Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.
стр. 8611
مِثْلَهُ، لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ مَحْمُولٌ عَلَى عُمُومِ الشَّبَهِ وَالْمُثْبَتُ عَلَى مُعْظَمِهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الطِّيبِيُّ بِقَوْلِهِ، وَفِي تَنْكِيرِهِ لُطْفٌ أَيْ: إِيمَاءٌ لَطِيفٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَوْعُ شَبَهٍ. وَقَوْلُهُ: (لَيْسَ) أَيِ: الْحَسَنُ (شَبِيهًا: بِعَلِيٍّ، وَعَلَيٌّ يَضْحَكُ) . أَيْ: فَرِحًا وَالْجُمْلَةُ حَالٌ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ فِي الْمِشْكَاةِ قَوْلُهُ شَبِيهًا بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَكِنَّهُ فِي الْبُخَارِيِّ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ شَبِيهٌ بِالرَّفْعِ، وَإِعْرَابُهُ لَا يَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ فَقِيلَ: لَيْسَ حَرْفُ عَطْفٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّ، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَبِيهَ اسْمَ لَيْسَ، وَيَكُونُ خَبَرُهَا ضَمِيرًا مُتَّصِلًا حُذِفَ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِلَفْظٍ شَبِيهٍ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ: أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ. اهـ. وَلَا يَخْفَى ظُهُورُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِخُلُوِّهِ عَنِ التَّكَلُّفِ، وَقِيلَ لَا يَخْفَى مَا فِي التَّوْجِيهَيْنِ مِنَ التَّعَسُّفِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اسْمَ لَيْسَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَشَبِيهٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هُوَ شَبِيهٌ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ لَيْسَ. قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ يَشْتَمِلُ عَلَى تَعَسُّفَيْنِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَإِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِتَعَسُّفٍ وَاحِدٍ، هَذَا وَلَفْظُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا فِي الذَّخَائِرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ حَمَلَ الْحَسَنَ عَلَى رَقَبَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِيٍّ وَهُوَ يَضْحَكُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ خَرَجْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلِيٌّ يَمْشِي إِلَى جَانِبِهِ، فَمَرَّ الْحَسَنُ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَاحْتَمَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ - وَهُوَ يَقُولُ الْحَدِيثَ. وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الْغُرَابِيَّةِ وَهُمْ عَلَى مَا فِي حَوَاشِيِ الشِّفَاءِ طَائِفَةٌ مِنَ الرَّافِضَةِ لُقِّبُوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: كَانَ مُحَمَّدٌ أَشْبَهَ بِعَلِيٍّ مِنَ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ إِلَى عَلِيٍّ فَغَلِطَ.
стр. 8612
٦١٧٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَتَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا، قَالَ أَنَسٌ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنَّهُ كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مَخْضُوبًا بِالْوَسِمَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ فَجِيءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ بِقَضِيبٍ فِي أَنْفِهِ وَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا حُسْنًا، فَقُلْتُ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشْبَهِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦١٧٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُتِيَ) ، أَيْ: جِيءَ (عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ) ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَهُوَ الَّذِي سَيَّرَ الْجَيْشَ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْكُوفَةِ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قُتِلَ بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ عَلَى يَدِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ فِي أَيَّامِ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ (فَجُعِلَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: وُضِعَ (رَأْسُ الْحُسَيْنِ فِي طَسْتٍ) : بِفَتْحِ طَاءٍ وَسُكُونِ سَيْنٍ مُهْمِلَةٍ وَسَبَقَ تَحْقِيقُهُ (فَجَعَلَ) ، أَيِ: ابْنُ زِيَادٍ (يَنْكُتُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ وَالْفَوْقِيَّةِ أَيْ: يَضْرِبُ (بِرَأْسِ الْقَضِيبِ) : فِي أَنْفِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَفِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: يَنْكُتُ، أَيْ: يُفَكِّرُ وَيُحَدِّثُ بِنَفْسِهِ وَأَصْلُهُ مِنَ النَّكْتِ بِالْعَصَا وَهُوَ ضَرْبُ الْأَرْضِ بِهَا، وَنَكْتُ الْأَرْضِ بِالْقَضِيبِ هُوَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهَا بِطَرَفِهِ كَفِعْلِ الْمُفَكِّرِ الْمَوْهُومِ. (وَقَالَ) ، أَيِ: ابْنُ زِيَادٍ (فِي حُسْنِهِ) ، أَيْ: فِي حُسْنِ الْحُسَيْنِ (شَيْئًا) ، أَيْ: مِنَ الْمَدْحِ كَمَا سَيَجِيءُ (قَالَ أَنَسٌ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنَّهُ كَانَ أَشْبَهَهُمْ) ، أَيْ: أَشْبَهَ الصَّحَابَةِ أَوْ أَهْلِ الْبَيْتِ (بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ) ، أَيِ: الْحُسَيْنُ حِينَئِذٍ (مَخْضُوبًا بِالْوَسِمَةِ) . بِكَسْرِ السِّينِ وَقَدْ يُسَكَّنُ، فَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الْوَسِمَةُ نَبْتٌ يُخَضَّبُ بِهِ وَيَمِيلُ إِلَى السَّوَادِ وَتَسْكِينُ السِّينِ لُغَةٌ فِيهِ. وَفِي الْمِصْبَاحِ لُغَةُ الْحِجَازِ بِكَسْرِ السِّينِ، وَهِيَ أَفْصَحُ مِنَ السُّكُونِ، بَلْ أَنْكَرَ الزُّهْرِيُّ السُّكُونَ، وَقَالَ: كَلَامُ الْعَرَبِ بِالْكَسْرِ نَبْتٌ يُخَضَّبُ بِعُرُوقِهِ. اهـ. وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَأَخْطَأَ مَنْ ضَمَّهَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ فَتْحُ سِيْنِهَا، وَفِي الْقَامُوسِ الْوَسْمَةُ وَكَفَرْحَةٍ وَرِقُ النِّيلِ أَوْ نَبَاتٌ يُخَضَّبُ بِوَرِقِهِ، وَفِي النِّهَايَةِ الْوَسْمَةُ نَبْتٌ يُخَضَّبُ بِهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
(وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ) ، أَيْ: أَنَسٌ (كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ فَجِيءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ) أَيْ: إِلَيْهِ (فَجَعَلَ) ، أَيْ: شَرَعَ (يَضْرِبُ بِقَضِيبٍ فِي أَنْفِهِ وَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا حُسْنًا) . بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، قِيلَ: هَذَا لَا يُلَائِمُ السِّيَاقَ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِهْزَاءِ. اهـ. فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ اسْتِهْزَاؤُهُ عَلَى الْمُكَابَرَةِ وَزِيَادَةِ الْمُعَانَدَةِ (فَقُلْتُ: أَمَا) :
стр. 8613
بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُ) ، أَيِ: الْحُسَيْنَ (كَانَ مَنْ أَشْبَهِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ) ، أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) . وَلِلطَّبَرَانِيِّ فَجَعَلَ يَجْعَلُ قَضِيبًا فِي يَدِهِ فِي عَيْنِهِ وَأَنْفِهِ، فَقُلْتُ: ارْفَعْ قَضِيبَكَ فَقَدْ رَأَيْتُ فَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَوْضِعِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشُمُّ حَيْثُ يَقَعُ قَضِيبُكَ. قَالَ: فَانْقَبَضَ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَفِي الذَّخَائِرِ عَنْ عِمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: لَمَّا جِيءَ بِرَأْسِ ابْنِ زِيَادٍ وَأَصْحَابِهِ فَصِرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي الرُّحْبَةِ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ جَاءَتْ قَدْ جَاءَتْ فَإِذَا حَيَّةٌ قَدْ جَاءَتْ تَتَخَلَّلُ الرُءُوسَ حَتَّى دَخَلَتْ فِي مَنْخَرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَمَكَثْتُ هُنَيْهَةً ثُمَّ خَرَجْتُ فَذَهَبْتُ حَتَّى تَغِيبَ ثُمَّ قَالُوا: قَدْ جَاءَتْ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
стр. 8614
٦١٨٠ - «وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي رَأَيْتُ حُلْمًا مُنْكَرًا اللَّيْلَةَ قَالَ: " وَمَا هُوَ؟ " قَالَتْ: إِنَّهُ شَدِيدٌ قَالَ: " وَمَا هُوَ؟ " قَالَتْ: رَأَيْتُ كَأَنَّ قِطْعَةً مِنْ جَسَدِكَ قُطِعَتْ وَوُضِعَتْ فِي حِجْرِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَأَيْتِ خَيْرًا، تَلِدُ فَاطِمَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غُلَامًا يَكُونُ فِي حِجْرِكِ ". فَوَلَدَتْ فَاطِمَةُ الْحُسَيْنَ، فَكَانَ فِي حِجْرِي كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَدَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ كَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ، فَإِذَا عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَهْرِيقَانِ الدُّمُوعَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا لَكَ؟ قَالَ: " أَتَانِي جِبْرَئِيلُ ﵇ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي سَتَقْتُلُ ابْنِي هَذَا، فَقُلْتُ: هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَتَانِي بِتُرْبَةٍ مِنْ تُرْبَتِهِ حَمْرَاءَ» ".
ــ
٦١٨٠ - (وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ) : اسْمُهَا لُبَابَةُ الْعَامِرِيَّةُ امْرَأَةُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأُمُّ أَكْثَرِ بَنِيهِ وَهِيَ أُخْتُ مَيْمُونَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّهَا أَوَّلُ امْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ بَعْدَ خَدِيجَةَ رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فَعَنْهَا. (أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنِّي رَأَيْتُ حُلْمًا) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَيُضَمَّانِ، فَفِي النِّهَايَةِ الْحُلُمُ بِضَمَّتَيْنِ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ (مُنْكَرًا) : بِفَتْحِ الْكَافِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ: مَهُولًا (اللَّيْلَةَ) ، أَيِ: الْبَارِحَةَ (قَالَ: " وَمَا هُوَ؟ قَالَتْ: إِنَّهُ شَدِيدٌ) . أَيْ: صَعْبٌ سَمَاعُهُ (قَالَ: " وَمَا هُوَ؟ " قَالَتْ: رَأَيْتُ كَأَنَّ قِطْعَةً مِنْ جَسَدِكَ قُطِعَتْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَكَذَا قَوْلُهُ: (فَوُضِعَتْ فِي حِجْرِي) . بِالْكَسْرِ وَيُفْتَحُ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْحِجْرَ بِالْكَسْرِ أَشْهَرُ فِي الْحَضْنِ وَبِالْفَتْحِ فِي التَّرْبِيَةِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَأَيْتِ خَيْرًا، تَلِدُ فَاطِمَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غُلَامًا يَكُونُ فِي حِجْرِكِ ". فَوَلَدَتْ فَاطِمَةُ الْحُسَيْنَ، كَانَ فِي حِجْرِي كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَدَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَتْهُ فِي حِجْرِهِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ فِي حِجْرِي (ثُمَّ كَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ) ، أَيْ: وَقَعَتْ مِنِّي مُلَاحَظَةٌ فَنَظَرْتُ إِلَى جَانِبِهِ (فَإِذَا عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَهْرِيقَانِ الدُّمُوعَ) ، بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: تَسِيلَانِ مَاءَ الْعَيْنِ لِلْبُكَاءِ (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا لَكَ) ؟ أَيْ: مِنَ الْحَالِ الَّذِي يُبْكِيكَ (قَالَ: " أَتَانِي جِبْرِيلُ ") : وَفِي نُسْخَةٍ ﵇ (" فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي ") ، أَيْ: أُمَّةَ الْإِجَابَةِ (" سَتَقْتُلُ ابْنِي هَذَا ") ، أَيْ: ظُلْمًا (" فَقُلْتُ ") أَيْ: لِجِبْرِيلَ (" هَذَا ") ، أَيِ: ابْنِي هَذَا لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ (" قَالَ: نَعَمْ، وَأَتَانِي بِتُرْبَةٍ مِنْ تُرْبَتِهِ ") ، أَيْ: مِنْ تُرَابِهِ الَّذِي يُقْتَلُ بِهِ (" حَمْرَاءَ ") . بِالْفَتْحِ صِفَةٌ لِتُرْبَةٍ وَفِي الذَّخَائِرِ «عَنْ سَلْمَى قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَعْنِي فِي الْمَنَامِ وَعَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ التُّرَابُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " شَهِدْتُ قَتْلَ الْحُسَيْنِ آنِفًا» " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالْبَغَوِيُّ فِي الْحِسَانِ.
стр. 8615
٦١٨١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ ذَاتَ يَوْمٍ بِنِصْفِ النَّهَارِ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، بِيَدِهِ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا هَذَا؟ قَالَ: " هَذَا دَمُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ، وَلَمْ أَزَلْ أَلْتَقِطُهُ مُنْذُ الْيَوْمُ " فَأُحْصِي ذَلِكَ الْوَقْتَ فَأَجِدُ قُتِلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " وَأَحْمَدُ الْأَخِيرَ.
ــ
٦١٨١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ) ، أَيْ: بَعْدَ مَوْتِهِ ﵇ (ذَاتَ يَوْمٍ بِنِصْفِ النَّهَارِ) ، وَفِي الذَّخَائِرِ زِيَادَةٌ وَهُوَ قَائِمٌ (أَشْعَثَ أَغْبَرَ) ، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُتَفَرِّقَ الشَّعْرِ مُغْبَّرَ الْبَدَنِ (بِيَدِهِ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا هَذَا) ؟ أَيِ: الدَّمُ (قَالَ: " هَذَا دَمُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ، لَمْ أَزَلْ ") : وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَمْ أَزَلْ (" أَلْتَقِطُهُ مُنْذُ الْيَوْمِ ") . قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّسُولِ ﷺ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِقَوْلِهِ: هَذَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا، وَدَمُ الْحُسَيْنِ بَدَلٌ مِنْ هَذَا، وَقَوْلُهُ: (فَأُحْصِي ذَلِكَ الْوَقْتَ) : مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ. اهـ. أَيْ: حَفِظَ تَارِيخَ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ زَمَنِ الرُّؤْيَا (فَأَجِدُ قَتْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ) . أَيْ: فَوَجَدْتُهُ قُتِلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَالْعُدُولُ عَنِ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِعِ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالِ الْغَرِيبَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا كَانَ وَقْتُ الْقَتْلِ مَحْفُوظًا فِي نَفْسِ الرُّؤْيَا بِأَنْ قَالَ ﷺ : هَذَا دَمُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ يُقْتَلُونَ فِي وَقْتِ كَذَا، لَكِنْ يُشْكَلُ بِقَوْلِهِ: لَمْ أَزَلْ أَلْتَقِطُهُ مُنْذُ الْيَوْمِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ تَصْوِيرُهُ أَنَّ الرَّائِيَ رَأَى فِي نَوْمِهِ كَأَنَّهُ مَضَى عَلَيْهِ بَعْضُ سِنِينَ، ثُمَّ فِي آخِرِ سَنَةٍ مِنْهَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ كَذَا رَآهُ ﷺ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ وَالْقَوْلِ الْمَسْطُورِ، فَحَفِظَ تَارِيخَ الْوَقْتِ فَوَجَدَهُ مُطَابِقًا وَلِلنَّعْتِ مُرَافِقًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَدِيثَ فِي الذَّخَائِرِ مِنْ غَيْرِ قَوْلِهِ: فَأُحْصِي ذَلِكَ الْوَقْتَ فَأَجِدُ إِلَخْ. بَلْ لَفْظُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَمْ أَزَلْ أَلْتَقِطُهُ مُنْذُ الْيَوْمِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ قُتِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ بِنْتِ مَنِيعٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْحَافِظُ السِّلَفِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ) ، أَيْ: حَدِيثَيْ أُمِّ الْفَضْلِ وَابْنِ عَبَّاسٍ (الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَأَحْمَدُ الْأَخِيرَ) . أَيْ: وَرَوَى أَحْمَدُ الْحَدِيثَ الْأَخِيرَ، وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَطْ، «وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَيْنَاهُ تَفِيضَانِ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَغْضَبَكَ أَحَدٌ؟ مَا شَأْنُ عَيْنَيْكَ تَفِيضَانِ؟ قَالَ: " قَامَ مِنْ عِنْدِي جِبْرِيلُ قَبْلَ حَدِيثِي وَحَدَّثَنِي أَنَّ الْحُسَيْنَ يُقْتَلُ بِشَطِّ الْفُرَاتِ " قَالَ: فَقَالَ: هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ أُشِمَّكَ مِنْ تُرْبَتِهِ؟ قُلْتُ: " نَعَمْ " فَمَدَّ يَدَهُ فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَأَعْطَانِيهَا فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنِي أَنْ فَاضَتَا» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.
стр. 8616
٦١٨٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، فَأَحِبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٨٢ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ) ، أَيْ: بِهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَرْزُقُكُمْ (" مِنْ نِعَمَةٍ ") ، أَيْ مِنْ أَيِّ نِعْمَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: مِنْ نِعَمِهِ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ فَمِيمٍ، مُضَافٌ إِلَى هَاءِ الضَّمِيرِ، أَوِ الْمَعْنَى إِنْ كُنْتُمْ لَا تُحِبُّونَ اللَّهَ إِلَّا لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعْمَةٍ فَأَحِبُّوهُ، وَإِلَّا فَلَا، فَهُوَ سُبْحَانُهُ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عِنْدَ الْعَارِفِينَ مِنَ الْمُحِبِّينَ سَوَاءً أَنَعَمَ أَمْ لَا، فَهُوَ عَلَى مِنْوَالِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣] : (" فَأَحِبُّونِي ") ، أَيْ: إِذَا ثَبَتَ سَبَبُ مَحَبَّةِ اللَّهِ فَأَحِبُّونِي (لِحُبِّ اللَّهِ) ; لِأَنَّ مَحْبُوبَ الْمَحْبُوبِ مَحْبُوبٌ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وَفِي نُسْخَةٍ: وَأَحِبُّونِي بِالْوَاوِ عَطْفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ (" وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي) ، أَيْ: إِيَّاهُمْ أَوْ لِحُبِّكُمْ إِيَّايَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
стр. 8617
٦١٨٣ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ آخِذٌ بِبَابِ الْكَعْبَةِ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " أَلَا إِنَّ مِثْلَ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ مِثْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٦١٨٣ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ الْغِفَارِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ الصَّحَابَةِ وَزُهَّادِهِمْ، أَسْلَمَ قَدِيمًا بِمَكَّةَ، وَيُقَالُ: كَانَ خَامِسًا فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى قَوْمِهِ فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ سَكَنَ الرَّبَذَةَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَكَانَ يَتَعَبَّدُ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (أَنَّهُ قَالَ) ، أَيْ: أَبُو ذَرٍّ (وَهُوَ آخِذٌ) ، أَيْ: مُتَعَلِّقٌ (بِبَابِ الْكَعْبَةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ الرَّاوِي بِهَذَا مَزِيدَ تَوْكِيدٍ لِإِثْبَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَذَا أَبُو ذَرٍّ اهْتَمَّ بِشَأْنِ رِوَايَتِهِ فَأَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى رُءُوسِ الْأَنَامِ لِيَتَمَسَّكُوا بِهِ (سَمِعْتُ النَّبِيَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَلَا إِنَّ مِثْلَ أَهْلِ بَيْتِي ") : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ أَيْ شَبَهَهُمْ (" فِيكُمْ مِثْلَ سَفِينَةِ نُوحٍ ") ، أَيْ فِي سَبَبِيَّةِ الْخَلَاصِ مِنَ الْهَلَاكِ إِلَى النَّجَاةِ (" مَنْ رَكِبَ نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ ") . فَكَذَا مَنِ الْتَزَمَ مَحَبَّتَهُمْ وَمُتَابَعَتَهُمْ نَجَا فِي الدَّارَيْنِ وَإِلَّا فَهَلَكَ فِيهِمَا وَلَوْ كَانَ يُفَرِّقُ الْمَالَ وَالْجَاهَ أَوْ أَحَدَهُمَا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . وَكَذَا الْحَاكِمُ لَكِنْ بِدُونِ لَفْظٍ أَنْ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِأَبِي ذَرٍّ يَقُولُ: مَنْ عَرَفَنِي فَأَنَا مَنْ قَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ أَنْكَرَنِي فَأَنَا أَبُو ذَرٍّ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (أَلَا إِنَّ مِثْلَ أَهْلِ بَيْتِي) الْحَدِيثَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: فَأَنَا مَنْ قَدْ عَرَفَنِي، وَبِقَوْلِهِ: فَأَنَا أَبُو ذَرٍّ أَنَا الْمَشْهُورُ بِصِدْقِ اللَّهْجَةِ وَثِقَةِ الرِّوَايَةِ، وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحٌ لَا مَجَالَ لِلرَّدِّ فِيهِ وَهَذَا تَلْمِيحٌ إِلَى مَا رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ» " وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي ذَرٍّ: «مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ وَلَا أَوْفَى مِنْ أَبِي ذَرٍّ شِبْهَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَالْحَاسِدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَتَعْرِفُ ذَلِكَ لَهُ؟ قَالَ: " أَعْرِفُ ذَلِكَ فَاعْرِفُوهُ» ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الصَّغَانِيُّ فِي كَشْفِ الْحِجَابِ شَبَّهَ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا مِنَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالَاتِ وَالْبِدَعِ وَالْجَهَالَاتِ وَالْأَهْوَاءِ الزَّائِغَةِ بِبَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضِهِ، وَقَدْ أَحَاطَ بِأَكْنَافِهِ وَأَطْرَافِهِ الْأَرْضَ كُلَّهَا وَلَيْسَ مِنْهُ خَلَاصٌ وَلَا مَنَاصَ إِلَّا تِلْكَ السَّفِينَةَ، وَهِيَ مَحَبَّةُ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا أَحْسَنَ انْضِمَامُهُ مَعَ قَوْلِهِ: «مَثَلُ أَصْحَابِي مَثَلُ النُّجُومِ مَنِ اقْتَدَى بِشَيْءٍ مِنْهُ اهْتَدَى» ، وَنِعْمَ مَا قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: نَحْنُ مَعَاشِرَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِحَمْدِ اللَّهِ رَكِبْنَا سَفِينَةَ مَحَبَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَاهْتَدَيْنَا بِنَجْمِ هَدْيِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَنَرْجُوا النَّجَاةَ مِنْ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَدَرَكَاتِ الْجَحِيمِ، وَالْهِدَايَةَ إِلَى مَا يُوجِبُ دَرَجَاتِ الْجِنَانِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. اهـ.
وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَدْخُلِ السَّفِينَةَ كَالْخَوَارِجِ هَلَكَ مَعَ الْهَالِكِينَ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَمَنْ دَخَلَهَا وَلَمْ يَهْتَدِ بِنُجُومِ الصَّحَابَةِ كَالرَّوَافِضِ ضَلَّ، وَوَقَعَ فِي ظُلُمَاتٍ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا، هَذَا وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا انْطَمَسَتِ النُّجُومُ أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الْهُدَاةُ» ". وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «النُّجُومُ أَمَانٌ لِأَهْلِ السَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ ذَهَبَ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ بَيْتِي أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ فَإِذَا ذَهَبَ أَهْلُ بَيْتِي ذَهَبَ أَهْلُ الْأَرْضِ» . اهـ.
стр. 8618
[بَابُ مَنَاقِبِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ﵅]
[١١] بَابُ مَنَاقِبِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ﵅ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦١٨٤ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
ــ
[١١] بَابُ مَنَاقِبِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي نُسْخَةٍ: وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦١٨٤ - (عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " خَيْرُ نِسَائِهَا ") ، أَيْ: نِسَاءُ زَمَانِهَا أَوْ عَالَمِهَا (" مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ") : بِالتَّصْغِيرِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى غَيْرِ
стр. 8619
مَذْكُورٍ، لَكِنَّهُ يُفَسِّرُهُ الْحَالُ وَالْمُشَاهَدُ يَعْنِي بِهِ الدُّنْيَا وَالدِّينَ، يَظْهَرُ لِي أَنَّ قَوْلَهُ: خَيْرُ نِسَائِهَا خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَالضَّمِيرُ لِمَرْيَمَ فَكَأَنَّهُ قَالَ مَرْيَمُ خَيْرُ نِسَاءِ زَمَانِهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ الْحَارِثُ عَنْ عُرْوَةَ مُرْسِلًا: خَدِيجَةُ خَيْرُ نِسَاءِ عَالَمِهَا، وَمَرْيَمُ خَيْرُ نِسَاءِ عَالَمِهَا، وَفَاطِمَةُ خَيْرُ نِسَاءِ عَالَمِهَا.
(وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَالضَّمِيرُ فِي الْأُولَى عَائِدٌ إِلَى الْأُمَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِمْ مَرْيَمُ، وَفِي الثَّانِيَةِ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلِهَذَا كَرَّرَ الْقَوْلَ مِنْ أَوَّلِهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ حُكْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ حُكْمِ الْآخَرِ، وَكِلَا الْفَصْلَيْنِ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ وَإِشَارَةُ وَكِيعٍ الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ مُنْبِئَةٌ مِنْ كَوْنِهِمَا خَيْرًا مِمَّنْ هُوَ فَوْقَ الْأَرْضِ وَتَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الْبَيَانِ وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ خَيْرُ نِسَائِهَا، لِأَنَّ إِعَادَةَ الضَّمِيرِ إِلَى السَّمَاءِ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّهُمَا شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ. قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا وَحَّدَ الضَّمِيرَ لِأَنَّهُ أَرَادَ جُمْلَةَ طَبَقَاتِ السَّمَاءِ وَأَقْطَارِ الْأَرْضِ، أَوْ أَنَّ مَرْيَمَ خَيْرُ مَنْ صَعِدَ بِرُوحِهِنَّ إِلَى السَّمَاءِ، وَخَدِيجَةُ خَيْرُ نِسَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالْحَدِيثُ وَرَدَ فِي أَيَّامِ حَيَاتِهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَإِنِ اخْتَلَفَا بِاعْتِبَارِ الدُّنْيَا مَجَازًا كَمَا عَبَّرَ بِهِمَا عَنِ الْعَالَمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥] الْكَشَّافِ، أَيْ: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْعَالَمِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [سبأ: ١] عَلَى مَعْنَى لَهُ الْحَمْدُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَعَبَّرَ بِهِمَا عَنِ الدُّنْيَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ مَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ حَدِيثِ: «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ» الْحَدِيثَ. وَتَفْسِيرُ وَكِيعٍ: إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا بَيَّنَ مَا أُبْهِمَ فِي الْحَدِيثِ وَالْمُبْهَمُ فِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ. اهـ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَظْهَرُ فِي مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَيْرٌ مِنْ نِسَاءِ الْأَرْضِ فِي عَصْرِهَا، وَأَمَّا الْفَضْلُ بَيْنَهُمَا فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ. ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ.
стр. 8620
٦١٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «أَتَى جِبْرَئِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ، فَإِذَا أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦١٨٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ ، أَيْ: وَهُوَ ﷺ بِحِرَاءَ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَذِهِ) : إِشَارَةٌ عَلَى مَا فِي ذِهْنِ جِبْرِيلَ (خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ) ، أَيْ: تَوَجَّهَتْ مِنْ (مَكَّةَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ) ، أَيْ: مَعَ خُبْزٍ (أَوْ طَعَامٍ) ، أَيْ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِمَا (فَإِذَا أَتَتْكَ) ، أَيْ: تَحَقَّقَ مَأْتَاهَا عِنْدَكَ (فَاقْرَأْ عَلَيْهَا) : بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ أَبْلِغْهَا (السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ) ، بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ لُؤْلُؤٍ مُجَوَّفٍ وَاسِعٍ كَالْقَصْرِ الْمَنِيفِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: مِنْ قَصَبِ اللُّؤْلُؤِ، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ لُؤْلُؤٍ إِذْ فِي لَفْظِ الْقَصَبِ مُنَاسِبَةٌ لِأَنَّهَا أَحْرَزَتْ قَصَبَ السَّبْقِ لِمُبَادَرَتِهَا إِلَى الْإِيمَانِ دُونَ غَيْرِهَا. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: «خَدِيجَةُ سَابِقَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ (لَا صَخَبَ) : بِفَتْحِ الصَّادِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَا: لَنَفْيِ الْجِنْسِ أَيْ: لَا صِيَاحَ أَوْ لَا اخْتِلَاطَ صَوْتٍ. (فِيهِ) ، أَيْ: فِي الْقَصَبِ الْمُعَبَّرِ بِهِ عَنِ الْقَصْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ فِيهَا، فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْجَنَّةِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَلَا نَصَبَ) . بِفَتْحَتَيْنِ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] أَيْ كَلَالٌ. قَالَ شَارِحٌ، أَيْ: لَا يَكُونُ لَهَا شَاغِلٌ يَشْغَلُهَا عَنْ لَذَائِذِ الْجَنَّةِ وَلَا تَعَبَ يَنْقُصُهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: نَفَى عَنِ الْقَصَبِ الصَّخَبَ وَالنَّصَبَ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ بَيْتٍ فِي الدُّنْيَا يَسْكُنُهُ قَوْمٌ إِلَّا كَانَ بَيْنَ أَهْلِهِ صَخَبٌ وَجَلَبَةٌ، وَإِلَّا كَانَ فِي بِنَائِهِ وَإِصْلَاحِهِ نَصَبٌ وَتَعَبٌ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ قُصُورَ الْجَنَّةِ خَالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ الْآفَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُؤَيِّدُهُ الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ بِنَاءَ بَيْتِ الْجَنَّةِ حَاصِلٌ بِقَوْلِهِ: كُنْ، لَيْسَ كَأَبْنِيَةِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا إِنَّمَا يَتَسَبَّبُ بِنَاؤُهَا صَخَبٌ وَنَصَبٌ، وَكَذَا السُّكُونُ فِيهَا لَا يَخْلُو عَنْهُمَا وَلَيْسَ حُكْمُ بَيْتِ الْجَنَّةِ كَذَلِكَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
стр. 8621
٦١٨٦ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةَ، فَيَقُولُ: " إِنَّهَا كَانَتْ، وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وُلْدٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦١٨٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ) : بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ غَارَ يَغَارُ نَحْوُ خَافَ يَخَافُ (مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ) : مَا: الْأُولَى نَافِيَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ: مَا غِرْتُ مِثْلَ الَّتِي غِرْتُهَا أَوْ مِثْلُ غَيْرَتِي عَلَيْهَا، وَالْغَيْرَةُ: الْحَمِيَّةُ وَالْأَنَفُ (وَمَا رَأَيْتُهَا) ، الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ؟ هِيَ تَقْتَضِي عَدَمَ الْغَيْرَةِ لِعَدَمِ الْبَاعِثِ عَلَيْهَا غَالِبًا وَلِذَا قَالَتْ: (وَلَكِنْ كَانَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا) ، أَيْ فِي مَقَامِ الْمَدْحِ (وَرُبَّمَا) : بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ (ذَبَحَ شَاةً) ، أَيْ: شَاةً مِنَ الشِّيَاهِ (ثُمَّ يُقَطِّعُهَا) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ يُكْثِرُ قَطْعَهَا (أَعْضَاءً) ، أَيْ عُضْوًا عُضْوًا بِأَنْ يَجْعَلَ كُلَّ عُضْوٍ قِطْعَةً (ثُمَّ يَبْعَثُهَا) ، أَيْ: أَعْضَاءَ الشَّاةِ (فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ) ، أَيْ أَصْدِقَائِهَا جَمْعُ صَدِيقَةٍ وَهِيَ الْمَحْبُوبَةُ (فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ) ، أَيِ: الشَّأْنُ (لَمْ تَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةَ) : بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالنَّصْبِ (فَيَقُولُ: " أَنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ ") أَيْ كَانَتْ صَوَّامَةً وَقَوَّامَةً وَمُحْسِنَةً وَمُشْفِقَةً إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَرَّرَ كَانَتْ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ التَّثْنِيَةَ، وَلَكِنَّ التَّكْرِيرَ لِيَتَعَلَّقَ بِهِ كُلَّ مَرَّةٍ مِنْ خَصَائِلِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢] وَلَمْ يُذْكَرْ هُنَا مُتَعَلَّقُهُ لِلشُّهْرَةِ تَفْخِيمًا. (" وَكَانَ ") ، أَيْ: مَعَ هَذَا (" لِي مِنْهَا وُلْدٌ ") . بِضَمٍّ فَسُكُونٍ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا جَمْعُ وَلَدٍ وَمِنْهُمْ فَاطِمَةُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ الْقُرَشِيَّةُ، كَانَتْ تَحْتَ ابْنِ هَالَةَ بْنِ زُرَارَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَتِيقُ بْنُ عَابِدٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَهَا يَوْمَئِذٍ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَلَمْ يَنْكِحْ ﷺ قَبْلَ امْرَأَةٍ وَلَا نَكَحَ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ مِنْ كَافَّةِ النَّاسِ ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ، وَجَمِيعُ أَوْلَادِهِ مِنْهَا غَيْرُ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّهُ مِنْ مَارِيَةَ، وَمَاتَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَقِيلَ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَقِيلَ بِثَلَاثٍ وَكَانَ قَدْ مَضَى مِنَ النُّبُوَّةِ عَشْرُ سِنِينَ، وَكَانَ لَهَا مِنَ الْعُمْرِ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَكَانَ مُدَّةُ مَقَامِهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَدُفِنَتْ بِالْحَجُونِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
стр. 8622
٦١٨٧ - وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَائِشُ! هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ ". قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، قَالَتْ: وَهُوَ يَرَى مَا لَا أَرَى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦١٨٧ - (وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ رَوَى عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ الْقُرَشِيِّ، أَحَدِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الْمَشْهُورِينَ بِالْفِقْهِ فِي الْمَدِينَةِ فِي قَوْلٍ، وَمِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَأَعْلَامِهِمْ. (أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَائِشُ ") : بِضَمِّ الشِّينِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا عَلَى التَّرْخِيمِ (" هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ ") . مِنَ الْإِقْرَاءِ، فَفِي الْقَامُوسِ قَرَأَ ﵇ كَأَقْرَأَهُ، أَوْ لَا يُقَالُ أَقْرَأَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ السَّلَامُ مَكْتُوبًا (قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. قَالَتْ) ، أَيْ: عَائِشَةُ (وَهُوَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (يَرَى مَا لَا أَرَى) . وَأَبْعَدَ شَارِحٌ حَيْثُ قَالَ: أَوْ يَرَى جِبْرِيلُ مَا لَا أَرَاهُ. اهـ. وَاسْتُنْبِطَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ خَدِيجَةَ عَلَى عَائِشَةَ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي حَقِّهَا أَنَّ جِبْرِيلَ أَقْرَأَهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا، وَهَا هُنَا مِنْ جِبْرِيلَ نَفْسِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 8623
٦١٨٨ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِي: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦١٨٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أُرِيْتُكِ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْإِرَاءَةِ أَيْ أُعْلِمْتُكِ (" فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَجِيءُ بِكِ ") : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ يَأْتِي بِصُورَتِكِ (" الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ ") : بِفَتْحَتَيْنِ (" مِنْ حَرِيرٍ ") ، أَيْ: فِي قِطْعَةٍ مِنْ جَيِّدِ الْحَرِيرِ، قِيلَ: وَهُوَ مُعَرَّبُ سُرَّةٍ (" فَقَالَ ") ، أَيِ: الْمَلَكُ (" لِي هَذِهِ ") ، أَيْ: هَذِهِ الصُّورَةُ (" امْرَأَتُكَ ") ، أَيْ صُورَتُهَا (" فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ، فَإِذَا أَنْتَ هِيَ ") ، أَيْ: تِلْكَ الصُّورَةُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كَشَفْتُ عَنْ وَجْهِ صُورَتِكِ فَإِذَا أَنْتِ الْآنَ تِلْكَ الصُّورَةُ، وَثَانِيهُمَا:
стр. 8624
كَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ عِنْدَمَا شَاهَدْتُكِ، فَإِذَا أَنْتِ مِثْلُ الصُّورَةِ الَّتِي رَأَيْتُهَا فِي الْمَنَامِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ حَيْثُ حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ وَحَمَلَهَا عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] وَمِنْهُ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ كُنْتُ أَظَنُّ أَنَّ الْعَقْرَبَ أَشَدُّ لَسْعَةٍ مِنَ الزُّنْبُورِ، فَإِذَا هِيَ أَيْ فَإِذَا الزُّنْبُورُ مِثْلُ الْعَقْرَبِ، فَحَذَفَ الْأَدَاةَ مُبَالَغَةً فَحَصَلَ التَّشَابُهُ، وَإِلَيْهِ لَمْحُ الْآيَةِ، وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا، وَمَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ فِي إِذَا يُسَاعِدُ هَذَا الْوَجْهُ. اهـ.
وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهَا: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِصُورَتِي فِي رَاحَتِهِ حِينَ أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُزَوِّجَنِي بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ صُورَتَهَا كَانَتْ فِي الْخِرْقَةِ، وَالْخِرْقَةُ فِي رَاحَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ بِالْكَيْفِيَّتَيْنِ لِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ: نَزَلَ مَرَّتَيْنِ أَيْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِصُورَتِهَا فِي رَاحَتِهِ وَمَلَكٌ آخَرُ فِي سَرَقَةٍ (" فَقُلْتُ ") ، أَيْ: فِي جَوَابِ الْمَلَكِ (" إِنْ يَكُنْ هَذَا ") ، أَيْ: مَا رَأَيْتَهُ فِي الْمَنَامِ (" مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ ") . بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِمْضَاءِ أَيْ يُنْفِذُهُ لَدَيَّ، وَيُوصِلُهُ إِلَيَّ وَيُظْهِرُهُ عَلَيَّ وَفِي نُسْخَةٍ بِهَاءِ السَّكْتِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الشَّرْطُ مِمَّا يَقُولُهُ الْمُتَحَقِّقُ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ الْمُدِلُّ بِصِحَّتِهِ تَقْرِيرًا لِوُقُوعِ الْجَزَاءِ وَتَحَقُّقِهِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ السُّلْطَانِ لِمَنْ تَحْتَ قَهْرِهِ: إِنْ كُنْتَ سُلْطَانًا انْتَقَمَتْ مِنْكَ أَيِ السَّلْطَنَةُ مُقْتَضِيَةً لِلِانْتِقَامِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَقَبْلَ تَخْلِيصِ أَحْلَامِهِ ﷺ مِنَ الْأَضْغَاثِ، فَمَعْنَاهَا إِنْ كَانَتْ رُؤْيَا حَقٍّ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَلَهَا ثَلَاثُ مَعَانٍ. أَحُدُهَا: الْمُرَادُ أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَا عَلَى وَجْهِهَا وَظَاهِرُهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ وَتَفْسِيرٍ يُمْضِهِ اللَّهُ وَيُنْجِزُهُ، فَالشَّكُّ عَائِدٌ إِلَى أَنَّهَا رُؤْيَا عَلَى ظَاهِرِهَا، أَمْ تَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ وَصَرْفٍ عَنْ ظَاهِرِهَا. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُرَادَ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الزَّوْجِيَّةُ فِي الدُّنْيَا يُمْضِهَا اللَّهُ، فَالشَّكُّ أَنَّهَا زَوْجِيَّةٌ فِي الدُّنْيَا أَمْ فِي الْجَنَّةِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَشُكَّ وَلَكِنْ أُخْبِرَ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَأَتَى بِصُورَةِ الشَّكِّ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْبَدِيعِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَلَاغَةِ يُسَمُّونَهُ تَجَاهُلُ الْعَارِفِ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ مَزْجُ الشَّكِّ بِالْيَقِينِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي ضَعَّفْنَاهُ فِيمَا سَبَقَ، وَكَانَ مِنْ تَوَارُدِ الْخَاطِرِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: خَطَبَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَتَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ عَشْرٍ مِنَ النُّبُوَّةِ وَقَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَعْرَسَ بِهَا بِالْمَدِينَةِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا. أَوَّلُهَا: تِسْعُ سِنِينَ، وَقِيلَ دَخَلَ بِهَا بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مَقْدَمِهِ، وَبَقِيَتْ مَعَهُ تِسْعَ سِنِينَ، وَمَاتَ عَنْهَا وَلَهَا ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً. وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَكَانَتْ فَقِيهَةً عَالِمَةً فَصِيحَةً فَاضِلَةً كَثِيرَةَ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَارِفَةً بِأَيَّامِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا، رَوَى عَنْهَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَمَرَتْ أَنْ تُدْفَنَ لَيْلًا فَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَصَلَّى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةَ مَرْوَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8625
٦١٨٩ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَتْ: إِنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ حِزْبَيْنِ: فَحِزْبٌ فِيهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ، وَالْحِزْبُ الْآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَ حِزْبُ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَيَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيُهْدِهِ إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ. فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَ لَهَا: " لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ؟ فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلَّا عَائِشَةَ ". قَالَتْ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَوْنَ فَاطِمَةَ فَأَرْسَلْنَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَ: " يَا بُنَيَّةُ! أَلَا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ ". قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: " فَأَحِبِّي هَذِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ حَدِيثُ أَنَسٍ " فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ " فِي بَابِ " بَدْءِ الْخَلْقِ " بِرِوَايَةِ أَبِي مُوسَى.
ــ
٦١٨٩ - (وَعَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ مِنَ التَّحَرِّي وَهُوَ طَالِبُ الْحَرِيِّ بِمَعْنَى اللَّائِقِ، أَوْ قَصَدَ الْأَحْرَى بِمَعْنَى الْأَحَقِّ وَالْأَوْلَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ الرِّوَايَةُ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ يَتَحَيَّنُونَ وَمَا وَجَدْنَاهَا فِي الْأُصُولِ. وَفِي النِّهَايَةِ التَّحَرِّي: الْقَصْدُ وَالِاجْتِهَادُ فِي الطَّلَبِ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» أَيْ: تَعَهَّدُوا طَلَبَهَا فِيهَا. اهـ. وَالْمَعْنَى يَطْلُبُونَ زِيَادَةَ الثَّوَابِ (بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ) ، أَيْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ نَوْبَةُ عَائِشَةَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا (يَبْتَغُونَ) ، أَيْ: يَطْلُبُونَ (بِذَلِكَ) ، أَيْ: بِإِرْسَالِ هَدَايَاهُمْ إِلَيْهِ فِي يَوْمِهَا (مَرْضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أَيْ زِيَادَةَ رِضَاهُ لِمَزِيدِ مَحَبَّتِهِ لَهَا. (وَقَالَتْ: إِنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ حِزْبَيْنِ) ، أَيْ: طَائِفَتَيْنِ اتَّفَقَتْ مِزَاجُ كُلِّ طَائِفَةٍ وَرَأْيُهَا فِي عِشْرَتِهَا وَصُحْبَتِهَا (فَحِزْبٌ) ، أَيْ: جَمْعٌ مِنْهُنَّ. (فِيهِ عَائِشَةُ) : وَسَبَقَ ذِكْرُهَا (وَحَفْصَةُ) : وَهِيَ بِنْتُ.
стр. 8626
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ مَظْعُونٍ، كَانَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ حُبَيْشِ بْنِ حُفَافَةَ السَّهْمِيِّ، هَاجَرَتْ مَعَهُ مَاتَ عَنْهَا بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَلَمَّا ضَاعَتْ ذَكَرَهَا عُمَرُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانَ فَلَمْ يُجِبْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَخَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْكَحَهُ إِيَّاهَا فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ، وَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ رَاجَعَهَا حَيْثُ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ: «رَاجِعْ حَفْصَةَ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ وَإِنَّهَا زَوْجَتُكَ فِي الْجَنَّةِ» ، رَوَى عَنْهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَاتَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَهِيَ ابْنَةُ سِتِّينَ (وَصَفِيَّةُ) : وَهِيَ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سِبْطِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ ﵇ وَكَانَتْ تَحْتَ كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحَقِيقِ، فَقُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ سَبْعٍ، وَوَقَعَتْ فِي السَّبْيِ فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقِيلَ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ، فَأَسْلَمَتْ فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَمَاتَتْ سَنَةَ خَمْسِينَ وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، رَوَى عَنْهَا أَنَسٌ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمَا (وَسَوْدَةُ) ، أَيْ: بِنْتُ زَمْعَةَ أَسْلَمَتْ قَدِيمًا، وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ عَمٍّ لَهَا يُقَالُ لَهُ السَّكُوانُ بْنُ عَمْرٍو، فَلَمَّا مَاتَ زَوْجُهَا تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَدَخَلَ بِهَا بِمَكَّةَ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى عَائِشَةَ، وَهَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَبُرَتْ أَرَادَ طَلَاقَهَا فَسَأَلَتْهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَجَعَلَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ فَأَمْسَكَهَا، وَتُوُفِّيَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ (وَالْحِزْبُ الْآخَرُ) ، أَيْ: مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (أُمُّ سَلَمَةَ) : وَهِيَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، اسْمُهَا هِنْدُ، وَكَانَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَمَا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ، تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي لَيَالٍ بَقِينَ فِي شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا أَبُو سَلَمَةَ، وَمَاتَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَكَانَ عُمْرُهَا أَرْبَعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، رَوَى عَنْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَزَيْنَبُ بِنْتُهَا وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ وَبَاقِيهِنَّ وَهُنَّ زَيْنَبُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَجُوَيْرِيَةُ بِالتَّصْغِيرِ وَمَيْمُونَةُ.
أَمَّا زَيْنَبُ فَهِيَ بِنْتُ جَحْشٍ، وَأُمُّهَا أُمَيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ تَحْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ سَنَةَ خَمْسٍ، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِهِ بَعْدَهُ، وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةُ، فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ زَيْنَبَ. قَالَتْ عَائِشَةُ فِي شَأْنِهَا: لَمْ تَكُنِ امْرَأَةٌ خَيْرًا مِنْهَا فِي الدِّينِ، وَأَتْقَى لِلَّهِ وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً وَأَشَدَّ تَبَذُّلًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَتَصَدَّقُ بِهِ، وَتَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَلَهَا ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، رَوَتْ عَنْهَا عَائِشَةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَغَيْرُهَا.
وَأَمَّا أُمُّ حَبِيبَةَ: فَاسْمُهَا رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَأُمُّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَمَّةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي نِكَاحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا، وَمَوْضِعُ الْعَقْدِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ عَقَدَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَزَوَّجَهُ مِنْهَا النَّجَاشِيُّ وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَقِيلَ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ فَجَاءَ بِهَا إِلَيْهِ، وَدَخَلَ بِهَا بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهَا بِالْمَدِينَةِ، وَزَوَّجَهُ مِنْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، رَوَى عَنْهَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا جُوَيْرِيَةُ، فَهِيَ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ حِزَامٍ، سَبَاهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَهِيَ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ، فَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، فَكَاتَبَهَا فَقَضَى عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ كِتَابَتَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَسَمَّاهَا جُوَيْرِيَةَ، وَمَاتَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ، وَلَهَا خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، رَوَى عَنْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ.
وَأَمَّا مَيْمُونَةُ فَهِيَ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ الْعَامِرِيَّةُ وَيُقَالُ إِنَّ اسْمَهَا كَانَ بَرَّةَ فَسَمَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ: وَكَانَتْ تَحْتَ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَفَارَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا أَبُو دِرْهَمٍ وَتُوُفِّيَ عَنْهَا فَتَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ بِسَرِفَ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ وَقَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا مَاتَتْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي تَزَوَّجَهَا فِيهِ بِسَرِفَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَقِيلَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَصَلَّى عَلَيْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ الْفَضْلِ امْرَأَةِ الْعَبَّاسِ، وَأُخْتُ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَهِيَ آخِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، رَوَى عَنْهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ كَذَا فِي الْأَسْمَاءِ لِلْمُؤَلِّفِ.
стр. 8627
(فَكَلَّمْ حِزْبُ أُمِّ سَلَمَةَ) ، أَيْ: إِيَّاهَا وَالْمَعْنَى فَكَلَّمْنَهَا (فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُ النَّاسَ) : بِالرَّفْعِ عَلَى مَا فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ، عَلَى أَنَّهُ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِالْجَزْمِ، وَالْمِيمُ مَكْسُورَةٌ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ. قُلْتُ: الصَّوَابُ الرَّفْعُ لِقَوْلِهِ (فَيَقُولُ) : وَالْمَعْنَى لِيُكَلِّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ لَهُمْ: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ أَيْ: يُرْسِلَ هَدِيَّةً (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيُهْدِهِ) : وَضَعَ السَّيِّدُ فِي نُسْخَتِهِ عَلَامَةَ الشَّكِّ فَوْقَ الضَّمِيرِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَسْتَوِي وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ، نَعَمْ قَدْ يُحْذَفُ ضَمِيرُ الْمَفْعُولِ لَكِنَّ النُّسَخَ اجْتَمَعَتْ عَلَى وُجُودِهِ وَهُوَ أَوْضَحُ مِنْ تَقْدِيرِهِ، فَلَا وَجْهَ لِلشَّكِّ وَتَنْظِيرِهِ، وَالْمَعْنَى فَلْيُرْسِلْ مُهْدَاهُ أَيْ هَدِيَّتَهُ (إِلَيْهِ) ، أَيْ: إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (حَيْثُ كَانَ) . أَيْ مِنْ حُجُرَاتِ الْأُمَّهَاتِ وَمُرَادُهُنَّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّحَرِّي فِي ذَلِكَ لَا لَهُنَّ وَلَا لِغَيْرِهِنَّ، بَلْ بِحَسْبِ مَا يَتَّفِقُ الْأَمْرُ فِيهِنَّ لِيَرْتَفِعَ التَّمْيِيزُ الْبَاعِثُ لِلْغَيْرَةِ عَنْهُنَّ (فَكَلَّمَتْهُ) ، أَيْ أُمُّ سَلَمَةَ (فَقَالَ) : النَّبِيُّ ﷺ (لَهَا: لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ ") ، أَيْ فِي حَقِّهَا، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ لَا تُؤْذِي عَائِشَةَ لِمَا يُفِيدُ مِنْ أَنَّ مَا آذَاهَا فَهُوَ يُؤْذِيهِ (" فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ ") ، أَيْ: لِحَافِ زَوْجَةٍ (" إِلَّا عَائِشَةَ ") . قَالَ الطِّيبِيُّ: إِلَّا بِمَعْنَى غَيْرِ أَيِ امْرَأَةً غَيْرَ عَائِشَةَ. اهـ. وَالْمَعْنَى إِلَّا فِي ثَوْبِ عَائِشَةَ فَفِي كِتَابِ الْخَمِيسِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَلَتْ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي اللِّحَافِ (قَالَتْ) ، أَيْ: أُمُّ سَلَمَةَ (أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَذَاكَ) ، أَيْ: مِمَّا يَجُرُّ إِلَى أَذَاكَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثُمَّ إِنَّهُنَّ) ، أَيْ: حِزْبُ أُمِّ سَلَمَةَ (دَعَوْنَ فَاطِمَةَ) ، أَيْ: طَلَبْنَهَا (فَأَرْسَلْنَ) ، أَيْ: فَبَعَثْنَهَا (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: لِتُكَلِّمَهُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ (فَكَلَّمَتْهُ) ، وَلَعَلَّهَا مَا اطَّلَعَتْ عَلَى قِصَّةِ أُمِّ سَلَمَةَ السَّابِقَةِ (فَقَالَ: " يَا بُنَيَّةُ ") : تَصْغِيرٌ لِلشَّفَقَةِ وَالْمَرْحَمَةِ (" أَلَا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ " قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: " فَأَحِبِّي هَذِهِ ") . أَيْ عَائِشَةَ يَعْنِي وَلَا تَذْكُرِي مَا يَكُونُ سَبَبًا لِكَرَاهِيَةِ خَاطِرِهَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
(وَذَكَرَ حَدِيثُ أَنَسٍ «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ ") : تَمَامُهُ: " كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الْأَطْعِمَةِ» . (" فِي بَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ بِرِوَايَةِ أَبِي مُوسَى) . وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّسَاءِ جِنْسُهُنَّ، أَوْ أَزْوَاجُهُ ﷺ عُمُومًا أَوْ بَعْدَ خَدِيجَةَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ النِّسَاءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ مِنْ حَيْثُ الْجَامِعِيَّةُ لِلْكَمَالَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ الْمُعَبَّرُ عَنْهُمَا فِي التَّشْبِيهِ بِالثَّرِيدِ، فَإِنَّمَا يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِالثَّرِيدِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ طَعَامِ الْعَرَبِ، وَأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْمَرَقَةِ، وَلَا نَظِيرَ لَهَا فِي الْأَغْذِيَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ جَامِعٌ بَيْنَ الْغِذَاءِ وَاللَّذَّةِ وَالْقُوَّةِ وَسُهُولَةِ التَّنَاوُلِ وَقِلَّةِ الْمُؤْنَةِ فِي الْمَضْغِ، وَسُرْعَةِ الْمُرُورِ فِي الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهَا الْمَثَلَ بِهِ لِيُعْلِمَ أَنَّهَا أُعْطِيَتْ مَعَ حُسْنِ الْخَلْقِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَحُسْنِ الْحَدِيثِ، وَحَلَاوَةِ الْمَنْطِقِ، وَفَصَاحَةِ اللَّهْجَةِ، وَجَوْدَةِ الْقَرِيحَةِ، وَرَزَانَةِ الرَّأْيِ، وَرَصَانَةِ الْعَقْلِ التَّحَبُّبَ إِلَى الْبَعْلِ، فَهِيَ تَصْلُحُ لِلتَّبَعُّلِ وَالتَّحَدُّثِ وَالِاسْتِئْنَاسِ بِهَا وَالْإِصْغَاءِ إِلَيْهَا وَإِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي اجْتَمَعَتْ فِيهَا، وَحَسْبُكَ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي أَنَّهَا عَقَلَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ تَعْقِلْ غَيْرُهَا مِنَ النِّسَاءِ، وَرَوَتْ عَنْهُ مَا لَمْ يَرْوِ مِثْلُهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
стр. 8628
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦١٩٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦١٩٠ - (عَنْ أَنَسٍ) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " حَسْبُكِ ") ، أَيْ: بِالْخِطَابِ الْعَامِّ، وَالْمَعْنَى يَكْفِيكِ (" مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) ، أَيِ: الْوَاصِلَةِ إِلَى مَرَاتِبِ الْكَامِلِينَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِنَّ وَذَكَرَ مَحَاسِنَهُنَّ وَمَنَاقِبَهُنَّ وَزُهْدَهُنَّ فِي الدُّنْيَا وَإِقْبَالَهُنَّ عَلَى الْعُقْبَى (" مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ") . وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَرَاتِبَهُنَّ عَلَى وَفْقِ ذِكْرِهِنَّ، وَلَعَلَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَبْلَ حُصُولِ كَمَالِ عَائِشَةَ وَوُصُولِهَا إِلَى وِصَالِ الْحَضْرَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْجَامِعِ: رَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ - عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: ( «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَأَنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ: حَسْبُكَ: مُبْتَدَأٌ. وَمِنْ نِسَاءِ مُتَعَلِّقٍ بِهِ، وَمَرْيَمُ خَبَرُهُ. وَالْخِطَابُ إِمَّا عَامٌّ أَوْ لِأَنْسٍ أَيْ: كَافِيكَ مَعْرِفَتُكَ فَضْلِهِنَّ عَنْ مَعْرِفَةِ سَائِرِ النِّسَاءِ. اهـ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي النِّقَابَةِ: نَعْتَقِدُ أَنَّ أَفْضَلَ النِّسَاءِ مَرْيَمُ وَفَاطِمَةُ، وَأَفْضَلَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ وَعَائِشَةُ، وَفِي التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمَا أَقْوَالٌ. ثَالِثُهَا: التَّوَقُّفُ. أَقُولُ: التَّوَقُّفُ فِي حَقِّ الْكُلِّ أَوْلَى، إِذْ لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ وَالظَّنِّيَّاتُ مُتَعَارِضَةٌ غَيْرُ مُفِيدَةٍ لِلْعَقَائِدِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْيَقِينِيَّاتِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ. وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ أَيْضًا بِلَفْظِ: «خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ أَرْبَعٌ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ» . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: " «سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَرْبَعٌ: مَرْيَمُ وَفَاطِمَةُ وَخَدِيجَةُ وَآسِيَةُ» .
стр. 8629
٦١٩١ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ جِبْرَئِيلَ جَاءَ بِصُورَتِهَا فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٩١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ بِصُورَتِهَا) ، أَيْ: بِصُورَةِ عَائِشَةَ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ (فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8630
٦١٩٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ: بِنْتُ يَهُودِيٍّ فَبَكَتْ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: " مَا يُبْكِيكِ "؟ فَقَالَتْ: قَالَتْ لِي حَفْصَةُ: إِنِّي ابْنَةُ يَهُودِيٍّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟ ". ثُمَّ قَالَ: " اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةُ!» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٦١٩٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ) ، أَيْ: فِي حَقِّ صَفِيَّةَ (إِنَّهَا بِنْتُ يَهُودِيٍّ) ، أَيْ: نَظَرًا إِلَى أَبِيهَا (فَبَكَتْ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي، قَالَ: " مَا يُبْكِيكِ " فَقَالَتْ) ، أَيْ: صَفِيَّةُ (قَالَتْ لِي حَفْصَةُ) ، أَيْ: فِي حَقِّي (إِنِّي ابْنَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيٍّ ") أَيْ نَظَرًا إِلَى جَدِّهَا الْأَكْبَرِ وَهُوَ إِسْحَاقُ أَوْ هَارُونُ (" وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ ") ، وَهُوَ إِسْمَاعِيلُ أَوْ مُوسَى، وَالْأَوَّلُ فِيهِمَا ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الْأَخِيرَ هُوَ الْأَظْهَرُ (" وَإِنَّكِ ") ، أَيِ: الْآنَ (" لَتَحْتَ نَبِيٍّ فَفِيمَ تَفْخَرُ ") : بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيْ تَفْخَرُ حَفْصَةُ (" عَلَيْكِ ") : وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى ظُهُورِ مُخْتَارِ الطِّيبِيِّ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ غَايَتُهُ أَنَّ أَبَا حَفْصَةَ إِسْمَاعِيلُ وَعَمَّهَا إِسْحَاقُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَخْتَصُّ بِصَفِيَّةَ وَبِهِ يَحْصُلُ لَهَا الْمَزِيَّةُ، فَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَهِيَ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ مِنْ سِبْطِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ ﵇ (ثُمَّ قَالَ: " اتَّقِي اللَّهَ ") ، أَيْ: مُخَالَفَتَهُ أَوْ عِقَابَهُ بِتَرْكِ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ مِنْ عَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ (" يَا حَفْصَةُ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 8631
٦١٩٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا فَاطِمَةَ عَامَ الْفَتْحِ فَنَاجَاهَا، فَبَكَتْ، ثُمَّ حَدَّثَهَا فَضَحِكَتْ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُهَا عَنْ بُكَائِهَا وَضَحِكِهَا. قَالَتْ: أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَمُوتُ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ، فَضَحِكْتُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦١٩٣ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا فَاطِمَةَ عَامَ الْفَتْحِ) : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا وَهْمٌ إِذْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَرْبَابِ السِّيَرِ وُقُوعُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ عَامَ الْفَتْحِ، بَلْ كَانَ هَذَا فِي عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَوْ حَالَ مَرْضِ مَوْتِهِ ﵇ (فَنَاجَاهَا) ، أَيْ كَلَّمَهَا بِالسِّرِّ (فَبَكَتْ، ثُمَّ حَدَّثَهَا) ، أَيْ: خُفْيَةً أَيْضًا (فَضَحِكَتْ) ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ عَائِشَةَ سَأَلَتْهَا فِي حَيَاتِهِ فَلَمْ تُجِبْهَا وَبَعْدَ مَمَاتِهِ أَجَابَتْهَا نَحْوَ مَا ذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ بِقَوْلِهَا: (فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُهَا عَنْ بُكَائِهَا وَضَحِكِهَا) . أَيْ عَنْ سَبَبِهِمَا (فَقَالَتْ) : وَفِي نُسْخَةٍ قَالَتْ: (أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَمُوتُ) ، أَيْ: قَرِيبًا (فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ، فَضَحِكْتُ) . وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا قَالَ لَهَا أَيْضًا مِنْ أَنَّكِ أَوَّلُ مَنْ يَلْحَقُنِي مِنْ أَهْلِي عَلَى مَا سَبَقَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِهَذَا الْبَابِ إِنَّمَا يُنَاسِبُ بَابَ مَنَاقِبِ أَهْلِ الْبَيْتِ، لَكِنَّ ذِكْرَهُ مُسْتَطْرَدًا لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ؛ ذُكِرَتْ فِيهِ فَاطِمَةُ مَعَ ذِكْرِ خَدِيجَةَ وَمَرْيَمَ، وَهُوَ فَنٌّ مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ. اهـ. فَيَكُونُ تَفْصِيلًا لِبَعْضِ مَا سَبَقَ مُجْمَلًا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ تَلْمِيحًا إِلَى مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ مَرْيَمَ تَكُونُ زَوْجَةَ نَبِيِّنَا فِي الْجَنَّةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ: «فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
стр. 8632
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦١٩٤ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: «مَا أُشْكِلَ عَلَيْنَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحَيِحٌ غَرِيبٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦١٩٤ - (عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: مَا أَشْكَلَ) ، أَيْ: مَا اشْتَبَهَ، وَفِي نُسْخَةٍ مَا اشْتَكَلَ أَيْ مَا أَغْلَقَ (عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِالنَّصْبِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ الْمُعْتَمَدَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنَ الْمَجْرُورِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ (حَدِيثٌ قَطُّ) ، أَيْ: مَعْنَى حَدِيثٍ أَوْ فَقْدُ حَدِيثٍ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةٍ مُهِمَّةٍ (فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَمُتَعَلَّقَاتِهِ (عِلْمًا) . أَيْ نَوْعَ عِلْمٍ بِأَنْ يُوجَدَ الْحَدِيثُ عِنْدَهَا تَصْرِيحًا أَوْ تَأْوِيلًا لِأَنْ يُؤْخَذَ الْحُكْمُ مِنْهُ تَلْوِيحًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) . وَأَمَّا حَدِيثُ: «خُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنِ الْحُمَيْرَاءِ، يَعْنِي عَائِشَةَ» فَقَالَ الْحَافِظُ بْنُ حَجْرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: لَا أَعْرِفُ لَهُ إِسْنَادًا وَلَا رِوَايَةً فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، إِلَّا فِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ خَرَّجَهُ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ: أَنَّهُ سَأَلَ الْمِزِّيَّ وَالذَّهَبِيَّ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفَاهُ، وَقَالَ السَّخَاوِيُّ: ذَكَرَهُ فِي الْفِرْدَوْسِ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ وَبِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَلَفْظُهُ: «خُذُوا ثُلُثَ دِينِكُمْ مِنْ بَيْتِ الْحُمَيْرَاءِ» ، وَبَيَّضَ لَهُ صَاحِبُ مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ وَلَمْ يُخْرِجْ لَهُ إِسْنَادًا. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ.
стр. 8633
٦١٩٥ - وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْصَحَ مِنْ عَائِشَةَ ﵂. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ. غَرِيبٌ.
ــ
٦١٩٥ - (وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ) ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا عِيسَى التَّيْمِيَّ الْقُرَشِيَّ، سَمِعَ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ (قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْصَحَ مِنْ عَائِشَةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) .
стр. 8634
[بَابُ جَامِعِ الْمَنَاقِبِ]
стр. 8635
[١٢] بَابُ جَامِعِ الْمَنَاقِبِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦١٩٦ - «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي سَرَقَةً مِنْ حَرِيرٍ، لَا أَهْوِي بِهَا إِلَى مَكَانٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ بِي إِلَيْهِ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " إِنَّ أَخَاكِ رَجُلٌ صَالِحٌ - أَوْ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ -» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[١٢] بَابُ جَامِعِ الْمَنَاقِبِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦١٩٦ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) ، أَيِ ابْنِ الْخَطَّابِ الْقُرَشِيِّ الْعَدَوِيِّ، أَسْلَمَ مَعَ أَبِيهِ بِمَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَشَهِدَ مَا بَعْدَ الْخَنْدَقِ مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ وَالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ شَدِيدَ التَّحَرِّي وَالِاحْتِيَاطِ. قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا وَمَالَ إِلَيْهَا مَا خَلَا عُمَرَ وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ. قَالَ نَافِعٌ: مَا مَاتَ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى أَعْتَقَ أَلْفَ إِنْسَانٍ أَوْ زَادَ، وَكَانَ يَتَقَدَّمُ الْحُجَّاجَ فِي الْمَوَاقِفِ بِعَرَفَةَ وَغَيْرِهَا إِلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَفَ فِيهَا، وَكَانَ يَعِزُّ عَلَى الْحَجَّاجِ، وَخَطَبَ الْحَجَّاجُ يَوْمًا وَأَخَّرَ صَلَاةَ الْفَجْرِ أَوِ الْعَصْرِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ الشَّمْسَ لَا تَنْتَظِرُكَ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُصَيِّرَكَ الَّذِي فِي عَيْنَيْكَ قَالَ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّكَ سَفِيهٌ مُسَلَّطٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَخْفَى قَوْلَهُ ذَلِكَ عَنِ الْحَجَّاجِ وَلَمْ يُسْمِعْهُ، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ رَجُلًا فَسَمَّ زُجَّ رُمْحِهِ وَزَاحَمَهُ فِي الطَّرِيقِ، وَوَضَعَ الزُّجَّ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ. وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ قَبْلَ الْوَحْيِ بِسَنَةٍ، وَمَوْتُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي الْحِلِّ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْحَجَّاجِ، وَدُفِنَ بِذِي طُوًى فِي مَقْبَرَةِ الْمُهَاجِرِينَ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. (قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ) : بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّشْبِيهِ لِلْمُلَاحَظَةِ فِي التَّعْبِيرِ (فِي يَدِي) : وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّثْنِيَةِ (سَرَقَةً) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ قِطْعَةً (مِنْ حَرِيرٍ) ، أَيْ كَائِنَةً مِنْهُ (لَا أَهْوِي) : بِكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ لَا أَقْصِدُ (بِهَا إِلَى مَكَانٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ بِي إِلَيْهِ) ، أَيْ تُبَلِّغُنِي إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ مِثْلَ جَنَاحِ الطَّائِرِ وَالْبَاءِ لِلتَّعْدِيَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: لَا أُرِيدُ الْمَيْلَ بِهَا إِلَى مَكَانٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا كَانَتْ مَطِيرَةً بِي وَمُبَلِّغَةً إِيَّايَ إِلَى تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَكَأَنَّهَا لِي مِثْلَ جَنَاحِ الطَّيْرِ لِلطَّائِرِ (فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " إِنَّ أَخَاكِ رَجُلٌ صَالِحٌ، أَوْ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ ") . قَالَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ: تَأَوَّلَ هَذَا عَلَى أَنَّ السَّرَقَةَ كَانَتْ ذَاتَ يَدِهِ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَبَيَاضُ السَّرَقَةِ مُنْبِئٌ عَنْ خُلُوصِهِ مِنَ الْهَوَى وَصَفَائِهِ عَنْ كَدَرِ النَّفْسِ اهـ. وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ فِي الْمَصَابِيحِ سَرَقَةً مِنْ حَرِيرٍ بَيْضَاءَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ مِيرَكُ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: أَرَى عَبْدَ اللَّهِ رَجُلًا صَالِحًا، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 8636
٦١٩٧ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلًّا وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ، لَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ إِذَا خَلَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٦١٩٧ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ) : سَيَأْتِي تَرْجَمَتُهُ (قَالَ: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلَّا) : بِفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ طَرِيقَةً (وَسَمْتًا) ، أَيْ: سِيرَةً (وَهَدْيًا) ، أَيْ: هِدَايَةً وَدَلَالَةً (بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مُتَعَلِّقٌ بِأَشْبَهَ (لَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ) : بِفَتْحِ لَامِ التَّأْكِيدِ الدَّاخِلَةِ عَلَى خَبَرِ إِنَّ، وَالْمُرَادُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تُكَنَّى أُمُّ عَبْدٍ. قَالَ الْقَاضِي: الدَّالُ قَرِيبٌ مِنَ الْهَدْيِ، وَالْمُرَادُ بِهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَمَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ صَاحِبِهِ مِنْ ظَوَاهِرِ أَحْوَالِهِ وَحُسْنِ مَقَالِهِ، وَبِالسَّمْتِ الْقَصْدُ فِي الْأُمُورِ، وَبِالْهَدْيِ حُسْنُ السِّيرَةِ وَسُلُوكُ الطَّرِيقَةِ الْمُرْضِيَةِ، وَقَالَ شَارِحٌ: السَّمْتُ يُسْتَعَارُ لِهَيْئَةِ أَهْلِ الْخَيْرِ (مِنْ حِينِ يَخْرُجُ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَشْبَهَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ أَكْثَرِيَّةَ الشَّبَهِ فِيمَا ذَكَرَ مُسْتَمِرَّةً عَلَيْهِ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ (مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ) ، أَيْ إِلَى بَيْتِهِ وَهَذَا بِحَسْبِ الظَّاهِرِ الَّذِي كُنَّا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ (لَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ) ، أَيْ: فِي حَالِ كَوْنِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ (إِذَا خَلَا) ، أَيْ: مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَحَدٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَا نَدْرِي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ يُرِيدُ أَنَّا نَشْهَدُ لَهُ بِمَا يَسْتَبِينُ لَنَا مِنْ ظَاهِرِ أَمْرِهِ، وَلَا نَدْرِي مَا بَطَنَ مِنْهُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 8637
٦١٩٨ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَنِ، فَمَكَثْنَا حِينًا مَا نَرَى إِلَّا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا نُرَى مِنْ دُخُولِهِ وَدُخُولِ أُمِّهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦١٩٨ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) سَيَأْتِي مَنْقَبَتُهُ (قَالَ قَدِمْتُ) أَيِ الْمَدِينَةَ (أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَنِ فَمَكَثْنَا) بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا أَيْ فَلَبِثْنَا (حِينًا) أَيْ زَمَانًا كَثِيرًا (مَا نُرَى) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ أَيْ مَا نَظُنُّ (إِلَّا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا نَرَى) بِفَتْحِ النُّونِ أَيْ لِمَا نُبْصِرُ (مِنْ دُخُولِهِ وَدُخُولِ أُمِّهِ) أَيْ مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمَا (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ مَا نُرَى حَالٌ مِنْ فَاعِلِ مَكَثْنَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ الْهُذَلِيِّ كَانَ إِسْلَامُهُ قَدِيمًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ وَقَبْلَ عُمَرَ بِزَمَانٍ، وَقِيلَ كَانَ سَادِسًا فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ ضَمَّ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ سِوَاكَهُ وَنَعْلَهُ وَطُهُورَهُ فِي السَّفَرِ، هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا ثُمَّ مَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَشَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ وَقَالَ: «رَضِيْتُ لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ وَسَخِطْتُ لَهَا مَا سَخِطَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ» ، وَكَانَ خَفِيفَ اللَّحْمِ قَصِيرًا شَدِيدَ الْأَدْمَةِ نَحِيفًا يَكَادُ طَوَالُ الرِّجَالِ يُوَازِي جَالِسًا، وَلِيَ الْقَضَاءَ بِالْكُوفَةِ وَبَيْتَ مَالِهَا لِعُمْرَ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ ثُمَّ صَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَلَهُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. اهـ. وَهُوَ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا أَفْقَهُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 8638
٦١٩٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦١٩٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ اسْتَقْرِءُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ) أَيِ اطْلُبُوا الْقُرْآنَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَإِنَّهُمْ حَفَظَةُ الصَّحَابَةِ (مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) بِزِيَادَةِ (مِنْ) لِمَزِيدِ الْبَيَانِ فِي الْبَيَانِ (وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالُوا: هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ تَفَرَّغُوا لِأَخْذِ الْقُرْآنِ مِنْهُ ﷺ مُشَافَهَةً، وَغَيْرُهُمُ اقْتَصَرُوا عَلَى أَخْذِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، أَوْ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ تَفَرَّغُوا لِأَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُمْ أَوْ أَنَّهُ ﷺ أَرَادَ الْإِعْلَامَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ مِنْ تَقَدُّمِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَنَّهُمْ أَقْرَأُ مِنْ غَيْرِهِمْ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: سَالِمُ بْنُ مَعْقِلٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، كَانَ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ مِنْ إِصْطَخْرَ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الْمَوَالِي وَمِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِهِمْ، شَهِدَ بَدْرًا وَرَوَى عَنْهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمَا، وَأَمَّا أُبَيٌّ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ؟ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
стр. 8639
٦٢٠٠ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ ﵁ قَالَ: «قَدِمْتُ الشَّامَ، فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْتُ: اللَّهُمَّ. يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَأَتَيْتُ قَوْمًا، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا شَيْخٌ قَدْ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: أَبُو الدَّرْدَاءِ قُلْتُ: إِنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَيَسَّرَكَ لِي، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: أَوْ لَيْسَ عِنْدَكُمُ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادَةِ وَالْمَطْهَرَةِ، وَفِيكُمُ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ؟ يَعْنِي: عَمَّارًا، أَوْ لَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، حُذَيْفَةُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٦٢٠٠ - (وَعَنْ عَلْقَمَةَ) : تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ (قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ، فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ (ثُمَّ قُلْتُ: اللَّهُمَّ يَسِّرْ) ، أَيْ: سَهِّلْ (لِي جَلِيسًا صَالِحًا) ، أَيْ: عَالِمًا عَامِلًا أَوْ قَائِمًا بِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ عِبَادِهِ (فَأَتَيْتُ قَوْمًا، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا شَيْخٌ) ، أَيْ: كَبِيرٌ أَوْ عَظِيمٌ (قَدْ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي) ، رَوَى أَنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً تَجُرُّ الْأَهْلَ إِلَى الْأَهْلِ (قُلْتُ) ، أَيْ: لِلْقَوْمِ (مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: أَبُو الدَّرْدَاءِ قُلْتُ) ، أَيْ: لَهُ (إِنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ) ، أَيْ: يُسَهِّلَ (لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَيَسَّرَكَ لِي، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِيُطَابِقَ السُّؤَالَ، أَوْ تَقْدِيرُ السُّؤَالِ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ لِيُطَابِقَهُ الْجَوَابُ، وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ عِنْدَكُمْ إِلَخْ. فَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: صَوَابُهُ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ، لِقَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَعَلَّ لَفْظَةَ: " أَيْنَ " سَقَطَتْ مِنَ الْقَلَمِ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، أَوْ صُحِّفَ أَيْنَ بِأَنْتَ، وَمِنَ الْجَارَّةِ بِمَنِ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَخْطِئَةُ جَمَاعَةٍ.
стр. 8640
مِنَ الرُّوَاةِ الثِّقَاتِ فِي الْحِفْظِ وَالتَّيَقُّظِ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْجَوَابَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ مَعْرِفَةٍ مَا أَوْ مَعْرِفَةِ بَلَدِهِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُجِيبَ مُقَصِّرٌ أَوْ مُقْتَصِرٌ، أَوْ يَكُونُ رَجُلٌ أَوْ عَلْقَمَةُ مَحْذُوفًا، أَوْ تَقْدِيرُهُ: فَقُلْتُ فِي جُمْلَةِ الْجَوَابِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، وَيَنْشَأُ عَنْهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ لِئَلَّا يُنْسَبَ أَحَدٌ مِنَ الْأَكَابِرِ إِلَى الْخَطَأِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الضَّرُورَةِ، فَنِسْبَتُهُ إِلَى التَّابِعِيِّ أَوْلَى مِنَ الصَّحَابِيِّ خُصُوصًا السَّائِلَ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ لِلسَّائِلِ سُؤَالُكَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْجَوَابِ، بَلِ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. ثُمَّ رَأَيْتُ نَظِيرَ هَذَا الْإِشْكَالِ فِي بَابِ الْحُبِّ فِي اللَّهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي، فَأَجَابُوا بِأَنَّ السُّؤَالَ مُتَضَمِّنٌ لِقَوْلِهِ: أَيْنَ تُرِيدُ وَمَنْ تُرِيدُ، فَتَدَبَّرْ ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ فِي رِوَايَةٍ فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ كَذَا فِي الْحُمَيْدِيِّ.
(قَالَ) ، أَيْ: أَبُو الدَّرْدَاءِ (أَوَ لَيْسَ عِنْدَكُمُ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادَةِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ: الْمِخَدَّةُ (وَالْمَطْهَرَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْمَطْهَرَةُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ إِنَاءٌ يُتَطَهَّرُ بِهِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ فَتْحُ الْمِيمِ فِي الْمَطْهَرَةِ أَعْلَى، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ الْعِبَارَةُ اللَّطِيفَةُ. قَالَ الْقَاضِي: يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَخْدِمُ الرَّسُولَ ﷺ وَيُلَازِمُهُ فِي الْحَالَاتِ كُلِّهَا، فَيُصَاحِبُهُ فِي الْمَجَالِسِ، وَيَأْخُذُ نَعْلَهُ وَيَضَعُهَا إِذَا جَلَسَ وَحِينَ نَهَضَ وَيَكُونُ مَعَهُ فِي الْخَلْوَاتِ فَيُسَوِّي مَضْجَعَهُ وَيَضَعُ وِسَادَتَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، وَيُهَيِّئُ لَهُ طَهُورَهُ وَيَحْمِلَ مَعَهُ الْمَطْهَرَةَ إِذَا قَامَ إِلَى الْوُضُوءِ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لِشِدَّةِ مُلَازَمَتِهِ لَهُ ﷺ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ مَا يَسْتَغْنِي طَالِبُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِمَا ذُكِرَ فِي آدَابِ الْمُتَعَلِّمِينَ مِنْ أَنَّ الطَّالِبَ أَوَّلًا يُحِيطُ بِعِلْمِ عُلَمَاءِ بَلَدِهِ، ثُمَّ يَرْتَحِلُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْبُلْدَانِ فِي طَلَبِ زِيَادَةِ الْبَيَانِ مِنَ الْأَعْيَانِ. (وَفِيكُمْ) ، أَيْ: وَأَلَيْسَ فِيكُمُ (الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ) ، أَيْ: أَنْقَذَهُ وَخَلَّصَهُ (مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ) ؟ أَيْ بِنَاءً عَلَى لِسَانِهِ مِمَّا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ دُعَائِهِ (يَعْنِي) : أَيْ يُرِيدُ أَبُو الدَّرْدَاءِ (عَمَّارًا) ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الرُّوَاةِ (أَوَ لَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ) ، أَيْ: صَاحِبُ سِرِّ النَّبِيِّ ﷺ (الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ) ، أَيْ: ذَلِكَ السِّرَّ (غَيْرُهُ) ؟ أَيْ غَيْرُ حُذَيْفَةَ قِيلَ: مِنْ تِلْكَ الْأَسْرَارِ أَسْرَارُ الْمُنَافِقِينَ وَأَنْسَابُهُمْ، أَسَرَّ بِهَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُهُ الْمَذْكُورُ قَبْلَ هَذَا (يَعْنِي حُذَيْفَةَ) .
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ الْعَبْسِيُّ، مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ وَحَلِيفُهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ يَاسِرًا وَالِدَ عَمَّارٍ قَدِمَ مَكَّةَ مَعَ أَخَوَيْنِ لَهُ يُقَالُ لَهُمَا الْحَارِثُ وَمَالِكٌ فِي طَلَبِ أَخٍ لَهُمْ رَابِعٌ، فَرَجَعَ الْحَارِثُ وَمَالِكٌ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَقَامَ يَاسِرٌ بِمَكَّةَ، فَحَالَفَ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، فَزَوَّجَهُ أَمَةً لَهُ يُقَالُ لَهَا: سُمَيَّةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَمَّارًا فَأَعْتَقَهُ أَبُو حُذَيْفَةَ، فَعَمَّارٌ مَوْلًى وَأَبُوهُ حَلِيفٌ، أَسْلَمَ عَمَّارٌ قَدِيمًا، وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِمَكَّةَ لِيَرْجِعُوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَأَحْرَقَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّارِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمُرُّ بِهِ فَيُمِرُّ يَدَهُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: «يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى عَمَّارٍ كَمَا كُنْتِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» .
وَهُوَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ الطَّيِّبُ الْمُطَيَّبُ، قُتِلَ بِصِفِّينَ، وَكَانَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةً مِنْهُمْ: عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ وَأَمَّا حُذَيْفَةُ؟ فَهُوَ ابْنُ الْيَمَانِ وَاسْمُ الْيَمَانِ حُثَيْلٌ بِالتَّصْغِيرِ، وَالِيمَانُ لَقَبُهُ، وَكُنْيَتُهُ حُذَيْفَةُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْبَاءِ، رَوَى عَنْهُ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، مَاتَ بِالْمَدَائِنِ وَبِهَا قَبْرُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا النَّسَائِيُّ.
стр. 8641
٦٢٠١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُرِيْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ امْرَأَةَ أَبِي طَلْحَةَ، وَسَمِعْتُ خَشْخَشَةً أَمَامِي فَإِذَا بِلَالٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٦٢٠١ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أُرِيْتُ الْجَنَّةَ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (" فَرَأَيْتُ امْرَأَةَ أَبِي طَلْحَةَ ") وَهِيَ أُمُّ سُلَيْمٍ تَزَوَّجَهَا مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ أَبُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَنَسًا، ثُمَّ قُتِلَ عَنْهَا مُشْرِكًا وَأَسْلَمَتْ، فَخَطَبَهَا أَبُو طَلْحَةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ فَأَبَتْ وَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَزَوَّجُكَ وَلَا آخُذُ مِنْكَ صَدَاقًا لِإِسْلَامِكَ،
стр. 8642
فَتَزَوَّجَهَا أَبُو طَلْحَةَ، رَوَى عَنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ. (" وَسَمِعْتُ خَشْخَشَةً ") : بِالْخَاءَيْنِ وَالشِّينَيْنِ الْمُعْجَمَاتِ أَيْ صَوْتًا يَحْدُثُ مَنْ تَحَرُّكِ الْأَشْيَاءِ الْيَابِسَةِ وَاصْطِكَاكِهَا كَالسِّلَاحِ وَالنَّعْلِ وَالثَّوْبِ (" أَمَامِي ") ، أَيْ: قُدَّامِي تَقَدَّمَ الْخَادِمُ عَلَى الْمَخْدُومِ (" فَإِذَا بِلَالٌ ") ، وَهُوَ ابْنُ رَبَاحٍ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ بِمَكَّةَ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَسَكَنَ الشَّامَ آخِرًا وَلَا عَقِبَ لَهُ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَاتَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقِيلَ: مَاتَ بِحَلَبَ وَدُفِنَ بِبَابِ الْأَرْبَعِينَ، وَكَانَ مِمَّنْ عَذَّبَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمِمَّنْ كَانَ يُعَذِّبُهُ وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ، وَكَانَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ قَتَلَهُ بِلَالٌ يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ جَابِرٌ: كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا يَعْنِي بِلَالًا. اهـ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ «أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَمَّارٌ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وَصُهَيْبٌ، وَبِلَالٌ، وَالْمِقْدَادُ. فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخْذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ وَصَيَّرُوهُمْ فِي الشَّمْسِ فَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَأَتَاهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا إِلَّا بِلَالًا، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللَّهِ وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَخَذُوهُ فَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانِ، فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ» كَذَا فِي الرِّيَاضِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
стр. 8643
٦٢٠٢ - وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ. وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] » رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٦٢٠٢ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) : أَحَدُ الْعَشَرَةِ (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ) ، أَيْ أَشْخَاصٍ (فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ) ، أَيْ: مِنْ أَكَابِرِ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ (لِلنَّبِيِّ ﷺ : اطْرُدْ) ، أَيْ: أَبْعِدْ عَنْ حَضْرَتِكَ (هَؤُلَاءِ) ، أَيِ: الْمَوَالِيَ وَالْفُقَرَاءَ (لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا) . أَيْ لَا يَكُونُ لَهُمْ جَرَاءَةٌ عَلَيْنَا فِي مُخَاطَبَتِهِمْ بِنَا إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ نُؤْمِنَ بِكَ وَنَدْخُلَ عَلَيْكَ (قَالَ) ، أَيْ: سَعْدٌ (وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ) . بِالتَّصْغِيرِ (وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا) ، بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَجُوِّزَ تَخْفِيفُهَا أَيْ لَا أَتَذَكَّرُهُمَا. قَالَ صَاحِبُ الْأَزْهَارِ: وَرَجُلَانِ خَبَّابٌ وَعَمَّارٌ، وَإِنَّمَا قَالَ: لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا لِمَصْلَحَةٍ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ، وَقِيلَ: لِلنِّسْيَانِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى اللَّفْظِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيَّ، وَإِنَّمَا لَحِقَهُ سِبَاءٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاشْتَرَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ وَأَعْتَقَتْهُ، أَسْلَمَ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، وَهُوَ مِمَّنْ عُذِّبَ فِي اللَّهِ عَلَى إِسْلَامِهِ فَصَبَرَ، نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ) ، أَيْ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى طَرْدِهِمْ طَمَعًا فِي إِسْلَامِ الْأَكَابِرِ الْمُتَفَرِّعِ عَلَيْهِ إِسْلَامُ الْكُلِّ بَعْدَهُمْ (فَحَدَّثَ نَفْسَهُ) ، أَيْ لِلتَّآلُفِ بِهِمْ أَنْ يَطْرُدَهُمْ صُورَةً بِأَنْ لَا يَأْتُوهُ حَالَ وُجُودِ الْأَكَابِرِ عِنْدَهُ، أَوْ يَقُومُوا عَنْهُ إِذَا هُمْ جَلَسُوا عِنْدَهُ مُرَاعَاةً لِلْجَانِبَيْنِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلَاءِ جَلَسْنَا إِلَيْكَ وَحَدَّثْنَاكَ، فَقَالَ ﷺ : " مَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ " قَالُوا: فَأَقِمْهُمْ عَنَّا إِذَا جِئْنَا. قَالَ: " نَعَمْ " طَمَعًا فِي إِيمَانِهِمْ. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى) ، أَيْ: عِتَابًا لِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ فِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ﴾ [الأنعام: ٥٢] : بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالدَّالِ بَعْدَهُ أَلِفٌ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ، وَفِي قِرَاءَةٍ بِضَمٍّ وَسُكُونٍ وَفَتْحِ وَاوٍ وَالْعَشِيِّ: أُرِيدَ بِهِمَا طَرَفَا النَّهَارِ أَوِ الْمَلَوَانِ ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ يُرِيدُونَ بِعِبَادَتِهِمْ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى أَشْيَاءَ أُخَرَ مِنْ أَغْرَاضِ الدُّنْيَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 8644
٦٢٠٣ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: " يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُعْطِيْتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٢٠٣ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: " يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُعْطِيْتَ مِزْمَارًا ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ صَوْتًا حَسَنًا وَلَحْنًا طَيِّبًا (" مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ") ، أَيْ: مِنْ أَلْحَانِهِ، وَالْأَوَّلُ مُقْحَمٌ، وَاسْتُعِيرَ الْمِزْمَارُ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَهُوَ الْآلَةُ لِلصَّوْتِ الْحَسَنِ وَالنَّغْمَةِ الطَّيِّبَةِ. قَالَ الْقَاضِي، أَيْ: أُعْطِيْتَ حُسْنَ صَوْتٍ يُشْبِهُ بَعْضَ الْحُسْنِ الَّذِي كَانَ لِصَوْتِ دَاوُدَ، وَالْمُرَادُ بِآلِ دَاوُدَ نَفْسُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ آلُهَ مَشْهُورًا بِحُسْنِ الصَّوْتِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ أَسْلَمَ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَدِمَ مَعَ أَهْلِ السَّفِينَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ، وَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْبَصْرَةَ سَنَةَ عِشْرِينَ فَافْتَتَحَ أَبُو مُوسَى الْأَهْوَازَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عَلَى الْبَصْرَةِ إِلَى صَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا، فَانْتَقَلَ إِلَى الْكُوفَةِ فَأَقَامَ بِهَا وَكَانَ وَالِيًا عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ، ثُمَّ انْتَقَلَ أَبُو مُوسَى إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ التَّحْكِيمِ، فَلَمْ يَنْزِلْ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
стр. 8645
٦٢٠٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةٌ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قِيلَ لِأَنَسٍ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٢٠٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَمَعَ الْقُرْآنَ) ، أَيْ: قَرَأَهُ كُلَّهُ ذَكَرَهُ شَارِحٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ حَفِظَهُ أَجْمَعَ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: فِي زَمَانِهِ (أَرْبَعَةٌ) ، أَيْ: مِنَ الرِّجَالِ، أَرَادَ أَنَسٌ بِالْأَرْبَعَةِ أَرْبَعَةً مِنْ رَهْطِهِ وَهُمُ الْخَزْرَجِيُّونَ، إِذْ رُوِيَ أَنَّ جَمْعًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَيْضًا جَمَعُوا الْقُرْآنَ. (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُمْ (وَأَبُو زَيْدٍ قِيلَ لِأَنَسٍ مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالْمِيمِ أَيْ: أَحَدُ أَعْمَامِي، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، هُوَ الَّذِي جَمَعَ الْقُرْآنَ حِفْظًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ: سَعِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَقِيلَ: قَيْسُ بْنُ السَّكَنِ. اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِينَ حَفِظُوا الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي حَيَاتِهِ ﷺ وَهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرِ: اسْتَقْرِءُوا الْقُرْآنَ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْأَخْذِ بِالْقُرْآنِ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا اسْتَظْهَرُوا الْقُرْآنَ جَمِيعَهُ، هَذَا وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا تَعَلَّقَ بِهِ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ فِي تَوَاتُرِ الْقُرْآنِ، وَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ لِأَنَّ غَيْرَ الْأَرْبَعَةِ لَمْ يَجْمَعْهُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ الَّذِينَ عَلَّمَهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ، فَالْمُرَادُ نَفْيُ عِلْمِهِ لَا نَفْيَ غَيْرِهِ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ: حَفِظَ جَمَاعَاتٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَذَكَرَ مِنْهُمُ الْمَازِرِيُّ خَمْسَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةَ سَبْعُونَ مِمَّنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَكَانَتِ الْيَمَامَةُ قَرِيبًا مِنْ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ جَامِعِيهِ يَوْمَئِذٍ، فَكَيْفَ الظَّنُّ. بِمَنْ لَمْ يُقْتَلْ مِمَّنْ حَضَرَهَا وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي هَؤُلَاءِ، الْأَرْبَعَةَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَنَحْوُهُمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ يَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوا مَعَ كَثْرَةِ رَغْبَتِهِمْ فِي الْخَيْرِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَكَيْفَ يُظَنُّ هَذَا بِهِمْ، وَنَحْنُ نَرَى أَهْلَ عَصْرِنَا يَحْفَظُهُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ أُلُوفٌ. وَثَانِيهُمَا: أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ إِلَّا أَرْبَعَةٌ لَمْ يُقْدَحْ فِي تَوَاتُرِهِ، إِذْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ التَّوَاتُرِ أَنْ يَنْقُلَ جَمِيعُهُمْ جَمِيعَهُ، بَلْ إِذَا نَقَلَ كُلَّ جُزْءٍ عَدَدُ التَّوَاتُرِ صَارَتِ الْجُمْلَةُ مُتَوَاتِرَةً بِلَا شَكٍّ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمُرَادُ مِنَ الْأَرْبَعَةِ أَرْبَعَةٌ مِنْ رَهْطِ أَنَسٍ، وَهُمُ الْخَزْرَجِيُّونَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَرْبَعَةً مِنَ الْأَنْصَارِ أَوْسِهِمْ وَخَزْرَجِهِمْ وَهُوَ أَشْبَهُ، وَكَانَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ مُنَاوَأَةٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بَقِيَتْ مِنْهَا بَقِيَّةٌ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَلَعَلَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُفَاخَرَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: افْتَخَرَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ فَقَالَتِ الْأَوْسُ: مِنَّا غَسِيلُ الْمَلَائِكَةِ حَنْظَلَةُ بْنُ الْكَاتِبِ، وَمِنَّا مَنْ حَمَتْهُ الدُّبُرُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمِنَّا مَنِ اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ. وَقَالَتِ الْحَزْرَجُ: مِنَّا أَرْبَعَةٌ قَرَأُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقْرَأْهُ غَيْرُهُمْ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. فَقَوْلُهُ: لَمْ يَقْرَأْهُ غَيْرُهُمْ أَيْ لَمْ يَقْرَأْ كُلَّهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8646
٦٢٠٥ - وَعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ﵁ قَالَ: «هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مَنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ: قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا نَمِرَةٌ، فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْإِذْخِرِ ". وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٢٠٥ - (وَعَنْ خَبَّابِ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى (بْنِ الْأَرَتِّ) : بِفَتْحِ هَمْزٍ وَرَاءٍ وَتَشْدِيدِ فَوْقِيَّةٍ (قَالَ: هَاجَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى) ، أَيْ: رِضَاهُ (فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ) ، أَيْ: ثَبَتَ أَجْرُنَا الدُّنْيَوِيُّ وَالْأُخْرَوِيُّ عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ (فَمِنَّا مَنْ مَضَى) ، أَيْ: مَاتَ (لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ) ، أَيِ: الدُّنْيَوِيِّ (شَيْئًا) ، أَيْ مِنَ الْغَنَائِمِ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَنَاوَلَهَا مَنْ أَدْرَكَ زَمَنَ الْفُتُوحِ، فَيَكُونُ أَجْرُهُ كَامِلًا، فَالْمُرَادُ بِالْأَجْرِ ثَمَرَتُهُ فَلَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى أَجْرِ الْآخِرَةِ. (مِنْهُمْ: مُصْعَبٌ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بْنُ عُمَيْرٍ) ، بِالتَّصْغِيرِ (قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ) ، أَيِ: اسْتُشْهِدَ (فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ (إِلَّا نَمِرَةٌ) ، بِفَتْحِ نُونٍ فَكَسْرِ مِيمٍ أَيْ: كِسَاءٌ غَلِيظٌ فِيهِ خُطُوطٌ بِيضٌ وَسُودٌ (فَإِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ) ، أَيْ: بِهَا (خَرَجَتْ رِجْلَاهُ) ، أَيْ ظَهَرَتَا (وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ) ، أَيْ: بِهَا (خَرَجَ رَأْسُهُ) ، أَيِ انْكَشَفَ فَتَحَيَّرْنَا فِي أَمْرِهِ (فَقَالَ ﷺ : " غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ ") ، أَيْ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ (" وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْإِذْخِرِ ") : بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَالْخَاءِ وَهُوَ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ (وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ) : بِهَمْزٍ مَفْتُوحٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ وَفَتْحِ نُونٍ أَيْ نَضِجَتْ (لَهُ ثَمَرَتُهُ) : وَأَدْرَكَتْ وَطَابَتْ وَبَلَغَتْ أَوْ أَنَّ الْجُذَاذَ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ حُصُولِ بَعْضِ الْمُرَادِ وَالْيَنْعُ، بِفَتْحِ الْيَاءِ إِدْرَاكُ الثِّمَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩] وَفِي النِّهَايَةِ أَيْنَعَ الثَّمَرُ يُونِعُ وَيَنْعُ يَيْنَعُ فَهُوَ مُونِعٌ وَيَانِعٌ إِذَا أَدْرَكَ وَنَضِجَ وَأَيْنَعَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا (فَهُوَ) ، أَيْ: مِنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ (يَهْدِبُهَا) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِّ وَيُضَمُّ عَلَى مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ تَثْلِيثُهَا أَيْ يَجْتَنِيهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذِهِ الْفِقْرَةُ قَرِينَةٌ لِقَوْلِهِ: فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا كَأَنَّهُ قِيلَ: وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعَجَّلْ شَيْءٌ مِنْ ثَوَابِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عُجِّلَ بَعْضُ ثَوَابِهِ، وَقَوْلُهُ: يَهْدِبُهَا عَلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِاسْتِمْرَارِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ وَالْآتِيَةِ اسْتِحْضَارًا لَهُ فِي مُشَاهَدَةِ السَّامِعِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ» ، وَفِيهِ بَيَانُ فَضِيلَةِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَأَنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يَنْقُصْ لَهُ مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ شَيْءٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: مُصْعَبُ قُرَشِيٌّ عَبْدَرِيٌّ مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ، هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي أَوَّلِ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُصْعَبًا بَعْدَ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنْعَمِ النَّاسِ عَيْشًا وَأَلْيَنِهِمْ لِبَاسًا، فَلَمَّا أَسْلَمَ زَهَدَ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَنْ بَايَعَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى، وَكَانَ يَأْتِي الْأَنْصَارَ فِي دُورِهِمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُسْلِمُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ حَتَّى فَشَا الْإِسْلَامُ فِيهِمْ، فَكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يَجْمَعَ بِهِمْ فَأَذِنَ لَهُ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ السَبْعِينَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ قَلِيلًا، وَفِيهِ نَزَلَ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] وَكَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8647
٦٢٠٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٢٠٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " اهْتَزَّ الْعَرْشُ ") : بِتَشْدِيدِ الزَّايِ أَيْ تَحَرَّكَ (" لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ") .
стр. 8648
(وَفِي رِوَايَةٍ: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» ) . وَالْمَعْنَى اهْتَزَّ اهْتِشَاشًا وَسُرُورًا بِتَقَلُّبِهِ مِنَ الدَّارِ الْفَانِيَةِ إِلَى الدَّارِ الْبَاقِيَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَرْوَاحَ السُّعَدَاءِ وَالشُّهَدَاءِ مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ هُنَاكَ، وَقِيلَ: اهْتَزَّ اسْتِعْظَامًا لِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ، وَقِيلَ: اهْتَزَّ وَفَرِحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ بِقُدُومِ رُوحِهِ، فَأَقَامَ الْعَرْشُ مَقَامَ حَامِلِيهِ، وَقِيلَ: مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَكُونُ اهْتِزَازُهُ إِعْلَامًا لِلْمَلَائِكَةِ بِوُقُوعِ أَمْرٍ عَظِيمٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ فَقَالَ طَائِفَةٌ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاهْتِزَازُ الْعَرْشِ تَحَرُّكُهُ فَرَحًا بِقُدُومِ رُوحِ سَعْدٍ، وَجَعَلَ اللَّهُ فِي الْعَرْشِ تَمْيِيزًا وَلَا مَانِعَ مِنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمُخْتَارُ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَا يُنْكَرُ هَذَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ لِأَنَّ الْعَرْشَ جِسْمٌ مِنَ الْأَجْسَامِ يَقْبَلُ الْحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ اهْتِزَازُ أَهِلِ الْعَرْشِ وَهُمْ حَمَلَتُهُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَالْمُرَادُ بِالِاهْتِزَازِ الِاسْتِبْشَارُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ فُلَانٌ يَهْتَزُّ لِلْمَكَارِمِ، لَا يُرِيدُونَ اضْطِرَابَ جِسْمِهِ وَحَرَكَتِهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ ارْتِيَاحَهُ إِلَيْهَا وَإِقْبَالَهُ عَلَيْهَا. وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ وَفَاتِهِ، وَالْعَرَبُ تَنْسُبُ الشَّيْءَ الْمُعَظَّمَ إِلَى أَعْظَمِ الْأَشْيَاءِ فَيَقُولُونَ: أَظْلَمَتْ بِمَوْتِ فُلَانٍ الْأَرْضُ، وَقَامَتْ لَهُ الْقِيَامَةُ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: الْمُرَادُ اهْتِزَازُ سَرِيرِ الْجِنَازَةِ وَهُوَ النَّعْشُ، وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ تَرُدُّهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا أَوَّلُوا هَذَا التَّأْوِيلَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَشْهَلِيُّ الْأَوْسِيُّ، أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ بَيْنَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَأَسْلَمَ بِإِسْلَامِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارُهُمْ أَوَّلُ دَارٍ أَسْلَمَتْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيِّدُ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ مُقَدَّمًا مُطَاعًا شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ، وَهُوَ مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِهِمْ وَخِيَارِهِمْ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَرُمِيَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي أَكْحَلِهِ، فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ شَهْرٍ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ - عَنْ جَابِرٍ.
стр. 8649
٦٢٠٧ - وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: «أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةُ حَرِيرٍ فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَمَسُّونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٢٠٧ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: أُهْدِيَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَمَسُّونَهَا) ، أَيْ: يَلْمَسُّونَهَا وَيَمْسَحُونَهَا (وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ لِينِهَا) ، أَيْ: نُعُومَتِهَا وَرِقَّتِهَا (قَالَ: " أَتَعْجَبُونَ مَنْ لِينِ هَذِهِ ") ؟ أَيِ: الْحُلَّةِ (" لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ ") . أَيِ: الْمَنَادِيلُ الَّتِي يَمْسَحُ بِهَا سَعْدُ يَدَهُ خَيْرٌ مِنْ هَذِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ أَرْفَعَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ لَا يُقَاوِمُ أَوُضَعَ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ الْمَنَادِيلُ جَمْعُ مِنْدِيلٍ، وَهُوَ هَذَا الَّذِي يُحْمَلُ فِي الْيَدِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَغَيْرُهُ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّدْلِ وَهُوَ الْعَقْلُ، لِأَنَّهُ يُنْقَلُ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى وَاحِدٍ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ النَّدْلِ وَهُوَ الْوَسَخُ لِأَنَّهُ يُنَدَّلُ بِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْمَنَادِيلِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عِلْيَةِ الثِّيَابِ، بَلْ هِيَ تُبْذَلُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَرَافِقِ فَيُمْسَحُ بِهَا الْأَيْدِي، وَيُنْفَضُ بِهَا الْغُبَارُ عَنِ الْبَدَنِ، وَتُغَطَّى مَا يُهْدَى فِي الْأَطْبَاقِ، وَتُتَّخَذُ لِفَافًا لِلثِّيَابِ، فَصَارَ سَبِيلُهَا سَبِيلَ الْخَادِمِ، وَسَبِيلُ سَائِرِ الثِّيَابِ سَبِيلَ الْمَخْدُومِ، فَإِذَا كَانَ أَدْنَاهَا هَكَذَا فَمَا ظَنُّكَ بِأَعْلَاهَا؟ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
стр. 8650
٦٢٠٨ - «وَعَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسٌ خَادِمُكَ ادْعُ اللَّهَ لَهُ. قَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ ". قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٢٠٨ - (وَعَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ) : وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ (أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَسٌ خَادِمُكَ ادْعُ اللَّهَ لَهُ، قَالَ: (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدُهْ ") ، بِفَتْحَتَيْنِ وَضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: أَوْلَادَهُ (" وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ ") أَيْ: مِنَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَالْبَرَكَةُ زِيَادَةُ النَّمَاءِ فِي إِفَادَةِ النَّعْمَاءِ (قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ) ، أَيْ: غَايَةُ الْكَثْرَةِ وَنِهَايَةُ الْبَرَكَةِ عَلَى وَفْقِ الْبُغْيَةِ (وَإِنَّ وَلَدِي) ، أَيْ: بِلَا وَاسِطَةٍ (وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ) : بِضَمِّ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: يَزِيدُونَ فِي الْعَدَدِ (عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ) . أَيْ: فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنَ الْحَدِيثِ، رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: رُزِقْتُ مِنْ صُلْبِي سِوَى وَلَدِ
следующие страницы →