا. قَالَ: " لَكِنِّي أَدْرِي، ائْذَنْ لَهُمَا ") : بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَصْلًا وَبِإِبْدَالِهَا يَاءً (فَدَخَلَا) ، أَيْ: بَعْدَ إِذْنِهِمَا (فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ أَيُّ أَهْلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: " فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ " قَالَا: مَا جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ أَهْلِكَ) ، أَيْ: عَنْ أَزْوَاجِكَ وَأَوْلَادِكَ، بَلْ نَسْأَلُكَ عَنْ أَقَارِبِكَ وَمُتَعَلِّقِيكَ (قَالَ: " أَحَبُّ أَهْلِي إِلَيَّ ") ، أَيْ: مِنَ الرِّجَالِ (" مَنْ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ") ، أَيْ: بِالْإِسْلَامِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِكْرَامِ (" وَأَنْعَمْتُ عَلَيْهِ ") ، أَيْ: أَنَا بِالْعِتْقِ وَالتَّبَنِّي وَالتَّرْبِيَةِ، وَهَذَا وَإِنْ وَرَدَ فِي حَقِّ زَيْدٍ، لَكِنَّ ابْنَهُ تَابِعٌ لَهُ فِي حُصُولِ الْإِنْعَامَيْنِ (قَالَا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ") : وَفِي نُسْخَةٍ بِدُونٍ ثُمَّ، فَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْأَحَبِّيَّةِ الْأَفْضَلِيَّةُ، فَإِنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ مِنْ أُسَامَةَ وَزَيْدٍ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيُّ أَهْلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ مُطْلَقٌ وَيُرَادُ بِهِ الْمُقَيَّدُ أَيْ: مِنَ الرِّجَالِ بَيَّنَهُ مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَحَبُّ أَهْلِي إِلَيَّ مَنْ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ قَوْلُهُ: مَا جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ أَهْلِكَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: مِنَ النِّسَاءِ، وَلَيْسَ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا وَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ رَسُولُهُ، إِلَّا أَنَّ الْمُرَادَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وَهُوَ زَيْدٌ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَلَا شَكَّ، وَهُوَ وَإِنْ نَزَلَ فِي حَقِّ زَيْدٍ لَكِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ أُسَامَةَ تَابِعًا لِأَبِيهِ فِي هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ، وَحَلَّ مَا حَلَّ مَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّنْزِيلِ مِنَ الْإِنْعَامِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ نَحْوُ: أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، نِعَمٌ أَسْدَاهَا إِلَى آبَائِهِمْ (فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! جَعَلْتَ عَمَّكَ آخِرَهُمْ) ؟ أَيْ: آخِرَ أَهْلِكِ (قَالَ: " إِنَّ عَلِيًّا سَبَقَكَ بِالْهِجْرَةِ ") . أَيْ: وَكَذَا بِالْإِسْلَامِ، فَهَذَا أَوْجَبَ تَقْدِيمَ الْأَحَبِّيَّةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ، لَا عَلَى الْأَقْرَبِيِّةِ، وَنَظِيرُهُ أَنَّهُ جَاءَ الْعَبَّاسُ وَأَبُو سُفْيَانَ وَبِلَالٌ وَسَلْمَانُ إِلَى بَابِ عُمَرَ يَسْتَأْذِنُونَهُ فَقَالَ خَادِمُ عُمَرَ بَعْدَ إِعْلَامِهِ بِالْجَمَاعَةِ يَدْخُلُ بِلَالٌ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِلْعَبَّاسِ أَمَا تَرَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ عَلَيْنَا مَوَالِيَنَا؟ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: نَحْنُ تَأَخَّرْنَا فَهَذَا جَزَاؤُنَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ فِي الْفِرْدَوْسِ، عَنْ عَائِشِ بْنِ رَبِيعَةَ: خَيْرُ إِخْوَتِي عَلِيٌّ وَخَيْرُ أَعْمَامِي حَمْزَةُ. (وَذَكَرَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ) . أَيْ: حَيْثُ قَالَهُ ﷺ لِعُمْرَ فِي قِصَّةِ زَكَاةِ الْعَبَّاسِ.
стр. 8610
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦١٧٨ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: «صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الْعَصْرَ ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي وَمَعَهُ عَلِيٌّ، فَرَأَى الْحَسَنَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَحَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَقَالَ: بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِيٍّ، وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦١٧٨ - (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ) : قُرَشِيٌّ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَغَيْرُهُ (قَالَ: صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الْعَصْرَ) ، أَيْ: فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ أَوْ قَبْلَهَا (ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي وَمَعَهُ عَلِيٌّ، فَرَأَى) ، أَيْ: أَبُو بَكْرٍ (الْحَسَنَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَحَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَقَالَ: بِأَبِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ هُوَ مَفْدِيٌّ بِأَبِي، فَقَوْلُهُ (شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ ) : يَكُونُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أَوْ أَفْدِيهِ بِأَبِي، فَعَلَى هَذَا شَبِيهٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَفِي تَنْكِيرِهِ لُطْفٌ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِعِلْيَةِ الشَّبَهِ لِلتَّفْدِيَةِ اهـ. وَلَا يُعَارِضُ هَذَا قَوْلَ عَلِيٍّ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ
стр. 8611
مِثْلَهُ، لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ مَحْمُولٌ عَلَى عُمُومِ الشَّبَهِ وَالْمُثْبَتُ عَلَى مُعْظَمِهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الطِّيبِيُّ بِقَوْلِهِ، وَفِي تَنْكِيرِهِ لُطْفٌ أَيْ: إِيمَاءٌ لَطِيفٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَوْعُ شَبَهٍ. وَقَوْلُهُ: (لَيْسَ) أَيِ: الْحَسَنُ (شَبِيهًا: بِعَلِيٍّ، وَعَلَيٌّ يَضْحَكُ) . أَيْ: فَرِحًا وَالْجُمْلَةُ حَالٌ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ فِي الْمِشْكَاةِ قَوْلُهُ شَبِيهًا بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَكِنَّهُ فِي الْبُخَارِيِّ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ شَبِيهٌ بِالرَّفْعِ، وَإِعْرَابُهُ لَا يَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ فَقِيلَ: لَيْسَ حَرْفُ عَطْفٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّ، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَبِيهَ اسْمَ لَيْسَ، وَيَكُونُ خَبَرُهَا ضَمِيرًا مُتَّصِلًا حُذِفَ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِلَفْظٍ شَبِيهٍ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ: أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ. اهـ. وَلَا يَخْفَى ظُهُورُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِخُلُوِّهِ عَنِ التَّكَلُّفِ، وَقِيلَ لَا يَخْفَى مَا فِي التَّوْجِيهَيْنِ مِنَ التَّعَسُّفِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اسْمَ لَيْسَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَشَبِيهٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هُوَ شَبِيهٌ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ لَيْسَ. قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ يَشْتَمِلُ عَلَى تَعَسُّفَيْنِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَإِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِتَعَسُّفٍ وَاحِدٍ، هَذَا وَلَفْظُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا فِي الذَّخَائِرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ حَمَلَ الْحَسَنَ عَلَى رَقَبَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِيٍّ وَهُوَ يَضْحَكُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ خَرَجْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلِيٌّ يَمْشِي إِلَى جَانِبِهِ، فَمَرَّ الْحَسَنُ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَاحْتَمَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ - وَهُوَ يَقُولُ الْحَدِيثَ. وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الْغُرَابِيَّةِ وَهُمْ عَلَى مَا فِي حَوَاشِيِ الشِّفَاءِ طَائِفَةٌ مِنَ الرَّافِضَةِ لُقِّبُوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: كَانَ مُحَمَّدٌ أَشْبَهَ بِعَلِيٍّ مِنَ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ إِلَى عَلِيٍّ فَغَلِطَ.
стр. 8612
٦١٧٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَتَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا، قَالَ أَنَسٌ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنَّهُ كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مَخْضُوبًا بِالْوَسِمَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ فَجِيءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ بِقَضِيبٍ فِي أَنْفِهِ وَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا حُسْنًا، فَقُلْتُ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشْبَهِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦١٧٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُتِيَ) ، أَيْ: جِيءَ (عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ) ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَهُوَ الَّذِي سَيَّرَ الْجَيْشَ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْكُوفَةِ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قُتِلَ بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ عَلَى يَدِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ فِي أَيَّامِ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ (فَجُعِلَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: وُضِعَ (رَأْسُ الْحُسَيْنِ فِي طَسْتٍ) : بِفَتْحِ طَاءٍ وَسُكُونِ سَيْنٍ مُهْمِلَةٍ وَسَبَقَ تَحْقِيقُهُ (فَجَعَلَ) ، أَيِ: ابْنُ زِيَادٍ (يَنْكُتُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ وَالْفَوْقِيَّةِ أَيْ: يَضْرِبُ (بِرَأْسِ الْقَضِيبِ) : فِي أَنْفِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَفِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: يَنْكُتُ، أَيْ: يُفَكِّرُ وَيُحَدِّثُ بِنَفْسِهِ وَأَصْلُهُ مِنَ النَّكْتِ بِالْعَصَا وَهُوَ ضَرْبُ الْأَرْضِ بِهَا، وَنَكْتُ الْأَرْضِ بِالْقَضِيبِ هُوَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهَا بِطَرَفِهِ كَفِعْلِ الْمُفَكِّرِ الْمَوْهُومِ. (وَقَالَ) ، أَيِ: ابْنُ زِيَادٍ (فِي حُسْنِهِ) ، أَيْ: فِي حُسْنِ الْحُسَيْنِ (شَيْئًا) ، أَيْ: مِنَ الْمَدْحِ كَمَا سَيَجِيءُ (قَالَ أَنَسٌ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنَّهُ كَانَ أَشْبَهَهُمْ) ، أَيْ: أَشْبَهَ الصَّحَابَةِ أَوْ أَهْلِ الْبَيْتِ (بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ) ، أَيِ: الْحُسَيْنُ حِينَئِذٍ (مَخْضُوبًا بِالْوَسِمَةِ) . بِكَسْرِ السِّينِ وَقَدْ يُسَكَّنُ، فَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الْوَسِمَةُ نَبْتٌ يُخَضَّبُ بِهِ وَيَمِيلُ إِلَى السَّوَادِ وَتَسْكِينُ السِّينِ لُغَةٌ فِيهِ. وَفِي الْمِصْبَاحِ لُغَةُ الْحِجَازِ بِكَسْرِ السِّينِ، وَهِيَ أَفْصَحُ مِنَ السُّكُونِ، بَلْ أَنْكَرَ الزُّهْرِيُّ السُّكُونَ، وَقَالَ: كَلَامُ الْعَرَبِ بِالْكَسْرِ نَبْتٌ يُخَضَّبُ بِعُرُوقِهِ. اهـ. وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَأَخْطَأَ مَنْ ضَمَّهَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ فَتْحُ سِيْنِهَا، وَفِي الْقَامُوسِ الْوَسْمَةُ وَكَفَرْحَةٍ وَرِقُ النِّيلِ أَوْ نَبَاتٌ يُخَضَّبُ بِوَرِقِهِ، وَفِي النِّهَايَةِ الْوَسْمَةُ نَبْتٌ يُخَضَّبُ بِهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
(وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ) ، أَيْ: أَنَسٌ (كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ فَجِيءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ) أَيْ: إِلَيْهِ (فَجَعَلَ) ، أَيْ: شَرَعَ (يَضْرِبُ بِقَضِيبٍ فِي أَنْفِهِ وَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا حُسْنًا) . بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، قِيلَ: هَذَا لَا يُلَائِمُ السِّيَاقَ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِهْزَاءِ. اهـ. فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ اسْتِهْزَاؤُهُ عَلَى الْمُكَابَرَةِ وَزِيَادَةِ الْمُعَانَدَةِ (فَقُلْتُ: أَمَا) :
стр. 8613
بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُ) ، أَيِ: الْحُسَيْنَ (كَانَ مَنْ أَشْبَهِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ) ، أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) . وَلِلطَّبَرَانِيِّ فَجَعَلَ يَجْعَلُ قَضِيبًا فِي يَدِهِ فِي عَيْنِهِ وَأَنْفِهِ، فَقُلْتُ: ارْفَعْ قَضِيبَكَ فَقَدْ رَأَيْتُ فَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَوْضِعِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشُمُّ حَيْثُ يَقَعُ قَضِيبُكَ. قَالَ: فَانْقَبَضَ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَفِي الذَّخَائِرِ عَنْ عِمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: لَمَّا جِيءَ بِرَأْسِ ابْنِ زِيَادٍ وَأَصْحَابِهِ فَصِرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي الرُّحْبَةِ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ جَاءَتْ قَدْ جَاءَتْ فَإِذَا حَيَّةٌ قَدْ جَاءَتْ تَتَخَلَّلُ الرُءُوسَ حَتَّى دَخَلَتْ فِي مَنْخَرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَمَكَثْتُ هُنَيْهَةً ثُمَّ خَرَجْتُ فَذَهَبْتُ حَتَّى تَغِيبَ ثُمَّ قَالُوا: قَدْ جَاءَتْ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
стр. 8614
٦١٨٠ - «وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي رَأَيْتُ حُلْمًا مُنْكَرًا اللَّيْلَةَ قَالَ: " وَمَا هُوَ؟ " قَالَتْ: إِنَّهُ شَدِيدٌ قَالَ: " وَمَا هُوَ؟ " قَالَتْ: رَأَيْتُ كَأَنَّ قِطْعَةً مِنْ جَسَدِكَ قُطِعَتْ وَوُضِعَتْ فِي حِجْرِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَأَيْتِ خَيْرًا، تَلِدُ فَاطِمَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غُلَامًا يَكُونُ فِي حِجْرِكِ ". فَوَلَدَتْ فَاطِمَةُ الْحُسَيْنَ، فَكَانَ فِي حِجْرِي كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَدَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ كَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ، فَإِذَا عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَهْرِيقَانِ الدُّمُوعَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا لَكَ؟ قَالَ: " أَتَانِي جِبْرَئِيلُ ﵇ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي سَتَقْتُلُ ابْنِي هَذَا، فَقُلْتُ: هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَتَانِي بِتُرْبَةٍ مِنْ تُرْبَتِهِ حَمْرَاءَ» ".
ــ
٦١٨٠ - (وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ) : اسْمُهَا لُبَابَةُ الْعَامِرِيَّةُ امْرَأَةُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأُمُّ أَكْثَرِ بَنِيهِ وَهِيَ أُخْتُ مَيْمُونَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّهَا أَوَّلُ امْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ بَعْدَ خَدِيجَةَ رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فَعَنْهَا. (أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنِّي رَأَيْتُ حُلْمًا) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَيُضَمَّانِ، فَفِي النِّهَايَةِ الْحُلُمُ بِضَمَّتَيْنِ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ (مُنْكَرًا) : بِفَتْحِ الْكَافِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ: مَهُولًا (اللَّيْلَةَ) ، أَيِ: الْبَارِحَةَ (قَالَ: " وَمَا هُوَ؟ قَالَتْ: إِنَّهُ شَدِيدٌ) . أَيْ: صَعْبٌ سَمَاعُهُ (قَالَ: " وَمَا هُوَ؟ " قَالَتْ: رَأَيْتُ كَأَنَّ قِطْعَةً مِنْ جَسَدِكَ قُطِعَتْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَكَذَا قَوْلُهُ: (فَوُضِعَتْ فِي حِجْرِي) . بِالْكَسْرِ وَيُفْتَحُ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْحِجْرَ بِالْكَسْرِ أَشْهَرُ فِي الْحَضْنِ وَبِالْفَتْحِ فِي التَّرْبِيَةِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَأَيْتِ خَيْرًا، تَلِدُ فَاطِمَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غُلَامًا يَكُونُ فِي حِجْرِكِ ". فَوَلَدَتْ فَاطِمَةُ الْحُسَيْنَ، كَانَ فِي حِجْرِي كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَدَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَتْهُ فِي حِجْرِهِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ فِي حِجْرِي (ثُمَّ كَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ) ، أَيْ: وَقَعَتْ مِنِّي مُلَاحَظَةٌ فَنَظَرْتُ إِلَى جَانِبِهِ (فَإِذَا عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَهْرِيقَانِ الدُّمُوعَ) ، بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: تَسِيلَانِ مَاءَ الْعَيْنِ لِلْبُكَاءِ (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا لَكَ) ؟ أَيْ: مِنَ الْحَالِ الَّذِي يُبْكِيكَ (قَالَ: " أَتَانِي جِبْرِيلُ ") : وَفِي نُسْخَةٍ ﵇ (" فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي ") ، أَيْ: أُمَّةَ الْإِجَابَةِ (" سَتَقْتُلُ ابْنِي هَذَا ") ، أَيْ: ظُلْمًا (" فَقُلْتُ ") أَيْ: لِجِبْرِيلَ (" هَذَا ") ، أَيِ: ابْنِي هَذَا لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ (" قَالَ: نَعَمْ، وَأَتَانِي بِتُرْبَةٍ مِنْ تُرْبَتِهِ ") ، أَيْ: مِنْ تُرَابِهِ الَّذِي يُقْتَلُ بِهِ (" حَمْرَاءَ ") . بِالْفَتْحِ صِفَةٌ لِتُرْبَةٍ وَفِي الذَّخَائِرِ «عَنْ سَلْمَى قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَعْنِي فِي الْمَنَامِ وَعَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ التُّرَابُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " شَهِدْتُ قَتْلَ الْحُسَيْنِ آنِفًا» " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالْبَغَوِيُّ فِي الْحِسَانِ.
стр. 8615
٦١٨١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ ذَاتَ يَوْمٍ بِنِصْفِ النَّهَارِ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، بِيَدِهِ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا هَذَا؟ قَالَ: " هَذَا دَمُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ، وَلَمْ أَزَلْ أَلْتَقِطُهُ مُنْذُ الْيَوْمُ " فَأُحْصِي ذَلِكَ الْوَقْتَ فَأَجِدُ قُتِلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " وَأَحْمَدُ الْأَخِيرَ.
ــ
٦١٨١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ) ، أَيْ: بَعْدَ مَوْتِهِ ﵇ (ذَاتَ يَوْمٍ بِنِصْفِ النَّهَارِ) ، وَفِي الذَّخَائِرِ زِيَادَةٌ وَهُوَ قَائِمٌ (أَشْعَثَ أَغْبَرَ) ، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُتَفَرِّقَ الشَّعْرِ مُغْبَّرَ الْبَدَنِ (بِيَدِهِ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا هَذَا) ؟ أَيِ: الدَّمُ (قَالَ: " هَذَا دَمُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ، لَمْ أَزَلْ ") : وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَمْ أَزَلْ (" أَلْتَقِطُهُ مُنْذُ الْيَوْمِ ") . قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّسُولِ ﷺ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِقَوْلِهِ: هَذَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا، وَدَمُ الْحُسَيْنِ بَدَلٌ مِنْ هَذَا، وَقَوْلُهُ: (فَأُحْصِي ذَلِكَ الْوَقْتَ) : مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ. اهـ. أَيْ: حَفِظَ تَارِيخَ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ زَمَنِ الرُّؤْيَا (فَأَجِدُ قَتْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ) . أَيْ: فَوَجَدْتُهُ قُتِلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَالْعُدُولُ عَنِ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِعِ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالِ الْغَرِيبَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا كَانَ وَقْتُ الْقَتْلِ مَحْفُوظًا فِي نَفْسِ الرُّؤْيَا بِأَنْ قَالَ ﷺ : هَذَا دَمُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ يُقْتَلُونَ فِي وَقْتِ كَذَا، لَكِنْ يُشْكَلُ بِقَوْلِهِ: لَمْ أَزَلْ أَلْتَقِطُهُ مُنْذُ الْيَوْمِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ تَصْوِيرُهُ أَنَّ الرَّائِيَ رَأَى فِي نَوْمِهِ كَأَنَّهُ مَضَى عَلَيْهِ بَعْضُ سِنِينَ، ثُمَّ فِي آخِرِ سَنَةٍ مِنْهَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ كَذَا رَآهُ ﷺ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ وَالْقَوْلِ الْمَسْطُورِ، فَحَفِظَ تَارِيخَ الْوَقْتِ فَوَجَدَهُ مُطَابِقًا وَلِلنَّعْتِ مُرَافِقًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَدِيثَ فِي الذَّخَائِرِ مِنْ غَيْرِ قَوْلِهِ: فَأُحْصِي ذَلِكَ الْوَقْتَ فَأَجِدُ إِلَخْ. بَلْ لَفْظُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَمْ أَزَلْ أَلْتَقِطُهُ مُنْذُ الْيَوْمِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ قُتِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ بِنْتِ مَنِيعٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْحَافِظُ السِّلَفِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ) ، أَيْ: حَدِيثَيْ أُمِّ الْفَضْلِ وَابْنِ عَبَّاسٍ (الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَأَحْمَدُ الْأَخِيرَ) . أَيْ: وَرَوَى أَحْمَدُ الْحَدِيثَ الْأَخِيرَ، وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَطْ، «وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَيْنَاهُ تَفِيضَانِ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَغْضَبَكَ أَحَدٌ؟ مَا شَأْنُ عَيْنَيْكَ تَفِيضَانِ؟ قَالَ: " قَامَ مِنْ عِنْدِي جِبْرِيلُ قَبْلَ حَدِيثِي وَحَدَّثَنِي أَنَّ الْحُسَيْنَ يُقْتَلُ بِشَطِّ الْفُرَاتِ " قَالَ: فَقَالَ: هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ أُشِمَّكَ مِنْ تُرْبَتِهِ؟ قُلْتُ: " نَعَمْ " فَمَدَّ يَدَهُ فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَأَعْطَانِيهَا فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنِي أَنْ فَاضَتَا» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.
следующие страницы →